وقد تقدم أن بينا أنه:
عند تعارض المصالح يجب الموازنة بين المراتب الثلاث الكبرى الضروريات، الحاجيات، التحسينيات.
فتقدم كل مرتبة على الأخرى.
وكذلك يجب الموازنة بين الضروريات نفسها،؛ لأنها مراتب، فالدين، والنفس، والمال، والعرض كل له مرتبة.
وعند التعارض في حفظ الضروريات في وقت واحد أعملنا ما تقدم من القواعد.
فلو حصلت فتنة كان أول الواجبات حفظ الدين، والنفس، فإن تعارضا قدم حماية الأنفس؛ لأن غيرها لا يقوم إلا بها. وإنما قدمت النفس على الدين؛ لأن الله سبحانه نص على هذه الرخصة بعينها في القرآن.
فإن تعارضت الأموال مع الأعراض أهدرت الأموال حفظًا للعرض، والعرض حفظًا للنفس. وهكذا.
وسنضرب هنا أمثلة متعددة وعلى الفقيه أن يبين المراتب من خلالها.
فمن العبادات:
١ - إذا ضاق الوقت عن الجمع بين الأذان والإقامة والسنة الراتبة والفريضة قدمت الفريضة.
٢ - تقديم صلاة الفرض على صلاة النذر.
فمن ضاق عليه وقت صلاة الظهر مثلًا وكان قد نذر أن يصلي في وقت الظهر أربع ركعات، فإنه يقدم صلاة فرض الظهر على النذر إن لم يبق من الوقت إلا ما يسع إحداهما.
стр. 247
لأن الظهر أعلى رتبة من النذر؛ لأنها أصل في التكليف، والنذر طارئ بفعل المكلف.
وهذا من ترجيح الواجبات على بعض.
٣ - ومن هذا الباب تقديم الحاضرة التي يخاف فوتها على الفائتة، فمن كانت عليه فائتة كصلاة العصر لعذر مثلًا وحضرت صلاة المغرب وخشي فوت وقتها فإنه لا يبدأ بقضاء العصر، بل يصلي المغرب.
لأنه لو قدم الفائتة صارت الحاضرة فائتة فيكون قد جمع بين فوتين ولو صلى الحاضرة يكون قد حقق مصلحة الوقت لواحدة من الصلاتين. ولأن القضاء ليس متضيقًا.
٤ - ومنها إن اجتمعت صلاة الجنازة مع صلاة العيدين، أو الكسوفين وخيف فواتهما قدمت صلاة الجنازة لتأكد تعجيلها. (١)
٥ - وفي غسل الموتى وتكفينهم يقدم الأقارب لحنوهم وشفقتهم ويقدم بعضهم على بعض.
٦ - إن رأى الصائم في رمضان غريقا لا يتمكن من إنقاذه إلا بالفطر فإنه يفطر لإنقاذه؛ لأن فوات النفس فوات لضروري لا بدل له، والصوم يقضى.
٧ - ومن الحج ما لو تزاحم وقت عرفة في آخره قبيل طلوع الفجر مع فرض صلاة العشاء، فإن الحاج يقدم الوقوف بعرفة؛ لأنه سيفوت عليه والصلاة مقضية لعذر.
وعلل ابن عبد السلام ذلك بقوله: لأن أداء فرض الحج أفضل من أداء فرض الصلاة إذ جعله ﷺ تلو الجهاد وجعل الجهاد تلو الإيمان،
стр. 248
وقيل يشتغل بأداء الصلاة؛ لأن أداء الصلاة أفضل من أداء الحج لقوله ﵇. «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (١).
والأصح أنه يجمع بين المصلحتين فيصلي صلاة الخوف، وهو ذاهب إلى عرفة، فيكون جامعًا بين المصلحتين على حسب الإمكان؛ لأن مشقة فوات الحج عظيمة، فإذا جاز أن يصلي صلاة الخوف لأجل حفظ مال يسير، فجوازه لحفظ أداء الحج أولى.
٨ - ومنها يقدم الواجب العيني على الكفائي. لذلك أمر الرسول الرجل الذي اكتتب في غزوة، وقد ذهبت امرأته إلى الحج أن يترك الجهاد ليكون محرما لزوجته في الحج (٢)
ومن دفع العدوان:
- وإن رأى معتديًا صائلًا لا يمكن دفعه إلا بالفطر فعل ذلك تقديمًا لأرجح المصالح؛ لأن حفظ النفس ضروري لا يمكن تعويضه، والصيام فرض يمكن قضاؤه.
ومن الأسرة والنفقات:
أ) ومنها تقديم النفقة على الزوجات على الأولاد إن تضايقت والأولاد على الأقارب.
ب) إن كان معه رغيف ووجد محتاجين فإنه يقسمه بينهما، ولا يخص أحدهما؛ جمعا بين المصالح ودفعا لمفسدة إيغار صدر الآخر.
стр. 249
ج) ولو كان له ولدان محتاجان وله رغيف قسمه بينهما بقدر حاجتهما، فإن كان يسد أحدهما ثلثه والآخر ثلثاه قسمه كذلك؛ لأن هذا مقتضى المصلحة. ويطعم الكبير أكثر من الصغير المحتاج للأقل، ولهذا أعطي الراكب سهمان في الغنائم والراجل سهمًا.
د) وتقدم الأمهات على الآباء في الحضانة، والآباء على الأمهات في ولاية مال الصغير، وتأديبه وتعليمه الاحتراف وما يقيم دنياه؛ لأن الآباء أعلم.
ومن السياسات:
١ - في كل الولايات يقدم من يليق ممن توفرت فيه الخبرة والمعرفة بشروطها والقيام بحقها.
٢ - فإن تزاحم جماعة في الولاية على مال الوقف، أو اليتيم قدم أعدلهم وأكثرهم شفقة ورحمة باليتيم.
