← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 387

٢ - فتوى الدار المصرية في جواز استعمال الهيبارين لمرضى السرطان، ولو كان مستخلصا من الخنزير عند الضرورة وعدم البديل. وهذه نصها: العلاج بمادة الهيبارين المستخلصة من الخنزير: السؤال: يعاني ابني من حالة سرطان في الدم، ويقتضي علاجه أن يحقن بمادة الهيبارين مرتين على الأقل في اليوم، بالإضافة إلى الأدوية الأخرى، ونقل الدم، ونحن نعيش في اليابان؛ حيث إن الطريقة الوحيدة للحصول على الهيبارين هي من خلال الخنزير، كما أن الدم يتم نقله من المتبرعين اليابانيين. هل ذلك حلال أم لا؟ وإذا لم يكن حلالا، فما هو البديل؟ الجواب: أولا: نقل الدم من غير مسلم إلى مسلم وبالعكس جائز لا حرج فيه؛ لأنه من باب التداوي، والتداوي مشروع بما رواه أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك ﵁ قال: أتيت النبي ﵌ وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: (تداووا؛، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم) والهرم: الكبر؛، فهذا الحديث جاء فيه الحث على التداوي مطلقا غير مقيد بقيد، والقاعدة أن: (المطلق يجري على إطلاقه، حتى يرد ما يقيده). قال الإمام الخطابي: «في هذا الحديث إثبات الطب والعلاج، وإن التداوي مباح غير مكروه» اه. (١) ثانيا: إذا كانت مادة «الهيبارين» المستخلصة من الخنزير قد استحالت

стр. 388

إلى مادة أخرى بالمعالجة الكيميائية، أو بغيرها، فلا مانع من استخدامها في الحقن؛ لأنها حينئذ تكون قد استحالت من طبيعتها الخنزيرية إلى طبيعة أخرى جديدة، والاستحالة أحد وسائل طهارة الأعيان النجسة؛ وأصل ذلك ما تقرر من أن الخمر إذا تخللت بنفسها طهرت، وقيس عليها غيرها. (١) أما إذا كانت هذه المادة، كما هي لم تتغير، فإن جواز استخدامها مرتبط بعدم وجود بديل متوافر لها، فإن لم يوجد لها بديل طبي، أو وجد، ولكنه لم يتوافر لديكم فلا مانع من استخدامها؛ لأن (الضرورات تبيح المحظورات)، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [البقرة: ١٧٣]، وينبغي التنبه إلى أن (الضرورة تقدر بقدرها)، فلا يزيد على ما تندفع به الضرورة؛ لأن الضرورة أصل لإباحة المحظور، فإذا زال الأصل زال الفرع، وعاد المحظور غير مباح، فلو لم يجد المريض بدا من تناول الدواء المشتمل على مادة «الهيبارين» المستخلصة من الخنزير فله ذلك بقدر ما يدفع عنه المرض، لا يزيد عليه. والله أعلم. (٢) ٣ - عملية إزالة الرحم للضرورة التي يقدرها الأطباء. وهي التي تهدد حياة الأم. ٤ - الإيداع في البنوك الربوية إن لم يجد غيرها ويكون على الحساب الجاري. ٥ - التحويل عبر المصارف الربوية إن لم يجد غيرها.

стр. 389

٦ - اللجوء إلى المنظمات الدولية والمحاكم الدولية لاستخراج الحق إن لم يجد من يأخذ حقه من المحاكم الإسلامية. ٧ - قد مر في باب المفاسد، والمصالح الفروع الكثيرة التي هي كذلك من فروع هذه القاعدة وسيأتي المزيد من الوقائع المعاصرة في القاعدة التالية التي تعتبر كالقيد لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. ٨ - عمل مراقب على الأفلام لحذف المشاهد المخلة، يترتب عليه ضرر شخصي ويدفع به ضرر عام فما حكمه؟ عرض على اللجنة (الكويتية للإفتاء) الاستفتاء المقدَّم من السيد/ خالد، ونصُّه: ما هو الحكم الشرعي في العمل التالي: رجل انتدب للعمل في مراقبة برامج التلفزيون وما يبث فيه؛، حتى يقوم بتنقية ما يمكن أن يعرض من أفلام ولقطات مخلة بالآداب، وهذا العمل يضطره إلى النظر إلى كل ما هو محرم، حتى يتمكن من الحذف والتنقية لتخرج البرامج صالحة للجمهور، مع ملاحظة إمكانية تضرره من تلك المشاهدات، ولكنه ضحى للمصلحة العامة، وجزاكم الله خيرًا. أجابت اللجنة بما يلي: ما دام في مراقبة برامج التلفزيون مصلحة عامة، وكان المنتدب لها مسلمًا عادلًا، ويغلب على ظنِّه أنه سيؤخذ بقوله، ويظن أنه لن يتأثر، أو يتضرر من القيام بعمله هذا فلا مانع من قيامه بهذا العمل؛ بشرط أن لا يزيد في الاطّلاع على قدر الضرورة، أو الحاجة، وإن يقصد بذلك تلبية المصلحة دون الشهوة والمتعة؛، للقواعد الكلية: (الضرورات تبيح المحظورات)، و (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة، أو خاصة)،

стр. 390

و (الضرورات تقدر بقدرها)، و (الضرر يدفع بقدر الإمكان) و (الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف)، فإن خاف على نفسه الضرر، أو أن يقصد المتعة واللذة، أو ظن أن مراقبته لن يؤخذ بها؛ فلا يجوز له القيام بها، وعليه أن يتخلى عنها لمن يستطيعها، والله أعلم. [١٠/ ٣٨٣/ ٤٥٣٨] (١).

