← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

على الصحيح الذي ذكر المصنف والعراقيون، وحكى المراوزة فيه وجهين أصلهما، فيما إذا قال له: اكتل لنفسك من صبرتي هذه قدر حقك ففعل ففي صحته وجهان؛ أصحهما: المنع لاتحاد القابض والمقبض، والسر فيه أنه إذا كان قابضًا لنفسه يحتاط لها، والمقبض يجب عليه وفاء الحق من غير زيادة، فاختلف الغرضان. ولما كانت الطباع لا تنضبط امتنع الجمع بينهما. والثاني: يصح لوجود القبض صورة ومعنًى، والوجهان جاريان في قبض عبده ومدبره وأم ولده؛ لأن يدهم كيده، وصورة المسألة أن يتحدد من المأذون بعد قبضه للمسلم إليه نقل وتحويل لنفسه، أما قبله فلا يكون مقبوضًا له اتفاقًا، وهو -حينئذٍ- أمانة في يده، وبعد النقل إن لم يصحح قبضه لنفسه، كان مضمونا عليه كالمقبوض جزافًا. الصورة الثالثة: أن يقول: اشتر لنفسك، فلا يصح الشراءُ اتفاقًا؛ لأنه لا يصحُّ أن يشتري بمال غيره شيئا لنفسه فإن اشترى فإن كان يعين تلك الدراهم لم يصحَّ، وإن اشترى في الذمة ملك الطعام والدراهم مضمونة عليه، وهذا الذي ذكرناه كله هو المعروف من كلام الشافعي والأصحاب. وقد رأيت في "الأم" في باب بيع العروض: "وإذا سلف رجل رجلًا في عرض فدفع المسلِّف إلى المسلَّف ثمن ذلك العرض على أن يشتريه لنفسه ويقبضه كَرِهْتُ ذلك له، وإذا اشتراه وقبضه يبرأ منه المسلف، وسواء كان ذلك ببينة أو بغير بينة إذا تصادقا" (١)، ولم أفهم معنى ذلك، وظاهره أنه مع كراهيته لذلك إذا اشترى وقبض لنفسه، يقع عن المسلم إليه، ولا أعرف أحدًا من الأصحاب يقول ذلك. * * *

стр. 597

قال: فصْل: [العيب في المسلم فيه] إذا قبض المسلم فيه ووجد به عيبًا، فله أن يرده؛ لأن إطلاق العقد يقتضي سليمًا فلا يلزمه قبول المعيب، فإن رد، ثبتت المطالبة بالسليم؛ لأنه أخذ المعيب عما في الذمة، فإذا رده رجع إلى ماله في الذمة، فإن حدث عنده عيب رجع بالأرش؛ لأنه لا يمكنه رده ناقصًا عما أخذه، ولا يمكن إجباره على أخذه مع العيب؛ فوجب الأرش. رده بالعيب لا إشكال فيه، ومطالبته بالتسليم كذلك إذا كان القبض بعد التفرق، أما لو فرض قبض المسلم فيه قبل التفرق، فقد يقال: إنا إذا قلنا: المعين في المجلس كالمعين في العقد؛ يجب أن ينفسخ العقد برده، ولا يطالب بالسليم. وقد يقال: إن ذلك إنما هو في رأس المال، وشبهه بما يجب قبضه في المجلس. أما المسلم فيه، فلا يجب قبضه في المجلس، فلم يكن لتعيينه فيه حكم التعيين في العقد، وهو الذي يظهر؛ ولذلك أطبق الأصحاب على المطالبة بالسليم، وأن المنفسخ بالرد وهو القبض لا العقد، فيرجع إلى ما كان له في

стр. 598

الذمة، ولو لم يرد ورضي به لزمه، ولكن هل يملكه بالرضا أو يكون له من حين القبض؟ فيه وجهان أو قولان. فإن قلنا: إنه من حين الرضا لم يكن الرد على الفور. وإن قلنا: من حين القبض، فاحتمالان؛ أوجههما عند الإمام (١): أنه لا يكون على الفور؛ لأنه ليس معقودًا عليه، [وإنما يثبت] (٢) الفور فيما [يؤدي رفعه] (٣) إلى رفع العقد إبقاء للعقد، وقد ذكرنا ذلك في باب الربا ورجوعه بالأرش عند حدوث عيب، ذكره القاضي أبو الطيب، وحكى الروياني عن القفال: "أن الشافعي نَصَّ عليه، وخالف فيه المُزني وأبو حنيفة" (٤)، وقد ذكرنا في فرع في باب الرد بالعيب أنه إذا تعذر الرد في كل مقبوض عمَّا في الذمة، واطلع على عيب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرجع بالأرش من الثمن كما في المعين؛ وهو مقتضى كلام ابن الصباغ، وغيره في هذا المكان. والثاني: من القيمة كالمغصوب، ولم يتعرض المصنف هنا لبيان الأرش فكلامه محتمل للوجهين لكنا نحمله على الأول. والثالث: قاله الإمام (٥)، أنه يغرم المقبوض ويرجع بالسليم، ونقله الروياني هنا "عن والده أنه يرده مع أرش العيب الحادث ويطالبه بالمسلم فيه

стр. 599

على الصفة المشروطة" (١). قلت: وهذا مأخوذ من أن المقبوض عمَّا في الذمة إذا كان به عيب لَا يملك إلا من حين الرضا، والصحيح خلافه فتعين الرجوع إلى أرش العيب القديم كما قاله المصنف، لكن في تقديره ما سبق من الوجهين، والأصح أن يكون منسوبًا من الثمن كغيره من الأرش، ولو قلنا بأنه يأخذه منسوبًا من القيمة لا من الثمن لكان ذلك اعتياضًا عن بعض المسلم فيه. وقد قال العمراني (٢) إن بعض أصحابنا المتأخرين قال: إن الرجوع بالأرش خطأ؛ لأنه أخذ عوض عن الجبر الغائب وبيع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، قال العمراني: والمذهب ما قاله الشيخ أبو إسحاق، وما قاله المخالف له هو قول أبي حنيفة ﵀، ولعله اختاره وليس بصحيح؛ لأن بيع المبيع المعين قبل القبض لا يصح. وقد جاز أخذ الأرش عن الجزء والفائت عند حدوث العيب، ولأن ذلك ليس ببيع وإنما هو فسخ للسلم في الجزء الفائت، بدليل أن المسلم يرجع بقسط ذلك الجزء من رأس المال المسلم. قلت: وهذا الجواب منقول عن ابن سريج فعلى هذا لو كان العيب ينقص عشر قيمة المسلم فيه رجع بعشر رأس المال، وبه جزم القاضي حسين، وإن كان المزني حيث امتنع من إيجاب الأرش عن القديم يحيط حق المسلم صارت الأوجه في هذه المسألة أربعة. ولو قبض المسلم بعض المسلم فيه وأتلفه، ثم قبض الباقي فوجده معيبًا فادعى أن التالف كان به هذا العيب؛ فالقول قول المسلم إليه مع يمينه.

