← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الثالث قاعدة: المعتبر في المصالح والمفاسد الغلبة، ولا عبرة بالمقابل المغلوب هذه القاعدة فيها مسألتان: المسألة الأولى: المعنى والاستدلال. ١ - معنى هذه القاعدة أن الشرعية لما رعت المصالح ودفعت المفاسد نظرت إلى الجانب الأغلب الراجح، فإن كانت الغلبة للمصلحة فهي مصلحة معتبرة، وإن كانت الغلبة للمفسدة فهي مفسدة يجب دفعها. ولا تنظر الشريعة إلى المقابل المرجوح المغلوب، بل تعده ملغيا في الحكم؛ لأن العبرة بالغالب والأكثر. ٢ - هذه القاعدة لها أدلة كثيرة من الكتاب، والسنة وقد نص عليها العلماء. واعتبار الغلبة في الشرع من الأمور التي تبلغ أدلتها في الكثرة حد التواتر المعنوي. والأكثر من تصرفات الشرع مبينة على الغلبة. بل، حتى الجزاء الأخروي مبني على اعتبار الجهة الغالبة من الحسنات، أو السيئات. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]

стр. 177

ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ولذلك حرمه الله؛ لغلبة المفاسد والضرر. وفي الحديث (أن الرسول ﷺ استيقظ من النوم محمرًا وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) (١). ومن هذا كذلك حديث: (إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث) (٢). قال الكاساني: اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم هو الأصل في أحكام الشرع (٣). وقال القرافي قاعدة الشرع اعتبار الغالب (٤). المسألة الثانية: من الفروع المتقدمة للقاعدة. ١_ يصح الاستئجار على الأذان والإمامة وتعليم القرآن لقعود همم الناس عن القيام بها مجانًا في الغالب الشائع، مع وجود من يقوم بها محتسبًا، لكنه نادر، والنادر لا حكم له عند الحنابلة (٥). ٢ - ومنها جواز معاملة من أكثر ماله حلال نظرا للأغلب وقد اختلفوا في من أكثر ماله حرام هل يجوز معاملته، وهي كالاستثناء من هذه القاعدة. قال ابن عبد السلام: "فإن قيل، ما تقولون في معاملة من اعترف بأن أكثر ماله حرام، هل تجوز أم لا؟ قلنا: إن غلب الحرام عليه بحيث يندر الخلاص منه لم تجز معاملته، مثل أن يقر إنسان أن في يده ألف دينار كلها حرام إلا

стр. 178

دينارا واحدا، فهذا لا تجوز معاملته، لندرة الوقوع في الحلال، كما لا يجوز الاصطياد إذا اختلطت حمامة برية بألف حمامة بلدية، وإن عومل بأكثر من الدينار، أو اصطياد أكثر من حمامة فلا شك في تحريم ذلك، وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة، كما لو اختلطت أخته من الرضاع بألف امرأة أجنبية، أو اختلطت ألف حمامة برية بحمامة بلدية فإن المعاملة صحيحة جائزة لندرة الوقوع في الحرام" (١) قال ابن المنذر: اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام وقبول هديته وجائزته فرخص فيه الحسن ومكحول والزهري والشافعي قال الشافعي، ولا أحب ذلك وكره ذلك طائفة قال وكان ممن لا يقبل ذلك ابن المسيب والقاسم بن محمد وبشر بن سعيد والثوري ومحمد بن واسع وابن المبارك وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين (٢). قال السيوطي: معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عن الحرام لا يحرم في الأصح، لكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام في يده (٣). ٣ - الغالب في السفر المشقة، فتقصر فيه الصلاة، ويفطر الصائم في السفر، عملًا بالغالب، دون الالتفات إلى النادر كالسفر بالطائرة اليوم. المسألة الثالثة: من الفروع المعاصرة. شراء الأسهم المختلطة. وخلاصة المسألة أن الشركات ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما كان عملها مباحًا.

стр. 179

القسم الثاني: ما كان عملها محرمًا إما تاما، أو غلبة. القسم الثالث: ما هو مباح في الأصل، لكن يعرض لها أن تتعامل مع البنوك الربوية فتودع أموالا فيها، أو تقترض بالربا، أو تستثمر في السندات، وهي ربا القروض وخلاصة أقوال العلماء في هذه الثلاثة أن القسم الأول مباح بلا خلاف والثاني محرم بلا خلاف، والثالث مختلف فيه على أربعة أقوال: القول الأول: الجواز بشروط. القول الثاني: الجواز في شركات القطاع العام والتحريم في غيرها. القول الثالث: أن ذلك يرجع إلى نية المساهم؛ فإن كان بقصد المتاجرة فإنه يجوز مطلقًا، وإن كان بقصد الاستثمار فيحرم. القول الرابع: التحريم مطلقًا. ولا خلاف بين العلماء المعاصرين على الأمور التالية: ١ - أن المساهمةَ في الشركات التي يغلب عليها المتاجرة بالأنشطة المحرمة محرمةٌ، ولا تجوز لما فيها من الإعانة على الإثم والعدوان. ٢ - وإن من يباشر إجراء العقود المحرمة بالشركة كأعضاء مجلس الإدارة الراضين بذلك يكون عملهم محرمًا، قلّت نسبة الحرام في الشركة أم كثرت. ٣ - وإن الاشتراك في تأسيس شركات يكون من خطة عملها أن تتعامل في جملة معاملاتها بالعقود المحرمة، أو كان منصوصًا في نظامها على جواز ذلك؛ فإن هذا الاشتراك محرم. ٤ - وإن المساهم لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يدخل في ماله كسب الجزء المحرم من السهم، بل يجب عليه إخراجه والتخلص منه، حتى على القول بجواز مساهمته.

стр. 180

واختلفوا في حكم المساهمة في الشركات المشروعة من حيث الأصل، لكنها تتعامل في بعض معاملاتها بالأنشطة المحرمة، أو تقترض، أو تودع بالفوائد على أربعة أقوال، كما سبق (١). وذكر شيخ الإسلام في جواب سؤال عن التعامل مع من كان غالب أموالهم حرامًا مثل المكاسين وأكلة الربا؟ فأجاب: إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة، وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلَّا أن يعرف الكره من وجه آخر، وذلك أنه إذا باع ألفًا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له (٢). وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان، فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (٣). وليس المقصود مناقشة الأقوال هنا، بل التمثيل ونحيل إلى محل المسألة من بحوث المجمع الفقهي (٤).

