← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قال: يجوز الرهن على الدين في السفر؛ لقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. تقدم بعض الكلام على الآية الكريمة، والصجيج أن رهنًا ورهانًا جمعان؛ لأن جمع الجمع لا ينقاس. وحُكِيَ عن أبي عمرو أنه قال: إنما قُرِأَتْ "فرُهُن" للفصل بين الرهان في الخيل، وبين جمع رُهن في غيرها، والرُّهُن في الرهن أكثر، والرِّهان في الخيل أكثر (١). انتهى. وأبو عمرو إمام نحو وقراءة ولغة، وإليه المرجع في ذلك، واختار الزجاج (٢) هذه القراءة لموافقتها المصحف، على أن الأخرى موافقة؛ لأن حرف الألف في الخط من أمثالها كثير في المصحف، والآية صريحة في جواز الرهن في السفر عند عدم وجدان الكاتب، ويلزم من اشترط السفر أن يشترط ذلك أيضًا، والحق عدم اشتراطهما، وأن مقتضى الآية، الإرشاد إلى الرهن بالشرطين المذكورين، وعند عدمهما إنما ينتفي أمر الإرشاد ولا يلزم انتفاء الجواز. وقيل: إنما خص تعالى السفر؛ لأنه إذا ندب إليه في السفر مع شغل المسافر وما يلحقه؛ كان الحضر أولى أن يكون مندوبًا إليه.

стр. 702

:قال ويجوز في الحضر؛ لما روى أنس ﵁، أن النبي ﷺ : "رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ". حديث أنس في البخاري (١)، ومتن الحديث متفق عليه (٢)، من رواية عائشة، ولفظه: "اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ". وصح في بعض رواياته، أنه بالمدينة (٣)، وقوله في حديث الكتاب: "بِالْمَدِينَةِ" ليس نصًّا في أن الرهن كان بالمدينة؛ لاحتمال أن يُرَاد عند يهوديٍّ من يهود المدينة، لكن ابن المنذر قال: "إن النبي ﷺ : رهن درعه بالمدينة، وهو حاضر غير مسافر" (٤). ورُوي عن أبي رافع قال: نزل برسول الله ﷺ ضيف، فقال لي: "اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بِعْنِي إِلَى رَجَبٍ" فأتيته، فقال: والله لا أبيعه إلا برهن، فأتيته فأخبرته، فقال: "اذْهَبْ بِدِرْعِي الْحَدِيدِ إِلَيْهِ" (٥) فرهنه بطعام إلى أجل مُسَمًّى، فصح الاستدلال به على جواز الرهن في الحضر. قال ابن المنذر: "لا نعلم أحدًا خالف في ذلك في القديم والحديث إلا

стр. 703

مجاهدًا، فإنه قال: ليس الرهن إلا في السفر (١)، ونقل غيره ذلك عن الضحاك وداود" (٢). وسبب رهن النبي ﷺ عند اليهودي؛ إما لبيان جواز معاملة الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معهم، وذلك مُجْمَعٌ عليه، وإما لأنه كان يعلم أن الصحابة يبذلون أنفسهم له، فكيف بأموالهم، فلو شعروا بحاجته ﷺ إلى ما عندهم لبذلوه له، ولم تطب أنفسهم بأخذ ثمنه فضلًا عن أخذ الرهن عليه، فعدل ﷺ إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يُضيِّق على أصحابه، وإما لأنه لم يكن عندهم ما يفضل عن حاجتهم، واليهودي المذكور ورد في رواية منقطعة أنه أبو الشحم رجل من بني ظفر؛ كذا رواه الشافعي (٣). وقال إسماعيل الحضرمي: إن الدرع التي رهنها كانت قيمتها أربعمائة. قال الماوردي: "واختلف الناس هل مات رسول الله ﷺ قبل فكاك درعه؟ فقال قوم: افتكه قبل موته؛ لأنه ﵇ يقول: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى"، وهذه صفة تُنتفى عنه ﷺ . وقال آخرون وهو الصحيح: إنه مات قبل فكاكه؛ لرواية عكرمة عن ابن عباس قال: توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعًا من شعيرٍ. فعلى هذا يكون قوله: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى" محمولًا على مَن مات، ولم يترك وفاء" (٤).

стр. 704

قلت: وسواء صح حمله على مَن لم يترك وفاء أو كان على عمومه فيه وفي غيره، فالنبي ﷺ خارج منه؛ لأن دينه ليس لمصلحة نفسه؛ لأنه ﷺ غني بالله تعالى، وإنما أخذ الشعير لأهله وهو ﷺ متصرف عليهم بالولاية العامة، ولا يتعلق الدين به، بل بهم، ويصرف من ذلك المال المأخوذ الذي أرصد منه نفقة نسائه ومؤنة عامله لا تعلق له بذمة النبي ﷺ كما تتعلق ديون غيره بذممهم بعد الوفاة، معاذ الله أن يكون رسول الله ﷺ ، كذلك، وقد ذكر ابن سعد في "الطبقات" (١) من قضاء دين رسول الله ﷺ وعداته (٢) بعد موته، وما قضاه الصديق لجابر وفاء لقول النبي ﷺ : "لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". وأشار بكفيه، فأمر الصديق، فأخذ بكفيه، فعدها خمس مائة، فأعطاه ألفًا وخمس مائة من مال البحرين. وقال بإسناده إلى جابر قال: "قضى علي بن أبي طالب دين رسول الله ﷺ ، وقضى أبو بكر عداته" (٣). ورُوي عن عبد الواحد بن أبي عون: "أن رسول الله ﷺ لما تُوفي، أمر عليّ صائحًا يصيح: مَن كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني، فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر مَن يصيح بذلك حتى تُوفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى تُوفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك فانقطع ذلك بعده. قال ابن أبي عون: فلا يأتي أحد من خلق الله إلى علي بحق ولا باطل إلا أعطاه" (٤). انتهى. ولم يرد في أمر هذا الشعير شيء، ولم يثبت أنه كان على النبي ﷺ ديون

стр. 705

وإنما هذه الآثار رواها ابن سعد، فقد تكون من قبيل العدات، وإن ثبت دين، فلا شك أنه لمصالح المسلمين، وإذا استدان الإمام الأعظم لمصالح المسلمين كان عليهم لا عليه، فإن قال أحد من المتفقهة: إن هذا يمشي فيما استدانه للجهات العامة، فإنه يقضي من مصارفها أو من بيت المال، أما الذي أخذه لأهله فليس كذلك، فإنه إن كان وكيلًا عنهم، فالوكيل تتعلق به العهدة والتصرف عليهم بالولاية العامة يستدعي الحجر وهم أهل رشد. فالجواب: أن النبي ﷺ الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو يتصرف عليهم بهذه الولاية التي ليست لغيره من الأمة، وليس في الحديث أن الدين كان عليه، بل فيه أن الشعير لأهله، ونتحقق نحن ذلك كما أنه ﷺ كان لا يدخر لنفسه شيئًا ويدخر لأهله قوت سنتهم (١)، وتأتيه الوفود والضيفان، فينفد ما عندهم، فيأخذ لهم ما يحتاجون إليه. * * *

стр. 706

قال: فصْل: [الرهن من جائز التصرف] ولا يصح الرهن إلا من جائز التصرف في المال؛ لأنه عقد على المال، فلا (١) يصح إلا من جائز التصرف في المال كالبيع. خرج بذلك الصبي، والمجنون، والمحجور عليه، فلا يصح رهنهم، وبقي شرط آخر لم يذكره هنا، وهو أن يكون من أهل التبرع، أو يكون رهنه على سبيل المصلحة والاحتياط، فلا يرهن الولي مال المحجور عليه، ولا يرتهن له إلا لضرورة أو غبطة ظاهرة. وقولنا: على سبيل المصلحة والاحتياط، هي شاملة للضرورة وللغبطة الظاهرة، فإن كلًّا من الضرورة والغبطة مصلحة. قال الأصحاب: لو اشترى الولي للطفل ما يساوي مائتين بمائة نسيئة، ورهن به ما يساوي مائة من ماله، جاز؛ لأنه إن لم يعرض تلف ففيه غبطة ظاهرة، وإن تلف المرهون كان في الذي اشتراه ما يجبره، فلو لم يرض البائع إلا برهن يزيد على مائة، فلا يجوز (٢)، وعن الشيخ أبي محمد في

стр. 707

العقار خاصة، الميل إلى تجويزه لكونه لا يتلف (١). قال الإمام: "وهو منقاس، لكنه خلاف المذهب، وإذا جوزنا البيع بالنسبة" (٢). قال صاحب "الحاوي": "إنما يجوز إذا كان المشتري ثقة موسرًا، ويكون الأجل قصيرًا، واختلف أصحابنا في تحديد الأجل الذي لا يجوز له الزيادة عليه، فحده بعضهم بالسنة، وامتنع سائرهم من تحديده، واعتبروا فيه عرف الناس، ويشترط أن يكون الرهن يفي بالثمن أو أكثر، وأن يشهد على المشتري، فإن أخل بشيء مما تقدم سوى الإشهاد، بطل البيع والرهن، وإن ترك الإشهاد، ففي بطلان البيع والرهن وجهان" (٣). قال صاحب "المستظهري": المذهب أن الأجل لا يتقدر بالسنة، ويرجع فيه إلى العرف على حسب المال. انتهى. وإذا كان الزمان زمان نهب أو حريق، وخاف الولي على مال الطفل والمحجور عليه، فله أن يشتري له عقارًا، ورهن بالثمن شيئًا من ماله إذا لم يتهيأ أداؤه في الحال، ولم يبع صاحب العقار عقاره إلا برهن؛ لأن الإيداع في مثل هذه الحالة جائز ممن لا يمتد النهب إلى يده فهذا أولى، ولو استقرض له شيئًا والحالة هذه ورهن به. قال الصيدلاني: لم يجز؛ لأنه يخاف التلف على ما يستقرضه خوفه على ما يرهنه (٤).

