← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويمكن التمثيل لها: ١ - أن من قصد ببناء المسجد مثلًا الضرار فهو عمل باطل. ٢ - ومن قصد من الوقف الحيلة على بعض الورثة فهو باطل. ٣ - قاعدة كل قصد ناقض قصد الشارع فباطل. (١) ٤ - قاعدة: لا يعتبر الشرع من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة، أو دارئ لمفسدة (٢). وهذه قاعدة قرافية تبين أن المقاصد والنيات لا تعتبر شرعا إلا إن نتج عنها مصلحة، أو دفع بها مفسدة، وهي من الجهة العملية أبين وأوضح مما سبق؛ لأن النية في هذه القاعدة ربطت بثمرتها من المصالح والمفاسد. وعلى هذا الأساس يتم اعتبارها، أو إبطالها. ٥ - قاعدة: من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له؛ فعمله باطل (٣). وهذه قاعدة شاطبية مؤكدة لما سبق وتفيد أن التكليف الشرعي موضوع لقصد شرعي فمن استعمل التكليف الشرعي لغير ما أراده الشرع فهو باطل. ويمكن التمثيل له بالطلاق بإمساك الزوجة إضرارا بها. والمساجد شرعت لذكر الله لا للترويج التجاري. ٦ - قاعدة: مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها (٤). وهذه قاعدة غاية في الأهمية؛ لأن البعض من أهل الأهواء ادعوا أن

стр. 107

العشق والهوى والشهوات إن تعلق الإنسان بها تعلقا تاما فإنه معذور. وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الشرع إنما جاء لتخليص الإنسان من الهوى والشهوات. لهذا لا يمكن القول لمدمن خمر، أو زنا، أو مواقع الفواحش أن الشرع عذره؛ لأنه لا يستطيع الإقلاع عنه، وكذب من نقل عن أحد من فقهاء الإسلام والأئمة ذلك. وهي غير الانسحاب بإشراف الطبي من المخدرات القاتلة، فهو من دفع المفسدة الكبرى. أما غيرها من الأهواء في عبرة بها. المسألة الثانية: أثر القاعدة في الفقه والفقه المعاصر. ١ - كل قوانين المثلية مبنية على المقاصد الشهوانية والهوى لا على الفطرة والدين لذلك كان هذا الفعل من أكبر الجرائم في الإسلام لما يؤدي إليه من تغيير الفطرة ومسخ الخلق وقطع النسل وهدم الأسرة وتهديد الوجود الإنساني. ٢ - الاقتصاد الرأسمالي القائم على الربا وحكر المال وتكديسه في يد ثلة من البشر وقد نبه الله تعالى على بطلان هذا المقصد فقال سبحانه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. وفي المقابل الاقتصاد الشيوعي القائم على حرمان الإنسان من حق التملك إلا في أضيق الحدود لذلك جاء الإسلام فأبطل هذا، وهذا ونظم العملية الاقتصادية تملكا وإدراة وإنتاجا واستهلاكا وتوزيعا. ٣ - بطلان الفتوى القائمة على الهوى والتشهي والميل عن الحق ومن أبرزها في هذا العصر فتوى الديانات الإبراهيمية التي يراد بها أن اليهودية والنصرانية من أتباع إبراهيم مع المسلمين.

стр. 108

وهذا باطل؛ لأنها تخالف صريح الكتاب: فقد نفى الله كون إبراهيم على اليهودية، أو النصرانية، بل كان على الإسلام. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] ورد فريتهم وزعمهم في نسبة إبراهيم والأنبياء إلى النصرانية واليهودية ردًا صريحًا وعلى هذا فهذا الفتوى قائمة على مناقضة نصوص القرآن وما كان كذلك فباعثها الجهل، أو الهوى وليس قائلها جاهلًا فلم يبق سوى الهوى. ٤ - ومن الهوى ما ناقض صريح القرآن والسنة كالقول بتغيير الميراث عما شرعه الله. مع أن ميراث المرأة في الإسلام قائم على نسقات: - أن تزيد المرأة على الرجل، وهي في عشرات المسائل. - أن يتساويا، وهي في مسائل كالجد والجدة والأب والأم والإخوة لأم. - أن يزيد الرجل على المرأة في مسألتين البنت مع الابن ومسألة الإخوة والأخوات. ٥ - ومما ناقض صريح السنة إنكار المعراج وأحاديثه في الصحاح. ٦ - ومنها زواج المسلمة من الكافر، وهذا باطل مناقض للقرآن والإجماع المقطوع. ٧ - الفتوى بأن فوائد البنوك ليست ربا لمخالفتها المقطوع من تحريم ربا النسيئة. ٨ - القول بأن غير المسلم ليس كافرا، وهذا قول باطل باعثه الجهل واتباع الهوى للدعوات الغربية الهادفة لتمييع العقيدة والثوابت بين المسلمين.

стр. 109

قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ، وهو الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩١]. فكفرهم الله بسبب كفرهم بما جاء به محمد من الكتاب. وكفرهم لأنهم فرقوا الإيمان فقالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه. ولذلك أمرهم الله في آية أخرى بالإيمان بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، ولا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]. فلما لم يؤمنوا كفرهم الله فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]. وكفرهم بما سبق من الآية. وكفرهم مرات وكرات كثيرة منها: ١ - ﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. ٢ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. ٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢]

стр. 110

٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، ولا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١، ١٦٢] ٥ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ٦ - ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] ٧ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] ٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا، ولا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٦] ولا علاقة للتكفير في القرآن بحقوقهم في الدنيا والمعاملة الحسنة لكل مسالم معامل لأهل الإسلام بالحسنى، فهذا من مقطوعات الشريعة. والآيات في ذلك كثيرة الآمرة بالبر والإحسان كفوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].

стр. 111

المبحث السابع قاعدة: الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية لا تلزم إلا بالنية وفيها مسائل: المسألة الأولى: هذه قاعدة أصلها متفق عليه بين عامة الفقهاء. وإن حصل بينهم اختلاف في تنزيلها في بعض المسائل (١). ومن أدلتها: ١ - حديث ابن عباس ﵄ في قصة إبراهيم ﵇ حينما قال لزوجة ابنه إسماعيل أن تأمره بقوله: غيِّر عتبة بابك، قال إسماعيل: قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (٢). ٢ - حديث توبة كعب بن مالك ﵁ أن رسولَ رسولِ الله ﷺ أتى إليه " فقال إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها، فلا تقربنها (٣)