стр. 600

قال الفوراني: إلا أن يكون سبالًا ببعض ذلك العيب فيه، فإن حلف يخلص، وإن نكل حلف المسلم، ورجع، وإن ظهر العيب برأس المال فقد تقدم عند قبضه. * * *

стр. 601

قال: فصْل [انقطاع المسلم فيه] وإن أسلم في ثمرة، فانقطعت في محلها، أو غاب المسلم إليه؛ فلم يظهر حتى نفدت الثمرة، ففيه قولان؛ أحدهما: أن العقد ينفسخ؛ لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام، وقد هلكت [فانفسخ] (١) العقد، كما لو اشترى قفيزًا من صُبرة، فهلكت الصُّبرة. والثاني: لا ينفسخ لكنه بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن توجد ثمرة، فيأخذ؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة لا ثمرة هذا العام. والدليل عليه: أنه لو أسلم إليه في ثمرة عامين؛ [فقدم] (٢) في العام الأول ما يجب له في العام الثاني جاز، وما في الذمة لم يتلف، وإنما تأخر؛ فثبت له الخيار، كما لو اشترى عبدًا، فأبق. إذا كانت الثمرة مما يعم وجودها بالشروط المتقدمة في الباب الأول، فانقطعت في محلها على خلاف العادة بجائحة ونحوها، أو غاب كما ذكر المصنف، فالقولان مأخوذان من كلام الشافعي في "المختصر" (٣)

стр. 602

و"الأم" (١). وقد رأيت نصه على الثاني وحده في "الأم" صريحًا في آخر باب بيع الآجال، أنه يثبت الخيار، وهو الأظهر، وبه قال أبو حنيفة لما ذكره المصنف، وشبهوه بما إذا أفلس المشتري بالثمن في غير هذه الصورة لا ينفسخ العقد، ولكن للبائع الخيار، وقياس المصنف على العبد الآبق تفريع على الطريقة المشهورة، وإلَّا ففيه وجه أنه ينفسخ بالاباق قبل القبض لم يفرع الشيخ عليه. وقول المصنف: "أو غاب": محمول على ما إذا غاب وتعذر الوصول إلى الوفاء، فإنه إذا غاب وله مال أوفى منه، ولو أعسر، فلم يقدر على التسليم حتى فات الوقت جرى القولان، ولو سوف المسلم إليه ودافع حتى انقطع؛ فالمشهور جريان القولين، وعن بعض الأصحاب أنه لا ينفسخ بحال؛ لوجود المسلم فيه، وحصول القدرة، وقياس هذا أن يأتي مثله فيما إذا غاب أو أعسر، وغيبة المسلم، كغيبة المسلم إليه؛ قاله في "التتمة". ونص الشافعي في "الأم" (٢) والأصحاب على أنه لا فرق في ثبوت الخيار بين أن يحصل ذلك بتوانٍ أو ترك من المشتري أو البائع، أو هرب من البائع، ولو حل الأجل بموت المسلم إليه في أثناء المدة، والمسلم فيه منقطع جرى القولان؛ ذكره البندنيجي، والمتولي، ولو لم تنقطع الثمرة، ولكن عَزَّت وغلت؛ فالعقد صحيح قولًا واحدًا، ويؤخذ بتحصيلها مع عزتها. ولو انقطع بعض المسلم فيه عند المحل والباقي مقبوض أو غير مقبوض، وقلنا: لو انقطع الكل انفسخ العقد انفسخ في المنقطع، وفي

стр. 603

الباقي الخلاف فيما إذا اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل قبضهما، فإن قلنا: لا ينفسخ، فله الفسخ، فإن أجاز، فعليه حصته من رأس المال لا غير. وقيل: قولان أحدهما هذا. والثاني: يجبر بجميع الثمن. وإن قلنا: إذا انقطع الكل لم ينفسخ العقد، فالمسلم بالخيار، إن شاء فسخ العقد في الكل، وإن شاء أجازه في الكل. وهل له الفسخ في القدر المنقطع والإجازة في الباقي؟ فيه قولان بناء على الخلاف في تفريق الصفقة بالاختيار. ولو عرضت آفة قبل المحل علم بها انقطاع الجنس عند المحل، فهل يتنجز حكم الانقطاع حتى يجري فيه القولان الآن؛ إقامة للمتوقع مقام الواقع، أو يتأخر إلى المحل؟ فيه قولان مخرجان مما إذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا فتلف قبل الغد، هل يحنث في الحال أو يتأخر إلى الغد. والأصح على ما قاله الرافعي (١) والأرغياني أنه يتأخر إلى المحل، ولا يتنجز حكم الانقطاع. وكل ما ذكرناه من الانقطاع، فالمراد به ألا يوجد المسلم فيه أصلًا، كما لو كان ذلك الشيء ينشأ من تلك البلدة، وقد أصابته جائحة مستأصلة، وكذا لو كان يوجد في غير تلك البلدة، ولكن لو نقل إليها فسد أو كان لا يوجد إلَّا عند قوم محصورين وامتنعوا من بيعه، فلو كانوا يبيعونه بثمن غالٍ وجب تحصيله، ولم يكن ذلك انقطاعًا، وإن أمكن نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها، فإن كان في حد البعد لم يجب نقله قطعًا، ويجري فيه القولان، وإن كان في حد القرب وجب.

стр. 604

واختلفوا في حد القرب؛ فالأصح ضبطه بما دون مسافة القصر. وقيل: بمسافة لو خرج المبكر إليها أمكنه الرجوع إلى أهله ليلًا، وهي مسافة العدوى. وقال الإمام: "المعتبر أن تجري العادة بنقله إليها لغرض المعاملة، وإن كان في حد البعد، ويمكن نقله على عسر؛ فالمشهور جريان القولين، وقال الإمام بأنه لا ينفسخ، ويكون كإباق العبد" (١)، وهو الذي قاله في "البسيط". فرع لو كان بالمسلم فيه ضامن فمات، فإن كان المسلم فيه موجودًا، فللمسلم المطالبة في تركته، ولا يرجع ورثته على المضمون إلَّا بعد الأجل إن كان ضمن بالإذن، وإن كان المسلم فيه معدومًا، فلا مطالبة له في تركته، وإن فسخ سقط الضمان، قاله الروياني (٢). التفريع: إن قلنا بالانفساخ، فقد برئت ذمة المسلم إليه من المسلَم فيه، وحكم رأس المال، سيأتي في كلام المصنف. وإن قلنا بالأصح، وهو ثبوت الخيار، ففي هذا الخيار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على الفور. والثاني: إلى ثلاثة أيام، كخيار تلقي الركبان، وعلى هذين الوجهين إذا أخر لم يكن له الفسخ بعد ذلك، فإن جاء العام المقبل والمسلم فيه معدوم أيضًا، فله الخيار أيضًا. ثم هكذا في كل عام.