٣ - وفي قيادة الجيش يقدم الأشجع والأعلم بالحروب والقتال وفنونه مع حسن سيرة في الأتباع (١).
٤ - يقدم الصالح على الأصلح في الولاية إن كان ولاية الأصلح تؤدي إلى عدم الطاعة نظرا لبغضه، أو عدم معرفة الناس به، أو استهانتهم به.
стр. 250
المطلب الرابع: تطبيقات معاصرة لتزاحم المصالح في مختلف المراتب غير ما سبق
١ - في حال تعارض وظيفة المرأة مع حقوق زوجها وأبنائها، تقدم حقوق الزوج والأبناء لأنها من الواجبات، والوظيفة من المباحات.
٢ - ومن فقه الدعوة تعارض مصلحة تربية الأولاد مع مصلحة العناية بالشأن العام فماذا يقدم إن لم يستطع الجمع بينهما (١).
والجواب: أن تربية الأبناء واجب متعلق بحفظ الدين والعرض والنفس والعقل المتعلقة بالولد.
والاهتمام بالدعوة العامة مع تعريض الأبناء لهذه المفاسد، لا يجوز، ولأن الدعوة متعلقة بالدين لكنها في الحكم كفائية في الجملة، فالواجب الجمع وإعطاء كل ذي حق حقه.
٣ - هل الاشتغال بطلب العلم أولى أم النوافل أم الدعوة. (٢)
٤ - شخص مغترب لأجل العمل، وهو يؤدي إلى الغياب سنين طويلة عن زوجته وأبنائه، فالشريعة تأمره بجمع المصالح وذلك: بأن ينقل أهله إلى محل عمله، فإن لم يسطع، نقل عمله إلى بلده، فإن لم يسطع استسمح من زوجته وأبنائه وتواصل معهم بوسائل التواصل الحديثة بشكل يضمن متابعتهم وتربيتهم.
وإلا فإن لم يفعل قدم مصلحة أبنائه وزوجته على مصلحة العمل. (٣)
стр. 251
٥ - حصل خلاف في المشاركة الدعوية على وسائل الإعلام أول ظهوره، فأفتى الشيخ بن بارز أن ذلك خاضع لترجيح أعلى المصالح فقال:
وهكذا المصالح يجب عليهم أن يحققوا ما أمكن منها الكبرى، فالكبرى إذا لم يتيسر تحصيلها كلها ولذلك أمثلة كثيرة وأدلة متنوعة من الكتاب، والسنة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ومنها الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم» الحديث متفق عليه.
وبهذا يعلم أن الكلام في الظهور في التلفاز للدعوة إلى الله سبحانه ونشر الحق يختلف بحسب ما أعطى الله للناس من العلم والإدراك والبصيرة والنظر في العواقب. فمن شرح الله صدره واتسع علمه ورأى أن يظهر في التلفاز لنشر الحق وتبليغ رسالات الله فلا حرج عليه في ذلك، وله أجره وثوابه عند الله سبحانه (١).
٦ - إطلاق لفظة أخ على الكافر إن كان أحيانا بهدف التأليف، فيمكن القول بجوازه بشرط عدم التمادي مع نية أن المقصود الأخوة الإنسانية، فإن أدى إلى الإشكال على الشباب، أو ترتب عليه ظن عند من يسمع ذلك أنهم على الحق، كما هو في هذه الآونة حرم ذلك.
لأن مصلحة حفظ الدين خاصة العام من التشويش والاضطراب مقدمة على مصلحة التأليف، ولو كانت محققة، أو غالبة أما لو كانت موهومة فبالأولى. (٢)
стр. 252
٧ - من كان له مال يكفيه لحج الفريضة، لكنه يريد أن يبني به دارا للأيتام فماذا يقدم.
إن قلنا بفورية الحج فهو المقدم؛ لأن مرتبة الفوري مقدمة، وإن قلنا: إنه على التراخي قدم مصلحة بناء دار الأيتام.
٨ - يشترك بعض الموظفين في الضمان الاجتماعي ويعرفون الحكم الشرعي فيتوبون، أو يخرجون من الوظيفة لأمر خارج عن إرادتهم، فإن استمروا في دفع الضمان بعد الخروج من الوظيفة أخذوا في النهاية أموالهم وتخلصوا من الزيادة المحرمة، وإن امتنعوا عن دفع الضمان ضاع عليهم ما كان قد دفعوه سابقًا، فماذا يفعلون وفق الشرع؟
وحاصل الجواب أن من يرى جواز الضمان فلا إشكال، ومن رأى المنع كالتأمين التجاري فإنه يوازن بين المصالح، ومعلوم أن مصلحة استرداد الأموال الكبيرة من هذه الشركات بمواصلة الدفع لزمن، حتى يستردوا جميعه، وما حصل من الربا تصدقوا به. أولى من مصلحة الترك وتكون الأموال لشركات التأمين (١).
стр. 253
المبحث الثاني: تزاحم المفاسد وقواعدها الحاكمة والمراحل الست الضابطة لها
المطلب الأول: القاعدة الأم هي القاعدة الأولى: إذا تزاحمت المفاسد ارتكب أدناها
هذا هو القسم الثاني، وهو اجتماع المفاسد وفقه التعامل معها.
والكلام على هذه القاعدة في:
المسألة الأولى: ألفاظها.
يعبر عنها بتعبيرات منها.
١ - إذا تعارضت المفاسد دفع أعلاها.
٢ - يرتكب الأهون من الشرين.
٣ - إذا تعارض مفسدتان دفع أعظمها ضررًا بارتكاب أخفها.
٤ - الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
٥ - ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما (١).
وهذه القواعد مهما اختلفت ألفاظها وصيغها فهي متحدة المعنى،
стр. 254
ومتفق على مضمونها بين الفقهاء. وذلك دليل على عظم مكانتها وأهميتها، وأثرها (١).
