قال:
وما سوى ذلك من الأموال؛ كالعقار والحيوان وسائر ما يباع يجوز رهنه؛ لأنه يحصل به مقصود الرهن.
الإشارة بقوله: ذلك جعلها صاحب "الاستقصاء" للوقف وما ذكر معه وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة والمعلق عتقه والمدبر، وهو كما قال، وقد انتظم ذلك على جملتين إحداهما ما لا يجوز بيعه البتة وهو الوقف وما ذكر معه، والأحرى ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه، وهو ما يسرع فساده والمعلق عتقه، والمدبر لعدم إمكان بيعها في الدين، وما سواها من الأموال يجوز رهنه بحصول مقصود الرهن، وهو إمكان بيعه في الدين في وقت محله واستيفاء الحق من ثمنه.
قال التميمي: "وأجمعوا على جواز ارتهان الدنانير والدراهم بالدين، وإنه سواء ختم عليها الراهن في كيس، أو لم يختم عليها إلا مالكًا، فإنه قال: إن لم يختم عليها لم يجز" (١)، وسيذكر المصنف بعد ذلك مال الغير، والمبيع قبل القبض، والدين، والمرهون، والجاني، وما لا يقدر على تسليمه، والمجهول، والثمرة قبل بدو الصلاح، ورهن المصحف، والعبد المسلم من الكافر؛ ليكمل بها معرفة متى يساوي الرهن البيع ومتى يفارقه.
* * *
стр. 947
فرع
يجوز رهن الجارية التي وطئها السيد؛ لأن الأصل عدم الحمل، فلو ظهرت حاملًا، فإن وضعته لدون ستة أشهر من وقت الوطء، ولم يكن وطئها قبل ذلك أو لأكثر من أربع سنين فالرهن بحاله؛ لأنه لا يلحقه، بل هو ملكه، وإن وضعته لستة أشهر، فصاعدًا إلى أربع سنين لحقه، وصارت أم ولد له، ثم إن كان أقر بالوطء قبل الرهن أو بعده، وقبل القبض خرجت من الرهن؛ لأنها إن علقت قبل الرهن، فلا رهن وإن علقت بعده قبل القبض بطل؛ لأنه قبل اللزوم، وهكذا الحكم إذا أقر بعد القبض، وصدقه المرتهن، أو قامت بينة، إما على صورة الحال، وإما على تقدم إقراره على القبض بما صورناه، وإن لزمه ولا بينة، ففي نفوذ إقراره قولان؛ كالقولين في إقراره بعتق متقدم، وسيأتي إن لم ينفذه، فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإن نكل ردت اليمين على الراهن، فإن نكل ففي تحليف الجارية قولا تغريم المفلس.
وإن قلنا: القول قول الراهن، فهل يلزمه اليمين؟ وجهان مخرجان من القولين، فيما إذا أقر بجناية متقدمة على الرهن، وقلنا: يقبل قوله، هل يحلف؟!
وإذا قلنا: لا يقبل قوله فتخلصت من الرهن صارت أم ولده، وإن أنكر الراهن أن يكون الحمل منه كانت رهنًا بحالها، وذلك بأن يدعي الاستبراء؛ لأنه اعترف بالوطء، هذا ما عليه قرار المذهب وفي "البحر" عن بعض أصحابنا بخراسان، فيما إذا كان الإقرار بالوطء قبل الرهن أو قبل القبض، ولكنه لم يعترف بأن الولد منه "إنها إن وضعت لأكثر من ستة أشهر ودون أربع سنين، هل يبطل الرهن؟ وجهان؛ أحدهما: لا يبطل؛ لأن الرهن لا يبطل بالإمكان، وإن كان النسب يثبت بالإمكان.
стр. 948
والثاني: لا يبطل؛ لأنا حكمنا بالعلوق قبل القبض بلحوق النسب به" (١)، ونقل هو (٢) والماوردي "عن أبي الفياض أنه قال في "شرحه": لا يخرج من الرهن بلا خلاف؛ لأن الولد لحق به بالفراش لا بالاعتراف بالولد قالا: وهذا غير صحيح؛ لأن خروجها من الرهن إنما يكون إذا صارت أم ولده، وهي تصير أم ولده بالفراش، كما تصير أم ولده بالاعتراف بالولد، فوجب أن تخرج من الرهن إذا لحق ولدها بالفراش، كما يخرج إذا لحق بالاعتراف" (٣). انتهى. يعني على أحد القولين إذا لم يصدقه المرتهن بعد القبض، أو بلا خلاف إذا صدقه أو كان الاعتراف بالحمل قبل القبض، أو قبل الرهن، فإنها تخرج من الرهن، وكلام إمام الحرمين يقتضي موافقته لأبي الفياض لكنه ضعيف، كما قال الماوردي والروياني، ومحله كما قدمنا إذا لم يعترف بالولد، أما إذا اعترف به، فلا بل يخرج من الرهن قولًا واحدًا إذا صدر الاعتراف قبل الرهن، أو قبل القبض وصدقه المرتهن عليه، فإن لم يصدقه، وكان بعد القبض، فقولان كما سبق، ولا فرق أيضًا على المشهور بين أن تكون وضعت لأقل من ستة أشهر من حين القبض، أو لأكثر إذا كان في مدة الإمكان من حين الوطء، وجزم الماوردي فيما إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من حين القبض وكان إقرار الراهن بالوطء وبالولد بعد القبض، أنها تخرج من الرهن للعلم بتقدم العلوق على القبض وخصَّ القولين بما إذا كان لأكثر من ستة أشهر من حين القبض وأقل من أربع سنين، وهذا الذي جزم به وجه محكيٌّ في "النهاية" (٤) مفصل مع وجهين مطلقين، ومستند
стр. 949
التفصيل أنها إذا أتت به لستة أشهر فما دونها من حين القبض تحققنا وجوده حالة القبض، فإقرار الراهن بعد ذلك يرد على غير محل الراهن فيقبل، وقد كان موجودًا حالة القبض، فيقع ثبوت الاستيلاد تابعًا، وفيما إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر يحتمل أنها علقت بعد تمام الرهن، فلا يقبل قوله لاستلزامه الاستيلاد، فيكون قد رفعنا الرهن التام بأمر محتمل. وجوابه: أنه في القسم الأول يحتمل كذبه، فقد رفعنا الرهن المحقق بأمر محتمل، وقد عرفت بهذا أن في قبول إقراره بعد القبض طريقين؛ أصحهما: إجراء القولين.
والثانية: القطع بالقبول فيما إذا وضعت لستة أشهر فما دونها من حين القبض، وتخصيص القولين بما بعدها إلى تمام أربع سنين، وأنه حيث قبلنا قوله، وكان قد استلحق الولد؛ فالرهن باطل، وإن لم يستلحقه، واقتصر على الإقرار بالوطء المثبت للحوق، فكذلك على الأصح؛ خلافًا لأبي الفياض.
فرع
هذا جميعه في الاستيلاد بالنسبة إلى الجارية، أما الولد، فقالوا في جميع الأحوال: إنه لاحق به ثابت النسب إذا أتت به لمدة الإمكان، وقد اعترف بالوطء؛ لأنه لا حقَّ للمرتهن فيه؛ هكذا أطلقوه. قال ابن الرفعة: "وعندي فيه بحث إذا كان الوضع لدون ستة أشهر من حين عقد الرهن يتلقى من أن رهن الجارية الحامل هل يقتضي دخول الحمل في الرهن إذا وضعته قبل البيع في الرهن أو لا يدخل؟ وفيه قولان؛ فإن قلنا: يدخل، فينبغي أن يكون في ثبوت حريته الخلاف فيما إذا ادعى عتقًا قبل الرهن، فإن لم نقبله، فلا استيلاد.
стр. 950
وإن قبلناه أو قلنا: الحمل لا يدخل في الرهن جاء الكلام بعده في ثبوت الاستيلاد بالنسبة إلى المرتهن وعدمه". انتهى. وهذا الذي قاله قوي متعين لا بد منه وهو استدراك على الماوردي والإمام وغيرهما، وعذرهم في ذلك أن المذهب الجديد عدم دخول الحمل في الرهن، ففرعوا عليه واقتصروا، وممن صرح بأن الجديد عدم دخول الحمل في الرهن الإمام وقال: إن القديم الدخول، وهكذا الماوردي حكى في دخول حمل الشاة وصوفها ولبنها قولين؛ الجديد: أنها لا تدخل في الرهن.
والقديم: تدخل، والثمرة غير المؤبرة لا تدخل قديمًا وجديدًا (١) ومن الأصحاب خرج القديم فيها، ومنهم من امتنع من التخريج، وفرق، ونصُّ الشافعي في "الأم" يشهد لما قاله الإمام، والماوردي، فإنه قال: "وإذا رهن الرجلُ الرجل شاة حبلى، فولدت أو غير حبلى، فحبلت وولدت، فالولد خارج من الرهن؛ لأن الرهن في رقبة الجارية دون ما يحدث منها، وهكذا إذا رهن الماشية ماخضًا فنتجت أو غير ماخض فمخضت ونتجت، فالنتاج خارج من الرهن، وكذلك لو رهنه شاة فيها لبن، فاللبن خارج من الرهن؛ لأن اللبن غير الشاة" (٢).
قال الربيع: "وقيل: اللبن إذا كان فيه حين الرهن، فهو رهن معها، كما يكون إذا باعها كان اللبن لمشتريها، وكذلك نتاج الماشية إذا كانت ماخضًا وولد الجارية إذا كانت حبلى يوم رهنها" (٣). انتهى. وسنذكر ذلك عند ذكر المصنف لدخول الثمرة في باب ما يدخل في الرهن، والقصد هنا التنبيه
стр. 951
على أن الماوردي والإمام وغيرهما، إنما أطلقوا خروج الولد تفريعًا على الجديد.