стр. 605

والثالث: وهو الصحيح، أن هذا الخيار على التراخي لا يبطل بالتأخير ولا بالتصريح بالإنظار من غير تصريح بإبطال خيار الفسخ، لكن لو صرح بإسقاطه هل يبطل؟ فيه وجهان. وفي إباق العبد قبل القبض أحدهما يبطل؛ لأن مستحق الحق أبطله، وأصحهما: لا، حتى لو أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ كزوجة المُولي إذا رضيت بالمقام ثم ندمت، ووجهه الشيخ أبو محمد بأن الحق يتحدد حالًا فحالًا ورضاه ينحصر على وقته، فهو في الإسقاط يشبه العارية في التسليط على الانتفاع. ووجهه الإمام (١) بأن هذه الإجازة إنظار، والإنظار تأجيل، والأجل لا يلحق بالعقد بعد لزومه. قال الرافعي: "وقد يتوقف الناظر في كونها إنظارًا ويميل إلى أنها إسقاط حق ورضا بما عرض كإجازة زوجة العنين. ولو قال المسلم إليه: لا تصبر، وخذ رأس مالك؛ فللمسلم ألَّا يجيبه، وفيه وجه" (٢)، وحكى الروياني الوجهين فيما إذا قال المسلم إليه: إن المسلم فيه منه فله، ولا آمن أن يكون منقطعًا عند المحل، وأن له على أحد الوجهين؛ اختار المسلم على الاستيفاء، وهو بعيد. فرع من "البحر": باع عينًا بثمن من نقد منقطع لم يصح، أو موجود في البلد صح حالًّا ومؤجلًا، وإن كان تحصيله بكُلفة وإن كان عزيز الوجود، وليس عند المشتري والثمن حالٌّ لم يصح، وإن كان في بلد أخرى فإن كان حالًّا أو

стр. 606

مؤجَّلًا بأجل لا يتمكن من إحضاره فيه لم يصح، وإلا صح، ثم إن تعذر، فإن لم يُجَوِّز الاستبدال (١) عن الثمن، فحكمه كالمسلم فيه إذا انقطع، وإن جوزنا الاستبدال لم يفسخ العقد، وقال بعض أصحابنا: للبائع الفسخ؛ كالتعذر بالفلس (٢). * * *

стр. 607

قال: فصْل [فسخ السلم بالإِقالة] يجوز فسخ عقد السلم بالإقالة؛ لأن الحق لهما، فجاز لهما الرضا بإسقاطه. للفصل مقدمتان، إحداهما: الإقالة مندوب إليها عند ندم المتعاقدين أو أحدهما. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا؛ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ". رواه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) بسند رجاله على شرط "الصحيحين". الثانية: الإقالة أن يقول المتعاقدان: تقايلنا أو يقول أحدهما: أقلت، ويقول الآخر: أقلت (٣) أو قبلت، ولا يشترط ذكر ما تقايلَا فيه إذا كان معلومًا، وهل هي فسخ أو بيع؟ فيه طريقان إحداهما، وبه قطع العراقيون: القطع بأنها فسخ (٤). والثانية: وبها قال القاضي حسين وأتباعه، وبعض العراقيين: أنَّ فيها

стр. 608

قولين الجديد: أنها فسخ، والقديم: أنها بيع (١)، وهو مذهب مالك (٢)، وحكى الشيخ أبو حامد (٣) هذا وجهًا لبعض أصحابنا. ولو صدرت بلفظ الفسخ، فهل يجري هذا الخلاف؛ نظرًا إلى المعنى، أو يقطع بأنها فسخ نظرًا إلى اللفظ؟ فيه طريقان؛ أصحهما عند المبين للخلاف الأول، وهما عائدان إلى أن البيع هل يقبل الفسخ بالتراضي؟ فعلى الأول: لا. وعلى الثاني: نعم (٤). إذا عرف ذلك فمن قال بأن الإقالة فسخ جوَّزها في السلم، وفي المبيع قبل القبض إذا لم يجوّز بيع المبيع قبل القبض من بائعه. وطائفة قالوا: إنها جائزة - أيضًا، ويكون فسخًا، وإن الخلاف في كونها فسخًا أو بيعًا لا يجري في هاتين الحالتين [لامتناع] (٥) البيع فيهما؛ وهذا هو المشهور (٦)، حتى إن مالكًا (٧) وافقنا على جوازها في السلم؛ ولذلك يستدل الأصحاب به على ضعف القول بأنها بيع؛ إذ لو كانت بيعًا لما دخلت في السَّلم، ولا خلاف عندنا أنها لا تجوز على زيادة في الثمن، ولا نقص منه، ولا على خلاف النوع أو الوصف خلافًا لأبي حنيفة (٨).

стр. 609

وكلام المصنف وتعليله ناطق بأن السلم وكذا غيره من البيوع يقبل الفسخ بالتراضي؛ لأن الحق لهما، وإهمال ما سوى ذلك؛ ولذلك أدخلها المصنف تبعًا للشافعي في هذا الباب. وفي الإقالة في بعض المعقود عليه إذا كان الباقي موجودًا ثلاثة أوجه: الصحيح: المنصوص (١) صحة الإقالة فيما وردت عليه دون ما بقي. والثاني: منعها في الجميع؛ حذرًا من تفريق الصفقة. والثالث: صحتها في الجميع. كما لو ورد إحدى العينين بالعيب يتعدى الرد إلى الآخر على وجه، هذا على قولنا: الإقالة فسخ، فإن قلنا: إنها بيع وكان ذلك مما يتقسط عليه الثمن بالقيمة، لم يصحَّ لجهالة الثمن، وإن كان مما يتقسط عليه بالأجزاء صحَّ، هذا في غير السلم، وكذلك الحكم في المسلم فيه عندنا. قال الشافعي: "ولو أقاله بعض السلم وقبض بعضًا، فجائز" (٢)، وبه قال ابن عباس، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحكم بن [عتيبة] (٣)، وأبو حنيفة (٤)، والثوري. وقال مالك (٥)، وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى: لا يجوز. وعن ابن عمر، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأحمد (٦)،

стр. 610

وإسحاق: كراهته. واحتجوا: بأنه يصير بيعًا وسلفًا؛ لأن البعض المردود في معنى القرض، والباقي بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وسلف قال أصحابنا: إنما ذلك إذا كان شرطًا في البيع. ولو دفع المسلم إليه البعض على أن يقبله في الباقي، لم يجز، نص عليه. ولو كان بعض المعقود عليه مفقودًا، ففي الإقالة في الباقي وجهان كرد أحد العبدين بالعيب بعد أن تلف الآخر، ولو كان الكل تالفًا، جازت الإقالة - أيضًا - على الصحيح، وسيأتي في المصنف ما يقتضي ذلك ونوضحه هناك قريبًا. فرع لو صالح المسلم المسلم إليه، لم يجز، قال أبو العباس: إلا أن يصالحه على رأس المال بعينه فيكون فسخًا للعقد، ويصح وإن ضمن المسلم فيه ضامن فصالحه، لم يجز؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل قبضه. فرع لا تجوز التولية، ولا الشركة في المسلم فيه قبل قبضه؛ لأنهما بيع. فرع لو جعل المسلم فيه صداقًا لبنت المسلم إليه، لم يجز، وكذلك إن كان المسلم إليه امرأة، فتزوجها عليه أو خالعها؛ قاله الروياني (١).

