وجود من يفتن بها فتكون سببا للمعصية، والحاصل أن مفسدة ذلك هي الأرجح، بل المصلحة موهومة.
المرحلة الثانية: الجمع.
وتحكمها: قاعدة الباب الكبرى وهي: القاعدة الرابعة: (الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد).
فطبيعة الشريعة وأصلها العظيم هو هذا، وهذه القاعدة هي القاعدة الأم للباب، وهي تأتي هنا.
وهذه المرحلة لازمة؛ لأن الجمع بين جلب المصالح ودفع المفاسد هو أعلى ما يريده الشرع، ما أمكن فيه تحصيل المصالح ودفع المفاسد فلا خلاف بوجوب ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
مثالها:
١_ أن ممارسة الرياضات المعاصرة الأصل فيه الإباحة، وهو في مرتبة التحسينات، ولها مصالح كثيرة خاصة في عصرنا صحية ونفسية ومالية واجتماعية، وفيها مفاسد منها:
كشف العورات بلبس ما يغطي العورة المغلظة فقط للرجال، ولبس اللباس الفاضح للعورات للنساء في رياضاتهن من كرة، أو سبق، أو سباحة، أو قفز، فكله يتعمد فيه كشف العورات.
والجمع بين المصالح بجلبها وبين المفاسد بدفعها أن تزال المفاسد المقارنة للرياضة، فتلبس المرأة، والرجل لباسًا ملائمًا للرياضة وملائمًا للشرع، فهذا جمع بين المصالح ودرء للمفاسد.
٢_ إقامة مصانع الكيماويات التي تتسبب في تلويث البيئة، وهو يؤدي إلى الإضرار بالحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية، فيوازن بين المصالح والمفاسد؛ لأن منع مفاسد الملوثات إطلاقا لا يمكن إلا بإيقاف الصناعات.
стр. 282
فيجب اتخاذ كافة الإجراءات لمنع التلوث والإضرار العام بالبيئة. جمعًا بين المصالح ودفعًا للمفاسد.
المرحلة الثالثة: الترجيح المراتبي الثلاثي.
وتحكمها القاعدة الخامسة: (الضرورات مقدمة على الحاجات والحاجات مقدمة على التحسينات)
فمرتبة الضروريات مقدمة عل الحاجيات والتحسينيات وكل مرتبة مقدمة على الأدني منها، فيجب على الفقيه معرفة هذه المراتب وضبطها.
١_ المرأة ووسائل الإعلام.
- عمل المرأة في مكان مختلط.
فهذه جميعًا ينظر فيها إلى العمل، وهو في مرتبة الحاجيات ويشتد حكمه إن كان المصدر الوحيد للعيش، وقد عارضته مفاسد الاختلاط، لكن هذه المفاسد على مراتب، فإن تعلقت بالعرض كالتحرش بها وغلبة الافتتان مما يؤدي إلى الزنا، أو الفواحش المتعلقة بالعرض، فإن دفع هذه المفاسد واجب ومقدم على مرتبة الحاجيات؛ لأنه متعلق بالضروري.
أما إن كانت المفاسد منحطة الرتبة، وهو، كما يحصل في الأسواق مما قد يضايق المرأة من البعض بدون حصول ما فوق ذلك، فهذه مفاسد، لكن لما كانت لا تؤثر على المرأة وعرضها كانت بقاؤها مقدم؛ لأنه حاجي، وهذه المفاسد مما عمت بها البلوى والتعرض لها مكروه. وحكم المكروه منحط عن الحرام، ولو أن الشرع كلف بالمنع لعوارض المفاسد التي تعم بها البلوى لشق ذلك على المكلفين مشقة عظيمة.
هذا ولكل حالة حكم وله مراتب حسب المصالح والمفاسد.
٢_ الهجرة عبر التهريب البحري، ينظر إلى مفاسدها ومصالحها.
стр. 283
فمصالحها متعلقة بطلب العيش والعمل، أو اللجوء، ونحو ذلك، أما مفاسدها فالتهريب عبر البحر يحتوي على مخاطر الغرق.
فهذا تغرير بالنفس وهي مفسدة متعلقة بضروري، وطلب العيش والعمل، متعلق بالحاجيات وهي مراتب، وعليه فالتقدير والحكم الشرعي قائم على هذه الموازنات، وينظر الفقيه إلى درجة تحقق المصالح والمفاسد الحالية والمآلية.
وثم موازنات أخرى وهي ما يتعلق في العيش بين الكفار، له مفاسد ومصالح. فينظر إلى مراتبها وقوتها وكثرتها.
٣ - ومنها تعارض التحسيني مع مكمل الضروري مثاله تخدير الجاني حين القصاص في الأطراف بدون إذن المجني عليه.
فالتخدير تحسيني، لكنه في هذه الحالة قد يعود على الضروري، وهو حفظ النفس بالإخلال؛ لأن المجني عليه إن لم يكن راضيًا عن التخدير فقد يحمله ذلك على الانتقام. أما التخدير في حد القطع، فهذا جائز؛ لأنه تحسيني مصلحي لا يقابله مفسدة، وعليه قرارا هيئة كبار العلماء (١).
المرحلة الرابعة: الترجيح في نفس الرتبة
وتحكمها القاعدة السادسة: (إذا تساوت المصالح في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعًا).
هذه القاعدة تقدمت في باب المصالح وكيف ترتب الضرورات الخمس، وإن مرتبة الحاجيات ترتب حسب نسبتها إلى خدمة الضروريات، وكذلك التحسينات ..
وهي تجيء هنا لكن بزيادة المفاسد.
فتكون (إذا تساوت المصالح والمفاسد في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعًا).
١ - مثل المفاسد في بعض الرياضات: من إتلاف الأموال والأنفس في سباق السيارات وإتلاف الأنفس، أو الإضرار بها في الملاكمة والمصارعة، فهذا محرم. وهي مفاسد متعلقة برتبة الضروريات من النفس، والمال، يقابلها الحصول على المنافع المالية الكثيرة، لكن الحصول عليها بإهدار النفس محرم؛ لأن حفظ النفس مقدم على رتبة المال.
٢_ تعليم النساء للرجال البالغين.
فالمفسدة هنا متعلقة بالإخلال بمقصد حفظ العرض، عارضها أن العمل مصلحة من الحاجيات، وهي إجارة. وهي مرتبة أنزل من الضروريات،
لكن إن كان عمل المرأة للضرورة لأنها لم تجد غيره وليس لها دخل لعيشها إلا هذا الدخل.
فهذه حاجية تنزل منزلة الضرورة خاصة إن كانت أرمل أو كانت تعول أسرتها التي لا عائل لهم غيرها. فهي تنزل منزلة الضروريات في هذه الصورة.