نعم، الرافعي ﵀ ورضي عنه - قال هنا كما قالوه، وإنه على كل حال الولد حرٌّ ثابت النسب عند الإمكان، وقال فيما إذا كان الحمل عند الرهن وولدت قبل البيع: "إن قلنا: الحمل لا يعلم فهو كالحادث بعد العقد، يعني: فلا يدخل.
وإن قلنا: يعلم فهو رهن يباع مع الأم كما لو رهن شيئين" (١)، وهذا منه يقتضي ترجيح الدخول؛ لأن الراجح عنده أن الحمل يعلم، فيكون الاستدراك عليه أشد، والسؤال أقوى، هذا كله في حق المرتهن، أما في حق الراهن فإقراره مقبول في حق الولد والأم معًا، كما نبهنا عليه وليس عندنا في النص الذي حكيناه عن "الأم" شاهدًا (٢) للماوردي والإمام إلا أنه قد يكون من تفاريع القول، بأن الحمل لا يعلم، والعمدة ما نقلاه عن الجديد، وسنتعرض لذلك إن شاء الله في باب ما يدخل في الرهن.
فرع
إذا قبلنا إقرار الراهن بالاستيلاد وأبطلنا الرهن بإقراره بعد القبض فلا غرم عليه؛ لأنه بان لنا بالآخرة بطلان الرهن كما لو قامت به بينة، ذكره الماوردي.
* * *
стр. 952
فرع
حيث أبطلنا الرهن هل يثبت الخيار إذا كان مشروطًا في بيع؟ قال الماوردي: "إن كان الوطء الذي به الإحبال بعد العقد، وقبل القبض، فالبيع جائز، والرهن باطل، وإنما كان البيع جائز؛ لأن بطلان الرهن المشروط فيه، كان بعد القبض (١)؛ فصار كبطلان الرهن التالف بعد العقد وقبل القبض، وذلك غير مبطل للبيع كذلك هنا، وإذا لم يبطل البيع، فالبائع بالخيار لعقد الرهن الذي شرطه بين إمضاء البيع بلا رهن وفسخه، وإن كان الوطء قبل العقد، فقد بان أنها كانت أم ولد حال العقد، فلم يجز رهنها ولا العقد عليها، وصار البيع معقودًا بشرط رهن باطل، فكان في البيع قولان؛ أحدهما: باطل.
والثاني: جائز، ولكن يكون البائع بالخيار بين إمضاء البيع بلا رهن وفسخه" (٢). انتهى.
وكأنه صوَّره فيما إذا عيَّن الجارية في الشرط، فلو فرض شرط رهن جارية موصوفة فرهنها وقد وطئها بعد البيع، وقبل الرهن، كان كما لو وطئ بعد العقد وقبل القبض.
والحاصل: أنه إن وطئ بعد الرهن وقبل القبض ثبت الخيار، وإن وطئ قبل الرهن ولم يكن عينها في الشرط ثبت الخيار، وإن كان عينها.
فإن قلنا: البيع صحيح ثبت الخيار، وإلا فهو باطل، وهذا كلام صحيح، وينبغي أن يكون مطردًا، سواء أقر الراهن قبل الرهن أو بعده، وقبل القبض أو بعد القبض وصدقه المرتهن، أو قامت بينة أو كذبه وقبلنا إقراره على أحد القولين.
стр. 953
وقال الشيخ أبو حامد: إن أقر بوطئها في حال عقد الرهن يعني: وسلمها ثم ظهرت حاملًا، فلا خيار للمرتهن؛ لأنه أقر بأنها فراش له في وقت لم يكن للمرتهن حق، فإذا أتت به على فراشه، والمرتهن دخل مع العلم بذلك لم يكن له حق، وإن أقر بذلك بعد الرهن وقبل القبض ثبت الخيار - يعني: وإن أقر بذلك بعد القبض - وقلنا: يقبل قوله ثبت الخيار وما قاله فيما إذا صدر الإقرار قبل الرهن ليس بجيد، فإنا نحكم ببطلان الرهن، ولا وجه مع ذلك إلا ثبوت الخيار حيث يصح البيع، أو بطلان البيع حيث يتقدم الوطء، ويشرط رهنها بعينها وصاحب "التتمة" حكى عن الشيخ أبي حامد قوله ثم قال: ومن أصحابنا من قال: يثبت الخيار؛ لأنا جعلنا الأصل عدم الحبل حتى صححنا الرهن والقبض ولا يجعل قبضه رضًا بسقوط حقه. انتهى.
وهذه العلة لا تحتاج إليها، وبعض الأصحاب الذي أشار إليه المتولي، أما الماوردي وأما ابن الصباغ، فإنه قال في "الشامل" عندي: يثبت الخيار بكل حال وكان قد نقل عن القاضي أبي الطيب أنه لا خيار، وأن الشيخ أبا حامد قال ذلك في التعليق وأن المحاملي في "المجموع" قال: إن كان أقر بالوطء قبل العقد فلا خيار، وإن كان بعض القبض فله الخيار وقد اجتمع مما ذكرناه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ثبوت الخيار مطلقًا وهو قول ابن الصباغ وهو الأصح، وهو قول الماوردي أيضًا تفريعًا على صحة البيع (١).
والثاني: عدم الخيار مطلقًا، وهو قول القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد، على ما نقله ابن الصباغ.
والثالث: ما نقلناه نحن عن أبي حامد إن كان أقر قبل الرهن، فلا خيار، وإن كان بعده قبل القبض ثبت الخيار هكذا عندي في تعليقة بخط سليم،
стр. 954
وما حكاه عن "المجموع" وإن أقر قبل العقد فلا خيار، وإن كان بعد القبض ثبت الخيار، والذي رأيته في "المجموع" إن كان بعد القبض ثبت الخيار، ومراده بعد العقد وقبل القبض؛ لأنه بعد ذلك تكلم فيما بعد القبض؛ فحينئذ كلامه في "المجموع" مثل الذي رأيته في "تعليقة أبي حامد"، ولو ثبت ما نقله ابن الصباغ عن "المجموع" لكان وجهًا رابعًا، ولكنه بعيد ومع ذلك فهو ساكت عما إذا كان بعد العقد وقبل القبض، والصواب من ذلك كله ما قدمناه عن الماوردي وكيف يقول أبو الطيب أو غيره: إنه لا خيار إذا أقر قبل العقد أو بعده وقبل القبض؟! ولا شك أنه إذا أقر قبل العقد، فالعقد أعني عقد الرهن حينئذ باطل - أعني: تبين بالوضع بطلانه - فلم يوجد الرهن المشروط، والقول بإنكار الخيار مع صحة البيع لا يجتمعان، إلا أن يقول ببطلان البيع رأسًا، وحينئذ لا يحسن القول بأنه لا خيار، ولا بأنه يثبت الخيار، لكن الشيخ أبو حامد ينكر الخيار مع صحة البيع؛ لوجود صورة الرهن والقبض الصحيحين ظاهرًا، وإن تبين فسادهما، أما في صورة حدوث الوطء بعد الرهن وقبل القبض والفرض إنه اتصل الإحبال به، فقد بطل الرهن، فيثبت الخيار إذا علم به البائع قبل القبض قطعًا، وكذا إن لم يعلم بالوطء حتى قبض وتبين الحمل قطعًا، نعم، إن علم بالوطء قبل القبض، وقبض مع ذلك، ثم ظهر الحمل فها هنا يحتمل أن يقال: لا خيار؛ لوجود صورة القبض الصحيح ظاهرًا مع العلم بالوطء، ويحتمل أن يقال بثبوته؛ لأنه تبين أن لا رهن.
وقد أطلنا في هذا، والمتلخص منه: قول الماوردي، وزيادة أنه إن علم البائع بالحال قبل القبض، فالأصح أنه كما لو علم بعد القبض فيثبت الخيار، وقيل: إن علم قبل العقد، فلا خيار، وإن علم بعده وقبل القبض
стр. 955
ثبت، وقيل: لا يثبت سواء علم قبل العقد أم قبل القبض وهو مقتضى نقل ابن الصباغ عن أبي حامد وأبي الطيب، أما إذا لم يعلم إلا بعد القبض، فلا قائل بعدم الخيار فيما أعلمه، إلا ما أفهمه كلام ابن الصباغ.
فرع
هذا حكم الجارية إذا قلنا: تخرج من الرهن.
فإن قلنا: هي باقية؛ قال الماوردي: "فلا يجوز بيعها إذا أمكن استيفاء الحق من الراهن، فإذا استوفى الحق منه خرجت من الرهن، ثم هي أم ولد له لا يجوز له بيعها ولا رهنها وإن لم يمكن استيفاء الحق منه بيعت، لما قد تعلق برقبتها من حق المرتهن، فإن عاد الراهن فملكها بابتياع أو هبة، فقد صارت أم ولد له يحرم بيعها ورهنها" (١).
فرع
تقدم منا اعتبار وقت القبض، وهي عبارة القاضي حسين، والإمام والماوردي (٢) وغيرهم، ووقع في عبارة الغزالي والمتولي وقت الرهن، والصواب الأول؛ لأن المرهون قبل القبض بمنزلته قبل العقد في جواز الوطء، وثبوت الخيار بما يطرأ عليه.
فرع
هذا كله إذا كان الوطء المقر به متقدمًا على الرهن أو على القبض، أما إذا كان بعد القبض، فسيذكره المصنف.
* * *
стр. 956
فرع
قال في "الاستقصاء": لا خيار للمرتهن سواء كان الرهن شرط في البيع أم لا؛ لأنه قبضها مع الرضا، وقيل: يثبت إن شرط وليس بشيء، وهذا كأنه تبع فيه القاضي أبا الطيب، وقد عرفت ما فيه.