стр. 181

المبحث الرابع قاعدة: المصالح والمفاسد الأخروية مقدَّمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق والكلام عليها في مسائل: المسألة الأولى: المعنى والاستدلال. معنى هذه القاعدة أن كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة ولهذا تنقسم المصالح إلى ثلاثة أقسام: ١_ مصالح معتبرة وهي كل مصلحة اعتبرها الشرع ٢_ مصالح ملغاة وهي كل مصلحة قضى الشرع بإبطالها وعدم اعتبارها كمصلحة التجارة في الخمر، والتجارة في الميتة والمحرمات، والربا، والتجارة الجنسية، فهذه ملغاة لا قيمة لها ولا اعتبار. ٣_ مصالح مسكوت عنها فهذه يرجع في تقديرها إلى غلبة ما فيها من المصلحة. فالنوع الأول: هي مصالح الدنيا التي تقوم على طاعة الله ورسوله، وهذا النوع تجتمع فيه مصالح الدنيا مع مصالح الآخرة. لأنها في الدنيا طاعات وفي الآخرة رجات، ولو كانت ظاهرة أنها دنيوية لأن توحيد الله و عمارة الأرض ونهضتها هو مقصود الاستخلاف للإنسان. أما النوع الثاني: فليست مصالح في نظر الشرع، لأنه نص على إلغائه

стр. 182

وهي من المعاصي، فلو أقامت الدولة مصنع للخمور أو بنوك الربا بمبرر المصلحة، فهو تصرف باطل محرم، لأنها ليست مصالح. فهذا النوع ناقض مصالح السعادة والفوز في الآخرة، فحرم. أما النوع الثالث: فهو راجع إلى الموازنات والأصل فيه الإباحة. المسألة الثانية: مستند القاعدة: بين الله في كتابه في آيات لا تحصى تقديم الآخرة على الدنيا وأن المصالح الحقيقية إنما تبنى وفق السعادة الأخروية. قال الشاطبي: «والمصالح والمفاسد الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق، إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع؛ فكان باطلا» (١) وانظر إلى جزء عم على سبيل المثال لا تجد سورة إلا وفيها ذكر الآخرة. وهكذا سائر القرآن مبني على أن سائر المصالح في الدنيا مرتبطة بالجزاء في الآخرة، فما كان حسنات ودرجات ونجاة وفوز فهو المعتبر، وما أدى من المصالح إلى الخسارة الأخروية فهي باطلة ملغاة، فمن النصوص. ١ - في التصريح بتقديم الآخرة على الدنيا وتفضيلها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء -٧٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام-٣٢]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل-١٦]. ٢ - قوله تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا

стр. 183

وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس ٧ - ٨]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة -٨٦]. فهذه الآيات عاقبة من آثر الدنيا على الآخرة وقدم مصالحها وأهواءها على مصالح الآخرة وسعادتها. ٣ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران -١٨٥]. فهذه الآية تبين أن أعظم المصالح هي المصلحة الأخروية الخالدة الأبدية، وهي النجاة من النار ودخول الجنة وغير ذلك كثير. (١) قال ابن عبد السلام: فمصالح الآخرة ثواب الجنان ورضا الديان والنظر إليه والأنس بجواره والتلذذ بقربه وخطابه وتسليمه وتكليمه، ومفاسدها عذاب النيران وسخط الديان والحجب عن الرحمن وتوبيخه ولعنه وطرده وإبعاده وخسؤه وإهانته (٢). ونصوص السنة كثيرة، دلالة العقل واضحة في ذلك فإن مصالح الآخرة قطعية، مؤبدة، ومفاسدها قطعية مؤبدة. أما مصالح الدنيا فليست قطعية بل الحسن فيها ظني لا يصفو من أكدار وتعب ومشقات في تحصيلها، ومنها موهوم لا مصلحة فيه، بل هو مبني على الأهواء والشهوات. المسألة الثالثة: من تطبيقات هذه القاعدة: ١_ قوانين الحريات التي تسمح بالفاحشة الجنسية، باطل لا يعتبره

стр. 184

الشرع، ومصالحه موهومة ومفاسده على الأسرة والوجود البشري والنسل والعرض والأنساب لا تحصى وهذا ما تعرض له العالم الغربي. ٢_ تحديد النسل بقطعه معصية وفيها مصلحة ملغاة موهومة فحرمت، لأنه مناقض لمقصود الاستخلاف والوجود، فيحرم عمليات قطع النسل والتعقيم المؤبد، أما تنظيمه فهو في النظر الجزئي مباح. ٣_ التحول الجنسي والمثلية، من أكبر الجرائم البشرية، ومفاسده لا تحصى، فأي قانون يبيحه فهو باطل ملغى. ٤_ الدخول في معاهدات محاربة الإرهاب، مصالحها محصلة للعدو لأنه يقصد بالإرهاب حصرا الإسلام، فيحرم الدخول والتوقيع على هذه المعاهدات. ٥_ عضوية دولة مسلمة في حلف الناتو، خاضع لقاعدة المصالح والمفاسد المترتبة. وكذلك التحالف مع الدول الأجنبية كالأمريكان ودول الناتو الغربية، خاضع للنظر المصلحي، فإن أدى إلى إنشاء قواعد عسكرية في بلاد المسلمين، أو دخول القوات الأجنبية المياه الإقليمية أو الأجواء الوطنية لدولة مسلمة، فهذا الأصل فيه المنع، أما الاضطرار لذلك فله شروطه المعروفة. ٦_ تجارة العملات يجب أن يخضع لكل قوانين الشرع، فيحرم إن حصل فيه ربا، أو تأخير قبض. أو مصارفة آجلة وهي شراء عملة بعملة أخرى كلاهما مؤجلتان توقيا من انخفاظ قيمة العملة وهذا محرم.

стр. 185

وقد قلت في منظومة المعايير الشرعية: (معيار تجارة العملات) تجارة العملات قد أجازوا … وشرطها كالصرف بل تمتاز بمنع إضرار أو احتكار … أو سوق لاجال أو اختيار حتى لمن مقصده التوق … من انخفاض سعرها في السوق وللتوقي يمكن التبادل … قرضا بلا ربط كما يفضل شرا بضاعة أو المرابحة … بدائل متاحة وواضحة (التقابض الحقيقي والحكمي للعملات) تقابض العملات ركن مشترط … وإن جرى في بعضها صح فقط قبضا حقيقيا وحكما صح في … شيك مصدق وقيد مصرفي قاسوا على ما قد رآه المجمع … قسيمة الدفع وعندي يمنع

стр. 186

المبحث الخامس قاعدة: تصرف الإمام منوط بالمصلحة هذه من فروع قاعدة الشرع مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد. وهي مختصة بضبط الجانب السياسي في تصرفات الحكام والأمراء والملوك. وللكلام عنها نفرد لها مسائل: المسألة الأولى: معنى القاعدة معنى التصرف على الرعية منوط بالمصلحة: أن نفاذ تصرف الراعي على الرعية ولزومه عليهم متوقف على وجود ثمرة لذلك التصرف، دينية كانت، أو دنيوية. فإن تضمن منفعة غالبة وجب عليهم تنفيذه، وإن لم يتضمن المنفعة رد (١). والحاصل أن مفاد القاعدة: أن تصرف الإِمام وكل مَنْ ولي شيئًا من أمور المسلمين يجب أن يكون مقصودًا به المصلحة العامة، أي بما فيه نفع لعموم من تحت أيديهم، وما لم يكن كذلك لم يكن صحيحًا، ولا نافذًا شرعًا (٢).

