الأجلين، وهو في موضع آخر في "الأم" في الجنسين.
والصحيح: الصحة في المسألتين، كما قال المصنف، وممن صححه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والبغوي (١) والرافعي (٢) والنووي (٣) وغيرهم (٤)، وممن قال به مالك (٥)، وفاوت البغوي في نقل الخلاف فحكى في الأجلين وجهين وفي الجنسين قولين، وما بينته لك من نصوص الشافعي يبعد ذلك.
واستدلوا للقول الأول أيضًا بأنه ربما يتعذر تسليم بعض النجوم أو بعض الأجناس، فيرتفع العقد فيه، ويتعدى إلى الباقي، قال الرافعي: "والخلاف ناظر إلى أن الصفقة هل تفرق؟ " (٦). وكلام الشافعي والأصحاب يدل على أن القول الأول مأخوذ من وجوب، ومحل الخلاف فيما إذا لم يفصل الثمن، أما إذا فصل فيجوز، نبه عليه في "البويطي" (٧).
ومن أمثلة المسألة: لو أسلم في ثلاثين رطلًا لحمًا فأخذها كل يوم رطلًا، ومفهوم كلام المصنف أنه إذا أسلم في جنسين حالًّا أنه لا يجري الخلاف، وعليه يقتضي جريان الخلاف.
والذي فهمته من إطلاق كلام الشافعي والماوردي أن الخلاف يجري سواء أكان رأس المال جزافًا أو معلومًا، إلَّا أن يبين حصة كل واحد من الثمن؛ لأنه إذا كان معلومًا كان ما يخص كل واحد كالجزاف، ولو أسلم
стр. 527
في عشرة أكرار حنطة، فهو جنس واحد لا يجري فيه خلاف، ولو أسلم في كُرَّين من حنطة على أن يأخذ بأحدهما رهنا وضمينًا قال الماوردي: "جاز على القولين جميعًا [لأنها وثيقة] (١) لا تتعلق؛ بالثمن" (٢).
وقول المصنف: لأن ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر، أي: قد يكون أقل، فإن العقد يقتضي توزيع الثمن عليهما، وما يقابل أبعدهما أجلًا أقل مما يقابل أقلهما لا محالة؛ لأن زيادة الأجل يقابلها قسط من الثمن، وقوله كبيع الأعيان أي: إذا باع جنسين معينين بثمن واحد، فإن الثمن يقسط عليهما، ولا نعلم ما يخص كلًّا منهما، وإن كنا نعلم أن
قيمتهما مختلفة.
* * *
стр. 528
قال:
فصل [موضع التسليم]
وأما بيان موضع التسليم، فإنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم كالصحراء وجب بيانه، وإن كان في موضع يصلح للتسليم، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب بيانه؛ لأنه يختلف الغرض باختلافه، فوجب بيانه كالصفات (١).
والثاني: لا يجب بل يحمل على موضع العقد، كما يقول في بيع الأعيان. والثالث: أنه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه؛ لأنه يختلف الثمن باختلافه، فوجب بيانه كالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، وإن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب بيانه؛ لأنه يختلف الثمن باختلافها، فلم يجب بيانه؛ كالصفات التي لا يختلف الثمن باختلافها.
أطلق الشافعي في "الأم" في موضع؛ أنه يستحب أن يشترط الموضع، وأطلق في "البويطي" (٢) أنه يحتاج إلى ذكره، وقال في "الأم" في باب السلف في الحنطة: "ويصف الموضع الذي يقبضها فيه، والأجل الذي يقبضها إليه، فإن ترك من هذا شيئًا لم يجز.
стр. 529
قال الشافعي: وقال غيرنا: إن ترك صفة الموضع الذي يقبضها فيه، فلا بأس، ويقبضه حيث أسلفه ثم قال: وكل ما كان لحمله مؤنة، لم يجز عندى أن يدع شرط الموضع كما قلت في الطعام" (١)، في المسألة سبع طرق: إحداها: عن أبي إسحاق المروزي: أنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم وجب بيانه، وإن لم يجب.
والثانية: عن ابن القاص أن المسلم فيه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه وإلَّا فلا، وهاتان باقيتان للخلاف، والثالثة عن صاحب "الإفصاح" والقاضي أبي حامد وابن المنذر أن المسألة على قولين مطلقًا، أحدهما: يجب، وبه قال سفيان الثوري وأهل الرأي (٢).
والثاني: لا يجب، وبه قال أحمد (٣) وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث.
وقال الأوزاعي: تركه مكروه، واختاره ابن المنذر (٤) لعدم ذكره في حديث ابن عباس.
والرابعة: إن لم يكن الموضع صالحًا وجب، وإلَّا فقولان.
والخامسة: إن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب، وإن كان له مؤنة فقولان.
والسادسة: إن كان لحمله مؤنة وجب، وإلا فقولان، وهي أصح الطرق عند الإمام (٥)، ويروى عن اختيار القفال وعليها يدل ما قدمته من نص الشافعي.
стр. 530
وهذه الطرق الستة ذكرها وحكى الماوردي من ذلك الثانية والثالثة، لكنه جعلهما فيما إذا كان الموضع يصلح للتسليم.
أما الذي لا يصلح، فجزم فيه بوجوب التعيين، وهو موافق لما قاله المصنف؛ فإن الطريقين يخرج منهما ثلاثة أوجه، ويكون ذلك طريقة سابعة إن لم يكن الموضع صالحًا وجب، وإلا فثلاثة أوجه، وهي أقرب من حكاية الرافعي الطريقتين على الإطلاق؛ فإنه كيف يقال لعدم الوجوب إذا لم يكن الموضع صالحًا للتسليم.
قال الرافعي: "والفتوى من ذلك كله على وجوب التعيين إذا لم يكن الموضع صالحًا، أو كان لحمله مؤنة، وعدم الاشتراط في غير هاتين الحالتين" (١).
قلت: وهو صحيح، ونص الشافعي يشهد له، ومتى شرطنا التعيين، فلم يعين فسد العقد، وإن لم يشترطه فإن عين تعين، وعن أحمد (٢) رواية أنه يفسد السلم، وإن لم يعين حمل على مكان العقد.
وفي "التتمة": أنه إذا لم يكن لحمله مؤنة سَلَّمه في أي موضع صالح شاء، وذكر وجهًا فيما إذا لم يكن الموضع صالحًا أنه يحمل على أقرب موضع صالح، ولو عين موضعًا صالحًا، فخرب، وخرج عن صلاحية التسليم فثلاثة أوجه عن ابن كج، أحدها: يتعين ذلك الموضع.