المسألة الثانية: أدلتها كثيرة.
١ - منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]
فأجاز أكل الميتة للمضطر، مع أن ذلك مفسدة، لكن ليدفع به المفسدة الأكبر، وهي تلف النفس.
٢ - ما فعله الخضر من خرق السفينة كان منكرا لذلك أخبر الله عن موسى أنه قال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]
لكن خرقها كان لدفع مفسدة أخذها وغصبها بالكلية من الملك الظالم.
وقد ذكره سبحانه في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩]
واستدل به العلماء على النظر في المصالح عند تعارض الأمور وأنه إذا تعارضت مفسدتان دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما، كما خرق السفينة لدفع غصبها وذهاب جملتها (٢).
٣ - عن هريرة: «أن أعرابيا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين.» (٣)
стр. 255
وقد استدل العلماء بهذا الحديث على مسائل منها:
دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله ﷺ دعوه قال العلماء كان قوله ﷺ دعوه لمصلحتين إحداهما أنه لو قطع عليه بوله تضرر وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به والثانية أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد والله أعلم. (١).
ف «أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما» (٢).
المطلب الثاني: المراحل الست الحاكمة لتعارض المفسدتين واستثمارها المعاصر
تقدم في تعارض المصالح قواعد هامة جعلناها في مراحلة مرتبة متناسقة، وهذه القواعد هي نفسها تأتي هنا مع اختلاف في بعضها.
وسأضرب مثالا لكل مرحلة وأذكر بقيتها للمطلب المستقل.
المرحلة الأولى: التنقية.
ومعنى ذلك هنا أن نعرضها على الشرع للنظر في حقيقة كونها مفسدة شرعا أم هي موهومة لا تعتبر شرعا من المفاسد.
١ - إفطار رمضان في جائحة كورونا خوفا من ضعف المناعة والإصابة بالفيروس.
стр. 256
هذه مفسدة وهمية لأن الصيام يزيد الصحة ويعزز الجهاز المناعي، ومفسدة الإفطار حقيقية متعلقة بالدين. فلا تعارض هنا أصلا.
٢ - ومنها دعوى أن الحجاب الشرعي يؤدي للجريمة ويمنع تعليم المرأة وحقوقها، وهذا كذب واقعا.
٣ - ومنها دعوى شراء الأسهم المختلطة لدفع مفسدة استئثار غير الصالحين بها، وهذه مفسدة وهمية غير موجودة. فكان شراء الأسهم المختلطة مفسدة قابلها دفع مفسدة وهمية مدعاة.
٤ - ومن عجيب دعوى المفاسد قول من قال إن سجود اللاعب حين الفوز أو تحقيق هدف مفسدة، ولا أدري ما نوع هذه المفسدة، فهي محض تخيل.
٥ - ومن عجائب الأقوال أنه لا يجوز نصرة الفلسطينين في غزة في حربهم مع الصهاينة؛ لعدم وضوح الراية وهذه مفسدة، قلت هذه الفتوى من المفاسد ولا علاقة لها بفقه ولا سنة ولا جماعة ولم يقل هذا أحد ممن خلا من أهل العلم في الأمة.
المرحلة الثانية: الدفع الكلي.
فإن أمكن الفقيه أن يدفع المفسدتين فهو المطلوب شرعا.
مثاله: اجهاض الجنين لإنقاذ الأم فإن إنقاذهما مقدم على ذلك، ويجب على الطبيب أن يبدأ بذلك قبل قرار الإجهاض.
ومثل السمنة مفسدة لإدائها إلى الأمراض المتعددة، فهاتان مفسدتان يمكن دفعهما معا.
стр. 257
المرحلة الثالثة: الترجيح والموازنة المراتبية الثلاثية:
وتحكمها القاعدة الأولى: (إذا تزاحمت المفاسد أو تعارضت دفع أعلاها)
تقدم أن المراتب المراتب ثلاث ضروريات وحاجيات وتحسينات
وعند التعارض بين المفاسد بين هذه المراتب فالقاعدة الحاكمة لها إجمالا هي قاعدة الباب:
قال المرداوي: وإذا دار الأمر أيضًا بين درء إحدى المفسدتين، وكانت إحداهما أكثر فسادا من الأخرى، فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها، وهذا واضح يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولو العلم (١).
قال ابن نجيم: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
قال الزيلعي في باب شروط الصلاة: ثم الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلي ببليتين، وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفا يختار أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة (٢).
ثم العلو له مراتب تتبين في المراحل التالية
القاعدة الثانية: (مفاسد الضرورات أعلى من مفاسد الحاجيات، وهذه أعلى من مفاسد التحسينات).
مثالها: إزاله الشعر من العورة بالليز من شخص أجنبي لا يجوز؛ لأن كشف العورة متعلق بحفظ الأعراض؛ وإزالة الشعر من الزينة فهو تحسيني.
стр. 258
المرحلة الرابعة: الموازنة والترجيح في المرتبة الواحدة.
وتحكمها القاعدة الثالثة: (إذا اتحدت رتبة المفاسد دفعنا ما تعلق بأعلاها نوعًا).
فالمفاسد التي تعود على الدين مقدمة في الدفع على المفاسد المتعلقة بالنفس
وكذلك المفاسد المتعلقة بالنفس مقدم على المراتب الثلاث غيرها، وهي العقل والنسل، والعرض، والمال.
١_ كمفسدة إغلاق المطاعم في شهر رمضان تتعلق بالمال، وفتحها مفسدة تتعلق بالدين؛ لأنه دعوة وإغراء على انتهاك حرمة رمضان.
٢_ وكشف العورة مفسدة متعلقة بالعرض لكنها ترتكب للمداوة لدفع المفسدة عن النفس.
