← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والثاني: لا يجوز. والثالث: إن كانت الأم غنمًا جاز، وإلا فلا" (١)، والظاهر أن هذين الفرعين على قولنا بجواز إعطاء النوع عن النوع. واعلم أن الشافعي قال في "الأم": "وإنما يجوز أن يعطيه من ذلك النصف بعينه" (٢)، وظاهر هذا أنه لا يجوز أن يأخذ نوعًا عن نوع آخر، لكنه قال في بقية الكلام: "وقد قيل: إنه لو أسلفه في عجوة، فأراد أن يعطيه صيحانيًّا مكان العجوة لم يجز؛ لأن هذا بيع العجوة بالصيجاني قبل أن يقبض" (٣)، وهذا الكلام يقتضي أن في أخذ النوع عن النوع قولين، وأن أرجحهما الجواز، ويكون (٤). وقال في باب اختلاف المتبايعين بالسلف: "أنه إن فارق [الاسم] (٥) أو الجنس لم يجُبر عليه، وكان [مخيرًا في تركه وقبضه] (٦) " (٧)، ومراد الشافعي بالجنس: النوع فإنه قال بعد ذلك وبيان هذا أنه لو أسلفه في عجوة فأعطاه برديًّا وهو خير منها أضعافًا، لم أجبره على أخذه؛ لأنه غير الجنس الذي سلفه فيه، قد يريد العجوة؛ لأنه لا يصلح له البردي فيه، دل في هذا على أن أخذه النوع عن النوع يجوز ولا يجب.

стр. 562

فرع أسلم في قمح فأعطاه دقيقًا، أو سويقًا، لم يجز، نص عليه في "الأم" (١)، وعلله بأن الوجهين أحدهما: أنه غيره. والثاني: أنه إن قيل: هو صنف واحد فقد أخذ مجهولًا عن معلوم؛ لأنه إذا أخذ مد دقيق عن مد قمح، فقد يكون مد القمح يأتي مدًّا أو ثلثًا من الدقيق. قلت: وهذا يؤيد أن أخذ الرطب عن التمر: لا يجوز، وممن جزم بأن الدقيق لا يجوز أخذه عن الحنطة البغوي (٢). * * *

стр. 563

قال: وإن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه؛ فأحضر ثوبًا على صفة رأس المال ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز قبوله؛ لأنه يصير الثمن هو المثمن، والعقد يقتضي أن يكون الثمن غير المثمن. والثاني: أنه يجوز؛ لأن الثمن هو الذي سلم إليه، والمثمن هو: الموصوف [في الذمة، وما يدفعه إليه يدفعه عما في ذمته فلا يكون الثمن هو المثمن] (١). الوجهان حكاهما المصنف مطلقًا في الجواز، والشاشي كذلك في أنه هل يلزم قبوله أو لا؟ فيكون الخلاف في الجواز واللزوم وهما أيضًا في كلام الماوردي، وابن الصباغ، والرافعي (٢) وغيرهم، فيما إذا أسلم جارية في جارية فرد الجارية التي هي رأس المال عن المسلم فيها، وهي بصفتها إذا قلنا: يجوز إسلام جارية في جارية، وهو الأصح. وعن أبي إسحاق: أنه لا يجوز، وقد ذكره المصنف في باب القرض، وسيأتي إن شاء الله، وكلام المصنف والشاشي وإن كان عامًّا: لكنه في تسليم ذلك عن رأس المال، ولم يتعرضا لامتناع السلم، بل كِلَاهما يشعر بصحته، وأن الخلاف إنما هو في وفائه عنه، وقد ذكر الروياني في إسلام الثوب في الثوب ثلاثة أوجه: "أحدها: لا يجوز حتى يتفاوتا في بعض الأوصاف. والثاني: يجوز؛ وإطلاق العقد يقتضي ثوبًا آخر، فإذا أتى بذلك لا

стр. 564

يلزمه، فإن قبله كان تقايلًا واسترجاعًا. والثالث: يجوز، ويجب قبوله إذا أتى به. قال: وهو ظاهر المذهب" (١)، والجرجاني مع موافقته لأبي إسحاق قال: إنه إذا قلنا بالجواز فالأصح جواز القبول فلو قبله وأراد المقايلة بعد ذلك فوجهان في "البحر": "أحدهما: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يصير الثوب عوضًا ومعوضًا في حالة الإقالة. والثاني: الجواز يتقايلان على القيمة كما لو هلك رأس المال" (٢). واعلم أن في كلام المصنف مشاححة؛ لأن المقصود أن الذي يحضره عن المسلم فيه هو رأس المال بعينه. وقوله: "أحضر ثوبًا على صفة رأس المال" يقتضي أنه غيره. * * *

стр. 565

قال: وإن أسلم [إليه] (١) إلى محل فأحضر المسلم فيه قبله، أو شرط أن يسلم إليه في مكان فأحضر المسلم فيه في غير ذلك المكان؛ فامتنع المسلم من أخذه نظرت؛ فإن كان له غرض صحيح في الامتناع من أخذه؛ بأن يلزمه في حفظه مؤنة أو عليه في حمله مشقة، أو يخاف عليه أن يهلك أو يؤخذ لم يلزمه أخذه، وإن لم يكن غرض صحيح في الامتناع لزمه أخذه. فإن لم يأخذ [يأخذه] (٢) رفع إلى الحاكم ليأخذه عنه، والدليل عليه ما روي [أن] (٣) أنسًا ﵁ كاتب [عبداً له] (٤) على مال إلى أجل فجاءه بمال قبل الأجل فأبى أن يأخذه؛ فأتى عمر ﵁ فأخذه منه، قال له: اذهب فقد عتقت، ولأنه زاده بالتقديم خيرًا [فلزم] (٥) قبوله. قصة أنس هذه ذكرها الشافعي في "الأم" (٦) منقطعة؛ فقال: أخبر بأن أنس بن مالك وفيها: وكان في الحديث فأمره عمر بأخذها منه وأعتقه، وكذلك رواها البيهقي في "المعرفة" (٧) من جهة الشافعي، وفي "الأم" بعد

стр. 566

ذلك قال الشافعي: "وهو يشبه القياس" (١)، واحتج الشافعي به لما ذكره المصنف، وسأتعرض في آخر الكلام لزيادة في الكلام عليه. وقد قال جمهور الأصحاب: إن المسلم إليه إذا أتى بالمسلم فيه قبل المحل الزماني فإن كان المستحق له غرض في الامتناع كما ذكره المصنف. ومن جملته أن يكون حيوانًا فيحذر من، علفه، أو أجرة رعايته، أو ثمره أو لحمًا أو نحوهما من المأكول والمشروب يريد أكله أو شربه عند المحل طريا فلا يجبر على القبول لتضرره. فلو كان العقد في وقت نهب وأتى به في وقت نهب فهل يجبر على القبول؟ فيه وجهان في الابا (٢) مع القطع بأنه لا يجب القبول إذا لم يكن العقد في وقت نهب. وإطلاق المصنف يقتضي ترجيح عدم الإجبار، ولو كان غرضه في الامتناع انتظار سوق وزيادة سعر متوقع فهل ذلك عذر، أو يكون كما لو لم يكن له غرض في وجهان في "الحاوي"، وإن لم يكن له غرض في الامتناع، فإن كان للمؤدي غرض سوى براءة الذمة، كما لو كان به رهن يريد فكاكه أو ضامن يريد براءته، أو مكاتبًا يريد تعجيل النجوم ليعتق فيجبر على القبول، وقيل: يطرد القولين الاثنين في صورة الرهن والضمين. قال الرافعي: "وهو غريب" (٣). ولو كان مكاتبًا يريد تعجيل النجوم ليعتق أجبر السيد قطعًا، وهل يلتحق بهذه الأعذار خوفه من انقطاع الحبس قبل المحل؟ فيه وجهان؛ أصحهما:

