← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فيؤخذ من كلام الرافعي والنووي أن الأصح عندهما في القرض؛ انعقاد بالكتب على خلاف ما قال المصنف، وهو الأولى في القرض والبيع جميعًا، وكونه متمكنًا من التوكيل لا يقدح، كما أنه ينعقد بالكتابة، وإن كان قادرًا على التصريح، وحيث جوزنا انعقاده بالكتابة، فلا بد معها من النية، فالكتابة كالكناية، وكل ذلك في كتابة الناطق، أما الأخرس إذا كتب، فلا يصح بيعه؛ لأن إشارته وكتابته كنطق غيره، هكذا قال صاحب "البيان" (١)، وقال إسماعيل الحضرمي: "إنه لا خلاف في ذلك". * * *

стр. 632

قال: فصْل [الشرط في القرض] ولا يثبت فيه خيار المجلس وخيار الشرط؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وفي القرض: يجوز لكل منهما أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى لخيار المجلس وخيار الشرط [ … ] (١) هذا صحيح جزم به البغوي (٢) وغيره، ومن يقول من أصحابنا: إنه ليس للمقرض الرجوع في عين ما أقرضه بعد القبض؛ لا يستقيم عنده التعليل بما ذكره المصنف. وقياسه أن يلحق القرض بالهبة المطلقة إذا قلنا باقتضائها الثواب، وإن الإثابة واجبة، وفي ثبوت الخيار فيها بعد القبض خلاف، الأصح المنع، ولم أر من صرح به هنا بل كلامهم يقتضي خلافه، ألا ترى أن البغوي جزم بأنه ليس له الرجوع في عينه على المذهب في أنه يملك بالقبض، وجزم بأنه لا خيار، أما قبل القبض، فلا خيار؛ جزمًا فيهما؛ لكون العقد جائزًا. * * *

стр. 633

قال: ولا يجوز شرط الأجل فيه؛ لأن الأجل يقتضي جزءًا من العوض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه؛ فلا يجوز شرط الأجل فيه. أي: لا يصح شرط الأجل، ولا يثبت الأجل في القرض عندنا، وعند أبي حنيفة والأوزاعي والحارث العُكْلي، وقال مالك (١)، والليث بن سعد: إذا شرط الأجل يثبت ولا يطالب به حتى يحل الأجل، وحكي نحوه عن علي وابن عباس، وذكر الماوردي (٢) أن بعض أصحابنا كان يغلط، فيذهب إلى جوازه متمسكًا من كلام الشافعي في التفليس بما ليس دالًّا على ذلك. واستدلوا بأدلة عامة في الوفاء بالشروط، ولنا مثلها في إبطال الشروط التي لا دليل عليها، وما ذكره المصنف دليل خاص لا يعارضه شيء، إذا ثبت أن شرط الأجل في القرض لا يصح؛ فهل يفسد به القرض؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نعم، لمنافاته فهو كشرط رد الصحيح عن المكسر أو الجَيِّد عن الرديء؛ فإنه يفسد القرض على المشهور. والثاني: لا، بل يصح حالًّا؛ لأن الأجل وإن كان غير لازم، فتأخيره من غير شرط جائز فلم يتنافياه. هذا قول ابن أبي هريرة، وهو المفهوم من كلام كثير من المتقدمين، وبه جزم المتولي؛ كما لو شرط رد المكسر عن الصحيح؛ فإن القرض يصح

стр. 634

على الأصح، ويلغو الشرط. والثالث: إن كان للمقرض غرض في التأجيل بأن كان وقت نهب وغارة فسد القرض به؛ لأنه قرض يجر نفعًا. وإن لم يكن له فيه غرض؛ بل غرضه نفع المستقرض والإهمال عليه صح القرض، وكان حالًّا؛ لأن نفع المستقرض لا ينافي القرض، بخلاف نفع المقرض، وهذا ذكره القاضي حسين اختيارًا لنفسه، قال فيه: "وينبغي أن يقال". وجزم به البغوي (١)، وصححه الرافعي (٢)، وهو حسن قوي في المعنى، وسيأتي في كلام المصنف الخلاف في فساد القرض بفساد الشرط مطلقًا. وليس غرض المصنف هنا إلَّا الحكم بفساد الشرط، ولكنا أردنا أن نستوفي الكلام في الأجل وإنما لم يثبت الأجل، وإن قصد به رفق المستقرض؛ لأنه يقابله قسط من العوض؛ فيصير في معنى شرط أن يردَّ أقل مما أخذ، وقد ورد في البخاري (٣) أن النبي ﷺ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ. فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. قَالَ: ائتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا. قَالَ. صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وهذا إن كان حكمه ثابتًا في هذه الملة؛ فيدل على أن القرض لا يفسد بشرط الأجل، وليس صريحًا في أن الشرط يصح كما يقوله مالك، أو يلغو كما هو الأصح عندنا. وروي أيضًا عن أبي سعيد قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَقَالَ لَهَا: "إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ

стр. 635

فَأَقْرِضِينَا، حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرٌ فَنَقْضِيَكِ". قيل: إنه في ابن ماجه (١)، ولم أقف عليه. وهذا ليس على سبيل الاشتراط؛ لأن وقت مجيء التمر ليس معلومًا، وإنما هو اختار بالوقت الذي يقضيها فيه، ولو كان شرطًا حملناه على الوعد، كما حملنا عليه حديث البخاري وإنما شرحنا قول المصنف لا يجوز بمعنى لا يصح؛ لأنه الغالب إرادته في المعاملات. ولأنه إذا ارتد به بقي الحل يظهر أن يقال: إن قلنا بأن القرض يفسد بهذا الشرط فحكمه حكم تعاطي العقود الفاسدة، وهي حرام. وإن قلنا: يصح القرض ويلغو الشرط فلا يظهر تحريم ذلك؛ لأنه في معنى الوعد والإرفاق. ألا ترى إلى قول الشافعي في تأجيل الحال أنه معروف لا يجب له أن يرجع فيه. فرع مذهبنا أن القرض لا يتأجل ابتداءً ولا انتهاءً (٢)، ومذهب مالك (٣) أنه يتأجل ابتداءً وانتهاءً، أما الابتداء فقد ذكرناه، وأما الانتهاء فمعناه أنه يكون حالًا ثم يؤجله، فمذهب مالك (٤) جوازه، ويصير مؤجلًا، ومذهبنا لا يصير مؤجلًا، وكذلك سائر الديون الحالَّة من ثمن وأجرة

стр. 636

وصداق وأرش جناية بعد لزومها حالة لا تقبل التأجيل عندنا، ووافقنا أبو حنيفة (١) في القرض، ووافق مالكًا (٢) في الباقي. قال الشافعي: "ولو كان له على رجل حق من بيع أو غيره حال فأخره به مدة، كان له أن يرجع متى شاء، وذلك أنه ليس بإخراج شيء من ملكه، ولا أخذ منه عوضًا فيلزمه، وهذا معروف لا يجب له أن يرجع فيه" (٣)، وقولي: بعد لزومها احتراز من الثمن الحالِّ في مدة الخيار؛ فإنه يقبل التأجيل، ولنا صورتان يشبهان تأجيل الحال: إحداهما: قال الأصحاب: إذا أوصى بتأجيل الحال صحت الوصية، ولم يكن للورثة المطالبة به إلَّا بعد الأجل إذا خرج ذلك من الثلث. والثانية: قالها بعض الأصحاب: إذا نذر تأجيله حيث يستحب له إذا قلنا: يلزم كل مندوب بالنذر وهو الصحيح، ففي هاتين الصورتين يجب الإمهال في الدَّين الحالِّ إلى مدة معلومة، فيكون في معنى المؤجل لكنه ليس مؤجلًا حقيقة. ألا ترى أن إنظار المعسر يثبت الإمهال فيه، وإن لم يكن مؤجلًا، فلا فرق بينهما، إلا أن الوصية والنذر إلى غاية معلومة، والإنظار إلى غاية غير معلومة، ولم يختلف الأصحاب في أن الدين الحال لا يؤجل في غير هاتين الصورتين. واختلفوا في عكسه كما ذكرنا في السلم إذا أسقط مَنْ عليه الأجل هل يسقط؟ ثم إن الأصحاب مع اتفاقهم على أن التأجيل لا يصحُّ، قالوا: يستحب الوفاء به؛ كما قاله الشافعي أنه معروف لا يستحب الرجوع فيه.