ومعلوم أن المفاسد المتعلقة بالمقاصد تختلف مراتبها ففي هذه
стр. 286
الصورة يمكن أن يشكل تدريسها للبالغين خطرا حقيقيا أو غالبا على عرضها قد يؤدي إلى الوقوع في الفاحشة.
ففي هذه الحالة يجب أن تترك. لأن الزنى من أكبر المحرمات فهي أقوى مرتبة من حيث الحكم من الصورة التي لا تبلغ هذا الحد ولا يمكن أن تبلغه، فتجوز مع الأخذ بكافة الإلتزامات الشرعية، لأن الحكم وقوته مرجح في الرتبة الواحدة.
٣ - هل يجوز أن تقتل المرأة الأسيرة نفسها دفعا لمفسدة الاغتصاب والتعذيب
الجواب لا يجوز؛ لأن حفظ النفس مصلحة مقدم على حفظ العرض، وبهذا أفتى الشيخ بن باز (١)، وعليه فالاغتصاب مفسدة متعلق بالعرض، وهو متأخر عن مصلحة حفظ النفس.
٤ - الإضراب عن الطعام من قبل بعض السجناء طلبا للإفراج، وهذا حكمه راجع إلى مآلاته، فإن أدى موته حرم؛ لأن حفظ النفس مقدم على مفاسد السجن. (٢)
كما أن مصالح الإفراج عنه، لا تعادل مفسدة قتل نفسه جوعا بالإضراب.
٥ - هل يجوز أن يقتل الأسير نفسه خوفا من إفشائه الأسرار الخطيرة تحت التعذيب.
هذه مسألة الأصل فيها المنع؛ لأن حفظ النفس مقدم على غيره، لكن إن ترتب على ذلك مفاسد عامة تعود على الدين والمسلمين نفسًا ومالًا
стр. 287
وعرضًا، بالتهلكة، أو الضرر، فهنا أجاز بعض العلماء المعاصرين. (١)
والصحيح لا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه دفعا للمفسدة عن الغير، ولو كانت القتل. ولذلك أجمعوا أن من أكره على قتل غيره أو يقتل لم يحل له أن يقتل غيره، كذلك لا يحل له أن يقتل نفسه حفاظا على سلامة غيره من القتل.
٥ - تعليق الإعلانات التجارية في المسجد مصاحبًا للتقويم الزمني الذي يكون في المساجد.
فهذه المصلحة، وهي تعليق التقويم زيادة تحسينية متعلقة بمقصد الدين لأنها تدل على الأوقات العبادية؛ وقلنا تحسينيةلأن ضبط الأوقات يكون بغير تعليق التقويم.
والإعلان التجاري متعلق بالتجارة وهي منهي عنها في المساجد، والنهي عائد لحفظ الدين، فتدفع المفسدة. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وحكى الترمذي في جامعه قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد. والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه (٢).
لكن السؤال هنا هل هي مفسدة محققة أو غالبة أم متوهمة، لأن النهي عن التجارة في المسجد الهدف منه والمقصد دفع التشويش، وتعطيل المسجد عن مقصوده، أو الإخلال به.
فهل مجرد تعليق التقويم المشتمل على ترويج تجاري يتولد منه هذه المفاسد؟.
стр. 288
المرحلة الخامسة: الترجيح عند اتحاد الرتبة والنوع الواحد.
وتحكمها القاعدة السابعة: (إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة) (١).
وتقدم أن الكثرة والقلة شاملة للعدد وشاملة للعموم والخصوص وشاملة لمرتبتها في الحكم الشرعي.
أولا: الموازنة من حيث الكثرة والقلة.
١ - منها إن حصل انقلاب وحرب داخلي وجب الصلح دفعا للفتنة، فإن لم يستجب الطرف الآخر وجب قتاله بنص الآية.
مع أن القتال يترتب عليه قتل نفوس، كما أن استمرار الحرب الداخلية فيه قتل نفوس أكثر وأطول وقتا وأوسع جغرافيا.
ولا يتم تحقيق مصلحة حفظ كافة الأنفس من جميع الأطراف إلا بارتكاب مفسدة قتال التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله.
والانقلابات محرمة؛ لأن مصلحتها الاستيلاء على السلطة، ومفاسدها لا تحصى في الضروريات فدفعها أعظم وأوجب من الحرص على تحصيل بعض المصالح مثل التمثيل في السلطة، أو طلب الرئاسة.
стр. 289
ومن قدم مفاسد الفتنة والحرب لتحصيل تلك المصالح فهو فاسق بلا شك وغير عاقل بلا شك، بل هو من جملة البهائم التي تنظر إلى علفها بين قدميها، وهي مقدمة على الذبح.
٢ - ومن أمثلته حكم الثورة السلمية أو المسلحة على حاكم مستبد ظالم يقتل الأنفس ظلما ويأخذ الأموال وينتهك الأعراض.
فيرجع فيها إلى قلة وكثرة المفاسد. في الرتبة الواحدة والنوع الواحد.
وقد قطع جمهور أهل السنة والجماعة على منعها لغلبة مفاسدها وتوهم مصالحها، وهو الذي رأيناه في الربيع العربي.
إما إن كان التعارض فقط بين الأصلح والصالح فلا يجوز تأليب الفتنة لأن مفاسدها أعظم.
وإن تعارض الأصلح مع الصالح، أو مع الفاسق، لكن الفاسق يسمع له ويطاع، ولا يسمع للصالح قدم الفاسق؛ لأن السياسة قائمة على السمع والطاعة، فإن لم يكن للصالح من يتبعه، كانت الرئاسة وبالًا عليه وعلى الخلق ..
وقد نص ابن عبد السلام على نحو هذا الأخير في قواعد المصالح والمفاسد قائلًا:
«وإن كان أحدهما أصلح تعينت ولاية الأصلح؛ لما قدمناه من تقديم أصلح المصالح فأصلحها، وأفضلها فأفضلها، إلا أن يكون الأصلح بغيضا للناس، أو محتقرا عندهم، ويكون الصالح محببا إليهم عظيما في أعينهم، فيقدم الصالح على الأصلح؛ لأن الإقبال عليه موجب للمسارعة إلى طواعيته وامتثال أمره في جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصير حينئذ أرجح ممن ينفر منه لتقاعد أعوانه عن المسارعة إلى
стр. 290
ما يأمر به من جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصير الصالح بهذا السبب أصلح» (١).
٣ - في الحرب تعرضت الكثير من النساء للاغتصاب، فللمرأة أن تسافر من ذلك المكان ولو بلا محرم حماية لعرضها، لأن مفاسد السفر بدون محرم أخف من مفاسد انتهاك العرض.
والمحرم قصدت الشريعة منه حفظ المرأة ورعايتها من السفهاء حال السفر.