فرع
لو قالت الجارية: ما وطئني وليس هذا الولد منه، لم يلتفت إليها؛ بل لو رجع السيد عن إقراره لم يقبل منه، ولو قالت: وطئني أو هذا الولد منه، فهذا يلتفت على سماع دعواها الاستيلاد قبل العرض على البيع.
وقد قال الإمام هنا: إنها لو أقامت البينة على الوطء، كان الحكم كما لو أقام الراهن، وكأنه جعل الرهن بمنزلة العرض على البيع وهو صحيح؛ لأن المقصود به البيع، ومن هنا يؤخذ أن للجارية دعوى الاستيلاد، إذا رهنها جزمًا كما لو عرضها للبيع.
فرع
لو رهن جاريتين قد وطئ إحداهما دون الأخرى، ثم قال: هي فلانة خرجت من الرهن، فإن قال بعده: غلطت بل هي الأخرى قُبِل أيضًا، وخرجت من الرهن، ولزمه أن يدفع قيمتها للمرتهن رهنًا مكانها أو قصاصًا من الحق؛ قاله صاحب "الاستقصاء".
فرع
قال: وطئت إحداهما ولا أعرفها أخذ بالبيان، فإن تعذر، فقيل: يعرض الولدان على القافة، فمن ألحق به منهما كانت أم ولد وخرجت من الرهن، فإن لم يكن قافة فلا سبيل إلى بيعهما حتى يقع البيان إلا أن يكون موسرًا، فيقضي الدين من ماله، ثم يعمل في بيان من منهما أم ولد.
стр. 957
فرع
لو لم يصادف ولدًا في الحال، وزعم الراهن أنها ولدت منه قبل الرهن، ففيه التفصيل السابق والخلاف.
فرع
لو لم تضع ولكن ظهر حملها قال المتولي: إذا رهن الجارية وبها حبَل ظاهر، وهو معترف بالوطء، فالرهن باطل، وكذلك لو لم يكن الحبَل ظاهرًا وقت العقد، ولكن تأخر التسليم، فظهر بها الحمل فسلمها أو الحبل ظاهر، فالعقد باطل؛ لأن الرهن لا حكم له من غير قبض والقبض لم يصح لثبوت حكم الاستيلاد، حتى لو كان الرهن مشروطًا في البيع، كان للمرتهن الخيار، فأما إذا وطئها ثم رهنها وسلمها، فالرهن صحيح، فلو ظهر بها حبل وولدت، فذكر المتولي ما سبق من الأقسام.
فرع
قال المتولي: إذا قلنا: لا نقبل إقراره فقد ذكر الشافعي ﵁ نجعل ذلك بمنزلة الاستيلاد ينشئه بعد الرهن، وعتق يبتدئه بعد الرهن فقال في مسألة جناية الرهن: ولو أقر أنه أعتقه لم يضر المرتهن، فإن كان موسرًا أخذت منه قيمته، وجعلت رهنًا مكانه، وإن كان معسرًا بيع في الرهن، ومتى رجع إليه عتق؛ لأنه مقرٌّ أنه حرٌّ، وهذا جواب على قولنا: لا يبطل الرهن بإقراره، ووجهه أن من ملك إنشاء شيء قبل إقراره به ولا يلغى، كالزوج إذا أقر بالرجعة في زمان العدة كذا هنا إذا قلنا: يصح عتقه وإحباله لا يمكن القول بإلغاء عتقه وإحباله، وكان القاضي حسين يقول: قياس المذهب إذا قلنا: لا يقبل إقراره في بطلان الرهن أن يلغى حكمه في الوقت؛ لأن الإقرار إخبار عن أمر سابق، فيقبل ممن يملك الإنشاء ولكن لا يجعل إنشاء سبب في الحال. انتهى.
стр. 958
وهذا الذي قاله القاضي ظاهر، وما نقله المتولي عن الشافعي يحتمل أن يوافق في المعنى ما سبق عن الماوردي إذا قلنا: هي باقية في الرهن لا تباع إذا أمكن الاستيفاء من الراهن، وتبين أنه مفرع على أنه يغرم إذا كان موسرًا، لكنه يلزم على مقتضى هذا التفريع؛ أنا إذا أخذنا القيمة عند يساره تخرج الجارية من الرهن، والماوردي قد فرع على أنها باقية، فليتأمل، وإذا أخذت بظاهر الكلامين، حصل خلاف فيما يفعل عند عدم قبول إقراره.
فرع
لو رهن عبدًا وسلمه، ثم قال: كنت أعتقته أو غصبته أو اشتريته شراء فاسدًا أو بعته أو وهبته وأقبضته أو أتلف مالًا أو جنى على نفس، فقولان سيذكرهما المصنِّف في الإقرار بالجناية، وسنشرحهما هناك في باب اختلاف المتراهنين، وهو اللائق بأكثر هذه الفروع التي ذكرناها هنا، ولكنا قدمناها لتعلقها برهن الجارية الموطوءة حيث تكلمنا فيها، وأصح القولين أنه لا يقبل قول الراهن، وفي الإقرار بالعتق قول ثالث، أنه إن كان موسرًا نفذ وإلا فلا تنزيلًا للإقرار بالإعتاق، منزلة الإعتاق ونقله الإمام في الصور كلها، وجعلها على ثلاثة أقوال.
فرع
لا خلاف في جواز رهن ما أشار إليه المصنف من سائر الأموال؛ كالدراهم، والدنانير، والثياب، وغيرها، ويجوز أن يرهن الدراهم في الدراهم وفي الدنانير، والدنانير في الدنانير وفي الدراهم سواء كانت المرهونة جزافًا أم معلومة موزونة، أو غير موزونة إذا كانت مشاهدة، قاله الماوردي (١). والجواري يجوز رهنها، وفي الجارية الحسناء قول عن رواية
стр. 959
الشيخ أبي علي أنه لا يجوز رهنها، إلا أن تكون محرمًا للمرتهن (١)، والمذهب المشهور الجواز مطلقًا (٢)، ثم إن كانت صغيرة لا تُشتهى فهي كالعبد، وإلا فإن رهنت من محرم أو امرأة فذاك، وإن رهنت من أجنبي ثقة وعنده زوجته أو جاريته أو نسوة يؤمن معهن من الإلمام بها، فلا بأس، وإلا فلتوضع عند محرم لها، أو امرأة ثقة، أو عدل بالصفة المذكورة في المرتهن، فإن شرط وضعها عند غير مَن ذكرنا، فهو شرط فاسد، وألحق الإمام بالصغيرة الخسيسة مع دمامة الصورة (٣)، لكن الفرق بينهما ظاهر، وجزم ابن داود بأن الآيسة العجوز كالصغيرة تسلم إلى مرتهنها، وهذا نوع مما قاله الإمام وفيه نظر، والذي ينبغي المنع متى كانت تشتهى ولو كان المرهون خنثى، فهو كما لو كان جارية إلا أنه لا يوضع عند المرأة.
وقال ابن الرفعة على القول الذي حكاه أبو علي، أنه يجوز رهن الجارية من المرأة، ولا يجوز من الخنثى؛ لاحتمال الرجولية، وكذا لا يجوز رهن الخنثى من المرأة، لاحتمال ذكورته. انتهى.
وهذا يقتضي أنه يمتنع رهن العبد من المرأة على ذلك القول، فإن كان أخذ ذلك بالقياس على رهن الجارية من الرجل، فيمكن الفرق، وكلام الشافعي يشهد لما قاله الأصحاب من جواز رهن الصغيرة وذلك لا خلاف فيه، وتوقف رهن الكبيرة على الشروط المذكورة قال في "الأم": "وأكره رهن الأمة البالغ أو المقاربة للبلوغ، التي يشتهى مثلها من مسلم، إلا على أن يقبضها المرتهن، فيقرها في يدي مالكها، أو يضعها على يدي امرأة، أو
стр. 960
محرم للجارية، فإن رهنها مالكها من رجل، وأقبضها إياه لم أفسخ الرهن، وكذا لو رهنها من كافر غير أني أجبر الكافر على يدي عدل مسلم، وتكون امرأة أحب إليّ، ولو لم يكن امرأة وضعت على يد رجل عدل معه امرأة عدل" (١). انتهى. وقال أيضًا في "الأم" (٢): "وإن رضي الراهن والمرتهن أن يضعا الجارية على يدي رجل غير مأمون عليها؛ جبرتهما أن يرضيا بعدل توضع على يديه، فإن لم يفعلا؛ اخترت لهما عدلًا إلا أن يتراضيا أن تكون على يدي مالكها أو المرتهن". انتهى.
وذكر الماوردي أنه إذا شرط في العقد أن يكون عبدًا أجنبيًّا غير متصف بما وصفناه، يبطل الشرط، ويصح العقد؛ لأن فساد الشرط لحق الله تعالى، فتوضع على يد امرأة ثقة، وهذه فائدة حسنة في صحة العقد مع فساد الشرط، وكذلك قاله الروياني. وذكر أن رهن الإماء مكروه في الجملة (٣)، وسيأتي في كلام المصنف وضع الجارية عند من يكون في أواخر هذا الباب، وإنما قدمنا منه هذا القدر حيث ذكرنا جواز رهنها.
* * *
стр. 961
قال:
فصْل
وما جاز رهنه جاز رهن البعض منه مشاعًا؛ لأن المشاع كالمقسوم في جواز البيع، فكان كالمقسوم في جواز الرهن.