والثاني: لا وللمسلم الخيار.
والثالث: يتعين أقرب موضع صالح.
وقال النووي: "إنه أقيسها" (٣)، ولو شرط التسليم ببلد لزمه في أولها،
стр. 531
ولا يكلف نقله إلى منزله.
ولو قال: على أن تسلمه إليَّ في أي موضع شئت من البُلْدان فسد السَّلم.
ولو قال: في أي موضع شئت (١) من البلد الفلاني، فإن كان ذلك البلد واسعًا؛ كالبصرة وبغداد لم يجز، وإن كان صغيرًا لحده، والجار جاز.
ولو قال: بالبصرة أو ببغداد لم يجز.
ولو قال: بالبصرة وببغداد، فوجهان:
أحدهما: يفسد.
والثاني: يحمل على التنصيف. هذا كله في السَّلم المؤجل.
أما الحال، فلا حاجة فيه إلى بيان موضع التسليم كالبيع، ويتعين مكان العقد كذلك، قال الشيخ أبو حامد والرافعي (٢) وغيرهما: لكن لو عين موضعًا آخر جاز بخلاف البيع؛ لأن السلم يقبل التأجيل؛ فيقبل شرطًا يتضمن تأخير التسليم بالإحضار والأعيان لا تحمل ذلك، فلو أسلم حالًّا في موضع لا يصلح للتسليم ولم يعين.
قال في "التهذيب" (٣): ولا يعين لمكان العقد ذلك الموضع لعينه بل تلك المحلة صنعًا؛ فالذي يظهر فساد العقد، وعليه يدل كلام الماوردي.
قال في "التتمة": والأجرة إذا كانت دينًا، وكذا الصداق، وعوض الخلع، والكتابة، ومال الصلح عن دم العمد، وكل عوض ملتزم في الذمة لها حكم السلم إن عين للتسليم مكانًا جاز، وإلا تعين موضع العقد؛ لأن كل الأعواض الملتزمة في الذمة تقبل التأجيل كالمُسلم فيه.
стр. 532
وأما العين المعينة فلا يشترط فيها ذكر موضع التسليم، ويتعين موضع العقد؛ فعليه التسليم فيه؛ فإن عينا مكانًا آخر بطل البيع، وقال القاضي حسين: إذا أتى البائع بالمبيع في أي مكان كان أجبر المشتري على القبض، وأي موضع طلبه المشتري وقد وفر الثمن أو قلنا بإجبار البائع، فإنه يجبر على التسليم، هكذا قاله القاضي حسين في آخر كتاب السلم.
* * *
стр. 533
قال:
فصْل [قبض رأس المال]
ولا يجوز تأخير قبض رأس المال عن المجلس لقوله ﷺ : "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، والإسلاف: هو التقديم، ولأنه إنما سُمِّي سلمًا؛ لما فيه من تسليم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلمًا: فلم يصح.
الحديث تقدم والاستدلالان جيدان بشرط أن يثبت أن ذلك معناه لغة أو شرعًا، وقال الشافعي في "الأم": "ولا يقع اسم التسليف عليه حتى يعطيه ما سلفه فيه قبل أن يفارقه من سلفه" (١)، وقول الشافعي حجة في اللغة، واستدل غيره بأن تأخير التسليم نازل منزلة الدينية في الصرف وغيره، والمسلم فيه دين في الذمة، فلو تأخر تسليم رأس المال (٢) لصار في معنى بيع الكالئ بالكالئ، وبأن الغرر في المسلم فيه احتمل للحاجة، فخبر ذلك يتأكد العوض الثاني بالتعجيل كيلا يعظم الضرر في الطرفين.
وهذه الأدلة إنما يحتاج إليها في المعين، أما إذا كان رأس المال دينًا وتفرقًا قبل قبضه وتعيينه، فهو بيع الكالئ بالكالئ بعينه، وجمهور العلماء
стр. 534
يوافقون لنا على اشتراط قبض رأس المال في المجلس، وحكي عن مالك (١) أنه أجاز تأخيره اليومين والثلاثة، ويحكى عنه أكثر من ذلك ما لم يكن ذلك مشروطًا.
وَلَوْ تفرقا قبل تسليم بعضه قال في "البويطي": "فالسلم فاسد" (٢)، وقيل: يفسد منه بقدر ما بقي، واختلف الأصحاب على ثلاث طرق: إحداها وبها قال البصريون من الأصحاب: إن العقد باطل في الجميع، ونص عليه في "الأم"، وهو الذي قدمه في "البويطي".
ونقله ابن المنذر (٣) عن الشافعي (٤)، وسفيان الثوري، وابن شبرمة، وأحمد (٥).
والثانية: وبها قال البغداديون: يصح بقدر ما قبض ويفسد بقدر ما بقي، كما حكاه في "البويطي" (٦)، قال: هؤلاء خيار لتفرقهما عن رضا.
والثالثة، وهي الصحيحة: يخرج على تفريق الصفقة، وممن صححها الشاشي في "الحلية".
اختلف هؤلاء، فقال ابن القاص: هو من التفريق في الابتداء، وبه أخذ القاضي حسين، وقال غيره: هو من التفريق في الدوام، وهو الذي أورده الرافعي، وقال الإمام: "إنه متردد بين الابتداء والانتهاء، وإنه إلى
стр. 535
الابتداء أقرب من جهة أن القبض في السَّلم ركن العقد، فالانفساخ طرأ قبل تمامه" (١)، فإن صححنا على هذه الطريقة قال الماوردي: يثبت الخيار للمسلم إليه في أن يصحح العقد أو يفسخ، ولا يثبت للمسلم.
ولو تفرقا فوجد بالثمن عيبًا، فإن كان يخرجه من الجنس بأن كان زيفًا، فإن كان بالجميع فالعقد باطل، وإن كان ببعضه، فعلى القولين في قبض بعضه، وتأخر بعض، نص عليه في "البويطي" (٢).
وإن كان العيب لا يخرجه من جنس الأثمان وهو باقٍ، فإن كان العقد ورد على عينه يخير بين الرضا وفسخ العقد، وإن ورد على الذمة، فعلى الخلاف في الصرف.