стр. 112

المسألة الثانية: معنى الصريح والكناية. الصريح هو ما لا يحتمل معنى آخر (١). كمن قال: أنت طالق فهذا صريح غير محتمل لإرادة شيء آخر لذلك يعلم المقصود منه بمجرد سماعه ولا يسأل السامع عن نية القائل وقصده لأنه لا عبرة بالنية مع صرائح الألفاظ لذلك ضبطوا هذا بضابط هام هو: كل ما هو صريح في بابه لا ينصرف لغيره بالنية. وبضابط: النية إذا لم تكن من محتملات اللفظ لا تعمل (٢). ومعنى هذا أن النية لا تؤثر في صرف الصريح إلى غيره وأن إنما تؤثر

стр. 113

إذا كان هناك احتمال في اللفظ أما إن لم تكن النية من محتملات اللفظ واللفظ صريح فلا عبرة بها. والكناية: هو ما احتمل غيره كقول الزوج الحقي ببيت أهلك فيحتمل أنه يريد الطلاق ويحتمل أنه لا يريده. المسألة الثالثة: البناء الفقهي المتقدم على القاعدة. فرع الفقهاء على القاعدة الكثير من النوازل الفقهية والفتاوى في المذاهب جميعا (١): وقد بين السيوطي أن الكناية والصريح يدخل في كل باب إلا في النكاح فلا كناية، يعنى على مذهب الشافعية، وكذا في الخطبة يجري التعريض، وفي القذف هناك صريح وكناية وتعريض. وعلى هذا فهو باب واسع جدا. ومن فروع هذا: إذا قال شخص لزوجته: أنت طالق. فتقع طلقة في الحال، وإذا قال: إنما أردت أنها طالق من وثاق، فلا تعتبر نيته أمام القضاء. ولكن إذا قال لها: اذهبي لأهلك. فلا يكون ذلك طلاقا إلا إذا قصده ونواه بهذا اللفظ؛ لأن قوله: اذهبي لأهلك. لم يوضع في اللغة ليدل على الطلاق. ومنها: إذا طلق غافلا أو ساهيا أو مخطئا، وقع طلاقه أمام القضاء (٢)

стр. 114

المسألة الرابعة: تطبيقات معاصرة على القاعدة. شاعت مسألة معاصرة هي الطلاق بالواتس فهل هو صريح أم كناية وقد اختلفت فيه مقالات الإفتاء في عصرنا. فمنهم من رأى أن الطلاق بالواتس ولو صريحا لا يقع إلا بالنية (١). ومنهم من اختار الوقوع، وهي مبنية على مسألة قديمة ذكرها الفقهاء واختلفوا فيها وهي كتابة صريح الطلاق هل يلزم لوقوعه النية أم لا قولان لأهل العلم. قال ابن قدامة: إذا كتب الطلاق، فإن نواه طلقت زوجته. وبهذا قال الشعبى، والنخعى، والزهرى، والحكم، وأبو حنيفة، ومالك. وهو المنصوص عن الشافعى. وذكر بعض أصحابه، أن له قولا آخر، أنه لا يقع به طلاق وإن نواه؛ لأنه فعل من قادر على النطق، فلم يقع به الطلاق، كالإشارة. ولنا، أن الكتابة حروف، يفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق، وفهم منها، ونواه، وقع كاللفظ، ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب، بدلالة أن النبى ﷺ كان مأمورا بتبليغ رسالته، فحصل ذلك فى حق البعض بالقول، وفى حق آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف، ولأن كتاب القاضى يقوم مقام لفظه فى إثبات الديون والحقوق. فأما إن كان كتب ذلك من غير نية، فقال أبو الخطاب: قد خرجها القاضى الشريف في "الإرشاد" على روايتين: إحداهما يقع. وهو قول الشعبى، والنخعى، والزهرى، والحكم؛ لما ذكرنا. والثانية: لا يقع إلا بنية. وهو قول أبى حنيفة، ومالك، ومنصوص

стр. 115

الشافعى؛ لأن الكتابة محتملة، فإنه يقصد بها تجربة القلم، وتجويد الخط، وغم الأهل، فلم يقع من غير نية، ككنايات الطلاق. فإن نوى بذلك تجويد خطه، أو تجربة قلمه، لم يقع؛ لأنه لو نوى باللفظ غير الإيقاع، لم يقع، فالكتابة أولى. وإذا ادعى ذلك، دين فيما بينه وبين الله تعالى، ويقبل أيضا فى الحكم فى أصح الوجهين؛ لأنه يقبل ذلك فى اللفظ الصريح، فى أحد الوجهين؛ فههنا مع أنه ليس بلفظ أولى. وإن قال: نويت غم أهلى. فقد قال، فى رواية أبى طالب، فى من كتب طلاق زوجته، ونوى الطلاق: وقع، وإن أراد أن يغم أهله، فقد عمل فى ذلك أيضا. يعنى أنه يؤاخذ به؛ لقول النبى ﷺ : "إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به". فظاهر هذا أنه أوقع الطلاق؛ لأن غم أهله يحصل بالطلاق، فيجتمع غم أهله ووقوع طلاقه، كما لو قال: أنت طالق. يريد به غمها. ويحتمل أن لا يقع؛ لأنه أراد غم أهله بتوهم الطلاق، دون حقيقته، فلا يكون ناويا للطلاق، والخبر إنما يدل على مؤاخذته بما نواه عند العمل به، أو الكلام، وهذا لم ينو طلاقا، فلا يؤاخذ به (١).

стр. 116

الباب الثاني القاعدة الثانية من القواعد الكبرى: الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد القواعد المتعلقة بها: ١ - اتباع المصالح يبنى على ضوابط الشرع ومراسمه. ٢ - الشريعة تعتبر المصالح الحالية والمآلية. ٣ - المعتبر في المصالح والمفاسد الغلبة، ولا عبرة بالمقابل المغلوب. ٤ - كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة. ٥ - تصرف الإمام منوط بالمصلحة. ٦ - حكم الحاكم يرفع الخلاف. ٧ - إذا تزاحمت المصالح قدم أعلاها ٨ - إذا تزاحمت المفاسد دفع أعلاها ٩ - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ١٠ - الوسائل لها أحكام المقاصد

стр. 117

قواعد فرعية حاكمة للموازنات المصلحية حال التعارض ١ - إذا تعارضت المصالح قدم أعلاها. ٢ - كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة. ٣ - كل مصلحة ناقضت النص فهي باطلة. ٤ - الجمع بين المصلحتين أولى من إبطال أحدهما. ٥ - الضرورات مقدمة على الحاجات والحاجات مقدمة على التتمات والتكملات. ٦ - المكمل للضروري مقدم على الحاجي. ٧ - إذا تعارض المكمل مع ما كمله سقط المكمل. ٨ - إذا تساوت المصالح في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعا. ٩ - إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة. ١٠ - المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. ١١ - ترتب المصالح بحسب الأحكام الخمسة عند التعارض. ١٢ - النفع المتعدي أفضل من القاصر. ١٣ - كل مصلحتين متساويتين يتعذر الجمع بينهما يخير بينهما.