المرحلة الخامسة: الموازنة في النوع الواحد:
وتحكمها القاعدة الرابعة: (المفاسد في النوع الواحد والرتبة الواحدة يرجح بينها بالكثرة والقلة).
وهذه القلة والكثرة قد تكون بالعدد، وقد تكون بالاستمرار، وقد تكون في العموم والخصوص، وقد تكون في الأحكام الخمسة. كما مر في القسم الأول سواء.
١_ ومثال ذلك: مفسدة إيداع المال في بنك ربوي لا يجد غيره للخدمات كالتحويل ونزول الراتب، عارضها مفسدة تعرض المال للسرقة والنهب.
فيرتكب مفسدة الإيداع مع عدم الاستثمار أو أخذ الفائدة لأنها متعلقة بحفظ أصل المال ومنافعه.
٢_ ومنها مفسدة البقاء في الحرب ومفسدة الهجرة تهريبا عبر البحر.
٣_ من تعرضت للابتزاز من عصابات الشبكة على النت بتهديد بنشر
стр. 259
صورها ونحو ذلك، فعليها أن تبلغ الشرطة وأن تعلم الوالدين، وهذ مع أن الإفشاء مفسدة تتعلق بالعرض، لكن مفسدة الرضوخ للعصابة أعظم، لأنه يؤدي على انتهاك العرض بالكلية. بل والمال، والنفس في حالات.
وستأتي أمثلة في مسألة زراعة الألغام وصناعة السلاح النووي.
المرحلة السادسة: التساوي المفاسدي التخيير أو التوقف.
وتحكمها القاعدة الخامسة: (إذا تساوت المفاسد من كل جهة تخير المكلف في الدفع).
قال ابن عبد السلام: «إذا اجتمعت المفاسد المحضة، فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل، فإن تساوت فقد يتوقف، وقد يتخير، وقد يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين مفاسد المحرمات والمكروهات» (١)
مثالها:
١_ في حال حدوث الزلازل الكبيرة التي تدفن تحتها الأسر فالواجب الإسراع في إنقاذ الجميع بالسوية، فإن تعذر مع عموم الزلزال وضخامته فهنا يتخير الطبيب والمسعف قدر استطاعته.
٢_ في حال حصول حادث تعرض فيه عدد من الأشخاص للإصابة الخطيرة المتعلقة بالحياة، وكلهم يحتاج لإسعاف عاجل ولا يستطاع ذلك لهم جيمعا تخير المكلف والطبيب.
٣_ عجز المستشفيات حال الحروب من استيعاب المصابين، قدم من الضرر ما تعلق بالحياة فإن كانت الإصابات متساوية، عمل ما يقدر عليه ولا حرج في البدء بمن يشاء.
стр. 260
المطلب الثالث: الاستثمار الفقهي لتعارض المفسدتين
ذكر العلماء تطبيقات كثيرة لتعارض المفسدتين وسأترك للقارئ التأمل فيها وترتيبها حسب المراحل الست المتقدمة فمنها (١):
١ - من أكره على قتل مسلم بحيث يقتل إن امتنع وكان هذا الإكراه ملجئا حقيقيا لا يمكن الخروج منه، ولا دفعه، فإنه يقدم ارتكاب أخف المفسدتين، وهي الصبر على القتل ويدرأ المفسدة الأكبر، وهي قتله مسلما؛ لأنه حينئذ يكون مظلوما لا ظالما.
وقد أجمع العلماء على تحريم القتل؛ للنصوص القاطعة فيه واختلفوا في الاستسلام للقتل.
٢ - إن أكره على الشهادة زورا وهدد بالقتل وكانت الشهادة تؤدي إلى إتلاف مال الغير، فإن له أن يشهد؛ لأن حفظ النفس مقدم على حفظ المال ولو كان للغير، ولكن يجب عليه ضمان المال الذي أتلف بشهادته براءة للذمة.
٣ - من كان محرما بالحج، أو العمرة وأصابه طيب، وليس معه ماء إلا لطهارته من الحدث فماذا يصنع؟
فعلى ضوء القاعدة فإنه يقدم إزالة الطيب بالماء، ثم تيمم للحدث، فجمع بين إزالة مفسدة، وهي الطيب المحظور على المحرم وبين التطهر ببدل مشروع ولو أنه تطهر بالماء لبقيت مفسدة الطيب عليه.
٤ - ومثال تساوي المفاسد بلا ترجيح اضطراب البحر وتعرض
стр. 261
ركاب السفينة للغرق فليس لهم رمي بعضم في البحر إنقاذا للآخرين؛ لأن الكل معصوم متساو في الحرمة.
وإن كان معهم أموال وأمتعة وحيوان فيقدم إلقاء الأموال والأمتعة، ثم الحيوانات إن وجدت، ولا يسري هذا إلى الآدمي.
٥ - لو أن عدوين قصدا بلاد المسلمين فإنهما يدفعان جميعًا، فإن تعارضا من كل وجه وكان خطرهما متساويا شاور أهل الحل والعقد وبدأ بمن اتجه إليه الرأي في الشورى.
٦ - لو كان له ما يستر أحد فرجيه في الصلاة فأيهما يقدم؟ خلاف.
هل يستر الدبر؛ لأنه مكشوفا أفحش، أو القبل؛ لاستقباله به القبلة؟
أو يتخير لتعارض المصلحتين والمفسدتين؟ (١).
٧ - تجويز السكوت عن المنكر إذا كان يترتب على إنكاره ضرر أعظم.
٨ - كما تجوز طاعة الحاكم الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه فتنة أكبر وشر أعظم من مصلحة عزله.
٩ - ومنه جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته.
١٠ - الكذب مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز: كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها.
المطلب الرابع: الاستثمار التنزيلي المعاصر لتعارض المفسدتين.