ثانيا: الترجيح من حيث العموم والخصوص:
فإن المصالح العامة مقدمة على المفسدة الخاصة حال التعارض.
مثالها:
١ - عقوبة مروج المخدرات بما يناسب الجريمة، وقد يصل إلى الإعدام بشروط معينة والاعدام مفسدة متعلقة برتبة الضروريات، وهي النفس.
لكنها جلبت مصالح أكثر وأعظم، فمنها أن ذلك يترتب عليه حفظ الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض والنسل بشكل عام؛ لأن نشر المخدرات والترويج لها يهدم هذه جميعًا ويخل بها خللا لا يغتفر. (٢)
стр. 291
٢ - مفسدة جائحة كورونا التي عمت العالم، وقد قدمت المصالح العامة بالاغلاق العام على المصالح التجارية الخاصة.
وكانت المفاسد والمصالح في نفس الرتبة: فهي متعلقة بالنفس، ومتعلقة بالمال.
ثالثًا: الترجيح من حيث القوة في الحكم الشرعي في النوع الواحد.
وهذا يشمل الأحكام الخمسة، ويشمل ما كان قطعيا وما كان ظنيا من المصالح والمفاسد.
المرحلة السادسة: مرحلة التساوي
وتحكمها القاعدة الثامنة: (إذا تساوت المصالح والمفاسد من كل جهة قدم دفع المفاسد).
ومن الوقائع المعاصرة:
стр. 292
١ - هل يجوز كتابة المصحف الشريف بناء على تطور الكتابة وقواعدها الحديثة أم لا يجوز؛ لأنه خلاف عمل الأمة ولأن ذلك يؤدي إلى مفاسد التلاعب به.
لهيئة كبار العلماء فتوى تدل على تساوي القولين في الحجج من جهة المصالح والمفاسد، لكن الترجيح حصل بدفع المفاسد.
و خلاصة القول: أن لكل من القول بجواز كتابة المصحف- القرآن - على مقتضى قواعد الإملاء والمنع من ذلك وحرمته وجهة نظر، غير أن مبررات الجواز فيها مآخذ ومناقشات تقدم بيانها، وقد لا تنهض معها لدعم القول بالجواز، ومع ذلك قد عارضها ما تقدم ذكره من الموانع، وجريا على القاعدة المعروفة من تقديم الحظر على الإباحة.
وترجيح جانب درء المفاسد على جلب المصالح عند التعادل، أو رجحان جانب المفسدة قد يقال: إن البقاء على ما كان عليه المصحف من الرسم العثماني أولى وأحوط على الأقل، وعلى كل حال فالمسألة محل نظر واجتهاد والخير في اتباع ما كان عليه الصحابة وأئمة السلف ﵃.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» (١).
٢ - من أمثلتها المعاصرة فيما أرى: صناعة السلاح النووي فإنه مفسده جسيمة وفساد في الأرض بلا شك يهلك الحياة بأنواعها وفساده متعد إلى الحجر والشجر والحيوان والانسان والبر والبحر والهواء إلى قرون.
لكن هذه المفاسد لا تدفع في عصرنا إلا بصناعته من الدول
стр. 293
الإسلامية؛ لأنه يشكل ردعًا لأي عدوان من الكافرين على أهل الإسلام وحكم صناعته الوجوب.
فهنا تساوت المصالح والمفاسد فيقدم دفع المفاسد.
وقد ذكرنا هذا المثال في تعارض المفاسد في الرتبة والنوع فيرجح بالقلة والكثرة.
٣ - وقد ذكر ابن قدامة مثالا على ذلك:
فصل: فإذا ألقى الكفار نارا فى سفينة فيها مسلمون، فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه، من بقائهم فى مركبهم، أو إلقاء نفوسهم فى الماء، فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد: كيف شاء يصنع. قال الأوزاعى: هما موتتان، فاختر أيسرهما. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى، أنهم يلزمهم المقام؛ لأنهم إذا رموا نفوسهم فى الماء، كان موتهم بفعلهم، وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم» (١).
٣ - زراعة الألغام يمكن أن تتساوى مفاسده ومصالحه ويمكن أن تترجح المصالح إن كان في موضع لا يتأذى منه المدنيون، ولا الحيوان، بل أهل الحرب فقط.
وعلى كل حال تجري هنا قاعدة دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وذلك حين تكون المفسدة أعظم فالواجب درء المفاسد، وعليه ينزل كلام الفقهاء في قاعدة دفع المفاسد أولى من جلب المصالح.
ودليلها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
فألغى المنافع التجارية الحاصلة من الخمر؛ لأن المفاسد المترتبة أكبر.
стр. 294
قال ابن نجيم: لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذا قال ﵇: ﴿إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه﴾ (١)
قال المرداوي: ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، ودفع أعلاها بأدناها .. إذا دار الأمر بين درء مفسدة وجلب مصلحة، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، قاله العلماء. (٢)
فتحصل أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح حال التساوي، أو حال رجحان المفاسد.
أما إن رجحت المصالح فجلب المصالح مقدم. والترجيح خاض لما تقدم من القواعد والمراحل الست.
стр. 295
المطلب الرابع: التطبيقات الفقهية لتعارض المصالح والمفاسد عند الفقهاء المتقدمين
لهذه القاعدة تطبيقات لا تحصى عند فقهائنا ونترك للقارئ أن يلحقها بمراتبها الست التي رتبنا بها الترجيح بين المصالح والمفاسد فمنها (١):
فمن ارتكاب المفاسد المرجوحة لتحصيل المصالح الراجحة.
١ - التلفظ بكلمة الكفر مفسدة، لكن مع الإكراه جائز حفاظًا على النفس؛ لأن مفسدة لفظة لا يعتقدها أقل من مصلحة الحفاظ المحقق على النفس.
٢ - ومن أمثلتها صلاة المستحاضة وصاحب السلس، فإن الصلاة بالنجاسة والحدث مفسدة محرمة، لكن في هاتين الحالتين ترجح مصلحة الحفاظ على الصلاة وأدائها على مفسدة الحدث.
٣ - ولهذا سقطت القبلة في صلاة الخوف، كما ثبت في السنن المستفيضة.
لذلك قال العلماء رعاية مقاصد الحفاظ على الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها عند التعارض.
٤ - ومن دفن ميتا إلى غير قبلة جاز نبش القبر مع أنها مفسدة، لكن تحصيل مصلحة توجيهه للقبلة أعظم منها إلا عند تعذر ذلك كتحلل الميت.
стр. 296
وكذا لو دفنوه في أرض مغصوبة؛ لأن مال الحي آكد.
٥ - ومن هذا الباب جواز أكل الميتة لمن اضطر مع أن أكلها مفسدة، لكن مصلحة الحفاظ على النفس أعظم.