стр. 708

قال الرافعي: "وأنت بسبيل من أن تقول: إذا لم تجد مَن يأخذه وديعة، ووجد مَن يأخذه رهنًا، وكان المرهون أكثر قيمة من القرض، وجب أن يجوز له الرهن" (١) - أي: حفظًا لذلك القدر الزائد من قيمة المرهون. فإن صورة المسألة: إذا كان يأمن على المرهون في يد المرتهن ولا يأمن على ما يستقرضه، والحاجة داعية إلى ذلك للامتناع من أخذه وديعة. نعم، يحتمل أن يقال: إذا لم يكن على مَن يأخذه وديعة ضرر في قبوله، ينبغي أن يجب عليه صيانة لمال اليتيم، ويصير ذلك من فروض الكفايات، وحينئذٍ يتجه أن يقال: لا يصح الرهن، كما أطلقه الصيدلاني، فإن صح ما قاله الرافعي مطلقًا، فينتفي إذا كان على اليتيم دين، وحصل نهب يخاف معه على ماله، ولم يمكن إعطاؤه في الدين، وأمكن حفظه في يد صاحب الدين، ولم يَرْضَ بأخذه وديعة أن يجوز رهنه عنده رهن تبرع، أعني: غير مشروط في عقد، ولو كان ما يستقرضه لا يخشى على تلفه، وما يرهنه يخشى عليه لو لم يرهنه، فلا شك أن الرهن جائز. وكلام الصيدلاني محمول على ما إذا كان الخوف عليهما، ولو استقرض الولي لحاجته إلى نفقة، أو كسوة، أو وفاء دين، أو إصلاح ضياعه ومرمتها ارتقابًا لارتفاع غلاته، أو لحلول ماله من الدين المؤجل، أو لنفاق متاعه الكاسد، ورهن على ذلك، جائز، فإن لم يرتقب شيئًا من ذلك، فبيع ما يقدر رهنه أولى من الاستقراض. وحكى ابن كجٍّ: أنه لا يجوز رهن مال الطفل بحال من الأحوال (٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحجر بقية حكم ارتهان الولي، ولا فرق بين الطفل، والمجنون، والمحجور عليه بالسفه، ولا بين الأب، والجد،

стр. 709

والوصي، والحاكم، وأمينه، كلهم في ذلك سواء، إلا أن غير الأب والجد لا يتولى الطرفين، وهما يتوليانه حيث يجوز لهما الرهن أو الارتهان. وحكى الجوري: أن الجد لا يقوم مقام الأب في ذلك، واختاره، وإذا تولى الأب أو الجد الطرفين، فكيفية القبض كما في رهن الوديعة من المودع، وقصد الأب هنا نازل منزلة الإذن هناك، وحيث جاز للولي، فالشرط أن يرهن من أمين يجوز الإيداع منه. ومن صور المصلحة في الارتهان: أن يتعذر استيفاء دين الصبي، فيرتهن الولي به إلى تيسره، أو يكون دينه مؤجلًا بأن ورثه لذلك، أو بأن باع ماله نسيئة بالغبطة ولا يلتغي بيسار المشتري، بل لابد من الارتهان بالثمن، وفي "النهاية" رمز إلى خلاف في ذلك أخذًا من جواز إبضاع ماله، وصرح الإمام في باب تجارة الوصي بمال اليتيم: "أن الأصح الصحة" (١)، ولا تكاد تجد ذلك لغيره، وإذا ارتهن، جاز أن يرتهن بجميع الثمن. وفيه وجه: أنه لا بد أن يستوفي ما يساوي المبيع نقدًا، وإنما يرتهن ويؤجل الزائد، وستأتي المسألة في الكتاب في باب الحجر. ومنها: أن يقرض ماله أو يبيعه لضرورة نهب، ويرتهن به أو بالثمن. قال الصيدلاني: والأولى ألا يرتهن إذا كان المرهون مما يخاف تلفه؛ لأنه قد يتلف، ورفع الأمر إلى حاكم يرى سقوط الدين بتلف المرهون (٢)، هذا كلام جمهور الأصحاب، وهو يقتضي أن رهن الولي وارتهانه كلاهما جائزان بالمصلحة، ويوافقه ظاهر صدر كلام الشافعي في "مختصر المزني" (٣)، فإنه قال في الرهن: يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور

стр. 710

عليه ورهنهما عليه في النظر له، لكنه قال بعد ذلك: ومَن قلت: لا يجوز ارتهانه إلا فيما يفضل من ولي اليتيم، أو أب لابن طفل، أو مكاتب، أو عبد مأذون؛ لا يجوز أن يرهن شيئًا إلا حيث يجوز أن يودعوا من الضرورة (١) وهكذا قال في "الأم" (٢). وقال في البويطي: "لا يجوز أن يرهن الوصي مال اليتيم، ولا الأب مال ابنه، وإن ارتهن لهما جاز إذا كان يطرأ فيما يبيع لهما ويرتهن". انتهى. وهذه النصوص تدل على أنه يعتبر في الرهن الضرورة وفي الارتهان المصلحة، فأما أن يجمع بين كلام الشافعي والأصحاب، ويقال: إن المصلحة في الارتهان تظهر كثيرًا، وأما في الرهن، فقل أن يوجد في غير الضرورة؛ فلذلك جرت في كلام الشافعي، والصورة التي صدرنا بها الفصل وهي: إذا اشترى ما يساوي مائتين بمائة نسيئة، ورهن عليها ما يساوي مائة لا ضرورة فيها، والمصلحة فيها ظاهرة لا يظهر منعها، ولو سُئِل الشافعي عنها لما منعها فيما يظهر لنا وهي صورة نادرة، فلا يكون كلامه قاصدًا لمثلها، وإما أن يقدر خلاف. وقد قال الجوري: "كان ابن خيران يجيز لولي اليتيم، ومَنْ سُمِّي معه: أن يرهن رهنًا إذا اشترى ما في شرائه النظر له، وإن لم يكن ضرورة، وهو الصحيح عندي". انتهى. وهو يؤيد الاحتمال الثاني، وأن الخلاف ثابت، وأن الجوري فهم من إطلاق الشافعي المنع، ولا جَرَمَ نقل الجواز عن ابن خيران وصححه، ويكون هذا الذي قدمناه عن الجمهور وهو قول ابن خيران والدليل يعضده.