ورأيت في "البويطي" "أنه إذا أعطاه عرضًا بطعام إلى أجل، فوجد عيبًا، ففي أحد القولين "باطل" (٣)، ولم يظهر لي إطلاق هذا اللفظ، وإن اطلع على العيب، وقد تعذر رأس المال بعتق أو غيره، وأقبض الرجوع بالأرش سقط من المسلم فيه ذلك المقدار، مثاله: إذا كان العيب ينقضي عُشْر قيمة رأس المال سقط عُشر المسلم فيه؛ قاله البغوي (٤) وغيره.
قال القاضي حسين، والإمام (٥): ولا يبطل في الباقي قولًا واحدًا؛ لأن رأس المال قَدْ قبض، وإنما هذا استدراك.
هذا اعتذار الإمام، وأما القاضي حسين فقال: إنا حكمنا بانفساخ البعض؛ لأنا نعطي الصفة حكم الجزء من حيث إن الثمن والعوض يختلف
стр. 536
بوجودها وعدمها عند تعذر الرد، غير أنها من حيث كونها صفة في الحقيقة، لم يحكم بتعدي البطلان عنها إلى غيرها قولًا واحدًا.
قلت: وقد تقدم عن القاضي أبي الطيب: أنه يتخرج على تفريق الصفقة، قال الإمام: وإذا سقط الأرش، فلا يثبت لسببه خيار؛ لأن هذا مستحقٌّ شرعًا، ولا خيرة مع حكم الشرع" (١)، ونقل الإمام هنا أن الأرش هل يثبت بنفس الاطلاع عند قوات الرد أو لابد من الطلب الجازم؟ فيه وجهان أرجحهما عنده الثاني، وشبههما بالخلاف في الشفيع.
ولو حدث برأس المال عيب، ثم اطلع على عيب قديم، فقال المسلم: اغرم لي الأرش عن الحادث حتى أقبل منك، فهل يلزمه إعطاء الأرش؟ فيه وجهان، في "تعليقة القاضي حسين".
إن قلنا: يلزمه فإذا امتنع بطل حقه، ولزمه جميع المسلم فيه، وإن قلنا: لا يلزمه، فحكم حكم ما لو هلك في يده، ثم اطلع على عيب قديم.
ويجوز أن يجعل رأس المال منفعة عبد، أو دار مدة معلومة، وقبضها بقبض العين، ولو جعل رأس المال تعليم سورة من القرآن قال الروياني في "البحر": "يسلم نفسه إليه ثم يتخايرا ويفارقه برضاه من غير امتناع لينقطع بأحد هذين الأمرين خيار المجلس" (٢)؛ لأن تسليم ما ينتفع به جار مجرى تسليم المنفعة في باب الأعواض.
ولابد في القبض أن يكون محققًا؛ فلا تكفي الحوالة به في المجلس إذا لم يقبضها قطعًا، وإن قُلنا: إنها استيفاء وتكون فاسدة، ولو قبضها المحتال في المجلس: فكذلك عند القاضي حسين، والرافعي (٣)؛ لأنه يؤديه عنه لا
стр. 537
عن المسلم، وقد سبق في نظيره من الصرف وجهان، وأنه إن قلنا: إنها استيفاء جاز، وقياس ذلك أن يأتي هنا قال الرافعي: "ولو قبضه المسلم وسلمه إلى المُسَلَّم إليه جاز" (١).
قلت: هذا بناء على ما ذكره؛ فإن الحوالة حينئذ تكون فاسدة، ووجودها، كعدمها، أما إن قلنا بالصحة على ما ذكر في الصرف، فالحق بسببها انتقل، فلا يصح قبل المسلم بعد ذلك ولا إقباضه للمسلم إليه.
ولو قال للمحال عليه: سلمه إليه، ففعل قال الرافعي: "لم يكف لصحة السلم؛ لأن الإنسان في إزالة ملكه لَا يصير وكيلًا للغير، لكن يجعل المسلم إليه وكيلًا عن المسلم في قبض ذلك، ثم السَّلم يقتضي قبضًا، ولا يمكنه أن يقبض من نفسه" (٢).
قلت: هذا على قوله بأن الحوالة فاسدة؛ فيكون كمديون قال له صاحب الدين: سلم ديني إلى فلان عمالة عليَّ لا يصح، وفي كون المسلم إليه يصير وكيلًا عن المسلم نظر؛ لأنه لم يأذن له في القبض، وإنما أذن لذاك في الدفع، ولو أحال المسلم إليه برأس المال فتفرقا قبل التسليم، فالعقد باطل، وإن جعلنا الحوالة قبضًا؛ لأن المعتبر في السلم القبض الحقيقي، ولو أحضر المسلم رأس المال؛ فقال المسلم إليه له سلمه إلى المحتال ففعل صح، ويكون المحتال وكيلا عن المسلم إليه في القبض، كذا قال الرافعي (٣).
ولا نزاع في أن المسلم إليه إذا وكل بقبض رأس المال يجوز إذا قبض الوكيل في المجلس، ولو كان رأس المال دراهم في الذمة فصالح عنها على مالٍ لم يصح، وإن قبض ما صالح عليه ولو كان عبدًا فأعتقه المسلم إليه قبل
стр. 538
القبض لم يصح إن لم يصحح إعتاق المشتري قبل القبض، وإن صححناه وهو المشهور فوجهان والفرق أنه قبض حكم، وهو غير كافٍ من السلم.
فعلى هذا إن تفرقا قبل قبضه بطل العقد، وإن تفرقا بعده صح، وفي نفوذ العتق وجهان وإذا وجدنا، رأس المال في يد المسلم إليه واختلفا، فقال المسلم: أقبضته له بعد التفرق، وقال الآخر: قبله، وأقام كل منهما بينة؛ فبينة المسلم إليه أولى؛ لأنها ناقلة. يحكى ذلك عن ابن سريج.
وعلله الشيخ أبو حامد بأن معها زيادة، وهو القبض قبل التفرق. قال هو والروياني (١): وهكذا لو وجدناه في يد المسلم؛ فقال: تفرقت قبل القبض، وقال المسلم إليه: بل بعده، ثم أودعت له، أو غصبته، وأقام كل منهما بينة.
قال: ولو لم تكن بينة فالقول قول مدعي الصحة قد كان بالضد؛ فقال وقال المسلم إليه: تفرقنا قبل القبض، وأنكر المسلم، قال الروياني: فبينته أولى، والعقد بحاله؛ فإن لم تكن بينة، فالقول قول من معه سلامة العقد.
قلت: وقد تقدم في باب اختلاف المتبايعين تفصيل فيه نظير المسألة؛ فلينظر هناك.