стр. 391

المبحث الثالث قاعدة: الضرر لا يكون قديما المطلب الأول: معنى القاعدة ودليلها وثمرتها الفقهية التطبيقية معنى القاعدة: أن الضرر لا يسقط حكمه بالتقادم، بل يجب إزالته، وهذه القاعدة تقابلها قاعدة أخرى في المباحات وهي: القديم يترك على قدمه (١). أما دليلها، فهو نفسه دليل القاعدة الكبرى، وهي الضرر يزال، فإن إطلاق الأدلة يدل على رفع الضرر القديم والجديد بلا تفصيل. وقد استثمرها الفقهاء كثيرا في الفروع فمن ذلك: ١ - حق المجرى إن كان قديمًا في أرض الغير يترك على حاله، عملًا بقاعدة: «القديم يترك على قدمه»، ولا يُزال، إلا إذا كان فيه ضرر على صاحب الأرض، عملًا بقاعدة: «الضرر لا يكون قديمًا». وإن أريد إحداث مجرى جديد: فإن كان في طريق عام، أنشئ بإذن السلطة، لمنع الضرر وتحقيق المصلحة العامة (٢) ٢ - لو كان لدار أحدٍ ميزاب على دار غيره، أو كان لداره مسيل ماء، أو مجار في أرض الغير، أو كان له ممر إلى داره مثلًا في أرض الغير،

стр. 392

أو كان بعض غرف بيته راكبة على جدران جاره من القديم، ولا يعرف أحد من الحاضرين مبدأه فيزال إن تسبب بالضرر (١). المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة ١ - احتلال الأراضي الفلسطينية، أو غيرها لا يسقط بالتقادم مهما تطاول الزمن، بل يجب دفع الاحتلال وإزالته، فإن الضرر يزال قديمًا أو حديثًا، فكيف بضرر الاحتلال، فهو من أشد الأضرار وأخطرها. ٢ - ومن الاضرار تقسيم بلاد المسلمين إلى دول متعددة، وهو ضرر يزال بوحدة المسلمين فمهما تقادم، فإن على المسلمين إيجاد صيغة مناسبة لاجتماع كلمتهم .. ٣ - إذا عقدت الدولة عقودا استثمارية فيها ضرر على المال العام قبل عقود طويلة فتزال؛ لأن الضرر لا يكون قديمًا. ٤ - التعسف في استعمال السلطة الإدارية مع الموظف الذي أدى للإضرار به يجب إزالته، ولو تقادم. ٥ - المشاركة في المعاهدات الدولية الضارة بالمسلمين باطلة يجب إزالتها مهما تقادمت. ٦ - تقادم قانون تغيير الميراث، أو العقوبات المقدرة شرعا، أو القوانين المضرة بالملكية، كما حصل في بعض الدول من التأميم، وقوانين

стр. 393

تجريم التعدد، وإباحة البغاء، وقوانين فاحشة المثلية، كلها قوانين يجب إزالتها؛ لأنها ضرر، وهو يزال ولو كان قديما. ٧ - إذا نص في مادة دستورية أنها لا تقبل التعديل وحصل بها ضرر في الدين، أو النفس، أو المال، أو خالفت قواطع الشرع فإنها تعدل؛ لأنه ضرر يزال، ولا يعتبر قدمها مبررا لبقائها؛ لأن ظروف وضعها في مرحلة استضعاف، أو إكراه ملجي لا ينسحب على غيره من الظروف العادية.

стр. 394

الفصل الثالث: الضرورات تقدر بقدرها، وقوانينها الحاكمة واستثمارها التنزيلي • المبحث الأول: الضرورة تقدر بقدرها سؤال الماهية والضبط. • المبحث الثاني: قانون استعمال قاعدة الضرورات تقدر بقدرها. • المبحث الثالث: الاستثمار التنزيلي المعاصر للقاعدة. الكلام على هذه القاعدة الهامة سأجعله في ثلاثة مباحث. أذكه فيها ماهيتها وضوبطها وأدلتها ومتى تلحق بها قاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة وماهي استثماراتها المعاصرة.

стр. 395

المبحث الأول: الضرورة تقدر بقدرها سؤال الماهية والضبط المطلب الأول: سؤال الماهية الضرورة لغة: هي الاضطرار إلى الشيء، والاحتياج الشديد (١). الضرورة اصطلاحا: الاضطرار والإلجاء والمشقة والعنت المؤثر على النفس، أو العضو، أو المال. قال الجرجاني: «الضرورة: مشتقة من الضرر، وهو النازل مما لا مدفع له» (٢). وقد جعل تاج الدين السبكي -في الأشباه- قاعدة الضرورات هذه منتزعة من قاعدة الضرر يزال (٣). وقد قسم العلماء المراتب حسب الضرورات وما يليها من مراتب نزولا إلى خمس (٤): ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول. فالضرورة: بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب

стр. 396

كالمضطر للأكل، واللبس؛ بحيث لو بقي جائعًا، أو عريانا لمات، أو تلف منه عضو. وهذا يبيح تناول المحرم. والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرم. وأما المنفعة: فكالذي يشتهي خبز الحنطة ولحم الغنم، والطعام الدسم. وأما الزينة: فكالمشتهي الحلو المتخذ من اللوز والسكر والثوب المنسوج من حرير وكتان. وأما الفضول: فهو التوسع بأكل الحرام، أو الشبهة، كمن يريد استعمال أواني الذهب، أو شرب الخمر. وقاعدة الضرورة تقدر بقدرها قاعدة تقييدية لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. والمعنى أن الضرورات، ولو أبيحت لدفعها المحظورات، لكنها مقيدة بقدر ما تندفع الضرورة؛ لأن العلة المبيحة هي وجود الضرورة، فلما رفعت هذه العلة رفع حكمها. وكذلك توضح القاعدة أن تناول المحظور، أو فعله يكون بقدر الضرورة فقط، وفي محلها لا يتجاوز فوق ذلك؛ لأن العلة رخصت في محل معين. لذلك فكشف العورة للطبيب يكون بقدر المعاينة الضرورية فقط، ولا يتجاوز. فهذه القاعدة قيد هام جدا لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات.

