لماذا تمييز هذا المراتب وتقسيمها:
الفائدة الكبرى من ذلك:
١ - معرفة الثوابت والمتغييرات في الشرع.
فالمراتب الثلاث الأولى: هي الثوابت لا تتغير ولا تتبدل.
فالمقصد الأكبر والمقاصد الضرورية والمقاصد الوسطى الوسيلية.
كلها ثوابت: فلا يمكن أن تتغير أو تتبدل، فأركان الإسلام والإيمان من الصلاة والعبادات وكذا والمأمورات والمنيهات في المعاملات، وتكوين الأسرة من رجل وامرأة، ومكارم الأخلاق ووسائلها لا يمكن تغييرها؛ لهذا من لا يمكن الفتوى بجواز استبدال شعيرة الأذان التعبدية بمنبه، أو أذان مسجل، أو خطبة الجمعة والعيد بخطبة مسجلة، أو قيام ريبوت بالذكاء الاصطناعي بالأذان والخطبة؛ لأن هذه مقاصد أصلية توقيفية بالنصوص.
أما المرتبة الرابعة: وهي الوسائل المحضة فهذا مردودة لخيار المكلف.
فمكبرات الصوت وسيلة، و البيع عبر النت وسيلة. فهذه تتغير زمانا ومكانا.
فالمراتب الثلاث الأولى: هي المقاصد الشرعية وهي من الدين وكلها مطلوبات شرعية يتعلق بها الأمر والنهي.
стр. 317
قال البرماوي كل ما طلبه الشرعُ سواء أكان لذاته أو للتوصل إلى آخَر هو دِين؛ فإنَّ الدِّين ينقسم إلى مقاصد ووسائل. (١)
أما المرتبة الرابعة: فهي وسيلة محضة لا تقصد لذاتها ولم ينص الشرع على تعيينها، فهي غير مقصودة إلا لغرض آخر.
المطلب الثاني قاعدة: الوسيلة المحضة يحصل بها المقصود كيفما كانت
المسألة الأولى: رتبة الوسائل المحضة وتمييزها
تقدم أن المصالح والمفاسد تنقسم إلى مقاصد ووسائل.
وأن المقاصد على ثلاثة مراتب.
المقصد الأكبر، المقاصد الضرورية الخمسة، المقاصد الأصول الوسطى.
وبينا أن هذه الأخيرة مقاصد أصول وسيلية، لأنها وسيلة لما فوقها من المقاصد.
وبينا أنها دينية منصوصة لا يجوز تغييرها ولا تبديلها، حتى لا تأتي غاشية من الدهماء بتغييرها بحجة أنها وسائل؛ فتسميتها وسائل إجراء مصطلحي. ولأنها وسيلة منصوصة فهي دين مرادة لذاتها.
أما المرتبة الرابعة: فهي الوسائل المحضة المجردة وهي ما لا تقصد لذاتها، وهي موضوع هذه القاعدة.
стр. 318
ومعنى القاعدة أن الوسيلة المحضة وهي التي في الدرجة الرابعة ليست مقصودة لذاتها بل المقصود تحصيل ما توصل إليه من المقاصد.
لذلك فيمكن أن تغير وتبدل بكل وسيلة موصلة إلى المقصود.
وهذا النوع من الوسائل ليس من الثوابت بل من المتغيرات.
مثاله الدراهم والدنانير كانت العملة النقدية زمن الرسالة وما بعدها، لكنها اليوم تغيرت وحلت محلها النقود الورقية.
فالدراهم والدنانير لا تقصد لذاتها، بل لأنها وسيط لشراء الخدمات والسلع، وسداد الالتزامات، وضمان الأموال، وتعويض المتلفات.
قال شيخ الإسلام متكلما عن هذه القاعدة:
«وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به؛ بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت أثمانا؛ بخلاف سائر الأموال فإن المقصود الانتفاع بها نفسها؛ فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت» (١)
وهذا الضبط الذي أدلى بها ابن تيمية مهم جدا لمعرفة وتحديد الوسيلة المحضة من غيرها لأن بعض الوسائل ورد النص عليها مثل الدينار والدرهم كأدوات للتعامل. لكنها ليست مقصودة حصرا.
وإلا لوردت نصوص تفيد حصر البيع والشراء بها.
стр. 319
ومنها النص على العسل والحبة السوداء والقسط الهندي كأدوية، وليست أدوية حصرية أو وسائل عبادية، فالدواء داوء كيفما كان.
قال الشيخ الريسوني: والمراد بالوسيلة المحضة تلك التي لا يكون للشارع ولا للناس أي غرض أو منفعة فيها بذاتها، ولا يَشترط فيها أحد إلا أن تكون محققة للمقصود، بغض النظر عن ماهيتها أو صورتها. فهي متمحضة للتوسل بها إلى غيرها من المقاصد والأغراض، على أي شكل جاءت، بخلاف أنواع أخرى من الوسائل التي تراد لمقاصدَ غيرِها، ولكنها تكون مطلوبة لمزية فيها ولفائدة إضافية تتضمنها.
فمثلا: اللباس وسيلة لستر العورات، وللوقاية من الحر والقر وغيرهما من الإذايات. ولكنه أيضا عند عامة الناس من مظاهر الزينة والجمال والترفه، ولذلك يهتم الناس فيه بالألوان والأشكال والمقاسات. فهو لذلك ليس وسيلة محضة. وهذا بخلاف الدواء مثلا، فهو وسيلة محضة، لأنه لا يوجد أحد يطلب الدواء ويتناوله لسبب سوى قصدِ العلاج والشفاء. والعنصر الوحيد المتحكم في طلب الدواء واستعماله وتفضيل دواء على آخر، هو مدى تحقيقه لمقصوده المرجو من ورائه. وإذا تعددت أدوية المرض الواحد، وكانت متساوية في تحقيق المقصود، فالناس عادة لا يبالون بأيها كان تداويهم، ولا لأيها عين الطبيب. وكذلك حكم الشرع في طلبه للتداوي (١).
ومن صفات الوسائل المحضة أنها غير مطلوبة إلا لتحصيل المقاصد.
وبناء على ذلك: فلو حصل المقصد بدون الوسيلة المحضة لم تطلب الوسيلة.
وهذا ما قرره العلماء قال الزركشي: فمع حصول المقصد لو قدر
стр. 320
عدم الوسائل لم يضر، فضلا عن اختلافها، وهذا كمن قصد مكة، أو غيرها من البلاد لا حرج عليه من أي جهة دخلها (١).
وقال الشاطبي: ولو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية (٢).
وتأمل قوله ﵊ «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» رواه مسلم
حيث أمر بالاضطجاع لإذهاب النوم، فلو ذهب بالماء البارد مثلا أو أي وسيلة كفى.
قال في طرح التثريب: فإذا حصل المقصد سقطت الوسائل، وإن لم يذهب ذلك إلا بالاضطجاع وجب عليه؛ لأنه مقدمة للواجب (٣).
المسألة الثانية: تطبيقاتها المعاصرة.