стр. 611

فرع إذا جعلنا الإقالة بيعًا، لم يجز التصرف بعدها قبل القبض، ويشترط التقابض فيها قبل التفرق إذا كانت عن صرف، وتتجدد الشفعة بسببها، ويثبت الخياران فيها، ويخبر بالثمن الأول في المرابحة إذا كان ورِثَه أو اتَّهَبه ثم باعه، ثم تقايلا، وإن جعلناها فسخًا انعكست هذه الأحكام. فرع تلف المعقود عليه بعد الإقالة في يد المشتري، إن قلنا: هي بيع فكتلف المبيع بتفاصيله، وإن قلنا: فسخ ضمنه للبائع بالقيمة أو بالمثل، وإن استعمله فعلى قول الفسخ؛ يلزمه القيمة، وعلى قول البيع؛ لجنايته. وإن تعيَّب، فعلى قول الفسخ؛ يجب الأرش، وعلى قول البيع كتعيب المبيع قبل القبض، ولو حصل منه زوائد وتلف في يد المشتري. فإن قلنا: فسخ، فالزوائد للبائع مع قيمة الأصل. وإن قلنا: بيع، انفسخت الإقالة، وفي الزوائد وجهان (١). ولو أقال في مرض الموت حسبت من الثلث على القولين؛ قاله القاضي حسين، قال: "فلا يصح مع الوارث"؛ لأن في مرض الموت لو رد المبيع بالعيب وقيمته أضعاف ثمنه تحسب من ثلثه كابتداء البيع بالمحاباة. قال: وعلى القولين للمشتري حبس المبيع حتى يسترد الثمن؛ لأنا إن قلنا: بيع فللبائع الحبس، وإن قلنا: فسخ فكالرد بالعيب، وله الحبس. * * *

стр. 612

قال: فإذا فسخا، أو انفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين، أو بالفسخ في القول الآخر، رجع المسلم إلى رأس المال، فإن كان باقيًا وجب رده، وإن كان تالفًا، ثبت بدله في ذمة المسلم إليه. هذا ظاهر، ولكن هل ذلك من حينه أو من أصله؟ الصحيح المشهور: الأول، وهذا الخلاف في غير المسلم تظهر فائدته في الزوائد قبل القبض كما صرحوا به، أو بعده إن يثبت القول به، كما تقدم في اختلاف المتبايعين. وأما السلم، فإن ثبت جريان الخلاف في الزوائد بعد القبض، فيأتي فيه - أيضًا - بأن يسلم إليه جارية في شيء، ويقبضها فتزيد في يده، ثم يتقايلان، وإن لم يثبت ذلك، فلا جريان له في السلم؛ لأن المسلم فيه في الذمة، ورأس المال ما لم يقبض لا يلزم السلم والمجلس باقٍ، فلا تجري الإقالة، ولو كان المسلم قد أخذ بالسلم رهنًا، لم يكن له حبس الرهن على الثمن (١)، خلافًا لأبي حنيفة (٢). وقوله: "وإن كان باقيًا" وجب رده هذا إذا كان معينًا في أصل العقد، وإن كان معينًا في المجلس، فكذلك على الأصح. وقيل للمسلم إليه الإتيان ببدله، وقوله: وإن كان تالفًا ثبت بدله؛ أي: المثل إن كان مثليًّا أو القيمة إن كان متقوَّمًا، وبذلك صرح المحاملي، والشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهم، ويأتي فيه الوجه المتقدم في

стр. 613

باب التحالف عن الماوردي أنه تجب القيمة مطلقًا. ويؤخذ من هذا أن الإقالة جائزة بعد تلف المعقود عليه، وهو نص الشافعي، والقائلون: بأنها بيع، يمنعون جوازها بعد التلف، وأما القائلون: بأنها فسخ على الجديد، فاختلفوا على وجهين؛ أصحهما: الجواز قياسًا على التحالف، وهو المنصوص في "الأم" (١) في باب السنة في الخيار. والثاني: المنع كالرد بالعيب، ولا فرق بين أن يكون التالف المبيع أو الثمن المعين. فرع لو اختلفا في قدر رأس المال أو في قيمته، فالقول قول المسلم إليه؛ لأنه غارم، ولا يتخيل جريان التحالف هنا عند الاختلاف في قدر رأس المال؛ لأن العقد قد انفسخ. * * *

стр. 614

قال: فإن أراد أن يُسْلمه في شيء آخر، لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين. أي أراد المسلم أن يسلم رأس المال الذي رجع إليه، وهو في ذمة المسلم إليه، لم يقبض فذلك باطل، نص عليه الشافعي، وبيع الدين بالدين ورد في النهي عنه حديث ضعيف تقدم ذكره في باب الربا، لكنه معتضد بغيره. وله صور: منها: ما هو مجمع على منعه. ومنها: ما هو مختلف فيه عندنا. ومنها: ما هو مختلف فيه بين الأئمة، وهو ممنوع عند الشافعي؛ كمسألة مطارح الدَّينين، وقد تقدم ذلك في باب الرِّبا، ومسألة الكتاب مما هو مجمع عليه على تفصيل سنذكره. فإن أسلم مؤجَّلًا، لم يجز، وكان باطلًا قطعًا، وكذا إن أسلم حالًّا ولم يقبض المسلم فيه في المجلس لا يجوز قطعًا، وإن أسلم حالًّا وأحضر المسلم فيه وسلمه في المجلس، ففيه وجهان؛ أصحهما: أنه لا يجوز، وقد تقدم ذلك عند الكلام في قبض رأس المال؛ فإطلاق المصنف مستمرّ على الأصح. وهذا إذا جرى بلفظ السلم. أما إذا جرى بلفظ البيع، ففيه شيء سنذكره، وهو أن الأصحاب أطلقوا جواز الاستبدال عن الدين المستقر، وأنه يجوز أن يأخذ عنه دينًا على الأصح إذا عينه في المجلس وقبضه.