стр. 397

فإن الإباحة تكون في حد معين وقدر معين وزمن معين، لا يتجاوز ذلك. وهذه القاعدة تتداخل أدلتها مع قاعدة التيسير، فهي فرع من فروعها ومع قاعدة الضرر، فهي قيد لها. المطلب الثاني: مستندات القاعدة قاعدة الضرورة تقدر بقدرها من أصول التيسير في الشرع، وهي مندرجة في قاعدة "المشقة تجلب التيسير"، وقاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع"، لكن في باب معين، ووضع معين، هو باب الضرورات. وهي ضابطة ومقيدة للقاعدة الأصل الضرورات تبيح المحظورات. فلا يرتكب المحظور إلا بقدر الضرورة. ومن الأدلة الدالة قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] قال ابن الهمام: "ولا شك أن في دفع الضرر عن نفسه دفع الحرج" (١). ومن الأدلة على الإذن في المحظور عند الضرر: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ، فإن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾:

стр. 398

قال المراغي: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي فمن ألجئ إلى أكل شيء مما حرم الله، بأن لم يجد غيره وخاف على نفسه الهلاك إن لم يأكل منه، ولم يكن راغبًا فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة فلا إثم عليه؛ لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعًا أشد ضررًا من أكل الميتة، أو الدم، بل الضرر في ترك الأكل محقق، وهو في فعله مظنون، كما أن من أكل مما أُهلَّ به لغير الله مضطرًا، لم يقصد إجازة عمل الوثنية، ولا استحسانه، وإنما ذكر قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ﴾؛ لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا وكل إليهم تحديده، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهواته إلى ما وراء حد الضرورة» (١). وقد اتفق الفقهاء على هذه القاعدة في مختلف المذاهب بحسب تتبعي واستقرائي، ولذلك اتفقوا أنه يجوز له أن يأكل من الميتة ما يسد به الرمق ويدفع به الموت. وهل له أن يتزود منها؟ إن نظرنا إلى أن الضرورة في حالته يمكن أن تتكرر فيجوز له التزود منها، فإن حصل عليه ضرورة أكل ما يسد رمقه. والتزود مجرد حمل، وهو غير الأكل، والعجب من ورود الخلاف في جواز الحمل بحجة أن الضرورة اندفعت، وهذا ليس من الضرورة!. فالجواب حملها ليس أكلًا، فليس بحرام إنما حرم أكلها، كما في نص الحديث؛ ولذلك فنظر المالكية في جواز التزود أرجح وأدق من غيرهم من المانعين (٢).

стр. 399

ومذهب الحنفية، والشافعية في الأصح، والحنابلة في الأظهر، وأحد قولي المالكية في منع الشبع، أرجح من غيره؛ لأن الضرورة اندفعت. ويشهد لهذا القاعدة الكثير من نصوص القرآن والسنة، فمن ذلك تحريم العدوان إلا لضرورة الدفع، فإن اندفعوا وانتهوا فلا عدوان. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، ولا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، والقتال ضرورة استثنائية فلما انتهت الضرورة منع القتال .. ولذلك قال سبحانه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ولما كانت الضرورات تقدر بقدرها حرم في القتال قتل النساء والأطفال والمسالمين غير المقاتلين من المدنين (١). ومن أدلة الباب، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، فأجاز المعاقبة بالمثل بدون زيادة. مع أن معاقبة الغير عدوان، لكنه جاز ضرورة فلا يزاد على الردع والمجازة، وهكذا شرعت الحدود والعقوبات. ومن أدلتها في السنة: حديث أنس ﵁ قال: «لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب، وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان

стр. 400

فتفرغانها في أفواه القوم» وفي رواية قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى» (١). فجاز معالجة المرأة الرجل الأجنبي لموضع الضرورة، وتكون بقدرها، كما نص العلماء (٢). المطلب الثالث: قانون إلحاق الحاجة بالضرورات الحاجة في اللغة: الافتقار والقصور عن المطلوب (٣). الحاجة في العرف الفقهي هي: عرفها الشاطبي بأنها: «مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين- على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة» (٤). وهي في علم الأصول من العلل المناسبة لبناء الأحكام، وهي المعروفة بمسلك المناسبة وتأتي في الدرجة الثانية بعد الضروريات (٥).

стр. 401

وقد نشأت هذه القاعدة عن تتبع فروع الشرع في كثير من المسائل فأورث ذلك ظنًا راجحًا أن الشرع ينزل الحاجة منزلة الضرورات. ومثل لذلك السيوطي: «مشروعية الإجارة، والجعالة، والحوالة، ونحوها، جوزت على خلاف القياس لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة، وفي الثانية من الجهالة، وفي الثالثة من بيع الدين بالدين لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة» (١). ومنها: ضمان الدرك، جوز على خلاف القياس إذ البائع إذا باع ملك نفسه، ليس ما أخذه من الثمن دينًا عليه، حتى يضمن، لكن لاحتياج الناس إلى معاملة من لا يعرفونه، ولا يؤمن خروج المبيع مستحقًا. ومنها: مسألة الصلح وإباحة النظر، للمعاملة، ونحوها، وغير ذلك. ومن الثانية: تضبيب الإناء بالفضة: يجوز للحاجة، ولا يعتبر العجز عن غير الفضة؛ لأنه يبيح أصل الإناء من النقدين قطعًا؛، بل المراد الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التزيين: كإصلاح موضع الكسر والشد والتوثق. ومنها: الأكل من الغنيمة في دار الحرب، جائز للحاجة، ولا يشترط للآكل أن لا يكون معه غيره (٢). «من الأدلة القياسية على طهارة الشعر بالدباغ تبعا للجلد القياس على دن الخمر إذا صارت خلا، فإنه يطهر تبعا لها، فإن اعترض معترض بأن ذاك من محل الضرورة، قلنا: وهذا من محل الحاجة، وقد نص الفقهاء في قواعدهم على أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة» (٣).

стр. 402

ولهذا: جوزت الإجارة على خلاف القياس للحاجة وكذا قلنا لا تجوز إجارة بيت بمنافع بيت لاتحاد جنس المنفعة فلا حاجة بخلاف ما إذا اختلف، ومنها: ضمان الدرك جوز على خلاف القياس. ومن ذلك: جواز السلم على خلاف القياس؛ لكونه بيع المعدوم دفعًا لحاجة المفاليس، ومنها جواز الاستصناع للحاجة، ودخول الحمام مع جهالة مكثه فيها وما يستعمله من مائها، وشربة السقاء، ومنها الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى، وهكذا بمصر، وقد سموه بيع الأمانة، والشافعية يسمونه الرهن المعاد، وهكذا سماه به في الملتقط، وقد ذكرناه في شرح الكنز من باب خيار الشرط، وفي القنية والبغية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح» (١) وقد تكلم الشيخ الزرقا كلاما مفيدا حاصله أنه قد جوز بيع السلم وبيع الاستصناع للاحتياج والضرورة العمومية؛ وكذلك جوزت أيضًا إجارة الاغتسال في الحمام وكذلك وجود خيار التعيين بالمبيع يجعل المبيع مجهولا، ولكن قد جوز هذا المبيع بناء على الاحتياج إليه؛ لأن بعض الناس لا يمكنه أن يشتري شيئًا بدون سؤال واستشارة العارفين. وهناك فارق هام نبه عليه الشيخ الزرقا، وهو أن بين الحاجة والضرورة أن الضرورة لا تدوم؛ لأنها تقدر بقدرها بخلاف الحاجة، فهي مستمرة كعقود السلم مثلًا والضرورة في الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه. والحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرا، أو تسهيلا لأجل الحصول

