للخلاف فرقوا بأن الظاهر من حال صاحب الطعام الذي يتسارع إليه الفساد الرضا بالبيع عند خوف الفساد؛ كيلا يضيع، والظاهر من حال المعلق إمضاء العتق وتنفيذه، وقد تقدم منا فرق آخر، وهو أن المعلق عتقه جرى سبب استحقاق عتقه، وذلك معارض لاستحقاق المرتهن البيع، وهو يناسب طريقة الإمام، ولم يرجح أحد في المعلق عتقه صحة الرهن إلا ما نحكيه عن الغزالي، وسائرهم ردوه.
وأما نقل المصنف عن أبي علي الطبري (١)، هو كذلك في "البحر" والرافعي، لكن مرسلًا عنه ولم يبينا الواسطة، ونقله أتباع المصنف، كما نقله المصنف، والذي رأيته في "الإفصاح" لأبي علي الطبري أنه قال: وإن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فإن رهنه بحق يتأخر عن رأس الشهر لم يجز؛ لأنه يعتق قبل حلول الحق قول واحد.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يقال: أنه يجوز؛ لأن الراهن قد يتطوع ببيعه قياسًا على الطعام الرطب، وبينهما فرق؛ لأن فساد الطعام لا بغية فيه، فالعرف في الشرع والاستعمال قد حكم ببيعه؛ لئلا يفسد، وفي عتقه بغية وقربة إلى الله تعالى، فلم يحكم العرف ولا الشرع ببيعه، فلم يجز إلا أن يرهنه بحق قبل مجيء الصفة، فيجوز، وقد قيل: لا يجوز؛ لأنه لا يؤمن أن تتأخر الوثيقة؛ أي: يتأخر الفكاك بعد الحلول، قال: والأول أصح. انتهى كلامه. وهو يدل على أنه ناقل للطريقة المخرجة على ما يتسارع فساده لا قائل بها، فالأولى نسبة الطريقة المذكورة إلى بعض أصحابنا من غير تعيين، كما فعله ابن الصباغ وغيره.
وقال ابن الرفعة: إن القول المخرج بالصحة ينسب إلى أبي الطيب بن
стр. 912
سلمة، ولا أدري من أين نقل ابن الرفعة ذلك، ومراده بالقول المخرج الطريقة المذكورة، والذي يقتضيه نص الشافعي في المعلق عتقه في مسألتنا فساد الرهن؛ لأنه قال في "المختصر" بعد أن حكم بفساد رهن المدبر: "ولو قال له: إن دخلت الدار، فأنت حر، ثم رهنه؛ كان هكذا" (١). انتهى، يعني: فاسدًا، وإذا كان هذا نصه في الصفة التي تحتمل أن تتأخر عن الأجل، فالتي يعلم تقدمها أولى بالفساد، وقال أيضًا في "الأم": "ولو رهن رجل رجلًا عبدًا له قد أعتقه إلى سنة أو أكثر من سنة، كان الرهن مفسوخًا للعتق الذي فيه" (٢) هذا مع نصه في "المختصر" (٣)، و"الأم" على صحة رهن ما يسرع فساده، "وإذا قلنا بصحة رهن المعلق عتقه بصفة تتقدم على حلول الدين، فيباع إذا قرب أوان الصفة، كما يباع الطعام المشرف على الفساد" (٤)، قاله صاحب "التقريب" (٥) وغيره.
وقد اقتضى إيراد الغزالي في "الوجيز" ترجيح الصحة في رهن المعلق عتقه، ولا يوافقه عليه أحد، وكذا قال في "الخلاصة": إنه الأقيس، وإمامه رجح المنع، كما رجحه الأصحاب، واعتمد في "الوسيط" أيضًا ما يخالف الجمهور؛ فإنه قال: "إن قلنا: لو وُجِدَتِ الصفة في حال الرهن؛ نفذ، إما لقوة العتق، أو لأن العبرة بحال التعليق خرج على رهن ما يتسارع إليه الفساد.
وإن قلنا: لا ينفذ، فهو بالرهن مدافع حكم التعليق، والأصح جوازه،
стр. 913
كما لو دفعه بالبيع.
وفيه وجه: أنه يفسد لضعف الرهن" (١)، وفيه مخالفة من وجهين؛ أحدهما: تخريجه على ما يسرع فساده وقد عرفت أن الجمهور على خلافه.
والثاني: قوله أن الأصح على قولنا لا ينفذ جوازه، ويكون دافعًا كالبيع، وهذا بعيد، بل الوجه فساده لمنعه العتق المستحق الموجود صفته في الملك بخلاف البيع، وبالجملة القول بأن الرهن يصح، ويمنع من نفوذ العتق المعلق قبله بعيد لا وجه له وحيث قيل به، فينبغي أن يكون المراد منعه في دوام الرهن كما قدمناه.
وقال ابن الرفعة: إن الراهن هل له التسلط على إبطال حق العتق في العبد مع أن سببه تقدم، كما له أن يبطله ببيعه يخرج فيه خلاف على الخلاف الذي سنذكره في رهن المدبر مع القطع بجواز بيعه، وإلى هذا أشار الغزالي بقوله: فهو بالرهن مدافع حكم التعليق، والذي أورده البندنيجي في كتاب العتق أن الرهن مع الإقباض كالبيع.
قال ابن الرفعة: وقد يتخيل الفرق بينه وبين التدبير، فإن التدبير قربة، والقُرب يرغّب الإنسان في بقائها، فجاز ألا يجعل برهنه وإقباضه مبطلًا له، ولا كذلك تعليق العتق بالصفة، فإنه ليس بقربة، كما ذكره الرافعي في كتاب الصداق، وإذا لم يكن قربة جاز أن يجعل الرهن والإقباض فيه رجوعًا. انتهى.
وكون تعليق العتق ليس بقربة قد تنازع فيه وينبغي إذا علقه لا على وجه اليمين يكون قربةً؛ لأنه قاصد لذلك، والتدبير سيأتي الكلام في أنه تعليق أو وصية، والقياس يقتضي أن التعليق لا يتسلط على قطعه إلا بما يزيل الملك،
стр. 914
ثم قال ابن الرفعة: إن ظاهر كلام البندنيجي، حيث ألحق ذلك بالبيع يقتضي أن الصفة لو وجدت بعد زوال الرهن وبقائه في الملك، إما ألا يعتق جزمًا، أو يخرج على القولين فيما إذا زال ملكه بالبيع عن العبد، ثم عاد حتى يخرج على الخلاف قال: والذي يظهر في هذه الحالة الجزم بنفوذ العتق؛ نظرًا إلى حالة التعليق ووجود الصفة اللتين عليهما المعول.
قلت: وهذا لا شك فيه، ويجب تأويل كلام البندنيجي وغيره عليه؛ لأنا إنما نمنع العتق فيما إذا زال الملك، ثم عاد لوجود التعليق قبل هذا الملك، وهذا المعنى مفقود في تخلل ما يمنع من العتق مع بقاء الملك، وقد أبعد ابن أبي عصرون، فصحح طريقة التخريج على ما يسرع فساده (١).
فرع
لو شرط فيه أن يباع قبل وجود الصفة اقتضى كلام ابن الرفعة في الكفاية (٢) أنه يصح؛ لأنه لما قال الشيخ: "والمعلق عتقه بصفة تتقدم على حلول الحق لا يجوز رهنه، قال: أي: من غير شرط بيعه قبل وجود الصفة"، وكأنه أخذ ذلك مما سبق فيما يسرع فساده، وكلام الأصحاب ساكت عن ذلك هنا، وابن الرفعة أخذ ذلك من "المرشد"، وقال: إنه صرح بذلك، يعني: صحة الرهن، إذا شرط بيعه قبل وجود الصفة، ولا شك أن صاحب "المرشد"، وهو ابن أبي عصرون يرى أن حكم هذا حكم ما يسرع فساده، وأن الأصح طريقة التخريج كما سبق عنه، أما الجمهور الفارقون بينه وبين ما يسرع فساده، فكلامهم ساكت عنه، وينبغي أن يقال: إن عللنا فساد الرهن بأنه لو صح لمنع العتق المستحق، فهذا المعنى لا يزول بشرط البيع، وإن عللنا بتوقع العتق، فيظهر أنه إذا شرط
стр. 915
البيع، صح كما قاله ابن أبي عصرون، ويحتمل أن يقال: إنما احتملنا الشرط فيما يسرع فساده لاقتضاء الشرع والعرف له؛ حفظًا للأموال، وهذا المعنى مفقود هنا، وبالجملة حصل خلاف في أنه إذا شرط بيعه هل يصح أو لا؟
فرع
هذا كله في رهنه بدين يحل بعد الصفة، كما فرضه المصنف، أما رهنه بدين حال فيصح قولًا واحدًا على ما قاله كثير من الأصحاب، وكذا بمؤجل بأجل يتيقن حلوله قبل الصفة، كما لو كان العتق معلقًا برمضان، والدين يحل في شعبان، وفي "المختصر من شرح تعليق الطبري" عن ابن أبي هريرة حكاية وجه ضعيف أنه لا يجوز، ولم يحكه في الحال، وقد سبقت حكاية هذا الوجه عن "الإفصاح"، ويلزم طرده في الحال، وإذا قلنا بالمشهور، قال الروياني عن والده؛ "أنه ينبغي أن يبقي من المدة ما يمكن البيع فيها من جهة العادة، وإلا فلا يجوز" (١)، يعني: إذا كان يحل قبل الصفة بساعة مثلًا بحيث لا يمكن بيعه عادة حتى توجد الصفة، فيكون حكمه حكم ما يحل بعد الصفة، فيفسد الرهن، وهذا تنبيه جيد لا يُخالف فيه.