"ولو قبض المسلم إليه رأس المال، ثم أودعه المسلم قبل التفرق جاز، ولو رده عليه بدين كان له عليه، قال أبو العباس الروياني (٢): لا يصح؛ لأنه تصرف قبل انبرام ملكه عليه؛ فإذا تفرقا، فعن بعض الأصحاب أنه يصح السلم لحصول القبض وانبرام الملك، ويستأنف إقباضه للدين" (٣)، هكذا نقله الرافعي عن الروياني، وسكت عليه.
стр. 539
فأما حمله بأن أعطاه عن دينه لا يصح؛ فقد تقدم لنا أن أحد المتصادقين إذا اقترض من الآخر فأقبضه ورده عليه عما بقي له، فيه وجهان بنوهما على أن القرض بماذا يملك، وسبق اختلاف في التصحيح، والبحث مع الرافعي فيه، وأن الذي رجحه جماعة الصحة.
فإن قلنا بالصحة هناك أو بالفساد لكون القرض لا يملك إلا بالتصرف، فها هنا يصح أن يرده عن الدين، وإن قلنا هناك بأنه لا يصح لكونه تصرفا قبل انبرام صح قول الروياني هاهنا وقوله: إذا تفرقا، فعن بعض الأصحاب أنه يصح السلم يوهم أن في صحة السلم خلافًا، وهو بعيد إن صح، وسيأتي أن تسليم المسلم فيه لا يغني عن تسليم رأس المال.
فائدة:
قال الشيخ أبو حامد: رأس مال السلم لغة أهل العراق، والشافعي يسميه ثمن السلم، قال ذلك الشيخ أبو حامد.
فرع
أجمعوا على منع أن يجعل دينارًا له على رجل سلمًا في طعام إلى أجل معلوم، نقله ابن المنذر (١)، وعلله القاضي حسين بأنه بيع دين بدين، وسيأتي في كلام المصنف.
فرع
قبض رأس المال في المجلس، ثم تلف في يده قبل التفرق، ففي بُطلان السلم وجهان في "البحر" (٢).
قلت: وهما الخلاف في تلف المبيع بعد القبض في زمان الخيار.
стр. 540
قال:
ويجوز أن يكون رأس المال في الذمة، ثم يعينه في المجلس، ويسلمه، ويجوز أن يكون معينًا.
هذا هو المشهور، ونقل الماوردي وجهًا عن أبي العباس بن صالح البصري وطائفة من البصريين: أنه لا يصح إلَّا أن يكون معينًا؛ فلا يجوز أن يسلم دنانير موصوفة في أثواب، ويقبضها في المجلس، وقد تقدم لنا في الصرف وجه مثله عن أبي عاصم العبادي، لكنه بعيد غريب في النقود، وإنما هو مشهور هناك في الطعام.
وفي كلام الإمام (١) هنا ما يقتضي جريان الوجهين في العوض الموصوف من العروض والقطع بالجواز في النقود، كما جزموا في الصرف على الطريقة المشهورة في النقود، وترددوا في الطعام، وقوله: ويجوز أن يكون معينًا، أي ويقبضه في المجلس.
وإذا عين ما في الذمة في المجلس صار، كالمعين في العقد على الأصح، ولو كان له في ذمة الغير دراهم فقال: أسلمت إليك الدراهم التي في ذمتك في كذا حالًّا وأحضره وسلمه في المجلس، فوجهان أصحهما البطلان؛ لأن قبض المسلم فيه، وإن كان حالًّا ليس بشرط، فهو تبرع.
وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات، كما لو باع طعامًا بطعام إلى أجل، ثم تبرع بالإحضار لم يجز، وأطلق المتولي الوجهين في أن تسليم المسلم فيه في المجلس وهو حالٌّ هل يغني عن تسليم رأس المال؟ والأصح:
стр. 541
المنع، وسيأتي في شرح كلام المصنف في الباب الذي يلي هذا فائدة أبي العباس الذي نقل عنه الماوردي، رأيت النسخ مُختلفة فيه، ففي بعضها ابن صالح، وفي بعضها ابن رجاء.
* * *
стр. 542
قال:
فإن كان في الذمة، نظرت: فإن كان من الأثمان حمل على نقد البلد، فإن كان في البلد نقود حمل على الغالب منها، وإن لم يكن في البلد نقد غالب وجب بيان نقد معلوم.
الحكم في ذلك وفي الثمن واحد، ولم يذكر الرافعي هذه المسألة، وزادها النووي في "الروضة" (١)، وقد ذكرها الشيخ أبو حامد، وذكرها الإمام (٢) في كتاب القاضي إلى القاضي.
ونقل ابن الرفعة (٣) عن كتاب "أدب القضاء" لأبي علي الزبيلي، أنه حكى ذلك عن ابن أبي هريرة، وحكى عن أبي إسحاق أنه لابد من الوصف، وعن ابن سريج أنه يجب في المؤجل، ولا يجب في الحال، وهذان الوجهان غريبان، وبتقدير ثبوتهما لا يجريان في الثمن؛ لأن مأخذهما أن رأس مال السلم لابد من وصفه.
* * *
стр. 543
قال:
وإن كان رأس المال عرضًا، وجب بيان الصفات التي تختلف بها الأثمان؛ لأنه عوض في الذمة غير معلوم بالعرف، فوجب بيان صفاته، كالمسلم فيه.
الكلام فيه كالكلام في المسلم فيه سواء.
* * *
стр. 544
قال:
وإن كان رأس المال معينًا، ففيه قولان؛ أحدهما: يجب ذكر صفاته ومقداره؛ لأنه لا يؤمن أن ينفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه، فإذا لم يعرف مقداره وصفته لم يعرف ما يرده.
والثاني: أنه لا يجب ذكر صفاته ومقداره؛ لأنه عوض في عقد لا يقتضي رد المثل، فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر صفاته ومقداره؛ كالمهر والثمن في البيع.
القولان منصوصان في "الأم" (١)، وأحبهما إليه الأول، والأصح الثاني، وبه قال المزني وأبو يوسف ومحمد (٢)، وممن صححه الشيخ أبو حامد والماوردي، والغزالي، والرافعي (٣) وجميع الأصحاب لما ذكر المصنف، ولأنه لم ينيه عليه في الحديث كما نبه على المسلم فيه.