стр. 403

على المقصود، فهي دون الضرورة من هذه الجهة، وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرا، والثابت للضرورة موقتا. ثم إنما يضاف تجويز الحكم إلى الحاجة فيما يظهر إذا كان تجويزه مخالفا للقياس، وإلا كانت إضافته للقياس أولى والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوزه، أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منهما ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به وجعل ما ورد في نظيره واردا فيه. (١) قال الجويني «الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في [حق] آحاد الأشخاص والبيع يلتحق بقاعدة الضرورة من جهة مسيس الحاجة إلى تبادل العروض والعروض لا تعني لأعيانها وإنما تراد لمنافعها ومتعلق تصرفات الخلق في الأعيان محال منافعهم منها» (٢) «ولسنا ننكر أن الإجارة من حيث وردت عدى منافعَ لم تخلق [بعدُ] مائلةٌ عن القياس بعض الميل، ولكنها مسوغةٌ لعموم الحاجة، وقد ذكرنا في مواضعَ أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، ثم ما ثبت أصله بالحاجة، لم يتوقف إثباته وتصحيحه في حق الآحاد على قيام الحاجة، حتى يقال: الإجارة تنعقد في حق من لا مسكن له، وهو محتاج إلى المسكن، ولا تنعقد في حق من يملك المساكن، بل يُعمم [في حكم] التجويز الكافة» (٣) وقال الزركشي: «[الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس]

стр. 404

الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس كررها إمام الحرمين في مواضع من البرهان» (١). وفي الأم للشافعي: وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات من خوف تلف النفس فأما غير ذلك فلا أعلمه يحل لحاجة والحاجة فيه وغير الحاجة سواء (٢). ولو أجدب أهل بلد وهلكت مواشيهم، حتى يخاف تلفهم وأهل بلد آخر مخصبون لا يخاف عليهم لم يجز نقل صدقاتهم عن جيرتهم، حتى يستغنوا فلا ينقل شيء جعل لقوم إلى غيرهم أحوج منهم؛ لأن الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره (٣). فنحن نلاحظ هنا أن الفقهاء ألحقوا الحاجة بالضرورة فيما تعلق بالضرورات مباشرة. فالحاجات إن أدى فيها الخلل إلى خلل في الضروريات أخذت حكمها أما غير ذلك فتبقى في مرتبتها.

стр. 405

المبحث الثاني: قانون استعمال قاعدة الضرورات تقدر بقدرها هناك ضوابط حاكمة لهذه القاعدة، حتى لا يتحول الاجتهاد إلى رأي زئبقي لا تضبطه أصول، ولا حدود. ومن أهم ضوابط هذه القاعدة: ١ - أن تقدر الضرورة بقدرها من حيث الرتبة في الموازنة بين قدر الضرر وقدر الحرام الممنوع، فلا يجوز الإقدام على الممنوع شرعًا، حتى تكون الضرورة المراد دفعها أكبر من المحرم. أما لو كانت الضرورة أقل، أو لم كانت في مرتبة الحاجيات، أو التحسينيات فيحرم الإقدام على الحرام. ولهذا قرر الأصوليون في التعليل بالمناسب المصلحي أنه لو عارضه مفسدة راجعة، أو مساوية أبطلته؛ لأن المفسدة الكبرى إن ارتكبت لدفع مفسدة أصغر، أو مصلحة أقل لم تكن هناك ضرورة (١). فلو كشفت المرأة عورتها المغلظة للكوافيرة لغرض الحلاقة مثلًا كان هذا محرمًا مقطوعًا به؛ لأن الإقدام على المحظور إنما يكون لحماية الضرورات الكبرى ومكملاتها، وحلق العانة في أدنى المراتب، وهي التحسينات. ولكن لو أرادت تركيب لولب لمنع الحمل مؤقتا، فهذه مسألة

стр. 406

تحتاج إلى نظر في جزئياتها من كل جهة، فاللولب مثلًا: هل هو في محل الاضطرار؛ لأن من النساء من تفعل ذلك لمجرد الحفاظ على الرشاقة؟ فيكون كشف العورة، أو لمسها من الطبيبة محرم. أما لو كانت مضطرة لذلك لمرضها الذي لا تتحمل معه تتابع الولادات بتقرير من طبيب خبير، فهذا رعاية للنفس فيجوز. ٢ - أن تقدر الضرورة بقدرها تحققا فلا تجوز إلا أن تكون الضرورة محققه، أو غالبة الظن لا موهومة. ٣ - أن تقدر الضرورة بقدرها زمانًا؛ لأن الضرورات لها زمن معين وليست دائمة، وهذا هو الفرق بين الضرورات والحاجات. ومثاله: أن الأكل من الميتة للمضطر إنما يكون حال الاضطرار بلا تماد، وهكذا تكشف العورات أثناء العمليات فقط، ولا يستمر ذلك إلا بقدر المعاينة للجرح. ومن أمثلته: ضرورة الحجر في وباء كورونا كانت مؤقتة. ٤ - أن تقدر الضرورة بقدرها محلًا. ومن أمثلتها: ما كان لا بد منه في ضبط مقدار الضرورة، فهو جائز، مثل قدر الاستمساك في مسألة الجبيرة، فلو زادت الجبيرة على المقدار الضروري للاستمساك حرم وبطل وضوؤه؛ لأنه ترك جزءًا من محل الوضوء (١). ٥ - أن تقدر الضرورة بقدرها من جهة العموم والخصوص، فإن الضرورة النازلة بالشخص إذا تعارضت مع الضرورة العامة قدمت العامة؛ لأنها كلية. مثاله: ترك صلاة الجمعة في جائحة كورونا بأمر من الدولة حجرًا على