стр. 615

وما منعاه من السلم عند الذي في ذمته الدَّين، هو نوع من الاستبدال إلَّا أن الدَّين فيه لمن في الاستبدال مبيع؛ فيجب أن يقال: الدين المستقر، أما أن يؤخذ عنه ثمن هو في ذمته عين أو موصوف الأول سيأتي في كلام المصنف. والثاني: إما أن يجعل الموصوف ثمنًا، والدَّين الثابت مبيعًا، وهو الاستبدال، وحكمه إن كان مؤجلًا امتنع بلا خلاف، وإن كان حالًّا وعين وقبض في المحل صح على الأصح. وإن لم يعين لم يصحَّ قطعًا، وإن عُيِّن ولم يقبض، فعلى ما سيأتي في كلام المصنف من الوجهين، وإما أن يجعل الموصوف مبيعًا، والدَّين ثمنًا، فإن كان بلفظ السلم، فهي مسألة الكتاب، وإن كان بلفظ البيع؛ كقوله: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بالدين الذي لي عليك، فإن جعلناه سلمًا اعتبارًا بمعناه فكالسلم، وإن جعلناه بيعًا اعتبارًا بلفظه، فكالاستبدال. هذا إذا صدر ذلك مع مَنْ عليه الدين، فإن صدر من غيره فكبيع الدَّيْن من غير من عليه، وهو ممتنع على الأصح عند الرافعي (١) وغيره. والمصنف رجح جوازه في أول البيوع؛ فعلى ذلك يجوز أن يسلمه إليه إذا قبضه المسلم إليه في المجلس، وأن يبيعه منه إذا قبضه مقابلة في المجلس، كل ذلك قلته؛ تفقهًا لا نقلًا. * * *

стр. 616

قال: وإن أراد أن يشتري به عينًا نظرت؛ فإن كان يجمعهما علة واحدة في الربا؛ كالدراهم، والدنانير، والحنطة، بالشعير، لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينًا بعين؛ وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالحنطة، والثوب بالثوب، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز أن يتفرقا من غير قبض، كما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عينًا بعين أن يتفرقا من غير قبض. والثاني: لا يجوز؛ لأن المبيع في الذمة، فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه، [وبالله التوفيق] (١). أي: أراد المسلم أن يشتري برأس المال الذي في ذمة المسلم إليه عينًا معينة في العقد، فالمشهور الجواز، وبعضهم يذكر أنه لا خلاف فيه، لكن في تجريد المحاملي عن "الإملاء" منعه، وما ذكره المصنف في شراء العين التي يجمعهما علة واحدة في الربا من اشتراط القبض قبل التفرق لا خلاف فيه. وما ذكره فيما لا يجمعهما علة الربا، وذكر في أمثلته الثوب بالثوب يعترضه سؤال، وهو أن كلامه في رأس المال الذي تلف في المسلم إليه وثبت بدله في ذمته، والثوب إذا تلف إنما تجب قيمته، فكيف يتصور أن يكون الثوب في الذمة بهذا الطريق؟ قال إسماعيل الحضرمي في جوابه: يمكن أن يقال فيه: إن الثوب يثبت في الذمة ثمنًا وجوزنا بيع الثمن على الصحيح، وتكون هذه غير مسألة فسخ

стр. 617

السلم؛ إلَّا أنها من جنسها في وجوب القبض في المجلس، فلذلك ضمها إليها. إذا عرف ذلك، فالوجهان في هذا القسم في وجوب القبض قبل التفرق، والأصح عند الإمام (١)، والشاشي، والبغوي (٢)، والرافعي (٣)، وهو اختيار ابن سريج: أنه لا يجب، والذي جزم به المصنف في "التنبيه" (٤) في باب الصلح الوجوب، وعليه يدل نص الشافعي في "الأم" في باب السنة في الخيار، وهو اختيار الشيخ أبي حامد وأتباعه. أما التعيين، فلا خلاف في وجوبه، وقد علمت أن صورة مسألتنا هنا أن يرد العقد على معين، وهذا الذي قلناه كله إذا صدر ذلك الذي في ذمته الدين، فإن صدر مع غيره، فالذي يظهر أن حكمه حكم بيع الدين مَن غير من عليه، والأصح عند المصنف الجواز فلعل إطلاقه الكلام لذلك، والأصح عند غيره المنع. وقال أبو حنيفة (٥): إنه لا يجوز أن يأخذ عن رأس المال عوضًا إلَّا أن يكون السلم فاسدًا، وكأنه قاس رأس المال على المسلم فيه، والقياس غير متضح، وقد ذكر الأصحاب في آخر باب السلم، فروعًا لما كان به تمام أنواع البيع. ومنها مسائل فرَّعها ابن سريج في جزء سمَّاه "الزيادات على كتاب السلم".

стр. 618

ومنها: ما تقدم في كلام المصنف وكلامنا. ومنها: ما يذكره هنا على سبيل الانتقاء. فرع ضمن ضامن المسلم فيه، فأعطاه المسلم إليه قدر ما ضمن عنه، فإن سلمه إليه ليسلمه إلى المسلم، فهو وكيل، فإذا سلمه إليه بَرِئَا جميعًا؛ وإن تلف في يده قبل إيصاله، فلا ضمان عليه، وإن قال له: خذه عوضًا عما ضمنت عني، لم يصحَّ، فإذا أخذه فهو مضمون عليه، وهذا من مسائل ابن سريج، وبقيتها تقدمت. فرع إذا اشترى عبدًا، قال له: أنا، عبد فاشترني، ثم ظهر العبد حرًّا كانت العهدة على البائع لا غير، ولا يطالب العبد بشيء عندنا. وقال أبو حنيفة: "إن كان البائع غائبًا غيبة منقطعة، كان للمشتري أن يرجع على العبد، وللعبد أن يرجع على البائع"، قال ابن سريج: "لم يحصل من البائع إلا الغرور، فإما (١) أن يضمن في الصورتين أو لا يضمن في الصورتين فالتضمين في الغيبة المنقطعة دون غيرها لا معنى له. فرع عن القاضي أبي (٢) الطيب أسلم إليه مائة درهم في كراء طعام، عليَّ منها خمسون حالة تعجلها، وخمسون إلى أجل، يصح فيما عجله، وهل يصح في المتأخر؟! قولان بناء على تفريق الصفقة. قلت: وهذه المسألة تقع كثيرًا لا سيما الحجاج (٣) فينبغي التيقظ لها.

стр. 619

باب القرض (١) القرض: يطلق مصدرًا واسمًا، فأما مصدرًا؛ فهو القطع، يقال: قرض يقرض قرضًا إذا قطع (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: تقطعهم فتجاوزهم وتتركهم عن شمالها، ومنه القريض وهي القصيدة من الشعر؛ لأن الشاعر قطع بعض الشعر وأمضى من قصيدته شيئًا، وإنما يطلقون القريض: على ما ليس برجز. وأما اسمًا، فهو كل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلانٌ فلانًا، إذا أعطاه ما يتجازاه منه، والاسم منه القرض. قال الواحدي: "هذا إجماع من أهل اللغة" (٣). وقال ابن كيسان: "القرض أن تعطي شيئًا ليرجع إليك مثله، أو ليقضى شبهه". والمشهور القرض بفتح القاف، وفيه لغة بكسرها، وفي "المجمل" لابن فارس أن القرض المجازاة (٤).

