نعم، التي جعلها رأس المال أجود في الوصف أو في النوع، وقلنا: بالإجبار على قبولها، فقد يقال: يطرد المنع لوجود المعنى.
* * *
стр. 667
قال:
فصل [المنفعة في القرض]
ولا يجوز قرض جر منفعة، مثل أن يقرضه ألفًا على أن يبيعه داره، أو على أن يرد عليه أجود منه، أو أكثر منه، أو على أن يكتب له بها سفْتَجة [يربح فيها خطر] (١) الطريق.
والدليل عليه: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ". والسلف هو القرض في لغة أهل الحجاز، ورُوِيَ عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق، فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضعه.
حديث عمرو بن شعيب رواه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤). ولفظه: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ"، وقال الترمذي: "حسن صحيح" (٥)، قال المنذري: يشبه أن يكون صححه؛ لتصريحه بذكر عبد الله بن عمرو،
стр. 668
ويكون مذهبه في الامتناع من الاحتياج؛ لحديث عمرو بن شعيب، إنما هو للشك في إسناده، فإذا صرح بعبد الله انتفى ذلك، يعني، وها هنا صرح كما هو في السنن، وإن كان المصنف لم يذكره.
وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله [بن] (١) عمرو في أثر صحيح صريح، رواه الدارقطني في "سننه" (٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣) في آخر كتاب البيوع، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤).
وقال الإمام أحمد وغيره: صح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده (٥).
وقال البخاري: رأيت علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق بن راهويه، يحتجون به (٦)، يعني: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقد ذكر النووي في أول هذا "المجموع" (٧): أن المصنف في "اللمع" (٨)
стр. 669
وغيره من أصحابنا اختاروا عدم الاحتجاج به، وترجح عنده في حال تصنيف "المهذب" جواز الاحتجاج به، كما قاله المحققون من أهل الحديث.
وقول المصنف: السلف: القرض في لغة أهل الحجاز، ويدخل في النهي عن سلف وبيع أمران؛ أحدهما: البيع بشرط السلف؛ كقوله: بعتك أن تقرضني أو أقرضك، فإن ذلك يفضي إلى جهالة الثمن في البيع، وإلى جر منفعة بسبب السلف.
والثاني: السلف بشرط البيع، كقوله: أقرضتك بشرط أن تبيعني كذا، وهذا هو المقصود هنا، وفي معناه السلف بكل شرط يجر نفعًا قياسًا على البيع المشروط في السلف.
ويدخل في النهي ما يعتاده كثير من المتخلفين في هذا الزمان من أصحاب الأملاك؛ ترغيبًا في إيجارها بزيادة، يبذلون للراغب في استئجارها نسيئًا يسمونه: التقوية، فيستأجر بأزيد من القيمة، بحيث لو لم [يبذل] (١) له ذلك لما استأجر بتلك الأجرة، فليحذر من ذلك، نبهت على ذلك؛ تحذيرًا منه وممن يشك فيه. وإذا وقع ذلك على سبيل الشرط؛ فهو حرام بالإجماع.
وإن وقع من غير شرط في اللفظ، فأكثر العلماء على تحريمه، وعندنا مكروه، والرواية عن أُبي، وابن مسعود، وابن عباس، في "المعرفة" (٢) للبيهقي، وكذلك عن فضالة بن عبيد، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، كلهم قالوا: كل قرض جر منفعة، فهو وجه من وجوه الربا.
وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرَ قَضَائِهِ"، هكذا رواه الدارقطني (٣) مرفوعًا.
стр. 670
والذي رواه مالك (١) موقوفًا على ابن عمر، وهو الصحيح، ورفعه ضعيف جدًّا.
قال البيهقي (٢): ليس بشيء.
وقال ابن عمر: "السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهِ: سَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ فَلَكَ وَجْهُ [اللهِ] (٣) وَسَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ، وَسَلَفٌ تُسْلِفْهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا" (٤).
وعن ابن مسعود فيمن استسلف من رجل على أن يُعيره ظهر فرسه قال: "مَا أَصَابَ مِنْهُ فَهُوَ رِبًا" (٥).
وقول المصنف: "على أن يراد (٦) عليه أجود منه"؛ أي [في] (٧) الوصف كرد الصحيح عن المكسر، والجيد عن الرديء.
وقوله: "إذا كثر"؛ أي: في القدر وهو إن كان المال ربويًّا ممتنع بلا خلاف، وإن لم يكن ربويًّا، فوجهان أصحهما: المنع.
والثاني: يجوز لقول ابن عمرو بن العاص: "فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَلٍ" (٨)، ولا دليل فيه؛ لأن المراد به: السلم أو البيع.
ألا تراه قال: "إلى أجل"، والقرض لا يقبل الأجل، وهذا الخلاف حكاه الرافعي (٩) في زيادة القدر دون الصفة، وحكاه الماوردي (١٠) فيهما، وهو
стр. 671
مقتضى كلام الغزالي (١)، والجواز منسوب لابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد، وجعلاه بيعًا بلفظ القرض، ومقتضى كلام الإمام (٢) جريان الخلاف في كل شرط جر منفعة.
وفي هذا الإطلاق مع مأخذهما في جعله بيعا بعد، وحيث جوزنا وجعلناه بيعا، لزم الوفاء به كسائر البياعات.
وقوله: "على [أن] (٣) يكتب له بها سفْتَجة"؛ أي: كتابًا لوكيله في بلد آخر؛ ليدفع إليه بدله فيوفر عليه مؤنة الحمل وخطر الطريق.
وقول المصنف: "ولأنه عقد إرفاق. . ." إلى آخره، لا شك فيه فيصير الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد.
ومراد المصنف: ولا يجوز قرض شرط فيه جر منفعة فإن جر المنفعة بغير شرط لا يمتنع على ما سيأتي، ولكن المصنف أطلق العبارة إتباعًا للسلف، ثم يشرحها بعد.
وقد يقال في تأويلها: إن إيجار المنفعة هو المقتضي لها، ومتى لم يكن شروطًا فيه لا يكون مقتضيًا له، فلا يقال: إنه جر نفعًا، وإن وقع ذلك النفع تفضلًا من المستقرض، ومقتضى كلامه أن القرض يفسد بهذه الشروط؛ لأنه حكم بعدم جواز القرض، ومعناه: عدم صحته، وفي البيان وجه: أنه يبطل الشرط ويصح القرض، وهو بعيد إن ثبت.