٦ - ومنها الحجر على المفلس مصلحة للغرماء، وهي أعظم من مفسدة الحجر عليه. وكذا الحجر على السفيه والصبي مفسدة، لكن مصلحة الحفاظ على ماله مصلحة أكبر.
٧ - وكذلك بيع المسجد والفرس الحبيس إذا تعطلت منفعته المقصودة منه تضمن مصلحة ومفسدة، أما المصلحة فهي الحفاظ على منفعة الوقف ببيعها والإتيان بغيرها، وأما المفسدة فهي إسقاط حق الله في الوقف بعد ثبوته فيها، فرجحنا تحصيل المصلحة قاله الطوفي (١).
٨ - ومنها جواز الكذب للإصلاح بين الناس؛ لأن مصلحة الإصلاح أعظم من مفسدة الكذب.
٩ - ومن تعذر عليه استقبال القبلة لتعذره فإنه يقدم مصلحة الصلاة على أية حال على ارتكاب مفسدة عدم استقبال القبلة.
قال السيوطي: وقد يراعى المصلحة؛ لغلبتها على المفسدة.
من ذلك: الصلاة، مع اختلال شرط من شروطها من الطهارة، والستر، والاستقبال، فإن في كل ذلك مفسدة; لما فيه من الإخلال بجلال الله في أن لا يناجى إلا على أكمل الأحوال، ومتى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه، تقديما لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة.
стр. 297
ومنه: الكذب مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز: كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها. (١)
المطلب الخامس: مفردات من تطبيقات معاصرة لاجتماع المصالح والمفاسد غير ما تقدم
المصالح والمفاسد إما مباشرة ظاهرة، أو تفهم من خلال الضد وعلى هذا فأكثر الأمثلة السابقة في تعارض المفاسد وتعارض المصالح تأتي هنا.
وقد زدنا في ثنايا المراحل الست فروعا من التطبيقات المعاصرة لم نذكرها من قبل ونحن نذكر هنا عناوين المسائل وعلى الناظر التأمل في وجه التعارض ومراتبه:
١ - العفو عن أثر النجاسة بعد الانقاء.
٢ - المسح على الجبيرة.
٣ - اتصال كيس البول في المريض.
٤ - الافرازات المهبلية.
٥ - صلاة فاقد الطهورين.
٦ - التوكيل في الرمي والرمي قبل الزوال.
٧ - المبيت خارج منى عند ازدحامها.
وجميع ما تقدم من التخفيفات فهي من مرتبة الحاجيات، لأنها رخص لدفع الحرج والمشقات.
стр. 298
وقد شرعت حفاظا على الضروي، فالعفو عن النجاسة دفعا للحرج، وهو تيسير على المكلف يؤدي إلى حفظ الدين وإقامة الصلاة، فلو شدد على الملكف وأوجب عليه إزالة ما يشق إزالته من النجاسة، لما استطاع ذلك ولأدى إلى تركه الصلاة لعدم استطاعته دفع أثر النجاسات.
ومثلها رخصة اتصال كيس البول بالمريض رخصة في مرتبة الحاجيات، شرعت ليحافظ المكلف على الصلاة ولو في مرضه.
وكذلك صلاة فاقد الطهورين.
والعفو عن الإفرازات المهبلية حتى عند القول بنجاستها دفعا للحرج، وحتى لا تترك الصلاة بحجة وجود هذه الإفرازات.
والتوكيل في الرمي لمن عجز من الرخص الحاجية، هدفها الحفاظ على تمام المناسك.
وكذلك المبيت خارج منى لمن لم يجد مكانا.
وكذلك الرمي قبل الزوال في عصرنا، رخصة لحفظ النفس.
٨ - التخلص من فائض الأجنة وتجميد البويضات.
ومعناه ما يقوم به الأطباء في عمليات التلقيح الصناعي من حقن عدد من الأجنة احتياطا لنجاح العملية، وبعد أن تنمو يتم التخلص من الفائض ويكتفى بواحد أو اثنين.
فحكمها مبني على مسألة الإجهاض، هل هي قبل نفخ الروح أم بعده.
وأما تجميد البويضات احتياطا عند فشل عملية الزرع السابقة فقد قضى المجمع بما يلي.
وقد صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي قرار بهذا الخصوص عام ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م وهذا نصه:
стр. 299
"١ - في ضوء ما تحقق علميا من إمكان حفظ البييضات غير ملقحة للسحب منها، يجب عند تلقيح البييضات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة، تفاديا لوجود فائض من البييضات الملقحة.
٢ - إذا حصل فائض من البييضات الملقحة - بأي وجه من الوجوه - تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.
٣ - يحرم استخدام البييضة الملقحة في امرأة أخرى، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البييضة الملقحة في حمل غير مشروع ". (١)
مفردات أخرى متعددة نذكرها سردا بدون شرح دفعا للتطويل وتدريبا للناظر فيها حسب الرتب الست المتقدمة.
٩ - قيادة السيارة دون رخصة.
стр. 300
١٠ - استقدام الخادمات دون محرم.
١١ - عمل مضيفة طيران.
١٢ - الحديث بين الفتيان والفتيات على وسائل التواصل.
١٣ - التمثيل.
١٤ - مشاهدة البرامج المختلطة.
١٥ - اغلاق المساجد بعد الفريضة.
١٦ - النعي في الصحف.
المطلب السادس: تطبيقات معاصرة صالحة للأقسام الثلاثة في التعارض المصلحي
١ - تحريم التطبيع مع العدو الصهيوني لغلبة مفاسدة؛ لأن مفاسده أكثر وأكبر سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا فدفعها مقدم على مصلحة زيارة القدس. إن كان لا يمكن إلا بالتطبيع والاعتراف.
٢ - تحريم تأجير الأرحام لمفاسدها الكثيرة المترجحة على مصلحة الحصول على الولد ..
كما أن حفظ النسب، والعرض ضروري مقدم على تحصيل الولد.
لأنه ليس ضروريًا بالنظر الجزئي لهذا الشخص، فإن الله خلق بعض خلقه عقيمًا.
وإنما هو ضروري بالنظر العام للكل.
أما حفظ العرض فهو ضروري خصوصًا وعمومًا، كلية وجزئية.
стр. 301
لذلك صدرت الفتاوى بتحريم تأجير الأرحام (١).
لكن النوع الثاني، وهو التساوي والتعارض بين المصالح والمفاسد، فهذه تدفع المفاسد المساوية …
٣ - ومنها تحريم القرض الربوي؛ دفعًا لمفسدة الربا، ولو كان القرض يحقق مصلحة، كشراء السيارة وبناء بيت؛ لأنها حاجية، وتحريم الربا متعلق بحفظ الدين.