١ - التسلح العسكري المعاصر.
فالجهاد في سبيل الله مقصود أصلي منصوص من النوع الثالث، وهذا لا يمكن إسقاطه أبدا.
لكن يمكن تنويع وسائله المحضة، فقد كان في الزمن القديم بالنبل والحراب والسيوف والخيول
ولكنها اليوم لا تحقق المقصد بأي وجه، بل لو استعملتها الدول اليوم لكانت أضحوكة ولو استعملها الفرد لتحقيق مقصد الجهاد في سبيل الله لكان مجنونا أو مخبولا.
стр. 321
وهذا الوسائل تغيرت إلى أنواع الأسلحة جوا كالمسيرات والطائرات، والكترونيا كحرب الشبكات، واقتصاديا، وعسكريا كالسلاح الناري والنووي والكيماوي والبيلوجي، وغيرها.
٢ - وسائل الدعوة:
الدعوة مقصود شرعي من النوع الثالث: فهو مقصد أصلي وسيلي.
فلا يمكن إسقاطه أو تغييره، لكن وسائله المحضة متغيرة مثل: وسائل التواصل المختلفة، التطبيقات الإلكترونية، المواقع الشبكية، فهذه وسائل محضة لا يتعلق بها ثبات.
لكن خطبة الجمعة مقصد أصلي لا يمكن تغييره.
أما دروس العلم في المساجد فهي وسيلة محضة. يمكن تغييرها إلى الجامعات.
إن كانت الوسيلة الثانية أقوى، ولم يحصل تعطيل للمساجد أو كان الهدف هو التعطيل؛ لأن عمارة المساجد بذكر الله مقصود أصلي، ويمكن الجمع بينهما.
٣ - ومن الأمثلة المعاصرة التنظيمات الدعوية فهي وسيلة محضة قابلة للتغير والتبديل وليست من المقاصد الأصلية.
وحصل خطأ من بعض التنظيمات في فهم ذلك حتى جعل التنظيم في منزلة المقاصد.
أدى ذلك إلى إقامة الولاء والبراء عليه، وتمييز الناس وتصنيفهم وفقه.
٤ - المعارضة السياسية:
وهي وسيلة للتداول السلمي للسلطة، نجحت في الغرب وفشلت في بلاد العرب، لفشل النظام الجمهوري العربي.
стр. 322
٥ - الجراحة بالمناظير وسيلة معاصرة تغني عن فتح جسم المريض وما يترتب عليه من أضرار وآلام وآثار، فهذه الوسيلة مقدمة على الجراحة العادية.
٦ - طهارة الثياب بالغسلات البخارية الحديثة، لأن إزالة النجاسة معقول محض.
٧ - استعمال الفرشاة والمعجون يقوم مقام السواك لأنه وسيلة محضة.
٨ - مدة التعريف باللقطة نص الحديث على أنه عام، لكن بالوسائل المعاصرة يمكن أن يجعل مدة قليلة. (١)
المطلب الثالث قاعدة: ما كان أبلغ في تحصيل مقصود الشارع كان أحب ما لم يعارضه ما يقتضي خلاف ذلك
المسألة الأولى: المعنى والتأصيل والرتب
وهذه القاعدة دلت عليها تصرفات الشرع وهي منصوص كلام ابن تيمية (٢)
стр. 323
ومنصوصات أخرى أوردها العز كقوله (١):
١ - كلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم.
٢ - ما كان أبلغ في تحصيل مقصوده كان أفضل من غيره.
٣_ أجور الوسائل وآثامها تختلف باختلاف مقاصدها.
٤_ كلما قويت الوسيلة إلى الأداء إلى مفسدة كان أثمها أعظم، وعكسها.
ومعنى القاعدة: أن الوسائل الموصلة إلى تحقيق مقاصد الشرع تنقسم إلى مراتب، من حيث القوة والسرعة والسهولة والاستمراية والدوام وعدم المفسدة المتعلقة بالوسيلة.
فهذه مطلوبة للشرع، مقدمة على غيرها.
وهذه المعاني التي تحقق التفاوت بين الوسائل هي المقصودة بقولهم (أبلغ) في نص القاعدة.
وقد بين ذلك ابن عاشور بقوله: والوسائل مجعولة في الدرجة الثانية من المقاصد. ولذلك كان من قواعد الفقه أنه إذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.
وتتعدد الوسائل إلى المقصد الواحد، فتعتبر الشريعة في التكليف
стр. 324
بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلًا للمقصد المتوسل إليه، بحيث يحصل كاملًا راسخًا عاجلًا وميسورًا. فإذا تساوت الوسائل في الإفضاء إلى المقصد، باعتبار أحواله كلها، سوّت الشريعة في اعتبارها، وتخيّر المكلف في تحصيل بعضَها دون الآخر (١).
ومن خلال القاعدة هذا يتبين: إنه إن كانت الوسيلة أبلغ في أدائها إلى مراد الشرع لكن يترتب عليها مفسدة مانعة منها، كانت هذه الوسيلة ممنوعة.
مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب:
أعلاها اليد ثم اللسان، ثم القلب، فإن كان التغيير باليد مؤديا إلى مفاسد أكبر وجب تركه.
وكذلك الإنكار العلني على الحاكم في وسائل التواصل أو الإعلام، إن أدى إلى مفسدة أشد على مستوى الكل أو الفرد منع.
ومن مراتب التفاوت بين الوسائل تفاوت ما توصل إليه من المقاصد وهذا المعنى الدقيق نبه عليه ابن عبد السلام إذ بين أنه: يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها. فالوسيلة إلى المقاصد أفضل من سائر الوسائل؛ فالتوسل إلى معرفة الله تعالى وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي إلى الجهاد أفضل من التوسل بالسعي إلى الجمعات، والتوسل بالسعي إلى الجمعات أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل بالسعي إلى
стр. 325
الجماعات والصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين، والكسوفين.
وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل لأدائه إلى جلب كل صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فساد زجرت عنه الرسل، الإنذار وسيلة إلى درء مفاسد الكفر والعصيان …
والأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف المأمور به، رتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مصلحة الفعل المأمور به في باب المصالح، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف، وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق من أدنى مراتب الأمر بالمعروف، قال ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). (١)
فمن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد لزمه ذلك، لما ذكرناه من وجوب الجمع بين المصلحتين، وإن تعذر الجمع بينهما أمر بأفضلهما؛ لما ذكرناه من تقديم أعلى المصلحتين على أدناهما .. ا. هـ.
ومثل هذا يقال في وسائل المفاسد: فأرذل الوسائل ما يوصل إلى الجهل بذات الله وصفاته، والتوسل إلى القتل أرذل من التوسل إلى الزنا، والتوسل إلى الزنا أقبح من التوسل إلى الأكل بالباطل.
