← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولا شك أن عقود الصيانة للفنادق الممارسة للدعارة، والمراقص والملاهي تعتبر عملًا حافظا وواقيا لمحل المعصية من التلف فكان حرامًا. ثانيا: أن الشريعة طالبة لإزالة المنكر وتقليله وتعطيله والنهي عنه في نصوص كثيرة. كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٧٩، ٨٠]. ففي الآية الأولى: أن صفة الأمة الخيرة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي الأخرى: لعن من سكت على المعصية فكان الواجب الإنكار على هذه الأماكن لا صيانتها، وإذا كان اللعن للساكت عن النهي فاللعن لمعاون على المنكر أولى وإثمه أعظم. ثالثًا: إن عقد الصيانة لهذه الأماكن التي تعمل المحرمات عقد إجارة على معصية وعقد الإجارة من شروطه أن يكون محل المنفعة، أو المنفعة مباحة، وإلا حرم والعقد باطل. فتبين أن هذه العقود محرمة من عدة جهات: ١ - أن الواجب الإنكار عليها، وهذا العقد بخلافه. ٢ - أن الساكت عن المنكر ملعون، وهذا يعمل ما يحفظ ويقي محل العاصي، فهو أولى من الساكت بالإثم. ٣ - أنه معاون على الإثم.

стр. 352

٤ - هذا كله لو كان بلا ثمن. فإذا كان بأجرة، فهي إجارة على معصية والعقد باطل. الصورة الخامسة عشر: حكم العمل في تحويلة المراقص والبارات. وهو عقد إجارة على أن يقوم الموظف بتحويل مكالمات العملاء والرد على الاستعلامات مقابل أجر يسمي راتبًا. وحقيقة هذا العمل هو تيسير الحجوزات في هذه الفنادق الداعرة والبارات. والمراقص والملاهي، والرد على استعلامات العملاء، وما هذا شأنه فلا شك أنه عمل على تيسير المعصية، وإعلام الغير عنها، وإعانة مريد الحجز ونحو ذلك. ومثله كسمسار ساع بين أطراف عقد الربا لتحديد الزمان والمكان. وما كان كذلك، فهو حرام. الصورة السادسة عشر: حكم العمل مندوب جوازات لبنك ربوي وفيها تفصيل: فنقول: إن كان كمكتب تخليص خارجي، أو مؤسسة تتعامل مع من جاءها لتيسير سفره فنقول: هذا أجير مشترك والعمل به مباح؛ لأن أصل السفر مباح. وكعمال البنك إن كانوا باسم البنك وجاؤوا إلى مندوب تخليص الجوازات لتخليص معاملاتهم فالأصل الجواز لهؤلاء ولغيرهم. وهل يدخل في معاملة من أكثر ماله حرام ينظر فيه، ثم الفتوى في هذا عمومًا أن يقال: الأصل الإباحة، بل قد يكون قربة كمعاملة جوازات الذاهبين إلى الحج والعمرة ونحوها من الطاعات، ولو كان هؤلاء من عمال بنك ربوي، فهذا عقد إلى الطاعة، وهو مشروع.

стр. 353

وقد يكون حرامًا في حالة علم المندوب أن ذهابهم لمعصية، كإبرام اتفاقية ربا ونحو ذلك. أما إن كان مندوبًا خاصًا، وهو موظف في البنك، فهو أجير خاص للبنك فيحرم سواء أخذ أجره من البنك أو لا. لأنه ضمن مفردات مؤسسة الربا، فهو كالمكمل التحسيني والتسهيل المساعد فلا يجوز؛ لأن له مدخلًا في تيسير الحرام والإعانة عليه. فهو يقوم بخدمة البنك بتيسير الإقامة والاستقدام لمن يعمل في الربا بالكتابة العادية، أو الحاسوبية، أو التوثيقية، أو الإدارة، أو الخبرة، فهذا كله خدمة للحرام وتيسير له وتعاون عليه. الصورة السابعة عشر: موظف الحاسوب في البنك الربوي. تقدم بالنص أن كاتب الربا ملعون، وهذا دليل على كون ذلك من المحرمات الشرعية. ويقاس عليه اليوم: موظف الحاسوب المدخل للبيانات، وكذا المحاسب المالي، ويلحق به من باع برنامجه المحاسبي لمؤسسات وبنوك ربوية قائمة على هذا الأصل؛ لأن البرنامج هو وسيلة دقيقة تحسب الربا والفوائد وتحدد المستفيدين والعملاء والتواريخ ومستوى الحركة وكل هذا عمله أكثر بكثير من عمل الشاهدين؛ لأنه إثبات محاسبي عالي الدقة معتمد عند الرجوع إليه فكان في معنى الشهادة، أو أكثر. وفي فتوى اللجنة الدائمة برقم م ١٥/ ٢٨ - ٢٩: سئلت: عن حكم عمل الشخص محاسبًا في شركة، وهذه الشركة اقترضت قرضًا ربويا من أحد البنوك وكان من ضمن عمل المحاسب في هذه الشركة توثيق ذلك هذه خلاصة سؤاله. فأفتوه: العمل في الشركة المذكورة التي تتعامل بالاقتراض من البنك