стр. 620

قال: القرض قربة مندوب إليها؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ". وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: "لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ يُرَدَّانِ ثُمَّ أُقْرِضُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا". وعن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما قالا: "قَرْضُ مَرَّتَيْنِ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةَ مَرَّةٍ". حديث أبي هريرة رواه مسلم (١)، وأثر أبي الدرداء رواه البيهقي (٢)، وفي تمامه: "لِأَنِّي أُقْرِضُهُمَا فَيَرْجِعَانِ إِلَيَّ، فَأَتَصَدَّقُ بِهِمَا؛ فَيَكُونُ لِي أَجْرُهُمَا مَرَّتَيْنِ". وأثر ابن مسعود وابن عباس رواه البيهقي (٣) - أيضًا، وروي ذلك عن ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: "مَنْ أَقْرَضَ مَرَّتَيْنِ كَانَ كَعِدْلِ صَدَقَةٍ مَرَّةً"، رواه البيهقي (٤) وابن ماجه (٥) بمعناه، إلا أن إسناده ضعيف، ووقفه على ابن مسعود أصحُّ. ورأيت في كتاب "الزهد" لابن المبارك (٦) بإسناده أن ابن عمر قال: "لَأَنْ

стр. 621

أُقْرِضَ رَجُلًا دِينَارًا فَيَكُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ آخُذَهُ فَأُقْرِضَهُ آخَرَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا يُكْتَبُ لَك أَجْرُهَا حِينَ تَصَّدَّقُ بِهَا، وَهَذَا يُكْتَبُ لَكَ أَجْرُهُ مَا كَانَ عِنْدَ صَاحِبِهِ". وهذا ترجيح حسن، ونية صالحة بزيادة الأجر على صبره عليه. وقيل: إنما كان القرض خيرًا من الصدقة؛ لأن الصدقة قد تدفع إلى من هو غني عنها، ولا يسأل إنسان إنسانًا القرض إلَّا وهو محتاج إليه، وفي كتب بعض أصحابنا حديث أن النبي ﷺ قال: "الصدقة بعشرة والقرض بثمان عشرة"، ولا أعرف لهذا الحديث أصلًا. فهذه آثار في الترغيب في القرض، وأما جوازه ومشروعيته، فمعلوم من الشرع بالضرورة، وصح فيه أحاديث سيأتي بعضها في الباب. وقد تغايرت عبارات المصنف في القرض والهبة والعتق، تارة يقول: قربة مندوب إليها، وتارة يقتصر على أحد اللفظين، وتارة يغاير بين "المهذب" و"التنبيه"، والكل صحيح، وكلها قربة ومندوب إليها؛ إما بدليل عام أو بدليل خاص، وكذلك عيادة المريض وزيادة القادم، وهي مرتبة متوسطة بين العبادات التي عرف اهتمام الشارع بتكليف الخلق إيقاعها على حقيقة العبادة، وبين المباحات التي لا تقع قربة إلَّا بالقصد؛ كالأكل بقصد التَّقوِّي على العبادة. والقربة في أصل وضعها، تشمل الواجب، فهي أعم من المندوب بهذا الاعتبار، وزعم ابن أبي عصرون أن المصنف احترز بقوله: مندوب إليها من الجهاد بغير إذن الوالدين فإنه قربة، وليس بمندوب، وهذا ركيك؛ لأن الجهاد بغير إذن الوالدين، معصية، فكيف يقال بأنها قربة؟! * * *

стр. 622

قال: فصْل [أركان القرض] ولا [يجوز] (١) إِلَّا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على المال، فلا يصح إلا من جائز التصرف كالبيع. ويشترط فيه مع ذلك في المقرض أهلية التبرع؛ فإنه فيه شائبة التبرع، ولو كان معاوضة محضة لاشترط في القرض الربوي التقابض في المجلس، ولجاز في غيره شرط الأجل لكنه بملاحظة التبرع؛ لم يجز حتى يكون المتبرع بالخيار في تبرعه. ولا يجوز من غير أهل التبرع إلا للضرورة كما سنذكره للولي في مال الطفل. وأصل القرض لم يوضع للمعاوضة، وإنما وضع لتمليك المال بشرط الضمان فيثبت بدله عند الملك أو التصرف، قال الإمام: "هو معروف أثبته الشرع رخصة" (٢). وقال الغزالي: "كأنه أذن في الإتلاف بشرط الضمان" (٣).

стр. 623

قال: ولا ينعقد إلَّا بالإيجاب والقبول لا تمليك إذني؛ فلم يصحَّ من غير إيجاب وقبول، كالبيع والهبة. هذا الذي أورده العراقيون ومعظم الأصحاب، وذكره المراوزة وجهًا أن القبول باللفظ ليس بشرط، وادعى الإمام (١)؛ أنه ظاهر المذهب، وقرب هذا الخلاف من الخلاف في أن القرض، مما يملك بالقرض أو بالتصرف إن قلنا بالثاني أشبه الإباحة؛ فلا يفتقر إلى القبول. وقال في "التتمة": "الإيجاب والقبول ليس بشرط" بل إذا قال: أقرضتني كذا أو أرسل إليه رسولًا، فبعث المال إليه صح القرض، وثبت حكمه، وهكذا لو قال رب المال: أقرضتك وسلم إليه فقبضه ثبت القرض، وحكاه في "الروضة" (٢) عن صاحب "التتمة" مصرحًا: بأنه لا يشترط الإيجاب ولا القبول، وآخر كلام صاحب "التتمة" يقتضيه؛ لأنه قال: إنه تبرع. والركن في التبرعات الفعل لا القول؛ ولهذا تتم الهدية بالتسليم من غير قبض لكن الصورتان اللتان ذكرهما صاحب "التتمة" اللفظ فيهما موجود من أحد الجانبين، وعلى كل تقدير فهو وجه ثالث في المسألة، وقول المصنف: تمليك، احتراز من العتق ومن الإباحة؛ كتقديم الطعام، وقوله: أدنى احتراز من الوقف على المساجد والمدارس. * * *

стр. 624

قال: ويصح بلفظ القرض والسلف؛ لأن الشرع ورد بهما، ويصح بما يؤدي معناه، وهو أن يقول: ملَّكْتك هذا على أن تردَّ عليَّ بدله. أقرضتك وأسلفتك صريحان وقد وردا في الأحاديث، وتقدم أن السلف مشترك بين السلم والقرض. وقيل: إن القرض لغة أهل العراق، والسلف لغة أهل الحجاز، ويعني هذا القائل أنه شاع في كل ناحية لفظة، وإلَّا فاللغتان ثابتتان في الحجازيين وغيرهم، ولا يشترط مع واحدة من هاتين اللفظتين قرينة ولا نية، وملكتك هذا على أن ترد بدله أو خذه بمثله، أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله المشهور في مثلها في البيع. وقيل: صرائح كذكر العوض معها. وقد جزموا هنا بانعقاد القرض بها، ومقتضى إلحاقه بالبيع والهبة أن يجري فيه الخلاف في انعقادهما بالكتابة مع النية، وبعضه ما سيأتي في كلام المصنف من الخلاف فيما إذا كتب إليه فإن الكتابة قرينة من الكناية، ولو قال: خذه وتصرف فيه لنفسك أو خذ هذا الطعام وازرعه لنفسك فهل يجعل قرضًا أو هبة؟ وجهان في "التتمة". ولا يرد على قوله: خذه بمثله أنه متردد بين البيع والقرض؛ لأنا نقول: إذا كان بكناية فالنية لا بد منها، وهي مخصصة فلا يضر التردد. نعم: إن قيل: بأنه صريح كذكر العوض معه يقوي السؤال، ويتجه ألا يصح القرض به مع فقد النية والقرينة. قال ابن الرفعة: "إلا أن يقال: إن البيع بمثل هذا لا يصح؛ لاحتمال تلف