* * *
стр. 672
قال:
فإن شرط أن يرد عليه دون ما أقرضه، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأن مقتضى القرض رد المثل، وإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافي مقتضاه؛ فلم يجز، كما لو شرط الزيادة.
والثاني: أنه يجوز؛ لأن القرض جُعِل رفقًا بالمستقرض، وبشرط الزيادة يخرج عن موضعه، فلم يجز، وبشرط النقصان لا يخرج عن موضعه فجاز.
مقتضى كلام المصنف أن الخلاف في صحة الشرط، وهو ما قال الرافعي: إن (١) إيراد بعضهم يشعر به، والذي أورده الأكثرون وقدمه الرافعي أن الخلاف في صحة العقد، والصحيح الصحة، وأما الشرط فإنه يلغو.
ومن ذلك يحصل ثلاثة أوجه؛ أصحها: صحة العقد وبطلان الشرط.
والثاني: صحتها وتعليل المصنف للوجه الثاني صالح؛ لأنه (٢) يعلل به كل من هذين الوجهين.
والثالث: بطلان العقد لمنافاة مقتضاه، والأقرب أن المصنف إنما أراد صحة الشرط وفساده، فيكون الأصح في كلامه الوجه الأول.
ثم بعد ذلك يأتي في كلامه أنه إذا فسد الشرط هل يفسد العقد أو لا؟ وما ذكره مُطردًا (٣) في رد المكسر عن الصحيح، والرديء عن الجيد، وأمَّا القليل عن الكثير؛ كرد تسعة عن عشرة فكلام المصنف يقتضيه، ولم أر غيره
стр. 673
صرح به، ومقتضى الوجهين بتعليلهما المحافظة على حقيقة القرض.
ومقتضى الوجه الذي قدمناه في شرط الزيادة من جعله بيعًا نظرًا إلى المعنى، أن يقال هنا بالجواز في غير الربوي، ويلزم الوفاء به، وأما الربوي فإنه اشترط النقصان في القدر فسد، وإن كان في الصفة صح إن وجد التقابض في المجلس.
وكذا قرضه بشرط أن يقرضه شيئًا آخر؛ فهو كشرط رد الأردأ؛ لأن المقصود به نفع المستقرض؛ فيصح على الأصح، وكذلك شرط الأجل حيث لا يكون للمقرض غرض إلا الرفق بالمستقرض، ولكن لزومه قد قيل به على وجه مقدم، أما لزوم قرض شيء آخر فما أظن أحدًا (١) يقول به.
* * *
стр. 674
قال:
فإن بدأ المستقرض فزاده، أو رد عليه ما هو أجود منه، أو كتب له به سفتجة، أو باع منه داره، جاز؛ لما روى أبو رافع ﵁ قال: استسلف رسول الله ﷺ من رجل بكرًا، فجاء إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكرًا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال النبي ﷺ : "أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء".
وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان لي على رسول الله ﷺ حق، فقضاني فزادني.
حديث أبي رافع رواه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجه (٥)، والبكر بتخفيف الباء هو الصغير من الإبل كالغلام من الآدميين.
وقوله: رباعيًا، بتخفيف الياء؛ أي: له ست سنين ودخل في السابعة، وقد ورد في "مسلم" أيضًا من رواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قَالَ لَهُمْ: "اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ"، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: "فَاشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ، أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" (٦).
стр. 675
وهذه الرواية تبين أن النبي ﷺ لم يقضه من إبل الصدقة ابتداء، وإنما اشتراه منها ممن استحقه فملكه النبي ﷺ بثمنه؛ وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله عما كان اقترضه لنفسه ﷺ . فهذا أحسن الأجوبة عن الحديث.
وقد قيل فيه أجوبة أخرى، وأبو رافع اسمه إبراهيم (١)، ويقال: أسلم، ويقال: هرمز، وهو مولى النبي ﷺ . وحديث جابر متفق عليه (٢)، وهو قطعة من حديث الجمل.
أما الحكم فمذهبنا (٣): أنه تجوز الزيادة، وتستحب، ويجوز للمقرض أخذها سواء زاد في الصفة أو في العدد؛ بأن أقرضه عشرة فأعطاه أحد عشر، ومذهب مالك (٤) أن الزيادة في العدد منهي عنها.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك في أموال الربا، ويجوز في غيره.
وكلام صاحب "البيان" (٥) يقتضي طرد ذلك في زيادة القدر والصفة وكتب السفتجة حجة المذهب عموم قوله: "أحسنكم قضاء"، والزيادة في ثمن جمل جائز، وكتابة السفتجة من غير شرط جائز، كان عبد الله بن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب إلى مصعب بالعراق فيأخذونها، فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير به بأسًا. وروي في ذلك - أيضًا - عن علي، وهو محمول على ما إذا لم يشرط.
فرع
في قبول الهدية إن كانت بعد رد البدل لم يكره قبولها؛ قاله الماوردي، وإن كان قبله فعندنا: أنه جائز، والتنزه عنه أولى، وقد
стр. 676
روي فيه عن السلف تشديدات، وإن كانت من غير شرط، قال عبد الله بن سلام: "إِنَّ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا أَنَّ أَحَدَكُمْ يُقْرِضُ الْقَرْضَ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَتَاهُ بِهِ وَبِسَلَّةٍ فِيهَا هَدِيَّةٌ، فَاتَّقِ تِلْكَ السَّلَّةَ وَمَا فِيهَا". رواه البخاري (١).
وعنه قال: "إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا" رواه البخاري (٢).
وعن أُبي بن كعب قال: "إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ؛ فَإِذَا أَقْرَضْتَ رَجُلًا فَأَهْدَى إِلَيْكَ هَدِيَّةً فَخُذْ قَرْضَكَ، وَارْدُدْ إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ" (٣). وهذان الأثران يمكن أن يكون التنزه عن ذلك؛ لكثرة الربا في ذلك المكان.