стр. 354

بالفائدة مع تسجيلك لها في دفاتر الشركة، لا يجوز؛ لأن ذلك من كتابة الربا، وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء)، وعليك بالبحث عن عمل آخر، وسوف ييسر الله أمرك إن شاء الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. يسر الله أمرك وأصلح حال الجميع، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة. الصورة الثامنة عشر: موظفو البنك الربوي وعلى ما تقدم من النصوص الدالة على تحريم المعاونة على المعصية فنرى في مسألة من يعمل في بنوك الربا في وظيفة غير المحاسبة والتوثيق والإدارة، كالمراسل، أو تحويلة التليفون، أو حارس للبنك، أو فراشه أنها شبهة وكل هذه الوظائف وسائل مساعدة ومعينة على عمل الحرام والعاملون فيها متفاوتون في الإثم. أما عقود الصيانة لأماكن المعصية فلا نرى جوازها، أما من كانت المؤسسة الربوية، أو العمل لا يقوم إلا به كالمدراء، والمحاسبين، وصندوق الصرف وكل ما لابد منه لإتمام عقد الربا فهم سواء في الإثم قياسًا على الشاهدين والكاتب. الصورة التاسعة عشر: الأعمال المساعدة لمؤسسة قائمة على المعصية المراقص والبارات والبنوك الربوية. رأى بعض فقهاء عصرنا أن مما يدخل في هذه الأصول والقواعد: أن موظفي الحراسة، والمراسلة، والتحويلة والفراشة والصيانة معاونون على العمل المؤسسي حتى يدخل فيه (المقهوي) عامل القهوة الذي يقدم

стр. 355

للعملاء القهوة إكرامًا لهم، وهي من وسائل جذب العميل وتحسين صورة تعامل المؤسسة الربوية، أو أي مؤسسة قائمة على الحرام. الصورة العشرون: الأعمال الدعائية للشركات خدمات الدعاية والإعلان عن الربا، وكل معصية تعتبر شرعًا من التعاون على نشر الإثم والعدوان وانتهاك حرمات الله فلا يجوز لصحيفة، أو قناة تلفزيونية، أو إذاعة، أو موقع إلكتروني الإعلان عما حرم الله تعالى كالبنوك الربوية وفوائدها ومشاريعها الاستثمارية. وكذا الإعلان عن المراقص، أو الخلاعة، أو إشهارها بملصقات، أو أي وسيلة دعائية، أو تسويقية، أو تصميم الموقع أو الإعلان. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]

стр. 356

الباب الثالث القاعدة الكلية الكبرى: لا ضرر ولا ضرار و (الضرر يزال) القواعد المتعلقة بقاعدة الضرر يزال. ١ - الضرر لا يزال بمثله. ٢ - الضرر لا يكون قديما. ٣ - الضرورات تبيح المحظورات. ٤ - الضرورة تقدر بقدرها. ٥ - يتحمل الضرر الخاص لدفع العام. ٦ - الضرر الأشد يزال بالأخف. ٧ - يختار أهون الشرين.

стр. 357

الفصل الأول القاعدة الكلية الكبرى: لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال هذه القاعدة الكبرى هي إحدى القواعد الست التي تبنى عليها الشريعة. ويعبر عنها بالضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار. وهي قاعدة مجمع عليها، مستندها من الكتاب والسنة وأصلها الحديث الصحيح: (لا ضرر، ولا ضرار) (١) ونصوص كثيرة.

стр. 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 360

وهي أصل من أصول الإسلام الكبرى وقاعدة من قواعد الفقه الإجماعية، ومعنى مقصود شرعًا بلا نزاع، والأدلة عليه بالغة درجة القطع، فمنها ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (الطلاق: ٦)، ومنها ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: ٢٣١)، فجعل الإضرار اعتداء وفاعله ظالمًا لنفسه معتديا على حدود الله. ومنها ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ، ولا شَهِيدٌ، وإن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (البقرة: ٢٨٢) فجعل الإضرار فسقا. ومنها ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ (التوبة: ١٠٧) فالمسجد الذي بني ضرارا بالغير محرم. ومنه ﴿لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، ومنها ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٢). (١) وفروعها لا تكاد تنحصر في المسائل الفقهية والفتاوى والنوازل المعاصرة ويتعلق بها قواعد عديدة محل اتفاق بين العلماء. وسنتكلم عن هذه القاعدة ومسائلها في ثلاثة مباحث:

стр. 361

المبحث الأول: ما يتعلق بالتعريف والتأصيل والاستثمار الفقهي الفروعي المطلب الأول: المعنى والتأصيل أولا: التعريف. الضرر لغة ما يدخل على الأنفس والأموال والحياة عموما من نقص وشدة. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: كُلُّ مَا كَانَ سُوءَ حَالٍ وَفَقْرٍ وَشِدَّةٍ فِي بَدَنٍ، فهو ضُرٌّ بِالضَّمِّ وَمَا كَانَ ضِدَّ النَّفْعِ، فهو بِفَتْحِهَا وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] أَيْ الْمَرَضُ وَالِاسْمُ الضَّرَرُ، وقد أُطْلِقَ عَلَى نَقْصٍ يَدْخُلُ الْأَعْيَانَ (١). وهو في استعمال الفقهاء كذلك. ثانيا: معنى القاعدة وأصولها الاستدلالية. معنى القاعدة: الضرر يجب إزالته ودفعه على العموم في نفس، أو مال، أو عرض، أو دين كان خاصًا، أو كان عامًا، كان نفسيًا، أو ماديًا. هذا ما دلت عليه النصوص فمنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]. فالضرر هنا قد يكون نفسيًا، أو ماديًا.

стр. 362

ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا نهي للزوج والزوجة أن يضار أحد منهما الآخر بواسطة الولد. وقوله ﵊ (لا ضرر، ولا ضرار). وقد فسر الحديث علماء اللغة: الضرر، فعل واحد، والضرار فعل اثنين، وبه فسر الحديث: (لا ضرر، ولا ضرار) أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئًا من حقه، ولا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. وقيل: هما بمعنى، وتكرارهما للتأكيد (١). وعلة القاعدة: أن الضرر ظلم وبغي وعدوان فيحرم أن يفعله المسلم في نفسه، أو أن يلحقه بآخر مسلما كان، أو غير مسلم. لأن دفع الضرر عام يشمل كل إنسان، ولا يختص بالمسلم. وهذا يبين عظمة هذه الشريعة المباركة وإنسانيتها وحمايتها للمصالح البشرية وحمايتها الإنسان كإنسان أن يلحقه ضرر. فإن لحقه فقاعدتها وجوب إزالته، والوجوب هنا على المستطيع أن يدفعه. لذلك بين العلماء أن هذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى التي تقوم عليها الشريعة وتدخل في سائر أبواب الحياة (٢).

стр. 363

المطلب الثاني: الاستثمار الفقهي لدى المذاهب لهذه القاعدة أثر كبير في التفريع الفقهي في مختلف المذاهب الفقهية من ذلك: ١ - تجويز أنواع الخيارات، دفعًا للضرر في العقود فمن ذلك: خيار التعيين، وخيار الرؤية، وخيار النقد، وخيار الغبن، والتغرير، ورد المبيع بخيار الشرط، والحجر، والشفعة، وتضمين المال المتلف للمتلف، والإجبار على قسمة الأموال المشتركة. ٢ - ومن ذلك: الرد بالعيب والحجر بسائر أنواعه، والشفعة فإنها للشريك؛ لدفع ضرر القسمة، وللجار لدفع ضرر جار السوء. ٣ - ولدفع الضرر شرع القصاص والحدود، وضمان المتلفات والجبر على القسمة بشرطه؛ ونصب الأئمة والقضاة ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة (١).

стр. 364

المبحث الثاني: أثر القاعدة في فقه العصر لهذه القاعدة أثر كبير في المستجدات المعاصرة، فهذه القاعدة كثيرة الفروع، حتى قال المرداوي: وقد تقدم قريبا أن أبا داود قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث، منها: قوله ﷺ : "لا ضرر، ولا ضرار". وهذه القاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن نصفه، فإن الأحكام إما لجلب المنافع، أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي: حفظ الدين، والنفس، والنسب، والمال، والعرض، كما سبق ذلك وشرحه، وغير ذلك. وهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد، وتقريرها بدفع المفاسد، أو تخفيفها (١). فمن فروعها المعاصرة: ١ - يحرم إقامة مصنع للخمر في بلاد المسلمين، أو استيراده؛ لأنه من الضرر الفادح الذي حذر الله منه، قال ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقد بين الله سبحانه علة تحريمها فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]