стр. 637

واعلم أن الحكم بعدم وجوبه، فيما إذا لم يجز إلَّا مجرد التأجيل ظاهر، فإن التأجيل من قبيل الإنشاءات والعقود، وإن أمرنا بالوفاء بها فمنها كثير غير واجب، وأما إذا صدر وعد بالإمهال فالمفهوم من كلام الأصحاب: الجواز أيضًا، وأن الوفاء بالوعد لا يجب، وقد يستشكل ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣]. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧]. وآيات كثيرة تدل على وجوب الوفاء بالوعد والعهد، وقد جاءت السنة بمثل ذلك، وبأن إخلاف الوعد من علامات النفاق، وأيضًا، فإنه كذب؛ لأن الكذب يدخل في الخبر الماضي والمستقبل، وإن اختص بعض ذلك بتسميته خُلْفًا فهو خلف وكذب، والكذب كله حرام إلَّا ثلاثة ليس هذا منها. وجواب هذا: يمنع تسمية خلف الوعد كذبًا ومنع تسمية الوعد خبرًا، وإن سلم [أنه فهو] (١) خبر عما في نفسه من العزم على ذلك، فإذا قال: أنا أعطيك كذا وفي نفسه أن يعطيه، ثم أخلف لا يسمى كذبًا، ووجود خصلة من خصال النفاق تدل على كمال الإيمان فحسب، والجواب عن بقية الآيات يحتاج إلى نظر، وكونه خلف الوعد لا يسمى كذبًا؛ قاله ابن قتيبة، وخص الكذب بالماضي والذي يظهر لي خلافه. وقد استنبطت من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخر الآية أن الكذب لا يختص بالماضي بل يكون في المستقبل، وأن الجملة المقسم عليها خبرية يحتمل الصدق

стр. 638

والكذب؛ لأنه تعالى كَذَّبَ المنافقين في قولهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، وهو مستقبل وقسم. * * *

стр. 639

قال: ويجوز شرط الرهن فيه؛ لأن النبي ﷺ "رهن درعه على شعير أخذه لأهله". ويجوز أخذ الضمين فيه [لأنه] (١) وثيقة، فجاز في القرض كالرهن. الحديث المذكور متفق عليه في "الصحيحين" (٢) لكن في لفظه اختلاف يتوقف الاستدلال به عليه في أن الشعير المأخوذ هل كان قرضًا أو غيره؟! ففي رواية ابن عباس وأنس أن الدرع كان مرهونًا بالشعير، وكذلك في رواية عائشة من طريق سفيان عن الأعمش، وهذه الرواية ظاهرة في أنه كان قرضًا. وورد في البخاري ومسلم أيضًا من طرق في رواية عائشة أيضًا قالت: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ" وهذه الرواية تقتضي أن الرهن كان على ثمن الشعير فلا يتم بها الاستدلال على الرهن في القرض، واستدل غير المصنف بأن شرط ذلك إحكام وتوثقة للقرض لا زيادة عليه، وكذلك الضمين كل ذلك ليس الغرض منه إلَّا حفظ المال المقرَض؛ فليس فيه جر نفع، وكذلك شرط أن يقر به عند الحاكم. ولو شرط في القرض أن يقوم له بضمين على دين آخر، أو يرهنه رهنًا بدين آخر لم يجز؛ لأنه قرض جرَّ نفعًا، وإنما الذي ذكرنا إذا كان شرط تلك الأشياء على ذلك القرض لكونها من تمامه، والمصنف وأكثر الأصحاب أطلقوا جواز الرهن، وهو فيما إذا كان الواجب المثل على إطلاقه.

стр. 640

وأما إذا كان الواجب القيمة؛ فحكى الماوردي (١) في جواز شرط الرهن والضمين وجهين؛ بناء على أن القيمة الواجبة ما هي؟ إن قلنا: أكبر أحواله من القبض إلى التصرف لم يصحَّ للجهالة، وإن قلنا: يوم القبض فيجوز. ثم إن عَلِمَا قدر قيمته عند شرطه ووقت قبضه، جاز أخذ الرهن منه والضمين. وإن جهلاه أو أحدهما، لم يجز. واعلم أن الأصحاب تكلموا في شرط الرهن والضمين في البيع في أنه هل يجب تعيينه عند الشرط أو لا؟ وها هنا مثله، وتزداد أمرًا آخر وهو العلم بما يرهن به، ويضمن، والشك أن ذلك شرط عند الرهن والضمان، أما عند الشرط، فكلام الماوردي المذكور يقتضي اشتراطه؛ ولذلك حكى الخلاف في المتقوّم. ويحتمل أن يقال: إنه يصح شرطه مطلقًا سواء كان المال المقرض مثليًّا أو متقومًا، معلوم القيمة أو مجهولها، سواء قلنا: يملك بالقبض أو بالتصرف، فإن كان المال مثليًّا أو متقومًا وأوجبنا المثل الصوري كفى العلم به، وأمكن الوفاء به بعد القبض وقبله؛ كما صرح به الجمهور أنه يجوز أن يقول: أقرضت وارتهنت، فيقول المخاطب: استقرضت ورهنت؛ كنظيره من البيع خلافًا لأبي إسحاق فيهما، وإن أوجبنا قيمة يوم القبض اشترط معرفتها، وتعذر الوفاء بذلك قبل القبض، وأمكن بعده إذا علماها، وإن أوجبنا أقصى القيم من القبض إلى التصرف، تعذر الوفاء به قبل التصرف للجهل بمقدار الدين، وأمكن بعده. هذا في الرهن والضمين، أما الإشهاد، فإن أريد به الإشهاد على البدل الواجب، فكذلك يأتي فيه ما تقدم؛ لأنه لا بد أن [يكون معلومًا] (٢) وإن أريد الإشهاد على الاقتراض.

стр. 641

قال: فصْل [وقت ملك القرض] وفي الوقت الذي يملك فيه وجهان: أحدهما: أنه يملك بالقبض؛ لأنه عقد يقف التصرف فيه على القبض، فوقف الملك فيه على القبض؛ كالهبة فعلى هذا إذا كان القرض حيوانًا فنفقته بعد القبض على المستقرض، وإن اقترض أباه وقبضه عتق عليه. والثاني: أنه لا يملكه إلَّا بالتصرف بالبيع والهبة والإتلاف؛ لأنه لو ملك قبل التصرف لما جاز للمقرض أن يرجع فيه بغير رضاه؛ فعلى هذا تكون نفقته على المقرض، وإن اقترض أباه لم يعتق عليه قبل أن يتصرف فيه. الوجهان مشهوران، وقال الإمام (١) والغزالي (٢): إنهما قولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي، ولا تنافي بين العبارتين، فإن الوجهين كذلك، وظاهر كلام الأكثرين ممن حكى الخلاف أن الملك مجزوم به، وإنما الخلاف في وقته وهو الذي قال الرافعي (٣) إنه لا شك فيه، ولكن الجوري