قال هؤلاء: وتوقع الفسخ موجود في الإجارة، ويجوز جعل الأجرة جزافًا إلا على طريق بعيدة، وفي البيع وفرقوا بين هذا وبين القرض، فإن القرض يقتضي بدلا غير مسمى، وإنما يعتبر بما يدفع إليه، فوجب معرفة قدره، وهنا الذي يقتضيه العقد هو المسلم فيه، وقد وصف.
والقول الأول هو الذي نقله المزني عن الشافعي (٤) في هذا المكان، وهو
стр. 545
اختيار أبي إسحاق المروزي، ولا فرق في ذلك بين النقود وغيرها، ولو كان رأس المال متقومًا وضبطت صفاته بالمعاينة، ففي اشتراط معرفة قيمته طريقان منهم من طرد القولين والأكثرون قطعوا بصحة السلم، ولا فرق في القولين بين السلم الحالِّ والمؤجل على المشهور.
ومنهم من خصص القولين بالمؤجل، وقطع في الحال بأن المعاينة كافية كما في البيع، وهو اختيار القاضي حسين، وعن كتاب القاضي ابن كج طريقة قاطعة في المؤجل بالمنع، ذكرها الرافعي (١).
قال الرافعي: "وموضع القولين ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والقيمة، أما إذا عَلِمَا ثم تفرقا، فلا خلاف في الصحة" (٢)، وذكر الإمام: "أن المحققين قالوا: إن هذا الخلاف يقرب من الخلاف في الجمع بين سلم وبيع في صفقة واحدة من جهة تقدير بطرق الفسخ إلى أحد العقدين دون الثاني" (٣).
ومذهب أبي حنيفة (٤): أن رأس المال إن كان مكيلًا أو موزونًا وجب ضبط صفاته، وإن كان مذروعًا أو معدودًا فلا، ونقل عنه أنه إن كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا لم يجب، وإلا وجب.
التفريع:
إن جوزنا أن يكون رأس المال جزافًا، فاتفق الفسخ وتنازعا في قدره؛ فالقول قول المسلم إليه مع يمينه؛ لأنه غارم نص عليه الشافعي (٥) والأصحاب.
стр. 546
وإن منعنا أن يكون جزافًا، لم يجز أن يسلم في شيئين مختلفين حتى يعين رأس مال كل واحد منهما وأجله؛ ليكون صفقة وقعت على بيعتين بثمنين حذرًا من أن يقع، وليس ثمن كل منهما معروفًا، نص عليه في "الأم" (١).
وإطلاق ذلك يشمل الحال، فيخرج لنا منه قول أن السلم في جنسين بثمن واحد لا يجوز، وإن كان حالًّا، وكذلك إطلاق الماوردي يقتضيه، وجعل السلم في جنسين، والسلم إلى أجلين مبنيًّا على هذين القولين، وإذا منعناه وجب عليه رد رأس المال إن كان باقيًا، فإن تلف رد مثله إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان متقومًا، ولا يجب المسلم فيه؛ لأن العقد باطل.
وهذا الموضع من كلام الأصحاب أحد ما يدل على أن المثل في العقد الفاسد يضمن بالمثل، وقد صرح الأصحاب هنا بذلك، فهو يرد ما قاله الماوردي هناك من إيجاب القيمة مطلقًا، ومتى حصل اختلاف، فالقول قول المسلم إليه؛ لأنه غارم.
* * *
стр. 547
قال:
وإن كان رأس المال مما لا يضبط، بالصفة، كالجواهر وغيرها، فهو على القولين.
إن قلنا: إنه يجب ذكر صفاته، لم يجز أن يجعل ذلك رأس المال؛ لأنه لا يمكن ذكر صفاته.
وإن قلنا: لا يجب، جاز أن يجعل ذلك رأس المال؛ لأنه معلوم بالمشاهدة [والله أعلم] (١).
هذه طريقة الأكثرين، وجعلوا كل ما لا يجوز السلم فيه، كالجواهر، والجلود، والقسي، والنُّشاب، وغيرها على القولين في اشتراط رأس المال.
قال الإمام: وليس ذلك على هذا الإطلاق، بل الدرة الثمينة إذا عرفا قيمتها وبالغا في وصفها، وجب أن يجوز جعلها رأس مال؛ لأن سبب المنع فيها مع الإعزاز في الوصف سببه عزة الوجود، ولا معنى لاشتراط عموم الوجود في رأس المال (٢)، ورأى تنزيل إطلاق الأولين على هذا، وأنه لا مخالفة.
* * *
стр. 548
باب تسليم المسلم فيه
إذا [حلَّ] (١) دين السلم، وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد.
ظاهره أنه يجب تعين مطالبة المستحق، وقد قال الإمام (٢): إن من عليه الدَّين الحال لا يتعين أداؤه ما لم يطالبه مستحقه، قال: وقد يقول الفقيه: يلزمه، وإن لم يطالب، وإنما يسقط برضا المستحق بتأخيره، ومقتضى كلام الروياني (٣) أنه إن وجب برضا المالك، فهو على التراخي ما لم يطالب.
وإن وجب بغير رضاه بتعدٍّ، فعلى الفور، أو بغير تعدٍّ وهو عالم؛ فعلى التراخي، أو غير عالم فعلى الفور، فإذا أردت الجمع بين هذا وبين كلام المصنف، فتقول: إن مراد المصنف الوجوب الموسع الذي يتمكن المستحق معه من المطالبة.
* * *
стр. 549
قال:
فإن كان المسلم فيه تمرًا، لزمه [تسليم] (١) ما يقع عليه اسم التمر على الإطلاق، فإن أحضر حَشفًا [أو رطبًا] (٢) لم يقبل منه.
هذا الذي ذكره المصنف ضابط في هذا وفي غيره من كل ما يسلم فيه، والصفات التي تذكر فيه لا يلزمه أعلى المراتب، ولا يقبل منه أدناها مما لم يطلق عليه الاسم، واحترز بقوله: على الإطلاق مما يقع عليه الاسم بعيد أو قريب (٣)؛ فإن الحشف يقع عليه اسم التمر من حيث الوضع، ولكن عند الإطلاق لا يتبادر الذهن إليه، وقد يكون الاسم واقعًا على أمور ولكن عند الإطلاق يتقيد ببعضها كالماء المطلق.
وقول من قال من الأصحاب: إن الواجب أدنى المراتب يعني مما يكون الاسم مطلقًا عليه، فلا يجب أعلى المراتب، ولا أوسطها بعد حصول القيد المذكور، وهو معنى قول الشافعي: ولا يلزمه إلَّا الأقل (٤)، وعبارة المصنف أبين.