وعن ابن سيرين، عن أبي بن كعب، وهو منقطع أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى عُمَرَ فَرَدِّهَا، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ أَسْلَفَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ (٤).
وعن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجل عشرون درهمًا فجعل يهدي إليه، وجعل كلما أهدى إليه باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهمًا، فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم.
وكان رجل سَمَّاك عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك فأتى ابن عباس فسأله فقال: قاصَّه بما أهدى لك.
وروي ضعيف عن أنس أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه فيهدي إليه، فقال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إِلَيْهِ طَبَقًا فَلَا
стр. 677
يَقْبَلُهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ، فَلَا يَرْكَبُهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ" (١).
قال البيهقي (٢): رواه شعبة و [محمد] (٣) بن دينار فوقفاه، ونقل ابن المنذر في قبول الهدية واحدًا فصَّل مما قبض ثلاثة مذاهب للعلماء: المنع، والجواز، والفرق بين أن يكونا قبل ذلك يتعاطيان الهدايا والمؤاكلة فلا بأس أن يمضيا على العادة أو لا يتعاطيانها فمكروه، وهو قول النخعي وإسحاق بن راهويه.
* * *
стр. 678
قال:
وإن عُرِفَ لرجل عادة أنه إذا استقرض زاد في العوض، ففي إقراضه وجهان: أحدهما: لا يجوز إقراضه إلَّا أن يشترط رد المثل؛ لأن المتعارف كالمشروط، ولو شرط الزيادة لم يجز، وكذلك إذا عرف بالعادة.
والثاني: أنه يجوز، وهو المذهب؛ لأن الزيادة مندوب إليها فلا يجوز أن يمنع ذلك صحة العقد.
الثاني هو المذهب المنصوص في باب الصرف من "الأم" (١)، والأول ضعيف وشبهه الأصحاب برجل عادته أنه إذا اشترى تمرًا يطعم البائع منه؛ فإنه لا يصير بمنزلة الشرط في فساد البيع منه، وللخلاف نظائر في انتفاع المرتهن بالمرهون، وفي قطع العنب حصرمًا وغير ذلك، وعلى المذهب هل يكره إذا قصدا ذلك أو قصده المقرض؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يكره؛ لأنهما لو صرحا باشتراط ذلك بطل، فإذا أضمراه كره كما في مسألة الضَّبَّةِ.
والثاني: لا يكره، وهو المنقول عن أبي حامد، قال: وإيراد صاحب "التتمة" يقتضي أن الخلاف في كراهة القرض، وإيراد غيره يقتضي أن الخلاف في أنه هل يكره للمقرض أخذ الزيادة والموردون لذلك، منهم ابن الصباغ جزم بالكراهة من غير اشتراط قصد بل اكتفاء بالعادة، وكونه جَرَّ منفعةً، والشيخ أبو حامد، قال: لا يكره؛ لأنه معروف.
ومن مجموع كلامهم يؤخذ إطلاق في القسمين [أنه] (٢) هل يكره
стр. 679
للمقرض أن يقرض، وأن يأخذ الزيادة، والتحقيق أنه إن وجد القصد من المقرض كره له الإقراض، وأخذ الزيادة إن أقرض لما قلناه، وإن لم يوجد منه قصد فلا يكره، أما المستقرض فالذي ينبغي القطع بأنه لا يكره له، ولو وجد منه القصد؛ لأن ذلك قصد صالح فلا يكره له بدل الزيادة، ولا الإقراض مع إضمارها، وليس كالمقرض؛ فإن المقرض إذا شرط ذلك يبطل، فإذا أضمره كره كما في مسألة العينة، والمستقرض إذا قال ذلك من نفسه من غير شرط من المقرض كان وعدًا غير مبطل؛ فلذلك لا يكره إضماره.
* * *
стр. 680
قال:
وإن شرط في العقد شرطًا فاسدًا بطل الشرط، وفي القرض وجهان: أحدهما: أنه يبطل لما روي أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا"؛ ولأنه إنما أقرضه بشرط، ولم يسلم الشرط فوجب ألَّا يسلم القرض. والثاني: أنه يصح؛ لأن القصد منه الإرفاق، فإذا زال الشرط بقي الإرفاق.
إطلاق المصنف أولًا يشمل جميع الشروط الفاسدة، ومن جملتها ما للمقرض فيه غرض كرد الزيادة؛ ولذلك صرح العمراني في "البيان" (١) به، وجعل في فساده بذلك الشرط وجهين، وآخر كلام المصنف يقتضي أن محل ذلك في الشروط الفاسدة، التي يقصد بها إرفاق المستقرض فلا يكون فيها غرض للمقرض، كشرط رد الناقص إذا قلنا بفساد الشرط.
وقد تقدم أن الأصح صحة العقد وفساد الشرط، وبذلك يلتئم كلامه على ما قدمنا في "شرحه"، والحديث المذكور مشهور في كتب الفقهاء، ولم يصحَّ رفعه عن النبي ﷺ ؛ بل لا أعرف هذا اللفظ عن النبي ﷺ أصلًا، وإنما وردت ألفاظ أُخر عن أنس، وابن عمر لم يصح رفعها؛ بل هي موقوفة عليهما، وقد قدمت ذلك، ومعناها: النهي عن الشرط والهدية، وليست في معنى ما ذكر المصنف، حتى يستدل بها على فساد العقد.
* * *
стр. 681
قال:
فصل [رد المثل]
ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل؛ لأن مقتضى القرض رد المثل، ولهذا يقال: الدنيا قروض ومكافأة، فوجب أن يرد المثل، وفي ما لا مثل له وجهان، أحدهما: يجب عليه القيمة؛ لأن ما ضمن بالمثلي إذا كان له مثل، ضمن بالقيمة، إذا لم يكن له مثل كالمتلفات.
والثاني: يجب عليه مثله في الخلقة والصورة؛ لحديث أبي رافع أن النبي ﷺ "أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ"، ولأن ما ثبت في الذمة بعقد السلم ثبت بعقد القرض، قياسًا على ماله مِثْل، ويخالف المتلفات فإن المتلف متعد، فلم يقبل منه إلا القيمة؛ لأنها أخص، وهذا عقد أجيز للحاجة، فقبل منه مثل ما قبض، كما قبل في السلم مثل ما وصف.