وهكذا وسائل الوسائل، سواء في المصالح أم في المفاسد، تختلف بحسب ما توصل إليه من الوسائل الموصلة إلى المصالح، أو المفاسد، فوسيلة الإعداد والتدريب ونحو ذلك له أجر عظيم؛ لأنه وسيلة إلى
стр. 326
الجهاد، والجهاد وسيلة إلى إعزاز الدين، وهو المقصد، والتوهين والتخذيل ونحو هذا من أعظم الآثام؛ لأنها وسيلة إلى ترك الجهاد، وهو وسيلة إلى إذلال المسلمين. والله أعلم. (١)
قلت وهكذا وسائل هذه المراتب: فكل وسيلة موصلة لمرتبة فلها حكم تلك المرتبة في الجملة.
فكل وسيلة خدمت مرتبة الضروريات فلها حكمها، وكل مرتبة خدمت الحاجيات فلها حكمها، وكل وسيلة خدمت التحسينات فلها حكمها.
المسألة الثانية: تطبيقاتها المعاصرة
١ - المظاهرات السلمية من الشعب لتحقيق مطلب من الدولة التي ينص قانونها على حقوقية المظاهرات السلمية، هذه وسيلة محضة قوية للضغط على الدولة في رفع ظلم أو إصلاح فساد.
لكن إن أدت هذه المظاهرات إلى أفسد منها وأكبر منعت، وفي عام ٢٠١١ م انفجرت ثورات الربيع العربي السلمية في بعض الدول العربية، وكانت ناجحة في بدايتها، لكن آل أمرها لعدم النجاح وترتب عليها حروب أهلية وقتل بمئات الآلاف وتشريد الملايين، وعظم الفساد جدا، ومهما كان من أوصلها إلى هذا المآل قيادات أو دولة، لكن ما ترتب عليها من المفاسد أكبر بكثير مما أرادت تغييره.
٢ - السلطة الرابعة والقوة الناعمة الإعلام ووسائله، فهو وسيلة كبرى لتوجيه العالم والشعوب لخلق الأراء والقناعات والسياسات، فاستغلاله لإيصال رسالة الإسلام إلى العالم، أبلغ وأقوى وأدوم وأسرع وأيسر.
стр. 327
٣ - الأفلام التاريخية المتقنة التي توضح محاسن الإسلام وسيرته ودولته بانضباط، من الوسائل القوية في الإيضاح العالمي.
٤ - استبدال الكفالة النقدية بمواد عينية، إذا كان أصلح للفقير، أو اليتيم، ما دام لا يخالف شرط المتبرع، وقد قال الله تعالى عن الإيتام: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، ولو شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] (١).
٥ - بيع المواد العينية المتبرع بها وإيصال قيمتها للمستحقين، أو شراء ما يحتاجونه من أمور عاجلة من أدوية، أو خيام، أو غيره، لتعذر إيصالها كذلك، أو لأنها يتسارع إليها التلف (٢).
المطلب الرابع قاعدة: يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد
المسألة الأولى: التصور
معنى القاعدة: أن الوسائل لما كانت غير مقصودة لذاتها بخلاف ما توصل إليه من المقاصد، جاز في بعض أحكامها التخفيف.
وهذه القاعدة تصح في الوسائل المحضة باتفاق، أما المرتبة الثالثة من المقاصد وهي المقاصد الوسيلية أو المقاصد الوسطى. فلأنها مقاصد أصلية منصوص عليها شرعا أمرا ونهيا كالوضوء مثلا.
стр. 328
جرى الخلاف في بعض صور التنزيل للقاعدة، وتطبيقات القاعدة فيها موجودة في الجملة لكن فروعها محل خلاف.
وانظر إلى الوضوء، فهو مقصود أصلي وسيلي مأمور به، وهو وسيلة إلى الصلاة، وقد يسقط، ولا تسقط الصلاة.
وكذلك النية في الوضوء اختلف فيها العلماء في المذاهب الأربعة، لكن لم يختلف العلماء في النية للصلاة؛ لأنها مقصد (١).
وعند الشافعية لو ارتد، وهو يؤذن، ثم رجع إلى الإسلام في حينه لا يعيد الأذان، بل يبني عليه، أما لو ارتد في الحج، ثم عاد في حينه فإنه لا يبني؛ لأن الأذان من الوسائل والحج من المقاصد (٢).
وعندهم يحرم على من لزمته الجمعة السفر بعد الزوال؛ لأن وجوبها تعلق به بمجرد دخول الوقت إلا أن يغلب على ظنه أنه يدرك الجمعة في مقصده، أو طريقه لحصول المقصود، أو يتضرر بتخلفه لها عن الرفقة فلا يحرم دفعًا للضرر عنه أما مجرد انقطاعه عن الرفقة بلا ضرر فليس بعذر بخلاف نظيره من التيمم؛ لأن الظهر يتكرر في كل يوم بخلاف الجمعة وبأنه يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد (٣).
ومنها: أن جواز توقيت الكفالة في الأبدان بأن يحضر الشخص المعين للمثول أمام القضاء في وقت معين.
وأما الضمان فهو متعلق بالأموال. فمن ضمن أحدا في المال فلا يجوز تعليقه، أو توقيته، كأن يقول أنا ضامن مدة شهر.
стр. 329
أما الكفالة، فإن قال أنا كفيل عن فلان إلى شهر.
فجرى خلاف هل يصح أم لا والفرق أن الكفالة وسيلة، أما الضمان فتعلق بالمقاصد، وهو المال (١).
ومن ثم جزم بمنع توقيت الضمان، وجرى في الكفالة خلاف؛ لأن الضمان: التزام المقصود، وهو المال، والكفالة التزام للوسيلة ويغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد.
وهذا التفريق المذهبي له وجهه في النظر الكلي إلى الوسائل والمقاصد، لكنه في النظر الجزئي في المسائل قد يختلف، لأن من ضمن شخصا في مال إلى سنة، ما المانع من صحة الضمان، فإن الملاءة تختلف بالزمن عند الناس، وتختلف أحوالهم وظروفهم، فهو شرط ملائم للعقد.
وهي مدة يمكن فيها للمضمون له أن يبحث عن ضامن بديل قبل انتهاء المدة.
ولهذا فالراجح جواز تعليق الضمان والكفالة وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية مقابل الصحيح. والحنابلة
وكلامهم يدور على شرط التعليق والتوقيت الملائم للعقود أما ما ليس ملائما وليس له معنى فلا. (٢)
المسألة الثانية: من تطبيقاتها المعاصرة
الضمان المعاصر بالشيك، وخطاب الضما، والاعتماد المستندي، والرهن العقاري، أو رهن الأسهم، أو الحساب الجاري، والصكوك،
стр. 330
والكمبيالات، والسندات المباحة.
كلها من الوسائل المحضة للتوثيق، فيجري فيها ما يجري في الوسائل من الأحكام في الجملة.
وكلها فيما أرى يجوز فيها التوقيت.
لأنه شرط ملائم، والشيك والاعتماد المستندي وخطاب الضمان، كلها مؤقتتات.
بتواريخ معينة، وهي وسائل إلى حفظ الأموال والحقوق فتبين أن الاشتراط المنصوص عند بعض الفقهاء المتقدم ذكره، يختلف زمانا ومكانا.