لا يشترط كون المرهون مفرزًا، بل يصحُّ رهن المشاع؛ كجزء من دار، أو سيف، أو غيرهما، سواء رهن من شريكه أم من غيره، وسواء كان مما يقبل القسمة أم مما لا يقبلها، وبه قال مالك (١) وابن أبي ليلى وعثمان البتي والأوزاعي وسَوَّار وعبيد الله بن الحسن (٢) وأحمد (٣) وأبو ثور (٤).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز رهنه من غير الشريك، وفي رهنه من الشريك روايتان عنه وقالوا: إن إجازة المشاع تجوز من الشريك دون غيره، وأن هبة المشاع إن كان مما ينقسم تجوز، وإن كان مما لا ينقسم لا تجوز (٥)، ووافقونا على جواز بيع المشاع من الشريك، ومن غيره سواء كان مما ينقسم أم لا، وقاس أصحابنا الرهن على البيع والشائع على المفرز،
стр. 962
فكما يجوز بيع المشاع يجوز رهنه، وكما يجوز رهن المفرز بالقسمة يجوز رهن المشاع، وقد أطال الشافعي في الرهن الصغير في المناظرة في ذلك، وتقرير أن القبض في البيع والرهن سواء، ثم قال: "والذي يخالف لا يحتج فيه بمتقدم من أثر فيلزم إتباعه، وليس بقياس ولا معقول" (١).
قال الشيخ أبو حامد وغيره: وسبب امتناعهم من جواز رهن المشاع بكل حال، أن عندهم استحقاق استدامة القبض شرط في صحة الرهن، فإذا رهن المشاع استحق الشريك إزالة يد المرتهن عنه في اليوم الثاني، فلا يوجد الشرط، فلا يصح، والخلاف بيننا وبينهم في فصلين في جواز رهن المشاع في الجملة، وفي أن استحقاق استدامة القبض شرط عندهم، وعندنا ليس بشرط ورأى الماوردي تقديم الكلام في الثاني على الأول، فيقول: "عندنا ليس استدامة القبض بشرط، وإن خرج المرهون من يد المرتهن باستحقاق، كالإجارة، أو بغير استحقاق كالإعارة ولم يبطل الرهن.
وقال أبو حنيفة: استحقاق استدامة اليد شرط فإن خرج بإجارة بطل الرهن؛ لأنه لا يقدر على انتزاعه، وإن خرج بعارية أو غصب لم يبطل؛ لقدرته على انتزاعه وجعلوا عمدتهم شيئين؛ أحدهما: أن استحقاق إزالة يد المرتهن عن الرهن - بمعنى فارق الرهن - يبطل الرهن أصله، إذا رهن شيئًا مستحقًّا" (٢).
وقولهم: استحقاق احتراز عما إذا أعاد الراهن بإذن المرتهن لا يبطل.
وقولهم: بمعنى قارن العقد احتراز مما إذا باع الراهن نصف الدار المرهونة بإذن المرتهن؛ فيستحق الشريك إزالة يد المرتهن، ولا يبطل به الرهن.
стр. 963
والثاني: أن استدامة القبض شرط لقوله تعالى: "فرُهُن مقبوضة"، فبزوال القبض تزول الوثيقة، ولأنه محبوس لحق الاستيفاء على قاعدتهم، فزوال اليد مزيل لحق الاستيفاء، كالمبيع المحبوس في يد بائعه، لاستيفاء ثمنه وأصلهم أن الرهن مقبوض قبض استيفاء كما قدمناه عنهم، واستحقاق اليد عندهم حكم أصلي للرهن، يتبعه امتناع التصرف.
وأما عندنا فالحكم الأصلي للرهن هو الاختصاص بالعين لتباع، ويستوفى منها الدين، ويتبعه استحقاق اليد وامتناع التصرف، وأورد أصحابنا عليهم أنهم إن اعتبروا استحقاق اليد من حيث الصورة واستدامتها، فباطل بالعارية، والغصب لا يبطل الرهن بهما بالإجماع وإن كان من حيث الحكم، فإذا آجره الراهن بإذن المرتهن فيد المستأجر كيد المرتهن حكمًا كالعدل، ومنعوا أن من ارتهن مشاعًا يستحق إزالة يده؛ لأن المهايأة عندنا لا تجب وإنما تتعلق برضا الشريكين، وبينوا أن قولهم بمعنى قارن العقد لا يؤثر؛ لأنهم قالوا: لو أذن المرتهن للراهن، فآجر بطل الرهن والإجارة طارئة، وإذا سقط وصف المقارنة، بطلت العلة؛ كما إذا باع نصف الدار المرهونة بإذن المرتهن، فإنهم قالوا: الرهن صحيح مع استحقاق الإزالة، هكذا نقل هذه المسألة عنهم أصحابنا الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما، وراجعت الحنفية في ذلك، فقالوا: إنها رواية في الشيوع الطارئ ومشهور المذهب عندهم، أنه لا فرق بين الشيوع الطارئ والمقارن، لكنهم لم ينصوا على هذه المسألة التي نقلها أصحابنا في البيع، وإنما مثلوا الشيوع الطارئ بأن يتقايلا في نصف الرهن، وليست مسألة البيع في كتبهم، ورأيتهم يقولون: إنه لا فرق قال أصحابنا: ولو حصلت مهايأة كان في يد صاحبه في مؤنته، كما يكون في يد العدل، فلم يخرج من الرهن
стр. 964
كما ادعوه، واستدلت الحنفية بالقياس على القرض والقراض.
قال أصحابنا: قرض المشاع جائز، نص الشافعي على أنه إذا باعه نصف دينار مشاعًا، وسلمه إليه النصف عن البيع، والنصف قرضًا؛ جاز.
وأما القراض، فإن كان مع الشريك جاز وإن كان مع غيره، فالمقصود التصرف، وهو غير حاصل بخلاف مقصود الرهن.
والجواب عن الآية: أنها لم تشترط استدامة القبض وأما إمساك البائع المبيع فليس بعقد، وإنما هو لاستيفاء الثمن بخلاف الرهن، فإنه محبوس بعقد؛ فلذلك لا يسقط حقه بالإعارة، وكأن هذا الاستدلال وجوابه مبني على أن حق حبس المبيع يبطل بالإعارة، وهو الأصح واستدل أصحابنا على أن استدامة القبض واستحقاقها ليس بشرط بقوله ﷺ : "لَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَالظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا". رواه البخاري (١)، وأبو داود (٢) والترمذي (٣)، وابن ماجة (٤)، وهذا لفظ أبي داود وقال: وهو عندنا صحيح. وفي لفظ آخر في هذه الكتب أيضًا: "وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ" (٥) ووجه الاستدلال أن الركوب إن كان للراهن حصل المقصود؛ لأنه يصير مستحقًّا لإزالة يد المرتهن عنه، وإن كان المرتهن. قال الماوردي: "لم يجز لأمرين؛ أحدهما: إجماعهم أن المرتهن لا يستحق ذلك.
والثاني: أنه جعل على الراكب والشارب نفقة الرهن، والنفقة واجبة على
стр. 965
الراهن دون المرتهن، هكذا قال الماوردي (١)، وهو مذهب الشافعي (٢)، وليس بإجماع، وقد قال أحمد وإسحاق: للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة.
قال أحمد: وليس له أن ينتفع بشيء غيرهما (٣).
وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق، لم ينتفع به المرتهن، وإن كان لا ينفق، وتركه في يد المرتهن، فأنفق عليه، فله ركوبه، واستخدام العبد (٤) وقول الماوردي هنا محمول على الإجماع بيننا وبين الحنفية، فإنهم وافقوا على ذلك (٥)، وقد ذكر الماوردي في موضع آخر خلاف أحمد وسنذكره - إن شاء الله - في باب ما يدخل في الرهن.
إذا عرف هذا عدنا إلى رهن المشاع، وقلنا: مقصود الرهن حاصل به، ولا مانع فيه لما تبين، فوجب أن يصح كالبيع، وقد يضمن الكلام الأول الجواب عن كل ما يتمسكون به فيه، وقد وافق مالك أبا حنيفة - رحمهما الله - في أن استدامة القبض شرط، ووافقنا في أن رهن المشاع جائز.
فرع
في قبض المشاع، قال الشافعي في "الأم" في رهن المشاع:
"والقبض: اسم جامع وهو يقع بمعان مختلفة، كيف ما كان الشيء معلومًا أو كان الكل معلومًا، والشيء من الكل جزء معلوم من أجزاء وسلم، حتى لا يكون دونه حائل، فهو قبض" ثم قال: "والذي يكون في
стр. 966
البيع قبضًا يكون في الرهن قبضًا لا يختلف ذلك" (١).
وقال الشيخ أبو حامد: إذا رهن نصف دار مشاعًا، فالتسليم فيه بأن يمكنه منه على ما يمكنه في البيع، ثم إن رضي الراهن بأن يخلي كل الدار يكون نصفها في يده رهنًا، ونصفها وديعة فعل، وإن لم يرض ورضي المرتهن بأن يترك النصف الذي ارتهنه، فيكون الكل في يده النصف بحق الملك والنصف أمانة للمرتهن، كما يكون في يد العدل فعل، وإن لم يرض واحد منهما، فالحاكم يأمر بتسليم ذلك من عدل، فيكون في يد العدل لهما. وقال المحاملي في "المجموع": وإن رهنه أرضًا مشاعًا، فلابد أن يحضر الراهن والمرتهن والشريك ويقبض الشيء على حسب حاله، فإن تراضوا على أن يكون الشيء في يد المرتهن جاز، فيكون نصفه رهنًا ونصفه وديعة، وإن لم يتراضوا بأحد هذين، أقام الحاكم أمينًا تكون في يده وديعة لهما.
وقال في "التجريد": إذا ثبت جواز رهن المشاع، فلا يلزم إلا بالقبض، فإن رضي الراهن والشريك الذي لم يرهن يكون الشيء في يد المرتهن جاز، ويكون نصيب الراهن في يده رهنًا، ونصيب الآخر وديعة، وإن لم يرض الشريك الآخر بذلك ورضي المرتهن والراهن بأن يكون الشيء في يد الشريك الآخر جاز، وإن تشاحوا أقام الحاكم لهم أمينًا يكون الشيء في يده وديعة للشريك ورهنًا للمرتهن.