стр. 711

أما الرهن للضرورة، فلا خلاف أعلمه في صحته، إلا أني رأيت في "الإشراف" لابن المنذر: "إذا استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه، ورهن به رهنًا، فهو جائز في قول أصحاب الرأي، ولا يجوز في قول أبي ثور. وقال الشافعي مرة: يجوز، ومرة: لا يجوز" (١). انتهى. وهذا يقتضي أن للشافعي قولين في رهن الوصي مع الحاجة، وهو يؤيد الوجه الذي تقدم عن ابن كج، فليكن في رهن مال الطفل عند الضرورة قولان، وفي "تعليقة الشيخ أبي حامد" أن للأب والجد أن يبيعا من مال الطفل، وأن يبتاعا مالهما للطفل بنفسهما، وأن يبتاعا من ماله لنفسهما. ويرهنان من مالهما في حق الطفل، ويرتهنان من ماله في حقهما لفرط شفقتهما، فإن أرادا أن يرهنا ويرتهنا بتولي الطرفين حيث يجوز، فهو ما قدمناه، وإن أراد أنهما يرتهنان في دين لهما عليه فبعيد (٢)، فيتعين حمله على الأول، وقد صرح في "التتمة": أنه لو كان له على ولده الصغير دين، لم يجز أن يرتهن به شيئًا؛ إذ لا مصلحة للطفل وهذا أقوى، بل يتعين، وكذا الماوردي قال: "لو حصل لابنه عليه دين بلا رهن، جاز أن يأخذ له من نفسه رهنًا، ولو حصل له على ابنه دين بلا رهن، لم يجز أن يأخذ من ماله

стр. 712

رهنًا، فيستوي تصرفه في مال ابنه مع نفسه كما يستوي مع الأجانب" (١). وفي "التهذيب": "أن له بيع مال ولده من نفسه نسيئة بغير رهن" (٢)، وقاله الرافعي في باب الحجر (٣) تبعًا لصاحب "التهذيب". وقال ابن الرفعة: "إن صاحب التهذيب" أغرب فيه، وإنه حيث لا يجوز للولي ذلك مع الأجنبي لا يفعله الأب والجد في الولد وولد الولد". فرع أما المكاتب، فنصوص الشافعي التي رأيتها في "الأم" (٤)، و"المختصر" (٥)، والبويطي في باب الرهن وباب الكتابة، تدل على أنه كالولي حرفًا بحرف، يرتهن بالمصلحة ولا يرهن إلا لضرورة، وقال في الكتابة: "إن المكاتب لا يبيع بدين" (٦)، فاختلف الأصحاب في أنه هل يبيع بنسيئة ويرتهن، على وجهين؛ أحدهما: نعم كالولي. وقال الشيخ أبو حامد: إنه ظاهر كلام الشافعي. والثاني: لا؛ لأن الولي أبسط يدًا من المكاتب؛ لأن مصلحة الطفل قد تقتضي ذلك، ومال العبد متعلق حق السيد، فلا يقتحم خطرًا، وهو الذي أورده صاحب الكتابة في باب الكتابة. وقال الشيخ أبو حامد: "إن الشافعي نص في "الأم" على أن المكاتب يبيع نساء، قال: ويأخذ بأجل الرهن". انتهى.

стр. 713

وهذا هو الظاهر؛ لأن للمكاتب تنمية ماله، فله التصرف فيه بما فيه تنمية على وجه لا غرر فيه؛ لأن القرض كذلك، ثم ها هنا كلامان؛ أحدهما: أن يلتغي بما قلناه. يقول: إن جوزنا البيع نسيئة بالغبطة، فهو كالولي في رهنه وارتهانه كما سبق من التفصيل، وإن لم يجوز امتنع الرهن، وكذا الارتهان فيما يباع نسيئة لامتناعه، ولا يمتنع الارتهان في غيره من سائر صور المصلحة التي تقدم تفصيلها، بلى ولا في بعض أنواع البيع نسيئة، وهو أن يبيع ما يساوي مائة بمائة نقدًا، ومائة نسيئة، فإنه يجوز كما جزم به الرافعي (١) وغيره (٢)، فإذا أخذ في هذه الصورة رهنًا بالمائة النسيئة لم يمتنع. والثاني: أن الإمام (٣)، والغزالي (٤)، والرافعي (٥)، قالوا في هذا الباب أن رهن المكاتب وارتهانه جائزان بشرط النظر والمصلحة كالولي. قال الرافعي: "ومنهم مَن قال: لا يجوز الرهن استقلالًا وبإذن السيد قولان بناء على أن الرهن تبرع وتفصيل صور الارتهان كما في الولي. وفيه وجه: أنه لا يجوز الاستقلال بالبيع نسيئة بحال، وبإذن السيد على الخلاف في تبرعه" (٦). وقال في باب الكتابة: "أن المكاتب لا يبيع بنسيئة استوثق بالرهن أم لا، ولو اشترى نسيئة بثمن نقد يجوز ولا يرهن وبثمن نسيئة" (٧).

стр. 714

قال البغوي: لا يجوز، وفي "جمع الجوامع" أنه يجوز؛ إذ لا غبن. قال الرافعي: "وقد ذكرنا في كتاب الرهن أن بعضهم سَوَّى بينه وبين الولي في البيع نسيئة، وفي الرهن والارتهان. وألحق الغزالي هناك المكاتب بالولي في جواز الرهن، لكن الذي أطلقه عامة الأصحاب وأورده هنا المنع، ويشبه أن يتوسط فيقال: إن دعت ضرورة إلى البيع والرهن كما في وقت النهب، فله ذلك حفظاً للمال، وإن كان يرى فيه مصلحة، لم يمكّن منه" (١). انتهى. والذي ذكره الغزالي في "الوجيز" في الكتابة: "ألا يبيع نسيئة" (٢)، ولم يتعرض للرهن، فمقصود الرافعي الرهن والارتهان في الشراء والبيع نسيئة، وإن إطلاق عامة الأصحاب منعه، وبعضهم جوازه، وهما الوجهان اللذان قدمناهما، وتوسط الرافعي الذي ذكره هنا. أما إذا لم يجز بيعُ نسيئة وأراد المكاتب أن يرتهن لشيء من المصالح المتقدمة لعسر استيفاء الحق ونحوه، فلا منع منه، وكذا إذا جرى بيع نسيئة على وجه الجواز كالصورة التي قدمناها أن يبيع ما يساوي مائة بمائة نقدًا، ومائة نسيئة ويرتهن عليه، ولم يتضمن كلام الرافعي المنع من هاتين الصورتين، بل ولا الرهن في غير البيع نسيئة إذا دعت إليه ضرورة، وإنما كلامه في البيع نسيئة، ولم يتعرض للرهن والارتهان في غيره في باب الكتابة، وإطلاقه في باب الرهن جوازهما، وبهذا يتبين أنه لا تناقض بين كلامي الرافعي إلا في كونه جعل البيع نسيئة في باب الكتابة ممتنعًا عند عامة الأصحاب، وفي باب الرهن على وجه مشير إلى أن الأصح خلافه،

стр. 715

وقد بينا أن الشيخ أبا حامد نقله عن نص الشافعي، وأنه الظاهر إذا تحققت الغبطة، وممن قال به الماوردي. وقال البندنيجي: "أن المذهب جواز البيع بثمن مؤجل" (١). وقال القاضي حسين: "يجوز أن يشتري إلى أجل بما يساويه حالًا، وأن يبيع ما يساوي عشرة بعشرين إلى أجل، ويأخذ على ذلك رهنًا" (٢)، وقد قدمنا عن "جمع الجوامع": جواز أن يشتري نسيئة بما يساويه نسيئة، وبما ذكرناه يُعلم أن الراجح جواز الارتهان. أما الرهن، فقد أطلق في "المهذب" و "التنبيه" (٣) أنه لا يرهن، وحمله ابن الرفعة على ما إذا لم تَدْعُ حاجة، أما إذا دعت حاجة إلى الرهن، فيجوز أن يرهن كما يرهن ولي اليتيم. قال: "صرح به الماوردي" (٤)، ومن الصور التي يجوز ارتهان المكاتب فيها بلا خلاف، إذا كان له دين قديم مؤجل، أو حالٌّ وتعذر أخذه، أو مستحدث عن قرض، حيث يجوز للولي الإقراض، وكل هذا إذا كان بغير إذن السيد، فإن كان بإذنه جاز، إلا إذا منعنا تبرع المكاتب ولو بالإذن، وينبغي أن يحمل قول الرافعي: "إن دعت ضرورة إلى البيع والرهن" (٥)، على أن المعنى إلى البيع ويرهن، أو الشراء ويرهن، ولا يظهر أثر هذا الخلاف إلا في الصورة النادرة التي ابتدأنا بها، وقلنا: إنها جائزة للولي على قول الجمهور، ومقتضى إطلاق الشيخ أبي حامد ومَنْ وافقه: جوازها

стр. 716

للمكاتب أيضًا، ومقتضى قول الرافعي عن عامة الأصحاب المنع. وقال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ قوله من أهل العلم على أن للمكاتب أن يرتهن بما فيه له صلاح، واختلفوا في المكاتب يرهن. فقال مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: رهنه جائز. وقال الشافعي: لا يجوز" (١). فرع أما العبد المأذون، فذكره الشافعي مع المكاتب وسَوَّى بينهما. وقال الأصحاب: إن دفع إليه السيد مالًا ليتجر فيه، فهو كالمكاتب إلا من وجهين؛ أحدهما: أن رهنه أولى بالمنع؛ لأن الرهن ليس من عقود التجارات. والثاني: أن له البيع نسيئة بإذن السيد قطعًا، وإن لم يدفع إليه مالًا، ولكن قال: أَتَّجِرُ بِجَاهِكَ، فله البيع والشراء في الذمة حالًّا ومؤجلًا، وكذا الرهن والارتهان، فإن فضل في يده مال كان كما لو دفع إليه مالًا (٢). فرع إذا أذن الولي للسفيه في قبول الرهن، حيث يجوز للولي، فهو أولى من البيع بالصحة. وأما بغير إذن الولي هل له قبول الرهن؟ قال ابن الرفعة: قضية قول الأصحاب: أنه تبرع أن يخرج على الخلاف في قبول الهبة؛ لأن فيه مصلحة إذا استرهن (٣) على دين بسبب إتلاف ونحوه، لكن قال في "الأم": "لا يجوز رهن المحجور عليه" (٤).