стр. 567

على ما ذكره النووي (١) أنه يلتحق وبه أجاب في "الوجيز" (٢)، لكن ابن الرفعة (٣) رجح خلافه رعاية لجانب المستحق، وهو ضعيف؛ لأن الغرض أن لا غرض للمستحق. وإن لم يكن للمؤدي غرض سوى البراءة فقولان؛ أصحهما: وهو الذي أورده المصنف، وبه جزم الماوردي أنه يجبر؛ لأن امتناعه بلا غرض مع قصد المؤدي براءة ذمته تعنت، لأثر عمر ﵁. والثاني: لا؛ لأنه زيادة تبرع، وفيه منة عليه. ومقتضى كلام الإمام (٤) في آخر باب النهي عن بيع وسلف أنه الصحيح، وإن تقابل غرض الممتنع والمؤدي فقد حكى الإمام طريقين؛ أصحهما: أن المرعي جانب المستحق. والثانية أنهما يتساقطان، ويجري القولان هذا الترتيب الذي أورده كافة الأصحاب، وهو موافق لما قاله المصنف. وقال الغزالي: "إنه يراعى جانب المؤدي أولًا؛ فإن كان له غرض في التعجيل أجبر الممتنع على القبول، وإلا فإن كان له غرض في الامتناع فلا يجبر، وإلا فقولان" (٥). قال الرافعي ﵀: "ولا يخفى مخالفته لطريقة الجمهور؛ فإن ذكره عن تثبت فهو منفرد بما نقل، وإلا فقد التبس الأمر عليه" (٦).

стр. 568

قلت: ومحل المخالفة والتفرد فيما إذا كان للمؤدي غرض في التعجيل وكونه بدأ بمراعاة غرض المؤدي، وقال بإجبار المستحق سواء أكان له غرض أو لا، وهو فيما إذا لم يكن للمستحق غرض موافق لأكثر الأصحاب على ما تقدم، وفيما إذا كان لكل منهما غرض موافق لأحد القولين من أحد الطريقتين اللتين حكاهما الإمام (١). لكنه في "البسيط" صرح بأن الأصحاب قطعوا بالإجبار، ورعاية جانب المؤدي إذا كان لكل منهما غرض فيتوجه عليه ما أورده الرافعي (٢)، ولو لم يكن إلا كلامه في "الوسيط" (٣) و"الوجيز" (٤)، وإطلاقه فيهما القول بذلك من غير حكاية القطع لم يتوجه عليه؛ لأنه قد يكون اختار ذلك القول، وبسببه وقعت المخالفة في الترتيب. فخرج من هذا أنه إن انفرد غرض المستحق فلا إجبار قطعًا، وإن وجد الغرضان فكذلك على المذهب، وإن انفرد غرض المؤدي أجبر المستحق على المذهب، وإن انتفى الغرضان فقولان أصحهما الإجبار، وحكم سائر الديون المؤجلة فيما ذكرنا حكم المسلم فيه. وأما السلم الحال فإن كان للمؤدي غرض سوى البراءة أجبر المستحق على القبول بلا خلاف ونقل ابن الرفعة في "شرح الوسيط" عن "النهاية" خلافًا فيه، وهو غلط منه، وكأنه التبس عليه، وإن لم يكن للمؤدي غرض فطريقان أصحهما: أنه يجبر على القبول، أو الإبراء. والثانية: أنه على القولين؛ لأنه يقول: الحق لي فأؤخره إلى أن أشاء.

стр. 569

والمصنف استغنى عن ذكره هذه الحالة بإطلاقه لزوم القبول فيما تقدم، والمراد به بعد المحل، وجميع ما تقدم ملخصه أن المراعي قبل المحل غرض المستحق وبعد المحل غرض المديون، وحيث ثبت الإجبار فلو أصر على الامتناع أخذه الحاكم له لقصة أنس، وهل يجب على الحاكم قبول ذلك؟ فيه وجهان حكاهما البغوي (١) هنا، والرافعي (٢) في كتاب الوديعة، وجه المنع أن الدين لا يخشى عليه الهلاك بخلاف المعين، وتبرأ ذمة المديون بقبض الحاكم ويكون أمانة لمستحقه في يد الحاكم أو يد من أنابه. واعلم أن الإجبار يكون على القبول أو الإبراء، وأما الحاكم فلا ينوب عنه في الإبراء؛ لأنه لا مصلحة له فيه، وإنما ينوب عنه في القبض، هذا في المحل الزماني. وأما المكاني إذا شرطه أو أطلق، وقلنا: يصح، ويحمل على موضع العقد؛ فأتى به في غير ذلك الموضع فحكمه حكم ما مضى في الزمان، هكذا ذكره المصنف والأصحاب، ولم يخالفهم الغزالي هنا بل وافقهم في مراعاة جانب المستحق، ويلزمه الفرق أو موافقتهم هناك. وحيث لا نقول بالإجبار في المكان فرضي وأخذه لم يكن له تكليفه مؤنة النقل، ولو بذل له أجرة الحمل إلى ذلك الموضع لم يلزمه قبوله بل لا يجوز أخذ الأجرة عنه؛ لأنه كالاعتياض عن بعض المسلم فيه، ذكر ابن شريح، ووافقه الأصحاب. ونقل ابن المنذر:" كراهة ذلك عن مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.

стр. 570

وعن أبي ثور: أن له أخذ الكراء" (١). وإن جعله نائبًا عنه في حمله إلى ذلك الموضع لم يكن المسلم قابضًا له بل يفتقر إلى تسليمه إليه في الموضع المعين أو في غيره إذا رضي المسلم بذلك. قال الأصحاب: ويجب التسليم في المكان الذي تعين إما بالعقد وإما بالشرط، فلو وجد المسلم إليه في غيره فإن كان لنقله مؤنة لم يطالب به بلا خلاف وهل يطالب بالقيمة للحيلولة؟ وجهان؛ الصحيح الذي قطع به العراقيون وصاحب "التهذيب" (٢): لا؛ لأنه اعتياض قبل القبض. فعلى هذا للمسلم الفسخ واسترداد رأس المال كما لو انقطع المسلم فيه، وإن لم يكن لنقله مؤنة كالدراهم والدنانير فله مطالبته به، وأشار إمام الحرمين إلى خلاف فيه، ولو ظفر المالك بالغاصب في غير مكان الغصب أو الإتلاف فهل له مطالبته بالمثل فيه؟ الأصح ليس له المطالبة إلا بالقيمة. واعلم أن المذكور في قصة أنس في الكتاب يقتضي أن عمر أخذها، والمذكور في رواية الشافعي أن عمر أمره بأخذها، وأعتقه، وكلاهما يدل على الإجبار من حيث الجملة، وإنما الاختلاف في طريقه: هل ينوب الحاكم عنه أو يرهقه إليه؟ والجمع بينهما بما تقدم من كلام الأصحاب. وفي لفظه ما يقتضي أن الشافعي غير جازم بروايته لقوله: "وكان في الحديث" إن كانت حرف التشبيه، وإن كانت كان الناقصة فيكون على كل تقدير المقصود بذلك الاستئناس مع القياس لما عرف من ذهبه، لكنه لم يرد في محل القولين، وهو ما إذا لم يكن لهما غرض فإن أكثر الأصحاب على القطع بالإجبار في الكتابة ونحوها كما تقدم، فاستدلال الشافعي به يقتضي