стр. 118

الفصل الأول القاعدة الكبرى: الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد هذه من أهم وأكبر القواعد الشرعية، بل إن قال بعض العلماء إن الشريعة وقواعدها راجعة إليها قال في النظم: بَلْ بَعْضُهُمْ قَدْ أرجَعَ الْفِقْهَ إلى … قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ مُكَمِّلَا وَهْيَ اعْتِبَارُ الْجَلْبِ لِلْمَصَالِحِ … وَالدَّرْءِ لِلْمَفَاسِدِ الْقَبَائِحِ بَلْ قَالَ قَدْ يَرْجِعُ كُلُّهُ إلى … أَوَّلِ جُزْئَيْ هَذِهِ وَقُبِلَا والكلام على هذه القاعدة في ثلاثة مباحث: • المبحث الأول: سؤال المعاني والتأصيل والمراتب. • المبحث الثاني: مراتب المصالح والمفاسد. • المبحث الثالث: أثر قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد على الصناعة الفقهية المعاصرة.

стр. 119

المبحث الأول: سؤال المعاني والتأصيل والمراتب المطلب الأول: تعريف المصالح والمفاسد معنى جلب المصالح: الجلب لغة هو مايؤتى به ويراد به كذلك الاستحثاث، يقال جلب على فرسه أي استحثه بوكز، أو صياح، أو نحوه وأجلب عليه (١). وأما الدرء فمعناه الدفع قال في القاموس: ودارأته: داريته، ودافعته (٢). وعلى هذا فالمعنى أن الشريعة طالبة للمصالح آمرة بها ودافعة للمفاسد زاجرة عنها. تعريفها اصطلاحا: وقد عرف المصالح والمفاسد العز ابن عبد السلام بقوله المصلحة لذة، أو سببها، أو فرحة، أو سببها والمفسدة ألم أو سببه، أو غم أو سببه (٣).

стр. 120

وقوله المصلحة لذة هو تعريف بالأثر؛ لأن حصول اللذة هو أثر عن حصول المصلحة واللذات تعم اللذات المادية والمعنوية الدينية والدنيوية وما كان متعلقا بالآخرة وما كان متعلقا بالحياة الدنيا. فكل لذة يشعر بها المرء فهي ناتجة عن مصلحة، أو هي مصلحة، فلذة النوم، ولذة العافية، ولذة الطعام والشراب، ولذة الأمن، ولذة التعليم، ولذة بناء الأسرة، ولذة حب الأولاد، وهذه كلها لذات دنيوية. ولذة تلاوة القرآن، ولذة الذكر، ولذة العبادات، لذات دينية، ولذة نعيم الآخرة ورضى الله عن العبد هي أعظم اللذات وأعظم المصالح. والملاحظ في تعريفه أنه ذكر اللذة وأسبابها والفرح وأسبابه فما هو الفرق بين اللذة والفرح؟ الفرق هو أن اللذة مصلحة خارجية متعلقة بالجوارح والمحسوسات، وهي تنعكس وتفيض على القلب. والفرح مصلحة قلبية تبدأ من القلب وتنعكس وتفيض على الجوارح والمحسوسات، وهكذا القول في المفاسد (١). ١ - أسباب المصالح مصالح وأسباب المفاسد مفاسد: وجميع اللذات، أو الآلام التي تحصل على الجوارح ويجدها الشخص ويلحظها ويحس بها، أو كانت داخلية قلبية، أو شعورية من فرح، أو ضده لها أسباب تحدثها.

стр. 121

فإن الآلام واللذات والأفراح والهموم كلها ناتجة عن أسباب تحدثها ابتداء، أو دواما. لذلك كانت هذه الأسباب إما مصالح، أو مفاسد، فأسباب اللذات والأفراح مصالح وأسباب الآلام والهموم مفاسد. وذلك؛ لأن الشريعة لا تنظر إلى الأعراض فقط، بل إلى أسباب ذلك لتتعامل معها وتعالجها، أو تقومها، أو تضبطها بما يحفظها إن كانت أسبابا مصلحية، أو بما يقللها ويجففها ويعطلها إن كانت أسبابًا مفسدية. ٢ - المصالح وأسبابها والمفاسد وأسبابها تتعلق بالدنيا والآخرة: كما أن المصالح وأسبابها والمفاسد وأسبابها تشمل ما تعلق بالدنيا وما تعلق بالآخرة لأن كل مصالح الدنيا موضوعة لخدمة مصالح الآخرة. فكل مصلحة دنيوية لا يعتبرها الشرع إن ناقضت المصلحة الأخروية؛ لأن الآخرة هي المقصد الأكبر التي تخدمه كل المقاصد. وعلى هذا يمكن تقسيم المصالح وأسبابها والمفاسد وأسبابها إلى أربعة أقسام: أ) المصالح الأخروية ووسائلها وأسبابها. ب) والمفاسد الأخروية ووسائلها وأسبابها. ج) والمصالح الدنيوية ووسائلها وأسبابها. د) والمفاسد الدنيوية ووسائلها وأسبابها (١). ٣ - تعلق المصالح والمفاسد بالواقع: والمصالح والمفاسد الحقيقية هي ما انعكست على الحياة وواقع الشعوب والمجتمعات والأفراد.

стр. 122

وهذا ما أراده ابن عاشور في تعريفه للمصلحة والمفسدة حيث قال عن المصلحة: "وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائمًا، أو غالبًا للجمهور، أو للآحاد" (١). وقال عن المفسدة: "وأما المفسدة فهي ما قابل المصلحة، وهي وصف للفعل يحصل به الفساد، أي الضر دائمًا، أو غالبًا للجمهور، أو للآحاد" (٢). ٤ - التعريف المختار للمصالح والمفاسد: ومن خلال ما تقدم يمكن تعريفها: بأن المصلحة كل نفع حسي، أو عقلي، أو قلبي ونفسي خاص، أو عام تعلق بالدينا و الآخرة. والمفسدة كل ضرر حسي، أو عقلي، أو نفسي خاص، أو عام تعلق بالدنيا والآخرة. أو يقال: المصلحة كل نفع حسي، أو معنوي، والمفسدة: كل ضر حسي، أو معنوي. فالمصالح الحسية تشمل كل نفع محسوس مدرك بالحواس الخمس. فتناول الطعام وارتداء الملابس واتخاذ المساكن والزواج والتجارات والمكارم والأخلاق الحسنة وبر الوالدين وأداء الحقوق كلها مصالح راجعة إلى المحسوس وكلها دنيوية وخادمة للآخرة ولجميعها مراتب تشمل الضروريات والحاجيات والتحسينيات. والمصالح المعنوية تشمل العقلية من المعارف والعلوم النافعة والإبداع والتعلم والأفكار البناءة مصالح.