المطلب الخامس قاعدة: المصالح المرسلة وسائل محضة للضروريات والحاجيات
المسألة الأولى: إيضاح القاعدة معنى وبناء.
علاقة المصالح المرسلة بالوسائل أن عموم المصالح المرسلة وسائل محضة. فيما تتبعته من كلامهم فإن المصالح ثلاثة أقسام:
ما نص الشرع على اعتباره أو إلغائه، أو لم ينص على اعتبار أو إلغاء، فالأول معتبر، والثاني باطل، والثالث هو المصالح المرسلة، وهي من باب المناسب في القياس.
وشروطها:
١_ أن تكون ملائمة لتصرفات الشرع بدون نص معين عليها.
٢_ أن تكون معقولة لأنها إن لم تكن معقوله لم تكن مصلحة مناسبة.
٣_ أن تكون وسيلة لخدمة ضروري أو التخفيف في الحاجي ولا مدخل لها في التحسينات.
стр. 331
وصياغة القاعدة مفهومة من الشاطبي فقد قرر أن المصالح المرسلة من قسم وسائل الضروريات والتخفيفات الحاجية.
وعارض في التحسينات وفاقا للغزالي، وأما قولنا محضة فهي كذلك، لأن المصالح المرسلة تتغير زمانا ومكانا. فهي وسيلة محضة.
وقد قرر الشاطبي القاعدة في الاعتصام أبلغ تقرير (١).
وبين أن المصالح المرسلة وسائل لحفظ الضروري، وتخفيف في الحاجيات في باب الرخص.
ووافق الغزالي على هذين القسمين وبين عدم وجود المصالح المرسلة في قسم الزينة والتحسينات.
فقال في الشرط الثالث للمصالح المرسلة: والثالث: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين، وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري من باب ما لا يتم الواجب إلا به … فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد.
أما رجوعها إلى ضروري فقد ظهر من الأمثلة المذكورة.
وكذلك رجوعها إلى رفع حرج لازم، وهو إما لاحق بالضروري، وإما من الحاجي، وعلى كل تقدير فليس فيها ما يرجع إلى التقبيح والتزيين البتة، فإن جاء من ذلك شيء: فإما من باب آخر منها، كقيام رمضان في المساجد جماعة، حسبما تقدم، وإما معدود من قبيل البدع التي أنكرها السلف الصالح، كزخرفة المساجد والتثويب بالصلاة، وهو من قبيل ما يلائم.
وأما كونها في الضروري من قبيل الوسائل وما لا يتم الواجب إلا به:
стр. 332
إن نص على اشتراطه، فهو شرط شرعي فلا مدخل له في هذا الباب، لأن نص الشارع فيه قد كفانا مؤنة النظر فيه.
وإن لم ينص على اشتراطه فهو إما عقلي أو عادي، فلا يلزم أن يكون شرعيًا، كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة، فإنا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم بغير كتب عاديًا مطردًا؛ لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية يصح لنا حفظها، كما أنا لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية، إذا ثبت هذا، لم يصح أن يستنبط من بابها شيء من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل.
وأما كونها في الحاجي من باب التخفيف فظاهر أيضا، وهو أقوى في الدليل الرافع للحرج، فليس فيه ما يدل على تشديد ولا زيادة تكليف، والأمثلة مبينة لهذا الأصل أيضا (١).
وبين أن ما أجمع عليه الصحابة من الوسائل المصلحية المرسلة كجمع المصحف كلها راجعة إلى حفظ الضروري، أو رفع الحرج.
أما حفظ الضروري، فهو كجمع المصحف.
أما رفع الحرج، فإجماعهم على اغتفار الغرر في ما جرت به الحاجات والأعراف؛ لأنه لا يؤدي إلى النزاع، مثل دخول الحمامات مع اختلاف قدر الماء المستعمل.
ومثله اليوم في عصرنا البوفيهات المفتوحة.
ومن ذلك إجماع الأمة على إسقاط شرط الاجتهاد عن الإمام والقاضي عند عدمه.
стр. 333
وهي مصلحة مرسله؛ لأنها وسيلة إلى إقامة الضروريات وخدمتها.
وإجماع الخلفاء على تضمين الصناع، وعلى حد الخمر في ثمانين مع أنه لم يرد في العدد حد.
ومن خدمة الحاجي: إذا عم الحرام في الرزق فيجوز أخذ ما يسد الضروريات وزيادة عليه إلى الحاجيات (١).
فلو طبق الحرام الأرض، أو ناحية من الأرض يعسر الانتقال (منها) وانسدت طرق المكاسب (الطيبة)، ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق، فإن ذلك سائغ أن يزيد على قدر الضرورة، ويرتقي إلى قدر الحاجة في الوقت والملبس والمسكن، إذ لو (اقتصروا) على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأشغال، ولم يزل الناس في مقاساة ذلك إلى أن يهلكوا، وفي
стр. 334
ذلك خراب الدين، لكنه لا ينتهي إلى (مقدار) الترفه والتنعم، كما لا يقتصر على مقدار الضرورة (١).
واختلفوا في ضرب المتهم، فمن أجاز جعله رادعا لغيره حافظا لأموال الناس فهو خدمة للضروري.
واتفقوا على منع التعزير بالمال إلا ما قيل عن مالك من التعزير في المال لا بالمال كإتلاف عمر للبن المغشوش وإهراق القدور التي طبخت من اللحم قبل قسمة الغنائم.
والاتفاق جمهوري وليس إجماعا، فمن أجاز رآه مصلحة مرسلة تلائم تصرفات الشرع في ردع الفساد والضرر، وفي تحريرها خلاف.
وكذلك جواز فرض الضرائب عن الضرورة على الأغنياء عند حاجة الدولة لإقامة ما يحميها اقتصايا وعسكريا ولا يوجد في الخزانة ما يكفي، ولا يوجد من يقرض الدولة.
وأما أن المصالح المرسلة لا مدخل لها في رتبة التحسينات والزينة والتقبيح فمثاله:
زخرفة المساجد وقد قرر الشاطبي بدعيته، قلت جوازه ليس مبنيا على ضروري ولا حاجي، بل من التحسينات الجمالية، والإسلام رعى الجمال، ولاحظها، والله جميل يحب الجمال، ولكن زخرفة المساجد بما يعد شاغلًا للمصلي لا شك في كراهته.
المسألة الثانية: تطبيقاتها معاصرة.
١ - إقامة النيابة العامة والمحاكم المتخصصة وسيلة مصلحية مرسلة محضة تخدم الضروريات الخمس.
стр. 335
٢ - استثمار الذكاء الاصطناعي في نهضة الدولة وتقويتها في كافة المجالات العسكرية والأمنية والخدمية والعلمية والبحثية. فهذه وسيلة مصلحية مرسلة راعية لرتبة الضروريات والحاجيات.
٣ - نظام المرور وسيلة مصلحية مرسلة راجعة لحفظ الضروريات.
٤ - تقدم أن المصالح المرسلة لا تدخل التحسينات، وعليه فلا يفتى بها فيها.