١ - في حالة حصول انقلاب عسكري على دولة مسلمة، أو تمرد
стр. 262
مسلح وعجزت الدولة عن دفعهم ولم ينصرهم من الدولة المسلمة أحد، فهل يجوز لهم الاستعانة بالدول الكافرة.
أجاز الحنفية للحاجة بشرط أن يكونوا تحت سيطرة المسلمين وقدرتهم. (١)
٢ - جريمة الاغتصاب لفتاة حملت منه فهل يثبت النسب أم لا؟، وقد وقعت حادثة في هذا الإطار وتعارض فيها المنع القانوني مع أصول وقواعد الشرع.
وقد عرضت للفتوى، وأفتى الشيخ جاد الحق بأن مفاسد عدم الموافقة على اعتراف الجاني بالحمل أكبر من مفسدة مراعاة القواعد القانونية التي تقضي بعدم الاعتراف به، كما أنه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها أن ذلك سيؤدي إلى قتل الأجنة والتشجيع على الفاحشة ومفاسد كثيرة مجتمعية وأسرية يجب دفعها، وهي أعظم من مجرد الالتزام الإجرائي بالقانون. (٢).
٣ - يقدم دفع مفاسد الفتنة والاقتتال على دفع مفسدة نهب الثروة إن لم يمكن دفعهما معا؛ لأن الفتنة والاحتراب تنتج عنه كل المفاسد الكبرى، فإن دفعت أمكن دفع الأخرى.
٤ - تشريح الجثة لكشف الجريمة. مع أن التشريح مفسدة، لكنه يرتكب لدفع مفسدة أكبر.
جاء في أبحاث هيئة كبار العلماء: «إن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما، ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال، فإن مصلحة حرمة الميت مسلما كان، أو ذميا تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه، فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه، وفي ذلك حفظ لحق أولياء الميت، وإعانة لولي الأمر على ضبط الأمن، وردع لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه» (١).
٥ - واقعة تجمع مراتب المفاسد.
استفتاء: أشكلت علي مسألة الحاجة للتأمين في أمريكا، أي الحالات أخف إذا لم يوجد التأمين التعاوني فالمسلم مخير بين أن يكذب عليهم ويقول إن دخله قليل جدًا بحيث تعالجه الدولة مجانا، أو أنه يشترك مع شركة تأمين فيقع في الميسر، أو أنه بعد العلاج يدفع لهم التكلفة بعقد ربوي، وأنا لا أدري بما أفتي الناس في هذه المسألة حيث إني إمام مسجد هنا؟ وجزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم (١).
والجواب: حسب المراتب السابقة الدفع أولا لجميع المفاسد، فإن لم يسطع فالكذب ومآلته على الدين وتشويهه وأهله أكبر من الدخول في التأمين الصحي المضطر إليه.
لأنه محل خلاف والأول محل إجماع، كما أن الربا محل إجماع.
فالدخول في محل خلاف مقدم.
فحصل الترجيح هنا من حيث كثرة المفاسد، وتعلقها بالدين وأهله، وبقوة الحكم فمفسدة الربا إجماعية، ومفسدة التأمين خلافية.
٦ - وأفتت هيئة كبار العلماء بجواز نقل عيون الموتى لترقيع قرنية الأحياء (٢).
стр. 272
فدفع مفسدة العمى عن الحي مقدم على مفسدة أخذ القرنية من الميت التي مآلها التلف قطعا. وزراعة القرنية للحي متعلقة بعضو والأعضاء متعلقة بالنفس، كما أنها متعلقة بالحاجبات الأسياسية في الحياة. والتحسينات الجمالية.
أما الميت: فبقاؤ القرنية له لا يتعلق بها حاجيات ولا تحسينات، فترجحت.
٧ - وقد سبق في القاعدة الماضية الكثير من الفروع ومنها ما يصلح مثالا لقاعدة دفع أعظم المفسدتين؛ لأن المثال ينظر إليه من جهة، أو جهات.
فمن ذلك:
أ) الفحص قبل الزواج دفعا للأمراض الخطيرة عن النسل ولو أصاب المتقدم للزواج بعض الضرر جراء عدم إتمامه بعد ظهور نتيجة الفحص.
ب) الحجر الصحي وتقييد حرية التنقل في وباء كورونا لدفع الضرر الأكبر.
стр. 273
ج) منع المصابة بالإيدز من إرضاع طفلها السليم؛ مع أن منعها ضرر، لكنه لدفع الضرر الأشد والدائم على طفلها.
د) جواز كشف العورة للطبيب حال العمليات؛ لأن ارتكاب مفسدة كشف العورة مقدم على مفسدة تلف النفس.
هـ) شراء العضو مفسدة، لكن من اضطر فإنه يرتكب هذه المفسدة لدفع مفسدة هلاك النفس.
٨ - تعارض المفاسد في السياسة كاحتلال دولة مسلمة لدولة مسلمة أخرى: هذه مفسدة من أعظم المفاسد لما يترتب عليها من إهدار المقاصد الخمسة والاخلال بها
لذلك يجب دفعها على الدول المسلمة، وهذا الدفع قد يؤدي إلى قتل مسلمين، لكنه يدفع مفاسد أكبر وأكثر متعلقة بالمراتب الثلاث وبالمقاصد الخمسة.
وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية، حتى تفيء إلى أمر الله. مع يترتب على ذلك من المفاسد، لكن المفاسد المدفوعة أعظم وأعم.