٤ - الإبقاء على العضو مصلحة في الأصل، لكن إن كان متآكلًا فبقاؤه مفسدة وجب دفعها تحصيلا للمصلحة الكبرى، وهي الحفاظ على البدن. وهما متساويتان في الرتبة والنوع والترجيح بالقلة والكثرة.
٥ - نقل عضو من مكان في الجسم إلى مكان آخر بعد التأكد من أن النفع من العملية أرجح من الضرر. فالنقل مفسدة، لكن ارتكبت لتحقيق مصلحة أكبر. وهما متساويتان في الرتبة والنوع والترجيح بالقلة والكثرة.
٦ - منع دفن النفيات النووية، ولو بمقابل كبير؛ لأن مفاسد تلك النفايات أعظم من تلك المصلحة فمفاسد النفايات النووية جسيمة جدًا حالًا ومآلا، فتقدم على مصلحة المقابل المادي؛ لأنه بالنسبة للمفاسد تافه لا قيمة له؛ ولأن مرتبة مفاسدها متعلقة بحفظ النفوس والأموال على الدوام، وهي مقدمة على الأجرة العارضة.
стр. 302
٧ - منع الدعاية والاعلان لمنتجات، أو مستحضرات لم يتبين سلامتها وأمانها؛ لأن المصلحة هنا ملغاة؛ لأن الشرع لم يعتبرها كونها من الغش.
٨ - منع الانقلابات العسكرية دفعًا لمفاسدها وتعتبر مصالحها ملغاة؛ لأنها موهومة، أو؛ لأن المفاسد أعظم في الغالب.
٩ - دفع مفسدة تعريض حياة الأم للخطر أولى من مصلحة إبقاء الجنين. وهما في مرتبة ونوع متحد، وهو حفظ النفس، لكن تقدم الأم لما ذكرناه في تعارض المصالح.
١٠ - الطهارة واستعمال الطاهرات مصلحة تحسينية والحفاظ على النفس مصلحة ضرورية وهلاكها مفسدة كبرى فيجب دفعها، ولو باستعمال النجاسة كزراعة أعضاء الخنزير إن أثبت الطب نجاح ذلك في الإنسان وتعذر غيره.
١١ - زراعة الأعضاء التناسلية مصلحة، لكنه يترتب عليه مفاسد اختلاط الأنساب فدفعت المفسدة.
١٢ - اللقائح الطبية مصلحة لتحصيل أطفال الأنابيب، لكن إن كان يترتب عليها اختلاط الأنساب فتدفع هذه المفسدة بمنع هذه الطريقة؛ لأنها مفسدة تعلقت بالعرض، وهو من الضروريات وتحصيل الولد ليس من الضروريات.
١٣ - بقاء أجهزة الإنعاش مصلحة متعلقة بحفظ الضروري، وهو الحياة، ولو أدى البقاء إلى مفاسد صغرى من أموال ونحوها. فهنا ترجحت المصلحة الأكبر على المفاسد فقدم تحصيلها.
١٤ - الاستنساخ البشري مفسدة متعلقة بالوجود الإنساني فيقدم دفعها على دعوى تحقيق مصالح موهومة في الاستنساخ.
١٥ - رتق البكارة مفسدة متعلقة بالعرض فيقدم دفعها على مصلحة
стр. 303
الستر على الزانية؛ لأن ما يترتب على الستر يؤثر على النسل، والعرض ويتعدى ضرره إلى الغير.
١٦ - اختيار جنس الجنين مصلحة، لكن إن أدى إلى انتشاره العام فهو مفسدة عامة؛ لأنه خرق لسنن الله في الخلق.
١٧ - جراحة التجميل مصالحها ومفاسدها كثيرة منها ما هو متعلق بالتحسيني كالزينة، ومنها بالحاجي كعلاج تشويه منفر سواء كان خلقيًا، أو ناتجًا عن حادث طارئ مثلًا.
ومنها ما يتعلق بالضروري كالجراحة التحويلة للجنس.
فهذه الأخيرة مفسدة كبيرة لتعلقها بتغيير الجنس والفطرة التي فطر الله الخلق عليه.
والتي قبلها جائزة؛ لأنها مصلحة حاجية.
والتي قبلها مصلحة تحسينية، لكن تحرم إن كانت للعبث والتغيير والتغرير كعمليات الأنف ونفخ الشفاه، فإن الشرع حرم النمص، وهو مؤقت فتلك أولى بالتحريم ..
ومفاسد تغيير الخلق أعظم من مصلحة الزينة؛ لأن الزينة في درجة التحسيني وذلك متعلق بحفظ الخلقة والفطرة، وهي ضرورية ..
١٨ - سفر المرأة على الطائرة ووسائل النقل قد تتعلق بها مصالح، لكن إن كان في سفرها بدون محرم يعرضها لمن لا خلاق له من المفسدين وجب دفع هذه المفسدة.
стр. 304
الفصل الرابع: الوسائل وقواعدها الحاكمة
• المبحث الأول قاعدة: الوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
• المبحث الثاني: القواعد الحاكمة للوسائل.
• المبحث الثالث: ما غلب أداؤه من الوسائل إلى الحرام فهو حرام.
стр. 305
المبحث الأول: الوسائل تأخذ أحكام المقاصد
الوسائل تأخذ أحكام المقاصد قاعدة هامة تبين أن وسائل الأمور لها حكم ما توصل إليه (١).
والكلام عليها في مطلبين:
المطلب الأول: المعنى والمستند
والوسائل هي: الطرق المفضية إلى المقاصد التي هي المصالح والمفاسد (٢)، ولما كانت الوسائل طريقًا إلى المقاصد أطلق عليها لفظ السبب؛ ولذا قيل في تعريفها: -
стр. 306
الوسائل: هي أسباب المصالح والمفاسد (١) وربما عُبَّر عنها بالذرائع (٢)، وهو مشهور اصطلاح المالكية (٣). فتحصل من هذا أن الوسائل في الإصطلاح: الطرق المفضية إلى المقاصد.
وقد قرر الفقهاء أن الوسائل تتبع المقاصد في الأحكام، ولذلك اختلفت أحكامها ورتبها بحسب ما تفضي إليه من مصالح، أو مفاسد؛ فالوسائل إلى الحسن حسنةٌ وإلى القبيح قبيحه. وأفضل الوسائل ما أدى إلى أفضل المقاصد (٤)، لذلك فالوسلية إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل (٥).
وعلى وجه التحديد، فإن ما يقوم بالمقاصد من الأحكام الخمسة؛ يكون مطردًا في وسائلها؛ فإذا كان المقصد واجبًا فالوسيلة إليه تجب، وإن كان حرامًا فالوسيلة إليه تحرم، وإن كان مندوبًا فكذلك، أو مكروهًا فكذلك (٦).
ومن قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، يستنبط أن وسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها.
