المبحث الأول قاعدة: التكليف قائم على الوسع
فيه مطالب:
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومستندها
هذه من أهم قواعد الشرع، وهي من رحمة الله بخلقه، وتعكس يسر الشريعة وواقعية التكليف ومرونته؛ ليستوعب سائر الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة والأشخاص.
فإن مقصود الشرع دوام التكليف على كل مكلف لا يقطعه إلا الموت؛ ولما كان الإنسان مخلوقا ضعيفا، كما أخبر الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
شرع سبحانه التكليف على قدر الوسع: ودليلها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وما في معناها من الآيات الدالة على أنه لا تكليف إلا مع القدرة.
وجعل تنفيذ التكليف على قدر استطاعة المكلف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
والقدرة هي الاستطاعة. فأداء التكليف معلق بالاستطاعة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
стр. 457
وهذه الآية من أعظم أصول التكليف، بل أعظمها، حتى قال شيخ الإسلام:
فإنّ مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، المفسر لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وعلى قول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم»، أخرجاه في الصحيحين.
وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع.
والمُعِين على الإثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو وكيلُ المظلوم لا وكيلُ الظالم، بمنزلة الذي يُقرضه، أو الذي يتوكّل في حمل المال له إلى الظالم (١)
المطلب الثاني: تطبيقات القاعدة
١ - سقوط القيام في صلاة الفريضة عن العاجز ويصلي قاعدًا؛، فإن لم يستطع فعلى جنب، وإلا فبالإيماء.
٢ - ومن لم يستطع الصوم لمرض، أو سفر أفطر وقضى، أو كِبَرٌ مزمن بحيث لا يستطيع القضاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
٣ - ومن لا استطاعة له في الحج، فلا حج عليه.
стр. 458
٤ - وتسقط زكاة الفطر عمن لا يجد قوت يومه.
٥ - ويسقط الجهاد عن نحو الأعمى.
٦ - ومن لم يستطيع كفارة الجماع في رمضان تعلقت بذمته إلى القدرة وقيل تسقط.
٧ - والميسور لا يسقط بالمعسور، فمن لا يجد في زكاة الفطر فاضلًا عن قوته إلا نصف مد من أخرجه؛ لأنه ما تيسر له.
٨ - ومن تيسر له القعود بدلًا عن القيام لزمه، فلا يجوز له الانتقال إلى غيره إلا عند العجز. والله أعلم. (١)
المطلب الثالث: من التطبيقات المعاصرة للقاعدة
١ - تعين التصدق بالفوائد التي تكون من البنوك الربوية في حال أودع الشخص ماله فيها اضطرار وهذا هو الأصل في مثل هذا الأموال قياسا على المال «الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده إليه فيصرف في مصالح المسلمين والصدقة من أعظم مصالح المسلمين. وهذا أصل عام في كل مال جهل مالكه بحيث يتعذر رده إليه» (٢).
٢ - ومن فروعها ما جاء في استفتاء مغترب في السوفيت أنه لا يقدر
стр. 459
على الخروج لصلاة الجمعة؛ لأنه في الدوام، ولا يسمح له، فهذا يصلي الظهر، حتى ييسر الله له (١).
٣ - ومن فروعها أن من لم يجد مكانا يبيت فيه بمنى بات في العزيزية، كما أفتى به الشيخ بن باز خلافا لابن عثيمين والأول أرجح.
٤ - ومنها من كان يعمل في عمل مختلط كالقطاع الصحي ويتعامل مع الممرضات والطبيبات ولابد من التعامل معهن فتكليفه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فيغض بصره مهما استطاع ويتعامل باعتدال، ولا يخلو، فهذا ما يلزمه (٢).
стр. 460
٥ - ومنها أن الطبيب المناوب يوم الجمعة يصلي ظهرًا.