стр. 123

وتشمل القلب وإصلاحه بالإيمان، وحمايته من الشهوات، والشبهات، وتشمل ترويض النفس على الصبر والمكارم. والمفاسد كذلك حسية: تشمل أضداد ما تقدم. والمفاسد المعنوية: تشمل كل ما تعلق بالفكر والعلم من الجهل، والأفكار الضارة وتعطيل العقل. وتشمل ما تعلق بالقلب من أمراض وكفر ونفاق، وما تعلق بالنفس من غضب مذموم، أو عدم صبر ومشاعر سلبية. والأفكار السلبية مفاسد وتعظم بالانسياق لها؛ لأنها تتحول إلى مكدرات. ولهذا نهينا عن التفكر في ذات الله، وأمرنا بالتفكر في خلقه؛ لأن الأول لا جدوى منه لعدم إحاطة الخلق به. والثاني موصل لمعرفة الله وتوحيده وعبادته، وموصل إلى عمارة الأرض وتحقيق مقصد الاستخلاف فيها. وكل هذا يدخل في حفظ العقل. لذلك دعا القرآن إلى إعمال العقل والتدبر والتفكر في مواضع لا تحصى من الآيات. وأما المصالح القلبية والنفسية فمنها الحفاظ على الصحة النفسية لما لها من أثر على العمل والحركة في الأرض دينا ودنيا. وقد حذر الرسول الكريم على مؤثرات ثمانية على النفس وكان يستعيذ منها: عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ (قال: لأبي طلحة: التمس غلاما من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر. فخرج بي أبو طلحة مردفي

стр. 124

وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل فكنت أسمعه كثيرا يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال) (١) وكان يستعيذ من أمور تتعلق بمفاسد الدنيا والآخرة، كما في حديث عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ : (كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف) (٢). والتوحيد واليقين والإيمان من المصالح القلبية الباطنة، ومنها انشراح الصدر والسكينة القلبية. كما أن الحسد وسوء الظن، والهوى، والشرك، والكفر، والإلحاد والشك والنفاق مفاسد قلبية. ومنها ضيق الصدر والهم والوساوس وضعف الهمة. وجميع ما تقدم منه عام وخاص ودنيوي وأخروي ومنه صغير وكبير وكلها مرعية في الشرع. قال العز: ولم يفرق الشرع بين دقها وجلها وقليلهما وكثيرهما كحبة خردل وشق تمرة وزنة برة ومثقال ذرة (٣) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا

стр. 125

يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧]، والمصالح مطلوبة شرعا وكذا أسبابها والمفاسد مدفوعة شرعا وكذا أسبابها المطلب الثاني: بيان موقع القاعدة من الشرع ومقطوعيتها هذه هي القاعدة الثانية من القواعد الكبرى التي اتفق عليها العلماء، وأجمعت عليها الأمة، ودلت عليها النصوص والفروع، وهي إحدى كبريات القواعد في الإسلام. وكما هي قاعدة من قواعد الفقه فهي أصل من أصول الشريعة وأكبر مقاصدها التي دلت عليها الأصول والفروع فما من أمر، ولا نهي، ولا تكليف في الكتاب، والسنة إلا وتعلقت به المصالح جلبًا والمفاسد دفعًا. فكان في اتباع الكتاب، والسنة السعادة الكبرى والأبدية. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. وباستقراء شريعة الإسلام يتضح أن المصالح وطلبها والمفاسد ودفعها هو روح الشريعة وجوهرها، وكل تعاليمه وتشريعاته مبناها على هذا القانون. وهذا ما يحقق سعادة الإنسان الخالدة على كل مستوياتها الحسية والعقلية والنفسية والقلبية والمادية والمعنوية والدنيوية والأخروية. فالإسلام في تشريعاته قصد العدل والإحسان والرحمة وإيتاء الحقوق وحرم البغي والعدوان والمآثم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَائِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. فدين الإسلام هو مصدر السعادة للبشرية وللحياة عمومًا. فما من خير

стр. 126

ورحمة وعدل وإحسان إلا أمر به وما من شر وظلم وبغي وعدوان إلا نهى عنه. وتعاليمه مصدر لكل مصلحة في الدنيا والآخرة، ومصدر للسعادة الدنيوية والأخروية. فعلى مستوى الفرد ظاهرًا وباطنًا رعى كل مصالحة بالكل وبالجزء، بالكم والكيف، بالجملة والتفصيل، وانظر كيف رعى صحته النفسية، ونهاه عن المكدرات والخوف والحزن وسوء الظن والحسد والغضب والكبر وكل الصفات الفاسدة التي تجلب التعاسة، وعلى مستوى المقاصد الكبرى من دين ونفس وعقل ومال وعرض ونسل حفظها ورعاها. وحفظ الأخلاق الفردية والمجتمعية حتى نهى عن مراتب الهمز واللمز في سورة مستقلة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهُمزة: ١]. وحرم أدق ما يؤلم النفس ويجرح المشاعر والكرامة، حتى وصل إلى تحريم التنابز بالألقاب الذي يعاقره المجتمع كنوع من العاديات في علاقة بعضهم ببعض، وهو مفسدة مؤلمة للنفس تستدعي أخواتها من المفاسد من حقد وضغينة وحسد وكيد وخداع وغيرها؛ لهذا حسم الإسلام موقفه منها محرما ومحذرا المجتمع المسلم منها. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، ولا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] كما حمى السلم والأمن المجتمعي أعظم حماية بدءا بمنع الإشاعات التي تثير المخاوف وتقلق السكينة ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ، أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. وانتهاء بالمصالحة بين الفرقاء المتقاتلين، وأذن باستعمال القوة المسلحة لمن بغى على الصلح. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

стр. 127

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي، حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. ووزع الثروة أعدل توزيع في الحياة وبعدها، وفتح المعاملات مع العالم بالعدل محرما الغش واستحواذ النخب والمحتالين والنافذين على أموال الناس بالباطل ومنع استئثار طبقة بالثروة، فقال سبحانه: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةَ بَينَ الأَغنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾) [الحشر: ٧] وأمر بالتعاون على البر والتقوى بين الأمم ونهى عن الإثم والعدوان، فقال سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وأمر بالبر والقسط مع كل العالم ﴿لَا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُم وَتُقسِطُوا إِلَيهِم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وأمر برد العدوان على المعتدي فقط وبقدر عدوانه، ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] ومنع الزيادة في رد المعاقبة ﴿وَإِنْ عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثلِ مَا عُوقِبتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وفرض العدل مع العدو ومنع الانجرار إلى المشاعر وردة فعل العاطفة النابعة عن الكره والشنآن ففصل بين التعامل وبين المشاعر. ﴿وَلَا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلَّا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعمَلُونَ)﴾ [المائدة: ٨]. وحدد تحديدا مضبوطا الشخصيات والكيانات والمجتمعات الذين