وقال الماوردي: "المشاع غير المنقول؛ كالأرض والدار يفتقر إلى حضور الشريك؛ لأن من شرطه ألا يكون مانعًا، وللشريك يد، وفي
стр. 967
المنقول لا يشترط حضوره؛ لأن قبضه بالنقل، فإن أذن الشريك للمرتهن أو المرتهن للشريك جاز، وإن أذنا لعدل جاز" (١).
وقال صاحب "البيان": "إذا رهن سهمًا مشاعًا في عين بينه وبين غيره، فإن كان مما لا ينقل، فإن الراهن يخلِّي بينه وبين المرتهن سواء حضر الشريك أم لم يحضر، وإن كان مما ينقل كالجواهر والعبيد وما أشبهها، فإن القبض لا يحصل فيها إلا بالنقل ولا يمكنه تناولها إلا بإذن الشريك، فإن رضي الشريك تناولها، وإن امتنع فإن رضي المرتهن أن تكون في يد الشريك جاز وناب عنه في القبض، وإن تنازعا، فإن الحاكم ينصب عدلًا يكون في يده لهما، فإن كان مما له منفعة أجره عليهما" (٢).
وقال الروياني: يكريه عليهما أو يضعه على يد عدل.
وقال النووي في "روضة الطالبين": "قال أصحابنا" (٣) ثم ذكر ما في "البيان" فأما قوله: سواء حضر الشريك أم لم يحضر، فإنه خلاف ما حكيناه عن "المجموع" وما قاله في "المجموع" أولى؛ لأن يد الشريك حائلة، فإذا لم يحضر أو يأذن كيف تحصل التخلية والقبض؟!
نعم، ينبغي أن يقال: إن حضوره ليس بشرط ولكن إذنه شرط، وبه يصح إطلاق كلام "البيان" ويحمل عليه كلام "المجموع"؛ أي: إذا لم يأذن، وكذا ما حكيناه عن الماوردي، وما أفهمه كلام الماوردي من أن المنقول بخلافه فصحيح، فإن النقل يحصل به القبض، سواء أكان بإذن الشريك أم بغير إذنه، لكنه لا يحل إلا بإذن الشريك، فالموقوف على إذن الشريك في المنقول حل القبض لا صحته، والموقوف عليه في العقار صحته.
стр. 968
وقال الإمام: "إذا جرى الرهن على الإشاعة فالقبض فيه يتأتى بتسلم كله" (١)، وفي هذه العبارة نظر؛ لأن الراهن ليس له أن يسلم نصيب غيره، وإنما يسلم نصيبه، لكن ذلك إن كان في منقول فحظ الراهن أن يأذن في قبض نصيبه ويتوقف نقله، والاستيلاء عليه على إذن الشريك، فإذا أذن ونقل المرتهن بمقتضى ذلك، فلا شك في حصول القبض للمرتهن والإقباض من الراهن إنما حصل في نصيبه، وهل يسمى ما صدر من الشريك الآخر إقباضًا لنصيبه أو لا؟
إن قلنا: نعم، وهو ظاهر كلام الأصحاب، فيصح؛ لأنه لا بد من تسليم الكل، لكن من مجموع الشريكين لا من الراهن وحده، ثم إذا جعلناه إقباضًا، فهل سبيله سبيل الإيداع أو سبيل الإعارة أو غيرهما؟ ما قدمناه عن المجموع وغيره يقتضي الأول وفيه نظر؛ لأن الغرض في الإيداع للمالك، وها هنا الغرض للقابض لإلزام الرهن، ولا غرض للشريك إلا تمكينه من ذلك ولا سبيل إلى جعله عارية؛ لأنه لم يأذن في الانتفاع على أنه قد يقال به؛ لأنه نوع من الانتفاع أن يتمكن من وضع يده على حقه في الرهن، وينبني على هذا البحث أن نصيب الشريك، هل يكون في يد المرتهن أمانة أو مضمونًا، وهكذا في يد المشتري لحصة منه إذا قبضها على الوجه المذكور فإن صرح بالإيداع أو بالإذن في الانتفاع، فلا إشكال في حكمهما، وهذه المسألة كثيرًا ما يُسأل عنها إذا تلفت العين المشتركة في يد أحد الشريكين، والذي أقول فيها إن كان بينهما مهايأة، فهي أمانة وإلا فإن أذن له في الانتفاع بأجرة معلومة أو مجهولة أو يعلفها فأمانة، أو بغير أجرة، فعارية مضمونة، وإن لم يحصل شيء من ذلك بل تسلمها لقبض البيع، ففيه
стр. 969
ما قدمت من البحث كلام الأصحاب؛ يقتضي أنها وديعة مأمونة بل صرحوا به، وعلله المتولي بأن ما قبضه ليتملكه ولا لينتفع به، ولا هو متعدٍّ في أخذه وإمساكه، وعندي فيه نظر لما قلته، فإن الشريك لا غرض له في التسليم والمرتهن أو المشتري للحصة له الغرض وهو ضرب من الانتفاع، فإذا لم يرض بأخذها مضمونة، ولا رضي الشريك بتسليمها أمانة، يسلمها الحاكم إلى عدل، وتبع الرافعي الإمام في عبارته، فقال: "القبض في رهن المشاع بتسليم الكل" (١).
فرع
في المهايأة بين المرتهن والمالك، أو بين الراهن والشريك، أما المهايأة بين المرتهن والمالك، إذا رهنه نصف عين يملك جميعها فلم أرها في كلام الأصحاب إلا أن الغزالي قال: "تجري المهايأة بين المرتهن والمالك" (٢) وهذا منه يشمل الصورة التي ذكرناها ولا مانع من ذلك، فإن المرتهن إذا قبض النصف استحق إدامة يده عليه، فإذا اتفقا على أن يكون عنده يومًا وعند المالك يومًا، فلا منع منه بل ها هنا إذا امتنع المرتهن من ذلك، وطلبه الراهن أولى بالإجابة من أحد الشريكين.
نعم، قد يقال: إن المهايأة لا تمكن بين المرتهن والراهن؛ لأن حقيقتها مقابلة منفعة بمنفعة والمرتهن لا يملك المنفعة، أما المهايأة فيما إذا رهن أحد الشريكين نصيبه وسلمه، فإنها جائزة، كما قبل الرهن، وقد أجبنا عن تمسك الخصم بها وغاية ما فيها أن تتبعض اليد، بحكم الشيوع، وذلك لا بأس به، كما لا بأس به لاستيفاء الراهن المنافع، لكن هل تكون المهايأة بين
стр. 970
الشريكين أو بين المرتهن والشريك الآخر؟ عبارة الرافعي: "إذا حصل القبض جرت المهايأة بين المرتهن والشريك جريانها بين الشريكين" (١) وحمل ابن الرفعة قول الغزالي: بين المرتهن والمالك على ذلك، ثم استشكل الكلامين بأن حقيقة المهايأة مقابلة منفعة بمنفعة، وإن كانت غير لازمة ابتداءً ولا دوامًا على المذهب، والمنفعة لا تصرف للمرتهن فيها، وإن كانت بإذن الراهن، فالمهايئ في الحقيقة هو الراهن لأجل المنفعة وحق المرتهن تابع، والإمام لم يتعرض لذلك، وإنما قال: "القبض فيه يتأتى بتسليم كله، ثم يرتد إلى مالك النصف الذي لم يرهن على مهايأة ومناوبة" (٢) وأقول: إن حقيقة المهايأة لا تقتصر على مقابلة منفعة بمنفعة؛ ولهذا لا يشترط فيها المدة ولا العلم بالمنفعة، ويدخل فيها ما ليس من المنافع كالأكساب، ويحكم على المبعض في نوبته بحكم الأحرار، وفي نوبة السيد بحكم العبيد، فحقيقتها تصرف في الرقبة وقسمة أحكامها على الزمان، وأول ما ينشأ عن تلك القسمة استحقاق اليد وتتبعه المنافع والأكساب وغيرها من الأحكام، فإن جرت المهايأة بين المرتهن والشريك، فلا فائدة لها إلا في اليد واليد له - أعني: للمرتهن في الرهن بعد القبض - فله التصرف فيها لكن ليس للشريك أخذه بمقتضى ذلك، حتى يأذن الراهن لما فيه من الحق، وإن جرت بين الشريكين، ففائدتها قسمة الأحكام المذكورة ولا فائدة لها فيما يستحقه المرتهن من اليد، فلا يتسلط بها الشريك على أخذه، حتى يأذن المرتهن، وإذا أذن الراهن للمرتهن في المهايأة كان المرتهن وكيلًا فيما للراهن ومستقلًّا فيما له، فلا يكون الراهن
стр. 971
وحده هو المهايئ، وكذلك إذا أذن المرتهن للراهن فصح بذلك ما أطلقه الرافعي، وصار لكل واحد من الراهن والمرتهن حق يقبل المهايأة مع الشريك، ولمجموعها يتم للشريك ما يقصده منها، وبأحدهما يحصل له بعض المقصود.