فرع
إذا عرف ذلك، وصححنا الرهن في الحال، أو فيما يحل قبل الصفة فيباع في الدين، فلو لم يتفق بيعه حتى وُجِدَتِ الصفة، فَيُبْنَى على القولين في أن الاعتبار بحال التعليق أو بحال وجود الصفة.
إن قلنا بالأول: عتق، وللمرتهن فسخ البيع المشروط فيه الرهن إن كان
стр. 916
جاهلًا.
وإن قلنا بالثاني: فهو كإعتاق المرهون، وسيأتي فيه ثلاثة أقوال، وما ذكرناه من أن للمرتهن الفسخ على القول الأول، جزم به البغوي (١)، والرافعي (٢).
وقال النووي: "إنه أصح وأقيس، وجزم صاحب "التتمة" بأنه لا خيار له وقد سقط حقه؛ لأن الرهن سلم له، ثم بطل فصار كموته" (٣).
وجوابه: إن هذا بسبب متقدم، فهو عيب جهله، فيثبت له به الخيار.
واعلم أن الأصح عند البغوي اعتبار حال التعليق (٤)، وكذا صححه القاضي حسين في موضع من كتاب العتق، وصحح في موضع آخر اعتبار حال الصفة.
وذكر الرافعي القولين في الوصية، ولم يصحح منهما شيئًا، فإن كان الأصح اعتبار حال التعليق كان الأصح هنا العتق، وإن كان الأصح اعتبار حال الصفة فيما القولان فيه؛ وهو إذا علق في الصحة ووجدت الصفة في المرض حتى يعتبر من الثلث على الأصح؛ فذلك ظاهر هناك؛ لأن المعتبر خروج المال عن ملك المريض وخراب ذمته بموته، فتضيع حقوق الغرماء وهنا حق المرتهن باقٍ في ذمة الراهن، ففي اعتبار حالة التعليق جمع بين تنفيذ العتق الذي تقدم سببه، وحق الراهن من جهة أنه لم يسقط بالكلية، فكان اعتبار حالة التعليق هنا أولى؛ ولذلك أن أكثر الأصحاب إنما ردوا
стр. 917
التخريج على ما يتسارع إليه بالفساد بالعرف الذي قدمناه لا بالقدح في العتق، وإنما أبدى ذلك الإمام؛ أخذًا من القاعدة المذكورة في الوصية، وللأكثرين وصاحب الطريقة أن يفرقوا بما ذكرت، وإن سلم جريان الخلاف هنا، فلا يلزم أن يكون الصحيح كالصحيح، ومن هذا يخرج أن الأصح هنا إذا لم يتفق بيعه حتى وجدت الصفة أنه يعتق، وأن الأصح أنه إذا شرط بيعه قبل الصفة يصح للحاجة كما يسرع فساده، وسيأتي من نص الشافعي في المدبر أن العتق إلى عام لا يبطل إلا بأن يخرج العبد عن ملكه قبل [أن] (١) يقع، وهو شاهد لما قلناه من أن الرهن لا يبطل التعليق.
* * *
стр. 918
قال:
وإن علق عتقه على صفة يجوز أن توجد قبل محل الدين، ويجوز ألا توجد، ففيه قولان؛ أحدهما: تصح؛ لأن الأصل بقاء [الرق] (١) وإمكان البيع ووقوع العتق قبل محل الدين مشكوك فيه، فلا يمنع صحة الرهن كجواز الموت في الحيوان المرهون.
والثاني: لا يصح؛ لأنه قد توجد الصفة قبل محل الدين، فلا يمكن بيعه، وذلك غرر من غير حاجة، فمنع صحة الرهن.
إذا لم يتحقق واحد من الأمرين، فقولان حكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمصنف وغيرهم، وأصحهما المنع، وهو الذي قدمناه عن نصه في "المختصر"، حيث علق بدخول الدار، وظاهر إطلاق الشيخ أبي حامد، وَمَنْ تبعه أن القول الآخر منصوص، وحكى القاضي أبو الطيب أنه يخرج من صحة رهن المدبر إذا قلنا: التدبير عتق بصفة (٢)، قال: وليس بصحيح؛ لأن المدبر يعتق بموت السيد، والظاهر بقاء الحياة كما صح رهن الحيوان، وإن جاز أن يموت وها هنا ليس لوجود الصفة قبل المحل أو بعده ظاهر. انتهى. وهذا فرق جيد، وهو الذي علل به المصنف الوجه الثاني، وهو الصحيح، ولأجل ذلك، قال أبو علي الطبري في "الإفصاح" على ما حكاه ابن الصباغ أنه لا يجوز قولًا واحدًا، واعتمد الرافعي هذا، فقال: "وعن صاحب "الإفصاح" طريقة قاطعة بالمنع ها هنا" (٣) انتهى. والذي
стр. 919
رأيته في "الإفصاح" أنه إذا قال له: إذا دخلت الدار، فأنت حر لم يجز رهنه، ولم يصرح بقوله قولًا واحدًا، ومثل هذا اللفظ كثيرًا ما يعده الأصحاب قطعًا، والرافعي في بعض المواضع يشاحح فيه؛ لعدم التصريح بالقطع والإشكال على ابن الصباغ أشد لنقله عنه، أنه قال قولًا واحدًا، وليس في لفظه ذلك، ولم أَرَ في "الإفصاح" في هذا المكان غير ما قدمته، ومذهب أبي حنيفة وأحمد صحة الرهن (١)، كالقول الأول، والفوراني نقل طريقين؛ إحداهما: القولان.
والثانية: القطع بالمنع، لكن لم ينسبها إلى واحد معين لا صاحب "الإفصاح" ولا غيره، وذكر القاضي حسين والإمام أنه إذا احتمل حلول الأجل قبل الصفة واحتمل وجودها قبل حلوله؛ ترتب على ما لو تيقن وجود الصفة قبل الحلول إن جوزناه، فهذا أولى وإلا فقولان. انتهى.
وهذا يقتضي مجيء طريقةٍ قاطعة بالجواز هنا، وقد حكاها ابن أبي عصرون وصححها (٢)، وبذلك تجتمع ثلاث طرق، وها هنا لطيفة؛ وهي أن أبا علي الطبري إن كان هو المخرج على ما يصلح فساده، وضممنا إليه ما قاله القاضي حسين من الترتيب أنتج أنه قائل بالجواز هنا قطعًا، وذلك عكس ما نقله ابن الصباغ والرافعي عنه، وإن صح ما نقلاه عنه من المنع، وسلك الترتيب المذكور أنتج أنه لا يقول بالصحة هناك، وهو خلاف ما نقله المصنف، ولا يمكننا الجزم بفساد أحدهما؛ لاحتمال أن يقول بهما، ولا يوافق على الترتيب المذكور غير أن القول بالصحة هناك حكمه عند مَنْ يخرجه على ما يتسارع إليه الفساد، أنه يباع قبيل وقت وجود الصفة، وهنا
стр. 920
وقت الصفة ليس بمعلوم، فكيف يقول ذلك القائل بالصحة، قال ابن الرفعة: "نعم، إن أمكن معرفة وقت وجود الصفة اتجه ذلك، ويبيعه قبل ذلك، كما قاله صاحب "التقريب" فيما إذا كان العتق يقع نعته" (١)، يعني أن صاحب "التقريب" قاله تفريعًا على الإلحاق بما يسرع فساده كما سبق عنه، ولا يخفى عليك أن الغزالي يقول بالصحة في هذه المسألة (٢) بطريق الأولى لما تقدم عنه، لكنه خلاف فتوى الأكثرين.
* * *
стр. 921
قال:
فصْل [رهن المدبر]
واختلف أصحابنا في المدبر، فمنهم مَن قال: لا يجوز رهنه قولًا واحدًا؛ لأنه قد يموت المولى فجأة، فيعتق، فلا يمكن بيعه، وذلك غرر من غير حاجة، فمنع صحة الرهن، ومنهم من قال: يجوز رهنه قولًا واحدًا؛ لأنه يجوز بيعه، فجاز رهنه كالعبد القن، ومنهم من قال: فيه قولان بناء على القولين في أن التدبير وصية أو عتق بصفة، فإن قلنا: إنه وصية جاز رهنه؛ لأنه يجوز الرجوع فيه بالقول، فجعل الرهن رجوعًا، وإن قلنا: إنه عتق بصفة لم يجز رهنه؛ لأنه لا يجوز الرجوع فيه بالقول، وإنما يجوز الرجوع فيه بتصرف يزيل الملك، والرهن لا يزيل الملك.
هذه الطرق الثلاث قال الشيخ أبو حامد: حكاها أبو العباس في "التقريب"، وأبو إسحاق، وغيرهما، واستفدنا بهذا أن هذه الطرق متقدمة على ابن سريج، وأن لابن سريج كتابًا يسمى "التقريب"، وهو غير "التقريب" المشهور المنسوب لابن القفال على الأصح، والشاشي نقل الطريقة الأولى القاطعة بالمنع عن أبي علي الطبري في الإفصاح أنه قالها ولما أرها فيه هنا، وإنما فيه الخلاف، وصحح ابن أبي عصرون الطريقة
стр. 922
الثانية القاطعة بالجواز (١)، وليس كما قال، بل هي أضعف الطرق، وكان الحاصل له على تصحيحها قول الغزالي: "ذهب أكثر الأصحاب إلى صحة الرهن" (٢)، وكلام الغزالي هذا منقود معترض، وإنما حمله على ذلك قول إمامه: إنه ليس ينقدح له توجيه بطلان الرهن، ونسبته إياه إلى بعض الأصحاب واختياره الصحة، والقطع بها، وأكثر الأصحاب مطبقون على البطلان؛ إما قطعًا وإما ترجيحًا.