стр. 407

جميع أفراد المجتمع، وهذه ضرورة دينية وحفظ الدين من الضرورات، ولكنه تعارض مع ضرورة متعلقة بعدة ضرورات عامة، وهي حفظ الأنفس، حفظ الأموال، وحفظ الدولة والأمن، فإن لم يحصل الحجر؛ لأدى إلى فشو المرض المميت على المجتمع، وهو مؤد إلى تدمير الاقتصاد والسوق وانهيار الدول، وأمنها واستقرارها، وهذه مفاسد كبرى وعامة، وضررها فادح على الضرورات الخمس والحاجيات والتحسينيات. ٦ - أن تقدر الضرورة بقدرها من جهة المآل. ومثالها: إن لم يجد المسلم في بلاد الغرب مدرسة لولده سوى مدارس تعلم المسيحية، فهل يجوز له الإقدام على ذلك؟!؛ لأن المآل فيه مفسده عظيمة على الولد تمس حماية ضرورة الدين. ٧ - أن تقدر الضرورة بقدرها من حيث واقع المكلف وظرفه فينظر هل هو مرتبة الطارئ، أو العادي، أو الاستثنائي. ٨ - تقدر بقدرها من جهة دار المكلف. مثاله: المهجرون من بلدناهم في حروب الربيع العربي؛ حيث وصلوا إلى بلاد الكفر واضطروا إلى بعض الأعمال في نقل الخمر والخنزير، فهذا إن لم يجد غيره في تلك الحال وكان مضطرًا للمال له ولولده فيجوز مؤقتا مع البحث المستمر للتخلص من ذلك، أما لو كان ببلاد المسلمين فلا يجوز؛ لأن هذه الحالة غير متصورة هناك. ٩ - النظر إلى مقاصد المكلف ودوافعه ونيته وأهدافه، فإن مقاصد المكلفين معتبر في الفتوى؛ لأن من يطلب الفتوى تشهيًا وفتنة وهوى غير من يريدها لإخراجه من مأزق؛ ولذلك علل الله لما رخص لأيوب ﵇ حين حلف أن يؤدب زوجته فرخص الله له أن يأخذ شمراخًا متفرعًا إلى فروع متعددة ويضربها ضربة واحدة، ويحسب كل فرع منه ضربة،

стр. 408

فيكون قد أوفى بيمينه، وعلل الله هذا الترخيص بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ، ولا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ أنه أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. فتأمل هذا التعليل إنا وجدناه صابرا نعم العبد أنه أواب ويؤخذ منه أن واقع المكلف معتبر في تنزيل الفتوى؛، فإن الله سبحانه رخص له وبين تعليل ذلك ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ أنه أَوَّابٌ﴾. فأيوب ﵇ ما كانت نيته ومقاصده الهوى والتشهي وطلب الترخص والبحث عنه؛، بل كان صابرًا تقيًا نعم العبد فله حكمه (١). والمفتي يأتي إليه أصناف الناس فمنهم المتساهل الباحث عن الهوى لا عن التعبد لله، ومنهم من قصده التعبد؛، لكنه في ورطة يريد فتوى تخرجه مخرجا شرعيًا، ومعرفة مقاصد المكلفين ودوافعهم ضرورية جدًّا للفتوى يدل عليها الحال وسياق الظروف. وانظر إلى برامج الفتوى مثلا، فكم من سائل لا يريد الفتوى إنما يريد أن يوجهك إلى اتجاه معين، أو ذم، أو مدح اتجاه معين، أو يحملك على الفتوى التي ستفهم في سياقات الحدث الحالي، ولو كنت تكلمت كلامًا عامًا. ويمكن للمفتي أن يعرض عن ذلك حين يفهم المقاصد والدوافع؛ بفهمه للحدث والسياقات وظروف الساعة التي دفعت المستفتي إلى الاستفتاء. وهذا النوع من المعرفة يدخل في علم المقاصد وعلم القواعد الشرعية في قاعدة الأمور بمقاصدها وما يتخرج عليها من القواعد (٢).

стр. 409

١٠ - التصور الحقيقي، أو سؤال الماهية، والتصور يبنى على وسائل توصل إليه ولكل نازلة ظروفها وخصوصيتها التي تستدعي تلك الوسائل. فالمسائل الطبية يصورها خبراء الطب، والاقتصادية أهلها من المتضلعين في هذا العلم، والنازلة العادية يرجع فيها إلى أهل العادات. وفي قاعدة تقدير الضرورات من المسلم به أن تحديد الضرورة ومقدارها خاضع لهذا التصور، فضرورة حماية حياة الأم وضرورة حماية حياة الجنين واجب حفظهما من غير حاجة لطلب التصور؛ لأنه من ضرورات الشرع هنا. وإنما يحتاج عند التعارض حيث يشكل الجنين خطرًا على حياتها، فيرجع في استجلاء الحقيقية التصورية إلى الطبيب الخبير العدل ليعطي صورة واقعية، فإن جزم بالخطورة على حياة الأم فهل حياة الأم مقدمة على الجنين أم الجنين مقدم على الأم؛ لأن لكل منهما حياة محترمة يحرم العدوان عليها في الشرع، هذا هو الأصل الأول. وهنا يلوذ الناظر إلى جمع الأصول الحاكمة للمسألة بعد أن تم له التصور الحقيقي. والشرع، كما أنه طالب حفظهما معًا، وقد تعذر، يحرم إهدارهما معًا؛ لأنها مفسدة كبيرة محرمة قطعيا؛ لأنها ناقضت مقصد حفظ النفس من كل وجه. وإما أن يحفظ واحدًا منهما فقط، وهو عمل بالحفظ من جهة والإهدار من جهة، وهذا غاية الممكن، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ويبقى النظر الفقهي في إيهما يهدر وأيهما يحفظ.