стр. 625

المبذول قبل إحضار المثل؛ فيؤدي إلى التنازع، كما في بعتك ملء هذا الكوز على وجه، أو يقال بأن الشيء بمثله من كل وجه لا يصح، كما هو وجه في بيع أحد الشريكين نصيبه بنصيب شريكه المساوي له" (١). قلت: وإطلاق الأصحاب الصحة فيما إذا قال: خذه بمثله كأنه تفريع على أن القرض يضمن مطلقًا بالمثل، أما إذا قلنا: المتقوم يضمن بالقيمة، فإذا قال: خذه بمثله، يحتمل: أن يقال بالصحة - أيضًا، وسنحكيه عن "شرح المهذب" لأبي إسحاق عند الكلام في قرض الخبز. ويحتمل أن يقال: إن هذا شرط ينافي، مقتضاه، فيمتنع تصحيحه قرضًا، وبعد ذلك؛ إما أن يفسد، وإما أن يجعل بيعًا. * * *

стр. 626

قال: فإن قال: ملكتك ولم يذكر البدل؛ [فهو] (١) هبة، وإن اختلفا فيه، فالقول قول الموهوب له؛ لأن الظاهر معه، فإن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر. التمليك بلا عوض في اللفظ ولا في النية هبة قطعًا، ومع ذكر العوض تقدم حكمه، ومع نية العوض من غير ذكره كناية فيما نوى به فكذلك. قال المصنف: إن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر؛ أي: وإن احتمل أنه غير هبة بالنية. وقوله: "في أول الكلام؛ فهو هبة"؛ أي: في الظاهر والحكم. وقوله: "وإن اختلفا فيه"؛ أي: في البدل هل أريد بذلك أو لا مع اتفاقهما على أنه لم يذكر في اللفظ؟ فالقول قول الموهوب له؛ أي: الذي جعل موهوبًا له في الحكم، ولو قال المخاطب: كان أحسن؛ لأن كونه موهوبًا له متنازع فيه. وإنما شرحنا كلام المصنف على هذا، وجعلنا محل الاختلاف في نية العوض دون ذكره؛ ليصحَّ تعليله بعدم ذكره العوض، ولو أنهما اختلفا هل حصل ذكر العوض أو لا؟ فالقول قول المخاطب - أيضًا، ويكون هبة على ما جزم به الرافعي (٢) وغيره، فإن قوله معتضد بالأصل. فإن الأصل عدم الذكر، ولا ظاهر هنا إلَّا الظهور المستفاد من الأصل، وكثير من المصنفين

стр. 627

أطلقوا المسألة، كما أطلقها الرافعي ولم يفرقوا بين الاختلافين. قال في "الروضة": "وحكي وجه أن القول قول الدافع، وهو متجه" (١)، ولك أن تقول: هذا الاختلاف في القرض والهبة فإذا قلنا: بأن المقرض لا يرجع في العين بعد ملكها بالقبض، فلم لا يحلف كُلٌّ منهما، أو يتحالفان كما في الاختلاف في البيع والهبة عند غير صاحب "التقريب"؟ وإذا حلف المقرض أنه ما وهب، وحلف المقترض أنه ما اقترض رجعت العين إلى صاحبها، وإن كنا نقول على وجه: أن المقرض لا يرجع في عين ما اقترضه بعد القبض والملك، وصار كالاختلاف في البيع والهبة. أما إذا قلنا بالرجوع وهو الأصح؛ فالمقرض لا يدعي شيئًا غير العين؛ فبعد حلفه على نفي الهبة؛ لا فائدة في حلف الآخر على عدم القرض. فرع في "الروضة" (٢) قال: وفي "التتمة" وجه أن الاقتصار على ملكته قرض كذا بخط المصنف وفي بعض النسخ هبة وهو غلط؛ لأن ذلك الوجه في الرافعي على أن هذا الوجه الذي في "الروضة" (٣) لم أره في "التتمة"، فإن كان أخذه من الوجهين في خذه وتصرف فيه لنفسك فليس مثله؛ لأن ذلك اللفظ محتمل للقرض بخلاف ملكتك [ … ] (٤). * * *

стр. 628

قال: وإن قال: أقرضتك ألفًا وقبل ألفًا وتفرقَا، ثم دفع إليه ألفًا، فإن لم يطل الفصل جاز؛ لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب. وإن طال الفصل، لم يجز حتى يعيد لفظ القرض؛ لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل. هكذا جزم به ابن أبي عصرون في "المرشد"، وأبي إسحاق العراقي في "الشرح"، وصاحب "البيان" (١)، والروياني (٢) كلاهما نقلها عن المصنف، وهذا مبهم يقتضي أن القرض لا يجب إيراده على معين، بل يجوز أن يكون على موصوف ثم يعين وهو غريب، وأن تعيينه في المجلس أو بعده بحيث لا يطول الفصل وهو إغرب؛ إذ لا عهد به. وقال يعقوب بن أبي عصرون: "إنه إذا فعل مثل ذلك في الهبة، جاز"، يعني: مع طول الفصل. قال: والفرق بينهما أن القرض عقد جائز من الجانبين، فيحتاج إلى تصرف قويٍّ بخلاف الهبة، فإنه عقد لازم من الجانبين. قلت: والمعروف أن الهبة لا تصح إلَّا في معين، وبتقدير صحتها، فهي لا تلزم إلَّا بالقبض، فهي قبل القبض كالقرض. وقد اختلف الأصحاب في القراض، فقطع القاضي حسين، والإمام (٣)

стр. 629

بجوازه على موصوف، ثم يُعيَّن في المجلس كالصرف، وقطع صاحب "التهذيب" (١) بالمنع. وقول المصنف: "وقبل ألفا" لو قال: وقبل، كان أحسن حتى يكون المقبول هو الأول، وإن كان غير معين، وقوله: لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب. رأيت في بعض النسخ الإبحار مصدر أبحر، أي: إبحار ما أوجب له، وفي بعضها الإيجاب مصدر أوجب وهو الأكثر ومعناه قصد الدفع عن الإيجاب [المتقدم] (٢) وقوله: "حتى يعيد لفظ القرض"؛ أي: والقبول ولم أر من ذكر هذه المسألة غير المصنف وأتباعه. * * *

стр. 630

قال: فصْل [الكتابة بالقرض] قال: وإن كتب إليه وهو غائب: أقرضتك هذا أو كتب إليه بالبيع، ففيه وجهان؛ أحدهما: ينعقد؛ لأن الحاجة مع الغيبة داعية [إلى الكتابة] (١). والثاني: لا ينعقد؛ لأنه قادر على النطق، فلا ينعقد عقده بالكتابة؛ كما لو كتب وهو حاضر، وقول القائل الأول: إن الحاجة داعية إلى الكتابة لا يصح؛ لأنه يمكنه أن يوكل من يعقد العقد بالقول. جزم ابن أبي عصرون في "المرشد" بالثاني، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه، والوجهان كالوجهين في انعقاد البيع بالكتابة، وقد حكاهما المصنف في البيع، صحح عدم الانعقاد كما اقتضاه كلامه هنا لكن الأصح عند الرافعي (٢) والنووي (٣) انعقاد البيع بالكتابة في حالة الغيبة، وحكيا فيها مع الحضور وجهين ورجح منها: ولا شك أن القرض في قبول الكتابة مثل البيع أو أولى.