وقد انتقد النووي كلام الغزالي وقال: "ولا تغترّ بقوله في "الوسيط"، وذهب أكثر الأصحاب إلى صحة رهنه، وإن كان قويًّا في الدليل" (٣).
وابن الصباغ قال: إن القطع به مخالف للقياس، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى، وطريقة القولين نسبها جماعة إلى ابن سريج، وأبي إسحاق، وصاحب "التلخيص"، وقد تقدم أن ابن سريج وأبا إسحاق حكياها، فلعلهما مع ذلك اختاراها، وعلى كل حال هي الصحة عند الماوردي، والروياني، وأقرب إلى القياس عند ابن الصباغ والرافعي، وأصح القولين: أنه لا يصح الرهن، وهما مبنيان عند الأكثرين، ومرتبان عند قوم على أن التدبير وصية أو تعليق عتق بصفة، وفيه قولان؛ أحدهما وهو قوله في القديم وبعض الجديد على ما حكاه الماوردي (٤): أنه وصية يصح الرجوع فيه بالقول والفعل مع بقائه في الملك، وخروجه.
والثاني وهو قوله في الجديد: أنه يجري مجرى التعليق والعتق بالصفات، فلا يرجع فيه مع بقائه على ملكه، وهذا هو الصحيح.
стр. 923
فإن قلنا: إنه يجري مجرى الوصية صح الرهن، ويكون رجوعًا، كما لو وصى به، ثم رهنه وأقبضه، فإنه يكون رجوعًا على المشهور.
وفيه وجه: أنه لا يكون رجوعًا في الوصية، وقد نقله ابن داود هنا عن صاحب "التقريب" في الوصية، وفيما نحن فيه، وصَرَّح بأنه يصح الرهن، ولا يكون رجوعًا.
وإن قلنا: إنه يجري مجرى التعليق، فهو كما لو علق عتقه بصفة تحتمل التقدم والتأخر، ثم رهنه، وقد تقدم أن الأصح أنه لا يصح، فما ذكره المصنف وغيره من البناء جاز على الصحيح في الطرفين، وليس لك أن تقول: هذا يدل على أن القولين مطلقًا من غير بناء ولا ترتيب؛ وذلك لأن القول بكون الرهن يصح، وليس رجوعًا ليس عن الشافعي، وإنما هو وجه، بل طريقة البناء خارجة من قطع الجمهور بفساد رهن المعلق عتقه بصفة، وطريقة الترتيب خارجة من إثبات القولين فيه، فيقال: هكذا إن كان التدبير وصية، صح رهن المُدَبَّر، وإلا فقولان، ومن هذا يُعْلم أن القول بعدم صحة الرهن مأخذه أن التدبير تعليق، وأن المعلق بصفة لا يصح رهنه، وكلاهما أصل مقرر، والقول بصحة الرهن مأخذه إما أن التدبير وصية، وهو قول مرجوح، وأما أن المعلق بصفة يصح رهنه. وهو ضعيف، وما رآه صاحب "التقريب" من صحة الرهن على الوصية لا نظر إليه؛ لأنا إنما نتكلم في أقوال الشافعي، وإذا قلنا بالصحة على أحد القولين، وإن مأخذه كون التدبير وصية بطل التدبير، وإن جعلنا مأخذه كون المعلق عتقه يصح رهنه لم يبطل على ما سبق في المعلق عتقه، وإن قطعنا بالصحة على الطريقة الثانية، فقد نقل الروياني عليها ثلاثة أوجه (١): سيتعرض المصنف لبعضها، أحدها:
стр. 924
بطلان التدبير، وهو اختيار المزني، والذي نقله الماوردي (١)، وغيره (٢) عن المزني، وهو موجود في كلامه في "المختصر" (٣): أن التدبير وصية، وأنه يبطل بالرهن، فإما أن يكون مراد الروياني أن اختيار المزني بطلان التدبير، ولم يرد القطع، وإما أن يكون للمزني اختيار مذكور في غير "المختصر"، وهو في "المختصر" إنما ذكر ذلك إلزامًا للشافعي، والصحيح: أنه لا فرق فيما ذكرناه بين المدبر المطلق، والمدبر المقيد، وصورته أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، أو إن قتلت فأنت حر.
وقيل: هو كالمعتق بصفةٍ لا يجوز الرجوع عنه بالقول قولًا واحدًا، وحكم رهنه على ما مضى، قاله الروياني عن بعض أصحابنا بخراسان (٤).
فرع
نذكر فيه نصوص الشافعي في "المدبر"، قال في "مختصر المزني" (٥): "ولو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخًا؛ لأنه أثبت له عتقًا قد يقع قبل حلول الرهن، فلا يسقط العتق والرهن غير جائز، وليس له أن يرجع في التدبير إلا بأن يخرجه عن ملكه. ولو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم رهنه، كان هكذا. قال المزني: قد قال الشافعي: إن التدبير وصية، فلو أوصى به، ثم رهنه إما كان جائزًا كذلك التدبير في أصل قوله؛ وقد قال في الكتاب الجديد آخر ما سمعناه منه، ولو قال في المدبر: إن أدى بعد موتي كذا، فهو حر أو وهبه هبة بتاتٍ قبض أو لم يقبض ورجع،
стр. 925
فهذا رجوع في التدبير، هذا نص قوله. قال المزني: فقد أبطل تدبيره بغير إخراج له من ملكه، كما لو أوصى برقبته وإذا رهنه فقد أوجب للمرتهن حقًّا فيه فهو أولى برقبته منه وليس لسيده بيعه للحق الذي عقده فيه، فكيف يبطل التدبير بقوله: إن أدى كذا، فهو حر، أو يهبه ولم يقبضه الموهوب له حتى رجع في هبته وملكه فيه بحاله ولا حق فيه لغيره ولا يبطل تدبيره بأن يخرجه من يده إلى مَن هو أحق برقبته منه وبيعه وقبض ثمنه في دينه ومنع سيده من بيعه، فهذا أقيس لقوله، وقد شرحت ذلك في كتاب المدبر، فتفهموه".
وأجاب الأصحاب - منهم الماوردي (١) وغيره - عما ذكره المزني. أما قول الشافعي: لو قال لمدبره: إن أديت كذا بعد موتي، فأنت حر، إنه رجوع في التدبير فإنه قال ذلك على القول بأن التدبير وصية، أما على أنه عتق بصفة، فلا يختلف أصحابنا أنه ليس برجوع (٢).
وأما قوله: ولو وهب المدبر ولم يقبضه أنه رجوع، فاختلف أصحابنا في هذه المسألة على وجهين؛ أحدهما: أن الهبة قبل القبض رجوع على القول بأن التدبير وصية، فأما على القول بأنه عتق بصفة، فلا يكون رجوعًا.
والثاني: وهو قول ابن أبي هريرة أنه رجوع في التدبير على القولين (٣)، فعلى هذا الفرق بينها، وبين الرهن أن الهبة تزيل الملك بعد القبض، وهي أحد سببيه قبل القبض بخلاف الرهن وأما اختيار المزني أن الرهن مبطل للتدبير، كالوصية.
فالجواب: إما على القول بأنه عتق بصفة، فلا يكون الرهن رجوعًا عن
стр. 926
التدبير لا يختلف، كذا قال الماوردي: "وعلى القول بأنه وصية اختلف أصحابنا في الرهن إذا تجدد هل يبطل التدبير والوصية على ثلاثة أوجه؛ أحدها: يبطلهما، وعليه يصح للمزني المذهب، ويسلم له الدليل.
والثاني: لا يبطلهما، فلا يصح له المذهب، ولا يسلم له الدليل.
الثالث: يكون رجوعًا في الوصية، ولا يكون رجوعًا في التدبير، وإن جرى مجرى الوصية؛ لأن التدبير عطية تقع بالموت لا بقبض ولا بقبول، فقوي حكمه، فعلى هذا صح له المذهب، ولم يسلم له الدليل" (١). وهذه الأجوبة تقتضي أنها صادرة ممن يرى بطريقة القولين.
وقال الشافعي أيضًا في "الأم" (٢) في جماع ما يجوز أن يكون مرهونًا وما لا يجوز، وذلك في الرهون الكبير: "ولو أن رجلًا دبر عبده، ثم رهنه كان الرهن مفسوخًا؛ لأنه قد أثبت للعبد عتقًا قد يقع بحال قبل حلول الرهن، فلا يسقط العتق والرهن غير جائز.
فإن قال: قد رجعت في التدبير أو أبطلت التدبير ثم رهنه، ففيها قولان؛ أحدهما: أن يكون الرهن جائزًا، وكذلك لو قال: بعد الرهن قد رجعت في التدبير قبل أن أرهنه كان الرهن جائزًا، ولو قال بعد الرهن: قد رجعت في التدبير وأثبت الرهن، لم يثبت إلا بأن يجدد رهنًا بعد الرجوع في التدبير.
والقول الثاني: إن الرهن غير جائز، وليس له أن يرجع في التدبير إلا بأن يخرج العبد من ملكه ببيع أو غيره، فيبطل التدبير.
وإن ملكه ثانية فرهنه جاز رهنه؛ لأنه ملكه بغير الملك الأول، ويكون هذا كعتق إلى عام لا يبطل إلا بأن يخرج العبد من ملكه قبل [أن] (٣) يقع،
стр. 927
وهكذا العتق إلى وقت من الأوقات.