стр. 187

المسألة الثانية: دليل القاعدة مستندات هذه القاعدة عديدة: ١ - منها ما في صحيح البخاري: عن الحسن قال: «أتينا معقل بن يسار نعوده فدخل عبيد الله، فقال له معقل: أحدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال: ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة.» (١). والغش هو التصرف خلاف المصلحة. ٣ - وأخرج أحمد في المسند قال: «حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد يعني _ ابن زيد _، عن أيوب، عن محمد، قال: استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، قال: فتمناه عمران بن حصين حتى قيل له: يا أبا نجيد، ألا ندعوه لك، قال: لا، فقام عمران بن حصين، فلقيه بين الناس، قال: تذكر يوم قال رسول الله ﷺ : " لا طاعة لمخلوق في معصية الله "؟، قال: نعم، قال عمران: الله أكبر» (٢). قال أبو زكريا: هذا سند مسلسل بالحفاظ الأثبات من رجال الشيخين، والحكم صحابي أخرج له مسلم. أما من جهة الدراية: فأبطل الشرع طاعته وتصرفه في المعاصي، والمعاصي خارجة عن المصالح. والمصالح مترتبة على الطاعات، فتعين أن تصرف الإمام على الشعب لا يكون إلا في مصلحة. ٤ - و «قال عمر ﵁ انى أنزلت نفسى من هذا المال بمنزلة والى

стр. 188

اليتيم إن استغنينا استعفت وإن احتجت استقرضت فإذا أيسرت قضيت» قال بن كثير في مسند الفاروق صحيح (١). قلت: وهذه قاعدة الولاية أنها كالتصرف على مال اليتيم، والقاعدة فيها قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ٥ - ومن ذلك قول علي "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج من غير عمارة خرب البلاد وأهلك العباد (٢). قال الشافعي ﵀: منزلة الوالي من الرعية: منزلة الولي من اليتيم انتهى. قال الزركشي، وهو نص في كل والٍ. (٣) المسألة الثالثة: فروعها من كلام الفقهاء المتقدمين. ١ - إذا أراد إسقاط بعض الجند بسبب جاز وبغير سبب لا يجوز، حكاه النووي في الروضة، وقال الماوردي أيضًا (٤): ٢ - لا يجوز لأحد من أولياء الأمور أن ينصب إماما (للصلوات) فاسقا، وإن صححنا الصلاة خلف الفاسق، أي؛ لأنها مكروهة وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه. ٣ - وحيث يخير الإمام في الأسير بين القتل والاسترقاق والمن

стр. 189

والفداء لم يكن ذلك بالتشهي، بل يرجع إلى المصلحة، حتى إذا لم يظهر له وجه المصلحة حبسهم إلى أن يظهر. ٤ - ولو طلبت من لا ولي لها خاصا أن يزوجها بغير كفء ففعل لم يصح في الأصح؛ لأن حق الكفاءة هنا لجميع المسلمين، وهو كالنائب عنهم، فلا يقدر على تفويته (١) ٥ - ومنها: أنه ليس له العفو عن القصاص مجانًا؛ لأنه خلاف المصلحة، بل إن رأى المصلحة في القصاص اقتص، أو في الدية أخذها. ٦ - ومنها: أنه ليس له أن يزوج امرأة بغير كفء، وإن رضيت؛ لأن حق الكفاءة للمسلمين، وهو كالنائب عنهم، فلا يقدر على إسقاطه. ٧ - ومنها: أنه لا يجيز وصية من لا وارث له بأكثر من الثلث. ٨ - ومنها: أنه لا يجوز له أن يقدم في مال بيت المال غير الأحوج على الأحوج. (٢) ٩ - وفي مسألة صلح الإمام عن الظلة المبنية في طريق العامة، وصرح به الإمام أبو يوسف ﵀ في كتاب الخراج (٣). ١٠ - لا يصح عفو السلطان عن قاتل من لا ولي له، وإنما له القصاص، والصلح وعلة ذلك أنه نصب ناظرا، وليس من النظر للمستحق العفو (٤). ١١ - وذكر الإمام أبو يوسف ﵀ في كتاب الخراج قال:

стр. 190

بعث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عمار بن ياسر على الصلاة والحرب، وبعث عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرضين، وجعل بينهم شاة كل يوم في بيت المال، شطرها، وبطنها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها الآخر لعثمان بن حنيف: وقال إني أنزلت نفسي، وإياكم من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم فإن الله ﵎ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: والله ما أرى أرضًا تؤخذ منها شاة في كل يوم إلا استسرع خرابها (١). قال ابن نجيم: فعلى هذا لا يجوز له التفضيل ولكن قال في المحيط من كتاب الزكاة: والرأي إلى الإمام من تفضيل، وتسوية من غير أن يميل في ذلك إلى هوى، ولا يحل لهم إلا ما يكفيهم، ويكفي أعوانهم بالمعروف، وإن فضل من المال شيء بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسمه بين المسلمين، وإن قصر في ذلك كان الله عليه حسيبا (انتهى). وذكر الزيلعي من الخراج، بعد أن ذكر أن أموال بيت المال أربعة أنواع، قال: وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع بيتا يخصه، ولا يخلط بعضه ببعض؛ لأن لكل نوع حكما يختص به. إلى أن قال: ويجب على الإمام أن يتقي الله تعالى ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته من غير زيادة فإن قصر في ذلك كان الله عليه حسيبا (انتهى). وفي كتاب الخراج لأبي يوسف ﵀ أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قسم المال بين الناس بالسوية فجاء ناس، فقالوا له: يا خليفة رسول الله ﵊ إنك قسمت هذا المال