стр. 642

جعل بدل الوجه الثاني: أنه لا يملك، وإنما سلطه المقرض على إتلافه. قال: وهذا هو المحفوظ للشافعي، وهذا غريب، والغزالي (١) قارب هذا القول؛ إذ قال: إنه قريب من الإذن في الإتلاف بشرط الضمان إن لم يكن عينه، وإن كان لم يقل بعدم الملك ويبعده جواز التصرف بالبيع وغيره، مما يعتمد الملك ويبعد أن يصحح بيع الشخص عن نفسه في غير ملكه، وذكر سلامة المقدسي في "شرح المفتاح" جعل بدل الوجه الأول أنه يملكه بالعقد كالبيع. فإن صح هذان النقلان الغريبان كان في المسألة أربعة أوجه، والأصح عند الشيخ أبي حامد والبغوي (٢) والروياني (٣) والرافعي (٤) الأول، وهو أنه يملك بالقبض وهو القياس عند الإمام (٥) والغزالي (٦)؛ لأنه إذا قبضه ملك التصرف فيه من جميع الوجوه ولو لم يملكه لما ملك التصرف فيه، ولأن الملك في الهبة يحصل بالقبض؛ ففي القرض أولى؛ لأن للعوض فيه مدخلًا، وهذه العبارة أبين من عبارة المصنف؛ لأنه لا يلزم من وقوف الملك فيه على القبض حصوله به، فقد يقف عليه وعلى التصرف مع أنه تبعض بقبض المبيع، فإن التصرف يقف عليه، ولا يتعلق الملك؛ ولذلك قال القاضي أبو الطيب وغيره: لأنه قبض لا يجبر عليه يتعلق به جواز التصرف، فتعلق به الملك، كالقبض في الهبة، فاحترز عن البيع. وما ذكره المصنف احتراز عن النكاح.

стр. 643

والثاني: أنه يملك بالتصرف لما ذكره المصنف، ولأنه ليس تبرعًا محضًا بدليل وجوب البدل، وليس على حقائق المعاوضات كما سبق فوجب أن يكون تملكه بعد استقرار بدله، وهذا أصح عند ابن أبي عصرون، ومعناه بالتصرف بعد القبض، أما التصرف قبل القبض فلا يصح، ولا أثر له بلا خلاف ولذلك قال المصنف: إن التصرف يقف على القبض. نعم، لو أتلف المستقرض العين المقرضة قبل القبض هل يكون إتلافه قبضا، ويحكم بملكه أو لا؟ فإن قلنا: إنه لا يملك إلَّا بالتصرف، فلكل واحد منهما قبله أن يرد بلا إشكال، وإن قلنا بالأول فيجوز للمستقرض أن يرد العين، ويجبر المقرض على قبولها بلا خلاف. ولو قيل بأنا إذا أوجبنا القيمة لا يجبر على أحد العين؛ لأنها غير الحق لكان له وجه؛ لكن لم أَرَ مَنْ قاله به، وأما المقرض، فالمذهب المشهور المنصوص الذي قطع به جماعة أن له أن يرجع ويجبر المستقرض على الرد ما دام باقيًا في يده، كما يرجع الواهب بعد ملك الولد، وعلى [ذلك] (١) يتجه استدلال المصنف، وعلى هذا لا يتمكن من المطالبة بالبدل إلّا عند الفوات. هكذا مقتضى كلام الرافعي (٢) وغيره، ولأن الدعوى به ليست ملزمة، ومن أصحابنا مَن قال: لا يجوز له الرجوع، وللمستقرض أن يؤدي من غيره، وهو الذي أورده في "التهذيب"؛ فعلى هذا لا يتم الاستدلال لكنه وجه ضعيف في النقل، وإن كان له وجه حسن في القياس؛ فاجتمع في رجوع المقرض في عين المال طريقان؛ أصحهما: القطع بالرجوع. والثانية: البناء على أنه تملك بالقبض، أو بالتصرف، وقد حكى الطريقين في "التتمة".

стр. 644

ثم التصرف المعتبر ما هو فيه ثلاثة أوجه: أصحها: وهو مقتضى كلام المصنف أنه كل تصرف يزيل الملك كالبيع بغير شرط الخيار والهبة مع الإقباض والإعتاق والإتلاف وكذلك التلف تحت يده كما صرح به صاحب "البيان" وغيره، أو أداؤه في دين عليه، وهذه التصرفات كافية على كل الوجوه. والثاني: كل تصرف لازم يتعلق بالرقبة كالرهن مع الإقباض، والثالث: كل تصرف يستدعي الملك كالإجارة، وقال الشيخ أبو محمد: كل ما يقطع رجوع الواهب والبائع في عين ماله عند الفلس، وهو راجع إلى الأوجه المتقدمة، وإن عده الإمام طريقة رابعة. والوجهان الأخيران مختلفان في الإجارة لتعلقها بالمنفعة والرهن؛ لأنه لا يستدعي الملك، ومتفقان على الاكتفاء بالتزويج والبيع بشرط الخيار إذا قلنا: لا يزيل الملك وطحن الحنطة وخبز الدقيق وذبح الشاة. وعلى الوجه الأول الأصح لا يكتفى بشيء من هذه التصرفات السببية. وأما البيع بشرط الخيار؛ فعلى الثاني والثالث يكفي مطلقًا، وعلى الأول إن قلنا لا يزيل الملك لم يكف، وإن قلنا: يزيله فوجهان؛ لأنه إزالة غير لازمة، ومقتضى هذا أن البيع بدون شرط الخيار لا يحكم بالملك فيه حتى ينقضي خيار المجلس فيتبين حصول الملك قبل البيع. وإذا قلنا: الملك لا يحصل بهذه التصرفات، فمقتضاه أن يفسد، وبه صرح البغوي في التزويج والإجارة، وحيث قلنا بالصحة وزوال الملك للمقرض أن يرجع في المرهون قبل انفكاك الرهن، وله الرجوع بعده، وفي الإجارة له الرجوع قبل الإجارة، والإجارة باقية بحالها، والأجرة للمستقرض. وإن اختار الرجوع إلى البدل كان له ذلك؛ لأن الإجارة عيب، وفي البيع

стр. 645

ليس له الرجوع، ولا يلزم المستقرض استرجاعها ليردها بلا خلاف، فلو عادت إليه بشراء أو هبة أو ميراث فهل للمقرض الرجوع إلى عينها أو بدلها؟ فيه وجهان في "الحاوي"، ولا خلاف أنه لا يكفي العارية والاستخدام؛ قاله الإمام (١) والغزالي (٢). وكذلك كل ما يستباح بالإباحة. ولا خلاف أن الاستخدام جائز، وإن قلنا: إنه لم يملك؛ لأن الإقراض أباحه، ثم يحل الاكتفاء بالتصرفات السابقة إذا صدرت صحيحة، أما الفاسدة، فلا اعتبار بها، فلو اشترى بالمال المقرض شراء فاسدًا؛ إما بعينه، وإما على الذمة، ونقله فللمقرض استرجاعه من يد البائع، فإن تلف غرم من شاء منهما، وقرار الضمان على البائع؛ لأنه هلك في يده، وإذا حكمنا بالملك بالتصرف، قال المتولي والرافعي: "معناه أنه يتبين ثبوت الملك قبيله" (٣)، كما في استيلاد الوالد جارية الابن، وقول الشخص لغيره: أعتق عبدك عني. وقال الماوردي لما حكى الوجه الثاني: إنه تملك بالتصرف عند القبض؛ فيحتمل: أن يكون مراده التصرف الكائن عند القبض؛ احترازًا مما إذا وجد التصرف بدون قبض، وأنه لا أثر له. ويحتمل: أن يريد أنه بالتصرف يتبين أنه ملك من وقت القبض، وهذا ذكره الرافعي (٤) عن الإمام (٥) في كتاب الزكاة عند الكلام على استرجاع الزكاة المعجلة إذا كان لها زوائد منفصلة، فيجتمع به، وبما تقدم عن