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم رهنه كان هكذا، ولو كان رهنه عبدًا، ثم دبره بعد الرهن كان التدبير موقوفًا حتى يحل الحق، ثم قال: إن أردت إثبات التدبير فاقضِ الرجل حقه، أو أعطه قيمة العبد المدبر قضاء من حقه، وإن لم ترده فارجع في التدبير بأن تبيعه، وإن أثبت الرجوع في التدبير بعد محل الحق أخذنا مثل قيمته، فدفعناها إليه، فإن لم يجدها، بيع العبد المدبر حتى يقضي الرجل حقه، وإنما يمنعني أن آخذ القيمة منه قبل محل الحق أن الحق كان إلى أجل لو كان العبد سالمًا من التدبير لم يكن للمرتهن بيعه، ولم يكن التدبير عتقًا واقعًا ساعته تلك، فكان يمكن أن يبطل، فتركت أخذ القيمة منه حتى يحل الحق، فيكون الحكم حينئذٍ، ولو رهن رجل عبده، ثم دبره، ثم مات الراهن المدبر، فإن كان له وفاء يقضي صاحب الحق حقه منه عتق المدبر من الثلث، وإن لم يكن له وفاء يقضي حقه منه ولم يدع مالًا إلا المدبر بيع من المدبر بقدر الحق، فإن فضل منه فضل عتق ثلث ما بقي من المدبر بعد اقتضاء صاحب الحق حقه، وإن كان له ما يقضي صاحب الحق بعض حقه قضيته، وبيع له من العبد الرهن المدبر بقدر ما يبقى من دينه وعتق ما يبقى منه في الثلث.
قال الشافعي: "ولو رهن رجلٌ رجلًا عبدًا له قد أعتقه إلى سنة أو أكثر من سنة، كان الرهن مفسوخًا للعتق الذي فيه، وهذا في حال المدبر أو أكثر حالًا منه، فلا يجوز الرهن فيه بحال، ولو رهنه، ثم أعتقه إلى سنة أو أكثر من سنة، كان القول فيه كالقول في العبد رهنه ثم يدبره" (١). انتهى كلام الشافعي. فأما قوله على أحد القولين: "إنه يجوز أن يرهنه بعد الرجوع في
стр. 928
التدبير، وإنه إذا رجع بعد الرهن لا بد أن يجدد رهنًا"، فهو نص في القطع بأن الرهن لا يصح، ولا يكون رجوعًا، وإن جعلناه وصية، ومضمون كلام الشافعي أنا إن جعلنا التدبير عتقًا بصفةٍ؛ لم يصح رهن المدبر بحال، وإن جعلناه وصية لم يصح رهنه إلا بأن يقدم الرجوع، وليس لطريقة القولين مع هذا اتجاه إلا أن يكون لها نص آخر ومأخذ منع الرهن مع القول بأن التدبير وصية أن التدبير آكد من الوصية؛ لأنه يلزم بالموت من غير قبول، فلم يجز الرجوع فيه إلا بصريح القول، أو بما يزيل الملك.
وقوله: وإن ملكه ثانيةً، فرهنه جاز رهنه مبني على أن اليمين لا تعود وهو الصحيح، وقد حكى الروياني أن قولي عود اليمين جاريان فيه، وقوله: ويكون هذا كعتق إلى غايةٍ لا يبطل إلا بأن يخرج العبد عن ملكه نص في بطلان ما أوهمه كلام البندنيجي أن الرهن مبطل للتعليق كما سبق.
وقوله: ولو كان رهنه، ثم دبره بعد الرهن، كان التدبير موقوفًا مراده إذا دبره بعد القبض، كما صرح به الروياني في حكايته عنه، وحكى الروياني عن أبي حامد أنه قال: "عندي تدبير المرهون يُبْنَى على القولين في عتقه.
قال الروياني: وهذا خلاف النص، ولا يشبه العتق؛ لأنه يبطل حق المرتهن من عين الرهن؛ لأنه يمنع من بيعه، والتدبير لا يمنع من بيعه، فلا يبطل حق المرتهن" (١)، واختار الروياني في "البحر" أن طريقة القولين أصح، لكنه ما بناهما على أن التدبير وصية أو عتق بصفة، وإنما بناهما على أنه هل يصح الرجوع عنه بما لا يزيل الملك أو لا؟
إن قلنا: نعم، صح الرهن، وبطل التدبير، وإلا فلا يصح الرهن ويبقى التدبير بحاله، وهذه الطريقة مخالفة لقول الشافعي واقتضائه أن التدبير لا
стр. 929
يبطل إلا بما يزيل الملك، أو بصريح القول على الخلاف الذي فيه، وقد قدمنا أن الروياني صحح في "الحلية" صحة الرهن وبطلان التدبير، وذلك يقتضي أنه يقول بصحة الرجوع عنه بما لا يزيل الملك، وهو خلاف النص.
وقال الشافعي في "الأم" (١) أيضًا فيما يتم به الرهن من القبض: "ولو رهنه عبدًا، ولم يقبضه حتى رهنه من غيره وأقبضه، أو أعتقه أو كاتبه أو وهبه أو أصدقه امرأةً أو أقر به لرجل أو دبره كان خارجًا من الرهن".
قال الربيع: "وفيه قول آخر أنه لو رهنه، فلم يقبضه المرتهن حتى دبره، أنه لا يكون خارجًا من الرهن بالتدبير؛ لأنه لو رهنه بعدما دبره، كان الرهن جائزًا؛ لأن له أن يبيعه بعدما دبره، فلما كان له بيعه كان له أن يرهنه" (٢). انتهى.
وقد تقدم بعضه وإن قوله: وفيه قول محمول على التخريج من عنده.
وأما قوله: لأنه لو رهنه بعدما دبره كان الرهن جائزًا، فليس صريحًا ولا ظاهرًا في أنه نقله عن الشافعي، بل قد يكون ذلك مأخوذًا عنده من قول الشافعي: ما جاز بيعه جاز رهنه؛ ولهذا قال: لأن له أن يبيعه، أو من نص آخر اطلع عليه الربيع، فالثابت أن صحة رهن المدبر قول للربيع مخرج لا منصوص، ولا شك أن قول الشافعي: ما جاز بيعه جاز رهنه؛ شامل الدلالة لذلك، لكنه عام، ونصه الصريح في أنه لا يجوز رهن المدبر ينبغي أن يكون مخصصًا له، فالمتلخص من منصوصات الشافعي القطع بفساد رهن المدبر، وغاية القول بصحته: أن يكون مخرجًا؛ ولهذا قال ابن الصباغ: إن طريقة القطع بالفساد ظاهر كلام الشافعي، وطريقة القولين أصح في
стр. 930
القياس، وطريقة القطع بالصحة مخالفة لنصه وللقياس، واعتمد الرافعي ما قاله ابن الصباغ، وقال: "إنه الحق" (١). وقول الشافعي: كان الرهن مفسوخًا؛ أي: باطلًا، والشافعي يطلق على الباطل: "مفسوخ"، وقيل: معناه: أنه يحكم بانفساخه إذا انتهى الحال إلى ذلك، وحقيقته أنه صحيح ظاهرًا، وفي الباطن موقوف على بيان الحال، هل يباع أو يؤول الحال إلى الحكم بفساد الرهن كما سيأتي في كلام المصنف، وهذا بعيد لقول الشافعي بعد ذلك: "والرهن غير جائز" (٢)، ولما سنذكره عند ذكر المصنف لذلك، وقول الشافعي: لأنه قد أثبت له عتقًا قد يقع قبل حلول الرهن مشكل؛ لأن عتق المدبر لا يتصور وقوعه قبل حلول الدين؛ لأنه لا يقع إلا بالموت، ومتى مات حل الدين، فمنهم مَن حمله على أنه قد يكون دبره، ثم رهنه على دين على غيره، فإنه جائز، كما قدمناه، وفي هذه الصورة قد يموت السيد، فيعتق، والذي عليه الدين المؤجل باقٍ، أي: وإذا كان كذلك، فقد فات شرط الرهن، وهو إمكان استيفاء الحق منه ببيعه عند حلول الأجل، وينبغي لو صح هذا المعنى، أن يفرق بين الدين الحال والمؤجل، وبين أن يشرط بيعه أو لا، وبين دينه ودين غيره، ولم يقل أحد بذلك، وقيل: معناه: أن الراهن أثبت للعبد حق حرية بعقد التدبير، وقصد القربة إلى الله تعالى، فإذا رهن، فقد تعمد إلى إبطال تلك القربة، إذ ربما يباع في الرهن، فلا يجوز إبطال قربة من جهة التدبير إلا بإزالة الملك، والرهن لا يزيل الملك، فتقدير تعليله؛ لأنه أثبت له حق عتق على جهة القربة قد يقع، ويوجد سببه وهو الموت قبل حلول الحق، قاله الروياني (٣)، وهو صحيح، لكنه لا
стр. 931
يحصل به الجواب عما قلناه من السؤال.
وأبعد ابن الرفعة فقال: إنه عند مَن يرى أن الدين المؤجل لا يحل بالموت، وهو الحسن البصري (١) وابن أبي ليلى (٢).
ويحتمل تأويلين آخرين؛ أحدهما: أن يراد بحلول الرهن الأجل المضروب له، ولا يراد حلوله مطلقًا بموت أو غيره إلا أن على هذا يلزم منه الفرق بين الحال وغيره كما سبق ولم يقل به أحد.
والثاني: أن يكون في الكلام تقديم وتأخير تقديره أثبت له قبل حلول الرهن عتقًا قد يقع، لكن لو كان هذا المراد لقال: قبل الرهن، لا قبل حلوله، وقد تعذر عن هذا بأن حلول الرهن وقت المطالبة ببيعه؛ إذ هو المقصود بالرهن، فلما كان هو المقصود نص عليه.