فرع
تقدم من كلام صاحب "البيان" فيما إذا تمانع الشريكان في القبض، وكان في المرهون منفعة أن الحاكم يؤجره، وكذلك قال صاحب "الاستقصاء" وزاد أنه يكريه إلى مدة تكون دون محل الدين حتى يمكن بيعه في محله للمرتهن، وقد تقدم أن النووي وافق على الإجارة وذلك هو الصحيح المذكور في باب القسمة، فيما إذا أصر الشريكان على النزاع في المهايأة، ولم يمكن القسمة ولا أمكن أحدهما الآخر من الانتفاع، فإن فرضت المسألة هنا؛ كذلك كان ما ذكروه مفرعًا على الصحيح المذكور هناك، وأما إذا لم يحصل إلا امتناع الشريك من قبض المرتهن، فلا وجه للإيجار، بل يقتصر على وضعه عند عدل؛ لأن الإجارة لازمة تضر بهما، ووضعه عند عدل يحصل به المقصود من لزوم الرهن ووثيقة المرتهن، وقد يتفقان بذلك مع المرتهن، أو ينفك الرهن قبل المدة التي يقدر أنه يؤجره إليها قبل محل الدين.
فرع
لو شرط أن يكون عند المرتهن يومًا وعند غيره يومًا، إما الراهن أو غيره صح، وليس ذلك من رهن المشاع في شيء، والحنفية منعوه، وقاسوا عليه المشاع، وإنما يتم لهم المنع، إذا قال: يومًا رهنًا ويومًا غير رهن، فهذا باطل وحينئذ يمنعهم القياس؛ لأنه ليس في معنى المشاع أيضًا.
стр. 972
فرع
صدر الشافعي الكلام في رهن المشاع في "المختصر" بقوله: "ما جاز بيعه جاز رهنه" (١) ولم يذكر هذه القاعدة إلا في هذا المكان، فمن الناس من رواها "من" كما قدمنا والمشهور رواية "ما" وعلى هذا اختلف الأصحاب فيها على ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن الشافعي قصد بذلك ما أفصح به في آخر كلامه من رهن المشاع؛ ردًّا على من أجاز بيعه ومنع رهنه فقال: "ما جاز بيعه جاز رهنه" من مشاع وغيره، فأما الجمع بينهما في كل موضع فلا.
والثاني: أنه أراد بذلك الغالب، والمعظم ما جاز بيعه جاز رهنه وما لا فلا وقد يكون من الأشياء ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه، وما يجوز رهنه ولا يجوز بيعه، وهذا التأويل نسبه الشيخ أبو حامد إلى أبي العباس بن القاص، وأنه جعل جملة الأشياء أربعة أضرب: ضرب يحوز بيعه ورهنه؛ كالدواب والثياب والعقار، وضرب لا يجوز بيعه ولا رهنه كالوقف والمكاتب وأم الولد، وضرب يجوز بيعه ولا يجوز رهنه على أحد القولين، كالمدبر والمعتق بصفة، وما يسرع فساده بدين مؤجل يفسد قبل حلوله، وضرب يجوز رهنه ولا يجوز بيعه كالأمة دون ولدها والثمرة قبل بدو الصلاح مطلقًا، وهذان الوجهان متقاربان، وإليهما يميل كلام إمام الحرمين.
والوجه الثالث وهو الذي اختاره الشيخ أبو حامد، وقال الماوردي: "إنه قول المحققين من أصحابنا" (٢): أن كلام الشافعي محمول على حقيقته، وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، و ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، والمدبر إذا منعنا رهنه لا يرد؛ لأن مشتريه يجوز له أن يرهنه، وإن لم يجز أن يرهنه
стр. 973
البائع، وكذا المعتق بصفة وأما ما يسرع فساده، فلا يرد؛ لأنه يصح رهنه بالدَّين الحال، وما يحل قبل فساده، والأصحاب المجوزون لرهن المعتق بصفة بدين حال؛ ينبغي أن يجيبوا بمثل هذا الجواب، والماوردي إنما أجاب عنه وعن المدبر بما ذكرناه، فلعله لا يرى رهنه بدين حالٍّ أيضًا؛ لكنه عند الكلام على رهنه صرح بجوازه، فيكون عنه جوابان، وأما الجارية التي لها ولد، فيجوز بيعها في الجملة؛ فلذلك جاز رهنها والمراد بالضابط هذا أن ما جاز بيعه في الجملة جاز رهنه في الجملة، وبيان الحالة التي يجوز فيها، والتي لا يجوز لم يتعرض لها.
فائدة:
قول المصنف: البعض منه، لو قال بدل ذلك: بعضه؛ لكان أحسن، فإن لفظة "كل" و "بعض" وشبههما من الأسماء التي فيها معنى الإضافة، أضيفت لفظًا أم لم تضف، والمسموع من العرب يعني الألف واللام، ودخول الألف واللام فيها جائز، فكلام المصنف جائز والأفصح خلافه.
فائدة أخرى:
قياس المصنف غير النوعين اللذين قدمناهما، وهما قياس رهن المشاع على بيعه، وقياس رهن المشاع على رهن المقسوم، والذي قاله المصنف قياس مساواة المشاع للمقسوم في الرهن على مساواته له في البيع، ونتيجة ذلك؛ إما امتناعهما في الرهن ولا قائل به، وإما جوازهما وهو المطلوب.
فإن قلت: هذا تطويل بغير فائدة؛ لأن في القياسين الأولين كفاية مع الاختصار
قلت: بل فيه فائدة، وهي الإشارة إلى أن الخصم خالف القياس في أحد أمرين: إما منعه رهن المشاع، وإما تجويزه مع ذلك رهن المقسوم، ولا
стр. 974
يتأتى جواب ذلك إلا بالجواب عن كل منهما، وقد عرف في الجدل أن دعوى المنكر أسهل ونفيه أصعب، وأما القياسان الأولان، فالمثبت فيهما واحد معين، ونفيه سهل بجواب واحد.
فرع
غير المشاع لا إشكال في قبضه، وقد سبق أنه كالبيع حرفًا بحرف، ومما زاده الماوردي هنا أن المنقول قبضه بنقله من موضعه سواء أخرجه بالنقل عن ملك بايعه أو لا، نص عليه الشافعي.
وقال أبو القاسم الداركي: "لا يكون قبضًا حتى يخرجه عن ملك بايعه لقول النبي ﷺ : "حَتَّى يَحُوزَهُ التُّجَارُ إِلَى رِحَالِهِمْ" (١)، فقول الداركي هذا زيادة لم يحكه في البيع، وحكاه هنا، والمعروف أنه إن جرى ذلك بإذن البائع صح، وإلا فلا، فإن كان مراد الماوردي: إذا كان بإذن البائع، فقول الداركي غريب، وإن كان مراده بغير إذن البائع، فما حكاه عن النص غريب مشكل، وهو في باب بيع الطعام قبل أن يستوفى اعتبر إخراجه من الحرز الذي كان فيه، وإن لم يحصل في حرز المشترى، وقال: إنه إذا لم ينقله من حرز البائع حتى اشتراه كفى، وإذا استعاره لا يكفي، وإن استأجره فوجهان فلينظر بين كلامه هنا وهناك.
* * *
стр. 975
قال:
وإن كان بين رجلين دار، فرهن أحدهما نصيبه من بيت بغير إذن شريكه، ففيه وجهان؛ أحدهما: يصح كما يصح بيعه.
والثاني: لا يصح؛ لأن فيه إضرارًا بالشريك، بأن يقتسما فيقع هذا البيت في حصته، فيكون بعضه رهنًا.
تقرر أن رهن المشاع جائز، ومحل الاتفاق على ذلك إذا كان من العين المشتركة بكمالها، فلو عمد إلى موضع معين منها؛ كبيت من دار مشتركة ورهن نصيبه منه
قال ابن سريج فيما نقله الروياني وغيره: "إن كان بإذن شريكه يجوز، وإن كان من غير إذنه، ففيه وجهان" (١) هكذا نقل الأكثرون الوجهين في حالة عدم إذن الشريك، وقطعوا في حالة الإذن بالجواز، وكلام المصنف يفهم ذلك، وممن اعتمد ذلك الروياني (٢)، وصاحب "البيان" (٣)، والرافعي (٤).
وأطلق الإمام (٥)، والمتولي، والغزالي (٦) الوجهين وهما في "المجرد"
стр. 976
تسليم كذلك، ويجب أن يحمل هذا الإطلاق على ذلك التقييد، وأصح الوجهين عند الإمام والغزالي في "البسيط"، وصاحب "التتمة" وغيرهم الصحة كالبيع.
وقال البغوي في "التهذيب": "المذهب عندي أنه لا يجوز وكذلك لو باعه؛ لأنهما إذا اقتسما ربما يقع هذا البيت في نصيب شريكه" (١). هذا لفظه في "التهذيب"، وما ذكره من منع البيع شاذٌّ مردود.
قال النووي: "قد قطع الأصحاب بصحته" (٢) - يعني: صحة البيع - وهو كما قال، ولا نتخيل لما قال البغوي في البيع وجه، والفرق بينه وبين الرهن أن بالبيع يزول الملك فتمتنع المقاسمة، فيؤمن المحذور المذكور في الرهن، وصورة المسألة على ما نبه أبو علي الفارقي عليه إذا بين السلوك إلى البيت أو لم يبين، وقلنا: إنه يصح، ويخرج له طريقًا، فأما إذا لم يبين له طريقًا، وقلنا: إنه لا يصح بيعه، فلا يصح رهنه وجهًا واحدًا. انتهى كلامه. فإن كان البغوي فرض المسألة في بيت لا ممر له، فيصح قوله؛ لأن الأصح في مثله بطلان بيعه، وينبني عليه بطلان رهنه أو رهن جزء منه، لكنه لم يعلل بهذه العلة، وإنما علل بالقسمة، وإنه قد يقع البيت في نصيب شريكه، وهذا لا يتصور بعد البيع، فلا وجه لقوله في البيع، أما الرهن، فقد وافقه على ترجيح المنع فيه صاحب "الذخائر" لما ذكره، وقد ذكره المصنف أيضًا، أعني: التعليل المذكور، وفي كلام المصنف زيادة يتوقف بيانها على فرع، وهو إنا إذا قلنا بصحة الرهن، فإذا طلب أحد الشريكين القسمة وامتنع الآخر والدار مما تقبل القسمة؛ أجبر عليها.