٩ - ومنها: إغلاق المجال الجوي في حالات الحرب واقتضى الوضع ذلك، وهو مفسدة، لكن إن كان لدفع مفاسد أكبر كمنع العدو من اختراق المجال الجوي فهو من دفع أكبر المفسدتين. (١)
١٠ - ومنها: تسليم المطلوبين من أهل الإسلام إلى دول الكفر مفسدة كبيرة يترتب عليها انتهاك عرض المسلم ودمه وإذلال المسلمين ودولهم. لذلك فيحرم تسليمهم وفي الحديث: ولا يسلمه، وهو في البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في
стр. 274
حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة.» (١)
فهذا أمر من رسول الله ﷺ أن لا يسلم المرء أخاه المسلم لظلم ظالم، وإن يأخذ فوق يد كل ظالم، وإن ينصر كل مظلوم (٢).
فلا يجوز أن: يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه (٣).
١١ - ومنها: تعطيل الأعمال إذا مات الزعماء وفيه مفاسد منها أنه خلاف ما أمر الله به من الصبر وما عليه هدي النبي ﵊ وأصحابه، كما أنه من إظهار الجزع، وهو أشد من النياحة وفيه تعطيل مصالح الناس والتجار، وهذا مضار فتدفع جميعًا.
١٢ - تثبيت الجنس في الخنثى الكاذبة؛ لأنه عبارة عن تثبيت لجنسه الحقيقي وليس تغييرا لخلق الله
والكاذبة ما يظهر له عضو يشبه عضو الرجال مع أنه في العلامات الداخلية له مبيض ورحم فهذا عبارة عن تشوه يزال.
وأما الخنثى الحقيقية، وهو المشكل، وهو من له آلتان، فهذا نادر جدا وإنما ذكره الفقهاء توسعًا في الفقه أما في الواقع فهو غير موجود فيما اطلعت عليه من الأبحاث الطبية، وعليه فينظر إلى العلامات الباطنة والغدد والكروموزومات.
стр. 275
ودفع هذه المفاسد واجب مع أنه يرتكب فيها المحظورات من كشف العورة ونحوها عند العمليات. (١)
١٣ - زراعة الألغام مفسدة متعلقة بالنفس، لكن إن اقضتى الأمر زراعتها لإيقاف تقدم العدو الكافر ودفع مفاسده المتعلقة بالدين والنفس والعرض والعقل والمال.
فيرجح من جهة الكثرة.
١٤ - صناعة السلاح النووي مفسدة تعارض مع مفسدة أكبر وهو صناعة العدو الكافر لها فيجب دفعها بصناعته دفعا لتلك المفسد.
١٥ - الانتحار دفعًا لمفسدة كشف الأسرار مفسدة متعلقة بالنفس وهي مقدمة على مفسدة كشف السر الذي لا يعلم إن كان سيترتب عليه الضرر المساوي أم لا.
١٦ - الانتحار دفعا لمفسدة الاغتصاب، والانتحار مفسدة متعلقة بالنفس وهي مقدمة على مفسدة العرض.
١٧ - التصرف في المصاحف البالية بالاحراق مفسدة لكنها لدفع مفسدة أكبر هو الامتهان.
١٨ - حجز الجثة حتى دفع الحساب، مفسدة متعلقة بتكريم النفس الإنسانية عارضها مفسدة المماطلة في دفع الحساب وهي متعلقة بالمال فتقدم السابقة.
إلا أن يقال إن شق بطن الميت لاستخراج مال ابتلعه جوزه العلماء وهذه مثلها.
стр. 276
المبحث الثالث: تعارض المصالح والمفاسد والقواعد الحاكمة لها والمراحل الست الضابطة
وقاعدة الباب هي:
القاعدة الأولى: (دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح)
والكلام على هذا في مطالب:
المطلب الأول: كيفية التعامل مع تعارض المفاسد والمصالح إجمالا
هذا هو القسم الثالث من التعارض وقد تكلمنا عن تعارض المصالح وتعارض المفاسد والآن نتكلم عن تعارض المصالح مع المفاسد
وقاعدتها أن لنا معها حالات:
١ - الواجب هو دفع المفاسد وتحصيل المصالح، وهذا هو المتعين إن أمكن ذلك، وهو ما يسمى طريق الجمع فنحن هنا جمعنا بين تحصيل النفع ودفع الفساد. وهذا هو واجب التكليف الأول.
٢ - فإن لم يمكن ذلك نرى ما هو الأرجح، فإن رجحت المصالح على المفاسد فترتكب المفسدة لتحصيل المصلحة الأكبر.
ككشف العورة لتحصيل مصلحة إنقاذ النفس بعملية جراحية.
стр. 277
واستعمال النجس كالأنسولين الخنزيري في إنقاذ مريض السكري.
وخيار السلام مقدم على الحرب، لأن الحرب استثناء لا أصل.
لكن إن تعذر صارت المفسدة هي طريق المصلحة لذلك أمر الله بقتال أهل البغي والمفسدين في الأرض.
فنتج هنا عن ارتكاب المفسدة مصلحة كبرى، وهذا يدل أن المفسدة قد تتعين طريقا إلى المصالح الكبرى .. وأن المصالح الكبرى قد تنتج عن مفاسد لا بد منها.
٣ - إن كانت المفاسد أكبر من المصلحة، فإن المصلحة تلغى وتدفع المفسدة، ولا نبالي بفوات المصالح.
أ) فمصلحة بقاء اليد كبيرة، لكن إن أصيبت بالغرغرينا بترت.
ب) ومثل الإغلاق العام الذي كان للحد من الوباء فألغيت المصلحة دفعا للمفاسد الكبرى.
ج) ومنها تحريم التطبيع مع العدو الصهيوني؛ لأن مفاسده أكثر وأكبر، سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، فدفعها مقدم على مصلحة زيارة القدس. إن كان لا يمكن إلا بالتطبيع والاعتراف.
فإن كانت الزيارة لا تقتضي تطبيعا، فهي مصلحة مشروعة.