стр. 365

٢ - لا يجوز الإذن للمواقع التي تشيع الفاحشة والرذيلة، والواجب حجبها من الشبكة دفعًا للفساد والضرر. ٣ - الإلزام بالوعود المتعلقة بالعقود؛ لأنها صارت من العقد فمن وعد البنك أن يشتري السلعة منهم بعقد مرابحة فلا يحق له الرجوع بعد أن اشتراها البنك لأجل وعده؛ لأن هذا من الضرر والشريعة جاءت لدفع الضرر. ٤ - لا يجوز وضع مواد حافظة وملونة في تصنيع الأغذية إن ثبت ضررها بقول الخبراء، ومن وضعها، فهو آثم وعلى الدولة أن تدفع هذه الضرر بالتفتيش، على ما يصنع داخل البلاد، وما يستورد من خارجها، ووضع معايير للصناعات الغذائية تتسق مع السلامة ودفع الضرر. ٥ - يجوز أخذ هامش الجدية، وهو مبلغ يأخذه البنك عند إبرام عقود المرابحة والإجارة يكون ضمانا للجدية، فإن نكل وتخلف، أخذ منه ما يقابل الضرر الفعلي الواقع على البنك جراء ذلك. ٦ - إلزام المدين المليء المماطل قضائيا وتعزيره لتسليم ما عليه دفعًا للضرر عن الغير، ويجوز تعزيره بإضافته للقائمة السوداء، وتعميم ذلك في البنوك. (١) ٧ - في قرار المجمع في الأضرار اللاحقة في حوادث المرور: «٢ - الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة السلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار سواء في البدن، أو المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر، ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:

стр. 366

أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان. ب- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير، أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية. ٣ - ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء … » (١) ٨ - لا يرهن من المال العام إلا لحفظ المال العام من جهة أخرى: كالمساهمة الاستثمارية الغالب عليها الربح، أو الاقتراض من جهة للمصلحة العامة الراجحة. ولا يرهن إلا ما يجوز رهنه مما لا ضرر فاحش في رهنه، فلا يرهن من الثروة القومية، أو السيادية شيء كآبار النفط، والغاز، ومناجم الذهب، ومنافذ البلاد بحرية وبرية ونحوها، فهذا ونحوه مما لا يجوز رهنه؛ لضرره البالغ على أهل الإسلام؛ فالتصرف حينئذ باطل (٢) ٩ - يحرم العبث بالخلقة البشرية والعبث الجيني والاستنساخ البشري لما فيه من ضرر جسيم على البشرية. ١٠ - يجوز الشرط الجزائي في كل العقود إلا في فيما ينشأ من ديون وعليه قرار المجمع (٣).

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 368

١١ - ومن الفروع جواز عمليات الجراحة التجميلية الحاجية التي فيها تعديل لتشوه ضرر يزال. ١٢ - تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة وتعليمهم وتوظيفهم إن استطاعوا من دفع الضرر عنهم.

стр. 369

١٣ - لا يجوز إدخال الوالدين، أو أحدهما دار العجزة؛ لأنه ضرر عظيم وعقوق جسيم. ١٤ - من دفع الضرر إن تعطل القضاء في الدولة نظرا لحرب، أو خلا منصب الرئيس بأي ظرف، فلا يجوز ترك أمور الناس بلا راع، بل يجب على العدول أن يقيموا من المؤهلين من يجري الأمور، والمصالح ويقضي بين الناس، وقد قرر المالكية والحنابلة والحنفية وكذلك الشافعية ذلك (١).

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 371

وعليه: أفتى جماعة من العلماء للأقليات المسلمة أنه يقوم فيها العلماء من رؤساء المراكز مقام الإمام والقاضي في حسم القضايا الاجتماعية، والمالية (١). ١٥ - من إزالة الضرر ما أجازه بعض أهل العلم من حق الفرقة لأحد الزوجين في حال أصيب الآخر بالإيدز، أو مرض خطير معد. فإن قيل الضرر لا يزال بالضرر؛ لأن في الفرقة ضرر بأحدهما فالجواب أن الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف ومن فروعها في الفقه الوظيفي. ١ - لا يجوز منع الموظف أثناء الدوام من أداء الصلاة لأنه ضرر عظيم في الدين (٢). ٢ - دفع الضرر عن الموظف بالعدل في رابته ومستحقاته، ومقدار الراتب يحدد بعدل، والعدل هنا ما يكفي حاجاته وضرورياته بتوسط، وهو عادة وشرعا ما وافق أمثاله في الوظيفة، فإن كان الراتب زهيدا لا يكفي ضرورياته وحاجياته، فإن هذا عقد بغبن فاحش، ولا يقال هو بالخيار؛ لأن الوظيفة العامة الغالب عليها الآن الاضطرار للقبول مع الضرورة