حديث أبي رافع تقدم قريبًا، ووجوب المثل فيما له مثل لا خلاف فيه، وقول المصنف: "لأن مقتضى القرض"؛ أي: في وضع اللسان، وقد تقدم أقوال أهل اللغة في تفسير القرض، وليس فيها ما يقتضي ذلك، إلا ما في كلام ابن كيسان، وأما ما لا مثل له، وهو مما يضبط بالصفة فالصحيح عند الأكثرين: رد المثل الصوري للحديث، واختار الشيخ أبو حامد إيجاب
стр. 682
القيمة، وقال المتولي في كتاب الشفعة: "إنه المذهب الصحيح" واختاره الروياني أيضًا، وقال: "إنه ظاهر المذهب" (١).
وإن قلنا: الواجب القيمة، فإن قلنا: الملك بالقبض فالاعتبار بقيمة يوم القبض بلا خلاف، وإن قلنا: الملك بالتصرف.
قال صاحب "التتمة": فهو كالمأخوذ سومًا، وفيه وجهان؛ أحدهما: يوم القبض.
والثاني: أكبر أحواله من القبض إلى الملك، ومقتضى إلحاقه بالسوم أن يأتي فيه وجه ثالث باعتبار قيمة يوم التصرف، وهو مقتضى قول الإمام: إن الأقوال الثلاثة تجري في كل ضامن غير متعد" (٢).
وقال ابن الرفعة: "إنه يظهر له أن الوجه القائل باعتبار قيمة يوم القبض، على قولنا: يملك بالتصرف مأخذه، أنه إذا تصرف يتبين ملكه من حين القبض" (٣) كما حكاه فيما تقدم.
قلت: وما حكاه صاحب "التتمة" من إلحاقه بالسوم تبين مأخذه غير ذلك، والذي حكاه فيما تقدم نقله عن "البسيط"، ولم أره فيه ولا في غيره.
ثم قال ابن الرفعة: "إن صاحب هذا الوجه إن طرده فيما إذا تلف في القرض في يده قبل التصرف المحصل للملك، انتفى أن يكون مأخذه ما ذكره" (٤)، يعني: لأنه لم يحصل الملك، وهذا غلط؛ لأن ما حكينا عن "البيان" (٥) وغيره، أن التلف كالإتلاف في تحصيل الملك، أما ما لا مثل له
стр. 683
ولا يضبط بالصفة؛ كالجواهر، والمعجونات، والحنطة المختلطة بالشعير باختلاطهما خرجا عن المثلية، فإن فصلا عادا إليها، "وإذا اختلفا في قدر القيمة، أو في صفة المثل فالقول قول المستقرض" (١)؛ قاله الرافعي.
* * *
стр. 684
قال:
وإن أقرض الخبز، وقلنا: يجوز إقراض ما لا يضبط بالوصف، ففي الذي يرده وجهان:
أحدهما: مثل الخبز.
والثاني: يرد القيمة؛ فعلى هذا إذا أقرضه الخبز، وشرط أن يرد عليه الخبز، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن مبناه على الرفق، فلو منعناه من [رد] (١) الخبز شق وضاق.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه إذا شرط صار بيع خبز بخبز وذلك لا يجوز.
إقراض الخبز فيه وجهان، يظهر من كلام المصنف أنهما مبنيان على السلم فيه، ومن كلام صاحب "البيان" (٢)، ومال إليه الرافعي (٣) أنهما مرتبان عليه إن جوزناه جاز قرضه، وإلا فوجهان للحاجة، والمنع أصح عند صاحب "التهذيب" (٤)، وبه قال أبو حنيفة (٥).
ويظهر من كلام المصنف ترجيحه؛ لأنه أشعر بأن حكمه حكم غيره مما لا يضبط بالوصف، والجواز أصح عند بعضهم، وقطع به صاحب "الشامل" و "التتمة" و "المستظهري" و "المرشد"؛ لاجتماع الأعصار في الأمصار على
стр. 685
فعله بلا إنكار، وهو مذهب أبي قلابة، ومالك (١)، وأحمد (٢)، وأبي يوسف ومحمد (٣).
فعلى هذا فيما يرده وجهان، ومقتضى كلام جماعة أنهما الوجهان في غيره من المتقومات.
ويحتمل: أن يكونا مستقلين، ويكون بعض من أوجب المثل هناك يوجب القيمة هنا حذرًا من الربا.
وانظر إلى إطلاق المصنف، وتقديمه القيمة هناك والمثل هنا قد يلمح منه التغاير، وإن لم يكن بالقوي، وكأن قياس ما تقدم في قرض ما لا يضبط بالوصف أن يقطع هنا برد القيمة، لكن بنوا الأمر هنا على المسامحة للعرف فكما اعتمد العرف في جواز قرضه فليعتبر رد مثله، وإذا قلنا بالمثل فالمعتبر مثله وزنًا، هكذا قال الرافعي (٤)، وغيره، وذكر الخوارزمي في "الكافي" أنه يجوز إقراض الخبز وزنًا وعددًا، وهو غريب، وفي "التتمة" وغيرها نقله عن محمد بن الحسن.
ويحتمل: أن يحمل كلام "الكافي" على أنه مراعى فيه الجمع بين الوزن والعدد، حتى إذا أقرض رغيفين زنتهما رطلان يرد كذلك، ولا يكتفى منه بالوزن فقط مع مخالفة العدد، فإن أراد ذلك فحسن، فإنه محافظة على المثل الصوري.
стр. 686
وينبغي حمل كلام الرافعي وغيره ممن أطلق الوزن عليه.
فإن أوجبنا القيمة فشرط المثل، فالوجهان مشهوران، ومقتضى كلام ابن أبي عصرون: أن الأصح رد المثل أيضًا، ويؤخذ من كلام المصنف إذا قلنا: لا يجوز اشتراط المثل؛ فالعقد فاسد، وليس المعنى: أنه يفسد الشرط، وتجب القيمة لجعله ذلك من باب الربا، قال أبو إسحاق العراقي: وعلى تعليل الوجه الأول لو شرط في سائر المتقومات على قولنا برد القيمة المثل؛ جاز.