стр. 717

قلت: هذا في الرهن وهو صحيح. أما الارتهان؛ فيحتمل: أن يكون كالهبة. ويحتمل: أن يمتنع لاحتمال أن يتلف ويرفعه إلى حاكم يرى سقوط الدين بسببه. وقد قال الجوري: قال بعض أصحابنا: ارتهان المحجور عليه لسفه جائز إذا كان بحق -تقدم قبل الحجر؛ لأن الرهن زيادة بلا عوض، فلا حجر فيه. فرع في "المرشد" أن الولي لو باع ما يساوي مائة بمائة نقدًا وعشرين نسيئة من غير رهن، جاز، وحيث اشترطنا الرهن لا يقوم الكفيل مقامه، ويجوز لولي اليتيم أن يشتري له نسيئة إذا كان في شرائه مصلحة، قاله الغزالي. فرع قال الشافعي في كتاب الرهن من "المختصر": "يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه، ورهنهما عليه في النظر له، وذلك أن يبيعا فيفضلا ويرتهنا، فأما أن يسلفا ويرتهنا فهما ضامنان؛ لأنه لا فضل له في السلف" (١)، وهذا تصريح بأن الحاكم لا يقرض مال اليتيم. وأطلق كثير من الأصحاب: أن الولي لا يقرض مال المحجور عليه إلا لضرورة، وهو موافق لكلام الشافعي، وأخذ بهذا جماعة، فقالوا: لا يجوز للحاكم، ولا للأب، ولا لغيرهما إقراض مال الطفل إلا لضرورة (٢). وقال أبو سعد الهروي: إنه المذهب.

стр. 718

وقال صاحب "التلخيص": يجوز للأب والحاكم، ولا يجوز لغيرهما إلا لضرورة. وقال البغوي (١)، والرافعي (٢): لا يجوز لغير الحاكم إلا لضرورة، ويجوز للحاكم وإن لم يعرض شيء من ذلك، يعني: من نهب، أو حريق، أو إرادة سفر لكثرة أشغاله؛ ونسب ابن الرفعة هذا إلى الجمهور (٣)، وممن أطلق المنع إلا لضرورة، صاحب الكتاب كما سنقف عليه في باب الحجر، والشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، والجرجاني، والمحاملي والعمراني (٤)، والروياني في "الحلية"، والفوراني في "العمد"، وصاحب "العدة"، والمتولي، والقاضي حسين، والإمام، والغزالي، وغيرهم (٥)، وهذا هو الصحيح نقلًا لما ذكرناه، ودليلًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ولم أَرَ خلاف ذلك إلا لصاحب "التلخيص" أنه يجوز للأب والقاضي دون غيرهما. وقال القاضي أبو سعد: إنه غريب غير معروف في كتب أصحابنا، وأما تجويزه للقاضي دون الأب وغيره، فلم أره إلا في "التهذيب" والرافعي، ونقل الرافعي في كتاب القضاء على الغائب عن صاحب "التلخيص": أن للقاضي إقراض مال الغائب، قال: وهو موافق لما مرَّ في باب الحجر: أن له أن يقرض مال الصبي، لكن ذكرنا هناك: إن عين القاضي أبًا كان أو غيره، لا يقرض مال الصبي إلا لضرورة، وعن صاحب "التلخيص": أنه

стр. 719

جوز للأب ما جوزه للقاضي، فهذا وجه آخر (١). انتهى. والصحيح: أن القاضي لا يقرض مال الغائب أيضًا، وإنما قال به صاحب "التلخيص"، وأنا أخشى أن يكون الفرق بين القاضي والأب في مال الصبي غير منقول؛ لأنه لم يثبت لنا عن أحدٍ معين من أصحاب الوجوه غير صاحب "التلخيص"، نص على الجواز لا في هذا ولا في هذا، فيحتمل: أن يكون نقل عنه الجواز في القاضي، وسكت الناقل عما سواه، وهو نقل صحيح، فاستثنى البغوي القاضي من إطلاق الأصحاب مستندًا له. ويحتمل: أنه اطلع على نقل صريح عن غيره، وبالجملة الصحيح المنع، ومَنْ قال بالجواز يعلل في الأب بوفور شفقته، وعلو منصبه في الولاية، وفي القاضي بكثرة أشغاله واتساع أموال الأيتام تحت نظره، وكنت أظن أن مَنْ قال بجواز الإقراض له مأخذه أنه لاتساع ولايته لا يمكنه الحفظ بنفسه؛ فيحتاج إلى الإيداع عند غيره، وحيث جاز الإيداع جاز الإقراض، وحينئذٍ لا يأتي في ذلك خلاف، لكن الذي ينبغي أنه لا يجوز للقاضي الإيداع إلا لضرورة، وأعني بالإيداع: أن يسلم مال اليتيم لِمَنْ يحفظه منفردًا باليد فيه، وإنما يفعل هذا عند الضرورة، وفيما سواها يجب حفظها في المودع العام الذي لا ينفرد به شخص معين، بل جماعة مع شمول نظر القاضي له، فإن الثقة حينئذٍ تكون أكثر، ومتى انفرد شخص باليد في نفيه من غير إشراف عليه، تطرقت إليه التهمة، وربما سولت له نفسه، فالقاضي في الإيداع عند شخص خاص كغيره من الأولياء لا يجوز إلا لضرورة، وعندها يجوز الإقراض، ولا يجوز فيما سواها، وينبغي التحذير من ذلك وإشهار هذه المسألة صيانة لأموال الأيتام، فإنه قد اغتر جماعة بجواز الإقراض من غير

стр. 720

ضرورة، وحصل بذلك ضياع أموال الأيتام. ثم إن الأصحاب حيث جوزوا الإقراض للحاجة، صرحوا بأن محله إذا لم يمكن أن يشتري به عقارًا أو يتجر فيه، ومتى أمكن ذلك، فلا حاجة إلى الإقراض فلا يجوز، فَمَنْ أقرض في هذا الزمان إمكان ذلك أو عدم الضرورة، كان خائنًا ضامنًا، وإنما يجوز الإقراض إذا لم يمكن شراء عقار ولا متحريًا مَنْ فيه وعرض نهب، أو حريق، أو سفر يخاف عليه فيه، وكان المستقرض مليئًا ثقة، فعند اجتماع هذه الشروط يجوز، ولا فرق في ذلك بين القاضي والأب وغيرهما، وإذا جاز القرض بهذه الشروط، فإن رأى المصلحة في أخذ الرهن به أخذه، وإلا أقرض بغير رهن، كذا قال المتولي، والبغوي (١)، والرافعي (٢)، وحكاه الماوردي عن بعض الأصحاب، وقال: إنه غير صحيح، وأن الرهن شرط. ولنا وجه: أنه لا يجوز القرض في حال النهب والحريق، وإنما يجوز لإرادة السفر، وهو ظاهر كلام "التنبيه" (٣)، لكن الصحيح خلافه، ومحل هذا الفرع كتاب الحجر، ولكنا قدمناه لنص الشافعي هنا وتعجيلاً لهذه الفائدة. وقد زاد ابن الرفعة فقال: إذا جاز له ذلك، جاز له تأخير استيفاء دين الطفل عند مَنْ يجوز إقراضه له، ويأخذ عليه رهنًا مع إمكان الاستيفاء، وجعل هذه الحالة مستثناة من قول الغزالي: "أن ارتهانه يجوز عند العجز عن استيفاء الدين، ولا يجوز مع القدرة" (٤)، ولا شك أن الذي قاله ابن الرفعة لازم لجواز الإقراض، فهو فرع عن أصل فاسد. والصواب: أن كلام الغزالي على إطلاقه؛ ولهذا إن الأصحاب يقولون:

стр. 721

لا يسلم المبيع ويبقى الثمن في ذمة المشتري، بل يجعل إطلاق الأصحاب لذلك، وإطلاق الغزالي منع الارتهان عند القدرة على الاستيفاء دليلًا؛ لأنهم لا يجوزون القرض. فرع إبضاع مال اليتيم للتجارة، قال الغزالي: "إنه جائز لأجل الزيادة، بخلاف الإقراض، فإنه يحرم فيه الزيادة" (١)، وقد تقدم في كلام الإمام جوازه. وقال هنا: "قد ذكرنا في تجارة الوصي في مال اليتيم أن ذلك جائز" (٢) -يعني: الإبضاع- وكان قال في ذلك الباب: أن المسافرة بمال اليتيم إن كان خوف امتنعت، وإن غلب الأمن، فإن كان في البر فوجهان؛ أظهرهما: الجواز. والثاني: لا كالوديعة، والبحر إذا غلب الأمن فيه قطع معظم الأصحاب بالمنع. وقيل: إن أوجبنا ركوبه للحج جاز، وإلا فلا، وقد صح أن عائشة أبضعت بأموال بني محمد بن أبي بكر في "البحر"، ومَن منع ذلك تعب في تأويله، وأقرب مسلك أنها أمرت بذلك والممر على الساحل الذي لا يتوقع فيه غرر، فهو كالبر. وقيل: لعلها فعلت ذلك بشرط الضمان، وهذا بعيدٌ، فإن ما يضمن فهو ممنوع. والأول أن يقال: رأت ذلك رأيًا والمسألة مظنونة. انتهى (٣).