стр. 372

والضرر، وهذا ليس من العدل والإحسان والإكرام، ولا يجوز تأخير الرواتب عن وقتها؛ لأنه ضرر (١). ٣ - تعسير الوصول على الوزراء والمسؤولين والولاة ضرر فيزال، وقد جاء في الحديث اللذي أخرجه أبو داود عن ابن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدى أخبره قال دخلت على معاوية فقال ما أنعمنا بك أبا فلان. وهي كلمة تقولها العرب فقلت حديثا سمعته أخبرك به سمعت رسول الله ﷺ يقول «من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره». قال فجعل رجلا على حوائج الناس. (٢) قلت: هذا الحديث من الأحاديث السياسية، وهو حديث صحيح رجاله كلهم ثقات وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي شيخ أبي داود، وإن كان قيل فيه أنه صدوق، كما قال النسائي وابن حجر، فقد قال الدارقطني والذهبي والفسوي وابن معين وأبو داود أنه ثقة ٤ - ولاية الكافر، أو المرتد، أو الفاسد على بلاد المسلمين ضرر على الإسلام والأمة فحرمت وشرط الإسلام والعدالة للولاية. ومن فروعها في فقه الدولة: ١_ تحريم تزوير الانتخابات وتولية المفسدين وحصر الولايات في حزب، وأعمال الشغب، وتعديل الدستور لمصلحة حاكم، والإملاء الحزبي على أعضاء مجلس النواب والشعب؛ لأنه يؤدي إلى عدم التجرد للحق، وقد سبق في قسم المصالح والمفاسد الكثير.

стр. 373

٢ - ومنها: الاستبداد، وإدارة البلاد بالازمات، و الارتهان، والعطايا لشراء الذمم الفاسدة. ٣ - ومنها: عقود الامتياز التي تبرمها الدولة مع جهات أجنبية، أو داخلية للتنقيب عن النفط والمعادن يجب أن تكون قائمة على النظر المصلحي، ولا يجوز أن تؤجر إلا بثمن المثل العالمي على الأقل، وإلا، فهو ضرر مدفوع. ومن فروعها في فقه المؤسسة الأمنية والعسكرية: يحرم كشف مواقع التصنيع وأسراره، ومواقع المعسكرات، والاستراتيجيات العسكرية كخطط التدريب والعمل والتحرك. وأعظم حرمة منه السماح لفرق التفتيش الدولية عن الأسلحة الاستراتيجية بالدخول والكشف؛ فإنه من أعظم الطاعة للكافرين والموالاة والتمكين لهم والاستكانة والضعف لأهل الإسلام. والمراسلة لعدو المسلمين عن شأنهم وأسرارهم ولايةٌ محرمة بالنص ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [الممتحنة: ١]، وهذه الآية نزلت بسبب مراسلة تكشف أحد التحركات، فالتمكين لهم بالتفتيش أعظم تحريما وجرمًا. وهذا ما يسمى في علم الأصول بالقياس الأولوي، أو الأولى، أو في معنى الأصل. ويحرم الدخول في معاهدات تحضر التسلح الاستراتيجي على المسلمين خاصة (١) ومن فروعها في أحكام الشرطة والأمن: لا يجوز توجيه السلاح والتهديد به لورود النصوص الدالة على حرمة

стр. 374

الإشارة بالسلاح إلا دفعًا لمفسدة القتل، أو صائل، أو عدو رفع آلة قتل لاستخدامها، ولذلك منع من المرور بالسهام في السوق وأماكن الجمع لئلا يَعقِر بها أحدا، أو يؤذي. وتوجيه الرصاص الحي لمسالم غير ممتنع بسلاح شروع في قتل، فإن قتل، فهو عمد وعدوان، وسواء عند الخروج بأمر النيابة، أو الأمن، أو غيره، لطلب شخص من محله، أو أثناء المظاهرات. والضرب بالهراوات، أو الكهربائيات لمسالم غير ممتنع بسلاح محرم؛ لأنه عدوان ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة: ١٩٠)، وإيذاء ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٥٨)، ويضمن أي إتلاف في نفس، أو عضو (١). ومن فروعها في فقه الاعلام والفنون والترفيه: من الضرر التشهير الإعلامي بعرض أحد، أو السعي بالفتنة. واستعمال الرسم لإلحاق الضرر بالغير في دينه، كما حصل في الرسوم المسيئة. ولا يجوز استيراد ما رسم عليها شعارات كفرية، أو فواحش كالمثلية. كما لا يجوز نشر مقاطع الفيدو التي تنتهك الأعراض. ومن فروعها في فقه الطفولة: من ذلك تحصينه باللقاحات المضادة لأمراض العصر الفتاكة بالأطفال: من شلل، أو عاهة معيقة في سمعه، أو بصره، أو عقله، أو نفسه (٢).