قلت: وفيه نظر؛ لأن علة الرفق قد لا تكون موجودة.
* * *
стр. 687
قال:
فصل [في رد الدرهم]
إذا أقرضه دراهم بمصر، ثم لقيه بمكة، فطالبه بها لزمه دفعها إليه، وإن طالبه [المقرض أن] (١) يأخذها وجب عليه أخذها؛ لأنه لا ضرر عليه في أخذها، فوجب أخذها.
لزوم الدفع نصَّ عليه الشافعي في "الأم" في باب الإقرار بالحكم الظاهر، وقال الإمام: "إنه ظاهر المذهب" (٢)، وهذا منه إشارة إلى خلاف فيه، واستثنى الإمام (٣) النقود التي تعسر نقلها، وتختلف قيمتها؛ فلا يطالبه بها في غير بلد الإقراض، ووجوب الأخذ إذا طالبه المقرض إن كان له غرض سوى البراءة لا خلاف فيه، وإن لم يكن له غرض سوى البراءة؛ فكذلك على أصح الطريقين، وقد ذكرنا ذلك في باب السلم، وحكم السلم والقرض، وغيرهما في ذلك واحد.
* * *
стр. 688
قال:
وإن أقرضه طعامًا بمصر، فلقيه بمكة فطالبه به؛ لم يجبر على دفعه إليه؛ لأن الطعام بمكة أغلى.
ذكر صاحب "البيان" (١) أن الشافعي نص على ذلك في الصرف بهذا اللفظ سواء بهذه العلة، وبأن في نقل الطعام من مصر إلى مكة ضررًا عليه، ويظهر أن كل واحدة منهما علة مستقلة، حتى لو كانت البلد قريبة لا مؤنة في حمله، لكنه فيها أغلى أو كانت القيمة سواء، ولكن لحمله مؤنة لا يلزمه.
لكن المنقول عن ابن الصباغ وغيره في كتاب الغصب أنه لو كانت القيمة في البلدين سواء أنه يلزمه، فلذلك اقتصر المصنف على التعليل بالغلاء، والرافعي (٢) على التعليل بالمؤنة، وما ذكره غيره أولى، وحكم القرض والسلم والغصب في ذلك سواء.
* * *
стр. 689
قال:
وإن طالبه المستقرض بالأخذ، لم يجبر على أخذه؛ لأن عليه مؤنة في حمله، وإن تراضيا عليه جاز؛ لأن المنع لحقهما، وقد رضيا جميعًا.
هذا لا خلاف فيه، وقد تقدم ذلك في أداء المسلم فيه قبل المحل إذا كان على المستحق مؤنة، وله غرض في الامتناع.
فرع
لو كان في بلد غير بلد القرض، ولكنها قريبة ليس في حمله مؤنة؛ فيظهر أن يجري في إجبار المستحق على القبول إطلاق المتقدم في المسلم فيه.
* * *
стр. 690
قال:
وإن طالبه بقيمة الطعام بمكة أجبر على دفعها؛ لأنه بمكة كالمعدوم، وما له مثل إذا عدم وجبت قيمته، ويجب قيمته بمصر؛ لأنه [يستحقه] (١) بمصر.
جواز مطالبته بالقيمة لا خلاف فيه، وهذا بخلاف المسلم فيه حيث لا يطالب بالقيمة على الصحيح، والفرق ظاهر من جهة الاستبدال، وبخلاف الغصب حيث جرى فيه خلاف في إلزامه بالمثل لتعديه وتنزيله منزلة المعدوم ظاهر؛ ولذلك يجوز للمسلم الفسخ حينئذٍ؛ لأنه لا تجب المطالبة، فهو معدوم شرعًا، وإيجاب القيمة فيما له مثل إذا عدم لا شك فيه في كل موضع، وكون القيمة الواجبة قيمته بمصر، أي: يوم المطالبة لا بمكة.
هكذا قاله الشيخ أبو حامد وغيره؛ لأنه إنما وجب عليه دفع القيمة يوم المطالبة.
وقال ابن الرفعة: "إنه إذا نقل المال المقرض إلى بلد آخر، وقلنا: لا يملك إلَّا بالتصرف؛ فتجب قيمته في الموضع الذي ملك فيه" (٢).
وفي السلم إذا جوزنا المطالبة بالقيمة قال الرافعي: "يطالبه بقيمة بلد العقد كالقرض" (٣).
وقال النووي: "المعتبر في السلم قيمة الموضع الذي يستحق فيه
стр. 691
التسليم" (١)، وهو الصواب.
وكلام الرافعي محمول على ما إذا كان موضع العقد هو موضع التسليم.
ثم إذا أخذ القيمة واجتمعا في مكان القرض، فهل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟! وهل للمستقرض مطالبته بذلك؟! فيه وجهان، قال النووي: "أصحهما لا" (٢)، وهو ناظر إلى أن أخذ القيمة اعتياض؛ ولذلك امتنع دخوله في المسلم فيه إلَّا على وجه ضعيف جدًّا، وعلى القول الآخر تكون القيمة المأخوذة للحيلولة؛ كالقيمة المأخوذة عن العبد الآبق في الغصب، والوجه الآخر له نظير في مسألة إعواز المثل في المغصوب، وعدم المثلي اختلف كلام الغزالي (٣) في التصحيح فيهما.
* * *
стр. 692
قال:
وإن أراد أن يأخذ عن بدل القرض عوضًا جاز؛ لأن ملكه عليه مستقر، فجاز أخذ العوض عنه، كالأعيان المستقرة، وحكمه في اعتبار القبض في المجلس حكم ما يأخذه بدلًا عن رأس مال السلم بعد الفسخ، وقد بيناه [والله أعلم] (١).
احترز بقوله: مستقر، عن المسلم فيه، وأشار بذلك إلى أن صورة المسألة بعد التصرف في القرض التصرف المزيل للملك أو تلفه، أما قبله فلا، وقد صرح بذلك ابن الصباغ؛ فقال في باب بيع الطعام: إنه إذا كان المقبوض في يده لا يجوز أن يأخذ عوضه؛ لأنه قد زال ملكه عن العين، ولم يستقر في ذمته، وإن قلنا: لا يملك إلا بالتصرف.