وعن مالك: أنه يلزمه أوسط ما ينطلق عليه تلك الأوصاف، ورد أصحابنا ذلك بأن الحكم إذا علق باسم كان معلقًا بأقل ذلك الاسم كالأثمان، وبأن الوسط صفة زائدة على ما اقتضاه العقد.
стр. 550
قال الشافعي (١) والأصحاب: يلزمه التمر جافًّا؛ لأن قبل جفافه لا يسمى تمرًا، ويكفي أول جفافه بحيث إذا ترك لم يفسد، ولم يتضرر، ولا يلزمه زيادة على ذلك، ولا يجزئ ما تناهى جفافه حتى لم يبق فيه نداوة؛ لأن ذلك نقص ولا ما عطش على نخله، وسيأتي في إبدال النوع أنه هل يجوز قبول الرطب عن التمر أو لا؟
وعلى المسلم أن يقبل أقماع التمر المتصلة به دون المنفصلة عنه، كالنوى يقبل المتصل به دون المنفصل عنه، والحشف التمر الفاسد، قال الشافعي: "وليس عليه أن يأخذ فيه حشفة واحدة" (٢).
* * *
стр. 551
قال:
وإن كان رطبًا لزمه ما يقع [عليه] (١) اسم الرطب على الإطلاق، ولا يقبل منه بُسر، ولا منصف، ولا مذنب، ولا مشدخ.
المنصِف: ما ترطب نصفه، وضبطه ابن معن بكسر الصاد.
والمذَنِّب: بفتح الذال، وكسر النون المشددة، هكذا ضبطه ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (٢).
وهو ما بدا الإرطاب فيه من قبل ذنبه، ويسمى التذنوب، والمشدخ البسر يغمر حتى ينشدخ، قيل: إنه يضرب بالخشب حتى يصير رطبًا، قال العمراني: "وسمعت من أثق به من أهل حضرموت أنهم يشمسون البسر، ثم يدلكونه بكساء صوف غليظ، وما أشبهه، فيصير طعمه طعم الرطب يفعلون ذلك استعجالًا" (٣).
قلت: وهو المكبوس الذي يسميه العامة في بلادنا المعمول أو في معناه.
* * *
стр. 552
قال:
وإن كان طعامًا، لزمه ما بقي من التبن، وإن كان فيه قليل تراب نظرت؛ فإن كان أسلم فيه كيلًا قبل منه؛ لأن القليل من التراب لا يظهر في الكيل، وإن كان أسلم فيه وزنًا لم يقبل منه؛ لأنه يظهر في الوزن، فيكون المأخوذ من الطعام دون حقه.
يلزمه في الطعام أن يوفيه إياه نقيًّا من التبن والقصل والمدر والزوان والشعير وغيره، هكذا نص عليه، ولا فرق بين أن يكون أسلم فيه كيلًا أو وزنًا؛ لأن هذه الأشياء تؤثر في الكيل والوزن، وكذلك قشر الأرز، وقشر العلس، وكل كمام على حب لا يجب قبوله بل لا يجوز؛ لأن القبض معه لا يقع موقعه؛ ولذلك لا يجوز قبول الحنطة المختلطة بالشعير.
واستثنى القاضي حسين، والبغوي (١) مما ذكرناه في الطعام ما هو قليل لا يؤثر في الطعم ولا في الكيل؛ لأنه لا يمكن تنقية الحنطة عن القليل منه، وأما التراب فإن كان كثيرًا، لم يلزمه لما ذكرنا، وإن كان يسيرًا، فلا يقبل إذا أسلم بالوزن، ويقبل إن أسلم بالكيل.
قال الماوردي: إلا أن يكون لإخراجه مؤنة، فلا يلزمه أخذه، وقال الشيخ أبو حامد، وصاحب "البيان" (٢): إن دقاق التبن كالتراب.
* * *
стр. 553
قال:
وإن كان عسلًا، لزمه ما صفي من الشمع.
لأن إطلاق الاسم ينصرف إليه، ولا يلزم المسلم قبول المصفى بالنار؛ إلَّا أن يكون نارًا خفيفة، فإنه يلزمه القبول على ما تقدم عن الشيخ أبي حامد، والقاضي حسين وغيرهما.
* * *
стр. 554
قال:
فإن أسلم [إليه] (١) في ثوب، فأحضر ثوبًا أجود منه، لزمه قبوله؛ لأنه أحضر المسلم فيه وفيه زيادة صفة لا تتميز، فلزمه قبوله.
لا فرق بين الثوب وغيره (٢)، والمقصود أنه إذا أحضر المسلم فيه بنوعه ولكنه بصفة زائدة، كالأجود عن الجيد والجيد عن الرديء ما يخرج عن ذلك النوع، فإنه يجب قبوله كما لو رضيت المرأة بتسليم نصف الصداق مع زيادته، فإنه يلزم الزوج القبول.
وفيه وجه: أنه لا يجب لأجل المنة، والأول أصح؛ لأن إتيانه به يشعر بأنه لا يجب سبيلًا إلى إيراد منه لغيره، وذلك يُهون أمر المنة، ولا خلاف في الجواز.
وصورة المسألة: في الأجود من كل وجه، أما إذا كان زائدًا من وجه، ناقصًا من وجه كما إذا أسلم في عتيق جيد، فجاء بجديد رديء لم يجب قبوله قطعا.
قال الشافعي في الثياب: "فلو شرط صفيقًا ثخينًا لم يكن له أن يعطيه دقيقًا، وإن كان خيرًا منه؛ لأن الثخين أدفأ في البرد، وأكنّ في الحر، وربما كان أبقى، وإن كان ثمن الأدق أكثر" (٣).
وسكت المصنف عما إذا أحضره على الصفة التي تناولها العقد لوضوح
стр. 555
وجوب القبول فيها، وذلك لا خلاف فيه؛ لأنه هو في المسلم فيه.
ويستثنى من إطلاقنا هذا ما إذا كان على المسلم ضرر في قبوله؛ فإنه لا يجب قبوله، وإن كان بصفة المسلم فيه أو أجود، كما إذا أسلم في جارية ذات زوج، فأحضرها بتلك الصفة، فكانت زوجة المسلم، أو أسلمت المرأة في عبد ذي زوجة فأحضره، فكان زوجها لما في القبول من انفساخ النكاح.
وكذا لو أسلم في عبدٍ فأتاه بأبيه؛ لأنه يعتق عليه؛ فإن قبضه وهو لا يعلم أنه أبوه.