стр. 410

ولا يجوز له الهجوم على بادئ النظر بدون بحث وتأصيل وتنزيل، فإنه حينها يكون حاكما بالهوى، والجهل. وليس هناك نص صريح في هذه المسألة فيلوذ إلى تتبع أصول الشريعة في حفظ الأنفس وتجاذب المصالح واعتراض المفسدة للمصلحة وهل يعد ذلك انخرامًا لها. ومن المقرر أن المصلحة إن عارضتها مفسدة مثلها، أو فوقها أبطلتها. وينظر في أصول الشرع القريبة المتعلقة بحياة الإنسان جنينًا وحياته بعد ولادته. وهو بحث عن تصرف الشرع في جنس هذه المسائل لا في عينها، فإن جنس المصالح الجلب والمفاسد الدفع، وهذا ما يعرف في القياس في مسالك العلة بمسلك المناسبة. وقد وجدنا بالنظر أن الشرع اعتبر حياة الإنسان بعد الولادة تامة، فمن أهدرها عمدًا فعليه القصاص، أو خطأ فعليه الدية والكفارة. ووجدنا أن الشرع اعتبر حياة الإنسان في المرحلة الجنينية أنزل بمراحل من الأولى، فإن من قتل الجنين عمدًا، أو خطأ لا يقضى عليه لا بقصاص، ولا بدية تامة؛، بل عشرة بالمئة من الدية فقط. ووجدنا أن حياة الإنسان بعد الولادة متيقنة وقبلها ممكنة عادة، وتقديم المحقق في الحفظ على الممكن أمر عقلي قبل أن يكون شرعيًا. ووجدنا أن قتل الوالد لولده عمدًا لا قصاص فيه عند عامة العلماء لحديث؛ (لا يقاد والد من ولده) (١) وذلك عكس الولد. ووجدنا أن تعامل الولد مع الوالد مفروض بأدق تفصيلات الإحسان،

стр. 411

وليس من الإحسان أن يكون إحياء الولد سببًا لقتل الوالد، وحقوق الوالدية على الولد أعظم من حقوق المولود على الوالد، فنعلم من هذا أن الشرع يقدم حق الوالد على حق ولده في الحفظ. وثبت هذا في مرتبة الضروريات فقد راعى حياة الوالد على الولد فأسقط القصاص، ولو عمدًا حال كمال الحياة، فأولى أن يقدم حفظ حياة الوالدة على ولدها قبل الولادة. يؤكد هذا أن الشرع خص الجنين بأحكام تدل على عدم المساواة، فأسقط القصاص في قتله عمدًا، ولو من أجنبي وأوجب عشر الدية. فإذا تبين أن جنس المفسدة أعظم في هذه الجهة وتبين أن جنس المصلحة أعظم في هذه الجهة، كان الناظر على شفا تحقق من حكم المسألة، ويبقى تنزيل هذا على هذا. وعليه فالحفاظ على حياة الأم مقدم على حياة الجنين؛ لأن جنس تصرفات الشرع دلت على تقديم حفظ حياتها على حفظ جنينها. وهذه التقديم في الحفظ جنس مناسب في عين مسألتنا، وهو من قسم الملائم للجنس في العين، وهو المناسب الأصولي المعروف. وباب المناسب في القياس، أو مسلك المناسبة هو أصل علم المقاصد الذي توسع بعد ذلك؛ لأن المناسب الملائم منقسم إلى: ضروري، وحاجي، وتحسيني. (١)

стр. 412

المبحث الثالث: الاستثمار التنزيلي المعاصر للقاعدة ذكر الفقهاء المتقدمون العديد من التطبيقات في استثمار هذه القاعدة ونحن نذكر بعضها، ثم نتبعه بما هو مقصود البحث، وهي المستجدات المعاصرة. ١ - إباحة الميتة عند المخمصة وخشية التلف (١). ٢ - إباحة كلمة الكفر للمكره. ٣ - لو صال الصيد في الحرم على محرم بحج، أو عمرة فله أن يدفع عن نفسه، فإن قتل الصيد فلا ضمان عليه، قال الزركشي -معللا ذلك-: "لأنه بالصيال التحق بالمؤذيات" (٢) ٤ - إذا عم الحرام بلدا وندر الحلال جاز استعمال ما يحتاج، ولا يقتصر على الضرورة، لكن قال الإمام الجويني: "ولا يتبسط فيه، كما يتبسط في الحلال، بل يقتصر على قدر الحاجة دون أكل الطيبات نقله عنه في المنثور" (٣) ٥ - ويجوز نبش قبر الميت إن دفن بلا غسل، أو لغير قبلة، أو في

стр. 413

محل مغصوب، أو كفن في كفن مغصوب، وخالف الحنفية هنا؛ لأن المفسدة المترتبة على النبش أكبر. قال ابن نجيم: "لو دفن بلا تكفين لا ينبش منه؛ لأن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه الذي قام الستر بالتراب مقامه" (١) وكذا قالوا: لو دفن بلا غسل وأهيل عليه التراب، صُلِّيَ على قبره، ولا يخرج (٢). ٦ - إذا عمت البلوى بالنجاسات في الشوارع ارتفع حكمها عند الاضطرار. التطبيقات المعاصرة من الفقه المالي والاقتصادي: ١ - الإيداع في البنوك الربوية إن لم يجد غيرها. ٢ - التحويل عبر المصارف الربوية إن لم يجد غيرها. ٣ - ومنها أن التعامل مع البنوك الربوية محرم إلا لمن اضطر، كمن هو في غير بلاد المسلمين، ولا يضع في البنك، ولا يتعامل معه إلا بقدر ما يدفع الضرورة. ٤ - ومنها التأمين التجاري، لا يجوز إلا لمضطر بقدر الضرورة إن لم يوجد تأمين في الشركات الإسلامية، كما في المعايير الشرعية للأيوفي. (٣) ٥ - جواز القرض الربوي بغرض إجراء عملية جراحية ضرورية تتعلق بها الحياة، أو سلامة عضو من التلف (٤).