قلت: ويمكن التمثيل له في عصرنا، بطباعة الصور والأعلام والزينة في اليوم الوطني للدولة.
فهذا الاحتفال خادم لتحسيني وهو من المال العام.
إلا أن يقال إن إنفاق المال العام فيما هو مصلحة للدولة مشروع، وهذا الاحتفال راجع إلى تقرير هيبتها في النفوس وولاء الشعب لها، وتحقيق مقاصد أخرى من العروض العسكرية، والشعبية وغير ذلك فهو عائد إلى خدمة الضروريات من جهة إظهار قوة الدولة وهيبتها وانعكاس ذلك على بسط الأمن والاستقرار. قلت: يبقى محل نظر.
стр. 336
المبحث الثالث قاعدة: ما غلب أداؤه من الوسائل إلى الحرام، فهو حرام
هذا أصل عظيم في الشرع تشهد له أدلة الكتاب، والسنة وفروع الشريعة وقواعدها، ويعبر عنها بقولهم ما أوصل إلى الحرام فهو حرام.
وتتعلق بها ألفاظ أخرى مثل:
قاعد: من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل (١).
وقاعدة: سد الذرائع في محل الاتفاق.
وقاعدة: النظر في مآلات الأفعال مقصود شرعًا.
وقاعدة: غلبة الظن تنزل منزلة اليقين.
وقاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد
وقاعدة: كل تعاون على الحرام حرام.
وسأتكلم على هذه القاعدة فيما يلي:
المطلب الأول: المعنى والمستند
المسألة الأولى: معنى القاعدة.
المقصود بالممنوع هنا الحرام.
стр. 337
الحرام هو ما يأثم فاعلة ويؤجر تاركه امتثالًا وفي الأصول أقوال أخر كلها متقاربة تدور على هذا المعنى (١) فإذا أضيف لفعل المكلف قيل هذا الفعل حرام. ويوصف بهذا الوصف كل فعل للحرام بالمباشرة، أو التسبب. أما المباشرة فكشرب الخمر والتسبب كحامله.
والمقصود هنا التسبب الأعم من كونه تسببا مؤثرا كالعلة، وهو ما يلزم منه وجود المسبب، كما هو معلوم في الأصول (٢)، أو تسببا مساعدا ومكملا كتسهيل إصدار ترخيص لبارة؛ لأن هذا التصرف أدى إلى الحرام على وجه التحقق فإنه لولا الرخصة ما أعلن بالحرام.
ومن خلال التتبع القائم على استقراء أغلبي للصور الدالة على القاعدة في النصوص من القرآن والسنة ومسائل الفقهاء نخلص إلى أن ضبط ما يدخل في القاعدة.
كل تصرف له مدخل في الحرام بالمباشرة، أو التسبب يقينا، أو غلبة.
فقولنا: (كل تصرف) شمل الأقوال والأفعال وقولنا (له مدخل) شمل بالمباشرة، أو التسبب، المباشرة نحو كاتب الربا لمباشرته عقد الربا، والتسبب كمن طلب من آخر الإتيان بمن يكتب العقد، فالأول بالتسبب المباشر، والثاني بالتسبب غير المباشر وكلاهما يعملان على تيسير إبرام عقد الربا.
وقولنا (يقينا) يدخل فيه كل عمل أفضى إلى الحرام على جهة الجزم واليقين.
وقولنا (غلبة) على جهة الغالب: كبيع العنب لمن شأنه أن يعصره
стр. 338
خمرًا، فإن هذا ظن أغلبي، ومن الأمثلة المعاصرة على الموصل للحرام يقينا توصيل الكهرباء لأماكن الدعارة والبارات فإنها في الحياة المدنية المعاصرة وسيلة غالبة إلى المعصية؛ لأنها العامل الأهم في تشغيل تلك الأماكن فمنعها أولى وآكد من بيع العنب لمن يتخذه خمرًا بالظن الغالب؛ لأنه قد لا يصنع به ذلك بخلاف توصيل الكهرباء للمراقص وأماكن الدعارة والبارات فإنها إعانة مباشرة على معصية محققة، وعليه فإبرام عقد صيانة وتوصيل الكهرباء لهذه الأماكن إعانة على معصية محققة؛ إذ المراقص والبارات لا يكون فيها إلا ذلك واستعمال الكهرباء فيها لا يكون إلا للمعاصي.
المسألة الثانية: مستندات القاعدة.
أصل الباب ودليله.
من القرآن الكريم: قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] وفي هذه الآية الكريمة مسائل كثيرة، وفقه واسع، فهي أصل عظيم في الاستدلال على كثير من فروع الشريعة، والبر والتقوى مأمور بهما استقلالا، ومطلوبان شرعيان، فالبر يتناول الواجب والمندوب إليه والتقوى رعاية الواجب (١).
وقد بين الله معنى البر مفصلا في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
стр. 339
وختم الآية بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
ولا بيان فوق بيان الله، ولا مثله.
وأما الإثم والعدوان؛ فالإثم هو الذنب، والعدوان هو ظلم الناس، وهذه الآية أصل في تحريم الإعانة على ما يلزم منه إثم، أو عدوان.
فكل تيسير، أو تسهيل، أو مشاركة على ما نهى الله عنه من المنكرات داخل في الإعانة المحرمة وكل وسيلة أدت إلى حرام، فهي حرام (١).
الاستدلال على ذلك من السنة:
الحديث الأول: حديث تحريم الخمر:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها (٢).
دلالة الحديث: أما دلالة الحديث: فإنه يدل على شمول الإثم من عاون عليه؛ لأن تحريم الخمر أصلا إنما هو في شربها.
ولما كان ذلك لا يحصل إلا بمعاونة ومساعدة بدءًا من العاصر، والمعتصر والحامل والبائع والمشتري والواهب وآكل الثمن، فالمباشر
стр. 340
للشرب واحد والمعاون تسعة آخرون شملهم اللعن. فدل على أن أي تيسير إلى المعصية معصية.
وقد استدل العلماء بهذا الحديث على حرمة بيع العنب لمن يعصره خمرًا مع عدم ذكره في النص.
قال ابن قدامة في المغني بعد إيراده الحديث: وَبَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا بَاطِلٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ لِمَنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا مُحَرَّمٌ. وَأَشَارَ إلى كُلِّ مُعَاوِنٍ عَلَيْهَا (١).
قال القرافي في الذخيرة: ويندرج في بائع الخمر بائع العنب لمن يعلم أنه يعصره خمرا إلا الذمي فمختلف فيه لاختلافهم في خطابهم بالفروع (٢).
قلت: وإنما أدرجوه بجامع المعاونة وأما الذمي فالراجح أنهم مكلفون معاقبون، كما هو معلوم في علم الأصول ويدل على هذا حديث: (من حبس العنب ايام القطاف حتي يبيعه من يهودي، أو ممن يتخذه خمرًا فقد تقحم النار على بصيرة) (٣).
стр. 341
قال ابن حجر الهيتمي: الحديث دال على حرمة كل سبب في معصية وإعانة عليها (١).