стр. 128

يحرم موالاتهم، حتى لا نعمم فنظلم أحدًا، وبين ذلك بأفعال محددة هي المقاتلة والتهجير والمظاهرة والتعاون في الموقف مع من فعل ذلك. ﴿إِنَّمَا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وَأَخرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخرَاجِكُم أَنْ تَوَلَّوهُم وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] وفرض في نصوص واضحة لا تقبل التأويل، بل هي في مرتبة ما يعرف بالنص حق الله تعالى جنبا إلى جنب مع حقوق الشرائح الأسرية والرحمية والمجتمعية والإنسانية. ﴿وَاعبُدُوا اللَّهَ، ولا تُشرِكُوا بِهِ شَيئا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانا وَبِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُربَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُختَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. وشرع قوانين حاسمة محكمة في حق المرأة في نصوص بالغة حد القطع الضروري في الدين فمن ذلك: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤].

стр. 129

وأعطاها حق أن تجير الأشخاص من القتل حال الحروب ويدخلون في حمايتها ففي الصحيحين: «قد أجرْنا مَنْ أجَرْتِ يا أُمَّ هانئٍ» (١) وغير ذلك من النصوص. وجعل الإسلام التملك والتنقل في الأرض حق لكل إنسان لا تحتكرها أمة، ولا فرد، ولا شعب، قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠]. وأمن اللاجئين بدون النظر على دينهم وعرقهم ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، حتى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. وحمى الأقليات: عن رسول الله ﷺ قال: (ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة) (٢). فعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل معاهدا في غير كنهه، حرم الله عليه الجنة "، قال أبو عبد الرحمن: " كنهه: حق" (٣). وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة» (٤). ودمج المجتمع مع بعضه في التعامل فكان ﷺ يأكل عند الكفار من اليهود وقد استغلوا ذلك فسموه في شاة ليتخلصوا منه، -كما في البخاري ومسلم- ومع ذلك لم ينه عن الأكل عند غير المسلمين.

стр. 130

ولو كان غيره لكانت هذه الحادثة كافية لاتخاذ هذه الإجراء. وقد شرب من مزادة امرأة مشركة واشترى وباع وعاقد وعاهد مع العالم، وأوفى لمن أوفى له ونبذ لمن خان: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. واحترم النفس البشرية وجعل إحياءها معادلا لإحياء البشرية وقتلها كذلك: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أو فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: ٣٢] لذلك، فهذا الإسلام مصدر سعادة الإنسان والإنسانية ومصدر مصلحتهم على المستوى الدنيوي والأخروي؛ لذلك كانت مبينة على قاعدة عظيمة هي جلب المصالح ورعايتها وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها وتعطيلها. فهذه القاعدة، بل هذا الأصل مقطوع به، بل هو من الضرورات الشرعية. وذكرها العلماء في مؤلفاتهم الفقهية والأصولية والقواعدية والمقاصدية. وقد أفردها بالتأليف والتحقيق والاستقصاء العز ابن عبد السلام في كتابه العظيم قواعد الأحكام في مصالح الأنام وأعاد ذكرها في المختصر.

стр. 131

المبحث الثاني: مراتب المصالح والمفاسد أعظم المصالح في الشريعة هي الضروريات الكبرى التي تعلق بها صلاح الدين والدنيا، يليها الحاجيات يليها التحسينيات: (١) وعليه فسنتكلم عن هذه المراتب وفروعها: المرتبة الأولى: الضروريات وتطبيقاتها المعاصرة: المقاصد الضرورية الخمسة التي جاءت الشريعة لإقامتها ورعايتها، والمحافظة عليها. وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. فإن أعظم الطاعات والقربات متعلق بإقامتها والحفاظ عليها، وأكبر الكبائر متعلقة بإفساد هذه الكليات الخمس. المقصد الأول: حفظ الدين فالدين وما يتعلق بالمحافظة عليه أمرًا ونهيًا كالشهادتين، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والإيمان، وأركانه وما يقوم في القلب من توحيد وتوكل ومحبة وإتباع، وما يقوم باللسان وبالبدن من تعبدات نجد أعظمها وأوفاها وأحبها إلى الله ما يدور حول أصل الديانة والحفاظ

стр. 132

عليها، كأركان الإسلام، والإيمان، والجهاد لإعلاء كلمة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بكلمة الحق، والدعوة إلى الله، ونشر العلم وتعليمه، والدعوة إلى التوحيد والإيمان، ومحاجة الكافرين، ودحض الشبهات، والبدع والضلالات، والذب عن الدين، وغير ذلك مما يدور حول هذا الأصل. ونجد أعظم الذنوب الشرك بالله وما يؤدي إليه وكذا كل معصية تعلقت بالدين سواء كانت بنقضه، أو محاربته، أو الاستهانة به، أو تجهيل الأمة به، أو تشويهه، أو محاربه أتباعه وشيطنة علمائه وتجفيف مصادر تعلمه، أو تعليمه ونشره والسخرية من مظاهره وتشويهها ومنعها، أو ربط الأمور القبيحة به كالوحشية والتخلف والرجعية فهذه الأمور كلها من المعاصي العظيمة؛ لأنها صد عن سبيل الله ومحاربة دينه وزعزعة اتباعه وأتباعه وفتنتهم ولذلك جعلها الله أعظم من القتل، والفتنة أعظم من القتل .. وجعل الصد عن دينه أعظم الجرائم. وجعلها مع الكفر: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالأخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٥] وجعلها سببا للعذاب: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] وجعلها أعظم الظلم: ﴿وَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنيَا خِزي وَلَهُمْ فِي الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] ولم يأت في القرآن استعمال ومن أظلم التي تدل على شدة الظلم وعظيم الجرم إلا في موضع الصد عن المساجد وافتراء الكذب وكتم شهادة متعلقة بالدين، كما فعل أهل الكتاب والإعراض عن الدين:

стр. 133

- ﴿وَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوى لِّلكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبرَاهِمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَالأَسبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنتُم أَعلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠] - ﴿وَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعرَضَ عَنهَا إِنَّا مِنَ المُجرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] وكل هذه الأمور متعلقة بالمفسدة التي تعود على الدين بالمحاربة والمعاندة. تطبيقات معاصرة لحفظ مقصد الدين. ١ - من فقه الأسرة والتربية: وجوب حماية الدين بتعليمه للنشء وبيان أركانه ونواقضه ومكارمه ومحاسنه ووضع ذلك في المناهج التعليمية في عموم المراحل الدراسية و تفعيل التربية بمقاصد الدين وأهدافه الكبرى وثوابته فالتربية على مقصد حفظ الدين تكون بالتربية على تعظيمه وحبه وطاعة الله ورسوله، والحفاظ على الصلاة، والأركان، والشعائر والتربية على تحكيمه في كل شؤون الحياة والتربية على الدعوة إليه التربية على الحوار والمناقشة ونبذ التعصب والجمود والغلو. (١) ٢ - الرقابة الأبوية للأبناء في استعمال مواقع التواصل لحمايتهم من المواقع المخلة والإباحية والإلحاد والشبهات. وواجب على الوالدين حمايته من ذلك بطريقة البناء بالعلم والمعرفة ودحض الشبهات.