стр. 414

من الفقه الدولي والسياسي: ١ - اللجوء إلى المنظمات الدولية والمحاكم الدولية؛ لاستخراج الحق، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. ٢ - دفع أموال للعدو لإخراج الأسرى. ٣ - يجوز التحالف مع عدو كافر آخر يعين على العدو الكافر الباغي. ٤ - طلب اللجوء السياسي، أو المدني لدى دولة كافرة؛ دفعًا لمفسدة باغ مسلم، أو غيره. من الفقه الأسري والمجتمعي والإنساني: ١ - من استشير في خاطب فإنه يجوز له ذكر ما فيه بقدر ما يبين حاله لمن استشاره مما يتعلق بموضوع الزواج تعلقًا قريبًا، ولا يجوز له ذكر ما لا تعلق له بذلك، وقد نقل الزركشي عن الغزالي أنه إن اكتفى بقوله لا يصلح لك فإنه لا يجوز له غير ذلك؛ لأنه لا ضرورة (١). ٢ - تقوم الصور الفوتغرافية مقام الرؤية الشرعية إن لم تتيسر، ولكن يكون النظر بقدر الضرورة فقط، ولا يجوز لها تكرار النظر إلى الصورة بعد القناعة التامة بها فإنه نظر شهوة، أما إن لم يتوثق وأراد التأكد فلا بأس، وكذلك يحرم إن لم تعجبه و قرر عدم المضي في الأمر فيحرم عليه الرؤية. ٣ - إن لم يستطع الرجل القدوم لإجراء العقد كأن يكون في دولة أخرى بعيدة فقد منع المجمع الفقهي إجراء العقد عبر الوسائل الحديثة لشدة الاحتياط للفروج والأعراض، لكن بعد التطور الكبير في العالم، يمكن القول بجواز إجراء عقد النكاح عبر الفيديو بالبث المباشر؛ لأن النكاح من

стр. 415

وسائل الضروريات، وقد يكون في حالة هذه الشخص تعذر من المجيء فيرخص له بهذه الوسيلة في هذه الحالة؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. ٤ - من لم تنجب لأي سبب طبي كالعقم مثلًا جاز لها إجراء عملية الأنابيب بنطفة زوجها وبييضتها في رحمها، فإن حصل لهم مولود اندفعت الرخصة، وهل يجوز لها أن تكرر ذلك؟ يحتمل أنه لا يجوز؛ لأن الرخصة كانت لمحل الحاجة للولد. ٥ - وكذلك من أكره على اليمين الكاذبة؛ فإنه يباح له الإقدام على التلفظ، مع وجوب التورية والتعريض فيها إن خطر على باله تعريض، أو تورية، فإن في المعاريض مندوحه (١). ٦ - ومنها التدرج في ترك المخدرات إذا قرر الطبيب أن المدمن لو تركها فجأة هلك، فيأخذ بقدر الضرورة، حتى تندفع (٢).

стр. 416

٧ - من اضطر لأكل مال الغير؛، فإن الضرورة تقتصر على إباحة إقدامه على أكل ما يدفع الضرورة بلا توسع ويضمن مع هذا، لكن لا إثم عليه، ومع التوسع يأثم ويضمن. ٨ - وهكذا الأكل من الميتة للمضطر بقدر الحاجة.

стр. 417

من الفقه الطبي: ١ - ومنها التداوي بالنجس للضرورة قال الشِّرْواني ﵀: «التَّداوي بالنَّجِس جائزٌ عند فَقْد الطاهر الذي يقوم مقامه» (١). ٢ - ومنها استعمال مشيمة الحيوان غير المأكول اللحم، أو الخنزير في المستحضرات الطبية إن لم يوجد غيرها؛ للضرورة، وقد أفتت دائرة الإفتاء الأردنية بهذا جاء فيها: «وإذا كانت نَجِسَةً جاز استعمالها في الأغراض الطبِّيَّة دون التجميليَّة، إذا لم يجد غيرها ممَّا يقوم مقامها للضَّرورة» (٢). بل أفتى المجمع الفقهي باستعمال مشيمة الجنين الآدمي عند الضرورة الماسة للأغراض الطبية مثل المراهم الخارجية، أو الحبوب وغيرها. (٣) ٣ - جواز نقل الأعضاء وغيرها كقرنية الميت للحي للضرورة (٤).

стр. 418

٤ - شراء الدم عند الضرورة وعدم البذل والإثم على البائع. ٥ - جواز نقل وزراعة الأعضاء للضرورة، وقد استدل بها المجمع الفقهي على ذلك. (١). ٦ - استعمال العلاج المحرم للحاجة. ٧ - التخدير وإجهاض الحامل؛ حفظًا لحياتها. ٨ - عملية إزالة الرحم للضرورة. ٩ - استعمال الأدوية التي فيها كحول بكمية علاجية مستهلكة، ولا بديل، كما قرره المجمع. (٢) ١٠ - أن المرأة تكشف للطبيب عند الضرورة بقدر تلك الضرورة بشرط إن لم توجد طبيبة تقوم مقامه. من العبادات: ١ - جواز لبس الحفاظات للمحرم الذي يعاني من السلس، ولا يلبس فوقها السراويل؛ لأن الضرورة تندفع بالحفاظات. ٢ - جواز لبس الكمامة للمحرمة إن أمرت السلطات بذلك، ويكون لموضع الضرورة فقط بحيث لا تغطي معظم وجهها، حتى لا ترتكب محضور التنقب المنهي عنه.

стр. 419

٣ - من عجز عن المبيت في منى لعدم توفر المكان فليس عليه أن ينام في الشارع، بل في العزيزية، أو أقرب نقطة لمنى. ٤ - من صلى في الطائرة فعليه الصلاة في محل منها يستقبل القبلة ويصلي قائمًا، فإن لم يستطع اتجه بقدر استطاعته إن كانت على شماله، أو يمينه مثلًا؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. من فقه التربية والتعليم: ١ - من لم يجد للدراسة إلا جامعات، أو مدراس مختلطة، فالضرورة تقدر بقدرها ومعلوم أن التعليم وسيلة لحفظ ضروري هو العقل. وما يكون في الوسائل من المفاسد لا تترك لها المقاصد إن لم تعد على مقاصد أخرى بالإبطال، فيجب عليه دفع الضرر حسب طاقته، ولا يسترسل في ذلك إلا مما لا بد منه. ٢ - يجوز للرجل دراسة طب النساء والولادة إن لم يكن هناك ما يكفي من الطبيبات، وحينئذ يجوز له النظر في التعليم إلى ما تدعو له الضرورة الطبية التعليمية، ويجوز له النظر في التوليد إلى ما تدعو إليه الضرورة الطبية للمعالجة، ويحرم ما فوق الضرورة (١).