стр. 631

فيؤخذ من كلام الرافعي والنووي أن الأصح عندهما في القرض؛ انعقاد بالكتب على خلاف ما قال المصنف، وهو الأولى في القرض والبيع جميعًا، وكونه متمكنًا من التوكيل لا يقدح، كما أنه ينعقد بالكتابة، وإن كان قادرًا على التصريح، وحيث جوزنا انعقاده بالكتابة، فلا بد معها من النية، فالكتابة كالكناية، وكل ذلك في كتابة الناطق، أما الأخرس إذا كتب، فلا يصح بيعه؛ لأن إشارته وكتابته كنطق غيره، هكذا قال صاحب "البيان" (١)، وقال إسماعيل الحضرمي: "إنه لا خلاف في ذلك". * * *

стр. 632

قال: فصْل [الشرط في القرض] ولا يثبت فيه خيار المجلس وخيار الشرط؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وفي القرض: يجوز لكل منهما أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى لخيار المجلس وخيار الشرط [ … ] (١) هذا صحيح جزم به البغوي (٢) وغيره، ومن يقول من أصحابنا: إنه ليس للمقرض الرجوع في عين ما أقرضه بعد القبض؛ لا يستقيم عنده التعليل بما ذكره المصنف. وقياسه أن يلحق القرض بالهبة المطلقة إذا قلنا باقتضائها الثواب، وإن الإثابة واجبة، وفي ثبوت الخيار فيها بعد القبض خلاف، الأصح المنع، ولم أر من صرح به هنا بل كلامهم يقتضي خلافه، ألا ترى أن البغوي جزم بأنه ليس له الرجوع في عينه على المذهب في أنه يملك بالقبض، وجزم بأنه لا خيار، أما قبل القبض، فلا خيار؛ جزمًا فيهما؛ لكون العقد جائزًا. * * *

стр. 633

قال: ولا يجوز شرط الأجل فيه؛ لأن الأجل يقتضي جزءًا من العوض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه؛ فلا يجوز شرط الأجل فيه. أي: لا يصح شرط الأجل، ولا يثبت الأجل في القرض عندنا، وعند أبي حنيفة والأوزاعي والحارث العُكْلي، وقال مالك (١)، والليث بن سعد: إذا شرط الأجل يثبت ولا يطالب به حتى يحل الأجل، وحكي نحوه عن علي وابن عباس، وذكر الماوردي (٢) أن بعض أصحابنا كان يغلط، فيذهب إلى جوازه متمسكًا من كلام الشافعي في التفليس بما ليس دالًّا على ذلك. واستدلوا بأدلة عامة في الوفاء بالشروط، ولنا مثلها في إبطال الشروط التي لا دليل عليها، وما ذكره المصنف دليل خاص لا يعارضه شيء، إذا ثبت أن شرط الأجل في القرض لا يصح؛ فهل يفسد به القرض؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نعم، لمنافاته فهو كشرط رد الصحيح عن المكسر أو الجَيِّد عن الرديء؛ فإنه يفسد القرض على المشهور. والثاني: لا، بل يصح حالًّا؛ لأن الأجل وإن كان غير لازم، فتأخيره من غير شرط جائز فلم يتنافياه. هذا قول ابن أبي هريرة، وهو المفهوم من كلام كثير من المتقدمين، وبه جزم المتولي؛ كما لو شرط رد المكسر عن الصحيح؛ فإن القرض يصح

стр. 634

على الأصح، ويلغو الشرط. والثالث: إن كان للمقرض غرض في التأجيل بأن كان وقت نهب وغارة فسد القرض به؛ لأنه قرض يجر نفعًا. وإن لم يكن له فيه غرض؛ بل غرضه نفع المستقرض والإهمال عليه صح القرض، وكان حالًّا؛ لأن نفع المستقرض لا ينافي القرض، بخلاف نفع المقرض، وهذا ذكره القاضي حسين اختيارًا لنفسه، قال فيه: "وينبغي أن يقال". وجزم به البغوي (١)، وصححه الرافعي (٢)، وهو حسن قوي في المعنى، وسيأتي في كلام المصنف الخلاف في فساد القرض بفساد الشرط مطلقًا. وليس غرض المصنف هنا إلَّا الحكم بفساد الشرط، ولكنا أردنا أن نستوفي الكلام في الأجل وإنما لم يثبت الأجل، وإن قصد به رفق المستقرض؛ لأنه يقابله قسط من العوض؛ فيصير في معنى شرط أن يردَّ أقل مما أخذ، وقد ورد في البخاري (٣) أن النبي ﷺ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ. فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. قَالَ: ائتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا. قَالَ. صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وهذا إن كان حكمه ثابتًا في هذه الملة؛ فيدل على أن القرض لا يفسد بشرط الأجل، وليس صريحًا في أن الشرط يصح كما يقوله مالك، أو يلغو كما هو الأصح عندنا. وروي أيضًا عن أبي سعيد قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَقَالَ لَهَا: "إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ

стр. 635

فَأَقْرِضِينَا، حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرٌ فَنَقْضِيَكِ". قيل: إنه في ابن ماجه (١)، ولم أقف عليه. وهذا ليس على سبيل الاشتراط؛ لأن وقت مجيء التمر ليس معلومًا، وإنما هو اختار بالوقت الذي يقضيها فيه، ولو كان شرطًا حملناه على الوعد، كما حملنا عليه حديث البخاري وإنما شرحنا قول المصنف لا يجوز بمعنى لا يصح؛ لأنه الغالب إرادته في المعاملات. ولأنه إذا ارتد به بقي الحل يظهر أن يقال: إن قلنا بأن القرض يفسد بهذا الشرط فحكمه حكم تعاطي العقود الفاسدة، وهي حرام. وإن قلنا: يصح القرض ويلغو الشرط فلا يظهر تحريم ذلك؛ لأنه في معنى الوعد والإرفاق. ألا ترى إلى قول الشافعي في تأجيل الحال أنه معروف لا يجب له أن يرجع فيه. فرع مذهبنا أن القرض لا يتأجل ابتداءً ولا انتهاءً (٢)، ومذهب مالك (٣) أنه يتأجل ابتداءً وانتهاءً، أما الابتداء فقد ذكرناه، وأما الانتهاء فمعناه أنه يكون حالًا ثم يؤجله، فمذهب مالك (٤) جوازه، ويصير مؤجلًا، ومذهبنا لا يصير مؤجلًا، وكذلك سائر الديون الحالَّة من ثمن وأجرة
следующие страницы →