стр. 571

أنه لا فرق بين أن يكون للمؤدي غرض أو لا كما هي طريقة بعض الأصحاب، ولعل الأكثرين يقولون: إنه إذا انتفى غرض المؤدي ينفرد القياس بالدلالة وهو كاف وإذا وجد انضم إلى الأثر. وقد ذكر ابن المغلس أثرًا آخر استدل به على عدم الإجبار قبل المحل أن قومًا بالمدينة كاتبوا غلامًا لهم على أربعة آلاف نجومًا على أن يؤدي كل ألف درهم؛ فلما كتبوا الكتاب قال: هلم إلي مالكم فخذوه، قالوا: لا نأخذه إلا كما شرطنا فأتى عثمان فحكى ذلك له فأمره أن يأتي بالمال فأرسل إليهم فعرضه عليهم فأبوا أن يقبلوه إلا نجومًا فألقاه في بيت المال وقال (١): تعالوا كل سنة فخذوا ألفا. قلت: وعندي أن هذا اليس لأثر عمر بل موافق له في قبض عثمان له ووضعه في بيت المال، وإنما قال لهم: تعالوا كل سنة خذوا ألفًا لامتناعهم من أخذه، وبعد وصوله إلى بيت المال وحصول العتق لا يبقى غرض في إجبارهم، وقد صرح الماوردي (٢) على قولنا بالإجبار: إنه إذا امتنع يأخذه القاضي ثم يضعه في بيت المال حتى يأخذه متى شاء. فرع هذا كله إذا أتى بالدين من هو عليه من أصيل أو ضامن بالإذن أو بدونه، أما الأجنبي إذا تبرع بأدائه فإن كان عن حي لم يجب القبول، وإن كان عن ميت، فإن كان الوارث وجب القبول؛ لأنه يخلص التركة لنفسه، وإن تبرع غير الوارث ففيه تردد جواب للقاضي حسين. وقد نقل الشافعي في "الأم" عدم الخلاف في الوجوب إذا كان الباذل هو الوارث، واستدل بذلك على الوجوب في أصل المسألة لكن لم يفصل

стр. 572

الشافعي بين أن يكون إعطاء الدين من التركة أو من جهة الوارث تبرعًا. فرع آخر حيث قلنا: يجبر في الحال، ولا يجبر في المؤجل فاختلفا، فقال المسلم إليه: هو حال، وأراد الإجبار، وقال المستحق: هو مؤجل فعن "البحر" (١) في آخر كتاب الضمان أن والده قال: يحتمل وجهين بناء على ما إذا عقب الإقرار بالتأجيل. هذا الذي قاله في "البحر" ظاهر فيما إذا كان اختلافهما في ثبوت الدين مطلقًا من غير تشبه إلى عقد. أما لو اتفقا على الأجل واختلفا في حلوله فهل يجري الاحتمالان اللذان ذكرهما الروياني، أم يجزم بأن قول المستحق؛ لأن الأصل بقاء الأجل. اختار ابن الرفعة الثاني (٢)، ونسبه إلى باب اختلاف المسلف والمسلف من "الأم"، والذي في "الأم" (٣) في هذا الباب إنما هو بالعكس إذا ادعى المستحق انقضاء الأجل ولا إشكال في ذلك، أما في مسألة الروياني (٤) فلا يبعد جريان الاحتمالين فيها لما ذكر، على أن الشيخ أبا حامد أطلق أنهما إن اتفقا في الأجل واختلفا في مضيه فالقول قول من يدعي بقاءه للأصل. ولو اختلفا في صدور العقد هكذا فالظاهر أنها من صور التحالف؛ لأنهما اختلفا في الأجل، قال ابن الرفعة (٥): إلا أن يقال: إنما يكون التحالف إذا ادعى المسلم إليه التأجيل، والمسلم الحلول؛ لأن الأجل يقابله قسط من الثمن وما نحن فيه عكسه.

стр. 573

فرع لو جاء بالمسلم فيه وخلى بينه وبين المسلم ووضعه بين يديه فإن قلنا: لا يحصل القبض بذلك في البيع فها هنا أولى، وإن قلنا: يحصل هناك فهاهنا وجهان، والفرق أن الملك هناك ثابت في المعين فأشبه الغاصب والمستعير، وهاهنا يريد أن يجعله ملكًا فأشبه المستقرض إذا أتى بمال القرض ووضعه بين يدي المقرض لا يخرج عن ضمانه. فرع من له الأجل إذا قال: أسقطت الأجل، هل يسقط في حق المستحق حتى يجوز له المطالبة في الحال؟ فيه وجهان في "الوسيط" (١) وغيره؛ أحدهما: لا لوصف الصحة. والثاني: يسقط؛ لأنه متميز عن الحق إذ الحق عليه، والأجل له. ومحل الوجهين في سقوطه في حق من عليه الحق، أما صاحب الحق فلا يسقط في حقه حتى لا يلزمه القبول إن كان له غرض في التأخير، كذا قاله القاضي حسين في باب النهي عن بيع وسلف. * * *

стр. 574

قال: وإن سأله المسلم أن يقدمه قبل المحل فقال: أنقص من الدين حتى أقدمه ففعل لم يجز؛ لأنه بيع أجل، والأجل لا يفرد بالبيع، ولأن هذا في معنى الربا في الجاهلية فإنه كان في الجاهلية يقول من عليه الدين: زدني في الأجل أزدك في الدين. أما كون ربا الجاهلية ما ذكر فصحيح؛ قاله الشافعي (١)، ورواه مالك في "الموطأ" (٢) عن زيد بن أسلم، قال: كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ، إِلَى أَجَلٍ. فَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ، قَالَ لَهُ غَرِيمُهُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ قَضَاهُ، أَخَذَ. وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ. وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ. وروي معنى ذلك عن مجاهد، ولا خلاف الأمة أن هذا حرام (٣)، وأما ما ذكره المصنف أنه في معناه؛ فلأنه نقصان في مقابلة نقصان الأجل فهو كالزيادة في مقابلة زيادة الأجل، ومراد المصنف إذا جرى ذلك على سبيل الشرط. وقد روي في ذلك آثار صحيحة وحديث ضعيف منها: المقداد بن الأسود قال: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعْثٍ بَعَثَهُ

стр. 575

رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ وَأَطْعَمْتَهُ". رواه البيهقي (١) بسند ضعيف. وصح عَنْ أَبِي صَالِحٍ، مَوْلَى السَّفّاح واسمه: عبيد؛ أَنَّهُ قَالَ: بِعْتُ بَزًّا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ. فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ وَيَنْقُدُونِي، فَسَأَلْتُ عَنْ ذلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ هذَا، وَلَا تُؤْكِلَهُ. رواه مالك في "الموطأ" (٢). وصح عَنِ ابْنَ عُمَرَ أَنَّه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ، فَيَضَع صَاحِبُهُ وَيُعَجِّلُ لَهُ الْآخَرُ، قَالَ: فَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْهُ (٣). وصح عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: لِرَجُل عَلَيَّ دَيْنٌ، فَقَالَ لي: عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ، فَنَهَانِي عَنْهُ، وَقَالَ: نَهَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -يَعْنِي عُمَرَ- أَنْ نَبِيعَ الْعَيْنَ بِالدَّيْنِ (٤). أما إذا كان ذلك بغير شرط، ويوب البيهقي (٥) عليه: باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله فوضع عنه طيبة به أنفسهما، وروى فيه أثرًا صحيحًا عن ابن عباس أنه كان لا يري بأسًا أن يقول: أُعَجِّلُ لَكَ وَتَضَعُ عَنِّي (٦). وحديثًا عن ابن عباس قال: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْمَدِينَةِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإخْرَاجِهِمْ،

стр. 576

وَلَهُمْ عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا"، أَوْ قَالَ: "وَتَعَاجَلُوا". اختلف الناس في هذا الحديث؛ فالبيهقي (١) وغيره ضعفوه، والحاكم قال: "إنه صحيح الإسناد" (٢). إذا علمت ذلك، وأن كلام المصنف محمول على ما إذا كان بالشرط فإن صدر ذلك على وجه العقد فلا إشكال في فساده، ولذلك إذا أبرأه فأبراه المستحق من بعض الحق على شرط التعجيل والحكم بفساد ذلك يقتضي فساد الإبراء بالشروط الفاسدة. وكذلك إن عجل له بعضًا بشرط أن يبرئه من الباقي، كان إقباضًا فاسدًا؛ فيسترده. قال الشافعي في الصرف إذا كان له عليه ذهبٌ إلى أجل: "أقبضتك قبل الأجل على أن لا يأخذ أنقص فلا جبر فيه" (٣). وقال فيه أيضًا في المسلم فيه: "ولا جبر في أن يعجله على أن يضع عنه، ولا في أن يعجله على أن يزيده المسلف؛ لأن هذا بيع يحدثانه غير البيع الأول" (٤). وأما إذا قال من عليه الحق: أنقص عني كذا حتى أقدم لك فأبرأه من ذلك المقدار، فكلام المصنف يقتضي الفساد، ويكون كما لو صرح بالشرط، وكان ذلك لقرينة السؤال. ويحتمل أن يقال: إن هذا التماس ووعد فإذا حصل الإبراء مطلقًا صح،

стр. 577

وغاية ما فيه أن السائل غَرَّه بكلامه، والذي يؤيد هذا الاحتمال أن الشافعي قال في "الأم": "لو أسلفه في طعام إلى أجل، فلما حل الأجل، قال له: بعني طعامًا بنقد أو إلى أجل حتى أقضيك منه؛ فإن وقع العقد على ذلك لم يجز، وإن باعه على غير شرط فلا بأس بذلك" (١)، والقابض بالخيار إن شاء وَفَّى له، [و] (٢) إن شاء لم يف. ولو اشترى منه من غير شرط، وبينهما أن يقبضه منه صح البيع، فلم يجعل الشافعي ﵀ هذه الصيغة شرطًا فيتعين تأويل كلام المصنف على ذلك. ولو قضاه أكثر مما يستحقه أو أجود بشرط أن يبيعه منه لم يصح القبض، نص عليه، ويجب رده أو رد الزيادة، ويأخذ قدر حقه من جنسه. * * *

стр. 578

قال: فصْل: [السلم في طعام مكيل] وإن أسلم إليه في طعام بالكيل، أو اشترى منه طعامًا بالكيل، فدفع إليه الطعام من غير كيل لم يصح القبض؛ لأن المستحق قبض بالكيل فلا يصح قبض بغير كيل، فإن كان المقبوض باقيًا رده على البائع ليكيله له، وإن تلف في يده قبل الكيل تلف من ضمانه؛ [لأنه] (١) قبض من غير حقه، وإن ادعى أنه كان دون حقه فالقول قوله؛ لأن الأصل أنه لم يقبض إلا ما ثبت بإقراره. وإن باع الجميع قبل الكيل لم يصح؛ لأنه لا يتحقق أن الجميع له، وإن باع منه القدر الذي يتحقق أنه له، ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه يصح، وهو قول أبي إسحاق؛ لأنه دخل في ضمانه فنفذ بيعه فيه، كما لو قبضه بالكيل. والثاني: لا يصح، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وهو المنصوص في الصرف؛ لأنه باعه قبل وجود القبض المستحق بالعقد، فلم يصح بيعه كما لو باعه قبل أن يقبضه. الحكم المذكور مطرد في المكيل والموزون إذا قبضهما جزافًا، وما صدر به المصنف من عدم صحة القبض لا يكاد يعرف فيه خلاف إلا ما

стр. 579

حكيناه في باب الربا عن الشيخ أبي محمد في تقابض الصبرتين من غير كيل، أنه حكى في صحته وفساده وجهين، وجماهير الأصحاب مطبقون على إطلاق الفساد ونصوص الشافعي دالة عليه، بل وجميع العلماء. واعترض الإمام (١) بأن إطلاق الفساد إنما يستمر إذا منعنا التصرف، ومال إلى ما قاله شيخه، ولا فرق في ذلك بين أن يقبضه المستحق اعتمادًا على إجبار من عليه أنه قدر حقه أو لا. ولو أسلم كيلًا فقبض بالوزن، أو وزنًا فقبض بالكيل، لم يصح القبض، كما لو قبض جزافًا، نص عليه الشافعي (٢) والأصحاب. ولو اكتاله بغير الكيل الذي وقع عليه العقد، كما لو باع صاعًا فاكتاله بالمد، أو قفيزًا فاكتاله بالمكوك الذي هو ربعه أو ثمنه أو باعه ويبة فاكتالها بالربع فهل يكفي؟ فيه وجهان في "الحاوي"، رجح ابن الرفعة (٣) عدم الاكتفاء للتفاوت. ونص الشافعي في "الأم" (٤) يدل على أنه لابد أن يكون بكيل مثل ذلك الكيل، فإن فرض ترجح عدم الصحة، كما قال ابن الرفعة. وقول المصنف: "إنه إن كان باقيًا رده على البائع ليكيله له" هو نتيجة الحكم بالفساد، ومن يقول بالصحة كما حكاه الشيخ أبو محمد، يحتمل: أن يقول بذلك أيضًا ليتم القبض بالكيل. ويحتمل: أن يقول: لا يجب بل يكتاله، فإن كان زائدا رد الزائد، وفي كلام بعضهم ما يقتضيه.

стр. 580

وقوله: إنه إن تلف في يده تلف من ضمانه هو مقتضى ما جزم به الرافعي (١) في باب القبض، ونقل الإمام (٢) الوفاق عليه، لكن الرافعي (٣) في باب بيع الثمار حكى وجهين في انفساخ العقد بتلفه في يد المشتري قبل الكيل. ومقتضى القول بالانفساخ أنه لا يضمنه ضمان العقود؛ فعلى هذا يأتي في مسألتنا هنا وجهان: أحدهما: أنه يتلف من ضمانه أعني ضمان العقود، ولا يبقى له على المسلم إليه شيء. والثاني: أنه يضمنه ببدله ضمان، يد ويكون المسلم فيه باقيا له في ذمة المسلم إليه، وهو مقتضى كلام الماوردي في باب السلم، وهو مناقض لما قدمه في باب بيع الطعام، لكن المذكور هنا هو القياس. وتعليل المصنف يشعر بالأول، وأنه يضمنه ضمان العقود كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب، والماوردي في أحد قوليه، والمحاملي، ولا يوافق ذلك الحكم بفساد القبض، بل ينبغي إذا قلنا بفساد القبض لا يترتب عليه حكم، وينفسخ العقد بتلفه إذا كان معينًا، ولا يضمنه ضمان العقود، ولا يصح تصرفه في شيء منه، كما سيأتي. وإن قلنا بصحة القبض انعكست هذه الأحكام، وحيث نص الشافعي على فساد القبض وفساد التصرف فقياسه أن المقبوض يتلف على البائع. نعم: إذا تلف على ملك الدافع، وهو مثلي، فله عليه مثله، فيجري التقاص فيه مع المسلم فيه، فإن تساويا برئت ذمة المسلم إليه، وإن كان