стр. 191

فسويت به بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم فلو فضلت أهل السوابق والقدم، والفضل لفضلهم؟ فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم، والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله تعالى، وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة. فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وجاء الفتوح فضل وقال: لا أجعل من قاتل مع غير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كمن قاتل معه؛ ففرض لأهل السوابق، والقدم من المهاجرين، والأنصار ممن شهد بدرا، أو لم يشهد بدرا أربعة آلاف درهم، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر بدون ذلك؛ أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق (١). قال ابن نجيم: وفي القنية من باب ما يحل للمدرس، والمتعلم: كان أبو بكر ﵁ يسوي بين الناس في العطاء من بيت المال، وكان عمر ﵁ يعطيهم على قدر الحاجة والفقه، والفضل؛ والأخذ بما فعله عمر ﵁ في زماننا أحسن فتعتبر الأمور الثلاثة. ١٢_ السلطان إذا ترك العشر لمن هو عليه جاز غنيا كان، أو فقيرًا، لكن إن كان المتروك له فقيرًا فلا ضمان على السلطان، وإن كان غنيًا ضمن. ١٣_ وتصرف القاضي فيما له فعله في أموال اليتامى، والتركات، والأوقاف مقيد بالمصلحة فإن لم يكن مبنيا عليها لم يصح .. وبهذا علم أن أمر القاضي لا ينفذ إلا إذا وافق الشرع. ١٤_ وبين ابن نجيم الحنفي: أن الوظيفة في الأوقاف من مال الوقف بدون إذن الواقف لا تجوز ولو حصل فائض من الوقف وجه لاستثمار الوقف لا للتوظيف .. (٢)

стр. 192

المسألة الرابعة: تطبيقات معاصرة على قاعدة تصرفات الإمام منوط بالمصلحة ١ - لا يجوز للإمام أن يتنازل عن أرض المسلمين المحتلة؛ لأنه ليس فيه مصلحة وتصرفه باطل.

стр. 193

٢ - واجب على الإمام الحفاظ على ثروات البلاد. ٣ - من المصالح المرعية في الجمهوريات في هذا العصر وجود دستور للدولة يبين فيه ما يتفق عليه من مصالح الشعب وحقوقه، وواجبات الرئيس والسلطات. ٤ - أفتى بعد العلماء أنه يجوز له فرض الضريبة عند الحاجة للمصلحة، ويجوز إعفاء بعض السلع وبعض التجار للمصلحة العامة. ٥ - إذا أمر الإمام بمقاطعة بضائع دولة معينة لمصلحة البلاد فإنه تجب طاعته وقد أمر النبي بمقاطعة الثلاثة وهجرهم للمصلحة. ٦ - لا يجوز للحاكم التطبيع مع العدو الحربي المحتل كالعدو الصهيوني؛ لأنه تصرف لا مصلحة فيه. ٧ - لا يجوز للإمام التعاون مع العدو بتسليم المواطنين، بل يحاكمهم في بلده إن أجروموا. ٨ - يجوز الدخول في معاهدات الحفاظ على المناخ؛ لأنها من المصالح. ٩ - جواز ضبط التسعير في سلع معينة تعم الحاجة إليها وفي حدود المصلحة العامة فقط. ١٠ - يجوز فرض عقوبات على من يلوث البيئة. ١١ - تنفرد الدولة بطباعة العملة ومنع تزويرها، أو تهريبها، أو التلاعب بها. ١٢ - استبدال الوقف عند الضرورة جائز وهو من المصلحة. ١٣ - التأمين التقاعدي، أو الاجتماعي الذي تفرضه الدولة، تكاد تتفق الآراء على أن هذا النوع من التأمين جائز شرعًا. (١)

стр. 194

١٤ - تصرفات الإمام باطلة إن لم تكن مصلحية ومن التصرفات المنابذة للمصالح والتي تعد من الفساد. - دعم طائفتين من الشعب لقتال إحداها الأخرى. - قتل المتظاهرين السلميين. - استعمال الجيش والأمن لقمع الشعب المدني السلمي. - التعذيب في سجون الدولة والمعتقلات (١). - تشجيع وتغذية الصراع بين الطوائف الدينية والمناطقية. - تجهيل الشعب عمدًا. - إيجاد الطبقية القانونية. - الفساد المالي والإداري، وعدم تقديم رموزه إلى القضاء. - تقوية بعض الشعب وإضعاف بعض. - العبث والنهب والاختلاس للثروة والمال العام بما يوصل الشعب إلى خط الامتهان، والإذلال والإفقار داخليًا وخارجيًا. - العقوبات الجماعية المقصودة على الشعب كقطع الغذاء، والقمح، والماء، والمواد الحاجية كالمشتقات النفطية، والكهرباء، والمياه، وحليب الأطفال، والأدوية. - التسهيل لعصابة الحرابة، من قطع الطرق وتفجير المصالح العامة وتخريب البلاد. - دعم، أو تسليح، أو تمويل الفتنة والاقتتال وأطرافها. (٢).

стр. 195

١٥ - ومن المصالح قيام الدولة بإعطاء حقوق الموظفين وإكرامهم ومكافأتهم ومن ذلك مكافأة نهاية الخدمة (١). ١٦ - ومن النوازل المصلحية المستجدة توسعة المسجد الحرام وشراء المنازل وتعويضهم وتسهيل خدمات المشاعر. (٢). وقد حصلت التوسعة بداية أيام الصحابة، فلما استخلف عمر ﵁، وكثر الناس، وسع المسجد، واشترى دورًا هدمها وزادها فيه، وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا، ووضع لهم الإثمان، حتى أخذوها بعد ذلك، واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، فلما استخلف عثمان ﵁، ابتاع منازل، فوسع بها المسجد، وأخذ منازل أقوام، ووضع لهم أثمانها، فضجوا منه عند البيت، فقال: إنما جرأكم علي حلمي عنكم، فقد فعل بكم عمر ﵁ هذا، فأقررتم ورضيتم. وبنى للمسجد الأروقة حين وسعه" (٣).