وقال الرملي في حاشية روض الطالب: وجه الاحتجاج أن العاصر كالبائع في أن كلا منهما يعين على معصية مظنونة (٢).
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: باب تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرا وكل بيع أعان على معصية (٣).
وجاء في (حجة الله البالغة) بعد إيراده هذا الحديث أقول: الإعانة في المعصية وترويجها وتقريب الناس إليها معصية وفساد في الأرض (٤).
الحديث الثاني: الإشارة من المُحْرم للحلال ليدله على الصيد.
عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ حاجا، وخرجنا معه، قال: فصرف من أصحابه فيهم أبو قتادة، فقال: «خذوا ساحل البحر، حتى تلقوني» قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا قبل رسول الله ﷺ ، أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة، فإنه لم يحرم،
стр. 342
فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، قال فقالوا: أكلنا لحما ونحن محرمون، قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ ، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها، فقال: «هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟» قال قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها»، وهو في الصحيحين (١).
وهو دليل على أن ما حرم على المكلف حرم عليه من جميع طرقه من المباشرة إلى ما هو أقل من ذلك ان كان يعين على تعاطي الحرام بيان ذلك هنا: أن الصيد محرم على المحرم حلال لغيره، ومع كونه حلالا للغير فلا يجوز لمن هو حرام عليه أن يعينه، ولو بمجرد الإشارة مع أنه حلال لمن أشير له؛ فمن باب أولى إذا كان الأمر حرامًا من جهة المعين وجهة المعان.
ويؤخذ منه كذلك أن ما أخذ من رزق بإعانة محرمة حرم. ولذلك قال ﷺ هل أشار عليه أحد فلما أجابوه بلا قال: كلوا.
الحديث الثالث: حرمة كتابة الربا والشهادة عليه
ودليله ما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه»، وقال: «هم سواء» (٢).
ووجه الاستدلال به أن كاتب الربا لم يباشر الربا، ولم يأكله وكذا الشهود. ومع ذلك شملهم اللعن لما فيه من الإعانة على الحرام.
стр. 343
وقوله (هم سواء) يدل على تسوية المعين على الحرام بمن ارتكبه.
ووجهه أن عقد الربا بين الطرفين إن كان لا يتم إلا بكتابته والإشهاد عليه فقد صار الكتاب والإشهاد جزأين وركنين لماهية العقد فساوى بقية أركانه وهما العاقدان والمعقود عليه بالربا فتساوى الإثم.
وهذا الحديث دليل على تحريم كل وسيلة تعين على ما حرمه الله قياسا على الشاهد والكتاب.
المطلب الثاني: الاستثمار الفقهي المعاصر للقاعدة في عشرين صورة تأصيلًا وتنزيلًا
الصورة الأولى: تغذية الحرب الأهلية بالسلاح والمال والمعدات التقنية.
أصل هذه المسألة بيع السلاح في الفتنة ولأهل الحرب.
قال الحسن: لا يبعث إلى أهل الحرب شيء من السلاح، ولا ما يستعان به على السلاح (١)
وفي بدائع الصنائع: ومنها بيع السلاح من أهل الفتنة وفي عساكرهم؛ لأن بيعه من باب الإعانة على الإثم والعدوان وأنه منهي عنه (٢).
وعلل ذلك في تبيين الحقائق قائلًا: لأنه أعانه على المعصية (٣) قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
стр. 344
وفي مواهب الجليل: كما يحرم بيع السلاح لمن يعلم أنه يريد قطع الطريق على المسلمين، أو أثارة الفتنة بينهم (١).
وفي المقدمات والممهدات: لا يجوز أن يباعوا شيئا يستعينون به في حروبهم من سلاح، أو حديد، ولا شيئًا يرهبون به على المسلمين في قتالهم مثل الرايات وما يلبسون في حروبهم من الثياب فيباهون بها على المسلمين وكذلك النحاس، لأنهم يعملون منه الطبول فيرهبون بها على المسلمين، ولا يجوز أن يباع منهم العبد النصراني؛ لأنه يكون دليلًا على المسلمين وعورة عليهم (٢).
وفي النهاية للرملي في البيوع المحرمة ذكر بيع السلاح من نحو باغ وقاطع طريق وجعل مثل ذلك كل تصرف يفضي إلى معصية معللا ذلك بقوله: (لأن كلًا من ذلك تسبب في المعصية وأعانه عليها) (٣).
قال ابن قدامة: وهكذا الحكم في كلما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطاع الطريق، أو في الفتنة (٤).
وعلل ذلك في إعلام الموقعين قائلًا: هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كل بيع، أو إجارة، أو معاوضة تعين على معصية الله (٥).
الصورة الثانية: استقدام المغنيات والراقصات.
قعد العلماء قاعدة في هذا الباب كابن قدامة فقال:
стр. 345
وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح في الفتنة إلى أن قال: وبيع الأَمَةِ للغناء، أو إجارتها كذلك (١).
وقال الرملي الشافعي: ومثل ذلك كل تصرف يفضي إلى معصية كبيع أمرد ممن عرف بالفجور وأمة ممن يتخذها لغناء محرم (٢).
الصورة الثالثة: البيع للعصاة ما يستعينون به على المعصية.
جاء في مواهب الجليل: بيع المملوكة من قوم عاصين يتسامحون في الفساد وعدم الغيرة وهم آكلون للحرام ويطعمونها منه، لا يجوز ذلك على مذهب مالك، وكذلك يشترط في جواز البيع إلا يعلم أن المشتري قصد بالشراء امرًا لا يجوز (٣).
الصورة الرابعة: إجارة الدار للمعصية كبنك ربوي.
من شروط صحة الإجارة أن تكون في المباح فإن كانت في الحرام بطلت.
جاء في فقه الحنفية: ولا تجوز على المعاصي الاجارة كالغناء والنوح ونحوهما (٤).
وفي الشرح الصغير على خليل مبينًا شروط صحة الاجارة (غير حرام، احترازًا من استئجار).
قال ابن قدامة: وهكذا الحكم في كل بيع يقصد به الحرام كبيع
стр. 346
السلاح لأهل الحرب، حتى قال … أجر داره لبيع الخمر فيها، أو لتتخذ كنيسة، أو بيت نار وأشباه ذلك، فهذا حرام والعقد باطل (١).
الصورة الخامسة: بيع اللحم والخبز لمن يدعو عليه من يشرب المسكر وبيع الاقداح لمن يشرب فيها المسكر.
جاء في المغني: وقد نص أحمد في مسائل، نبه بها على ذلك فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر، لا يبعه ومن يخترط الاقداح لا يبيعها ممن يشرب فيها … فيكون بيع ذلك كله باطلًا (٢).
الصورة السادسة: إعارة السيارة أو اليخت للمعصية.
المقرر في الشرع أن العارية للحرام حرام لأنه تعاون عليه.