стр. 646

الجوري وعن سلامة المقدسي، خمسة أوجه. وإذا كان المال باقيًا ولكن حدث به عيب، قال الماوردي: إن كان الواجب المثل يخير المقرض بينه وبين مثله سليمًا، ولا أرش، وإن كان الواجب القيمة، فإن أخذه رجع بالأرش، وقد تقدم ذلك عنه في باب اختلاف المتبايعين. وقد فرع المصنف النفقة على الوجهين، والأمر كما قال بلا نزاع، وعتق القريب والمعروف على القول الثاني أنه لا يعتق ما ذكر المصنف، قال البغوي: ويجوز أن يقال: يعتق ويحكم بالملك قبله، وبه جزم في "التتمة"، وقال: إنه يعتق عقيب القبض وجهًا واحدًا؛ لأنه يجوز أن يعتقه، وكل سبب يفيد إعتاق الأجنبي يوجب عتق القريب، وتعذر الملك قبيله. فرع الإقراض مع الإقباض هو من التصرفات المزيلة للملك على الأصح، ولكنه غير لازم لجواز الرجوع، فظهر أنه كالبيع بشرط الخيار؛ فيأتي فيه الوجهان. * * *

стр. 647

قال: واختلف أصحابنا فيمَن قدم طعامًا إلى رجل ليأكله على أربعة أوجه: أحدها: أنه يملكه بالأخذ. والثاني: يملكه بتركه في الفم. والثالث: أنه يملكه بالبلع. والرابع: أنه لا يملكه بل يأكله على ملك صاحب الطعام. مراده بالأخذ التناول، فكلما تناول لقمة ملكها كالقبض في الهبة، والوجه الثالث معناه أنه بالبلع يتبين الملك قبيله، ونقل الرافعي (١) وجهًا خامسًا أنه يملكه بوضعه بين يديه، ونقل الإمام (٢) بدل هذا الوجه وجهًا سادسًا أنه يملكه بأن يمضغه بعض المضغ، وبالرابع وهو أنه إباحة وإذن في الإتلاف لا تمليك فيه. قال القفال: ورجحه ابن الصباغ، وجزم به الغزالي في "الوجيز" (٣)، وهو الأقوى في المعنى؛ لكن قال الرافعي: "الأكثرين قالوا بالملك، ولكن اختلفوا بِمَ يملك" (٤)، وعكس ذلك الشيخ أبو محمد فقطع بعدم الملك، وجعل الخلاف في أن الإباحة هل تلزم وبماذا تلزم، ومال إليه الإمام، ثم قال: إن الأصح أنها لا تلزم؛ فإنه ليس في الشرع إباحة لازمة إلَّا في

стр. 648

النكاح، وزيف المتولي ما عدا الوجه الثالث، قال الرافعي: "وذلك يقتضي ترجيحه" (١). قلت: والأرجح أنه لا يملك، وفائدة الخلاف تظهر في مسائل: منها: رجوع صاحب الطعام بعد الوضع أو التناول أو الترك في الفم على الخلاف السابق إن حكمنا بالملك، فلا رجوع كما إذا وهب وأقبض وإن قلنا لا ملك ولا لزوم، فله أن يرجع. ومنها: حيث قلنا بعدم الملك ليس للضيف أن يبيحه لغيره، ولا أن يتصرف فيه بما سوى الأكل إلَّا أن يعلم رضا المالك بذلك، وحيث قلنا بالملك فوجهان قال الجمهور (٢): لا يجوز له التصرف بما سوى الأكل أيضًا؛ لأنه إنما أباح له انتفاعًا مخصوصًا. وقال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب: له أن يفعل به ما شاء من وجوه التصرفات، مثل البيع والهبة لغيره؛ لأنه ملكه كما لو وهبه وأقبضه. "قال ابن الصباغ: وهذا الذي قالاه لا يجيء على أصولهما؛ لأن من شرط الهبة عندهما الإيجاب والقبول، والإذن بالقبض إلَّا أن يتضمنها العتق لفوته، ولم يوجد ذلك هنا، ولأن الإذن بالتناول إنما يضمن إباحة الأكل، فلا يحصل به الملك ولو كان ذلك صحيحًا، لجاز له تناول جميع الذي قدم إليه، وينصرف به إلى بيته وكذلك إذا قلنا: بتركه في فيه؛ لأنه لم يحصل الأكل المأذون فيه" (٣)، حكى ذلك عنهم صاحب "البيان". قلت: الذي يجيء على أصولهما أنه لا يملك، فإن فرعنا على القول بالملك فمقتضاه ما قالا؛ فإن الحجر على الشخص في ملكه بعيد، وعندي

стр. 649

الخلاف في ذلك يقرب من الخلاف فيما لو دفع إليه درهمًا، وقال: ادخل به الحمام لما رأى به من الشَّعث والوسخ أنه هل يتعين صرفه لذلك، أو له أن يصرفه فيما شاء، فإن قلنا: له أن يصرفه فيما شاء، كما أبداه القاضي حسين احتمالًا في "فتاويه" فها هنا مثله. وإن قلنا: يتعين صرفه لتلك الجهة وهو قول القفال، فيحتمل أن يقال بمثله هنا، ويحتمل أن يقال: إنا هناك على هذا القول لا يحكم له بالملك بمجرد الأخذ، بل بالدفع والصرف، كما قاله القاضي في "الفتاوى"، وها هنا قد حكمنا له بالملك على القول الذي عليه نفرع. وقد يفرق بين المسألتين بأن أهل العرف لا يستنكرون ممن أخذ الدرهم صرفه في غير تلك الجهة ويستنكر من المصنف بيع الطعام المقدم إليه، وأما الرافعي ﵀ فإنه جزم بأن الخلاف بم يملك مخصوص بما يأكله قال: "ولا نقول بأنه يملك ما يوضع بين يديه، أو يأخذه بحال، ولو قيل [به] (١)، لما منع من إطعام السائل وسائر التصرفات وهي ممتنعة بالاتفاق" (٢). قلت: إن أراد بذلك القدر الزائد على ما أتيح له في العادة مما قدم له فغريب، وإن أراد مطلقًا حتى إنه إذا أراد أن يحرم نفسه ويطعم ذلك المقدار الذي كان يكفيه لو أكل لغيره، فقد علمت الخلاف فيه في البيع والهبة، ولا شك أن مَن يجوِّزهما يجوِّز إطعام ذلك القدر للسائل، وحمله إلى بيته. وأما إلزام ابن الصباغ للشيخين بأخذ جميع ما قدم إليه، ونقله إلى بيته، فلا يلزم إلَّا إذا كان مأذونًا فيه جميعه، وحينئذٍ يلتزمه، وكل ذلك جره القول بالملك. وأما القول المختار: أنه لا يملك، فلا يرد عليه شيء من الإشكالات،

стр. 650

وقد تقدم أنه يجوز إذا علم رضى المالك أن يأخذ من الطعام المقدم إليه، قال الرافعي: "ويختلف ذلك بقدر المأخوذ وجنسه، وبحال المضيف والدعوة، وإن تردد في أنه هل يقع في محل المسامحة، بعد أشاروا فيه إلى وجهين، والظاهر التحريم. وليس للضيف أن يلقي لقمة إلى هرة إلا إن علم برضا المالك، ويجوز أن يلقم الأضياف بعضهم بعضًا إلَّا إذا فاوت بينهم في الطعام؛ وليس للذين خصوا بنوع أن يطعموا منه غيرهم" (١)، هكذا قال الرافعي، وينبغي إذا دلت قرينة الحال على أنهم خصوا بذلك تكريمًا لهم ولا غرض للمالك في حرمان الآخرين أنه يجوز قالوا: ويكره للمضيف أن يفعل ذلك. وهذه المسألة مع مسائل من أخواتها ذكرها الرافعي، وكثير من الأصحاب في باب الوليمة، والمصنف ذكرها هنا لمشابهتها القرض في التسليط على الإتلاف، وفي الخلاف من بعض الوجوه، فإن القائل بالملك بالتناول نظير القول بأنه يملك بالقرض، والقائل بالبلع نظير اعتبار التصرف. * * *