المطلب الثاني: مراتب الخفاء في تعارض المصالح والمفاسد
بين العز ابن عبد السلام: أن من مارس الشريعة وفهم مقاصد الكتاب، والسنة علم أن جميع ما أمر به لجلب مصلحة أو مصالح، أو لدرء مفسدة
стр. 278
أو مفاسد، أو للأمرين، وإن جميع ما نهي عنه إنما نهي عنه لدفع مفسدة أو مفاسد، أو جلب مصلحة أو مصالح، أو للأمرين.
والشريعة طافحة بذلك.
وبين مراتب الخفاء المقاصدي على الفقهاء وقسمها إلى أقسام أربعة، قائلًا:
١ - وقد خفا بعض المصالح وبعض المفاسد على كثير من الناس فليبحثوا عن ذلك بطرقه الموصلة إليه.
٢ - وكذلك قد يخفى ترجيح بعض المصالح على بعض وترجيح بعض المفاسد على بعض.
٣ - وقد يخفى مساواة بعض المصالح لبعض ومساواة بعض المفاسد لبعض.
٤ - وكذلك يخفى التفاوت بين المفاسد والمصالح فيجب البحث عن ذلك بطرقه الموصلة إليه والدالة عليه ومن أصاب ذلك فقد فاز بقصده وبما ظفر به ومن أخطأ أثيب على قصده وعفي عن خطئه رحمة من الله سبحانه ورفقا بعباده (١).
قلت: وهذه المراتب الأربع في الخفاء تقع لمن لم يمارس هذا العلم ولم يتضلع من علوم الشريعة.
ومع هذا فقد يخفى على العالم المتبحر، لكن على وجه قليل، أو نادر.
وخلاصة هذه المراتب:
- خفاء المصالح والمفاسد.
- خفاء تساويها.
стр. 279
- خفاء تفاوتها.
- خفاء الموازنة بينها.
ولهذا وجب على العالم أن يكرر النظر في المسألة ويتطلب أبعادها ومآلاتها المصلحة.
وعليه أن يشاور أهل العلم، وأن يتواصل مع أهل الخبرة في المجال التي فيه النازلة، حتى يدرك ما يترتب من المصالح والمفاسد.
وانظر إلى مرض السكر مثلًا، فإن المفتي لو أفتاه بالصوم بدون سؤال العدول من الأطباء فإنه قد يؤدي إلى ضرر كبير على المريض.
وكذلك في المسائل الاقتصادية على العالم أن يرجع إلى أهلها المختصين لسؤالهم، وهكذا في كل الأبواب السياسية والاجتماعية وغيرها.
المطلب الثالث: المراحل الست للتعامل مع تعارض المصالح والمفاسد
تقدم أن ضبطنا جميع باب التعارض المتعلق بالمصالح والمفاسد بأقسامه الثلاثة بقواعد استفدناها بالتتبع لكلام أهل العلم والنظر في تطبيقاتها المتقدمة والمعاصرة ومن ثم رتبناها ترتيبا منهجيا من المرحلة الأولى إلى السادسة.
وسنطبق هذه المراحل الست هنا كذلك:
المرحلة الأولى: التنقية.
يجب على الفقيه معرفة الاعتبار الشرعي لهذه المصالح والمفاسد.
فقد تكون ملغاة، أو غير معتبرة أصلا، وهو يظنها مصلحة، أو مفسدة.
стр. 280
وتحكمها القاعدة الثانية: (كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة).
والثالثة: (كل مصلحة ناقضت النص فهي باطلة).
وقد تقدم ذكرها في القسم الأول، وهي جارية هنا لأن المصالح الملغاة لا عبرة بها.
ومن هذه المصالح الملغاة:
١ - إصدار صكوك ربوية دعما للاقتصاد.
٢ - والتصريح السياحي للدعارة والخمور بغية الكسب المالي للدولة في قطاع السياحة.
٣ - أو القبول بفاحشة التخنث المسماة المثلية لحماية مصلحة الحريات.
وقد تكون المفسدة ملغاة مثل:
٤ - القول بأن نصرة دولة مسلمة لأخرى ضد عدوها الكافر المحتل تدخل في شؤون الغير، هذه ليست من المصالح، بل هي من المفاسد، فمن ظن أن تدخل الدول الإسلامية لنصرة بعضها تدخلا فهو جاهل بالشرع وبالواقع السياسي والتاريخي، بل المصلحة كل المصلحة هو جمع الكلمة ونصرة المسلم للمسلم.
٥ - أو منع بلاد المسلمين من صناعة السلاح النووي والاستراتيجي، والدخول في معاهدات ذلك، فهذه ليست مصلحة، بل مفسدة ظاهرة.
٦ - ومن الأمثلة: تلاوة المرأة للقرآن في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
فهذه مصلحة موهومة لا تخدم دينًا، ولا تعود بالنفع عليه والغالب فيه
стр. 281
وجود من يفتن بها فتكون سببا للمعصية، والحاصل أن مفسدة ذلك هي الأرجح، بل المصلحة موهومة.
المرحلة الثانية: الجمع.
وتحكمها: قاعدة الباب الكبرى وهي: القاعدة الرابعة: (الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد).
فطبيعة الشريعة وأصلها العظيم هو هذا، وهذه القاعدة هي القاعدة الأم للباب، وهي تأتي هنا.
وهذه المرحلة لازمة؛ لأن الجمع بين جلب المصالح ودفع المفاسد هو أعلى ما يريده الشرع، ما أمكن فيه تحصيل المصالح ودفع المفاسد فلا خلاف بوجوب ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
مثالها:
١_ أن ممارسة الرياضات المعاصرة الأصل فيه الإباحة، وهو في مرتبة التحسينات، ولها مصالح كثيرة خاصة في عصرنا صحية ونفسية ومالية واجتماعية، وفيها مفاسد منها:
كشف العورات بلبس ما يغطي العورة المغلظة فقط للرجال، ولبس اللباس الفاضح للعورات للنساء في رياضاتهن من كرة، أو سبق، أو سباحة، أو قفز، فكله يتعمد فيه كشف العورات.