стр. 196

١٧_ نماذج لمواد دستورية تتعلق بها المصالح الكبرى للبلاد مادة (١١٨) لا يجوز لرئيس الجمهورية أثناء مدته أن يزاول ولو بطريقة غير مباشرة مهنة حرة او عملًا تجاريًا أو ماليًا أو صناعيًا، كما لا يجوز له أن يشتري أو يستأجر شيئًا من أموال الدولة ولو بطريقة المزاد العلني أو أن يؤجرها او يبيعها شيئًا من أمواله او يقايضها عليه. مادة (١٢١) يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ بقرار جمهوري على الوجه المبين في القانون ويجب دعوة مجلس النواب لعرض هذا الإعلان عليه خلال السبعة الأيام التالية للإعلان فإذا كان مجلس النواب منحلًا ينعقد المجلس القديم بحكم الدستور فإذا لم يدع المجلس للأنعقاد أو لم تعرض عليه في حالة انعقاده على النحو السابق، زالت حالة الطوارئ بحكم الدستور. وفي جميع الأحوا لا تعلن حالة الطوارئ إلا بسبب قيام الحرب أو الفتنة الداخلية أوالكوارث الطبيعية ولا يكون اعلان حالة الطوارئ إلا لمدة محدودة و لا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس النواب. مادة (١٢٨) يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بخرق الدستور أو بأي عمل يمس استقلال وسيادة البلاد بناء على طلب من نصف أعضاء مجلس النواب ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضائه ويبين

стр. 197

القانون إجراءات محاكمته فإذا كان الأتهام موجهًا إلى رئيس الجمهورية ونائبه تباشر هيئة رئاسة مجلس النواب مهام رئاسة الجمهورية مؤقتًا حتى صدور حكم المحكمة، ويجب أن يصدر القانون المشار إليه خلال دور الأنعقاد العادي الأول لمجلس النواب التالي لسريان هذا الدستور وإذا حكم بالإدانة على أي منهما أعفي من منصبه بحكم الدستور مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى وفي جميع الحالات لا تسقط بالتقادم أي من الجرائم المذكورة في هذه المادة. مادة (١٣٦) لا يجوز لرئيس الوزراء ولا لأي من الوزراء أثناء توليهم الوزارة أن يتولوا أي وظيفة عامة أخرى أو ان يزاولوا ولو بطريقة غير مباشرة مهنة حرة أو عملًا تجاريًا أو ماليًا أو صناعيًا، كما لا يجوز لهم أن يسهموا في التزامات تعقدها الحكومة أو المؤسسات العامة أو أن يجمعوا بين الوزارة والعضوية في مجلس إدارة أي شركة ولا يجوز خلال تلك المدة أن يشتروا أو يستأجروا أموالًا من أموال الدولة أو يقايضوا عليها ولو بطريقة المزاد العلني أو أن يؤجروها أو يبيعوها شيئا من أموالهم أو يقايضوها عليه. مادة (٨) الثروات الطبيعية بجميع أنواعها ومصادر الطاقة الموجودة في باطن الأرض أو فوقها أو في المياه الإقليمية أو الامتداد القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة ملك للدولة، وهي التي تكفل استغلالها للمصلحة العامة. مادة (٣٦) الدولة هي التي تنشئ القوات المسلحة والشرطة والأمن وأية قوات

стр. 198

أخرى، وهي ملك الشعب كله، ومهمتها حماية الجمهورية وسلامة أراضيها وأمنها ولا يجوز لأي هيئة أو فرد أو جماعة أو تنظيم أو حزب سياسي إنشاء قوات أو تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية لأي غرض كان وتحت أي مسمى، ويبين القانون شروط الخدمة والترقية والتأديب في القوات المسلحة والشرطة والأمن. مادة (١٨) عقد الامتيازات المتعلقة باستغلال موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة لا يتم إلا بقانون، ويجوز أن يبين القانون الحالات محدودة الأهمية التي يتم منح الامتيازات بشأنها وفقًا للقواعد والإجراءات التي يتضمنها، ويبين القانون أحوال وطرق التصرف مجانًا في العقارات المملوكة للدولة والتنازل عن أموالها المنقولة والقواعد والإجراءات المنظمة لذلك، كما ينظم القانون كيفية منح الامتيازات للوحدات المحلية والتصرف مجانًا في الأموال العامة. مادة (١٩) للأموال والممتلكات العامة حرمة وعلى الدولة وجميع أفراد المجتمع صيانتها و حمايتها وكل عبث بها أو عدوان عليها يعتبر تخريبًا وعدوانًا على المجتمع، ويعاقب كل من ينتهك حرمتها وفقًا للقانون مادة (٢٠) المصادرة العامة للأموال محظورة، ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي (١).

стр. 199

المبحث السادس قاعدة: حكم الحاكم يرفع الخلاف وهذا القاعدة سياسية مصلحية محضة؛ لأن رفع الخلاف والنزاع بين الأفراد والفئات في الأمة مقصود شرعي قاطع. والكلام عليها في مسائل: المسألة الأولى: هذه القاعدة إجماعية بين العلماء (١). وبتتبع الأدلة وأقاول العلماء وحججهم تبين لي أنها صحيحة جارية في ثلاثة نسقات: ١ - حكم القاضي المجتهد، في قضية جزئية بعد دعوى صحيحة فيما لا ينقض فيه حكمه مما للاجتهاد فيها مساغ. ٢ - أمر الأمير فيما يتعلق بسياسة البلاد ويتعلق به مصالح عامة. ٣ - ما جرى من الأمير والسلطان مجرى الحكم القضائي في جزئية شخصية بشروط. على القول بصحة قضاء السلطان، كما هو المعتمد في المذاهب الأربعة بشروط تأهله لذلك (٢).

стр. 200

المسألة الثانية: معناها وأين تجري: معنى هذه القاعدة: حكم الحاكم يرفع الخلاف في المُجْتهدات السائغة لا فيما ينقض فيه حكمه. ورفع الخلاف معناه بين الخصمين في تلك المسألة المعينة. ولا يعني هذا أنه يرفع الخلاف الفقهي في المسألة؛ لأنه لا دخل للقضاء برفع الخلاف النظري الفقهي بين العلماء (١). علة هذه القاعدة ومصلحيتها: إن أحكام الشريعة الغراء كلها قائم على العمل، فلا شريعة نظرية في ديننا لذلك كان السؤال عن مالم ينزل تعنتا ذمه الله والرسول. وما أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل إلا للإصلاح العملي. ولا يمكن الإصلاح العملي إن كان مرجعه إلى الاختيار والتشهي من الفرد، أو الجماعة: نفعل أولا نفعل، بل من بلغه أمر الله ورسوله وجب عليه تنفيذه. لكن لما كانت النفوس جامحة للشهوات أنزلت الحدود والتعازير كزواجر وجوابر. ولزم اتخاذ وسيلة تنفيذية لإقامة ذلك فكانت الدولة الممثلة في الهرم السياسي (ولي الأمر). وما يتفرع من ولايته من ولاة، وأمراء، وحكام، ووزراء، وقادة ولما كانت الشريعة على رتب، كان كذلك قيام ولاة الأمر بها على