قال بعض أصحابنا: لا يجوز؛ لأنه وإن كان ملكه باقيًا، إلا أنه قد ضعف بتسليط المستقرض عليه.
وقول المصنف: بدل القرض، احتراز عن أخذ البدل عن عين القرض، والحكم فيه.
إن قلنا: لا يملك إلا بالتصرف قد تقدم عن ابن الصباغ.
وإن قلنا: يملك بالقبض، وللمقرض الرجوع في عينه فبيعه من أجنبي؛ كبيع الوالد ما وهبه لولده، وبيعه من المستقرض فيه نظر، والأقرب عدم صحته، ولا ضرورة تدعو إلى تقدير الرجوع، وتصحيح البيع.
والذي تقدم بيانه في رأس مال السلم أنه إن أخذ عنه عينًا؛ صح بلا
стр. 693
خلاف، ثم إن كانت مشاركة له في علة الربا؛ اشترط القبض في المجلس، أو غير مشاركة في علة الربا فوجهان؛ الأصح عند المصنف، وأبي حامد، وأتباعه: الاشتراط، وعند الرافعي (١) وغيره: عدمه.
وإن أخذ دينًا على جهة السلم امتنع، أو على جهة الاستبدال وقبض في المجلس صحَّ، وإن عيَّن ولم يقبض صحَّ عند الرافعي، وإن لم يُعَيِّن لم يصحَّ، هذا إذا كان الأخذ من المستقرض، أما إذا أراد أن يأخذ من غيره فحكمه حكم بيع الدين مِنْ غير مَنْ عليه، والأصح عند المصنف: الصحة، ولعله أطلق للأخذ هنا لذلك، وللأصح عند غيره المنع، وحكم كل دين حال من بدل متلف وأرش جناية حكم بدل القرض في ذلك.
فرع
قال لغيره: اقترض لي مائة ولك علي عشرة، كرهه أحمد (٢) وإسحاق، وعندنا لا بأس به، ويجري مجرى الجعالة، فلو أن المأمور أقرضه مائة من ماله لم يستحق العشرة؛ قاله الماوردي (٣).
آخر
قال لغيره: أقرض زيدًا مائة، وأنا لها ضامن يجوز؛ فإذا أقرض زيدًا لزمه الضمان؛ فإن أقرضه بعض المائة لزمه ضمان ما أقرضه فقط، ولو أقرضه أكثر لم يلزمه ضمان الزائد، ولو أقرضه بدل المائة عشرة دنانير لم يلزمه ضمانها؛ قاله الماوردي (٤)، وهذا إنما يأتي على وجه ضعيف، والأصح عندنا خلافه، وإن ما لم يجب لا يصح ضمانه والرهن به لاسيما ما لم يجز سبب وجوبه.
стр. 694
آخر
اقترض مائة فضمنها ضامن بأمره، ثم دفع الضامن إلى إلى المقرض بدلها ثوبًا جاز، وبرئ الضامن والمقترض، ورجع الضامن على المقترض بأقل الأمرين من المائة، وقيمة الثوب؛ قاله الماوردي (١).
آخر
أقرضه رطبا لم يجز أن يرد بدله تمرًا؛ قاله في "الحاوي" (٢) و "البحر" (٣) عنه، ويشبه أن يكون على الخلاف في أداء التمر عن الرطب في السلم.
آخر
له عليه ألف مكسرة فلا بأس أن يعطيه ثمانمائة صحاحًا ويبرئه عن الباقي؛ قاله الروياني (٤)، فلو أتاه بالكل صحاحًا أجبر على القبول؛ قاله المتولي.
آخر
نصف دينار قراضه فأعطاه دينارًا صحيحًا، وقال: نصف عني ونصف وديعة أو هبة، وتراضيا جاز، فإن امتنع المقرض كان له؛ لأن فيه نقصًا بالشركة في الوديعة، ومنه في الهبة فإن تراضيا ثم اختلفا في كسره لم يجبر الممتنع؛ لأن ذلك قسمة إضرار.
ولو اتفقا على كسره لم يكن لأحدهما أخذ نصفه إلا برضى صاحبه، فإن تشاحا أقرع بينهما، وإن اتفقا على أن يكون نصفه قضاء ونصفه قرضًا أو ثمنًا أو سلمًا في شيء في ذمته جاز، ذكره الأصحاب.
стр. 695
آخر
كل موضع حكمنا بفساد القرض فإذا سلم المال إليه لا يملك ولا يجوز له التصرف فيه، وعليه رده، وهو مضمون في يده، فإن تلف ضمن بدله؛ قاله في "التتمة".
آخر
باع أو اشترى بشرط القرض؛ فالبيع فاسد، فأما القرض، فإن كانا (١) يعلمان فساد الشرط، وأنه لا يجب الوفاء به؛ كان ابتداء إقراض، وهو صحيح، وإن كانا يعتقدان أو أحدهما أن الشرط صحيح، وأن ذلك وفاء بالشرط؛ فالقرض فاسد؛ قاله في "التتمة".
آخر
قال: أقرضني عشرة، فقال: خذها من فلان فأخذها منه، لا يكون قرضًا، بل هذا توكيل بقبض الدين، فبعد القبض لابد من قرض جديد، ولو كانت العشرة في يد فلان بعينها ودفعه أو غيرها صح؛ قاله القاضي حسين في "الفتاوى"، والنووي في "الروضة" (٢) عنه.
آخر
تبايعا درهمًا بدرهم في الذمة ثم أقبض أحدهما الدرهم، فللآخر أن يدفعه عمَّا عليه؛ قاله الإمام (٣) في هذا الباب، وقاس عليه رد المقترض لما اقترضه بعد قبضه، وقد قدمنا في باب الربا ما يقتضي جريان خلاف في ذلك؛ لأجل بقاء الخيار ورَدَّ المقترض لا خلاف فيه.
آخر
حكى ابن الصباغ وجهًا أنه لا تجوز الحوالة بعوض القرض، إلا أن يكون العوضان من ثمن وضعفه، قاله في "الزوائد"، وقد تقدمت
стр. 696
حكايته في باب السلم، وأن الأصح الجواز.