стр. 581

المدفوع أقل رجع المسلم بالتكملة، وإن كان أزيد رد الزائد إن ادعى أنه قدر حقه، وبذلك صرح القاضي أبو الطيب، وهو مقتضى كلام الماوردي (١) في باب بيع الطعام، وكلام المحاملي هنا وصرحوا ببراءة ذمته منه، وقول القابض أنه دون حقه مقبول مع يمينه بلا خلاف، نص عليه الشافعي (٢) بعد قوله: ولو أعطاه طعامًا يصدقه في كيله، لم يجز. قال الأصحاب: لم يرد الشافعي أنه اعترف بصحة الكيل، فإنه حينئذ لا تسمع دعواه، وإنما أراد قبول خبره، وحمله على الصدق. قال القاضي أبو الطيب: ولأن تصديقه في كيله لا يمنع صحة دعواه؛ لأن الكيال قد يبخس فينقص، وقد يوفي فيزيد، ولهذا نقول: إذا خرج زائدًا سلمت الزيادة للبائع، وإن كان قد أقر بأنه عشرة أقفزة. قلت: وهذا من القاضي يوافق من يقول في المرابحة إذا بين لغلطه وجهًا محتملًا قبل، ولا فرق فيما إذا قبض جزافًا بين أن يدعي نقصانًا قليلًا أو كثيرًا، نص عليه الشافعي والأصحاب، بخلاف ما إذا كان قبضه بالكيل، وقال الأوزاعي والنووي: إن القول قول البائع وعدم صحة بيع الجميع متفق عليه بين الأصحاب غير الإمام (٣). ومقتضى قول من يقول بصحة القبض أنه إن كانت زائدة يبطل في الزائد وفي القدر المستيقن قولًا تفريق الصفقة، ولم يصرح به أحد من الأصحاب غير الإمام، وهو الحق إذا قيل بصحة القبض، وإن كانت سواء أو ناقصة فيصح كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت. والوجهان في بيع القدر المستيقن مشهوران، وصورته أن يبيع من الصبرة

стр. 582

المقبوضة قدر حقه على الإشاعة أو الإبهام كقوله: بعتك صاعًا منهذه الصبرة إذا كان يعلم أن حقه صاع، أما إذا أفرز صاعًا وباعه معينًا فهو كما لو باع الجميع لعدم الكيل المعتبر، والقسمة الصحيحة. إذا عرف ذلك فالشيخ أبو حامد والمحاملي، صححا ما قاله أبو إسحاق، والجمهور على ما قاله الرافعي ماعدا ابن أبي هريرة. ونسبة المصنف ذلك إلى النص تشعر بميله إليه، وهو مقتضى الحكم بفساد القبض، وإلا فإذا صح التصرف لا معنى للفساد كما قال الإمام (١)، وتكلف الشيخ أبو حامد وموافقوه من القائلين بصحة التصرف مع حكمهم بفساد القبض بأن المراد بالفساد قبول قول القابض في مقداره، وقد تقدم ما في ذلك. والعمدة في امتناع البيع ما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ". رواه مسلم (٢). خرج الجزاف بدليل معينًا (٣) فيما عداه على مقتضى الحديث. فرع حكم المذروع إذا سلمه بغير ذرع والمعدود إذا سلمه بغير عدد حكم المقبوض جزافًا في جميع ما تقدم نص عليه الأصحاب خلافًا لأبي حنيفة (٤). * * *

стр. 583

قال: وإن دفع إليه بالكيل ثم ادعى أنه دون حقه، فإن كان ما يدعيه قليلًا، قبل منه، وإن كان كثيرًا، لم يقبل منه؛ لأن القليل يبخس به، والأصل عدم القبض، والكثير لا يبخس به؛ فكأن دعواه مخالفة للظاهر فلم يقبل. ذكر المصنف المسألة في باب اختلاف المتبايعين وتكلمنا عليها هناك، وحكى فيها قولين؛ لكن يحتمل: أن يفرق بين تلك فإنها في قبض المعين كعشرة أقفزة من صبرة معينة، وبين هذه التي في قبض ما في الذمة؛ وتكون دعوى نقصان الكثير لا تقبل في الموضعين، ودعوى نقصان القليل الواحد من عشرة تقبل هنا، وفي المعين قولان لكن هذا مخالف لكلام الأصحاب. ويحتمل: أن تكون المسألتان، سواء، ويكون هذا التفصيل مخالفًا لحكاية الخلاف هناك، وعلى ذلك حمله الفارقي، وغيره وكذلك الرافعي حكى القولين في المسألتين، وأن صاحب "التهذيب" (١) رجح قبول قوله، وأن مقابله أصح عند القاضي أبي الطيب وغيره، ونبه البغوي (٢)، والرافعي (٣). على أن النقص لو كان بقدر ما يقع مثله في الكيل والوزن قُبِلَ قوله قولًا واحدًا؛ فإن حملنا القليل في كلام المصنف هنا على ذلك صحَّ، وكان قوله أنه لا يقبل في الكثير موافقًا لأبي الطيب، ولأبي حامد وغيرهما، ومخالفًا

стр. 584

لصاحب "التهذيب". وقد ذكر القاضي أبو الطيب في باب بيع الطعام هذا التفصيل الذي ذكره المصنف هنا بعينه، وكذلك الشيخ أبو حامد، وإن حملنا القليل على الواحد من العشرة؛ كما قاله الفارقي كان القول بقبول قوله مخالفًا لطريقته، وموافقا لصاحب "التهذيب" (١)؛ كما نبهت عليه في باب اختلاف المتبايعين؛ فحمله على الأول أولى، ولينظر تمام ما قلناه هناك. فرع قال الشافعي والأصحاب: إذا دفع بالكيل فعليه أن يملأ القفيز ويصب على رأسه من غير أن يزعزعه ويكيفه، أو يضع الكف على جوانبه أو يدق عليه بل يعطيه بما حمل رأسه، ولا يمسحه، ولو جرت العادة بذلك على ما صرح به الشيخ أبو حامد، فإذا اكتال على هذه الصورة لم يحصل ظلم للبائع ولا للمشتري. * * *

стр. 585

قال: فصْل: [الحوالة في المسلم فيه] وإن أحاله على رجل له عليه طعام، لم يصح؛ لأن الحوالة بيع وقد بينا في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل القبض. هذا هو الصحيح المنصوص الذي جزم به العراقيون، قال الشافعي في "الأم": "وهذا هو نفس بيع الطعام قبل يقبض" (١)، وهكذا نص أنه لا يجوز الحوالة عليه، فلا جرم كان الصحيح الذي عليه العراقيون أنه لا تجوز الحوالة بالمسلم فيه، كما ذكره المصنف، ولا عليه. وفيه وجه ثانٍ: يعزى لأبي حفص بن الوكيل: أنه تجوز الحوالة به وعليه؛ لأن الحوالة استيفاء. ووجه ثالث في "النهاية" (٢): أنها تجوز به، ولا تجوز عليه. ووجه رابع حكاه الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" (٣): ولم يوجد لغيره أنها تجوز عليه، ولا تجوز به، وقد ذكر المصنف منع الحوالة عليه في باب