стр. 201

رتب فالمرتبة الأولى من مراتب الشريعة هي: الدين البين، وهو الضروري القطعي. والمرتبة الثانية من مراتب الشريعة: ما عليه الإجماع، أو الجماعة. وهذه الرتبة أكثر ظواهر الأدلة عليها، ولا تجد حجة، ولا دليلًا ظاهرًا إلا عليه الإجماع، أو الجماعة. والرتبة الثالثة: فتوى العالم. فأما الأولى: فهي لازمة بإلزام من جهتين إلزام الشريعة، وإقامة الدولة لهذه القطعيات؛ لأن بها تحصل المصالح الكبرى للأمة، وتدرأ المفاسد، والولاية قائمة على هذا. والثانية: ما كانت الحجة فيه هي الظواهر من الكتاب، والسنة والتي لا ترقى إلى القطع كالأولى، لكنها انعقد عليها الإجماع، أو قول الجماعة المقابل بالقلة، أو الندرة حيث يعد قوله مصادمًا للنصوص الظاهرة. ففي رتبة الإجماع للإمام الإلزام حال ترتب على ذلك مصلحة عملية راجحة. وأما في رتبة قول الجمهور، وكذلك في المرتبة الثالثة التي هي فتوى العالم مع خلاف غيره له. ليس له التدخل في رفع الخلاف، ولا يحق له ذلك إلا في حالتين إذا كان قاضيًا فيرفع الخلاف في عين تلك الحادثة فقط. أو إذا كان أميرًا وتعلق الأمر بمصالح الجماعة، واستشار الناس في ذلك، وترجح له قول بأكثرية، أو تشاور ورجح بالمصلحة.

стр. 202

المسألة الثالثة: شروط قاعدة حكم الحاكم يرفع الخلاف. ١ - أن يكون الحاكم مجتهدًا. (١) اتفقوا أن حكم القاضي المجتهد يرفع الخلاف. واختلفوا في قضاء من لا يصح توليه هل يرفع الخلاف. فمن ذلك حكم القاضي المقلد. فمن أجازه كالحنفية ولو مع وجود المجتهد، قال: إنه حكمٌ رافع للنزاع (٢). ومن منع تقليده إلا للضرورة كمسألة فقد المجتهد، قال: إن حكمه لا يرفع الخلاف لبطلان ولايته. (٣)

стр. 203

ولكنهم اتفقوا على أنه: «إن فقد الشرط فولى سلطانٌ ذو شوكة مسلمًا غير أهل كفاسق، ومقلد، وصبي، وامرأة نفذ قضاؤه للضرورة لئلا تتعطل مصالح المسلمين» (١). وولاية القضاء لشخص مختلف في صحة توليه للقضاء. وكذلك قضاء السلطان: هل يصح أم لا (٢)؟ ومنه ما لو قضى المحدود، أو الأعمى (٣).

стр. 204

أو كانت المرأة قاضية في غير الحدود عند أبي حنيفة. فهذه المواضع محل خلاف في نفس القضاء لا في المقضي. ومن تولى وليس بأهل فقد اختلف العلماء في أحكامه. على ثلاثة أقوال: الأول: للحنفية للقاضي الآخر أن ينقضها إذا مال اجتهاده إلى غيرها (١). والثاني: للشافعي، وهو نقضها مطلقًا (٢). والثالث: للجمهور، وهو نقض ما خالف الصواب فقط لدفع الضرر (٣). والحق الذي لا مفر منه أن قضية تنزيل القاعدة مفروغ منه في باب القضاء؛ لأنه قائم على فصل النزاع وإنهاء الخصومات. وهذا يعتبر أصلًا شرعيًا لا خلاف فيه، وهو راجع إلى إقامة المصالح العامة للأمة، ودفع المفاسد، فالقول بعدم الرفع يفتح بابًا من الصراع، والخلاف، والفتنة، وكل قول أدى إلى مفاسد، فهذا دليل على بطلانه. فحكم الحاكم يرفع الخلاف بلا شك كان مجتهدًا أم مقلدًا بحيث من اعتدى بعد ذلك عد باغيًا معتديًا ظالمًا له حكم مبتدئ الظلم. ولا يجوز لمفت ذهب إليه مستفت بعد القضاء أن يفتيه في عين قضيته مع خصمه مع علمه بذلك. لما يؤدي إليه من حصول الضرر الممنوع في الشريعة والتلاعب بهيبة القضاء، وتهييج الفتنة بين الخصوم بعد إطفائها. وهذا كله من المفاسد الواجب دفعها. فعلى المفتي أن يعرض عن مثل

стр. 205

هذا، إلا في حالة مخالفة القاضي للنص، وبطلانه، فلا مانع من دلالة المفتي من استفتاه أن يرفعها إلى قاض آخر مع نصحه بعدم تهييج الخصومة والوقوع في الاعتداء؛ لأن الأصل صحة القضاء. ومما يدل على صحة قضاء المقلد. أنه قلد مذهبا معينا من المذاهب المعتبرة. وهذا المذهب قام على فقه الجماعة وتكرار نظر الجماعة من المجتهدين في دهور، هذا مع اطلاعهم على مذهب الغير. فرجوع المقلد حقيقة إلى هذا الفقه هو رجوع إلى فقه الجماعة. والله جل وعلا يقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. فالهدى اتباع من سبق في هذا الصراط من الأنبياء، والصالحين، والصديقين والشهداء. وقد تأملت في طرق الكلام في الدين فوجدت أن الله قد حصرها في ثلاثة طرق: أ- العلم، وهو شامل للعلماء المجتهدين وما يقرب منهم. ب- الاهتداء بأهل الهدى، وهو شامل للمقلد والمجتهد في حالات. ج- النص المبين الذي لا يختلف فيه الناس، وهي القواطع. وهي مجموعة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلم، ولا هُدى، ولا كِتَاب مُّنِير﴾ [الحج: ٨] والدليل على أن التقليد لأهل الحق، ليس: ﴿وَاتَّبَعتُ مِلَّةَ آبَاءِي إِبرَاهِيمَ وَإِسحَاقَ وَيَعقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وكذلك قضاء الصديق وعمر، كان قائما على النظر في الكتاب، والسنة فإن لم يجد ثم جمع الناس ومشاورتهم (١).

стр. 206

عن القاضي شريح: أنه قال: قال لي عمر اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ فاقض بما استبان لك من قضاء الأئمة المجتهدين، فإن لم تعلم فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح (١). وكان عمر يتبع قضايا أبي بكر وعثمان يتبع قضاياهما (٢). ولذلك أجمع الصحابة على ترجيح اختياره لما رضي السير على ما جرى عليه العمل من الشيخين، وهذا إجماع. وقال بن مسعود: فإن لم تجد فانظر ما قضى به الصالحون (٣). وهذا هو الاتباع وأهله على هدى. فالمقلد بهذه الكيفية قضاؤه صحيح وحكمه رافع للخلاف. ولو قلنا بمنعه من تولي القضاء، لخالفنا الصحابة في تقديم عثمان لما رضي بالعمل على قضاء الشيخين. فالمذاهب الأربعة جرى عليها العمل والخدمة والنظر، فهي مدارس للفقه الجماعي. وكذلك ينبني على هذا القول انسداد باب فض النزاعات، وتطويلها لحاجتنا إلى مجتهد يرفع الخلاف. وهذا كله مؤد للفساد، وما أفضى إلى الفساد بطل.