стр. 134

٣ - من فقه الإعلام والتكنولوجيا: استثمار ثورة الذكاء الاصطناعي في خدمة الدين ونشره وإطلاق المواقع المتخصصة وصفحات التواصل الاجتماعي والقنوات المتخصصة التي تعنى بنشر الدين وإقامته ودحض الشبهات عنه. وإطلاق التطبيقات التي تيسر التعريف بالدين وتعليمه. ٤ - منع المسلسلات والبرامج الهابطة خاصة في شهر رمضان. ٥ - من فقه المال والسوق: لا يجوز شراء أسهم الشركات الربوية أو التي تتاجر في الحرام، ومنع إصدار الترخيص للبنوك والشركات الربوية. ٦ - يحرم شراء الذهب والفضة بالمرابحة المقسطة، أو بالبطاقة التي فيها تأجيل الدفع لأنه ربا. ٧ - بناء المصليات في المولات وإعلان الأذان وقت الصلاة. ٨ - ومن فقه الدولة: المشاركة في الانتخابات الرئاسية أو النيابية أو البلدية مشروط باختيار المرشح العدل الأمين الذي يحفظ الدين ومعالمه ويدافع عنه ٩ - يحرم الحكم بما أنزل الله أو إصدار قوانين مخالفة للاسلام أو إقامة الحكم إلى إساس علماني، ويجب أن ينص في الدستور على أن الدولة مسلمة ولغتها العربية والشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع. ١٠ - تقنين الشريعة بتكليف لجنة علمائية متخصصة بذلك. ١١ - إصدار القوانين التي تجرم وتعاقب كل من يمارس السخرية، أو التنقص بالدين وشعائره. ١٢ - إبرام الاتفاقيات الدولية على احترام الدين الإسلامي وشعائره. ١٣ - حرق المصحف أو سب النبي صلى الله عليه من سفهاء الغرب يجب أن

стр. 135

يواجه بكل الوسائل الممكنة وعلى رأس ذلك التحرك الرسمي، وسحب السفراء، والمقاطعة الاقتصادية وغيرها. ١٤ - ومن فقه الهجرة: الإقامة في بين الكفار مشروطة بإمكان قدرة المسلم على حفظ دينه وعرضه. ١٥ - ومن الفقه الوظيفي: بناء المصليات في داوئر العمل، وإعطاء فرصة للعمال والموظفين لأدائها، ومن كان في الدوام الرسمي من الجنود والأطباء ولم يقدروا على صلاة الجمعة صلوها ظهرا. ١٦ - يشرط أن تكون الوظيفة في الحلال، فلا يجوز عقد عمل مع جهات يقوم نشاطها على الحرام، فيجب على المسلم تحري الحلال الطيب وتجنب الحرام وعليه القيام بالأمانة في عمله ويحرم أن يأخذ الرشوة أو نسب على مبيعات أو مشتريات الشركات من مندوبي المبيعات بدون علم الشركة. ١٧ - ومن فقه العلم والتعليم: كليات الشرعية وتوفير المنح العلمية لطلابها. وتفعيل دور الأوقاف وتوجيهها لذلك ولحفظ الدين ومعالمه ورعاية العلماء، وإقامة الجامعات والمراكز والمعاهد التي تكون العلماء والدعاة القائمين على الوسطية والاعتدال بعيدا عن الغلو والتطرف، وتنشر العلوم وتصدر الأبحاث والكتب الموسوعات العلمية الفكرية والفقهية والتأصيلية والتجديدية. ١٨ - توسيع دائرة الفتوى الجماعية من خلال الفتوى المجامعية والهيئات واللجان التي تصدر الفتوى بصورة جماعية مدروسة من كل جهاتها وضبط الفتوى المعاصرة بما يرسخ الكليات والثوابت ويحمي من التفلت والخلاف الضار بأهل الإسلام. ومن أجلى الطرق في عصرنا. (١)

стр. 136

١٩ - ومن فقه المجتمع: ربط الحياة الإسلامية بالمسجد المجتمع والأسرة والأطفال والقيام ببناء معرفي شرعي بأمهات الدين من خلال الخطبة والدرس والتلاوة والتحفيظ. ٢٠ - حفظ الهوية الإسلامية للمجتمعات بالحفاظ على الشعائر ومحاربة الفسق والدعارة والتغريب. ٢١ - مناظرة الملحدين والمشككين وإقامة الحجج عليهم. ٢٢ - مقاضاة المرتدين وإقامة الحجة عليهم وعلى القضاء ردع المرتدين وعقوبتهم وإقامة الحد عليهم. ومن الفروع الفقهية المتعددة في حفظ الدين: ٢٣ - لا يجوز امتهان الصحف والأوراق المشتملة على الذكر من الآيات والأحاديث وأسماء الله تعالى. (١) ٢٤ - من وضعت المكياج فحضرت الصلاة ولم تكن متوضئة فلا يجوز لها ترك الصلاة ولو كان الوضوء سيؤثر على المكياج، وينبغي على المسلمة أن تتوضأ قبل وضعه حفاظا على صلاتها.

стр. 137

المقصد الثاني: حفظ النفس تحفظ الشريعة الإسلامية النفس حسا ومعنى ظاهرًا وباطنًا وعلقت بحفظها أعظم الأعمال والأجور، بل نص القرآن على أن: ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: ٣٢]. وهذه الآية العظيمة كافية في الدلالة على ذلك. ولهذا نجد من أعظم الطاعات إحياء الأنفس، وسد حاجة الفقير والمسكين وكفالة اليتيم وبذل المال للمحتاج وإطعام الجائع، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، وسقيا الماء، ومن أعظم الكبائر قتل النفس، والعدوان على الناس والفساد في الأرض ونحوها. تطبيقات معاصرة لحفظ مقصد النفس: وقد ظهر أثر الحفاظ على هذه المصالح الكبرى في فقه العصر جليا وسنضرب بعض الأمثلة في مقصد حفظ النفس: ١ - لا تعطى الحامل الأدوية التي فيها خطر على الحمل. ٢ - يجب التقاط اللقيط؛ لأن حفظ النفس من أكبر المصالح والتقاطه من ذلك. ٣ - الحجر الصحي على المريض في الأمراض الوبائية، كما حصل في جائحة كورونا لاغلاق العام في وباء كورونا دفعا لمفسدة انتشار المرض جلبا للمصالح المتعلقة بذلك من حفظ الأنفس والأموال ودفع المفاسد عنها. ٤ - توفير الدولة الدواء والمعالجة المجانية للناس. ٥ - حرمة الانتحار تحت أي مبرر وبأي وسيله؛ لأنها مفسدة من أكبر المفاسد لتعلقها بإحدى الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها.