стр. 586

الحوالة. واعلم أن الحوالة بالمسلم فيه إذا قلنا: إنها بيع لا إشكال في امتناعها. أما إذا قلنا: بأنها استيفاء فيعتذر عنه بأمرين أحدهما: أن فيها شائبة المعاوضة. والثاني: عدم الاستقرار كما أشار إليه المصنف في "التنبيه" (١)، ولولا ذلك لأشكل على العراقيين الجازمين بالامتناع، وهم مترددون في أنها استيفاء أو معاوضة، وكذلك غيرهم ممن وافقهم على ذلك. إذا علم ذلك فإن كان لزيد على عمرو طعام ولعمرو على خالد مثله؛ فأحال عمرو زيدًا على خالد به، فإن كان الذي لعمرو من جهة قرض، والذي لزيد على عمرو من جهة سلم فالفساد من جهة زيد؛ لأنه يبيع طعامه الذي له على عمرو من السلم بالذي لعمرو على خالد من جهة القرض، وبيع المسلم فيه لا يجوز، وهذه حوالة بالمسلم فيه لا عليه. وإن كان الطعامان من جهة السلم فالفساد من الطريقين؛ لأنه أحال بالمسلم فيه، وعليه، وكلام المصنف يشمل هاتين الصورتين لإطلاق قوله طعام، وإن كان الطعامان من جهة قرض ففي صحة الحوالة وجهان أصحهما في "البيان" (٢)، وبه جزم القاضي أبو الطيب الصحة؛ لأنه لا يعرض له فسخ ولا انفساخ. وهذه الصور الثلاث ذكرها العمراني في "البيان" (٣)، وإن كان الذي لعمرو من جهة سلم، والذي لزيد من قرض؛ فهذه حوالة على المسلم فيه لا به؛ فالفساد من جهة عمرو؛ لأنه يبيع طعامه الذي على خالد من السلم بالذي لزيد عليه من القرض.

стр. 587

قال: فإن قال: لي عند رجل طعام فاحضر معي [حتى] (١) أكتاله لك؛ فحضر فاكتاله، لم يجز روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ؛ صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي. وهذا لم يجز فيه الصاعان، وهل يصح قبض المسلم [إليه] (٢) لنفسه؟ فيه وجهان بناء على القولين فيمن باع دين المكاتب، فقبض منه المشتري، فإن قبض المشتري لنفسه لا يصح، وهل يصح القبض للسيد؟ فيه قولان؛ أحدهما: يصح؛ لأنه قبضه بإذنه فصار كما لو قبضه وكيله. والثاني: لا يصح؛ لأنه لم يأذن له في قبضه له، وإنما أذن له في قبضه لنفسه فلا يصير القبض له. ويخالف الوكيل فإنه قبضه لموكله، فإن قلنا إن قبضه لا يصح؛ اكتال لنفسه مرة أخرى، ثم يكيله للمسلم. وإن قلنا إن قبضه يصح؛ كاله للمسلم. وإن قال له: احضر معي حتى أكيله لنفسي وتأخذه ففعل ذلك؛ صح القبض للمسلم إليه؛ لأنه قبضه لنفسه قبضًا صحيحًا، ولا يصح للمسلم؛ لأنه دفعه إليه من غير كيل، وإن اكتاله لنفسه وسلم إلى المسلم، وهو في المكيال ففيه وجهان؛ أحدهما لا يصح لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، وهذا يقتضي كيلًا بعد كيل، وذلك لم يوجد. والثاني: أنه يصح؛ لأن استدامة الكيل بمنزلة، ابتدائه، ولو ابتدأ بكيله جاز، فكذلك إذا استدامه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 588

هذا الحديث رواه ابن ماجه (١) والدارقطني (٢) والبيهقي (٣) من رواية ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر، وابن أبي ليلى حاله مشهور، لكنه عضدته رواية أخرى عن أبي هريرة رواها البيهقي (٤)، ولفظه: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ فَيَكُونَ لِلْبَائِعِ الزِّيَادَةُ وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ. وروي عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، وإذا ضم بعضها إلى بعض قوي مع الأحاديث الصحيحة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ". رواه مسلم (٥). وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ (٦). وفي البخاري بغير إسناد أن النبي ﷺ قال لعثمان: "إِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ" (٧). وبذلك صح الاحتجاج بالحديث المذكور. والحكم الذي ذكره المصنف نص عليه الشافعي، ولا خلاف فيه؛ لأن الواجب أن يقبضه لنفسه بالكيل أولًا؛ حتى يتعين له ثم يقبضه للمستحق بكيل آخر، أما الكيل الواحد فإن جعل له لم يحصل للثاني قبض، وإن جعل

стр. 589

للثاني لم يحصل للأول، ومن ضرورة عدم حصوله للأول فساد الثاني، ولا يمكن جعله لهما لما ذكر، ولأنه يلزم منه حصول الملك لمالكين في آنٍ واحد، وهو محال. وعبارة الشافعي: "ولو أسلم في طعام وباع طعامًا آخر، وأحضر المشتري اكتياله من بائعه، وقال: اكتاله لك لم يجز؛ لأنه بيع الطعام قبل أن يقبض" (١). واختلف الأصحاب في صورة المسألة، فالأصح: أن صورتها أن يسلم إلى رجل في طعام، ويكون عليه لآخر مثله، إما من سلم وإما من غيره، فلما حل الطعام قال لمن له عليه ذلك، ويكون قول الشافعي؛ لأنه بيع الطعام؛ أي: في معنى بيع الطعام؛ لأنه يصرف، وقيل صورتها: أن يبيع المسلم فيه قبل قبضه، ويقول لمشتريه ذلك، ولا شك أن كلا الصورتين القبض فيهما فاسد؛ ولذلك والله أعلم أجمل المصنف الكلام، وأتى بعبارة تشملها. ويصح أن يصور كلامه بكل من الصورتين، لكن الأظهر من كلامه: أن المسلم إليه قال للمسلم: لي عند رجل طعام إما من سلم كما ذكروه في تصوير كلام الشافعي، وإما من غيره كقرض وضمان متلف وغير ذلك فهكذا ينبغي تصوير مسألة الكتاب، والحكم لا يختلف، وقد ذكر الأصحاب خمس مسائل: إحداها: أن يقول: اذهب إلى من لي الطعام عنده فاكتل لنفسك. الثانية: أن يقول: احضر اكتيالي منه حتى أكتاله لك، فحضر واكتاله فالقبض في المسألتين فاسد بلا إشكال، وكلام المصنف منطبق على الثانية، وإن كان أثناء كلامه منطبقًا على الأولى كما سيأتي، ولا يجري هنا الخلاف

стр. 590

الذي سنذكره في المعين. وقوله: "وهل يصح قبض المسلم إليه … إلى آخره" الوجهان في صحة قبض المسلم إليه لنفسه، ذكره الماوردي أن ابن أبي هريرة خرجهما. وذكر الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب: أنهما مبنيان على القولين الكتابة كما ذكر المصنف. يعني إذا فرعنا على الجديد في منع نجوم الكتابة فأحد الوجهين: أنه يصح ويبرأ المقبوض منه. والثاني: لا يصح، ولا يبرأ المقبوض منه. هكذا صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب، ومقتضى كلام القاضي حسين وطائفة: الجزم بفساد القبض مع التردد في براءة ذمة المقبض منه، وفي كلام المحاملي ما يفهم: الجزم بالفساد مع البراءة، لكن الفساد في كلامه محمول على قبول قول القابض كما تقدم عنه، وعن الشيخ أبي حامد في قبض المكيل جزافًا إذا قلنا: بصحة التصرف. فإن قلت: الأصح في مسألة الكتابة أن العتق لا يحصل بقبض المشتري فما الأصح من الوجهين هاهنا؟ قلت: فيه تفصيل بحسب تصوير المسألة. فاعلم أن تعليل المصنف لكل من الوجهين هاهنا يدل على أن صورة المسألة إذا أذن له في الاكتيال حتى يصح تنزيله منزلة الوكيل على الوجه الأول، ويصح أن يقال على الوجه الثاني أنه ما قبضه له، وإنما قبضه لنفسه. وقد سبق أن أول كلامه يشعر بتصوير المسألة بما إذا اكتاله هو للباني، والحكم بفساد القبض للثاني لا يختلف، أما هنا فالذي يترجح من الوجهين أنه إن كان قد قبض بإذنه كما اقتضاه كلام المصنف؛ فلا يصح القبض