стр. 722

وقال الشافعي: "إذا كان الرجل وصيًّا كان أحب إليَّ أن يتجر لهم، قد اتجر عمر بمال يتيم كان يليه، وكانت عائشة تبضع بأموال بني محمد بن أبي بكر وهم أيتام في البحر وتليهم وتؤدي منها الزكاة" (١). انتهى. وجعل ابن الرفعة هذا النص شاهدًا لجواز إبضاعه، ثم قال: ومن القياس المذكور يعني: قياس الإمام والغزالي البيع نسيئة على الإبضاع يوجد اشتراط الثقة في المبيع عليه؛ لأن إبضاع مال اليتيم لا يجوز إلا من ثقة. انتهى. واشتراط الثقة في البيع نسيئة ينبغي أن يكون متفقًا عليه؛ لأنهم اشترطوه في القرض، وأما قياس الإمام البيع نسيئة على الإبضاع، فاعلم أن المفهوم من الإبضاع أن يعطي البضاعة لِمَن يتجر فيها، وتكون الفائدة لرب المال والعامل لا شيء له ولا يزيد على الوكيل والبضاعة باقية على ملك رب المال لا يملك العامل شيئًا من الأصل ولا من الربح، وإذا كان كذلك ظهر الفرق، فإنه بالبيع يزيل ملك اليتيم، وبالإبضاع لا يزيله، وإنما استناب مَن يده كيده، فيما يجوز له فعله من التجارة، وإنما جاء الإشكال في أثر عائشة من جهة سفر البحر، فالإبضاع من حيث الجملة لا شك في جوازه، ولا يحتاج أن يستشهد عليه بنص الشافعي المذكور، كما فعل ابن الرفعة، وكان ظن أنه مختلف فيه وليس كذلك، فإن قلت: الإبضاع فيه إفراد بالعامل، فكان كالإيداع فتمنع. قلت: احتمل ذلك لما فيه من تحصيل الفائدة لليتيم بخلاف الإيداع، وأيضًا الولي راقب العامل فيما في يده كل وقت ويشرف عليه، فكأنه لم ينفرد باليد، وإنما هو وكيل في التصرف، فكان كالوكيل في إيصاله إلى

стр. 723

مكان آخر يجوز للولي نقله إليه، فإنه يجوز أن يبعثه مع أمين، فإن قلت: قول الغزالي: "يجوز الإبضاع؛ لأجل الزيادة بخلاف القرض" (١). يشعر بأن العامل يملكه، وأنه إنما يفارق القرض في الزيادة. قلت: اشترك الإبضاع والقرض في إخراجه عند اليد؛ فلذلك فرق بينهما؛ يعني أنه احتمل خروجه عن اليد في الإبضاع، ولم يحتمل في القرض لأجل الزيادة، ولو قلنا: إن العامل يملك المال الذي أبضع معه، ويجب عليه رد مثله مع الربح، لم يكن له نظير ولا عليه دليل. * * *

стр. 724

قال: فصْل: [في المأخوذ به الرهن] ويجوز أخذ الرهن على دين السلم وعوض القرض؛ للآية والخبر، ويجوز على الثمن والأجرة والصداق وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية وغرامة المتلف؛ لأنه دين لازم، فجاز أخذ الرهن عليه كدين السلم وبدل القرض. الرهن على دين السلم ثابت بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢، ٢٨٣] بناء على تفسيرها بالسلم والرهن على عوض القرض ثابت بخبر أنس المتقدم في هذا الباب، فهذا مراد المصنف بالآية والخبر، أي: يجوز في السلم بالآية، وفي القرض بالخبر، فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ. واعلم أن من الناس مَن لا يفسر الآية بالسلم، ولكن يقول هو داخل فيها، فعلى هذا يصح الاستدلال بها أيضًا على جواز الرهن على دين السلم؛ لأنه أخذ ما دلت عليه، لكنها تصير دليلًا على الثمن أيضًا، فلما كانت دلالتها على ذلك محتملة لأجل الاختلاف في تفسيرها ودلالتها على السلم محققة؛ لأنه إما المراد وإما بعض المراد، فهو مشمول بالحكم على

стр. 725

التقديرين لا جَرَم اقتصر المصنف على الاستدلال عليه بالآية، وجعل الدليل على الثمن وما ذكر معه بالقياس. وأما استدلاله على الرهن في القرض بالخبر، فمبنيٌّ على أن الشعير الذي أخذه النبي ﷺ كان قرضًا، ولفظ حديث أنس: "أَخَذَ" (١) وهو محتمل لذلك، ويؤيده ما رُوي في حديثه وحديث ابن عباس: أن الدرع كان مرهونًا بالشعير (٢)، وهو ظاهر في القرض؛ ولذلك في بعض روايات عائشة، لكن في روايتها في "الصحيحين": "اشْتَرَى" (٣) كما قدمناه، فإن كانت الواقعة واحدة، فحديثها مبين لبقية الأحاديث، ولا يبقى فيه دلالة بالنص على الرهن في القرض، بل في الثمن، وإن كانت الواقعة متعددة أمكن، لكن الأصل والظاهر عدم تعددها، فمن هنا تقف الدلالة، بل هو دليل على الرهن في أحدهما، إما القرض وإما الثمن، ويكون الآخر مع بقية المسائل بالقياس، وأخذ الرهن على دين السلم، قال بجوازه أكثر العلماء، منهم: عطاء (٤)، ومجاهد، والشعبي (٥)، وعمرو بن دينار، وابن سيرين (٦)، ومقسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ورُوي كراهيته عن علي بن أبي طالب (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور (٩).

стр. 726

والمراد بالكراهة: عدم الجواز، وتمسكوا بأن الرهن في الثمن دون المثمن، والآية ترد على ذلك؛ إما بالتنصيص أو بالعموم، وأخذ الحميل في دين السلم كالرهن فيه على هذا الخلاف. وقد ذكر الشافعي ﵀ الرهن وَالْحَمِيل في السلم، ثم قال: "وما كتبت ما كتبت من الآثار بعدما كتبت من القرآن، والسنة، والإجماع، ليس لأن شيئًا من هذا يزيد سنة رسول الله صلى الله عليه قوة، ولا لو خالفها ولم يحفظ معها يوهنها، بل هي التي قطع الله بها العذر، ولكنا رجونا في الثواب في إرشاد مَن سمع ما كتبنا، فإن فيما كتبنا بعض ما يشرح قلوبهم لقبوله، ولو تنحت عنهم الغفلة لكانوا مثلنا في الاستغناء بكتاب الله ، ثم سنة نبيه ﷺ ، وما احتاجوا إذا أمر الله بالرهن في الدين أن يقول قائل: هو جائز في السلف؛ لأن أكثر ما في السلف أن يكون دينًا مضمونًا" (١). انتهى. ولك أن تنتصر للمصنف في استدلاله بالخبر للقرض، وبقول حديث عائشة في طعام، وكثيرًا ما يطلق على القمح، وليس فيه أنه رهن الدرع به، فيحمل أنه رهن بثمنه، وقد صرحت بالشراء (٢). وفي حديث أنس أنه كان رهنًا بالشعير (٣) وليس فيه لفظ الشراء، فيكونان واقعتين، ويصح الاستدلال، لكنه يصير الثمن أيضًا منصوصًا عليه وهو جعله بالقياس، وقد جمعت الأمثلة التي ذكرها المصنف وتعليله الدَّيْنِيَّةِ واللزوم، وعند اجتماعهما لا خلاف في صحة الرهن حالًّا كان الدين أو مؤجلًا، وإن انتفى واحد منهما فسيأتي حكمه في كلامه، والمقصود هنا من جواز أخذ الرهن