стр. 138

٦ - تحريم الرياضات التي مآلها إلى إتلاف النفس والعضو والمال جلبا للمصالح ودفعا للمفاسد. ٧ - تشريع القصاص؛ لأنه يحمي الحياة ويدفع مفاسد الفتنة والقتل. ٨ - سن قوانين المرور؛ لأنها تحفظ النفس والمال، ووجوب الالتزام بها وقد صدر بذلك قرار المجمع. ٩ - الفحص قبل الزواج؛ لأنه يحمي النفس من الأمراض الفتاكة. ١٠ - دفع المضرات عن النفس ومن ذلك تحريم تعاطي المخدرات والمسكرات والسموم. ١١ - تحريم الدعارة ومنعها وهي، وإن كانت تحمي العرض فهي كذلك سبيل إلى حماية استمرار الحياة البشرية باستمرار النسل. ١٢ - رعاية الطفل وحمايته من الأمراض وتجريم الإجهاض بدون سبب تجيزه الشريعة. ١٣ - مراقبة القطاع الصحي والطبي لحماية المريض من الاستغلال والاتجار بالأعضاء. ١٤ - مراقبة السوق الغذائي والدوائي لحماية الصحة. ١٥ - بناء المؤسسة الأمنية والعسكرية التي تحفظ الأمن الداخلي على الفرد والمجتمع والخارجي على الأمة. ١٦ - السلطة القضائية العادلة وتأهيل القضاة وسائر السلك القضائي من وسائل حفظ الأنفس والأموال والوسائل لها أحكام المقاصد. ١٧ - تحريم قتل النفس المعاصر، وهو المسمى القتل الرحيم. ١٨ - تحريم وتجريم المثلية؛ لأنها أداه لمحارية الوجود البشري.

стр. 139

١٩ - التأمين الصحي على النفس والتأمين التكافلي الإسلامي عليها من صورة حفظها المعاصرة ٢٠ - جواز ترك الجمعة لمن كان في الدوام الذي لا يستطيع تركه كالطبيب المناوب في العمليات والشرطة ونحوهم. (١) ٢١_ حظر التجوال في الطوارئ، والأوبئة، وإغلاق المساجد، وتحديد الحد الضروري لإقامة الحج والعمرة زمن جائحة كورونا. ٢٢_ ومن مسائل حفظ النفس: لا يجوز عمليات قطع النسل وهي ما تسمى بالتعقيم الدائم، كما يجوز إجراء عملية التلقيح المسمى أطفال الأنابيب، وأجازت المجامع التبرع بالأعضاء في الحياة وبعد الموت. ٢٣_ أصدرت دوائر الفتوى المنع من تعاطي السجائر والسجائر الالكترونية لتسببها في الأمراض الفتاكة بالحياة. (٢) المقصد الثالث: حفظ العقل وأما حفظ العقل فإنه من المقاصد الخمسة الكبرى والضرورية في الشرع، وعناية الشرع به قاطعة، بل هو مناط التكليف، فلا تكليف إلا به وعموم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] يشمل الوسع العقلي والنفسي والبدني والإمكانات المادية. فالعقل على رأس الوسع التكليفي لهذا يشترط للتكليف الفهم والقدرة. وكل وسائل المعرفة مطلوبة؛ لأن بها يحفظ العقل لهذا أنزل الله الأمر التكليفي بالمعرفة وأدواتها في أول آيات نزلت في سورة العلق .. فهذا دليل على حفظ العقل والعناية به.

стр. 140

وقد حارب الإسلام الجهالات والتصورات الخاطئة المتعلقة بالخلق والكون والمعاد، وبلغ ذلك أن نهى عن التشاؤم والطيرة وكل الاعتقادات والتصورات الفاسدة. وحارب الإسلام الجهالات والشعوذة والتنجيم لضررها على العقول والأديان والأنفس. ولأهمية العقل فقد ذكر في القرآن بتصريفاته أكثر من أربعين مرة وأما تصاريفه ومآلاته من التفكر والتدبر والنظر ونحوها فقد بلغت زهاء ثلاث مئة موضع في القرآن. وهذا دليل قاطع على حفظ هذا المقصد العظيم .. تطبيقات معاصرة لحفظ مقصد العقل: وما أدى من الوسائل إلى حفظ العقل فهو مطلوب شرعًا. ١ - كإنشاء المدارس، والجامعات، والمعاهد البحثية، وطباعة الكتب، والمناهج، ومجانية التعليم، ونشر العلم وتعليمه، وإعداد المعلمين والخبراء والعلماء، فهذه الأمور خادمة لهذا المقصد العظيم فطلبت. ٢ - تحريم المخدرات والحشيش وسائر أنواعها المعاصرة وحماية الشباب منها، ومعاقبة المروجين وتجار المخدرات بما يحقق العدل والمصلحة. ٣ - يحرم الترخيص لمحلات الخمور في البلاد الإسلامية وعلى الطائرات التابعة لها وفي المطارات والفنادق. المقصد الرابع: حفظ الأعراض والأنساب وأما الأعراض فلها عناية بالغة في الشرع، فمن جهة الطاعات جاء في الشرع أن من قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن حفظ ما بين لحييه وفخذيه ضمن له الجنة، فهذه من أعظم الطاعات، كما أن من أعظم