ويخرج من هذا جواب آخر: أن المراد أنه قد يقع العتق قبل وقت بيع الرهن، وذلك إذا مات قبل الأجل، فإن العتق يقع، ووقت البيع إنما يكون عند المطالبة والامتناع من الوفاء من غيره، وبالجملة هذه اللفظة قلقة والعتق لا يقع قبل حلول الدين بحال، بل قد يتأخر، وذلك إذا كان عليه ديون قدمت على التدبير إن خرج المدبر من الثلث، وقُضِيَتِ الديونُ عُتِقَ، وإن ضاق الحال بطل التدبير، فيما يحتاج إليه من ذلك أما حل العبد أو بعضه وإن حل قبل الموت، وقد حكمنا بصحة الرهن بيع المدبر في الدين، وقد ظهر لي جواب أرجو أن يكون هو المراد إن شاء الله: وهو أن حلول الرهن انفكاكه، وبهذا يستقيم الكلام ولا إشكال فيه، أي: أثبت له عتقًا قد يقع بموت السيد قبل فك الرهن، وإن حل الدين، وما عندي محمل لكلام
стр. 932
الشافعي غير ذلك، وذلك أني فكرت في جميع ما تقدم من الأجوبة، فلم أجد فيها شفاءً، فتتبعت كلام الشافعي في "الأم" و"المختصر"؛ لأنظر اصطلاحه، فرأيته حيث أراد حلول الدين يقول: "حلول الحق"، وها هنا قال: "حلول الرهن"، فلاح لي هذا المعنى، وهو معنى صحيح، والتعبير عنه سائغ بهذه العبارة، لا منع منه وكأنه قال: انحلال الرهن، فوضع حلول موضع انحلال، ولعل هذا المصدر مسموع في هذا المعنى، ولا شك في صحة قولك: حل الرهن، بمعنى: بلغ محله وهو غايته وانفكاكه، وبهذا يستمر هذا التعليل، سواء كان الدين حالًا أم مؤجلًا، كما أن الحكم عام في القسمين بمقتضى إطلاق الأصحاب، ولو كان المراد حلول الدين لاختص بالمؤجل. فإن قلت: أنتم جوزتم في المعلق عتقه بصفة أن يرهن بدين حال، وغاية المدبر أن يكون مثله فكيف يمتنع رهنه بالدين الحال؟
قلت: صحة رهن المعلق عتقه بدين حال، أو مؤجل يحل قبل الصفة، إنما رأيناه في كلام الأصحاب، أما الشافعي، فقد حكينا من نصوصه الآن أنه لو رهن عبدًا أعتقه إلى سنة كان مفسوخًا، وإنه في حال المدبر أو أكثر حالًا منه (١)، وهذا النص يقتضي بإطلاقه منع رهنه بالدين الحال، وإن جزم به الأصحاب، ولا ينبغي أن يعدل عن هذا النص إلا بنص آخر أو بدليل ظاهر. وقد سوى الشافعي في هذا النص، وفي مواضع أخرى بينه وبين المدبر، بل أشار إلى أنه أكثر منه؛ يعني: لأنه لا يجوز فيه الرجوع قطعًا، وإن جاز في المدبر على قول، وبهذا يتأيد الوجه الذي حكيناه عن حكاية أبي علي الطبري في منع رهنه بما يحل قبل الصفة، وإن قال: إنه ضعيف.
فإن قلت: أليس قد حكى المصنف وغيره في المعلق عتقه بصفة. يجوز
стр. 933
أن توجد قبل محل الدين، ويجوز ألا توجد قولين.
قلت: الذي رأيناه منصوصًا للشافعي: المنع، وقد تقدم حكاية القاضي أبي الطيب أن الجواز مخرج من المدبر، وقد بان أن المدبر لا نص فيه غير المنع، فضعف الأخذ بذلك القول، وتبين أن مذهب الشافعي في المدبر والمعلق عتقه بصفة المنع مطلقًا من غير تفصيل، والأصحاب نظروا في المعلق عتقه إلى معنى أوجب لهم التفصيل، وهو أن المانع خروج الوثيقة بوجود الصفة قبل المحل؛ فلهذا استثنوا الحالّ والمؤجل بأجل يتقدم على الصفة؛ ولم يلحظوا فيه غير ذلك؛ ولعلهم يفرقون بينه وبين المدبر بأن العتق في المدبر آكد؛ ولهذا اختلف في بيعه، وذلك لا يفيد عند القائلين بجواز بيعه وهم الأكثرون. والشافعي لحظ في المدبر والمعلق عتقه معنى آخر، وهو استحقاق العبد للعتق إلا أن يخرجه عن ملكه؛ ولهذا قال في النصوص التي حكيناها للعتق الذي فيه، وكما حكينا عنه في أول هذا الباب من قول الشافعي في بيان الرهن الصحيح، ولم يكن المالك أوجب فيه لغير مالكه من رهن ولا إجارة ولا بيع ولا كتابة ولا جارية أو ولدها أو دبرها، فانظر كيف جعل التدبير حقًّا أوجبه فيه مانعًا من صحة الرهن، ولا شك أن هذا المعنى لا يفترق في الحال والمؤجل، وما قدمناه من نصه يقتضي أن المعلق عتقه أولى من المدبر بعكس ما قدمناه مما لعل الأصحاب يقولونه.
وبالجملة: لو جرد الشافعي النظر إلى الوثيقة؛ كان للأصحاب متعلق، ولكنه نظر أيضًا إلى حق العتاقة فيهما، وهو علة مستقلة، والإمام لمح في المدبر هذا المعنى، وحاول رده، فقال: "كان الشافعي يعتقد أن التدبير على حال عقد عتاقه شرعي، ولا يطابق هذا مذهبه في جواز البيع، وجواز
стр. 934
الرجوع عن التدبير على الأصح، والمدبر على الحقيقة عندنا عبد قن، فإذا مات المدبر، جعلنا عتقه محسوبًا من محل الوصايا" (١). انتهى.
ونحن نقول: بل يطابق مذهبه، فإن التدبير ليس عتقًا منجزًا حتى يمنع البيع، بل عقد عتاقة بصفة لا يتمكن من قطعها إلا بالبيع، أو بصريح القول واحتسابه من الثلث؛ لأننا في ذلك، وإنما ذاك لكونه تبرعًا بعد الموت، والمعلق عتقه بصفةٍ أكمل في هذا المعنى، فإنه عقد لازم لا يتمكن من الرجوع فيه بالقول، ومقتضاه أنه متى وُجِدت الصفة وهو في ملكه عتق، ولا مقتضى له غير هذا، فجوزنا البيع؛ لأنه لا يمنعه التعليق على ما بينا، ولم يجوّز الرهن لمنعه مما اقتضاه التعليق من العتق، ولو لم نجد الشافعي سَوَّى بين المدبر والمعلق، وقال: إن المعلق أكثر، لكان يمكننا أن نعتذر عن الأصحاب بأن التدبير عقد قربة، فلا يتمكن من إبطاله بالرهن والتعليق ليس بقربة، فإذا كان الدين حالًّا، فلا منع، لكن كلام الشافعي يأباه، وكون التدبير قربة اتفق عليه الأصحاب، وإن كان الرافعي قال في كتاب الصداق: إن الوصية ليست بقربة، والتعليق ليس بقربة (٢)، وللنظر في هذين الكلامين موضع غير هذا لا نطوّل به هنا، وسواء كان التعليق قربة أم لم يكن، فهو عقد لازم.
فإن قلت: المدبر قد يموت سيده فجأة قبل التمكن من بيعه، وإن كان الدين حالًّا؛ فلذلك امتنع بخلاف المعلق عتقه بصفةٍ.
قلت: الصفة أيضًا قد تقع فجأة، بل قد تكون الصفة موت زيد، ويحصل فجأة، فأي فرق بين موته وموت غيره؛ ولذلك إن ابن أبي عصرون لما
стр. 935
صحح رهن المعلق عتقه صحح رهن المدبر، وقاسه على ما إذا علقه بموت غيره، وقال: "إن قول الشافعي: الرهن مفسوخ أحد قولين، فإنه قال: ما جاز بيعه جاز رهنه" (١)، وما ادعاه فهما ممنوع، وقول الشافعي اختلف في روايته، منهم من يرويه: من جاز بيعه جاز رهنه، وهكذا رأيته في "المختصر" (٢)، وعلى تقدير الرواية المشهورة تناوله، كما سيأتي، أو نقول: هو عام كما قدمناه، يُخَصُّ بنصه في المدبر والمعلق عتقه بخصوصهما، وقضيت العجب من ابن أبي عصرون في "الفوائد"؛ إذ حكى الطرق في رهن المدبر، ثم قال: يحتمل أن يقال: إن كان الدين مؤجلًا إلى مدة تغلب على الظن بقاؤه إلى تلك المدة صح، وكأنه توهم أنه يجوز رهنه بالحال، وبنى عليه ما قال، وكلاهما باطل لا يغتر به.