стр. 375

الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقاعدة الضرر يزال يتعلق بقاعدة الضرر يزال جملة من القواعد التي تعتبر قواعد لهذه القاعدة، فهي تضبط كيفية إزالة الضرر وكيفية الموازنة بين الأضرار لتقدير الحكم المناسب حيال ذلك. وهذه القواعد هي: ١ - الضرر لا يزال بمثله. ٢ - الضرر لا يكون قديما. ٣ - الضرورات تبيح المحظورات. ٤ - الضرورة تقدر بقدرها. ٥ - يتحمل الضرر الخاص لدفع العام. ٦ - الضرر الأشد يزال بالأخف. ٧ - يختار أهون الشرين. وهذه الأخيرة والقاعدتان قبلها سبق الكلام عنها في تعارض المفاسد والمصالح، فلا معنى لإعادته.

стр. 376

المبحث الأول قاعدة: الضرر لا يزال بمثله المطلب الأول: محل القاعدة من القاعدة الكبرى والبناء الفقهي عليها هذه القاعدة مقيدة للقاعدة الكبرى، وهي إزالة الضرر فالعلاقة بينهما علاقة العام والخاص، أو هما سواء؛ لأن إزالة الضرر بالضرر ضرر. (١) فلا يجوز إزالة الضرر بمثله؛ لأنه عبث ولأن إحداث ضرر آخر ظلم وعدوان، وهو محرم. وكذلك لا يجوز أن يزيل الضرر بإلحاقه بأي شخص آخر. والقاعدة تشمل إزالة الضرر بالضرر المساوي، أو الأعلى. فلا يجوز للإنسان أن يحفظ نفسه بإتلاف غيره. أما أن يزال الضرر الأشد بارتكاب الضرر الأخف، فهذا من باب الترجيح والنظر، وقد تقدم في قاعدة تعارض المفاسد فتدفع الأدنى بالأعلى (٢).

стр. 377

وقد ذكر الفقهاء لها فروعا كثيرة منها: ١ - إذا امتنع الراهن عن الإنفاق على العين المرهونة، فإنه لا يجبر على الإنفاق؛ لأن الإنسان لا يجبر على الإنفاق على ملكه، ولكن الحاكم يأذن للمرتهن بالإنفاق عليها، ليكون ما ينفقه دينًا على الراهن؛ لأن حق المرتهن تعلق بمالية المرهون وحبس عينه، ولا يمكن ذلك بدون الإنفاق عليه لتبقى العين. ٢ - لا يحوز لمن أكره على القتل أن يقتل غيره، لأنه يدفع الضرر عن نفسه ويلحقه بالغير.

стр. 378

٣ - من أتلف مال الغير لدفع الضرر عن نفسه وجب عليه التعويض. ٤ - قال ابن تيمية: من استقرأ الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون إليها بلا ضرر يزيد على حاجة المسلمين وجبت فأما عند عدم الحاجة ومع حاجة رب المال المكافية لحاجة المعتاض فرب المال أولى؛ فإن الضرر لا يزال بالضرر والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين (١) المطلب الثاني: التطبيقات المعاصرة لقاعدة الضرر لا يزال بمثله ١ - من اشترى سيارة فحصل فيها عيب عند المشتري، ثم تبين له أن السيارة بها عيب قديم فلا يحق له ردها؛ لأن الضرر الحادث منع الرد بالضرر القديم؛ لأنه لا يزال الضرر بمثله، ولكن يجب أن يعوضه البائع عن الضرر القديم إلا إن رضي البائع بالرد فيجب أن يعوضه المشتري عن ما حدث عنده من ضرر في السيارة. ٢ - في حالة تضخم العملة لا يجوز أن يفرض على المدين أن يرد الدين بأكثر مما قبض، ولو نقصت قيمة العملة؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر. فلا يزال الضرر عن الدائن ويلحق بالمدين ولأن التضخم ضرر ناشيء لا من المدين، بل سبب عام قاهر لا يد له فيه. ٣ - جواز نقل الأعضاء والتبرع بها دفعًا للضر عن الغير بشرط ألا يؤدي إلى الضرر بالآخر (٢).

стр. 379

٤ - لا يجوز رتق غشاء البكارة في فاحشة الزنى؛ لأن رتقه إزالة للضرر عن المرأة، لكن فيه ضرر على الفرد وعلى المجتمع، وهو ذريعة إلى الفساد. ٥ - إضراب الأطباء لا يجوز إن أدى إلى تعطيل المستشفيات وإلحاق الضرر بالأنفس؛ والضرر لا يزال بالضرر. ٦ - من اللطائف الفقهية للشيخ المعلمي لما استنصحه أخوه في الانتقال من اندنوسيا إلى الهند حيث مقام الشيخ فقال: الأمور هنا مضطربة وتؤذن بانفجار شديد تصير به هذه البلدة مثل جهتكم أو أشد خطرًا، ومن القواعد الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر (١)

стр. 380

٧ - تحريم استئجار الأرحام لما فيه من الضرر، فدفع الضرر عن المرأة العقيم لا يكون باستئجار رحم أجنبي لما فيه من الأضرار الجسيمة في الأنساب. وهناك أضرارا كثيرة متعلقة بهذا منها أن ضرر المرأة المحرومة من الحمل يقابله ضرر المرأة التي تحمل وتلد، ثم لا تتمتع بثمرة حملها وولادتها وعنائها الذي أفصح عنه القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [سورة لقمان: ١٤]، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥] (١).

стр. 381

المبحث الثاني قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات المطلب الأول: معنى القاعدة ومستندها الضرورة هي: الاضطرار والإلجاء والمشقة والعنت المؤثر على النفس، أو العضو، أو المال. وهذه القاعدة من أصول التيسير في الشرع، وهي مندرجة في قاعدة لا ضرر، ولا ضرار والضرر يزال، قال المرداوي: ومما يدخل - أيضًا - في هذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها (١). ولكن يجب ألا يرتكب المحظور إلا بقدر الضرورة. كما سيأتي بعد قليل. ودليل هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ، فإن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]

стр. 382

ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] قال ابن الهمام: ولا شك أن في دفع الضرر عن نفسه دفع الحرج (١). وقد جعل تاج الدين السبكي في الاشباه قاعدة الضرورات هذه منتزعة من قاعدة الضرر يزال (٢). قال الزركشي في المنثور: جعل بعضهم المراتب خمسة ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول (٣). - فالضرورة: بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا، أو عريانا لمات، أو تلف منه عضو. وهذا يبيح تناول المحرم. - والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرم. - وأما المنفعة: فكالذي يشتهي خبز الحنطة ولحم الغنم، والطعام الدسم. - وأما الزينة: فكالمشتهي الحلو المتخذ من اللوز والسكر والثوب المنسوج من حرير وكتان. - وأما الفضول: فهو التوسع بأكل الحرام، أو الشبهة، كمن يريد استعمال أواني الذهب، أو شرب الخمر.

стр. 383

المطلب الثاني: تطبيقات على القاعدة ذكر الفقهاء من تطبيقات القاعد: (١) ١ - إباحة الميتة عند المخمصة وخشية التلف. ٢ - إباحة كلمة الكفر للمكره. ٣ - لو صال الصيد في الحرم على محرم بحج، أو عمرة فله أن يدفع عن نفسه، فإن قتل الصيد فلا ضمان عليه قال الزركشي معللا ذلك؛ لأنه بالصيال التحق بالمؤذيات. ٤ - إذا عم الحرام بلدا وندر الحلال جاز استعمال ما يحتاج، ولا يقتصر على الضرورة، لكن قال الإمام الجويني، ولا يتبسط فيه، كما يتبسط في الحلال، بل يقتصر على قدر الحاجة دون أكل الطيبات نقله عنه في المنثور. ٥ - ويجوز نبش قبر الميت إن دفن بلا غسل، أو لغير قبلة، أو في محل مغصوب، أو كفن في كفن مغصوب. وخالف الحنفية هنا؛ لأن المفسدة المترتبة على النبش أكبر. قال ابن نجيم: لو دفن بلا تكفين لا ينبش منه؛ لأن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه الذي قام الستر بالتراب مقامه. وكذا قالوا: لو دفن بلا غسل وأهيل عليه التراب؛ صلي على قبره، ولا يخرج (٢)

стр. 384

٦ - إذا عمت البلوى بالنجاسات في الشوارع ارتفع حكمها عند الاضطرار. المطلب الثالث: التطبيقات المعاصرة ١ - جواز التعامل بالعملات المشفرة الرقمية عند الضرورة، كما هو الحال في البلدان المحاصرة وبهذا أصدرنا فتوى لجنتنا (لجنة الاجتهاد والفتوى للاتحاد العالمي) (١).

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 387

٢ - فتوى الدار المصرية في جواز استعمال الهيبارين لمرضى السرطان، ولو كان مستخلصا من الخنزير عند الضرورة وعدم البديل. وهذه نصها: العلاج بمادة الهيبارين المستخلصة من الخنزير: السؤال: يعاني ابني من حالة سرطان في الدم، ويقتضي علاجه أن يحقن بمادة الهيبارين مرتين على الأقل في اليوم، بالإضافة إلى الأدوية الأخرى، ونقل الدم، ونحن نعيش في اليابان؛ حيث إن الطريقة الوحيدة للحصول على الهيبارين هي من خلال الخنزير، كما أن الدم يتم نقله من المتبرعين اليابانيين. هل ذلك حلال أم لا؟ وإذا لم يكن حلالا، فما هو البديل؟ الجواب: أولا: نقل الدم من غير مسلم إلى مسلم وبالعكس جائز لا حرج فيه؛ لأنه من باب التداوي، والتداوي مشروع بما رواه أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك ﵁ قال: أتيت النبي ﵌ وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: (تداووا؛، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم) والهرم: الكبر؛، فهذا الحديث جاء فيه الحث على التداوي مطلقا غير مقيد بقيد، والقاعدة أن: (المطلق يجري على إطلاقه، حتى يرد ما يقيده). قال الإمام الخطابي: «في هذا الحديث إثبات الطب والعلاج، وإن التداوي مباح غير مكروه» اه. (١) ثانيا: إذا كانت مادة «الهيبارين» المستخلصة من الخنزير قد استحالت