والجمع بين المصالح بجلبها وبين المفاسد بدفعها أن تزال المفاسد المقارنة للرياضة، فتلبس المرأة، والرجل لباسًا ملائمًا للرياضة وملائمًا للشرع، فهذا جمع بين المصالح ودرء للمفاسد.
٢_ إقامة مصانع الكيماويات التي تتسبب في تلويث البيئة، وهو يؤدي إلى الإضرار بالحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية، فيوازن بين المصالح والمفاسد؛ لأن منع مفاسد الملوثات إطلاقا لا يمكن إلا بإيقاف الصناعات.
стр. 282
فيجب اتخاذ كافة الإجراءات لمنع التلوث والإضرار العام بالبيئة. جمعًا بين المصالح ودفعًا للمفاسد.
المرحلة الثالثة: الترجيح المراتبي الثلاثي.
وتحكمها القاعدة الخامسة: (الضرورات مقدمة على الحاجات والحاجات مقدمة على التحسينات)
فمرتبة الضروريات مقدمة عل الحاجيات والتحسينيات وكل مرتبة مقدمة على الأدني منها، فيجب على الفقيه معرفة هذه المراتب وضبطها.
١_ المرأة ووسائل الإعلام.
- عمل المرأة في مكان مختلط.
فهذه جميعًا ينظر فيها إلى العمل، وهو في مرتبة الحاجيات ويشتد حكمه إن كان المصدر الوحيد للعيش، وقد عارضته مفاسد الاختلاط، لكن هذه المفاسد على مراتب، فإن تعلقت بالعرض كالتحرش بها وغلبة الافتتان مما يؤدي إلى الزنا، أو الفواحش المتعلقة بالعرض، فإن دفع هذه المفاسد واجب ومقدم على مرتبة الحاجيات؛ لأنه متعلق بالضروري.
أما إن كانت المفاسد منحطة الرتبة، وهو، كما يحصل في الأسواق مما قد يضايق المرأة من البعض بدون حصول ما فوق ذلك، فهذه مفاسد، لكن لما كانت لا تؤثر على المرأة وعرضها كانت بقاؤها مقدم؛ لأنه حاجي، وهذه المفاسد مما عمت بها البلوى والتعرض لها مكروه. وحكم المكروه منحط عن الحرام، ولو أن الشرع كلف بالمنع لعوارض المفاسد التي تعم بها البلوى لشق ذلك على المكلفين مشقة عظيمة.
هذا ولكل حالة حكم وله مراتب حسب المصالح والمفاسد.
٢_ الهجرة عبر التهريب البحري، ينظر إلى مفاسدها ومصالحها.
стр. 283
فمصالحها متعلقة بطلب العيش والعمل، أو اللجوء، ونحو ذلك، أما مفاسدها فالتهريب عبر البحر يحتوي على مخاطر الغرق.
فهذا تغرير بالنفس وهي مفسدة متعلقة بضروري، وطلب العيش والعمل، متعلق بالحاجيات وهي مراتب، وعليه فالتقدير والحكم الشرعي قائم على هذه الموازنات، وينظر الفقيه إلى درجة تحقق المصالح والمفاسد الحالية والمآلية.
وثم موازنات أخرى وهي ما يتعلق في العيش بين الكفار، له مفاسد ومصالح. فينظر إلى مراتبها وقوتها وكثرتها.
٣ - ومنها تعارض التحسيني مع مكمل الضروري مثاله تخدير الجاني حين القصاص في الأطراف بدون إذن المجني عليه.
فالتخدير تحسيني، لكنه في هذه الحالة قد يعود على الضروري، وهو حفظ النفس بالإخلال؛ لأن المجني عليه إن لم يكن راضيًا عن التخدير فقد يحمله ذلك على الانتقام. أما التخدير في حد القطع، فهذا جائز؛ لأنه تحسيني مصلحي لا يقابله مفسدة، وعليه قرارا هيئة كبار العلماء (١).
المرحلة الرابعة: الترجيح في نفس الرتبة
وتحكمها القاعدة السادسة: (إذا تساوت المصالح في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعًا).
هذه القاعدة تقدمت في باب المصالح وكيف ترتب الضرورات الخمس، وإن مرتبة الحاجيات ترتب حسب نسبتها إلى خدمة الضروريات، وكذلك التحسينات ..
وهي تجيء هنا لكن بزيادة المفاسد.
فتكون (إذا تساوت المصالح والمفاسد في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعًا).
١ - مثل المفاسد في بعض الرياضات: من إتلاف الأموال والأنفس في سباق السيارات وإتلاف الأنفس، أو الإضرار بها في الملاكمة والمصارعة، فهذا محرم. وهي مفاسد متعلقة برتبة الضروريات من النفس، والمال، يقابلها الحصول على المنافع المالية الكثيرة، لكن الحصول عليها بإهدار النفس محرم؛ لأن حفظ النفس مقدم على رتبة المال.
٢_ تعليم النساء للرجال البالغين.
فالمفسدة هنا متعلقة بالإخلال بمقصد حفظ العرض، عارضها أن العمل مصلحة من الحاجيات، وهي إجارة. وهي مرتبة أنزل من الضروريات،
لكن إن كان عمل المرأة للضرورة لأنها لم تجد غيره وليس لها دخل لعيشها إلا هذا الدخل.
فهذه حاجية تنزل منزلة الضرورة خاصة إن كانت أرمل أو كانت تعول أسرتها التي لا عائل لهم غيرها. فهي تنزل منزلة الضروريات في هذه الصورة.
ومعلوم أن المفاسد المتعلقة بالمقاصد تختلف مراتبها ففي هذه