стр. 651

قال: فصل [المال المقترض] ويجوز قرض كل ما يملك بالبيع، ويضبط بالوصف؛ لأنه عقد تمليك يثبت العوض فيه في الذمة، فجاز فيما يملك، ويضبط بالوصف، كالسلم. وأما ما لا يضبط بالوصف، كالجواهر، وغيرها، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا يضبط بالوصف لا مثل له. والثاني: يجوز [لأن ما لا مثل له يضمنه المستقرض بالقيمة والجواهر كغيرها في القيمة ولا يجوز] (١) إلَّا في مال معلوم القدر، فإن أقرضه دراهم لا يعلم وزنها أو طعامًا لا يعرف كيله لم يجز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، فإذا لم يعلم القدر لم [يمكن] (٢) القضاء. هذا ضابط المال الذي يجوز قرضه، وطرده لا خلاف فيه، ولا يستثنى من ذلك إلَّا الجواري على ما سيأتي، وخالف أبو حنيفة (٣) في قرض الحيوان كما خالف في السلم فيه، وقد صح في "مسلم" (٤) أن رسول الله ﷺ :

стр. 652

"اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا"، فلا وجه لمنع ذلك. وعن أحمد (١) أنه لا يجوز قرض العبيد والإماء، وعكسه فيه الوجهان اللذان حكاهما المصنف، والأول منهما: القائل بالمنع هو الأصح (٢) الذي جزم به في "التنبيه" (٣)، وبه قال صاحب "التلخيص"، والقاضي الحسين، ونسبه الماوردي (٤) إلى البصريين، والإمام (٥) إلى جماهير الأصحاب. والثاني: قول البغداديين، وجعلوا ضابط ما يجوز قرضه ما يجوز بيعه، حتى جوزوه في المعجونات من طيب أو دواء. ويجتمع من كلام الأصحاب في هذه المسألة ثلاث طرق: إحداها: هذه، وقد بنى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما من العراقيين، والغزالي (٦)، وغيره من الخراسانيين الوجهين في ذلك على أن الواجب في المتقوم القيمة أو المثل الصوري، فإن قلنا بالأول جاز، وإلَّا فلا، وظاهر كلام المصنف هنا على ذلك، وهذه الطريقة هي المشهورة. والثانية: القطع بالمنع. وهي مقتضى كلام المصنف في "التنبيه" (٧)، فإنه جزم بذلك مع ذكره الخلاف في أن ما لا مثل له هل يجب فيه القيمة أو المثل؟ ولعل مأخذها أن إيجاب القيمة يختص بالمتقوم الذي يضبط بالوصف. أما ما لا ينضبط، فتجويز قرضه يؤدي إلى نزاع بعد التلف؛ فيمنع كما

стр. 653

يمنع أن يكون رأس مال السلم على أحد القولين، لاسيما إذا قلنا بما قاله الإمام (١) من أن القرض رخصة حائدة عن القياس بمقتضى ذلك إلَّا يجوز إلَّا فيما ورد ولم يرد السلم في مثل ذلك. والثالثة: القطع بالجواز وهي طريقة الشيخ أبي حامد، والمحاملي، وسليم، والبندنيجي، فإنهم جزموا بالجواز في "الجواهر"، وأنها تضمن بالقيمة، وحكوا القولين فيما يضمن به القرض إذا كان مما لا مثل، ويمكن ضبطه بالصفة، وهذه الطريقة لا بأس بها، فإن منع السلم فيها؛ لعزة الوجود وذلك لا يمنع ثبوت قيمتها في الذمة، ولم يقم دليل على أن المتقوم مطلقًا يضمن بالمثل الصوري؛ بل ذلك في المتقوم المضبوط بالصفة الذي يمكن ثبوته في الذمة. ولا تنافي بين نقل هذه الطريقة عن أبي حامد، وبين ما نقل من اختياره أن المتقوم يضمن بالقيمة، ولم يصر أحد إلى أنها تضمن بمثلها، فإن ما لا يضبط وصفه لا يمكن تضمينه بالمثل، وسيأتي فيما إذا شرط رد المثل، وفي قرض الخبز كلام، والحنطة المختلطة بالشعير كالجواهر على ما قاله المصنف في "التنبيه" (٢)، والماوردي في "الحاوي" (٣). وحُكي في "الحاوي" الخلاف فيها فمن جوز قرضها ضمنها بالقيمة، وهو عجيب. قال: كلًّا من الحنطة والشعير مثلي، وعند اجتماعهما يضمن بالقيمة، وذكر صاحب "التتمة" ثم الرافعي (٤) عنه في كتاب "الشفعة" ما يقتضي أنه

стр. 654

يجوز قرض شقص من دار، والذي جزم به الماوردي أن العقار لا يجوز قرضه، والأقرب تخريج قرض العقار على قرض الجواهر؛ بل أولى بالمنع؛ فإنه لا مثل له. فإن أوجبنا في القرض المثلي الصوري امتنع وإلَّا جاز، أما الشقص إذا كان لا يزيد على النصف؛ فله مثل فيصح قرضه على الوجهين، وبهذا يصح الجمع بين كلام المتولي والماوردي، ولكن لم أرَ مَنْ صرح بذلك. وأما المنافع، فقال صاحب "التتمة": "قرضها جائز عندنا حتى لو قال: أقرضتك منفعة عبدي أو داري شهرًا وسلم العين إليه صار مستحقًا للمنافع يتصرف فيها، فلو أراد أن يسترد منه قبل أن يستوفي حكمه حكم ما لو أقرضه عين مال، وكانت قائمة في يده". وقال القاضي حسين في كتاب الغصب من "تعليقه": "إنه لا يجوز قرض منافع الدار"، وأطلق في "الفتاوى": "أنه لا يجوز قرض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها"، وقد قدمنا في باب السلم أنه يجوز السلم في المنافع، وهو يشهد لما قاله صاحب "التتمة" لكن رد المثل في منفعة العقار غير ممكن؛ فليمتنع قرضه على قولنا: إن الواجب رد المثل. وأما منفعة العبد وشبهه فالأقرب أن ذلك مما يمكن فيه رد المثل الصوري؛ فيصح بصحة السلم فيه؛ فتلخص من هذا صحة: اعتبار القرض بالسلم طردًا وعكسًا، كل ما صح السلم فيه صح قرضه إلَّا الجواري على ما سيأتي. وهذا لا خلاف فيه، وكل ما لا يصح السلم فيه لا يصح قرضه على الأصح، وهذه العبارة وإن كانت موافقة لعبارة "التنبيه"، فعبارة "المهذب" أحسن منها؛ لأن السلم لا يصح إلَّا في دين، والقرض لا يشترط أن يكون دينًا؛ بل الغالب أن لا يكون إلَّا في عين.