جاء في كشاف القناع: وتحرم إعارة عين لنفع محرم كإعارة دار لمن يتخذها كنيسة، أو يشرب فيها مسكرًا، أو يعصي الله فيها، وكإعارة سلاح لقتال في الفتنة وآنية ليتناول بها محرما من نحو خمر وإعارة أواني الذهب والفضة وإعارة دابة ممن يؤذي عليها محترمًا، وإعارة عبد، أو أمة لغناء، أو نوح، أو زمر ونحوه؛ لأن ذلك كله إعانة على الإثم والعدوان المنهي عنه وكإجارة ذلك (٣).
الصورة السابعة: بيع الحرير لرجل يلبسه والذهب للرجل يلبسه.
في النهاية للرملي، وهو يذكر البيوع المحرمة قال: (ومثل ذلك كل
стр. 347
تصرف يفضي إلى معصية كبيع .. ثوب حرير للبس رجل بلا نحو ضرورة .. لأن كلا ذلك تسبب في المعصية وإعانة عليها) إ. هـ (١).
وكان الامام أحمد ينهي عن بيع الديباج للرجال، ولا بأس ببيعه للنساء (٢).
وعلل ذلك ابن قدامة أنه يقصد به الحرام، ثم بين بعد سرد صور عديدة نحو هذه فيها الإعانة على الحرام ببطلان البيع في ذلك كله (٣).
الصورة الثامنة: بيع لعب الأطفال المشتملة على الحرام حرام.
وهذا البيع كذلك حرام، وهو باطل لأنه وسيلة لفساد الأطفال.
حتى ولو كان للصبي غير مكلف ففعل البائع حرام لتسببه في وقوع الحرام وقد جاء عن الامام أحمد: لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلا (٤).
الصورة التاسعة: بيع مزارع العنب لمصانع الخمور.
ففي فروع الشافعية جاء في شرح المنهاج للرملي في بيان البيوع المنهي عنها (وبيع نحو الرطب والعنب والتمر والزبيب لعاصر الخمر) (٥).
وعلل ذلك الشارح بقوله (لأنه سبب لمعصية متحققة، أو متوهمة)، ثم استدل على الحرمة قائلًا: ودليل ذلك: لَعْنه ﷺ في الخمر عشرة:
стр. 348
عاصرها ومعتصرها .. الحديث الدال على حرمة كل تسبب في معصية وإعانة عليها (١).
وقد رفع توهم من ظن أن الشافعية تقول بحل هذا البيع فقال: (ومن نسب للأكثرين الحل هنا أي مع الكراهة محمول على ما لوشك في عصره له أ. هـ) (٢).
وجاء في المغني لابن قدامة تعليقا على قول المتن (وبيع العصير ممن يتخذه خمرا باطل).
جملة ذلك ان بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم، ثم استدل بقوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] قال: وهذا نهي يقتضي التحريم.
وروي عن النبي ﷺ أنه لعن في الخمر عشرة، فروى ابن عباس (أن النبي ﷺ أتاه جبريل فقال يا محمد ان الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحولة إليه وشاربها وبائعها ومبتاعها، وساقيها) وأشار إلى كل معاون عليها، ومساعد فيها أخرج هذا الحديث الترمذي (٣) انتهي كلام ابن قدامة (٤).
وتبين من كلامه ﵀ أن علة إبطال البيع هو أنه معاون على معصية الله وقال كذلك: إن عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح كالإجارة للزنى والغناء .. ولأن التحريم هاهنا لحق الله تعالى فأفسد العقد (٥).
стр. 349
وفي فقه المالكية في مواهب الجليل: والمذهب في هذا سد الذرائع (١).
وممن ذهب إلى الحرمة الصاحبان وعلة ذلك عندهما أنه إعانة على المعصية (٢).
قلت: أما لو بيعت المزرعة لمصنع الخمر مباشرة فهل محل اتفاق على التحريم.
الصورة العاشرة: استقدام الخادمات لمن عرف بالفجور بهن.
قال الرملي في نهاية المحتاج: (ومثل ذلك - يعني - في الحرمة كل تصرف يفضي إلى معصية كبيع أمرد لمن عرف بالفجور) (٣).
الصورة الحادية عشر: الخشب الخام لمن يصنع منه آلة الموسيقى.
جاء في نهاية المحتاج للرملي، وهو يبين البيوع المحرمة: كبيع أمرد ممن عرف بالفجور … إلى أن قال وخشب لمن يتخذه آلة لهو (٤).
الصورة الثانية عشر: العمل في بورصة الأسهم وقت الجمعة.
قال في كشاف القناع: ويحرم البيع والشراء، ولا يصح البيع، ولا الشراء قليله وكثيره ممن تلزمه الجمعة، ولو كان أحد العاقدين وكره للآخر الذي لا تلزمه لما فيه من الإعانة على الإثم (٥).
стр. 350
الصورة الثالثة عشر: فتح المطاعم لغير المسلمين في رمضان في البلاد الإسلامية.
قال الرملي: (ومثل ذلك - يعني في الحرمة - طعام مسلم مكلف كافرًا مكلفا في نهار رمضان، وكذا بيعه طعاما علم، أو ظن أنه يأكله نهارا، كما افتى به الوالد ﵀؛ لأن كلا من ذلك تسبب في المعصية وإعانة عليها بناء على تكليف الكفار بفروع الشريعة، وهو الراجح. (١).
الصورة الرابعة عشر: عقود الصيانة للمراقص والملاهي.
والصيانة: مأخوذة من صان الشيء إذا حفظه، أو عمل على حفظه جاء في تاج العروس: صانه صونا وصيانة وصيانا بكسرهما، فهو مصون … وصوان الثواب وصيانة مايصان فيه ويحفظ. أ. هـ. (٢). ثم ذكر صيانة العرض ونحوها من الاشتقاقات التي تدل على الحفظ.
وفي المحيط في اللغة. مادة صون: الصون أن تقي شيئًا. أ هـ. (٣)
وعقود الصيانة في العرف: عبارة عن إنشاء اتفاق بين جهتين تقوم إحداهما بأعمال الترميم والإصلاح والتحديث والتطوير ويقوم الآخر بدفع مقابل مالي يسمى أجرة.
وهو داخل في التصنيف الفقهي تحت عقد الاجارة من أجير مشترك على عمل وينبني على هذا ما يلي:
أولًا: مما تقدم تبين أن أي عمل مفض إلى حفظ ووقاية المعصية، أو محلها، أو المعاونة على ذلك، فهو حرام؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان.
стр. 351
ولا شك أن عقود الصيانة للفنادق الممارسة للدعارة، والمراقص والملاهي تعتبر عملًا حافظا وواقيا لمحل المعصية من التلف فكان حرامًا.
ثانيا: أن الشريعة طالبة لإزالة المنكر وتقليله وتعطيله والنهي عنه في نصوص كثيرة.
كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٧٩، ٨٠].
ففي الآية الأولى: أن صفة الأمة الخيرة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الأخرى: لعن من سكت على المعصية فكان الواجب الإنكار على هذه الأماكن لا صيانتها، وإذا كان اللعن للساكت عن النهي فاللعن لمعاون على المنكر أولى وإثمه أعظم.