فكل وسيلة أدت إلى الحرام فهي حرام، ولذلك حرمت الشريعة الوسائل المفضية إلى الحرام وكل عمل تسبب في تيسيره فلعن في الخمر عشرة، كما سيأتي منهم المعاونون والمتممون وهم الأكثر وحرم الشرع إيواء المجرم؛ لأنه يتسبب في عدم اقامة الحق عليه ففي الحديث عن
стр. 307
علي ﵁ مرفوعا «لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض» (١).
وضمن الربيئة، وهو الحارس مع المحاربين (٢)، ولو لم يباشر (٣) وضمن المعاون في القتل (٤).
وحرم شهادة الزور؛ لأنها وسيلة للباطل ونهى عن كتمان الشهادة؛
стр. 308
لأنها وسيلة تؤدي إلى ابطال الحق، ونهي عن الشفاعة الحائلة دون إقامة الحد.
وحرم الجلوس في موطن يستهزأ فيه بآيات الله وأمر بالانصراف؛ لأن الجلوس تكثير للباطل وتعاون عليه، وأدلة هذه من الكتاب، والسنة واضحة فلا نطيل بذكرها.
وقد نص العلماء على حرمة أمور كثيرة مساعدة وميسرة لحصول المعصية والمشاركة فيها وكلها وسائل وضبطوها بضوابط وتقعيدات جامعة فمنها:
كل تصرف يفضي إلى معصية فهو معصية (١).
والتسبب في المعصية والإعانة عليها معصية (٢).
ومنها النظر إلى المقاصد لتقرير حكم، فمنعوا بيع كل شيء علم أن المشترى قصد به أمرًا لا يجوز (٣).
وكل هذا يؤكد قاعدة الوسائل ويدور حولها، وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المفسدة، كان إثمها أعظم من إثم ما نقص عنها (٤).
والخلاصة أن الشرع، كما يمنع الشيء المعين يمنع الوسائل المساعدة عليه والأسباب الموصلة اليه وكما يأمر بالشيء المعين يأمر بوسائله.
стр. 309
المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة لقاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد
١ - قوانين المرور وسيلة لحماية النفس، والأموال وقد أصدر المجمع الفقهي قرارا بوجوب الالتزام بها.
٢ - تصنيع الأسلحة وتطويرها وسيلة مطلوبة شرعًا؛ لأنها وسيلة لحفظ المقاصد الكبرى الدين والأنفس والأموال والأعراض.
٣ - تشجيع البحث العلمي وسيلة للنهوض بالأمة فطلب شرعًا كطلب المقصود منه.
٤ - تدريب طلبة الطب وسيلة لتخريج الطبيب الماهر فتعين؛ لأنه وسيلة لحفظ الأنفس.
٥ - وسائل التعليم المعاصر وبنيته التحتية ووسائله التقنية وكل ما يلزم له وسائل مطلوبة؛ لأنها تخدم مقصد العقل والعلم والعمران والنهضة.
٦ - إقامة الجمعيات الخيرية من الوسائل التي تخدم إيصال الضروريات والحاجيات إلى مستحقها.
٧ - عرض الملابس الداخلية للنساء على مجسمات التماثيل العارية وسيلة تؤدي إلى الفتنة، وكذلك عرض الصور العارية بالملابس الداخلية في محلات البيع أو على مواقع التوصل.
٨ - جواز إعلان الموت والنعي بمكبرات الصوت في المسجد، أو الصحيفة، أو التلفاز، حتى يكثر الداعون والمصلون فعن يزيد بن ثابت ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا: فلانة مولاة بني فلان، قال: فعرفها وقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: ماتت ظهرًا وكنت قائلًا صائمًا فكرهنا أن نؤذيك قال:
стр. 310
فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة، ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعًا) (١)
٩ - جواز المظاهرات السلمية إن كانت في دولة تجيز ذلك دستوريا، أو قانونيا، ولا يترتب عليها منكرات مساوية أو أكبر. (٢).
١٠ - عمليات ربط المعدة وسيلة إلى دفع أضرار السمنة إن تعذرت الوسائل غيرها، لأنها حينئذ وسيلة لخدمة الضروريات أما لمجرد موظة النحافة فمحرم لأنه عبث وهوى. (٣)
١١ - جواز التشريح بشروطه؛ لأنه وسيلة لتعلم الطب وسيلة لكشف الجرائم.
وقد أفاض حسنين مخلوف في تفصيل المسألة (٤)، فقال: «ومن مقدمات فن الطب، بل من مقوماته تشريح الأجسام، فلا يمكن الطبيب أن يقوم بطب الأجسام وعلاج الأمراض بأنواعها المختلفة إلا إذا أحاط خبرا بتشريح جسم الإنسان علما وعملا، وعرف أعضاءه الداخلية وأجزاءه المكونة لبنيته واتصالاتها ومواضعها وغير ذلك، فهو من الأمور التي لا بد منها لمن يزاول الطب، حتى يقوم بما أوجب الله عليه من تطبيب المرضى وعلاج الأمراض، ولا يمتري في ذلك أحد، ولا يقال: قد كان فيما سلف طب، ولم يكن هناك تشريح؛ لأنه كان طبا بدائيا لعلل ظاهرة، وكلامنا في طب واف لشتى الأمراض والعلل، والعلوم تتزايد، والوسائل تنمو وتكثر.
стр. 311
وإذا كان شأن التشريح ما ذكر كان واجبا بالأدلة التي أوجبت تعلم الطب وتعليمه ومباشرته بالعمل على الأمة لتقوم طائفة منها به، فإن من القواعد الأصولية: أن الشارع إذا أوجب شيئًا يتضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الشيء، فإذا أوجب الصلاة كان ذلك إيجابًا للطهارة التي تتوقف الصلاة عليها، وإذا أوجب بما أومأنا إليه من الأدلة على الأمة تعلم فريق منها الطب وتعليمه ومباشرته، فقد أوجب بذلك عليهم تعلم التشريح وتعليمه ومزاولته عملًا.
هذا دليل جواز التشريح من حيث كونه علما يدرس وعملا يمارس، بل دليل وجوبه على من تخصص في مهنة الطب البشري وعلاج الأمراض، أما التشريح لأغراض أخرى كتشريح جثث القتلى لمعرفة سبب الوفاة وتحقيق ظروفها وملابساتها، والاستدلال به على ثبوت الجناية على القاتل.
أو نفيها عن متهم - فلا شبهة في جوازه أيضًا إذا توقف عليه الوصول إلى الحق في أمر الجناية؛ للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام، حتى لا يظلم بريء، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم.