стр. 727

على الثمن إذا كان بعد انقضاء الخيار؛ ولذلك جميع ما معه مما فيه خيار، ويشير إليه تعليله باللزوم، أما قبل انقضاء الخيار، فسيأتي. وذكر بعضهم قيودًا زائدة على ما أشار إليه المصنف، وجعل الضابط كل دين لازم في الذمة معلوم يمكن استيفاؤه من غير الرهن؛ لأن العلم بمقدار الدين وصفته ينبغي أن يكون شرطًا في الرهن على الجديد كما هو شرط في الضمان والقيد الأخير احتراز عن العمل في الإجارة إذا اشترط أن يعمل بنفسه، فإنه كالمعين لا يجوز الرهن عليه، وفي العمل الذي في الذمة على وجه سيأتي، وقد يتوقف فيما قاله من القيد الأخير من جهة قول الأصحاب أن هذه إجارة عين، ولعله يقول: إنها ليست إجارة عين من كل وجهٍ كالمنافع التي لا تعلق لها بالذمة إلا من جهة وجوب التسليم، وهذه متعلقة بالذمة وإن أوجبنا عليه أن تعمل بنفسه وسنعيد الكلام في هذا. وأما القيد الأول، فقد رأيت من نص الشافعي ما يشهد له. قال في "الأم" في الرهن الفاسد من كتاب الرهون الكبير: "وإذا دفع الرجل إلى الرجل المتاع، ثم قال: كل ما اشتريت منك أو اشترى منك فلان في يومين أو سنتين أو أكثر أو على الأبد، فهذا المتاع مرهون به، فالرهن مفسوخ، ولا يجوز الرهن حتى يكون معلومًا وبحق معلوم؛ ولذلك لو دفعه إليه رهنًا بعشرة عن نفسه أو غيره، ثم قال: كل ما كان لك عليَّ من حق، فهذا المتاع مرهون به مع العشرة، أو كل ما صار لك عليَّ من حق، فهذا مرهون لك به؛ كان رهنًا بالعشرة المعلومة التي قبض عليها، ولم يكن مرهونًا بما صار له عليه وعلى فلان؛ لأنه كان غير معلوم" (١) انتهى. وصرح به المتولي، فشرط أن يكون الدين الذي يرهن به معلومًا حتى لو

стр. 728

قال: رهنت هذا الثوب بالدين الذي لك عليَّ وهو لا يعرف قدره، أو قال: هذا الثوب بقدر قيمته لم يصح. انتهى. واعتبر المتولي أن يكون الدين معلوم الوجوب حتى لو كان يتوهم أنه له عليه دينًا، فارتهن به مالًا حتى إن ظهر الوجوب كان رهنًا، لم يصح العقد؛ لأن الرهن للتوثق، وما لا يعلم وجوبه لا يطالب به، فلا معنى لتوثيقه، قال: فعلى هذا لو باع مالًا من إنسان، ثم رهن عنده بالدرك رهنًا حتى إذا خرج مستحقًّا وانتزع من يده، كان المال رهنًا بالثمن لم يَصِحَّ، وبفارق ضمان الدرك؛ لأنه لا يتضمن مضرة. انتهى كلام المتولي. وما ذكره في صدر كلامه من اعتبار العلم بوجوب الدين قد يرد عليه إذا جوزنا رهن مال أبيه على ظن أنه حي فإذا هو ميت، فقياسه أن يصح إذا رهنه بدين يعتقد عدم وجوبه قبان وجوبه، والظاهر أن المتولي ما أراد إلا ما في آخر كلامه من الرهن بالعهدة وهو صحيح. وقد قال الشيخ أبو حامد، والإمام الغزالي، وغيرهم، أن كل ما صح الرهن به صح ضمانه، وما لا، فلا، إلا أنها مسألة واحدة؛ وهي ضمان العهدة يصح على المذهب ولا يصح الرهن به. وأما على تخريج ابن سريج أن ضمان العهدة لا يصح،، فالقاعدة مستمرة طردًا وعكسًا، وأما "أَلْقِ متاعك في البحر وعليَّ ضمانه"، فليس حقيقته حقيقة الضمان، فلا يحتاج إلى استثنائه، والمراد ضمان الذمة، أما كفالة البدن والأعيان المغصوبة، وكل عين مضمونة إذا ضمن ردها، فيصح على الصحيح، ولا يجوز الرهن بها، واستدل لاشتراط الدَّيْنِية في المرهون به وأنه لا يجوز على الأعيان، بقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] دل النص على جوازه في الدين والأعيان، ليست في معنى الدَّين، وكذا لا

стр. 729

يجوز الرهن بالعين المستعارة والمقبوضة على جهة السوم والمضمونة بالعقد، كالمبيع، وكذا المنفعة إذا وردت الإجارة على العين، ولا يبذل مَن عليه قصاص أو حد قذف؛ لأنه لا يمكن استيفاء هذه الأعيان من ثمن المرهون، والفرق بين ضمان الأعيان، حيث يصح على أحد الوجهين، والرهن بها أن الضمان يتعلق بالذمة، ولا حجر بسببه في شيء، بل غايته ضمان القيمة عند التلف على وجه الرهن فيه حجر دائم في المرهون، فلو صححناه على الأعيان لارتقاب أن تتلف يومًا من الدهر، فيباع في قيمتها؛ لعظم الضرر بالحجر على الشخص في ملكه لا إلى غاية بخلاف الذمة لا ضرر فيها، فهذه مراتب ثلاث؛ إحداها: الدين يجوز ضمانه والرهن به قطعًا. الثاني: العهدة، المذهب امتناع الرهن بها. وقال القفال: يجوز، والمذهب جواز ضمانها، وخَرَّج ابن سريج المنع. الثالث: ضمان الأعيان، إن ضمن ردها صح في الأصح، وإن ضمن قيمتها لو تلفت لم يصح في الأصح، ويشبه أن يكون إطلاق المانعين منزلًا على الثاني ولو أطلق الضامن ضمان العين، فينبغي أن ينزل على الثاني، فإنه حقيقة اللفظ وضمان العهدة في الحقيقة ضمان عين، والتزام أنه إذا خرج المبيع مستحقًّا رد ما قبضه البائع من الثمن بعينه إن كان باقيًا وبدله إن كان تالفًا، فكأنه استثنى من ضمان الأعيان للحاجة، وهذا في الأعيان المضمونة. أما الأمانات إذا لم يحصل فيها خيانة، فلا ضمان فيها ولا مدخل للرهن في الأمانات، كما لا مدخل للضمان فيها. نعم، من الأمانات ما يجب ردها وهي الأمانات الشرعية، والعين

стр. 730

المستأجرة بعد انقضاء المدة على ما قاله صاحب "التنبيه"، فلو ضمن ضامن ردها ينبغي أن يجري فيه الخلاف، ولم أرهم ذكروه، ويتبع القول بالضمان فيها الخلاف في الرهن عليها. فرع حدث في الأعصار القريبة وقف كتب يشترط الواقف أن (١) تعار إلا برهن، أو لا تخرج من مكان تحبيسها إلا برهن، أو لا تخرج أصلًا، والذي أقول في هذا: أن الرهن لا يصح بها؛ لأنها عين مأمونة في يد موقوف عليه، ولا يقال لها عارية أيضًا، بل الآخذ لها إذا كان من أهل الوقف مستحق للانتفاع ويده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، وإن اعطاه كان رهنًا فاسدًا، ويكون في يد خازن الكتب أمانة؛ لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها، والرهن أمانة، هذا إذا أريد الرهن الشرعي، وإن أريد مدلوله لغة، وأن يكون تذكرة فيصح الشرط؛ لأنه عرض صحيح، وإذا لم يعلم مراد الواقف. فيحتمل أن يقال بالبطلان في الشرط المذكور؛ حملًا على المعنى الشرعي، ويحتمل أن يقال بالصحة حملًا على اللغوي، وهو الأقرب تصحيحًا للكلام ما أمكن، فإذا قال: لا تخرج إلا برهن، وحملنا الرهن على المعنى اللغوي؛ صح الشرط وجاز إخراجها به، ولم يجز بدونه، وإن حملناه على المعنى الشرعي لم يجز إخراجها به؛ لتعذره ولا بدونه، إما لأنه خلاف شرط الواقف، وإما لفساد الاستثناء، فكأنه قال: لا يخرج مطلقًا، ولو قال ذلك صح؛ لأنه شرط فيه عرض صحيح؛ لأن إخراجها مظنة ضياعها، بل يجب على ناظر الوقف أن يمكن كل مَن يقصد الانتفاع بتلك الكتب في مكانها، وفي بعض الأوقات يقول: لا تخرج إلا