فرع في التوجيه وألفاظ المصنف:
استدلال المصنف للقطع بالمنع بأنه قد يموت فجأة منقوض بموت المرهون، وهو غير مانع ومنقوض بما إذا علق عتقه على موت غيره، ثم رهنه، ومقتضى ما سبق من حكاية المصنف القولين في المعلق عتقه على صفة تحتمل التقدم والتأخر جريانهما فيه، واستدل ابن الرفعة فيما إذا كان السيد غير الذي عليه الدين بشيء يرجع إلى ما قاله المصنف، وفيما إذا كان هو الذي عليه الدين عدل عن ذلك؛ لأن المدبر إنما يعتق من الثلث، ووفاء الدين من رأس المال، فهو مقدم على ما يعتبر من الثلث، وعلل بأن سقوط الأجل بالموت، أو الحلول يقتضي الإجبار على بيع المرهون في وفاء الدين
стр. 936
على الفور، إذا امتنع مَن تعين عليه وفاء الدين من إيفائه، والمدبر بعد الموت لو صح رهنه لا يباع في الحال، بل ينظر إن وَقَّت التركة بالديون سواه لم يبع، وعتق إن خرج من الثلث، وإن لم توفِّ بِيع منه ما يوفي بها؛ إذ ذاك وفي حال الحياة إذا انقضى الأجل لا يجبر على الرجوع في التدبير، وإذا لم يرجع فيه لا يبادر إلى بيع المدبر لو صح رهنه ما وجدنا له مالًا غيره، كما سنذكره عن الأصحاب من بعد، وفي ذلك تغيير لمقتضى العقد، فلم يصح معه، وأيضًا فإن المرتهن ينحصر حقه في عين المرهون حتى لا يتمكن من إجبار الراهن على الدفع من غيره، كما صرح به الإمام قبل باب الرهن والحميل بخمس عشرة ورقة (١)، وفي "الشامل" في باب الرهن والحميل عند الكلام في رهن المبيع بثمنه ما يوافق ما قاله الإمام، وإذا كان كذلك، فقد خالفنا هذا المقتضى بإيجابنا بيع غير المرهون في وفاء دين الرهن انتهى، وفيه عدول عن المعنى الذي لحظه الشافعي، والمعنى الذي لحظه الأصحاب، وكون عتق المدبر من الثلث لا ينافي أنه تفوت الوثيقة بعتقه، ويزول ما قصده المرتهن من التوثق بعينه، وكون المدير لا يبادر إلى بيعه في الحياة ولا بعد الموت لا ينافي استحقاق بيعه، وكون المرتهن ينحصر حقه في عين المرهون ممنوع، وعبارة "الشامل" أن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع، والرهن يقتضي إيفاء الدين منه. انتهى.
وهذا لا يدل على الانحصار، وعبارة الإمام: "أن الراهن لو قال للقاضي: أريد أن أؤدي حقه من ثمن الرهن، فليس للمرتهن أن يلزم الراهن بتحصيل الدين من جهة أخرى، ولا فرق بين أن يكون قادرًا على وفاء الدين من جهة أخرى، وأن يكون عاجزًا" (٢). انتهى. واستشكله ابن عبد السلام؛ لما فيه
стр. 937
من تأخير حق يجب على الفور بسبب الرهن. انتهى.
ومع ذلك، فليس في عبارة الإمام ما يقتضي الانحصار، وقد صرح الرافعي أن المرتهن إذا طلب بيعه، وامتنع الراهن، ولم يَقْضِ الدين أجبره الحاكم على قضائه أو البيع، ولو كان حق المرتهن منحصرًا فيه لأجبره على بيعه عينًا، ونحن في المدبر كذلك نجبره على أن يقضي الدين أو يبيع، فلم يكن في رهنه منافاة ولا تغيير لمقتضاه، فالأولى اتباع المعنيين المتقدمين عن الشافعي والأصحاب، ومما يدل على عدم انحصار حق المرتهن في الرهن قول الشافعي في "الأم": "وإذا بيع الرهن، فالمرتهن أولى بثمنه حتى يستوفي حقه، فإن لم يكن فيه وفاء حقه حاصَّ غرماء الراهن بما بقي من ماله غير مرهون، وإذا أراد أن يحاصهم قبل أن يباع رهنه، لم يكن له ذلك، ووقف مال غريمه حتى يباع رهنه ثم يحاصهم بما فضل عن رهنه" (١). انتهى.
فحكمه بوقف مال غريمه يقتضي عدم انحصار حق المرتهن في الرهن، وهذا لا شك فيه؛ ولذلك قال الأصحاب في غرماء المفلس إذا كان فيهم مَن له رهن قدم بثمنه، فإذا بقي من دينه شيء صارت به مع الغرماء، وإذا بقي من أرش الجناية شيء لم يضارب به.
قال الجرجاني: لأن حق الجناية لم يتعلق بماله بخلاف المرتهن، فإنه تعلق بالرهن وبمال المفلس، فانظر كلام الجرجاني هذا، فإنه ناطق بعدم انحصار حق المرتهن، وكذا المتولي قال: لدين المرتهن محلان: الذمة، والعين.
وزعم ابن الرفعة أنه لم يَرَ في كلام الأصحاب ما يقتضي تصريحًا أن
стр. 938
الخلاف في رهن المدبر يجري في غير صورة رهن الإنسان على دين غيره إلا في كلام الإمام، وصحيح أنهم لم يصرحوا، لكن نعلم ونتحقق من إطلاقاتهم الكثيرة أنهم لم يريدوا تلك الصورة النادرة بخصوصها، فلا نشك أن الخلاف جارٍ في رهن الإنسان عبد نفسه الذي دبره عن دينه، وأن الأصحاب أرادوا ذلك، ولو أرادوا تلك الصورة وحدها بهذه العبارة الدائرة، لكان هذا من الإلغاز، بل من الإبهام الذي لا يصدر من عالم فضلًا عن إطباق العلماء عليه.
والفُجأة: البغتة بضم الفاء وبالمد ويُقال: فَجأة بفتح الفاء، وإسكان الجيم والقصر، واستدلاله للطريقة القاطعة بالجواز بجواز البيع ظاهر، ولا ينبغي أن ينكر أن القياس العام يقتضي أن كل ما جاز بيعه جاز رهنه؛ لأن المقصود بالرهن البيع، وقول ابن الصباغ: إنها مخالفة للقياس - يعني به: بعد تقرر أن المعلق عتقه لا يجوز - لكنا نقول: القياس صحة الرهن فيهما؛ لجواز بيعهما، وإنما يعدل عن هذا القياس بما يلزم الرهن من المحذور الذي لا يلزم البيع، وهو أنه إذا وُجِدت الصفة إن عُتق فاتت الوثيقة، وتقاعد الرهن عن مقتضاه، وإن لم يعتق لزم تخلف أثر التعليق عنه مع دوام الملك، وهذا نوع من الدليل رجحه الشافعي على ذلك القياس.
وقوله: "كالعبد القن" يُفهم أن المدبر ليس بقن، والقن في اللغة: العبد إذا ملك هو وأبوه. وفي الشرع: ما قاله صاحب "الاستقصاء" هو مَن لم يوجد في حقه سبب من أسباب الحرية، وبهذا يصح ما أفهمه كلام المصنف.
وقولنا: "المكاتب قن" معناه: عبد، وطريقة القولين لا تحتاج إلى بيانٍ.
وقوله: "إن التعليق يجوز الرجوع فيه بتصرف يزيل الملك" يقتضي أنا
стр. 939
بالبيع نجعله راجعًا في التعليق، وهكذا تقتضيه عبارة الشافعي أيضًا، وأرى أن هذه العبارة فيها تجوز، فإن حقيقة الرجوع النقض والفسخ؛ للسبب المتقدم حتى كأنه لم يوجد، وارتفاع آثاره تابع لذلك، وإذا لم يجز الرجوع بصريح القول، فكيف بما يدل عليه، وإنما البيع مانع من ترتب أثر التعليق عليه لزوال الملك، والتعليق إنما يعمل في الملك؛ ولهذا نتردد إذا عاد الملك ووجدت الصفة، هل يعمل التعليق السابق أو لا؟! فيحمل إطلاقهم الرجوع على منع حكم التعليق إطلاق مجازيًّا.
فرع
قد يتوهم الناظر في كلامنا من ترجيحنا طريقة القطع بالفساد أنَّا نقطع ببطلان الطريقتين الأخريين وخروجهما عن كلام الشافعي قطعًا، وليس كذلك، وليس معنى القطع بالطرف المقابل للظن، وإنما معناه نفي الخلاف، وإن كان بدليل أرجح ظنًّا كما هنا بعضهم يرجح القول بالفساد من غير بناء على أنه وصية أو تعليق، وبعضهم يرجح الصحة من غير بناء، وبعضهم يبنيه على القولين؛ لعدم رجحان أحد الأمرين عنده، وليس كل من الطرق الثلاثة إلا وكلام الشافعي محتمل لها، أما القطع بالفساد فظاهر، وأما القطع أو إجراء الخلاف؛ فلأن الشافعي ﵀ جعل الرهن ثلاثة أقسام كما قدمنا. صحيح، ومعلول، وفاسد.
وذكر المدبر في قسم المعلول (١)، فللذاهبين إلى إحدى الطريقتين أن يقولوا: لو كان فاسدًا لذكره في قسم الفاسد، ثم الذاهبون إلى القطع بالصحة يقولون: مراد الشافعي بالصحيح الذي لا علة فيه، ولا يتعرض للفسخ، وهذا متعرض للفسخ إذا لم يَقْضِ الدين، ويحمل على هذا قوله:
стр. 940
كان الرهن مفسوخًا، ويحمل قوله: والرهن غير جائز، أي: غير ماضٍ، والذاهبون إلى القولين يقولون: المعلول ما فيه قولان كما تقدم عن الزبيري، والمختار أن ذكره في المعلول لا يدل لواحدٍ منهما؛ لأنه ذكر معه الجاني المختلف فيه وغيره مما يقطع بفساده، وإنما أردنا أن نبين أن في كلام الشافعي احتمالًا للطرق الثلاثة، وليس منها شيء خارج عنه خروجًا كليًّا، وكيف يكون ذلك وقد ذهب إليها أئمة المذهب، وأخذ بكل منها منهم طوائف؟! وبهذا يظهر لك التوقف في قول ابن الصباغ: إن القطع بالصحة مخالف للنص والقياس، وإنها إنما تخالف ظاهر النص، وقياس القول في المعلق عتقه بأنه لا يصح عتقه، وهي مع ذلك موافقة لاحتمال النص، وقياس أن الرهن تابع للبيع.