стр. 977
وفي كيفية قسمتها وجهان: أحدهما قاله المتولي: أنها لا تقسم دفعة بل تقسم البقعة التي رهن أحدهما نصيبه منها على الانفراد؛ لأن المرهون صار في الحكم كالزائل عن ملكه، فإذا تميز نصيبه يسلم إلى المرتهن، ثم يقسم الباقي، كما لو باع نصيبه من تلك البقعة.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره أنها - أعني الدار بكمالها - تقسم قسمة واحدة، وعلى هذا إذا قسمت هكذا فوقع البيت الذي رهن بعضه في نصيب شريكه، الذي لم يرهن كيف يكون الحال، وقد صار البيت كله ملكًا لغير الراهن؟
فقال المصنف: إنه يبقي بعضه؛ أي قدر النصيب الذي كان للراهن منه رهنًا؛ أي فيستضر الشريك الذي وقع البيت في قسمته؛ فلذلك امتنع الرهن؛ لما استلزم من هذا الضرر وتبع المصنف على هذا صاحب "البيان" (١).
قال النووي: "وهذا ضعيف" (٢)، وأما غير المصنف، فذكر الإمام احتمالين لنفسه؛ أحدهما: أنه كتلف المرهون في يد المرتهن بآفة سماوية، فإنه لم يأت من جهة الراهن شيء، ولم يجن الشريك المستقسم.
والثاني: أن الراهن يغرم قيمة الشقص المرهون، ويضعها رهنًا عند المرتهن، وهذا هو الوجه عنده.
وقال الرافعي: "إنه أوجههما" (٣).
وقال النووي: "إنه أصحهما" (٤)، ومستند هذا الاحتمال إضافة الفوات
стр. 978
إلى الراهن، فيجعل صامتًا؛ وليس كالآفة؛ لأنه حصل له في قطر آخر من الدار مثل ما كان له في البيت، وعن الإمام محمد بن يحيى توسط بين الاحتمالين، وهو أنه إن كان مختارًا في القسمة غرم القيمة، وإن كان مجبرًا، فهو كالفوات (١)، وهذا التوسط ضعيف؛ لأنه قسمه الدار قسمة إجبار ولا أثر لرضى الراهن فيها؛ لأنه يجب عليه ذلك.
نعم إن قلنا: لا يجبر عليها، وجرى ذلك بالتراضي، فيظهر أنها لا تصح، فعلى كل حال قول ابن يحيى غير ظاهر.
واعلم أنا قدمنا في قسمة المرهون تفصيلًا بين المثل وغيره، وخلافًا في تخريجه على أن القسمة إفراز أو بيع، وإذا أحطت بما قالوه هناك. قلت: لعل الكلام هنا فرع جواز القسمة، فإن منعناها زالت هذه التفاريع كلها ولم يتجه إبطال الرهن في الصورة المذكورة وقسمة الدار قسمة تعديل، والأصح فيها أنها بيع، فإذا كان بعضها رهنًا امتنعت قسمتها على ما سبق عن القفاليين؛ تفريعًا على الأصح وعلى رأي غيرهم مطلقًا إذا كانت تنقص قيمتها بالقسمة، وكذا إن لم تنقص على الأصح، كما تقدم في العبدين المتساويي القيمة، فيظهر بهذا أن ما قالوه هنا، إنما هو على وجه ضعيف، ويكون الوجه القائل بمنع الرهن مفرعًا عليه، وذلك الوجه المجوز للقسمة؛ إما أن يكون مستنده أن القسمة في هذا النوع إفراز، وإما كونه يجبر عليها وإن كانت بيعًا لتقدم حق الشريك على الرهن، هذا ضرب من الكلام يمكن أن يقال، ويؤيده أن الإمام هنا قال: "لو صححنا الرهن على الأصح، ففي كيفية إجراء القسمة تردد، إن كنا نرى إجراءها في المرهون" (٢).
стр. 979
قال ابن الرفعة: أي على القول بأنها إفراز لا بيع، فهذه الإشارة من الإمام مع تصريح ابن الرفعة يبين أن تجويز القسمة هنا، إنما هو على وجه ضعيف، لكني لم أجد نفسي تنقاد إلى ذلك؛ لإطباق الأصحاب على ذكرها هنا من غير تفريع؛ ولأنهم لم يردوا على القائل بمنع الرهن بمنع القسمة بل عدلوا إلى شيء آخر، ولو كانت القسمة عندهم ممتنعة لمنعوه ما استند إليه في منع الرهن، ثم فكرت في الجمع بين ذلك، وما قالوه فيما إذا رهن اثنان وانفك نصيب أحدهما، وأراد المقاسمة حيث منعوه في الدار، وظهر لي حمل ذلك على ما إذا اجتمعا على الرهن، وكذلك صورها الشافعي في "الأم" فإنه قال: "رهنا معًا" (١) ولا شك أن ذلك يدل على رضا كل منهما برهن الآخر، فيلزمه الوفاء به، وعدم طلب القسمة إذا جعلناها بيعًا أو كانت تضر بالمرتهن إلى انفكاك الرهن؛ ولهذا قلنا هنا: إنه إذا أذن الرهن قولًا واحدًا للأمن من طلب القسمة، أما إذا رهن كل واحد وحده، ثم انفك نصيب أحدهما أو انفرد أحدهما بالرهن، فلا يمنع من انفك نصيبه ولا من لم يرهن من طلب القسمة؛ لأن ذلك حق له، فيستمر بعد الرهن، كما إذا رهن المشتري الشقص المشفوع يصح الرهن، ولا يمتنع على الشفيع أخذه، والشفيع شريك خاص يتسلط على تملك الشقص بثمنه الذي بذله المشتري، والمقاسم شريك متسلط على تملك مال شريكه، مما يخرج له بالقسمة بنظيره فتشابها وحسن قياس كل منهما على الآخر، غير أن حق الشفيع أقوى من جهة أنه يتسلط على نقض جميع تصرفات المشتري، كالوقف والبيع والهبة والمقاسم لا يتسلط على ذلك؛ لأن حقه على التراخي وكان متمكنًا قبل التصرف من المقاسمة، ويجر إبطاله للتصرفات ضررًا عظيمًا وحجرًا
стр. 980
على الناس في التصرف في الأملاك المشتركة، وهذه المعاني الثلاثة لا توجد في الشفيع، فانحط حق المقاسمة عن حق الشفعة، لكنه يساويه بالنسبة إلى الرهن من جهة ضعف الرهن؛ بدليل أن حق المقاسمة يتقدم على حق المالك، وكل ما يتقدم على حق المالك، يتقدم على حق المرتهن؛ كالجناية ولم يمنع الرهن من الأصل؛ لما في منعه من الضرر؛ ولأن حق الشفعة لا يمنع منه بحق المقاسمة الذي هو أضعف أولى بألا يمنع، لكنه يسلط على نقضه كحق الشفعة؛ لأنه لو لم يسلط على نقضه حصل الضرر بالصبر إلى انفكاك الرهن.
هذا هو الذي يترجح عندي، ويحتمل أن يقال: إن أمد الرهن قصير غالبًا، فلا على الشريك في الصبر إلى الانفكاك، وتمتنع المقاسمة لحق المرتهن، كما يشعر به كلام الإمام وابن الرفعة، والأول أقوى وهو ما يقتضيه إطلاق الأصحاب في هذه المسألة، أما إذا طلب الراهن أن يقاسم شريكه، فلا يجاب كما لا يجاب إذا طلب أن يقاسم المرتهن؛ لأنه التزم بالوفاء بمقتضى الرهن، ومن جملة مقتضياته امتناع البيع وما ينقص حق المرتهن، وجملة ما أقوله في رهن المشاع وقسمته أنه إما أن يصدر من أحد الشريكين أو منهما، وإذا صدر من أحدهما، فإما أن يكون بإذن الآخر أو بغير إذنه، وفي الأقسام الثلاثة تجوز القسمة حيث نقوله إنها إفراز، ولم يحصل بها نقص سواء أكان في حال الرهن أم بعد انفكاكه، سواء أطلبها الراهن أم الشريك الآخر، سواء أرضي المرتهن أم لا.
وإذا قلنا: إنها إفراز وحصل بها تنقيص، فإن رضي بها المرتهن جازت وإلا فإن طلبها الراهن، والشريك الآخر بعد رضاه بالرهن، إما بصريح الإذن، وإما بالاجتماع معه على الرهن فلا نجيبه وإلا فيجاب.
стр. 981
وأما إذا قلنا: إنها بيع، فإن طلبها الشريك الذي لم يرهن ولم يرض برهن شريكه أجيب، وإن طلبها الراهن أو الشريك الذي رضي، فإن لم يرض المرتهن لم يجبر، وإن رضي فعلى ما سبق أن الإمام يمنعه، والأصحاب مقتضى كلامهم جوازه، وقد عرف بما ذكرناه أن الشريك الذي لم يرض بالرهن يجاب إذا طلب القسمة قولًا واحدًا، سواء قلنا بأنها بيع أم إفراز وسواء حصل بها نقص أم لا.
وقد ذكر ابن الرفعة في "الكفاية" ما إذا رهن من شخصين وقضى دين أحدهما وأراد المقاسمة وحكاية الوجهين فيها من "المهذب"، ثم قال: "والخلاف يجري فيما إذا رهن ما يخصه من شيء مشاع، وأراد الشريك والراهن القسمة، والأظهر أن المرتهن لا يجبر على ذلك" (١). انتهى.