стр. 731

بتذكره. وهذا لا بأس به ولا وجه لبطلانه، وهو كما حملنا عليه قوله: "إلا برهن" في المدلول اللغوي فيصح، ويكون المقصود أن تجويز الواقف الانتفاع لِمَن يخرج مشروط بأن يضع في خزانة الكتب ما يتذكر هو به إعادة الموقوف، ويتذكر الخازن به مطالبته، فينبغي أن يصح هذا، ومتى أخذه على غير هذا الوجه، فقد أخذه على غير الوجه الذي شرطه الواقف فيمتنع، ولا نقول بأن تلك التذكرة تبقى رهنًا، بل له أن يأخذها، وإذا أخذها طالبه الخازن برد الكتاب، ويجب عليه أن يرده أيضًا بغير طلب، ولا يبعد أن يحمل قول الواقف الرهن على هذا المعنى حتى يصحح إذا ذكره بلفظ الرهن تنزيلًا للفظه على الصحة ما أمكن، وحينئذٍ يجوز إخراجه بالشرط المذكور، ويمتنع بغيره، ولكن لا تثبت له أحكام الرهن ولا يستحق بيعه ولا بدل الكتاب الموقوف إذا تلف بغير تفريط، ولو تلف بتفريط ضمنه ولكن لا يتعين ذلك المرهون أو فاته، ولا يمتنع على صاحبه التصرف فيه، هذا الذي ظهر لي في ذلك، ومما تنبه له أنَّا حيث قلنا: لا يجوز إخراجها برهن ولا بدونه، فأخرجها برهن صح الرهن بناء على صحته بالأعيان المضمونة؛ لأن الكتاب بالإخراج، حيث لا يجوز صار مضمونًا، لكن بشرط أن يكون القابل للرهن له أهلية القبول، فإن فرض أنه المخرج، فقد شارك في الضمان، وربما انعزل بذلك عن أهلية النظر وقبول الرهن، وما أحسن قول الغزالي: "الرهن وثيقة دين في عين" (١). * * *

стр. 732

فرع يجوز لزيد أن يرهن عند عمرو رهنًا بدين لعمرو على خالد، ولا يحتاج أن يعيره لخالد حتى يتولى الرهن بنفسه كما اقتضاه النص الذي حكيناه عن "الأم" في هذا الفصل، وصَرَّح به بعض الأصحاب المتولي وغيره، سواء كان بإذنه أم بغير إذنه، وممن صرح به البغوي، وقال: "إذا كان بغير إذنه هو تطوع، فلو بيع في الدين لا رجوع له على المديون كما لو قضى دينه بغير إذنه" (١). فرع قال الروياني: "لو تزوج العبد امرأة بألفٍ بإذن سيده، ثم ضمن السيد هذا الألف عن عبده وأعطاها العبد نفسه رهنًا بالألف، لا يجوز؛ لأن أصل الدين مضمون عن العبد، فلم يجز أن يجعله رهنًا فيه؛ لأن الوثيقة عين الموثق فيه، ونظيره من الضمان، أن يضمن زيد عن عمرو ألفًا، ثم يضمنها عمرو عن زيد" (٢). قلت: وفيما قاله نظر؛ لأن المضمون المميز وهو في كسب العبد وفي يده من مال تجارة إن كان، وإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا ففي ذمته، وفي قول على السيد، فعلى كل تقدير لا تعلق له بالرقبة، والمرهون هو الرقبة، فلا وجه لمنعه ولا للتنظير المذكور. * * *

стр. 733

قال: ولا يجوز أخذه على دين الكتابة؛ لأن الرهن إنما جعل ليحفظ عوض ما زال [ملكه عنه] (١) من مال، ومنفعة، وعضو، والمعوض في الكتابة هو الرقبة، وهي باقية على ملكه لا يزول ملكه عنه (٢) إلا بالأداء، فلا حاجة به إلى الرهن؛ ولأن الرهن إنما يعقد لتوثيق الدين حتى لا يبطل، والمكاتب يملك أن يبطل الدين بالفسخ إذا شاء، فلا يصح توثيقه. دين الكتابة هو النجوم التي كوتب عليها، والمشهور أنه لا يجوز أخذ الرهن عليها، والمشهور في تعليله أنه غير لازم ولا يؤول إلى اللزوم، وهو ما ذكره المصنف آخرًا، وهو معنى مناسب غير أن قوله: "إن الرهن إنما يعقد لتوثيق الدين حتى لا يبطل" فيه نظر؛ فإن المكاتب قد لا يفسخ ولا يجد السيد في يده وفاء فيعقد الرهن لهذا المقصود، ولم ينحصر القصد فيما ذكره. وأما العلة الأولى في كلام المصنف، فقد يتوقف فيها من جهة أن العضو الفائت بالجناية، والبضع المقابل للصداق لا يقال: إنه كان عليهما ملك فزال إلا على جهة المجاز، ثم لقائل أن يقول: لِمَ قلت: إن الرهن منحصر في ذلك، بل الرهن جُعل ليحفظ كل دين ثابت في الذمة لازم وإن لم يكن مقابلًا، حتى لو أن شخصًا نذر أن يتصدق على فقير معين بدرهم وألزمناه بذلك، فله أن يرهن عليه فيما أظن، وأيضًا فإن لنا وجهًا أن ملك السيد يزول

стр. 734

عن الرقبة بالكتابة، فالتعليل بكونها باقية على ملكه لا يسلم من نزاع على هذا الوجه. وحكى الروياني في "البحر" (١) وجهًا غريبًا أنه يصح أخذ الرهن على دين الكتابة، وهو مذهب أبي حنيفة، وله ثلاثة مآخذ -أعني لهذا الوجه؛ أحدها: ما ذكرناه من زوال ملك الرقبة على وجه. والثاني: أن ضمان دين الكتابة جائز على، وجه، فكذلك الرهن به. الثالث: أن مال الجعالة يجوز أخذ الرهن عليه على وجه، فكذلك دين الكتابة، ألا تري أن ابن كج قاس ضمان دين الكتابة على ضمان الجعل، وإن كان ابن سريج قاسه على ضمان ما جرى سبب وجوبه (٢)، وكلا المأخذين حاصل في الرهن، إلا أن التخريج على ما جرى سبب وجوبه نظرًا من جهة أن دين الكتابة واجب، لكن سببه وهو الكتابة جائز لا لازم، فمن جهة وجوبه هو أولى بالجواز، ومن جهة جوازه هو أولى بالمنع من نفقة الغد التي لم تجب، ولكن سببها النكاح وهو لازم، ولعل تعادل الأمرين يوجب الاستواء، ويقضي بصحة التخريج كما قاله ابن سريج. * * *

стр. 735

قال: فأما مال الجعالة قبل العمل، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز أخذ الرهن به؛ لأنه مال شرط في عقد لا يلزم؛ فلم (١) يجز أخذ الرهن به كمال الكتابة. والثاني: يجوز؛ لأنه دين يؤول إلى اللزوم؛ فجاز أخذ الرهن به، كالثمن في مدة الخيار. الأصح الأول، وهو اختيار صاحب "الإفصاح"، والقاضي الطبري (٢). وقال الماوردي: "أنه المنصوص" (٣)، وشذ الجرجاني فصحح الثاني، وعبر ابن أبي عصرون عنهما بقولين، وهو خلاف ما أورده الجمهور، والوجهان كالوجهين في ضمانه مبنيان فيه على ضمان ما جرى سبب وجوبه ولم يجب، وفيه طريقة قاطعة بالمنع من جهة أن هذا السبب جائز، فليس كالنكاح بالنسبة إلى نفقة الغد، فإنه لازم، وهذه الطريقة تأتي في الرهن، ولا خلاف أنه بعد تمام العمل يجوز الرهن به للذمة، وإطلاق المصنف الوجهين قبل العمل يقتضي جريانها قبل الشروع أيضًا، وكذلك أطلق الماوردي (٤)، والبندنيجي، والمتولي، والروياني. وكلام البندنيجي (٥)، والروياني (٦)، أشد اقتضاء لذلك، فإنهما مَثَّلا بما