فرع
المستولدة عند مَن يجوّز بيعها ينبغي أن يكون رهنها كرهن المدبر، وقد قدمنا عن الشافعي أنه قال: إن رهنها فاسد في قول مَن لا يبيع أم الولد، ونقل ابن الرفعة عنه أنه قال: يجوز رهنها في قول مَن أجاز بيعها، فأما العبارة التي نقلناها نحن، وهي من كتاب الرهن، فمفهومها أن في قول مَن يجيز بيعها لا يكون فاسدًا، وقد يكون معلولًا على اصطلاحه، فلا ينافي جعلها كالمدبر.
وأما العبارة التي نقلها ابن الرفعة، وقال: إنها في عتق أمهات الأولاد، فهي مشكلة؛ إذ لا فرق بينها وبين المدبر فكيف يجوز فيها، ولا يجوز في المدبر؟ اللهم إلا إن كان الشافعي يُسَمِّي المعلول جائزًا، ويقسم الجائز إلى صحيح لا علة فيه، ولا شبهة، وإلى معلول، ومنه رهن المدبر وأم الولد، ويأتي فيهما ما سبق من الطرق.
стр. 941
نعم، لنا خلاف على القديم إذا فرعنا على جواز بيعها، هل يعتق بالموت؟
فإن قلنا: لا، فارقت المدبر، فيصح رهنها، وعليه يصح ما نقله ابن الرفعة على أن القول ببيع أم الولد قول مهجور، ومثله لا يُمْعِن في تفاريعه؛ لعدم الإحاطة بقواعد من قال به من الصحابة.
فرع
قال المصنف في "التنبيه": "وكل عين جاز بيعها؛ جاز رهنها" (١).
وقيل: إن المدبر لا يجوز رهنه. وقيل: يجوز. وقيل: على قولين. قال النووي: قوله: وقيل: يجوز تكرار لا حاجة إليه، فإن قوله: كل عين جاز بيعها، جاز رهنها مُغنٍ عن ذلك؛ لأنه يجوز بيعه.
وقال ابن الرفعة: "إن ذلك خُصّ بالذكر؛ ليقام عليه دليل خاص به؛ إذ لا يمكن دفع حجة المنازع بما تضمنه دليل القاعدة المذكورة" (٢).
قلت: وهو كذلك، وفيه فائدة أخرى، وهي إن قوله: كل عين جاز بيعها جاز رهنها يحتمل أنه لم يرد عمومه بدليل قوله، والمعلق عتقه بصفةٍ تتقدم على حلول الحق لا يجوز رهنه، فكأنه ذكر هذه القاعدة مطلقة إشارة إلى أن الأصل تبعية الرهن للبيع، ثم ذكر المسائل التي تُستثنى منه، وذكر حكم كل منها، والخلاف فيها مستوفى، وبهذا تندفع دلالة كلام التنبيه على أن المصنف اختار فيه جواز رهن المدبر.
* * *
стр. 942
قال:
قال أبو إسحاق: إذا قلنا: إنه يصح رهنه فحلَّ الحق وقضي سقط حكم الرهن، وبقي العبد على تدبيره، وإن لم يقض، قيل له: أترجع في التدبير، فإن اختار الرجوع بيع العبد في الرهن وإن لم يختر، فإن كان له مال غيره قضي منه الدين، ويبقى العبد على التدبير، وإن لم يكن له مال غيره، ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه يحكم بفساد الرهن؛ لأنَّا إنما صححنا الرهن؛ لأنا قلنا: إنه لعله يقضي الدين من غيره أو يرجع في التدبير، فإذا لم يفعل حكمنا بفساد الرهن.
والثاني: أنه يباع في الدين وهو الصحيح؛ لأنا حكمنا بصحة الرهن، ومن حكم الرهن أن يباع في الدين.
أبو إسحاق هو المروزي نقل المُصَنِّف وغيره عنه هذه المقالة، وهي تفريع على الطريقة القاطعة بالصحة، كذا يقتضي كلام الأصحاب أنه فرع ذلك عليها، وصرحوا بأن معناها أن الرهن يصح ويبقى التدبير بحاله، وليس كما يقول المزني: إن الرهن يصح ويبطل التدبير (١)، وكذا أحد القولين من طريقة الخلاف.
وحاصله: أن على الطريقة القاطعة بفساد الرهن وعلى القول به من طريقة الخلاف؛ لا إشكال في بقاء التدبير بحاله، ولا يمكن اجتماع الرهن والتدبير المتقدم، وعلى القول بأن الصحة من طريقة الخلاف؛ يبطل
стр. 943
التدبير، ويصح الرهن وهو قول المزني، ولا يجتمع الرهن والتدبير المتقدم.
وقولنا: "المتقدم" احتراز من التدبير المتأخر بعد الرهن والقبض، فإنه يصح في الأصح والرهن باق، وعلى الطريقة القاطعة بالصحة يصح الرهن ويبقى التدبير، فالرهن والتدبير يجتمعان، فعلى هذا فرَّع أبو إسحاق المروزي ما ذكره وحكى الوجهين فيما إذا لم يقض الدين ولم يختر الرجوع ولا له مال.
وتصحيح الوجه الثاني: أنه يباع هو المشهور، وهو القياس والوجه الأول ضعفه أبو إسحاق المروزي، بما استدل به المصنف للثاني، وهو وارد على الحكم بالفساد بعد الحكم بالصحة من غير تبيين سبب مقارن للرهن مبطل له، ولو فسر الحكم بالصحة بأنه ينعقد موقوفًا على ارتقاب، هل يقضي أو يرجع أو يكون له مال، فيمضي على الصحة أو لا فيفسد لكان في هذا وقف العقود، والإفساد بغير سبب مقارن أيضًا، ومخالفة لما أطلقه في الأول من الصحة، ولو قال: إنه ينفسخ لتعذر إمضائه لكان أقرب وأصوب، عما ورد عليه مع أنه ضعيف أيضًا.
وقوله: يحكم بفساده بعيد عنه، وبالجملة هو وجه ضعيف يأتي تفسير قرض وصاحبه يتأول قول الشافعي: الرهن مفسوخ على معنى أنه يحكم بفساده أو يفسخ على الاحتمالين اللذين ذكرناهما، والقائل بأنه يباع يتأول قول الشافعي على أنه معرض للانفساخ إذا مات ولم يخلف وفاء، فإنه إذا مات تحل الديون، فإن كان له ما يقضي منه ثم يخرج المدبر من الثلث قضى الدين وعتق وإلا فإن كان الدين مستغرقًا لجميعه بيع في الدين وبطل التدبير، وإن لم يستغرق جميعه بيع بقدر الدين والباقي نزله يعتق منه الثلث،
стр. 944
فتأول قول الشافعي مفسوخًا على تعرضه لهذا، وهذا كما قدمناه عن نص الشافعي، أن تدبير المرهون موقوف، فإن الحكم فيه أيضًا إذا صححناه؛ تفريعًا على تنفيذ عتق الراهن، أنه إن حل حق المرتهن قبل موت الراهن، فإن قضى بقي التدبير بحاله، وإن بيع بطل التدبير وإن امتنع منهما، ووجد الحاكم مالًا سواه قضى منه وإلا باعه، وانفسخ التدبير على عبارة الأصحاب، وإن مات الراهن المدبر، فإن كان له مال قضى منه وعتق من الثلث، وإلا قضي الدين وعتق منه ما يحتمله الثلث بعد ذلك على ما سبق حرفًا بحرف، هذه طريقة أبي حامد، وقد سبق عن الروياني اختياره أن التدبير يصح، وإن لم ينفذ عتق الراهن (١)، وسنتعرض لذلك عند ذكر المصنف تدبير المرهون وذلك في آخر الفصل الرابع من باب ما يدخل في الرهن، وإنما الغرض الآن بيان تأويل صاحب الوجه المذكور لكلام الشافعي.
قال ابن أبي عصرون: قلت للقاضي: إذا قلنا: التدبير عتق بصفة، فلا يصح الرجوع فيه بالقول، فما فائدة تخييره، فإنه لو قال: رجعت لم تبطل الصفة، فقال: نحن لا نحكم ببطلان التدبير باختيار الرجوع، ولكن إذا اختار الرجوع وبيع العبد؛ يحصل البطلان في التدبير بالبيع لا باختيار الرجوع.
فرع
عرف بما ذكرناه أن ما اختاره الإمام من الصحة معناه أن التدبير يبقى معه، ويأتي التفريع المذكور عليه وليس كما قال المزني: وإذا تركت الطرق، وذكرت الخلاف من رأسٍ.
стр. 945
قلت: صحة الرهن وبطلان التدبير قول المزني والروياني، وصحة الرهن وبقاء التدبير اختيار الإمام والغزالي، وفساد الرهن هو الصحيح عند الأكثرين، وذكر الروياني أن اختيار المزني قال به بعض أصحابنا.
قال الروياني: "فحصل أربع طرق" (١) - يعني: قول المزني مع الطرق الثلاث التي في الكتاب - وحكى الروياني الوجه الأول الذي في الكتاب هنا القائل: بأنه يحكم بفساد الرهن إذا لم يقض ولم يرجع، ولا له مال عن حكاية ابن سريج، وإن أبا إسحاق رده (٢) كما سبق، وغيره نقل أن أبا إسحاق حكى الوجهين ولا تنافي في ذلك، فيكون ابن سريج وأبو إسحاق حكياه، ورده أبو إسحاق، ومن تفريع القول بالطريقة القاطعة بالصحة وبقاء التدبير أنه إذا بيع لحق المرتهن ثم ملكه الراهن، يعود إلى التدبير على أحد القولين في عود الحنث، كما سبق، وإن كان الصحيح أنه لا يعود.