стр. 655

ولولا المصنف ذكر أنه يجوز في الدين؛ لكان يسبق إلى الذهن منعه، فلذلك حسنت عبارة "المهذب"؛ لأن الذي يملك بالبيع، ويضبط بالوصف يشمل العين، والدين، وإقراض الشاة مع نتاجها، كإقراض الجواهر فيها الوجهان، كذا في "التتمة". وفي إقراض الخبز وجهان، سنذكرهما في كلام المصنف. وفي إقراض الخمير وجهان في "التتمة" وغيرها، وبالجواز قال ابن سريج لجريان العادة به، والاعتبار بالوزن كالخبز، وفي "فتاوى" القاضي حسين: لا يجوز إقراض الروبة؛ لأنها تختلف بالحموضة. قال: ولا يجوز إقراض ماء القناة؛ لأنه مجهول، وقد احترز المصنف بقوله: عقد من الشفعة. وبقوله: تمليك من الكتابة، إذا لا يجوز ذلك إلَّا في الدقيق، وبقوله: يثبت العوض فيه من الوقف. وبقوله في الذمة من القراض والمساقاة، وبقوله: فجاز فيما يملك من الكلب، وبقوله: يضبط بالوصف من الجواهر. وأما قوله: "ولا يجوز إلَّا في مال معلوم القدر. . ." إلى آخره، فاعلم أن كون المال معلومًا لابد منه، فإن كان مثليًّا أو متقومًا، وقلنا: الواجب فيه المثل الصوري، فيشترط معرفة قدره وصفته، ويصير ذلك، كالمسلم فيه. وإن قلنا: الواجب القيمة، قال الماوردي: "فيشترط معرفة قيمته، ولا اعتبار بمعرفة قدره، ولا صفته" (١)؛ فينبغي أن يحمل إطلاق المصنف والرافعي وغيرهما على هذا التفصيل. ومن هذا تعلم أن الشرط هنا، إنما هو العلم بما يجب على المستقرض، وهو نظير المسلم فيه، فإن كان الواجب المثل كان معرفته بمعرفة المال

стр. 656

المقرض؛ فاشترطنا لذلك. وإن كان الواجب القيمة لم يشترط، ولا يخرج على الخلاف في رأس المال السلم؛ لأن مأخذ الوجوب هناك أنه قد ينفسخ السلم ورأس المال تالف؛ فيحصل النزاع، والنزاع هنا مأمون؛ لأن الواجب القيمة على كل تقدير. وقد علمت فاعلم ذلك؛ فإنه قد وقع في كلام ابن الرفعة أن المقرض لابد من وصفه اتفاقًا، وإن قلنا: لا تجب وصف رأس مال السلم؛ لأنه يحتاج إلى رد بدله قطعًا، إما مِثلًا، وإما قيمة، فاحتجنا إلى ذكر وصفه كما في المسلم فيه، والأمر بالعكس مما قال لما عرفت. وحيث اشترطنا العلم بالقدر والصفة؛ فالصفة معتبرة بحسب اعتبارها في السلم، وأما القدر، فبالكيل في المكيل والوزن في الموزون، والذرع في المذروع، والعد في المعدود؛ فلو أقرضه جزافًا لم يجز لما ذكره المصنف. ولو أقرض المكيل وزنًا؛ فإن لم يكن ربويًّا جاز، وإن كان ربويًّا فوجهان، الجواز قول أبي حامد المروزي، والقاضي حسين؛ لأنه عقد إرفاق لا يراعى فيه ما في المعاوضات، وبالمنع فالقفال، ولو أقرض الموزون كيلًا، فإن لم ينحصر في المكيال، كالقطن، والكتَّان، لم يصح، وإن انحصر؛ فإن لم يكن ربويًّا جاز، وإن كان ربويًّا فعلى الوجهين. وأطلق الرافعي (١) عن القفال منع إقراض المكيل وزنًا من غير تفصيل بين الربوي وغيره متمسكا بأن القرض يقتضي استواء البدل والمبدل، بخلاف السلم. قال: "وزاد فقال: لو أتلف مائة مَنًا من حنطة ضمنها بالكيل، ولو باع

стр. 657

شقصًا مشفوعًا بمائة من الحنطة ينظر كم هي بالكيل، فيأخذ الشفيع بمثلها كيلًا -. قال الرافعي: والأصح في الكل الجواز" (١)، ولم يفرق الرافعي بين الربوي وغيره، وكذلك في "التهذيب". ونقل عن الحسن، وابن سيرين، والأوزاعي: أنه إذا استقرض دراهم عددًا رد عددًا، وإن أخذها وزنًا ردها وزنًا، وفعل ذلك أيوب أخذ من حماد ابن زيد دراهم بمكة عددًا، فأعطاها بالبصرة عددًا، واختاره ابن المنذر. فرع قال في "البحر": "لا يجوز إقراض الدراهم المغشوشة؛ لأنه يؤدي إلى الربا عند رد البدل" (٢). قلت: إن لم يعرف قدر غشها، فلا يجوز للجهل بها، وإن عرف، فينبغي أن يجوز على قول أبي حامد المروروذي؛ فإنه لا يراعي الربا بين القرض وبدله، ولهذا يجوز رد الزيادة، وعلى الوجه الآخر يمتنع لأجل الربا، وقال في "البيان": "قال الصيمري: لا يجوز قرض الدراهم المزيفة، ولا الزرنيخية ولا المجهول عليها، ولو تعامل بها الناس. قال: ولو أقرضه دراهم أو دنانير، ثم حرمت، لم يكن له إلَّا ما أقرض، وقيل: قيمتها يوم حرمت" (٣). فرع إقراض المثليات انعقد الإجماع على جوازه.

стр. 658

قال: فصل [استقراض الجارية] ويجوز استقراض الجارية لمن لا يحل له وطؤها، ولا يجوز لمن يملك وطأها، وقال المزني: يجوز؛ لأنه عقد يملك به المال، فجاز أن يملك به من يحل له وطؤها؛ كالبيع والهبة، والمنصوص هو الأول؛ لأنه عقد إرفاق جائز من الطرفين؛ فلا يستباح به الوطء كالعارية. ويخالف البيع والهبة؛ فإن الملك فيهما تام؛ لأنه لو أراد كل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ لم يملك، والملك في القرض غير تام؛ لأنه يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ، فلو جوزناه فيمن يحل وطؤها أدى إلى أن يكون الوطء في ملك غير تام، وذلك لا يجوز. قال الشافعي في "الأم" في باب بيع العروض: "وإنما كرهت استسلاف الولائد؛ لأن من استسلف أَمَةً كان له أن يردَّها بعينها، فإذا كان له أن يردها بعينها وجعلته مالكًا لها بالسلف جعلته يطؤها ويردها، وقد حاط الله جل ثناؤه، ورسوله ﷺ ، والمسلمون الفروج فجعل المرأة لا تُنكح، والنكاح حلال إلَّا بولي وشهود. ونهى رسول الله ﷺ أن يخلو بها رجل في حضر أو سفر، ولم يحرم ذلك

стр. 659

في شيء مما خلق الله غيرها، وجعل الأموال مرهونة ومبيعة بغير بينة، ولم يجعل المرأة هكذا، حتى حاطها فيما أحل الله لها بالولي والشهود؛ ففرقنا بين حكم الفروج وغيرها بما فرق الله ورسوله، ثم المسلمون بينها" (١). وهذا النص من الشافعي ﵁ منطوقه: منع القرض في الجارية التي تحل للمستقرض، ومفهومه: جوازه في التي لا تحل له؛ إما بسبب، أو رضاع، أو مصاهرة، أو بأن تكون المستقرضة امرأة، وهذا هو الصحيح من المذهب في الطرفين، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وادعى في كلٍّ من الطرفين أنه لا يختلف المذهب فيه، وهو قول البغداديين من الأصحاب. وقال المزني، وداود وابن جرير: يجوز مطلقًا، وهو القياس عند الإمام (٢)، والغزالي (٣)، ونقلاه عن نصه، والأكثرون إنما نقلوه وجهًا عن بعض، وقد وقع في تعليق القاضي أنه أظهر، وأن المنع قول، ولعل ذلك انقلب على الناسخ. وأنكر الماوردي (٤) أن يكون ذلك قولًا ثانيًا، وادعى أن منصوصات الشافعي كلها دالة على التحريم، وغيره من العراقيين يقول: إن نصوصه قديمًا وجديدًا على ذلك. وقال البصريون من أصحابنا: إنه يمتنع مطلقًا في المحرم وغيرها، سواء كان المقترض رجلًا أم امرأة؛ لأنهن يصرن جنسًا لا يجوز قرضه، قال الروياني: "وهذا ضعيف غريب" (٥)، ولم يحك القاضي حسين، والإمام،