ثم علم فوجهان أحدهما: أن القبض فاسد؛ فلا يعتق، وله ردُّه.
والثاني: صحيح، والعتق نافذ، ولا أرش له؛ لأن كونه أبًا ليس بعيب.
ولو أتاه بأخته أو عمه، فهل له الامتناع من قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن من الحكام من يعتقه عليه، ولو كان أخاه من الرضاعة، فليس له الامتناع.
واحترز المصنف بقوله: "صفة لا تتميز" عن الزيادة في العدد، مثل أن يسلم إليه في خمسة أكرار حنطة، فيجيء بعشرة، فلا يلزمه قبول الزائد؛ لأنه هبة، وعن الزيادة في الجنس كإعطاء الحنطة عن الشعير، فلا يجب، ولا يجوز؛ لأنه اعتياض، وعن الزيادة في النوع، وسيأتي في كلامه.
* * *
стр. 556
قال:
وإن جاء بالأجود وطلب عن الزيادة عوضًا لم يجز؛ لأنه بيع صفة، والصفة لا تفرد بالبيع.
أي: الأجود في الصفة، وهو ما تقدم، وعلى ذلك نص الشافعي في "الأم"، وعن أبي حنيفة جوازه (١)، كما لو كان عليه عشرة أذرع، وأتى بأحد عشر وأخذ عوضًا، وفرق أصحابنا بين العين والصفة.
* * *
стр. 557
قال:
وإن [جاء] (١) بثوب رديء، لم يجبر على قبوله؛ لأنه دون حقه؛ أي: ويجوز إذا تراضيا، قال: إن قال: خذه وأعطيك للجودة درهمًا لم يجز؛ لأنه بيع صفة، ولأنه بيع جزء من المسلم فيه قبل [القبض] (٢).
قال الشافعي في "الأم" في باب بيع العروض: "ولا يأخذ إذا سلف في جيد رديئًا على أن يزداد شيئًا، والعلة فيه؛ كالعلة في أن يزيده ويأخذ أجود" (٣).
* * *
стр. 558
قال:
وإن أسلم في نوع من جنس، فجاءه بنوع آخر من ذلك الجنس، كالمعقلي عن البرني، والهروي عن المروي، ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنه غير الصنف الذي أسلم فيه، فلم يجز أخذه عنه كالزبيب عن التمر.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز؛ لأن النوعين من جنس واحد بمنزلة النوع الواحد، [ولهذا] (١) يحرم التفاضل في بيع إحداهما بالآخر، ويضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب في الزكاة.
التمر المعقلي: منسوب إلى معقل بن يسار الصحابي الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة.
ومن أمثلة ذلك: القمح الصعيدي عن النجري، والزبيب الأسود عن الأبيض، والضأن عن المعز، والوجهان في الجواز.
والذي وقفت عليه من "الأم" (٢) يقتضي أنهما قولان، وأصحهما على ما قال طائفة منهم الرافعي (٣): أنه لا يجوز.
وممن قال به الشيخ أبو حامد فيما حكى عنه ابن الصباغ وغيره، وهو قول أبي إسحاق المروزي.
وينزل ذلك منزلة اختلاف الجنس، ويصير كالاعتياض، وهو الأصح عند
стр. 559
الماوردي (١) والبندنيجي، والروياني (٢)، وهو قول ابن أبي هريرة.
والوجه الثاني: ينزل النوع منزلة اختلاف لوصف فيجوز، وبه أقول لما سأذكره من نص الشافعي، ولأنه لو نزل اختلاف النوع منزلة الاعتياض لنزل اختلاف الوصف؛ لأن الغرض تعلق بهما.
وقول المصنف في "التنبيه" (٣) دال على ترجيح هذا الوجه، والاحتجاج له بالزكاة قوي، وكذلك بالربا، وإن كان المبيع فيه الاسم والمبيع هنا العرض، لكن جوابه ما تقدم، أنه لو أمنع العرض من كل وجه منع اختلاف الوصف، ولا قائل به.
وإذا قلنا بهذا القول: فهل يجبر على القبول إذا كان المأتي به أجود؟ فيه وجهان؛ أشهرهما: وهو المنصوص في "الأم" (٤) في باب اختلاف المتبايعين بالسلف إذا رآه المسلف أنه لا يجبر لاختلاف الأغراض، وهي طريقة القاضي أبي الطيب.
والمصنف هنا، وابن الصباغ الخلاف عندهم في الجواز لا في الوجوب.
والثاني: يجب وفاءً بتنزيله منزلة الوصف، وهو الصحيح عند الشيخ أبي حامد فيما حكاه بعضهم، ووقفت عليه في "التعليقة" التي بخط سليم، وكلام المصنف في "التنبيه" (٥) موافق له، والخلاف عندهم في الوجوب لا في الجواز.
وقال إسماعيل الحضرمي: إن في "مختصر" صاحب الكتاب الوجهين في
стр. 560
الجواز واللزوم؛ أحدهما: يجوز ويلزم.
والثاني: لا يجوز ولا يلزم.
قلت: وهكذا يقتضيه إيراد المحاملي في "المجموع"، وعلى هذا يكون في المسألة ثلاث طرق، وهذا كله إذا كان النوع المأتي به أجود، أما إذا لم يكن أجود فلا يجب قولًا واحدًا (١)، وفي الجواز الخلاف، واختلفوا في التفاوت بين العبد التركي والهندي، هل هو تفاوت جنس أو تفاوت نوع، والصحيح الثاني، وهل التفاوت بين الرطب والتمر وبين ما يسقى بماء السماء وما يسقى بغيره تفاوت نوع أو صفة، والصحيح الأول.
والذي يظهر أنا وإن قلنا: بجواز قبوله عن التمر لا يجبر على قبوله، وإن كان أجود من حيث القيمة؛ لأنه قد يكون له عرض صحيح في التمر، وقد تقدم أن الإجبار على قبول الأجود في اختلاف الوصف مشروطًا بذلك، وهو حقيقة الأجود على الإطلاق، وصورة قبول الرطب عن التمر حيث يجوز أن يكون قد أسلم في التمر بالوزن؛ فإن الرطب موزون، فلو أسلم في تمر كيلًا لم يمكنه قبول الرطب وزنًا لعدم المعيار، ولا كيلًا؛ لأنه ليس بمكيل.