стр. 207

ولكن ليس معنى أن حكم القاضي المقلد يرفع الخلاف أنه أي مقلد جاهل بليد، بل يقصد العلماء به ما قاله النووي أن المقلد: من عرف مذهبا، أصولا، وفروعا وفهما لأغلبه، واتصف بالنباهة، والفطنة، والذكاء الممكن له معرفة القضايا والخصومات وتنزيل فقه المذهب عليها. بخلاف البليد العاجز فيمنع. (١) ٢: كون القاضي منصوبًا من قبل الإمام: وإنما كان حكم القاضي يرفع الخلاف؛ لأنه معين من ولي الأمر، وهو ممثل للشعب. فكان القاضي نائبًا عن الشعب، أو عن الإمام في النظر في المصالح فهو يتكئ على قوة وسلطة مشروعة لهذا اختلفوا في مسألتين. الأولى: لو استخلف القاضي غيره فهل يصح؟ والصحيح من أقوال العلماء أنه لا أثر لحكمه؛ بناءً على عدم صحة استخلافه إلا بإذن الإمام (٢). والثانية: حكم المحكم: فقد حصل خلاف فيه فصرحت الحنفية بعدم رفعه للخلاف (٣). وعلق غيرهم قبول حكمه على رضى الخصمين (٤)، أو أمضاه القاضي (٥).

стр. 208

قال الشوكاني: لم يتصدر أحد في زمن النبوة للقضاء إلا بأمره ﷺ ، ولا تصدر أحد في أيام الخلفاء الراشدين، للقضاء إلا بأمر من الخليفة، وهذا أمر ظاهر واضح لا ينبغي أن ينكر (١). لكن لو لم يوجد قاض معين نظرًا لفراغ في الدولة، أو اختلال، أو احتراب، أو ضعف. فثم قاعدة تنظم ذلك، هي: إذا تعذر على الإمام إقامة المصالح قام بها آحاد الناس. ٣: اشتراط الدعوى الصحيحة. وللدعوى الصحيحة أركان هي: عند جمهور الفقهاء: المدعي، والمدعى عليه، والمدعى، والقول الذي يصدر عن المدعي يقصد به طلب حق لنفسه، أو لمن يمثله (٢). وللقاضي أن يصدر قرارا بدون تقدم دعوى في بعض القضايا، فهذا صحيح. مثاله كتزويج يتيمة بلا ولي بإذنها فهو حكم ولو بلا دعوى (٣). ٤: أن يكون حكمه فيما لا ينقض. فقولهم: الحاكم يرفع الخلاف مقيد بما هو مستند على الدليل وأصول الشريعة (٤).

стр. 209

أما ما هو مخالف لقاطع من كتاب، أو سنة، أو قياس صحيح، أو إجماع، فإن للغير وله أن ينقضه، وجوبًا ويبين السبب الذي نقض لأجله. لئلا ينسب للجور والهوى (١). وكذا لو خالف القواعد الكلية، أو عمل أهل المدينة عند المالكية (٢). وعلى هذا فيتوقف رفع الخلاف على عدم النقض من قاض آخر، أو من نفس القاضي، أو كان لم يقل به إلا شذوذ العلماء (٣). المسألة الرابعة: الاستثمار المعاصر للقاعدة. ١ - إن حصل خلاف في مجلس النواب في اعتماد قانون يأخذ الزكاة من قليل الثمار وكثيره على مذهب الحنفية، أو من نصاب معين على مذهب الجمهور فإن لولي الأمر حسم الخلاف. ٢ - تعتبر القوانين الصادرة من الدولة الموافقة لأحد الأوجه المعتبرة في الشريعة رافعة للخلاف التنفيذي. ٣_ إن حكم القاضي بأن مجرد الرائحة لا يقام بها حد الخمر فحكمه رافع للخلاف، وقد جرى بها كتاب العلامة آل الشيخ «من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس ديوان جلال الملك المعظم، سلمه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وبعد عطفًا على مذكرتكم رقم ٧/ ٢٩/ ٨٤٨٥ في ٣/ ٩/ ١٣٧٤ بشأن أمر

стр. 210

جلالة الملك المعظم أيده الله -بدراسة الخلاف الذي وقع بين قاضي المستعجلة الأولى بمكة ورئيس المحكمة الكبرى بمكة حول حدود المسكر جرى دراسة المعاملات المذكورة فظهر ما يلي: ١ - حكم قاضي المستعجلة الأولى في مكة بتعزير المذكورين لقاء شم رائحة المسكر من أفواههم وفقًا لما نصت عليه كتب المذهب وامتثالًا للأمر الصادر بالتمشي على تلك الكتب - قرار فضيلة رئيس المحكمة الكبرى بمكة بإقامة حد المسكر على المذكورين بمجرد شم الرائحة من أفواههم وفقًا لمذهب مالك والرواية الثانية عن أحمد واختيار الشيخ تقي الدين وابن القيم وغيرهم. وحسب الصلاحية المعطاة لنا المخولة تمييز تلك الأحكام - وبناء عليه تقرر ما يلي: أولًا: اعتبار أحكام قاضي المستعجلة بمكة المذكورة نافذة منتهية لما يلي: ١ - استناده على تلك النصوص. ٢ - وحسب الأوامر المبلغة إليه بالتمشي على تلك الكتب وما حكم به ينطبق عليها تمام الانطباق. ٣ - أن الأصل براءة الذمة. ٤ - لا يسوغ نقض حكم القاضي إلا إذا خالف نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو ما يعتقده. ٥ - ما صرح به العلماء أن حكم الحاكم يرفع الخلاف. ثانيًا: ما ارتآه فضيلة رئيس المحكمة أولى وأرجح في الدليل. وأيضًا فلو لم يكن ما ذكره الرئيس هو الراجح لكان نفاذه واعتماد العمل به أولى نظرًا للحالة الحاضرة من غلبة الجهل وتهافت النفوس على المعاصي واستهانتهم بها، والجزاء الذي يتناسب مع الجريمة ومع الحالة