стр. 660

والغزالي، والرافعي، وكثير من الأصحاب هذا الوجه؛ بل جزموا بالجواز في المحرم مصرحين بأنه لا خلاف فيها، وجعلوا الخلاف فيمن يملك وطأها، قال الرافعي: قال الأصحاب: "وهما مبنيان على أن القرض لم يملك، وفي كيفية البناء طريقان. قال قائلون: إن قلنا بالقبض، جاز، وإلَّا فلا، لما في إثبات اليد من غير مالك من خوف الوطء، وعن الشيخ أبي علي إن قلنا بالقبض، لم يجز؛ لأنه إذا ملكها ربما يطؤها، ثم يردها، فيكون في صورة إعارة الجواري للوطء. وإن قلنا: لا يملك بالقبض، فيجوز، وفيما حكى عن نصه في الجديد رمز إلى هذه الطريقة" (١). قلت: وما حكيته عن نصه في "الأم" (٢) صريح في رد الطريقة الأولى، وشاهد؛ لأنا إذا قلنا: يملك بالقبض لا يجوز، أما إذا قلنا: يملك بالتصرف بلا دليل فيه للقول بالجواز عليه، والذي يتجه أن يقال: إنا إذا قلنا: يملك بالتصرف. فإن قلنا: التصرف المعتبر ما يستدعي الملك، أو ما يتعلق بالرقبة فالحكم بالتحريم مستمر؛ لأنه قد يؤجرها أو يرهنها، ثم بعد انقضاء الرهن والإجارة يطؤها، ويستردها المقرض، فيكون المعنى المحذور قائمًا. وإن قلنا: التصرف المعتبر ما يزيل الملك، فيحتمل أن يقال بالجواز، ويحتمل أن يقال بالمنع؛ لإثبات اليد من غير مالك، وهو محذور ولا شك أن القول بالجواز مخالف لنص الشافعي؛ فلأجل ذلك يضعف مأخذه. وحكى صاحب "البيان": "أن الطبري حكى عن بعض أصحابنا الخراسانيين:

стр. 661

أنه يجوز قرضها، ولا يحل للمستقرض وطؤها" (١)، وقد رأيته في "العدة"، وهو غريب، وقد وافقنَا مالك (٢) ﵀ على منع قرض الجواري. قال في "الموطأ": "الأمر المجتمع عليه عندنا، أنه من استسلف شيئًا من الحيوان بحلية وصفة معروفة، فإنه لا بأس بذلك، وعليه أن يرد مثله، إلَّا ما كان من الولائد؛ فإنه يُخاف في ذلك الذريعة إلى إحلال ما لا يحل، ولا يصلح، وتفسير ما كره من ذلك أن يستسلف الرجل الجارية، فيصيبها ما بدا له، ثم يردها إلى صاحبها بعينها؛ فهذا لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ببلدنا ينهون عن ذلك، ولا يرخصون فيه لأحد" (٣). هذا كلام مالك ﵀، وهو ظاهر على قولنا بالذرائع، أما الشافعي ﵀ فإنه لا يقول بها؛ ولذلك ألزمه المزني القول بالجواز، لكنه في "الأم" في باب الاختلاف في أن يكون الحيوان نسيئة بعد أن بحث وقرر السلم في الحيوان قال: "قال محمد بن الحسن: فإن صاحبنا قال: إنه يدخل عليكم خصلة تتركون فيها أصل قولكم، أنكم لم تجيزوا استسلاف الولائد خاصة، وأجزتم بيعهن بدين، والسلف فيهن. قال: قلت: أرأيت لو تركنا قولنا في خصلة واحدة، ولزمناه في كل شيء أكنا معذورين، قال: لا. قلت: لأن ذلك خطأ؟! قال: نعم. قلت: فمن أخطأ قليلًا أمثلُ حالًا أم من أخطأ كثيرًا؟ قال: بل من أخطأ قليلًا، ولا عذر له. قلت: فأنت تقر بخطأ كثير، وتأبى أن تنتقل عنه، ونحن لم نخطئ أصل قولنا إنما فرقنا بينه، أرأيت إذا اشتريت

стр. 662

جارية موصوفة لم أملك عليك إلَّا الصفة، وإذا أسلفتك جارية لي آخذها منك بعد قبضها فلك أن تطأ جارية متى شئت أخذتها فبذلك المعنى فرقت بينها. قال: فلم لم يَجز أن يسلفها؛ فإن وطئها لم يردها، ورد مثلها؟ قلت: أيجوز أن أسلفك شيئًا ثم تمنعني منه، ولم يفت. قال: لا. قلت: فكيف تجيز إن وطئها ألَّا يكون لي عليها سبيل، ولو جاز لم يصح فيه قول؛ لأني إذا سلطته على إسلافها، فقد أبحت فرجها للذي سلفها؛ فإن لم يطأها حتى يأخذها السيد أبحته، للسيد فكان الفرج حلالًا لرجل ثم حرم عليه بلا إخراج له من ملكه ولا تمليكه رقبة الجارية غيره، ولا طلاق، وفرق الكتاب والسنة بين آيات البهائم وبين النساء. قال: أفتقول بالذريعة؟! قلت: لا، ولا معنى للذريعة إنما المعنى في الاستدلال بالخبر اللازم أو قياس عليه أو [المعقول] (١) " (٢). هذا تلخيص كلام الشافعي، وقد قاس الأصحاب ذلك على الوطء في زمان الخيار، وادَّعَوْا أن ملك المقبوض ضعيف لتسلط كل منهما على الفسخ. وإذا لم يفد القرض حل الوطء، وهو من أعظم الانتفاعات المقصودة لم يصح؛ لأنه يصير كالفاسد، وأجابوا عن وطء الابن الجارية الموهوبة، فإنه ليس قادرًا على ردها، بل الأب فقط، وهاهنا كل منهما قادر على الرد وعن جعلها رأس مال في جارية إذا جوزناه بأن ملكه تام يبيح الوطء وعن شراء الجارية المحرم، فإن تحريمها من جهة الشرع لا من جهة ضعف الملك. وعن منع المكاتب من وطء جاريته، بأن ذلك لحقِّ السيد، حتى إذا زال

стр. 663

حق السيد جاز، فليس المنع هنا إلَّا لضعف الملك، فلا ينبغي أن يصحح المقضي إليه، وبعد ذلك في المسألة إشكال على من لا يقول بسد الذرائع إلَّا أن يقوم دليل على المنع، وفي كلام الإمام (١) أنه ورد في ذلك آثار عن الصحابة تبعها الشافعي، فإن صح ذلك فجيد، ولكن لم أقف عليه. فرع الخنثى كالمرأة في استقراض الجارية؛ قاله النووي في "شرح مسلم" (٢) وفيه نظر قد يصير واضحًا فيطؤها، فيردها. تنبيه: احترز المصنف بقوله: "يملك به المال" من استئجار الجارية للوطء. وبقوله: "عقد إرفاق" من البيع. وبقوله: "جائز من الطرفين" من النكاح. * * *