стр. 591

للمسلم إليه؛ لأنه لم يقبضه له، ولا يبرأ الدافع وهو الذي يقتضي كلام صاحب "البحر" (١) ترجيحه. وإن كان المسلم إليه هو الذي اكتاله له فيترجح صحة قبضه لنفسه، ويلغو قصده؛ لأن المعتبر في الإقباض إذن الدافع وأخذ المستحق، وقد حصلا، فإن فرض أن الدافع لم يأذن، وإنما قصد تسليم الثاني لنفسه لم تبرأ ذمته، ولا يصح القبض للمسلم إليه في الصورتين. فإن قلت: فكيف يتجه الخلاف، وكان ينبغي القطع بأنه لا يصح؟ قلت: أما إذا لم يقصد الدافع الدفع إلى المسلم إليه، فلا يتجه إلا القطع بالفساد، وعدم البراءة، وأما إذا قصد وهو الذي أراده الأصحاب فيتجه الخلاف في الصورتين، وإن كان الراجح ما ذكرناه، أما فيما إذا اكتال المأذون فلأنه في ضمن الإذن له بالقبض لنفسه إذنًا بمطلق القبض؛ فإذا فسد اكتياله لنفسه أمكن أن يقال: بصحته لموكله وهذا يناظر على الفلس إذا اشترى لزيد وليس وكيلًا عنه حيث يقول: بصحته له. وأما فيما إذا اكتال المسلم إليه؛ فلأنه لم يقصد الكيل لنفسه، بل صرفه عنه بقصد غيره؛ فكأنه يكيله له واسطة في الكيل فلا يعد قابضًا، هذا وجه من الكلام، والأصح: ما قدمته. وقوله: "فإن قلنا: إن قبضه لا يصح اكتال لنفسه مرة أخرى" ظاهر، وقد يقال: كان ينبغي أن يرده إلى يد الدافع ثم يكتاله، ويؤيده ما تقدم في المقبوض جزافًا أنه يرد ما دام باقيًا. وقوله: "وإن قلنا: إن قبضه يصح كاله للمسلم" لا إشكال فيه. وقوله: "وإن قال له: احضر معي .. إلى آخره" هي المسألة الثالثة،

стр. 592

و معنى يأخذه؛ أي: جزافًا. وقوله: "وإن اكتاله لنفسه، وسلم إلى المسلم في المكيال … إلى آخره" هي المسألة الرابعة. والوجهان فيها حكاهما القاضي أبو الطيب، والأصح من الوجهين عند الشيخ أبي حامد والماوردي (١) والغزالي (٢): الجواز، وقال الرافعي: "إنه الأظهر عند الأكثرين" (٣)، لكن ابن أبي عصرون صحح المنع، وكذلك البغوي (٤). والخامسة: ذكرها القاضي أبو الطيب ولم يذكرها المصنف لوضوحها أن يكتال المسلم إليه ويفرغه، ثم يكيله كيلًا مستأنفًا؛ فيكون النقصان صحيحين، وهذا لا إشكال فيه. واعلم أن ظاهر الحديث مشكل؛ لأنه يقتضي وجوب صاعين، وهذا بالنسبة إلى إقباض الثاني؛ كما هو في مسألة الكتاب صحيح؛ لكنه بالنسبة إلى البيع لو أراد الذي قبضه لنفسه بالكيل أن سعه صح قطعًا، ولم يوجد إلا صاع واحد، فأما أن يحمل الحديث على البيع التام بالقبض، أي لا يبيعه بيعًا تامًّا ينفصل علقة أحدهما من الآخر إلا بذلك، ويكون واردًا في حق من اشتراه بالكيل. وإما أن يكون أطلق الصاعين على الكيل من أحدهما، والاكتيال من الآخر وإن كان صاعًا واحدًا ولو كان بدل ما في الذمة معينًا؛ كما إذا قال للمستحق اكتل لنفسك من صبرتي هذه، فأخذ جزافًا لم يصح، ولم يملك

стр. 593

قطعًا، وإن اكتال فكذلك على الأصح لاتحاد القابض والمقبض، والوجهان جاريان فيما إذا دفع إليه الطعام جزافًا، وقال أكتله فإنه قدر حقك ففعل، وكذلك كل مكيل وموزون استحق قبضه بالكيل أو الوزن. واعلم أن اتحاد القابض والمقبض ممتنع على النص، جائز على قول ابن سريج؛ فالإذن تارة يكون في الاكتيال فقط؛ فيجوز على قول ابن سريج، ويجري الوجهان على المنصوص؛ فيعلل المنع بأن الكيل ركن القبض فامتنع الاتحاد فيه. والجواز بأن المقصود: معرفة المقدار، وتارة يكون الإذن في القبض كما إذا وكله في صب الطعام بعد كيله في زاوية من داره، من غير إعادة لتلك البقعة، ثم نقله المشتري بعد ذلك. وفرق الإمام بين هذه الصورة حيث جرى فيها الخلاف، والصورة التي قبلها التي في الكتاب، حيث قطعوا بالمنع بأن الملك هنا في عين، والملك هناك ليس في عين، وإنما يملك بالقبض، فإذا قبضها المسلم بنفسه ولم يجر ملك للمسلم إليه؛ كان باطلًا وجهًا واحدًا. فرع حيث أخذ المسلم بذلك الكيل، وقلنا: لا يصح قبضه فادعي النقصان فإن كان قليلًا سمع، وإن كان كثيرًا لم يسمع على ما ذكره المصنف، فيما تقدم فيما إذا قبض بالكيل، ذكره هنا القاضي أبو الطيب وغيره. فرع لو قال المسلم للمسلم إليه: "كل طعامي، أو زنه، أو اعزله عندك حتى آتيك فانقله، ففعل، لم يجز - أيضًا. ولو سرق كان مِنْ ضمان المسلم إليه، نص عليه، وهذه -أيضًا- لا يأتي

стр. 594

فيها خلاف، وهي كمسألة الكتاب، لكن تلك في أحد العاقدين" (١)، وهذه الآخر. * * *

стр. 595

قال: فصْل: [توكيل المسلم إليه للمسلم] وإن دفع المسلم إليه إلى المسلم دراهم، وقال: اشتر [لي] (١) بها مثل مالك علي، واقبضه لنفسك ففعل؛ لم يصح قبضه لنفسه، وهل يصح للمسلم إليه على الوجهين المبنيين على القولين في دين المكاتب؟ قال: فإن قال: اشتره واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك، ففعل صح الشراء والقبض للمسلم إليه، ولا يصح قبضه لنفسه؛ لأنه لا يجوز أن يكون وكيلًا لغيره في قبض حق نفسه. المسألة نص عليها الشافعي وذكر الأصحاب لها ثلاث صور؛ إحداها: أن يقول: اشتر لي واقبضه لنفسك، فالشراء صحيح، والقبض لنفسه فاسد؛ لأنه لم يدخل في ضمان الإذن، فإقباضه في دين عليه قبل قبضه كبيع المبيع قبل قبضه؛ لأن القبض يملك كالبيع، وفي صحته للمسلم إليه الوجهان، وقد تقدم أن الأصح عدم الصحة، والسؤال عليه. الثانية: أن يقول: اشتر لي واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك، فالشراء صحيح، والقبض للمسلم إليه صحيح بلا خلاف، وأما قبضه لنفسه فلا يصح