وكم كان التشريح فيصلًا بين حق وباطل، وعدل وظلم، فقد يتهم إنسان بقتل آخر بسبب دس السم له في الطعام، ويشهد شهود الزور بذلك، فيثبت التشريح أنه لا أثر للسم في الجسم، وإنما مات الميت بسبب طبيعي فيبرأ المتهم، ولولا ذلك لكان في عداد القاتلين، أو المسجونين، وقد يزعم مجرم ارتكب جريمة القتل، ثم أحرق الجثة أن الموت بسبب الحرق لا غير، فيثبت التشريح: أن الموت جنائي، والإحراق إنما كان ستارًا أسدل على الجريمة فيقتص من المجرم، ولولا ذلك لأفلت من العقاب وبقي بين الناس جرثومة فساد.
وهنا قد يثار حديث كرامة جسم الإنسان وما في كشفه وتشريحه من
стр. 312
هوان فيظن جاهل أنه لا يجوز مهما كانت بواعثه، ولكن بقليل من التأمل في قواعد الشريعة يعلم أن مدار الأحكام الشرعية على رعاية المصالح والمفاسد، فما كان فيه مصلحة راجحة يؤمر به وما كان فيه مفسدة راجحة ينهى عنه، فلا شك أن الموازنة بين ما في التشريح من هتك حرمة الجثة وما له من مصلحة في التطبيب والعلاج وتحقيق العدالة، وإنقاذ البريء من العقاب، وإثبات التهمة على المجرم الجاني تنادي برجحان هذه المصالح على تلك المفسدة (١).
١٢ - على الدولة تشجيع العلم وإكرام المعلم والمتعلم، وتشجيع المبدعين والمتفوقين، لأداء هذا إلى تحقيق المصالح العامة، وهي مطلوبة شرعًا فكذلك وسائلها؛ لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد (٢).
١٣ - على الدولة إقامة التعليم الفني والتقني والإداري؛ لأن هذا يعتبر الآن من وسائل العصر لتعزيز الاقتصاد، وهذه مصلحة عامة تعتبرها الشريعة، فطلبت شرعًا، ويطلب لها وسائلها التي تقيم ذلك؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد (٣).
стр. 313
المبحث الثاني: قواعد الوسائل واستثمارها التنزيلي المعاصر
للوسائل قواعد حاكمة لها ذكرها أهل العلم ولأهميتها سأتناولها في هذا المبحث
المطلب الأول قاعدة: المصالح والمفاسد مقاصد ووسائل
جميع المصالح والمفاسد تنقسم إلى مقاصد ووسائل.
فهناك مصالح أصول تعتبر مقاصد الشرع الكبرى وهي منصوصة في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.
وتنبثق من هذا المقصد الأكبر للشرع المقاصد الكبرى التي يتعبد الله بحفظها وهي حفظ الدين والنفس والنسل والعرض والعقل والمال.
وهناك مقاصد موصله إلى حفظ هذه الكليات وهي كل المأمورات والمنهيات.
فالصلاة وأركان الإسلام مقصودة وما يتعلق بها من طهارة ورفع أذان وعمارة المساجد مقصودة والإصلاح في الأرض مقصود والمكارم والأخلاق مقصودة ورفع الحرج مقصود وكل نهي متعلق بهذه الأعمال مقصود كالنهي عن الصلاة بغير طهور وعن الغرر والربا في البيوع وعن الزنى في الأعراض وعن الخمر والمحرمات الأربعة في المأكولات.
والنهي عن الفساد في الأرض.
стр. 314
وكل هذه الأعمال توصل إلى المقاصد الكبرى فهي وسائل لحفظها لكنها لما كانت وسائل مقصودة منصوص عليها كانت لا تتغير زمانا ولا مكانا.
فهي مقصودة في ذاتها ووسائل لغيرها.
فتحصل من هذا أن عندنا مراتب للمقاصد والوسائل
المرتبة الأولى: مقصد المقاصد الأكبر وهو إفراد الله بالعبادة
المرتبة الثانية: المقاصد الخمسة الكبرى
المرتبة الثالثة: المقاصد الأصلية الوسطى أو المقاصد الوسيلية:
وهي الإعمال الصالحة التي تتعلق بها جميع المأمورات والمنهيات
من صلاة وطهارة وأذان وجمعة وخطبة وصوم وحج وزكاة ومعاملات وأنكحة. عمارة الأرض وإصلاحها.
وسميناها مقاصد وسطى وسيليه، لأنها موصلة إلى المقاصد الكبرى ولا تقوم المقاصد الكبرى إلى بها، فهي مقاصد وسائلية، وميزة هذا النوع الثبات لا يمكن تغييره ولا تبديله وكذا ما فوقه من المراتب.
وهي قسمان كذلك: منها ما هو مقصد أصلي لا يسقط بحال كالصلاة، ومنها ما هو وسيلة لهذه المقاصد كالوضوء وسيلة مقصودة للصلاة، لكنه يسقط في حالات ولا تسقط الصلاة.
المرتبة الرابعة: وسائل محضة.
وهذه وسائل مجردة مأمور بها تبعا لمقاصدها ولم يهدف الشرع إلى تعييها نصا والتعبد بهذا التعيين.
فأي وسيلة أفادت تحقيق المقصد فهي مطلوبة.
وقاعدتها: الوسيلة المحضة يحصل بها المقصود كيفما كانت
وسنتكلم عنها بعد قليل.
стр. 315
وقد بين ابن عبد السلام: انقسام المصالح والمفاسد إلى الوسائل والمقاصد
وأن الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد، والثاني وسائل.
وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني: وسائل.
وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد، فمن وفقه الله للوقوف على ترتب المصالح عرف فاضلها من مفضولها، ومقدمها من مؤخرها، وقد يختلف العلماء في بعض رتب المصالح فيختلفون في تقديمها عند تعذر الجمع، وكذلك من وفقه الله لمعرفة رتب المفاسد فإنه يدرأ أعظمها بأخفها عند تزاحمها، وقد يختلف العلماء في بعض رتب المفاسد فيختلفون فيما يدرأ منها عند تعذر دفع جميعها، والشريعة طافحة بما ذكرناه (١).
стр. 316
لماذا تمييز هذا المراتب وتقسيمها:
الفائدة الكبرى من ذلك:
١ - معرفة الثوابت والمتغييرات في الشرع.
فالمراتب الثلاث الأولى: هي الثوابت لا تتغير ولا تتبدل.
فالمقصد الأكبر والمقاصد الضرورية والمقاصد الوسطى الوسيلية.
كلها ثوابت: فلا يمكن أن تتغير أو تتبدل، فأركان الإسلام والإيمان من الصلاة والعبادات وكذا والمأمورات والمنيهات في المعاملات، وتكوين الأسرة من رجل وامرأة، ومكارم الأخلاق ووسائلها لا يمكن تغييرها؛ لهذا من لا يمكن الفتوى بجواز استبدال شعيرة الأذان التعبدية بمنبه، أو أذان مسجل، أو خطبة الجمعة والعيد بخطبة مسجلة، أو قيام ريبوت بالذكاء الاصطناعي بالأذان والخطبة؛ لأن هذه مقاصد أصلية توقيفية بالنصوص.