стр. 664

قال: وإن أسلم جارية في جارية، ففيه وجهان، قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنا لا نأمن أن يطأها، ثم يردها عن التي يستحقها عليه، فيصير كمن أقرض جارية ووطئها ثم ردها. ومن أصحابنا من قال: يجوز، وهو المذهب؛ لأن كل عقد صح في العبد بالعبد، صح في الجارية بالجارية كالبيع. صحح الجرجاني المنع. وصحح المتولي، والرافعي (١)، وغيرهما: الجواز موافقة للمصنف، وقاسوه على إسلام صغار الإبل في كبارها، ومقتضى كلامهم وكلام المصنف أن ذلك مجزوم به، وبذلك صرح المحاملي في "التجريد"، قال: فإن أسلم البعير في البعير، والشاة في الشاة جائز بلا خلاف، لكنا حكينا في الباب المتقدم عن الروياني (٢) وجهًا بالمنع مطلقًا حتى يختلف رأس المال مع المُسَلَّمِ فيه. وقد نقلوا عن أبي إسحاق أنه احتج بأمرين: أحدهما: ما ذكره المصنف. والثاني: أنه يصير الثمن والمثمن واحدًا، فأما العلة الثانية فإنها تقتضي طرد الوجه كما نقله الروياني، ولكنه بعيد ضعيف لا دليل عليه، وأما العلة الأولى وهي القياس على القرض فهو قوي، لكن الأصحاب ردوا ذلك

стр. 665

بالجارية المبيعة إذا ردت بعيب، وقد وطئت وهي ثيب وفيه نظر؛ لأن بعد الاطلاع على العيب لا يمكنه من الوطء مع الرد. والمحذور الذي لحظه الشافعي أن يطأ في حالة يجوز الرد فيها، لكن في القرض كل منهما متمكن من الرد، وفي السلم المتمكن هو المسلم إليه فقط؛ لأن له أن يوفي من غيرها، فهو عكس الولد الموهوب له. فإن كان المانع له هو جواز الرد من الطرفين، جاز السلم، ولم يشكل الوطء فيه ولا في الموهوبة. وإن كان المحذور يُمكن الواطئ من الرد فهو حاصل في السلم؛ فيقوى قول أبي إسحاق، وإن كان المحذور يمكن غير الواطئ أشكل بالهبة. ولم يترجح عندي شيء من ذلك، والترجيح في هذه المسألة يتوقف على تحرير هذا المأخذ. والمصنف أطلق إسلام الجارية في الجارية، والرافعي (١) وغيره فرضوها في إسلام جارية صغيرة في جارية كبيرة. وقال ابن الصباغ: إنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة، والأمر كما قال؛ ولذلك أطلق المصنف. نعم، لابد أن يكون الذي جعلها رأس مال يصفه المسلم فيه أو يؤول إلى ذلك، مثل أن يسلم في جارية مضبوطة الصفات بنت سبع في جارية يصفها بنت تسع إلى سنتين؛ فإذا حل كانت هذه الجارية بصفة المسلم فلو لم يكن كذلك كما لو أسلم زنجية في تركية، أو تركية بوصف في تركية بوصف آخر، فلا يمتنع، ولذلك قال الفراقي: [إن] (٢) كلام المصنف يحتاج إلى تقييد.

стр. 666

نعم، التي جعلها رأس المال أجود في الوصف أو في النوع، وقلنا: بالإجبار على قبولها، فقد يقال: يطرد المنع لوجود المعنى. * * *

стр. 667

قال: فصل [المنفعة في القرض] ولا يجوز قرض جر منفعة، مثل أن يقرضه ألفًا على أن يبيعه داره، أو على أن يرد عليه أجود منه، أو أكثر منه، أو على أن يكتب له بها سفْتَجة [يربح فيها خطر] (١) الطريق. والدليل عليه: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ". والسلف هو القرض في لغة أهل الحجاز، ورُوِيَ عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق، فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضعه. حديث عمرو بن شعيب رواه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤). ولفظه: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ"، وقال الترمذي: "حسن صحيح" (٥)، قال المنذري: يشبه أن يكون صححه؛ لتصريحه بذكر عبد الله بن عمرو،

стр. 668

ويكون مذهبه في الامتناع من الاحتياج؛ لحديث عمرو بن شعيب، إنما هو للشك في إسناده، فإذا صرح بعبد الله انتفى ذلك، يعني، وها هنا صرح كما هو في السنن، وإن كان المصنف لم يذكره. وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله [بن] (١) عمرو في أثر صحيح صريح، رواه الدارقطني في "سننه" (٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣) في آخر كتاب البيوع، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤). وقال الإمام أحمد وغيره: صح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده (٥). وقال البخاري: رأيت علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق بن راهويه، يحتجون به (٦)، يعني: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد ذكر النووي في أول هذا "المجموع" (٧): أن المصنف في "اللمع" (٨)

стр. 669

وغيره من أصحابنا اختاروا عدم الاحتجاج به، وترجح عنده في حال تصنيف "المهذب" جواز الاحتجاج به، كما قاله المحققون من أهل الحديث. وقول المصنف: السلف: القرض في لغة أهل الحجاز، ويدخل في النهي عن سلف وبيع أمران؛ أحدهما: البيع بشرط السلف؛ كقوله: بعتك أن تقرضني أو أقرضك، فإن ذلك يفضي إلى جهالة الثمن في البيع، وإلى جر منفعة بسبب السلف. والثاني: السلف بشرط البيع، كقوله: أقرضتك بشرط أن تبيعني كذا، وهذا هو المقصود هنا، وفي معناه السلف بكل شرط يجر نفعًا قياسًا على البيع المشروط في السلف. ويدخل في النهي ما يعتاده كثير من المتخلفين في هذا الزمان من أصحاب الأملاك؛ ترغيبًا في إيجارها بزيادة، يبذلون للراغب في استئجارها نسيئًا يسمونه: التقوية، فيستأجر بأزيد من القيمة، بحيث لو لم [يبذل] (١) له ذلك لما استأجر بتلك الأجرة، فليحذر من ذلك، نبهت على ذلك؛ تحذيرًا منه وممن يشك فيه. وإذا وقع ذلك على سبيل الشرط؛ فهو حرام بالإجماع. وإن وقع من غير شرط في اللفظ، فأكثر العلماء على تحريمه، وعندنا مكروه، والرواية عن أُبي، وابن مسعود، وابن عباس، في "المعرفة" (٢) للبيهقي، وكذلك عن فضالة بن عبيد، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، كلهم قالوا: كل قرض جر منفعة، فهو وجه من وجوه الربا. وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرَ قَضَائِهِ"، هكذا رواه الدارقطني (٣) مرفوعًا.

стр. 670

والذي رواه مالك (١) موقوفًا على ابن عمر، وهو الصحيح، ورفعه ضعيف جدًّا. قال البيهقي (٢): ليس بشيء. وقال ابن عمر: "السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهِ: سَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ فَلَكَ وَجْهُ [اللهِ] (٣) وَسَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ، وَسَلَفٌ تُسْلِفْهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا" (٤). وعن ابن مسعود فيمن استسلف من رجل على أن يُعيره ظهر فرسه قال: "مَا أَصَابَ مِنْهُ فَهُوَ رِبًا" (٥). وقول المصنف: "على أن يراد (٦) عليه أجود منه"؛ أي [في] (٧) الوصف كرد الصحيح عن المكسر، والجيد عن الرديء. وقوله: "إذا كثر"؛ أي: في القدر وهو إن كان المال ربويًّا ممتنع بلا خلاف، وإن لم يكن ربويًّا، فوجهان أصحهما: المنع. والثاني: يجوز لقول ابن عمرو بن العاص: "فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَلٍ" (٨)، ولا دليل فيه؛ لأن المراد به: السلم أو البيع. ألا تراه قال: "إلى أجل"، والقرض لا يقبل الأجل، وهذا الخلاف حكاه الرافعي (٩) في زيادة القدر دون الصفة، وحكاه الماوردي (١٠) فيهما، وهو
следующие страницы →