стр. 736

إذا قال: "مَن جاء بعبدي الآبق فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهنًا وأنا آتيك به". وكلام الإمام يشير إلى ذلك (١)، وعلى هذا يحسن تخريجه على ما جرى سبب وجوبه ولم يجب، ويكون أولى بالمنع لما قلناه من الجواز وعدم اللزوم، وأما القاضي حسين، والبغوي، والرافعي، فإنهم جعلوا الوجهين بعد الشروع في العمل، أما قبله فلا يجوز؛ لأنه لا ثبوت للجعل قبل الشروع بحال (٢). قال الرافعي: "وكيف يتخيل ذلك وليس هو مستحقًّا معينًا" (٣)، ومن ذلك تنتظم ثلاثة أوجه؛ ثالثها: الفرق بين أن يكون قبل الشروع في العمل وبعده، والأصح المنع مطلقًا. والوجهان قبل الشروع مأخذهما ما قلناه، وأما بعد الشروع، فقال الرافعي: "إن لنا أن نبينهما على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ونقول: إن لم نجوز الرجوع، فقد لزم الجعل من قبله فيصح الرهن به، وإن جوزنا لم يصح الرهن به" (٤). انتهى. والوجهان في جواز الرجوع راجعان إلى أن العامل هل يستحق أجرة المثل لما عمل؛ أو لأن على مقتضى البناء ينبغي أن يكون الأصح جواز الرهن، وليس كذلك، وأيضًا فجواز الرجوع لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في حكمه، قيل: لا يستحق شيئًا، فعلى هذا لا يصح الرهن. وقيل: يستحق بقسطه من المسمى، وعلى هذا يتجه تصحيح الرهن. وقيل: يستحق أجرة مثل ما عمل، وهو الذي صححوه، وعلى هذا قد

стр. 737

يقال: إنها إنما تجب بعد الرجوع، أما قبله، فالحال آيل إلى استحقاق المسمى، ويحتمل أن يقال: إنه استحق ألا يبطل عمله مجانًا، بل يستحق بدله؛ إما من المسمى بقسطه وإما أجرة مثله، وعلى كلا الاحتمالين في صحة الرهن بعد، أما على الأول، فلأنه لم يستحق، وأما على الثاني، فلأن المستحق لم يتعين، ثم هذا في القدر المقابل لما مضى من العمل. أما جميع مال الجعالة، فلا موجب لجواز الرهن عليه على الوجهين على مقتضى هذا البناء الذي ذكره الرافعي، وقد أطلق الكلام إطلاقًا، وأما على جعل المأخذ الإلحاق بما جرى سبب وجوبه ولم يجد، الخلاف في جميع الجعل، لكنه قبل الشروع أولى بالمنع لعدوم اللزوم، وبعده أولى بالجواز، لوجوب شيء في الجملة على الأصح. وإن قلنا: لا يجب شيء فهو كما قبله، والمصنف كأنه لم ينظر إلى شيء من المأخذين، وجعله خلافًا مستقلًّا لما رآه مترددًا بين دين الكتابة؛ لكونه ليس في أصل وضعه على اللزوم، والثمن في مدة الخيار؛ لكونه يؤول إلى اللزوم، فجرى الوجهان للشبهين. وقال النووي في "شرح الوسيط": قال الرافعي: موضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، وذكره أيضًا صاحب "التهذيب"، ولكن ظاهر كلام الأصحاب: أن المراد قبل الشروع، لا سيما تعليل الغزالي في "الوسيط"، فإنه مصرح بذلك، وبأن الشروع في العمل سبب لثبوت، فيصير كالثمن في زمن الخيار. انتهى. وقول المصنف: "لا يلزم الضمير فيه" يعود على العقد، أي: عقد الجعالة لا يلزم، فأشبه عقد الوكالة، ولا يجوز عوده على المال؛ لأنه يلزم بتمام العمل، وقد صرح هو بأنه يؤول إلى اللزوم، فكان يتناقض، فالوجه

стр. 738

الأول ناظر إلى العقد، والثاني ناظر إلى المال، ويرجح المنع هنا بخلاف الثمن؛ لأن الثمن ومقابله صائران إلى اللزوم، وهنا العمل المقابل للمال لا يلزم بحال، وإنما إذا تم لزم المال، فكان لزومه بالعرض ليس كلزوم الثمن، وعلى مساق كلام الرافعي ينبغي أن يقال: إن جوزنا الرجوع لم يصح الرهن، وإن لم يجوز، فوجهان؛ كالثمن إذا كان الخيار لأحدهما ولم يفرق أحد في الثمن بين أن يكون الخيار لهما أو لأحدهما، بل أجروا الخلاف، فكذا هنا إذا لزم من جهة المالك دون العامل. فرع سواء جعلنا الرهن بعد الشروع في العمل أم قبله، فالظاهر أنه لابد أن يكون المرتهن معينًا كما قدمناه من كلام الأصحاب في تصويره. وقال إسماعيل الحضرمي: قال ابن الصباغ: إذا قال: مَنْ رد عبدي، فله دينار فرده، جاز الرهن به، وهل يجوز قبله؟ وجهان. قال إسماعيل: ظاهر هذا أنه يجوز الرهن وإن لم يكن المجعول له معينًا، فإن صحت إرادتهم لهذا، فكأنهم يجوزون أن يقول له شخص: أنا أرده فارهني، أو كأنهم يجوزون في هذه الصورة من غير معين، ويسقطون القبول في الرهن تبعًا لمال الجعالة، فيصح على هذا أن يقول: مَن رد عبدي فله دينار، وعبدي الفلاني رهن معه بالدينار، ويكون فعله للرد قبولًا لمال الجعالة والرهن، قال: وفي هذا بُعد، وهو في المعين ظاهر، وهو أن يقول: إن رددت عبدي فلك كذا، ثم رهنه وكل هذا لا أعرف له أصلًا من كلامهم. انتهى. والظاهر أن المرتهن لابد أن يكون معينًا، سواء جعل له بعينه أو مطلقًا كما صوره الأصحاب، ثم رهن مع معين.

стр. 739

قال: وأما مال السبق والرمي، ففيه قولان؛ أحدهما: أنه كالإجارة، فيجوز أخذ الرهن به. الثاني: أنه كالجعالة، فيكون على وجهين. أظهر القولين: إلحاق المسابقة بالإجارة، فعلى هذا الأصح جواز أخذ الرهن بها، ولا يتخرج على الوجهين. وقال القفال: "مع الإلحاق بالإجارة في ضمانه وجهان لضمان ما لم يجب وجرى سبب وجوبه" (١). والمشهور إذا قلنا: إنها إجارة القطع بصحة الضمان والرهن، كما قال المصنف، ولا فرق بين أن يكون بعد الشروع في العمل أو قبله، وإن ألحقناها بالجعالة فقد تقدم في الجعالة ثلاثة أوجه وعلى ما قاله الرافعي هناك من بناء الوجهين بعد الشروع على جواز الرجوع كيف يكون الحال هنا؟ قالوا في المسابقة: لكل منهما الرجوع قبل الشروع، وكذا بعده إن لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، وإن كان فوجهان، فلا يأتي الخلاف على مقتضى بناء الرافعي إلا في هذه الصورة، أما على مأخذ غيره من التردد بين الثمن ودين الكتابة، فيأتي مطلقًا؛ لأنا وإن منعنا كلًّا منهما من الانفراد بالرجوع بعد الشروع، فيجوز لهما الاجتماع على الرجوع، وليس هذا الفسخ بمنزلة الإقالة في العقود اللازمة، بل هو من العقود الجائزة إلى تمام

стр. 740

العمل، وإنما يمتنع الانفراد بالترك حتى لا يحبط عمل الآخر ألا تري أنهما إذا تركا وأعرضا لا يحتاجان إلى لفظ، والإقالة لا بد فيها من لفظ، فالمسابقة بعد الشروع وحصول الفضل جائزة مع امتناع انفراد أحدهما بالفسخ، ولا يوجد هذا في غيرها من العقود، أو يقال: إن الفسخ لا يمتنع ولكن يضمن للآخر قدر عمله كما تقدم في الجعالة، ثم سواء جعلناه إجارة أم جعالة، لك أن تسأل عن الرهن المأخوذ من جهة مَنْ هو، فإن كلًّا من المسابقين بمنزلة المالك من وجه والعامل من وجه، فإن كان لكل منهما أن يرهن ويرتهن، فذلك رهن على ما لم يعلم ثبوته، بل يقطع بفساد أحدهما، والرهن من أحدهما عند الآخر على الإيهام غير ممكن، وإنما يريد الأصحاب الأول، وهو أن لكل منهما أن يرهن ويرتهن، ولكن هذا إذا جعلناها جعالة محتمل على وجه ضعيف. أما التصحيح على المذهب لكونها إجارة ففيه القول بالرهن على ما لم يجب، وكأنهم احتملوا هذا للمصلحة، كما احتملوا ضمان العهدة من جملة ضمان الأعيان للمصلحة، والكلام في ضمان مال المسابقة كالكلام في الرهن به، وقيل: يجوز ضمانه ولا يجوز الرهن به، فالضمان على هذا الوجه أوسع بابًا من الرهن فيما استثنيناه من ضمان العهدة وفي غيره. * * *
следующие страницы →