стр. 596

على الصحيح الذي ذكر المصنف والعراقيون، وحكى المراوزة فيه وجهين أصلهما، فيما إذا قال له: اكتل لنفسك من صبرتي هذه قدر حقك ففعل ففي صحته وجهان؛ أصحهما: المنع لاتحاد القابض والمقبض، والسر فيه أنه إذا كان قابضًا لنفسه يحتاط لها، والمقبض يجب عليه وفاء الحق من غير زيادة، فاختلف الغرضان. ولما كانت الطباع لا تنضبط امتنع الجمع بينهما. والثاني: يصح لوجود القبض صورة ومعنًى، والوجهان جاريان في قبض عبده ومدبره وأم ولده؛ لأن يدهم كيده، وصورة المسألة أن يتحدد من المأذون بعد قبضه للمسلم إليه نقل وتحويل لنفسه، أما قبله فلا يكون مقبوضًا له اتفاقًا، وهو -حينئذٍ- أمانة في يده، وبعد النقل إن لم يصحح قبضه لنفسه، كان مضمونا عليه كالمقبوض جزافًا. الصورة الثالثة: أن يقول: اشتر لنفسك، فلا يصح الشراءُ اتفاقًا؛ لأنه لا يصحُّ أن يشتري بمال غيره شيئا لنفسه فإن اشترى فإن كان يعين تلك الدراهم لم يصحَّ، وإن اشترى في الذمة ملك الطعام والدراهم مضمونة عليه، وهذا الذي ذكرناه كله هو المعروف من كلام الشافعي والأصحاب. وقد رأيت في "الأم" في باب بيع العروض: "وإذا سلف رجل رجلًا في عرض فدفع المسلِّف إلى المسلَّف ثمن ذلك العرض على أن يشتريه لنفسه ويقبضه كَرِهْتُ ذلك له، وإذا اشتراه وقبضه يبرأ منه المسلف، وسواء كان ذلك ببينة أو بغير بينة إذا تصادقا" (١)، ولم أفهم معنى ذلك، وظاهره أنه مع كراهيته لذلك إذا اشترى وقبض لنفسه، يقع عن المسلم إليه، ولا أعرف أحدًا من الأصحاب يقول ذلك. * * *

стр. 597

قال: فصْل: [العيب في المسلم فيه] إذا قبض المسلم فيه ووجد به عيبًا، فله أن يرده؛ لأن إطلاق العقد يقتضي سليمًا فلا يلزمه قبول المعيب، فإن رد، ثبتت المطالبة بالسليم؛ لأنه أخذ المعيب عما في الذمة، فإذا رده رجع إلى ماله في الذمة، فإن حدث عنده عيب رجع بالأرش؛ لأنه لا يمكنه رده ناقصًا عما أخذه، ولا يمكن إجباره على أخذه مع العيب؛ فوجب الأرش. رده بالعيب لا إشكال فيه، ومطالبته بالتسليم كذلك إذا كان القبض بعد التفرق، أما لو فرض قبض المسلم فيه قبل التفرق، فقد يقال: إنا إذا قلنا: المعين في المجلس كالمعين في العقد؛ يجب أن ينفسخ العقد برده، ولا يطالب بالسليم. وقد يقال: إن ذلك إنما هو في رأس المال، وشبهه بما يجب قبضه في المجلس. أما المسلم فيه، فلا يجب قبضه في المجلس، فلم يكن لتعيينه فيه حكم التعيين في العقد، وهو الذي يظهر؛ ولذلك أطبق الأصحاب على المطالبة بالسليم، وأن المنفسخ بالرد وهو القبض لا العقد، فيرجع إلى ما كان له في

стр. 598

الذمة، ولو لم يرد ورضي به لزمه، ولكن هل يملكه بالرضا أو يكون له من حين القبض؟ فيه وجهان أو قولان. فإن قلنا: إنه من حين الرضا لم يكن الرد على الفور. وإن قلنا: من حين القبض، فاحتمالان؛ أوجههما عند الإمام (١): أنه لا يكون على الفور؛ لأنه ليس معقودًا عليه، [وإنما يثبت] (٢) الفور فيما [يؤدي رفعه] (٣) إلى رفع العقد إبقاء للعقد، وقد ذكرنا ذلك في باب الربا ورجوعه بالأرش عند حدوث عيب، ذكره القاضي أبو الطيب، وحكى الروياني عن القفال: "أن الشافعي نَصَّ عليه، وخالف فيه المُزني وأبو حنيفة" (٤)، وقد ذكرنا في فرع في باب الرد بالعيب أنه إذا تعذر الرد في كل مقبوض عمَّا في الذمة، واطلع على عيب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرجع بالأرش من الثمن كما في المعين؛ وهو مقتضى كلام ابن الصباغ، وغيره في هذا المكان. والثاني: من القيمة كالمغصوب، ولم يتعرض المصنف هنا لبيان الأرش فكلامه محتمل للوجهين لكنا نحمله على الأول. والثالث: قاله الإمام (٥)، أنه يغرم المقبوض ويرجع بالسليم، ونقله الروياني هنا "عن والده أنه يرده مع أرش العيب الحادث ويطالبه بالمسلم فيه

стр. 599

على الصفة المشروطة" (١). قلت: وهذا مأخوذ من أن المقبوض عمَّا في الذمة إذا كان به عيب لَا يملك إلا من حين الرضا، والصحيح خلافه فتعين الرجوع إلى أرش العيب القديم كما قاله المصنف، لكن في تقديره ما سبق من الوجهين، والأصح أن يكون منسوبًا من الثمن كغيره من الأرش، ولو قلنا بأنه يأخذه منسوبًا من القيمة لا من الثمن لكان ذلك اعتياضًا عن بعض المسلم فيه. وقد قال العمراني (٢) إن بعض أصحابنا المتأخرين قال: إن الرجوع بالأرش خطأ؛ لأنه أخذ عوض عن الجبر الغائب وبيع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، قال العمراني: والمذهب ما قاله الشيخ أبو إسحاق، وما قاله المخالف له هو قول أبي حنيفة ﵀، ولعله اختاره وليس بصحيح؛ لأن بيع المبيع المعين قبل القبض لا يصح. وقد جاز أخذ الأرش عن الجزء والفائت عند حدوث العيب، ولأن ذلك ليس ببيع وإنما هو فسخ للسلم في الجزء الفائت، بدليل أن المسلم يرجع بقسط ذلك الجزء من رأس المال المسلم. قلت: وهذا الجواب منقول عن ابن سريج فعلى هذا لو كان العيب ينقص عشر قيمة المسلم فيه رجع بعشر رأس المال، وبه جزم القاضي حسين، وإن كان المزني حيث امتنع من إيجاب الأرش عن القديم يحيط حق المسلم صارت الأوجه في هذه المسألة أربعة. ولو قبض المسلم بعض المسلم فيه وأتلفه، ثم قبض الباقي فوجده معيبًا فادعى أن التالف كان به هذا العيب؛ فالقول قول المسلم إليه مع يمينه.

стр. 600

قال الفوراني: إلا أن يكون سبالًا ببعض ذلك العيب فيه، فإن حلف يخلص، وإن نكل حلف المسلم، ورجع، وإن ظهر العيب برأس المال فقد تقدم عند قبضه. * * *
следующие страницы →