стр. 388

إلى مادة أخرى بالمعالجة الكيميائية، أو بغيرها، فلا مانع من استخدامها في الحقن؛ لأنها حينئذ تكون قد استحالت من طبيعتها الخنزيرية إلى طبيعة أخرى جديدة، والاستحالة أحد وسائل طهارة الأعيان النجسة؛ وأصل ذلك ما تقرر من أن الخمر إذا تخللت بنفسها طهرت، وقيس عليها غيرها. (١) أما إذا كانت هذه المادة، كما هي لم تتغير، فإن جواز استخدامها مرتبط بعدم وجود بديل متوافر لها، فإن لم يوجد لها بديل طبي، أو وجد، ولكنه لم يتوافر لديكم فلا مانع من استخدامها؛ لأن (الضرورات تبيح المحظورات)، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [البقرة: ١٧٣]، وينبغي التنبه إلى أن (الضرورة تقدر بقدرها)، فلا يزيد على ما تندفع به الضرورة؛ لأن الضرورة أصل لإباحة المحظور، فإذا زال الأصل زال الفرع، وعاد المحظور غير مباح، فلو لم يجد المريض بدا من تناول الدواء المشتمل على مادة «الهيبارين» المستخلصة من الخنزير فله ذلك بقدر ما يدفع عنه المرض، لا يزيد عليه. والله أعلم. (٢) ٣ - عملية إزالة الرحم للضرورة التي يقدرها الأطباء. وهي التي تهدد حياة الأم. ٤ - الإيداع في البنوك الربوية إن لم يجد غيرها ويكون على الحساب الجاري. ٥ - التحويل عبر المصارف الربوية إن لم يجد غيرها.

стр. 389

٦ - اللجوء إلى المنظمات الدولية والمحاكم الدولية لاستخراج الحق إن لم يجد من يأخذ حقه من المحاكم الإسلامية. ٧ - قد مر في باب المفاسد، والمصالح الفروع الكثيرة التي هي كذلك من فروع هذه القاعدة وسيأتي المزيد من الوقائع المعاصرة في القاعدة التالية التي تعتبر كالقيد لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. ٨ - عمل مراقب على الأفلام لحذف المشاهد المخلة، يترتب عليه ضرر شخصي ويدفع به ضرر عام فما حكمه؟ عرض على اللجنة (الكويتية للإفتاء) الاستفتاء المقدَّم من السيد/ خالد، ونصُّه: ما هو الحكم الشرعي في العمل التالي: رجل انتدب للعمل في مراقبة برامج التلفزيون وما يبث فيه؛، حتى يقوم بتنقية ما يمكن أن يعرض من أفلام ولقطات مخلة بالآداب، وهذا العمل يضطره إلى النظر إلى كل ما هو محرم، حتى يتمكن من الحذف والتنقية لتخرج البرامج صالحة للجمهور، مع ملاحظة إمكانية تضرره من تلك المشاهدات، ولكنه ضحى للمصلحة العامة، وجزاكم الله خيرًا. أجابت اللجنة بما يلي: ما دام في مراقبة برامج التلفزيون مصلحة عامة، وكان المنتدب لها مسلمًا عادلًا، ويغلب على ظنِّه أنه سيؤخذ بقوله، ويظن أنه لن يتأثر، أو يتضرر من القيام بعمله هذا فلا مانع من قيامه بهذا العمل؛ بشرط أن لا يزيد في الاطّلاع على قدر الضرورة، أو الحاجة، وإن يقصد بذلك تلبية المصلحة دون الشهوة والمتعة؛، للقواعد الكلية: (الضرورات تبيح المحظورات)، و (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة، أو خاصة)،

стр. 390

و (الضرورات تقدر بقدرها)، و (الضرر يدفع بقدر الإمكان) و (الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف)، فإن خاف على نفسه الضرر، أو أن يقصد المتعة واللذة، أو ظن أن مراقبته لن يؤخذ بها؛ فلا يجوز له القيام بها، وعليه أن يتخلى عنها لمن يستطيعها، والله أعلم. [١٠/ ٣٨٣/ ٤٥٣٨] (١).
следующие страницы →