* * *
стр. 946
قال:
وما سوى ذلك من الأموال؛ كالعقار والحيوان وسائر ما يباع يجوز رهنه؛ لأنه يحصل به مقصود الرهن.
الإشارة بقوله: ذلك جعلها صاحب "الاستقصاء" للوقف وما ذكر معه وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة والمعلق عتقه والمدبر، وهو كما قال، وقد انتظم ذلك على جملتين إحداهما ما لا يجوز بيعه البتة وهو الوقف وما ذكر معه، والأحرى ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه، وهو ما يسرع فساده والمعلق عتقه، والمدبر لعدم إمكان بيعها في الدين، وما سواها من الأموال يجوز رهنه بحصول مقصود الرهن، وهو إمكان بيعه في الدين في وقت محله واستيفاء الحق من ثمنه.
قال التميمي: "وأجمعوا على جواز ارتهان الدنانير والدراهم بالدين، وإنه سواء ختم عليها الراهن في كيس، أو لم يختم عليها إلا مالكًا، فإنه قال: إن لم يختم عليها لم يجز" (١)، وسيذكر المصنف بعد ذلك مال الغير، والمبيع قبل القبض، والدين، والمرهون، والجاني، وما لا يقدر على تسليمه، والمجهول، والثمرة قبل بدو الصلاح، ورهن المصحف، والعبد المسلم من الكافر؛ ليكمل بها معرفة متى يساوي الرهن البيع ومتى يفارقه.
* * *
стр. 947
فرع
يجوز رهن الجارية التي وطئها السيد؛ لأن الأصل عدم الحمل، فلو ظهرت حاملًا، فإن وضعته لدون ستة أشهر من وقت الوطء، ولم يكن وطئها قبل ذلك أو لأكثر من أربع سنين فالرهن بحاله؛ لأنه لا يلحقه، بل هو ملكه، وإن وضعته لستة أشهر، فصاعدًا إلى أربع سنين لحقه، وصارت أم ولد له، ثم إن كان أقر بالوطء قبل الرهن أو بعده، وقبل القبض خرجت من الرهن؛ لأنها إن علقت قبل الرهن، فلا رهن وإن علقت بعده قبل القبض بطل؛ لأنه قبل اللزوم، وهكذا الحكم إذا أقر بعد القبض، وصدقه المرتهن، أو قامت بينة، إما على صورة الحال، وإما على تقدم إقراره على القبض بما صورناه، وإن لزمه ولا بينة، ففي نفوذ إقراره قولان؛ كالقولين في إقراره بعتق متقدم، وسيأتي إن لم ينفذه، فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإن نكل ردت اليمين على الراهن، فإن نكل ففي تحليف الجارية قولا تغريم المفلس.
وإن قلنا: القول قول الراهن، فهل يلزمه اليمين؟ وجهان مخرجان من القولين، فيما إذا أقر بجناية متقدمة على الرهن، وقلنا: يقبل قوله، هل يحلف؟!
وإذا قلنا: لا يقبل قوله فتخلصت من الرهن صارت أم ولده، وإن أنكر الراهن أن يكون الحمل منه كانت رهنًا بحالها، وذلك بأن يدعي الاستبراء؛ لأنه اعترف بالوطء، هذا ما عليه قرار المذهب وفي "البحر" عن بعض أصحابنا بخراسان، فيما إذا كان الإقرار بالوطء قبل الرهن أو قبل القبض، ولكنه لم يعترف بأن الولد منه "إنها إن وضعت لأكثر من ستة أشهر ودون أربع سنين، هل يبطل الرهن؟ وجهان؛ أحدهما: لا يبطل؛ لأن الرهن لا يبطل بالإمكان، وإن كان النسب يثبت بالإمكان.
стр. 948
والثاني: لا يبطل؛ لأنا حكمنا بالعلوق قبل القبض بلحوق النسب به" (١)، ونقل هو (٢) والماوردي "عن أبي الفياض أنه قال في "شرحه": لا يخرج من الرهن بلا خلاف؛ لأن الولد لحق به بالفراش لا بالاعتراف بالولد قالا: وهذا غير صحيح؛ لأن خروجها من الرهن إنما يكون إذا صارت أم ولده، وهي تصير أم ولده بالفراش، كما تصير أم ولده بالاعتراف بالولد، فوجب أن تخرج من الرهن إذا لحق ولدها بالفراش، كما يخرج إذا لحق بالاعتراف" (٣). انتهى. يعني على أحد القولين إذا لم يصدقه المرتهن بعد القبض، أو بلا خلاف إذا صدقه أو كان الاعتراف بالحمل قبل القبض، أو قبل الرهن، فإنها تخرج من الرهن، وكلام إمام الحرمين يقتضي موافقته لأبي الفياض لكنه ضعيف، كما قال الماوردي والروياني، ومحله كما قدمنا إذا لم يعترف بالولد، أما إذا اعترف به، فلا بل يخرج من الرهن قولًا واحدًا إذا صدر الاعتراف قبل الرهن، أو قبل القبض وصدقه المرتهن عليه، فإن لم يصدقه، وكان بعد القبض، فقولان كما سبق، ولا فرق أيضًا على المشهور بين أن تكون وضعت لأقل من ستة أشهر من حين القبض، أو لأكثر إذا كان في مدة الإمكان من حين الوطء، وجزم الماوردي فيما إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من حين القبض وكان إقرار الراهن بالوطء وبالولد بعد القبض، أنها تخرج من الرهن للعلم بتقدم العلوق على القبض وخصَّ القولين بما إذا كان لأكثر من ستة أشهر من حين القبض وأقل من أربع سنين، وهذا الذي جزم به وجه محكيٌّ في "النهاية" (٤) مفصل مع وجهين مطلقين، ومستند
стр. 949
التفصيل أنها إذا أتت به لستة أشهر فما دونها من حين القبض تحققنا وجوده حالة القبض، فإقرار الراهن بعد ذلك يرد على غير محل الراهن فيقبل، وقد كان موجودًا حالة القبض، فيقع ثبوت الاستيلاد تابعًا، وفيما إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر يحتمل أنها علقت بعد تمام الرهن، فلا يقبل قوله لاستلزامه الاستيلاد، فيكون قد رفعنا الرهن التام بأمر محتمل. وجوابه: أنه في القسم الأول يحتمل كذبه، فقد رفعنا الرهن المحقق بأمر محتمل، وقد عرفت بهذا أن في قبول إقراره بعد القبض طريقين؛ أصحهما: إجراء القولين.
والثانية: القطع بالقبول فيما إذا وضعت لستة أشهر فما دونها من حين القبض، وتخصيص القولين بما بعدها إلى تمام أربع سنين، وأنه حيث قبلنا قوله، وكان قد استلحق الولد؛ فالرهن باطل، وإن لم يستلحقه، واقتصر على الإقرار بالوطء المثبت للحوق، فكذلك على الأصح؛ خلافًا لأبي الفياض.
فرع
هذا جميعه في الاستيلاد بالنسبة إلى الجارية، أما الولد، فقالوا في جميع الأحوال: إنه لاحق به ثابت النسب إذا أتت به لمدة الإمكان، وقد اعترف بالوطء؛ لأنه لا حقَّ للمرتهن فيه؛ هكذا أطلقوه. قال ابن الرفعة: "وعندي فيه بحث إذا كان الوضع لدون ستة أشهر من حين عقد الرهن يتلقى من أن رهن الجارية الحامل هل يقتضي دخول الحمل في الرهن إذا وضعته قبل البيع في الرهن أو لا يدخل؟ وفيه قولان؛ فإن قلنا: يدخل، فينبغي أن يكون في ثبوت حريته الخلاف فيما إذا ادعى عتقًا قبل الرهن، فإن لم نقبله، فلا استيلاد.
стр. 950
وإن قبلناه أو قلنا: الحمل لا يدخل في الرهن جاء الكلام بعده في ثبوت الاستيلاد بالنسبة إلى المرتهن وعدمه". انتهى. وهذا الذي قاله قوي متعين لا بد منه وهو استدراك على الماوردي والإمام وغيرهما، وعذرهم في ذلك أن المذهب الجديد عدم دخول الحمل في الرهن، ففرعوا عليه واقتصروا، وممن صرح بأن الجديد عدم دخول الحمل في الرهن الإمام وقال: إن القديم الدخول، وهكذا الماوردي حكى في دخول حمل الشاة وصوفها ولبنها قولين؛ الجديد: أنها لا تدخل في الرهن.
والقديم: تدخل، والثمرة غير المؤبرة لا تدخل قديمًا وجديدًا (١) ومن الأصحاب خرج القديم فيها، ومنهم من امتنع من التخريج، وفرق، ونصُّ الشافعي في "الأم" يشهد لما قاله الإمام، والماوردي، فإنه قال: "وإذا رهن الرجلُ الرجل شاة حبلى، فولدت أو غير حبلى، فحبلت وولدت، فالولد خارج من الرهن؛ لأن الرهن في رقبة الجارية دون ما يحدث منها، وهكذا إذا رهن الماشية ماخضًا فنتجت أو غير ماخض فمخضت ونتجت، فالنتاج خارج من الرهن، وكذلك لو رهنه شاة فيها لبن، فاللبن خارج من الرهن؛ لأن اللبن غير الشاة" (٢).
قال الربيع: "وقيل: اللبن إذا كان فيه حين الرهن، فهو رهن معها، كما يكون إذا باعها كان اللبن لمشتريها، وكذلك نتاج الماشية إذا كانت ماخضًا وولد الجارية إذا كانت حبلى يوم رهنها" (٣). انتهى. وسنذكر ذلك عند ذكر المصنف لدخول الثمرة في باب ما يدخل في الرهن، والقصد هنا التنبيه