стр. 141

المعاصي انتهاك عرض المسلم بزنا، أو لواط، أو فحش، أو غيبة ونميمة ولعن وسب وانتقاص، ولهذا يقول الله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وقال في السخرية والتنابز بالألقاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، ولا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، ولا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، ولا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وورد في القرآن والسنن الشيء الكثير عن حفظ الأعراض وصيانتها والحفاظ عليها لذلك شرعت الحدود والعقوبات الرادعة لمن اعتدى عليها فمن قذف ولم يأت بأربعة شهداء جلد ثمانين جلدة ومن زنى جلد المئة فإن كان محصنا رجم، كما ثبت ذلك في السنن المستفيضة والباب في حفظ الأعراض واسع والنصوص متكاثرة. التطبيقات المعاصرة لحفظ مقصد العرض: ١ - حفظ الأعراض تكليف عام زمانا ومكانا بنصوص شرعية قاطعة لا تتغير، ولا تتبدل فهذه الكلية المقاصدية الكبرى حاكمة على تصرفات الأفراد والجماعات والأمم المتعلقة بالأعراض. ونظرا لكثرة التعقيدات الحياتية المعاصرة وجب حفظا لهذا المقصد سن لوائح وقوانين وأنظمة تعزيرية وتأديبية وحدية للعدوان على العرض في وسائل الإعلام، أو وسائل التواصل، أو العدوان الإلكتروني، أو الصحفي. وما يحفظ العرض من الاستغلال والابتزاز الجنسي والأخلاقي الممارس من عصابات سهلت الشبكة العنكبوتية لهم ذلك. ٢ - القذف على وسائل التواصل الاجتماعي يعتبر صريحا وفيه الحد. ٣ - يحرم تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية للتجارب أو البيع أو

стр. 142

الانتفاع بها آجلا ولو لصاحبها وقد صدر بذلك قرار المجمع الفقهي لأنه ذلك عرضة لاختلاط الأنساب. ٤ - أصدر المجمع الفقهي قرارا بتحريم الاستنساخ الآدمي حفظا للنفس والأعراض والأنساب. ٥ - حماية الفرد والمجتمع من التجارة بالبشر وكل ما يترتب عليه من انتهاكات للإنسان دينا وعرضا ونفسا وعقلا ومالا. ٦ - إنشاء محاكم متخصصة للجرائم الالكترونية.؛ لأنها من وسائل حفظ الضروريات. ٧ - تشريع ميثاق إعلامي وسياسي لحماية الأعراض والأخلاق. ٨ - تحريم كشف العورة إلا لضرورة دفع مفسدة ينتهك به الحرام دفعا لما هو أكبر كالعمليات الجراحية والقيصرية، أما كشفها للغير لمجرد إزالة الشعر بالليزر فمحرم؛ لأن ذلك ليس من الضرورات، ولا الحاجيات الماسة المتعلقة بالضرورات. إلا للمريض الذي لا يقدر على إزالة الشعر فله أن يلجأ لإزالته بالليزر ويكشف قدر الحاجة. ٩ - يجب حظر مواقع الرذيلة والدعارة. ١٠ - لا تضع المرأة صورتها على مواقع التواصل إلا الصور للمرأة الرسمية البرزة أما بغرض التواصل والتعارف فهو أشد من الخضوع بالقول، ولا تضع صورة متبرجة ولو لغيرها؛ لأنه من التعاون على الإثم. ١١ - يحرم نشر المقاطع الإباحية والهابطة لأنها من إشاعة الفاحشة كما يحرم هتك الخصوصيات ونشر ما يقع من الأفراد من الزلات التي تسمى الفضائح. لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩].

стр. 143

المقصد الخامس: حفظ المال ومن حفظه صيانته من التلف والسرف والتبذير، وإنفاقه فيما لا يعود بالنفع والمصلحة؛ لهذا حجر الشرع على السفيه، ومنع الطفل من التصرف في المال، حتى يرشد، وشرع في المال أحكامًا ترجع إلى تنظيم حفظه وإدارته وتداوله وتوزيعه فشرع البيع والشراء ومنع الغرر والتدليس وبيع ما لا يملك، والمعدوم، وما لا نفع فيه، وشرع الزكوات والصدقات، وتسليطه في الحق آناء الليل وأطراف النهار، والجهاد به، وإعانة طلبة العلم والفقراء واليتامى، وهذه من أمهات الطاعات، ونجد السرقة، والغصب، والخمر، والميسر، والرشوة، والربا، والنهب، وأكل مال اليتيم، والغلول، وخيانة الأمانة عامة كالولايات، وخاصة كنحو الودائع من أعظم الذنوب. وفروع الشريعة وأصولها وأدلتها متكاثرة بالغة حد القطع في حفظ المال .. ولهذا أورد العلماء قواعد عديدة تدخل ضمن حفظ المال، سأذكر أهمها، وأشرح معناها مع مثال مبين لكل قاعدة. ١ - لا يتصرف في ملك الغير إلا بإذنه (١). والقاعدة تعني أن الملك لا يجوز أن يتصرف فيه إلا المالك، أو من أذن له المالك فيجوز له حينئذ التصرف فيه إما بعينه كمن وهب، أو أهدى لآخر مالا فاستهلكه، أو يتصرف في منافعه بالإعارة.

стр. 144

أو تكون له ولاية عليه كمال اليتيم فإن وليه يتصرف فيه تصرفا مصلحيا بإذن الشرع، أو يكون وكيلا عن المالك فله حينئذ التصرف. ويتفرع على القاعدة: أنه ليس لأحد أن يدخل دار الآخر، أو مزرعته المسيجة بدون إذنه؛ لأنه بدخوله الدار، أو المزرعة يكون قد استعملها (١). ولا يحق له استعمال سيارته، أو التصرف في أسهمه، أو أملاكه إلا بإذنه. وهذا كله حماية للأموال. ٢_ وتأتي هنا قاعدة: الأمر بالتصرف في حق الغير باطل (٢) لأنه تصرف في حق الغير بلا إذن شرعي، أو إذن من المالك فكان الأمر بالتصرف في ذلك عدوانًا. ٣_ ومن القواعد التي تحفظ المال قاعدة: لا ينتقل الملك إلا بسبب شرعي. وبالتتبع وجدنا أن الملك ينتقل في الشرع بطرق خمس التالية: _إما بالمعاوضات المحضة من بيع وشراء وشركات ونحوها. _ وإما المعاوضات غير المحضة وهي ما تسمى بالمكارمات والتعويضات مثل المهور والديات. _وإما التبرعات والصدقات. _ وإما الفرض الشرعي كالزكاة والنفقات والمواريث والغنائم. _ وإما الإباحة كإحياء الموات. فهذه هذه الطرق التي ينتقل بها الملك في الشرع.

стр. 145

٤ - ومنها قواعد الضمان، وهي عديدة والأصل في التصرف في أموال الناس الضمان إلا بسبب شرعي، أو إذن من المالك، أو من له ولاية عليه هذا هو الأصل باتفاق. التطبيقات المعاصرة لمقصد حفظ المال: ١ - حماية المستهلك وتقنين التجارات الإلكترونية وحفظ الودائع والحسابات البنكية من الاختراق، خاصة البيانات المالية على الهواتف المحمولة. ٢ - الحقوق المعنوية من براءة الاختراع والاسم التجاري والعلامة التجارية والمؤلفات والحقوق الفكرية تعد أموالا تسري عليها الحماية وقد صدر بذلك قرار المجمع الفقهي (١) ..
следующие страницы →