ثالثًا: إن عقد الصيانة لهذه الأماكن التي تعمل المحرمات عقد إجارة على معصية وعقد الإجارة من شروطه أن يكون محل المنفعة، أو المنفعة مباحة، وإلا حرم والعقد باطل.
فتبين أن هذه العقود محرمة من عدة جهات:
١ - أن الواجب الإنكار عليها، وهذا العقد بخلافه.
٢ - أن الساكت عن المنكر ملعون، وهذا يعمل ما يحفظ ويقي محل العاصي، فهو أولى من الساكت بالإثم.
٣ - أنه معاون على الإثم.
стр. 352
٤ - هذا كله لو كان بلا ثمن. فإذا كان بأجرة، فهي إجارة على معصية والعقد باطل.
الصورة الخامسة عشر: حكم العمل في تحويلة المراقص والبارات.
وهو عقد إجارة على أن يقوم الموظف بتحويل مكالمات العملاء والرد على الاستعلامات مقابل أجر يسمي راتبًا.
وحقيقة هذا العمل هو تيسير الحجوزات في هذه الفنادق الداعرة والبارات.
والمراقص والملاهي، والرد على استعلامات العملاء، وما هذا شأنه فلا شك أنه عمل على تيسير المعصية، وإعلام الغير عنها، وإعانة مريد الحجز ونحو ذلك.
ومثله كسمسار ساع بين أطراف عقد الربا لتحديد الزمان والمكان. وما كان كذلك، فهو حرام.
الصورة السادسة عشر: حكم العمل مندوب جوازات لبنك ربوي
وفيها تفصيل:
فنقول: إن كان كمكتب تخليص خارجي، أو مؤسسة تتعامل مع من جاءها لتيسير سفره فنقول: هذا أجير مشترك والعمل به مباح؛ لأن أصل السفر مباح.
وكعمال البنك إن كانوا باسم البنك وجاؤوا إلى مندوب تخليص الجوازات لتخليص معاملاتهم فالأصل الجواز لهؤلاء ولغيرهم.
وهل يدخل في معاملة من أكثر ماله حرام ينظر فيه، ثم الفتوى في هذا عمومًا أن يقال: الأصل الإباحة، بل قد يكون قربة كمعاملة جوازات الذاهبين إلى الحج والعمرة ونحوها من الطاعات، ولو كان هؤلاء من عمال بنك ربوي، فهذا عقد إلى الطاعة، وهو مشروع.
стр. 353
وقد يكون حرامًا في حالة علم المندوب أن ذهابهم لمعصية، كإبرام اتفاقية ربا ونحو ذلك.
أما إن كان مندوبًا خاصًا، وهو موظف في البنك، فهو أجير خاص للبنك فيحرم سواء أخذ أجره من البنك أو لا.
لأنه ضمن مفردات مؤسسة الربا، فهو كالمكمل التحسيني والتسهيل المساعد فلا يجوز؛ لأن له مدخلًا في تيسير الحرام والإعانة عليه.
فهو يقوم بخدمة البنك بتيسير الإقامة والاستقدام لمن يعمل في الربا بالكتابة العادية، أو الحاسوبية، أو التوثيقية، أو الإدارة، أو الخبرة، فهذا كله خدمة للحرام وتيسير له وتعاون عليه.
الصورة السابعة عشر: موظف الحاسوب في البنك الربوي.
تقدم بالنص أن كاتب الربا ملعون، وهذا دليل على كون ذلك من المحرمات الشرعية.
ويقاس عليه اليوم: موظف الحاسوب المدخل للبيانات، وكذا المحاسب المالي، ويلحق به من باع برنامجه المحاسبي لمؤسسات وبنوك ربوية قائمة على هذا الأصل؛ لأن البرنامج هو وسيلة دقيقة تحسب الربا والفوائد وتحدد المستفيدين والعملاء والتواريخ ومستوى الحركة وكل هذا عمله أكثر بكثير من عمل الشاهدين؛ لأنه إثبات محاسبي عالي الدقة معتمد عند الرجوع إليه فكان في معنى الشهادة، أو أكثر.
وفي فتوى اللجنة الدائمة برقم م ١٥/ ٢٨ - ٢٩:
سئلت: عن حكم عمل الشخص محاسبًا في شركة، وهذه الشركة اقترضت قرضًا ربويا من أحد البنوك وكان من ضمن عمل المحاسب في هذه الشركة توثيق ذلك هذه خلاصة سؤاله.
فأفتوه: العمل في الشركة المذكورة التي تتعامل بالاقتراض من البنك
стр. 354
بالفائدة مع تسجيلك لها في دفاتر الشركة، لا يجوز؛ لأن ذلك من كتابة الربا، وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء)، وعليك بالبحث عن عمل آخر، وسوف ييسر الله أمرك إن شاء الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
يسر الله أمرك وأصلح حال الجميع، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة.
الصورة الثامنة عشر: موظفو البنك الربوي
وعلى ما تقدم من النصوص الدالة على تحريم المعاونة على المعصية فنرى في مسألة من يعمل في بنوك الربا في وظيفة غير المحاسبة والتوثيق والإدارة، كالمراسل، أو تحويلة التليفون، أو حارس للبنك، أو فراشه أنها شبهة وكل هذه الوظائف وسائل مساعدة ومعينة على عمل الحرام والعاملون فيها متفاوتون في الإثم.
أما عقود الصيانة لأماكن المعصية فلا نرى جوازها، أما من كانت المؤسسة الربوية، أو العمل لا يقوم إلا به كالمدراء، والمحاسبين، وصندوق الصرف وكل ما لابد منه لإتمام عقد الربا فهم سواء في الإثم قياسًا على الشاهدين والكاتب.
الصورة التاسعة عشر: الأعمال المساعدة لمؤسسة قائمة على المعصية المراقص والبارات والبنوك الربوية.
رأى بعض فقهاء عصرنا أن مما يدخل في هذه الأصول والقواعد: أن موظفي الحراسة، والمراسلة، والتحويلة والفراشة والصيانة معاونون على العمل المؤسسي حتى يدخل فيه (المقهوي) عامل القهوة الذي يقدم
стр. 355
للعملاء القهوة إكرامًا لهم، وهي من وسائل جذب العميل وتحسين صورة تعامل المؤسسة الربوية، أو أي مؤسسة قائمة على الحرام.
الصورة العشرون: الأعمال الدعائية للشركات
خدمات الدعاية والإعلان عن الربا، وكل معصية تعتبر شرعًا من التعاون على نشر الإثم والعدوان وانتهاك حرمات الله فلا يجوز لصحيفة، أو قناة تلفزيونية، أو إذاعة، أو موقع إلكتروني الإعلان عما حرم الله تعالى كالبنوك الربوية وفوائدها ومشاريعها الاستثمارية.
وكذا الإعلان عن المراقص، أو الخلاعة، أو إشهارها بملصقات، أو أي وسيلة دعائية، أو تسويقية، أو تصميم الموقع أو الإعلان.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]