والجاموس مع البقر نوعان؛ ففي جواز قبوله وجهان حكاهما في "البحر" (٢)، وكذلك الحمار الوحشي مع الأهلي، قال في "البحر": "إن قلنا: لا يجوز في الجاموس فهاهنا أولى، وإن قلنا: يجوز في الجاموس فهنا وجهان" (٣)، وحكى فيما "إذا وقع عن الغنم متولدًا بين الظباء والغنم ثلاثة أوجه؛ أحدها: يجوز.
стр. 561
والثاني: لا يجوز.
والثالث: إن كانت الأم غنمًا جاز، وإلا فلا" (١)، والظاهر أن هذين الفرعين على قولنا بجواز إعطاء النوع عن النوع.
واعلم أن الشافعي قال في "الأم": "وإنما يجوز أن يعطيه من ذلك النصف بعينه" (٢)، وظاهر هذا أنه لا يجوز أن يأخذ نوعًا عن نوع آخر، لكنه قال في بقية الكلام: "وقد قيل: إنه لو أسلفه في عجوة، فأراد أن يعطيه صيحانيًّا مكان العجوة لم يجز؛ لأن هذا بيع العجوة بالصيجاني قبل أن يقبض" (٣)، وهذا الكلام يقتضي أن في أخذ النوع عن النوع قولين، وأن أرجحهما الجواز، ويكون (٤).
وقال في باب اختلاف المتبايعين بالسلف: "أنه إن فارق [الاسم] (٥) أو الجنس لم يجُبر عليه، وكان [مخيرًا في تركه وقبضه] (٦) " (٧)، ومراد الشافعي بالجنس: النوع فإنه قال بعد ذلك وبيان هذا أنه لو أسلفه في عجوة فأعطاه برديًّا وهو خير منها أضعافًا، لم أجبره على أخذه؛ لأنه غير الجنس الذي سلفه فيه، قد يريد العجوة؛ لأنه لا يصلح له البردي فيه، دل في هذا على أن أخذه النوع عن النوع يجوز ولا يجب.
стр. 562
فرع
أسلم في قمح فأعطاه دقيقًا، أو سويقًا، لم يجز، نص عليه في "الأم" (١)، وعلله بأن الوجهين أحدهما: أنه غيره.
والثاني: أنه إن قيل: هو صنف واحد فقد أخذ مجهولًا عن معلوم؛ لأنه إذا أخذ مد دقيق عن مد قمح، فقد يكون مد القمح يأتي مدًّا أو ثلثًا من الدقيق.
قلت: وهذا يؤيد أن أخذ الرطب عن التمر: لا يجوز، وممن جزم بأن الدقيق لا يجوز أخذه عن الحنطة البغوي (٢).
* * *
стр. 563
قال:
وإن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه؛ فأحضر ثوبًا على صفة رأس المال ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز قبوله؛ لأنه يصير الثمن هو المثمن، والعقد يقتضي أن يكون الثمن غير المثمن.
والثاني: أنه يجوز؛ لأن الثمن هو الذي سلم إليه، والمثمن هو: الموصوف [في الذمة، وما يدفعه إليه يدفعه عما في ذمته فلا يكون الثمن هو المثمن] (١).
الوجهان حكاهما المصنف مطلقًا في الجواز، والشاشي كذلك في أنه هل يلزم قبوله أو لا؟ فيكون الخلاف في الجواز واللزوم وهما أيضًا في كلام الماوردي، وابن الصباغ، والرافعي (٢) وغيرهم، فيما إذا أسلم جارية في جارية فرد الجارية التي هي رأس المال عن المسلم فيها، وهي بصفتها إذا قلنا: يجوز إسلام جارية في جارية، وهو الأصح.
وعن أبي إسحاق: أنه لا يجوز، وقد ذكره المصنف في باب القرض، وسيأتي إن شاء الله، وكلام المصنف والشاشي وإن كان عامًّا: لكنه في تسليم ذلك عن رأس المال، ولم يتعرضا لامتناع السلم، بل كِلَاهما يشعر بصحته، وأن الخلاف إنما هو في وفائه عنه، وقد ذكر الروياني في إسلام الثوب في الثوب ثلاثة أوجه:
"أحدها: لا يجوز حتى يتفاوتا في بعض الأوصاف.
والثاني: يجوز؛ وإطلاق العقد يقتضي ثوبًا آخر، فإذا أتى بذلك لا
стр. 564
يلزمه، فإن قبله كان تقايلًا واسترجاعًا.
والثالث: يجوز، ويجب قبوله إذا أتى به. قال: وهو ظاهر المذهب" (١)، والجرجاني مع موافقته لأبي إسحاق قال: إنه إذا قلنا بالجواز فالأصح جواز القبول فلو قبله وأراد المقايلة بعد ذلك فوجهان في "البحر": "أحدهما: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يصير الثوب عوضًا ومعوضًا في حالة الإقالة.
والثاني: الجواز يتقايلان على القيمة كما لو هلك رأس المال" (٢).
واعلم أن في كلام المصنف مشاححة؛ لأن المقصود أن الذي يحضره عن المسلم فيه هو رأس المال بعينه.
وقوله: "أحضر ثوبًا على صفة رأس المال" يقتضي أنه غيره.
* * *
стр. 565
قال:
وإن أسلم [إليه] (١) إلى محل فأحضر المسلم فيه قبله، أو شرط أن يسلم إليه في مكان فأحضر المسلم فيه في غير ذلك المكان؛ فامتنع المسلم من أخذه نظرت؛ فإن كان له غرض صحيح في الامتناع من أخذه؛ بأن يلزمه في حفظه مؤنة أو عليه في حمله مشقة، أو يخاف عليه أن يهلك أو يؤخذ لم يلزمه أخذه، وإن لم يكن غرض صحيح في الامتناع لزمه أخذه.
فإن لم يأخذ [يأخذه] (٢) رفع إلى الحاكم ليأخذه عنه، والدليل عليه ما روي [أن] (٣) أنسًا ﵁ كاتب [عبداً له] (٤) على مال إلى أجل فجاءه بمال قبل الأجل فأبى أن يأخذه؛ فأتى عمر ﵁ فأخذه منه، قال له: اذهب فقد عتقت، ولأنه زاده بالتقديم خيرًا [فلزم] (٥) قبوله.
قصة أنس هذه ذكرها الشافعي في "الأم" (٦) منقطعة؛ فقال: أخبر بأن أنس بن مالك وفيها: وكان في الحديث فأمره عمر بأخذها منه وأعتقه، وكذلك رواها البيهقي في "المعرفة" (٧) من جهة الشافعي، وفي "الأم" بعد