стр. 420

٣ - ومنها جواز التشريح الطبي التعليمي لجثة الإنسان، ولكن تقدر بقدرها، فإن لم توجد وسيلة للتعلم إلا هذه جاز للضرورة (١). من الفقه الوظيفي: ١ - من اضطر للعمل في البنك الربوي ولم يجد غيره بعد بحث واستقصاء وليس إن تركه ما يغطي طعامه وشرابه وحاجياته الحياتية فيجوز له العمل، لكن إلى أن يجد وظيفة أخرى؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. ٢ - من اضطر إلى فتح حساب بنكي في مصرف ربوي أمكن جوازه في نوع الحساب الجاري؛ دفعًا للضرورة بقدر الحاجة. من فقه الأقليات: ١ - ومنها ما يقع للمسلمة في بلاد الكفار من الإجبار على ترك الحجاب، ويعد ذلك مخالفة للدستور والقانون وتعرض للعقوبة وللمساءلة (٢).

стр. 421

٢ - من لم يستطع تملك مسكن له ولأولاده، ولا يجد ما يستأجره، أو يجد، لكن يلحقه مشقة بالإيجارات يشق دفعها، ولا يجد من يقرضه قرضًا حسنًا، أو تمويليًا من بنك إسلامي، يجوز حينئذٍ أن يأخذ قرضًا ربويًا لدفع هذا الضرر (١). ٣ - أفتى جماعات من أهل العلم المعاصرين بأن من لم يجد عملًا يكفل حاجيات حياته من طعام وشراب ومسكن إلا في مطعم فيه خمر وخنزير فإنه يجوز له للضرورة، ولكن بشرط البحث عن عمل آخر وبشرط التحرز قدر الإمكان عن الخمر والخنزير وزاد بعضهم التصدق بجزء من المال تطهيرًا بقدر ما قدم في من المحرمات. (٢) ٤ - ومثل هذه الفتوى وشروطها العمل في مزرعة عنب تعصر للخمر والعمل في قص شعر النساء، والعمل مدرسة للذكور ومسائل مثلها كثيرة صدرت بها فتاوى. نماذج من الفتاوى المعاصرة: سفر المرأة في مهمة رسمية بدون محرم: عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد/ كنعان، ونصّه: نرجو من سيادتكم معرفة الحكم الشرعي في سفر الفتاة بدون محرم

стр. 422

ومع نسوة ورجال في مهمة رسمية موكلة لهم من قبل الوزارة، أو الهيئة التي يعملون بها. أجابت اللجنة بما يلي: الأصل أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر من بلدها لأي عمل كان إلا ومعها زوج، أو محرم؛ لحديث: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم» [رواه البخاري]. واستثنى بعض الفقهاء حَجَّة الفرض، وأجازوا لها السفر من أجلها مع الرفقة المأمونة؛ وذلك صونًا لها وحماية لعفتها وكرامتها. وعليه؛ فإنه لا يجوز للمرأة الموظفة السفر بدون زوج، أو محرم في مهمة رسمية من قبل الوزارة، أو جهة العمل، مهما كانت طبيعة هذه المهمة، فإذا كان لا بد من ذلك فلتصحب معها زوجها، أو محرمًا، ولو كان ذلك على نفقتها، فإذا تعذر ذلك لم يجز سفرها، إلا أن يصل الأمر إلى حد الضرورة، أو الحاجة الشديدة، كأن تكون متعينة لهذه المهمة، ولا يحل محلها أحد من الرجال، وإن تكون المهمة ضرورية للمصلحة العامة، فإن وصل الأمر إلى ذلك؛ جاز لها السفر بدون زوج، أو محرم؛ للقواعد الفقهية الكلية: (الضرورات تبيح المحظورات)، و (الحاجة تنزل منزلة الضرورة). والله أعلم. (١). يانصيب الحصول على الجنسية الأمريكية: السؤال: ما هو الحكم الشرعي في (يانصيب الحصول على الجنسية الأمريكية) بالدليل؟ أجاب الشيخ بإجابة تفصيلية ومنها:

стр. 423

أن يكون مضطر ضرورة شرعية لا محالة له منها للقاعدة الأصولية (الضرورات تبيح المحظورات) والضرورة تقدر بقدرها، أو يكون طلبه للجنسية باعثه حاجة ملحة لا مندوحة له منها؛ للقاعدة الفقهية (إن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة) وإذا جازت الإقامة في بلاد الكفار لغرض شرعي جاز أخذ الجنسية؛ لأنها متفرعة عنها في كل حال، وما قد يرد على أخذ الجنسية من التحاكم إلى محاكم الكفر وقوانينه يرد على المقيم في ديار الكفر، فإنه ملزم باتباع أنظمة البلاد وقوانينها، ومثله من أسلم في دار الكفر، أو ولد فيها مسلمًا (١).

стр. 424

الباب الرابع القاعدة الكلية الكبرى: الشريعة مبنية على التيسير، (المشقة تجلب التيسير) القواعد المتعلقة بقاعدة: الشريعة مبنية على التيسير والمشقة تجلب التيسير ١ - التكليف إنما يكون على الوسع. ٢ - ما عمت بليته خفت قضيته. ٣ - الجهل والخطأ والنسيان والإكراه عفو. ٤ - ينزل غالب الظن منزلة اليقين. ٥ - الميسور لا يسقط بالمعسور. ٦ - قاعدة تتبع الرخص والتلفيق. ٧ - لا إنكار في مسائل الخلاف. ٨ - الكتاب كالخطاب. ٩ - الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان. ١٠ - العبرة للغالب الشائع لا للنادر.

стр. 425

الفصل الأول: قاعدة: الشريعة مبنية على التيسير قاعدة الشريعة مبنية على التيسير، كما يعبر المقاصديون، أو كما يعبر الفقهاء المشقة تجلب التيسير تعبر عن روح الشرع ووسطيته وواقعيته، وهي قاعدة إجماعية. تدل عليها النصوص من الكتاب والسنن ويتعلق بها قواعد كثيرة تزيدها قوة وتدل عليها وسنتكلم عن هذه القاعدة في مبحثين: المبحث الأول قاعدة: التيسير التعريف والمستند والبناء الفقهي. المبحث الثاني: التنزيل والتفعيل المعاصر لقاعدة التيسير
следующие страницы →