стр. 211

الحاضرة قد لاحظته الشريعة المطهرة، ولعمر بن الخطاب الخلية الراشد عدة مسائل قد لاحظ فيها ما يتناسب مع الواقع والحالة الحاضرة. فالذي أراه بعد إنقاذ تلك القضايا أن يكون الشم أحد الأسباب الموجبة لحد الخمر، لقوة هذا القول، وكثرة القائلين به، ووضوح دليله. والسلام عليكم. (ص/ ف ٣٨ في ١٦/ ٦/ ١٣٧٤)» (١). ٤ - حصل خلاف فقهي معاصر بين العلماء في دخول المرأة مجلس النواب والشورى واختار رئيس الدولة القول بمشاركتها في عموم الدول العربية. ٥ - تصويت مجلس النواب أو الشورى على شيء من المسائل الشرعية التي ينظر فيها العلماء يعتبر تصويتا باطلا لا عبرة به لأنهم ليسوا أهلا للنظر والترجيح الفقهي، لكن إن كانت المسألة قد نوقشت من العلماء المعتبرين، ورفع للمجلس نتيجة ذلك على قولين أو ثلاثة مع تكافؤ الأدلة أو تقاربها، جاز التصويت على ذلك ليبرم بعد ذلك القانون المطلوب.

стр. 212

الفصل الثالث: الموازنات المصلحية وقواعدها الحاكمة لها حال التعارض والقواعد الحاكمة هي: ١ - إذا تعارضت المصالح قدم أعلاها. ٢ - كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة. ٣ - كل مصلحة ناقضت النص فهي باطلة. ٤ - الجمع بين المصلحتين أولى من إبطال أحدهما. ٥ - الضرورات مقدمة على الحاجات والحاجات مقدمة على التتمات والتكملات. ٦ - المكمل للضروري مقدم على الحاجي. ٧ - إذا تعارض المكمل مع ما كمله سقط المكمل. ٨ - إذا تساوت المصالح في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعا. ٩ - إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة. ١٠ - المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. ١١ - ترتب المصالح بحسب الأحكام الخمسة عند التعارض. ١٢ - النفع المتعدي أفضل من القاصر. ١٣ - كل مصلحتين متساويتين يتعذر الجمع بينهما يخير بينهما.

стр. 213

المبحث الأول: قواعد تعارض المصالح المطلب الأول: القاعدة الأم هنا هي القاعدة الأولى: إذا تزاحمت المصالح قدم أعلاها وفيها مسائل: المسألة الأولى: تزاحم المصالح المعنى. ١_ التزاحم لغة: التضايق جاء في القاموس زحمه، كمنعه زحما وزحاما، بالكسر: ضايقه، وازدحم القوم وتزاحموا (١). ٢_ والمراد هنا تعارض المصالح في محل واحد في وقت واحد. ومن أهم الكتل الأصولية باب الموازنات المسمى بالتعارض والترجيح وهو أحد ثلاث كتل يقوم عليها علم الأصول الأولى كتلة الدلالات. الثانية: كتلة التعارض. الثالثة: كتلة القياس والاجتهاد. والتعارض والترجيح يقوم عليه فقه الموازنات، وهو عشرة أنواع لدى الأصوليين .. وزدنا أربعة أنواع إلى الباب، وهي تعارض المصالح، تعارض

стр. 214

المفاسد، تعارض المفاسد والمصالح، تعارض المصلحة والنص. وقد يزاد تعارض المصلحة والقياس. فكانت أربعة عشر نوعًا. وهنا سنبين أحكام تعارض المصالح مع بعضها والمفاسد مع بعضها والمصالح مع المفاسد .. المسألة الثانية: أقسام التعارض بين المصالح والمفاسد. تنقسم حالات التعارض إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التعارض بين المصالح. القسم الثاني: التعارض بين المفاسد. القسم الثالث: التعارض بين المصالح والمفاسد. وقد ذكر العلماء تقعيد التعارض في هذه الأقسام وقد تولى ذلك بوضوح الأصوليون في باب العلة المناسبة، ومن أهم من تكلم على ذلك العز ابن عبد السلام حيث أطلق قواعد لكل قسم بطريقة سردية في كتابه اختصار القواعد حيث قال: كل مصلحة أوجبها الله فتركها مفسدة محرمة. وكل مفسدة حرمها الله تعالى فتركها مصلحة واجبة. وفي كل مفسدة كرهها الله فتركها مفسدة غير محرمة. وكل مصلحة ندب الله سبحانه إليها فتركها قد يكون مفسدة مكروهة وقد لا يكون مكروهة. وكل مصلحة خالصة عن المفاسد فهي واجبة، أو مندوبة، أو ما دونه. وكل مفسدة خالصة من المصالح فهي محرمة، أو مكروهة. وكل مصلحتين متساويتين يمكن الجمع بينهما جمع بينهما.

стр. 215

وكل مصلحتين متساويتين يتعذر الجمع بينهما فإنه يتخير بينهما. وكل مفسدتين متساويتين يمكن درؤهما فإنه يتخير بينهما. وكل مصلحتين إحداهما راجحة على الأخرى لا يمكن الجمع بينهما تعين أرجحهما. وكل مفسدتين أحدهما أقبح من الأخرى لا يمكن درؤهما تعين دفع أقبحهما. وكل مصلحة رجحت على مفسدة التزمت المصلحة مع ارتكاب المفسدة. وكل مفسدة رجحت على مصلحة دفعت المفسدة بتفويت المصلحة. وكل ما غم وآلم فهي مفسدة. وكل ما كان وسيلة إلى غم، أو إلى ألم دنيوي، أو أخروى فهو مفسدة لكونه سببا للمفسدة سواء كان في عينه مصلحة، أو مفسدة. وكل الدواء فرح فهو مصلحة. وكل ما كان وسيلة إلى فرح، أو لذة عاجلة، أو آجلة فهو مصلحة. وكل ما كان وسيلة إلى فرح، أو لذة عاجلة، أو آجلة فهو مصلحة، وإن اقترنت به مفسدة وكل ما أوجبه الله من حقوقه، أو حقوق عباده فتركه مفسدة محرمة إلا أن يقترن بتركه مصلحة تقتضي جواز تركه، أو إيجابه، أو الندب إلى تركه. وكل ما حرمه الله سبحانه مما يتعلق به، أو بعباده ففعله مفسدة إلا أن تقترن به مصلحة تقتضي جواز فعله، أو إيجابه، أو الندب إليه. وإذا اجتمعت مصالح بعضها أفضل من بعض قدم الأفضل فالأفضل، وقد يخير بالقرع بينهما كالتخيير بين الظهر والجمعة في حق المعذورين،
следующие страницы →