يتلوه في الجزء التاسع كتاب الرهن (١)
* * *
стр. 697
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الرهن
الرهن في الأصل مصدر، يقال: رهنت الشيء عند الرجل أرهنه رهنًا إذا وضعه عنده وثيقة، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]؛ أي: مرهون، ويقال: رهينة، والهاء للمبالغة، ومنه الحديث: "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ" (١). ويقول: رهنته الشيء متعديًا إلى اثنين، بمعنى: رهنت عنده الشيء.
قال عبد الله بن همام السلولي:
فلما خشيتُ أظافيرهم … نجوت وأرهنُهم مالكَا (٢)
هذه رواية الأصمعي بنون مضمومة بعدها الهاء على أنه عطف فعلًا مضارعًا على فعلٍ ماضٍ والواو للحال، ورواه الفراء: "وأرهنتهم" بسكون النون بعدها تاء قبل الهاء ماضيًا رباعيًّا، واحتج به على أنها لغة. وأنكره الأصمعي.
وقال ثعلب: "إن الرواة كلهم رووه رباعيًّا إلا الأصمعي، فإنه رواه ثلاثيًا" (٣).
وقال أبو زيد: "أرهنت السلعة، أي: غاليت بها، وهو من الغلاء
стр. 698
خاصة" (١).
وقال ابن السكيت: "أرهنت فيها، بمعنى أسلفت" (٢)، وأرهنت به ولدي إرهانًا: أخطرتهم به خطرًا، والرهينة واحدة الرهائن، ويُطْلَقُ الرهن على المرهون تسمية للمفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، أي: رهن؛ إذ لو كانت بمعنى مفعولة لَحُذِفَتِ الهاء منها، وهكذا الحديث المتقدم فيه "رَهِينَةٌ"، أي: رهن، وأطلق الرهن عليه مجازًا، وإطلاق رهين على رهن كشيم على شيم كما قال:
................................... … رهينة نفس ذي تراب وجندل
أي: رهن نفسٍ، فصار لرهين استعمالان؛ أحدهما: بمعنى: مفعول.
والآخر: بمعنى المصدر؛ ولذلك يطلق الرهن على المصدر كما سبق، ويطلق على المرهون؛ ولذلك جُمِعَ، فإن المصدر لا يُجْمَعُ، قال تعالى: "فَرُهُن مقبوضة". قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بضم (٣) الراء والهاء من غير ألف، والباقون: ﴿فَرِهَانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها (٤)، وَجَمْعُ "رهن" على "رهان معروف" كحبل وحبال، وأما على رهن لقراءة أبي عمرو، فإما أن يكون جمع الجمع كأنه جمع رهنًا على رهان، ثم جمع على رهانًا على رهن كفراش وفرش، وأما أن يكون كسقف وسقف، وجمع فعل علي فعل قليل، ولعل هذا منه، فيكون فصيحًا في الاستعمال لا في القياس، ومثل هذا يرد في القرآن.
стр. 699
وأما مَن قال: إنها قبيحة، فلا يُقْبَل منه (١)؛ لأنها ثابتة في السبعة، وأبو عمرو إمام النحو قرأ بها، واشتقاق الرهن من قولهم: رهن الشيء إذا دام وثبت، يقال: نعمة راهنة، أي: دائمة ثابتة، ويقال من هذا المعنى: أرهنت لهم الطعام إرهانًا وهو طعام راهن، أي: دائم، فَسُمِّيَ الرهن رهنًا لثباته عند المرتهن ودوامه.
قال الواحدي: "ومن ثَمَّ يبطل الرهن إذا خرج من يد المرتهن؛ لزوال إدامة الإمساك" (٢). وهذا الذي قاله الواحدي لا يأتي على مذهبنا، فإنه يجوز أن يوضع في غير يد المرتهن، ولا يبطل الرهن، والرهن في الشرع يُطْلَقُ على المعنيين اللَّذين يُطْلَق عليهما في اللغة، يُطْلَق مصدرًا على جعل عين المال وثيقة بدين يستوفي منها عند تعذر استيفائه ممن عليه، ويُطْلَق اسمًا على العين المرهونة.
وعند الحنفية: الرهن: جعل المال محبوسًا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن (٣)، ونحن نوافقهم على هذه العبارة، لكنهم شرحوها بما لا نوافقهم عليه، وهو أنه عقد استيفاء، بمعنى أنه: إذا قبضه المرتهن وتلف في يده، يقدر استيفاؤه للدَّين من وقت القبض؛ ولهذا يقولون: إنه مضمون؛ لأنه مقبوض قبض استيفاء.
وقالوا: إن للدين طرفين: طرف وجوب وطرف استيفاء (٤)، فالضمان وثيقة لطرف الوجوب، والرهن وثيقة لطرف الاستيفاء، وحرَّروا أن حكم الرهن عندهم صيرورته محبوسًا بالدين بإثبات يد الاستيفاء عليه. وعندنا،
стр. 700
تعلق الدين بالعين ليستوفي منها بالبيع، ويخرج على هذا الأصل أكثر المسائل المختلف فيها بيننا وبينهم، ونحن ننازعهم في هذا الأصل الذي أصَّلوه؛ لأنه لا يفهم من الرهن لغة وشرعًا وعرفًا إلا ما ذكرناه.
* * *
стр. 701
قال:
يجوز الرهن على الدين في السفر؛ لقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
تقدم بعض الكلام على الآية الكريمة، والصجيج أن رهنًا ورهانًا جمعان؛ لأن جمع الجمع لا ينقاس.
وحُكِيَ عن أبي عمرو أنه قال: إنما قُرِأَتْ "فرُهُن" للفصل بين الرهان في الخيل، وبين جمع رُهن في غيرها، والرُّهُن في الرهن أكثر، والرِّهان في الخيل أكثر (١). انتهى.
وأبو عمرو إمام نحو وقراءة ولغة، وإليه المرجع في ذلك، واختار الزجاج (٢) هذه القراءة لموافقتها المصحف، على أن الأخرى موافقة؛ لأن حرف الألف في الخط من أمثالها كثير في المصحف، والآية صريحة في جواز الرهن في السفر عند عدم وجدان الكاتب، ويلزم من اشترط السفر أن يشترط ذلك أيضًا، والحق عدم اشتراطهما، وأن مقتضى الآية، الإرشاد إلى الرهن بالشرطين المذكورين، وعند عدمهما إنما ينتفي أمر الإرشاد ولا يلزم انتفاء الجواز.