أما المرتبة الرابعة: وهي الوسائل المحضة فهذا مردودة لخيار المكلف.
فمكبرات الصوت وسيلة، و البيع عبر النت وسيلة. فهذه تتغير زمانا ومكانا.
فالمراتب الثلاث الأولى: هي المقاصد الشرعية وهي من الدين وكلها مطلوبات شرعية يتعلق بها الأمر والنهي.
стр. 317
قال البرماوي كل ما طلبه الشرعُ سواء أكان لذاته أو للتوصل إلى آخَر هو دِين؛ فإنَّ الدِّين ينقسم إلى مقاصد ووسائل. (١)
أما المرتبة الرابعة: فهي وسيلة محضة لا تقصد لذاتها ولم ينص الشرع على تعيينها، فهي غير مقصودة إلا لغرض آخر.
المطلب الثاني قاعدة: الوسيلة المحضة يحصل بها المقصود كيفما كانت
المسألة الأولى: رتبة الوسائل المحضة وتمييزها
تقدم أن المصالح والمفاسد تنقسم إلى مقاصد ووسائل.
وأن المقاصد على ثلاثة مراتب.
المقصد الأكبر، المقاصد الضرورية الخمسة، المقاصد الأصول الوسطى.
وبينا أن هذه الأخيرة مقاصد أصول وسيلية، لأنها وسيلة لما فوقها من المقاصد.
وبينا أنها دينية منصوصة لا يجوز تغييرها ولا تبديلها، حتى لا تأتي غاشية من الدهماء بتغييرها بحجة أنها وسائل؛ فتسميتها وسائل إجراء مصطلحي. ولأنها وسيلة منصوصة فهي دين مرادة لذاتها.
أما المرتبة الرابعة: فهي الوسائل المحضة المجردة وهي ما لا تقصد لذاتها، وهي موضوع هذه القاعدة.
стр. 318
ومعنى القاعدة أن الوسيلة المحضة وهي التي في الدرجة الرابعة ليست مقصودة لذاتها بل المقصود تحصيل ما توصل إليه من المقاصد.
لذلك فيمكن أن تغير وتبدل بكل وسيلة موصلة إلى المقصود.
وهذا النوع من الوسائل ليس من الثوابت بل من المتغيرات.
مثاله الدراهم والدنانير كانت العملة النقدية زمن الرسالة وما بعدها، لكنها اليوم تغيرت وحلت محلها النقود الورقية.
فالدراهم والدنانير لا تقصد لذاتها، بل لأنها وسيط لشراء الخدمات والسلع، وسداد الالتزامات، وضمان الأموال، وتعويض المتلفات.
قال شيخ الإسلام متكلما عن هذه القاعدة:
«وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به؛ بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت أثمانا؛ بخلاف سائر الأموال فإن المقصود الانتفاع بها نفسها؛ فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت» (١)
وهذا الضبط الذي أدلى بها ابن تيمية مهم جدا لمعرفة وتحديد الوسيلة المحضة من غيرها لأن بعض الوسائل ورد النص عليها مثل الدينار والدرهم كأدوات للتعامل. لكنها ليست مقصودة حصرا.
وإلا لوردت نصوص تفيد حصر البيع والشراء بها.
стр. 319
ومنها النص على العسل والحبة السوداء والقسط الهندي كأدوية، وليست أدوية حصرية أو وسائل عبادية، فالدواء داوء كيفما كان.
قال الشيخ الريسوني: والمراد بالوسيلة المحضة تلك التي لا يكون للشارع ولا للناس أي غرض أو منفعة فيها بذاتها، ولا يَشترط فيها أحد إلا أن تكون محققة للمقصود، بغض النظر عن ماهيتها أو صورتها. فهي متمحضة للتوسل بها إلى غيرها من المقاصد والأغراض، على أي شكل جاءت، بخلاف أنواع أخرى من الوسائل التي تراد لمقاصدَ غيرِها، ولكنها تكون مطلوبة لمزية فيها ولفائدة إضافية تتضمنها.
فمثلا: اللباس وسيلة لستر العورات، وللوقاية من الحر والقر وغيرهما من الإذايات. ولكنه أيضا عند عامة الناس من مظاهر الزينة والجمال والترفه، ولذلك يهتم الناس فيه بالألوان والأشكال والمقاسات. فهو لذلك ليس وسيلة محضة. وهذا بخلاف الدواء مثلا، فهو وسيلة محضة، لأنه لا يوجد أحد يطلب الدواء ويتناوله لسبب سوى قصدِ العلاج والشفاء. والعنصر الوحيد المتحكم في طلب الدواء واستعماله وتفضيل دواء على آخر، هو مدى تحقيقه لمقصوده المرجو من ورائه. وإذا تعددت أدوية المرض الواحد، وكانت متساوية في تحقيق المقصود، فالناس عادة لا يبالون بأيها كان تداويهم، ولا لأيها عين الطبيب. وكذلك حكم الشرع في طلبه للتداوي (١).
ومن صفات الوسائل المحضة أنها غير مطلوبة إلا لتحصيل المقاصد.
وبناء على ذلك: فلو حصل المقصد بدون الوسيلة المحضة لم تطلب الوسيلة.
وهذا ما قرره العلماء قال الزركشي: فمع حصول المقصد لو قدر
стр. 320
عدم الوسائل لم يضر، فضلا عن اختلافها، وهذا كمن قصد مكة، أو غيرها من البلاد لا حرج عليه من أي جهة دخلها (١).
وقال الشاطبي: ولو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية (٢).
وتأمل قوله ﵊ «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» رواه مسلم
حيث أمر بالاضطجاع لإذهاب النوم، فلو ذهب بالماء البارد مثلا أو أي وسيلة كفى.
قال في طرح التثريب: فإذا حصل المقصد سقطت الوسائل، وإن لم يذهب ذلك إلا بالاضطجاع وجب عليه؛ لأنه مقدمة للواجب (٣).
المسألة الثانية: تطبيقاتها المعاصرة.
١ - التسلح العسكري المعاصر.
فالجهاد في سبيل الله مقصود أصلي منصوص من النوع الثالث، وهذا لا يمكن إسقاطه أبدا.
لكن يمكن تنويع وسائله المحضة، فقد كان في الزمن القديم بالنبل والحراب والسيوف والخيول
ولكنها اليوم لا تحقق المقصد بأي وجه، بل لو استعملتها الدول اليوم لكانت أضحوكة ولو استعملها الفرد لتحقيق مقصد الجهاد في سبيل الله لكان مجنونا أو مخبولا.