وهذا التخريج غير مقبول لثبوت الفرق، فإن الشريك الذي لم يرهن لم يلتزم للمرتهن شيئًا، وحقه في الاستقسام ثابت قبل المرتهن، فكيف يمنع بسببه، وأما الراهن، فقد التزم حكم الرهن، وأنه لا يباع ولا ينقص، فيجب عليه الوفاء به، والقول بإجابته إلى المقاسمة إذا قلنا: القسمة إفراز أو لم يحصل بها تنقيص لا شك فيه، ولا يخالف فيه، وأما إذا قلنا: إنها بيع، فلا وجه له.
وإذا قلنا: إنها إفراز وحصل بها تنقيص، فالوجه أنه لا يقال به وفي كلام بعضهم ما يقتضي القول به، وأنه يحتمل هذا التنقيص، وهو بعيد، فقد بان مأخذ الخلاف في الراهن دون الشريك الذي لم يرض لا يجوز إثبات خلاف فيه، ولم نر في كلام أحد من الأصحاب تعرض له في غير مسألة البيت من الدار، إلا في كلام ابن الرفعة الذي حكيناه الآن عن "الكفاية"، وكأنه
стр. 982
خرجه من عند نفسه، ولا يقبل للفرق المذكور، ولو نقله عن غيره رددناه بذلك أيضًا، هذا ما تحرر لي في هذه المسألة، فاعتمده ولا تعدل عنه ولا تمل من طول الكلام إذا حصلت هذه الفائدة الجليلة، التي لا توجد في غير هذا الكتاب، وأما قول الإمام: إن كنا نرى إجراءها في المرهون، فإنما أشار بذلك إلى مسألة الراهنين، إذا فك أحدهما نصيبه أو الراهن وأحد المرتهنين إذا انفك نصيب الآخر، وبالجملة: هذا التحرير الذي قلناه صفوة مجموع الكلام مع صحة النظر، فاشدد عليه يديك.
فرع
إذا صححنا الرهن واتفقت القسمة كما قدرناه وخرج البيت في نصيب الشريك الذي لم يرهن، فقد قدمنا كلام المصنف، والإمام فيه، وأشار صاحب "العدة" إلى موافقة المصنف فإنه قال: والثاني: لا يجوز؛ لأن الشريك ربما قاسم الراهن، فيقع هذا البيت في نصيبه، فيكون ذلك ضررًا عليه. انتهى.
وليس صريحًا، وبالجملة هو مشكل؛ لأنَّا إن قلنا: القسمة إفراز، فقد تبين أن البيت ملك الذي لم يرهن، فلا رهن.
وإن قلنا: بيع فهي بمنزلة أخذ الشفيع المرهون، ولا نعلم أحدًا يقول: يبقى رهنًا عند الشفيع، فلا يمكن القول بذلك، وكأنه تخيل أن هذا حق على الشقص، فينتقل بهذه الصفة، ولا نجعل الإفراز بمعنى التبين بل بمعنى إنشاء ملك الآن، وتخصيص للملك الذي كان شائعًا، فإذا رضي المقاسم به بصفته وهو كونه مرهونا يحصل له كذلك ولا ينقض تصرف الراهن؛ لأنه حصل، وهو مالك، وهذا تمحل، والأسبق إلى الفهم أنه لا يكون مرهونًا، بل يبطل الرهن.
стр. 983
وقد صرح المصنف (١) والبغوي (٢) "أن المشتري إذا رهن الشقص أن الشفيع يفسخ الرهن" فكما يفسخ الشفيع الرهن يفسخه الشريك أيضًا؛ لأن كلًّا منهما حقه سابق على الرهن، والموجب لحقهما هو الشركة، وللمصنف أن يحتج بما قدمناه من أن حق الشفيع أقوى، فلذلك تسلط على فسخ الرهن، ولا كذلك حق القسمة، ويؤيده أن الماوردي قال فيما إذا اختلف المتبايعان وقد رهن المشتري المبيع، فتحالفا وتفاسخا.
قال الماوردي: "جاز ولم ينفسخ الرهن، وهل له أن يأخذ المشتري بفكاكه قبل محله؟ على وجهين، كمن أذن لغيره في رهن عبده، فإن بيع في الرهن ضمن المشتري قيمته للبائع، وإن افتكه منه رده على بائعه وبرئ من ضمانه" (٣). انتهى.
وفي كلام غيره من الأصحاب ما يقتضي أن الصحيح خلافه، بل إما أن يورد الفسخ على القيمة، وإما أن يصير حتى ينفك الرهن، والذي قاله الماوردي وجه منقول، وهو موافق لما يقوله المصنف هنا، فإن المقاسمة تقتضي نقل الملك، كما يقتضيه الفسخ، فكما لم ينفسخ الرهن هناك لم ينفسخ هنا، ويكون في مطالبة المقاسم للراهن بانفكاك ما ذكره الماوردي من الوجهين، ومستند عدم المطالبة أنه رضي بذلك، بل أقول: إن هنا أولى من التحالف؛ لأن في التحالف له طلب القيمة، فلا يضره ترك الفسخ، وهنا جوزنا له القسمة، وهي واردة على عين المرهون، فلم يبق إلا انتقال الملك إلى الشريك، فكما أنا في التحالف لا نقول بانتقال الملك مع انفساخ الرهن
стр. 984
هذا لم يقل به أحد، بل اتفقوا على بقاء الرهن كذلك هنا؛ لأنه حق ثبت من أهله في محله، فلا ينفسخ بما طرأ عليه من تملك العين، ويلزم الإمام أن يجري الاحتمالين اللذين ذكرهما هنا في التحالف أو يفرق.
فإن قلت: الفرق ظاهر؛ لأن الفسخ بالتحالف سببه حادث بعد الرهن وهو الاختلاف والتحالف؛ فلم يتسلط على إبطال تصرف سابق عليه، وسبب تملك المقاسم حق الشركة، وهو سابق على الرهن.
قلت: هذا صحيح، لكن المقصود أن ما قاله المصنف محتمل أيضًا ليس بمردود، على أنه قد يقال: إن حق المقاسم حادث بالطلب أو حق الفسخ بالتحالف سابق لاستناده إلى العقد، ولو راعينا أن حق الشركة سابق وقلنا: إنه يتسلط به على فسخ الرهن؛ لأفضى ذلك إلى بطلان الرهن من أصله كما يتسارع إليه الفساد، وكالمدبر والمعلق عتقه، بل هذا أولى بالبطلان؛ لتسلط الغير عليه، فالوجه أن يقال: إن الشريك بمقاسمته إنما يتجدد حقه بالطلب، وجوزنا الرهن؛ لأن الأصل الغالب أنه لا يطلب بخلاف ما يتسارع إليه الفساد، ولا حق له الآن بخلاف المدبر والمعلق عتقه، ثم إذا طلب وقاسم، كأنه رضي بأخذه مرهونًا.
هذا ما ظهر لي في تقرير كلام المصنف مع صعوبته، وعلى كل حال هو أولى من الاحتمالين اللذين قالهما الإمام؛ لأنه منقول، وقد قيل به في التحالف وهي قريبة من المسألة أو مثلها، وما قاله الإمام ليس بمنقول ولا هو جازم به، فإن صح ما قاله المصنف بطل الاحتمالان اللذان قالهما الإمام؛ لأن محلهما عند فوات الرهن، وإن بطل ما قاله المصنف، بقي النظر في الاحتمالين المتقدمين عن الإمام، وأصحهما عندي أنه كالتالف، فلا يغرم الراهن شيئًا؛ لأنا إن سلطنا الشريك على فسخ الرهن، كما نقلناه
стр. 985
عن "المهذب" (١) و "التهذيب" (٢) من أن الشفيع يفسخ الرهن فظاهر، فإنه يقتضي ارتفاع أثر الرهن وإن قلنا: لا يتسلط على الفسخ ولكن يتملكه مع بقاء حكم الرهن، فوجب أن يكون كجناية تطرأ على المرهون، فيحكم بالانتقال إلى بدلها، ولو كان مثله لوجب أن يحكم بأن نظير الحصة مما أفرز للراهن رهن، ولم يقل الإمام ولا غيره به مع أنه البدل الذي حصل عن الرهن، فالقول بإيجاب القيمة لا وجه له، وإن رجحه الإمام والرافعي والنووي، وكلا الاحتمالين ليس بمنقول، وإنما هو من فقه الإمام، فلا علينا في مخالفته وقواعد الفقه والمذهب ومساعدة المنقول يقتضي ما قلناه وهو أحد احتماليه دون ما رجحه، وإن كان الأرغياني في "فتاوى النهاية" وافقه على ترجيحه فهو تبع له، وإذا لم تجد في المسألة نصًّا عن الشافعي والأصحاب؛ وجب النظر فيما تقتضيه القواعد والدليل وهو معنا، وأما كون الراهن لا يتعلق بالبدل الحاصل للراهن بالقسمة، وإن أحدًا من الأصحاب لم يذهب إلى ذلك، فلأن هذا ليس بدلًا شرعيًّا، كضمان المتلفات؛ إذ لو كان كذلك لانحصر في المثل أو القيمة، ونحن إنما نقول بتعدي الرهن إلى بدل المتلف؛ لأنه قائم مقامه شرعًا، ولا كذلك الحاصل بالقسمة، وإنما هذا تصرف أوجبه الشرع على الشريكين لرفع الضرر، كما في الشفعة بأخذ الشقص بثمنه لا بقيمته، ولم يقل أحد: إن الرهن يتعدى إلى ثمنه، لكن قد سبق الفرق بينه وبين الشفيع، فلا مانع من جريان الاحتمال المذكور، وإن سكت عنه الأصحاب، وسبب سكوتهم أن هذه المسألة قلَّ من تكلم فيها، وليت شعري ما نقول، فما لو رهن نصف دار شائعًا، ثم تقاسم الراهن والشريك، هل يبقى النصف المقرر للراهن كله رهنًا أو يبطل الرهن في