وقيل: إنما خص تعالى السفر؛ لأنه إذا ندب إليه في السفر مع شغل المسافر وما يلحقه؛ كان الحضر أولى أن يكون مندوبًا إليه.
стр. 702
:قال
ويجوز في الحضر؛ لما روى أنس ﵁، أن النبي ﷺ : "رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ".
حديث أنس في البخاري (١)، ومتن الحديث متفق عليه (٢)، من رواية عائشة، ولفظه: "اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ". وصح في بعض رواياته، أنه بالمدينة (٣)، وقوله في حديث الكتاب: "بِالْمَدِينَةِ" ليس نصًّا في أن الرهن كان بالمدينة؛ لاحتمال أن يُرَاد عند يهوديٍّ من يهود المدينة، لكن ابن المنذر قال: "إن النبي ﷺ : رهن درعه بالمدينة، وهو حاضر غير مسافر" (٤).
ورُوي عن أبي رافع قال: نزل برسول الله ﷺ ضيف، فقال لي: "اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بِعْنِي إِلَى رَجَبٍ" فأتيته، فقال: والله لا أبيعه إلا برهن، فأتيته فأخبرته، فقال: "اذْهَبْ بِدِرْعِي الْحَدِيدِ إِلَيْهِ" (٥) فرهنه بطعام إلى أجل مُسَمًّى، فصح الاستدلال به على جواز الرهن في الحضر.
قال ابن المنذر: "لا نعلم أحدًا خالف في ذلك في القديم والحديث إلا
стр. 703
مجاهدًا، فإنه قال: ليس الرهن إلا في السفر (١)، ونقل غيره ذلك عن الضحاك وداود" (٢).
وسبب رهن النبي ﷺ عند اليهودي؛ إما لبيان جواز معاملة الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معهم، وذلك مُجْمَعٌ عليه، وإما لأنه كان يعلم أن الصحابة يبذلون أنفسهم له، فكيف بأموالهم، فلو شعروا بحاجته ﷺ إلى ما عندهم لبذلوه له، ولم تطب أنفسهم بأخذ ثمنه فضلًا عن أخذ الرهن عليه، فعدل ﷺ إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يُضيِّق على أصحابه، وإما لأنه لم يكن عندهم ما يفضل عن حاجتهم، واليهودي المذكور ورد في رواية منقطعة أنه أبو الشحم رجل من بني ظفر؛ كذا رواه الشافعي (٣).
وقال إسماعيل الحضرمي: إن الدرع التي رهنها كانت قيمتها أربعمائة.
قال الماوردي: "واختلف الناس هل مات رسول الله ﷺ قبل فكاك درعه؟
فقال قوم: افتكه قبل موته؛ لأنه ﵇ يقول: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى"، وهذه صفة تُنتفى عنه ﷺ .
وقال آخرون وهو الصحيح: إنه مات قبل فكاكه؛ لرواية عكرمة عن ابن عباس قال: توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعًا من شعيرٍ. فعلى هذا يكون قوله: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى" محمولًا على مَن مات، ولم يترك وفاء" (٤).
стр. 704
قلت: وسواء صح حمله على مَن لم يترك وفاء أو كان على عمومه فيه وفي غيره، فالنبي ﷺ خارج منه؛ لأن دينه ليس لمصلحة نفسه؛ لأنه ﷺ غني بالله تعالى، وإنما أخذ الشعير لأهله وهو ﷺ متصرف عليهم بالولاية العامة، ولا يتعلق الدين به، بل بهم، ويصرف من ذلك المال المأخوذ الذي أرصد منه نفقة نسائه ومؤنة عامله لا تعلق له بذمة النبي ﷺ كما تتعلق ديون غيره بذممهم بعد الوفاة، معاذ الله أن يكون رسول الله ﷺ ، كذلك، وقد ذكر ابن سعد في "الطبقات" (١) من قضاء دين رسول الله ﷺ وعداته (٢) بعد موته، وما قضاه الصديق لجابر وفاء لقول النبي ﷺ : "لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". وأشار بكفيه، فأمر الصديق، فأخذ بكفيه، فعدها خمس مائة، فأعطاه ألفًا وخمس مائة من مال البحرين.
وقال بإسناده إلى جابر قال: "قضى علي بن أبي طالب دين رسول الله ﷺ ، وقضى أبو بكر عداته" (٣).
ورُوي عن عبد الواحد بن أبي عون: "أن رسول الله ﷺ لما تُوفي، أمر عليّ صائحًا يصيح: مَن كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني، فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر مَن يصيح بذلك حتى تُوفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى تُوفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك فانقطع ذلك بعده. قال ابن أبي عون: فلا يأتي أحد من خلق الله إلى علي بحق ولا باطل إلا أعطاه" (٤). انتهى.
ولم يرد في أمر هذا الشعير شيء، ولم يثبت أنه كان على النبي ﷺ ديون
стр. 705
وإنما هذه الآثار رواها ابن سعد، فقد تكون من قبيل العدات، وإن ثبت دين، فلا شك أنه لمصالح المسلمين، وإذا استدان الإمام الأعظم لمصالح المسلمين كان عليهم لا عليه، فإن قال أحد من المتفقهة: إن هذا يمشي فيما استدانه للجهات العامة، فإنه يقضي من مصارفها أو من بيت المال، أما الذي أخذه لأهله فليس كذلك، فإنه إن كان وكيلًا عنهم، فالوكيل تتعلق به العهدة والتصرف عليهم بالولاية العامة يستدعي الحجر وهم أهل رشد.
فالجواب: أن النبي ﷺ الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو يتصرف عليهم بهذه الولاية التي ليست لغيره من الأمة، وليس في الحديث أن الدين كان عليه، بل فيه أن الشعير لأهله، ونتحقق نحن ذلك كما أنه ﷺ كان لا يدخر لنفسه شيئًا ويدخر لأهله قوت سنتهم (١)، وتأتيه الوفود والضيفان، فينفد ما عندهم، فيأخذ لهم ما يحتاجون إليه.
* * *