٦ - ومن فروعها من ملك أسهما مختلطة فيها الحلال والحرام فعليه التخلص بالبيع؛ لأن هذا ما يستطيعه، ولا يقال إن البيع للغير أو التبرع له بها إدخال له في الإثم؛ لأنا نقول هذا غاية ما يستطيع من الاختيار في التصرف. (١)
٧ - ومنها ما في هذا الاستفتاء: عندي والدي كبير في السن، ولا يستطيع أن يصلي إلا على الكرسي، ولكنه في غالب الوقت عند السجود لايسجد إلا سجدة واحدة، وعندما نحاول أن نذكره، أو نقول له أنه بقي عليك سجدة فإنه لا يصدقنا مع العلم أنه كبير في السن، وقد ضعفت ذاكرته، وهو والحمد لله من المحافظين على الصلاة أفيدونا جزاكم الله خيرًا (٢).
стр. 461
وحاصل الجواب: مبني على أن التكليف قائم على الوسع، فإن عجز سقط ما عجز عنه.
٨ - ولاية الصالح في نظام علماني جائز؛ لأنه مكلف بتخفيف الفساد قدر جهده.
٩ - وكذلك اختيار قيادات الدولة يكون بحسب ما وجد من الأصلح فالأصلح وبقدر ما يستطيع ولي الأمر، فلا يكلف ما لا قدرة له بتحصيله.
قال شيخ الإسلام: فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخذه للولاية
стр. 462
بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله؛، وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره، إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (١).
стр. 463
المبحث الثاني قاعدة: ما عمت بليته خفت قضيته
فيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: معنى القاعدة ومستنداتها
المسألة الأولى: المعنى.
معنى القاعدة: ما كان من المشقات التي يعم ابتلاء الناس بها سواء كان فردا، أو مجتمعا فإنه يلحقها التخفيف.
وللقاعدة ألفاظ متعددة، وعموم البلوى تقدم أنها من أسباب التخفيف.
ومن خلال كلام الفقهاء يفهم أن المقصود بها الحالات التي تعم كثيرا من الناس ويشق التحرز عنها (١).
وشرط القاعدة أنها لا تكون إلا فيما لم يرد فيه نص بالمنع، فإن ورد حرم، ولا تعتبر من عموم البلوى.
стр. 464
قال ابن نجيم: لا اعتبار عند أبي حنيفة بالبلوى في موضع النص، كما في بول الآدمي، فإن البلوى فيه أعم (١).
قلت: مثال ذلك في عصرنا: عموم المسابقات عبر شركات الاتصالات، فهذه لا يرخص فيها بحجة أنها كثرت وعمت بها البلوى؛ لأن النص فيها على الحرمة؛ لأنها من الميسر والقمار، كما أنه يمكن التحرز منها بكل سهولة ويسر.
والقاعدة إنما تكون في ما هو محل اجتهاد، ولا نص فيه بعينه، ولا يمكن التحرز منه، مثاله اشتراط التأمين الصحي للسفر، فهذا الشرط عمت به البلوى، وقد يدخل الإنسان فيه شبهات إن كان عبر شركات غير التأمين التعاوني الإسلامي.
أسباب التخفيفات في عموم البلوى:
التخفيفات الداخلة في عموم البلوى يمكن إرجاعها بالاستقراء إلى أسباب متعددة، وإن كانت جميعها ترجع إجمالا إلى العسر والمشقة، وأهم هذه الأسباب هي: تفاهة الشيء ونزارته، كثرة الشيء امتداد زمن الشيء تكرار فعل الشيء، شيوع الشيء وانتشاره، الضرر الحاجة صعوبة الشيء وعسر التخلص منه، ما يرجع إلى العوامل الطبيعية، الشيخوخة وكبر سن المكلف (٢).
المسألة الثانية: مستنداتها.
مستنداتها عديدة، وهي راجعة إلى رفع الحرج والتيسير حين حصول
стр. 465
المشقات، لذلك فما سبق من أدلة قاعدة التيسير والمشقة تجلب التيسير هي نفسها تأتي هنا.
ومما يدل للقاعدة كذلك قوله ﵊، (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (١).
وقوله ﵊: (إلا كلب زرع، أو ماشية) (٢)، وعفوه عن بول الصبي ما لم يطعم (٣)، وتخفيفه عن المستحاضة وصاحب السلس، وكالصلاة مع لطخات القروح والدماميل، وكذا الصلاة في شدة الخوف مع القتال والحركات الكثيرة (٤)
ومنه: قوله ﷺ في بئر بضاعة: إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل الخبث (٥).
وعن ابن عمر في البخاري ﵄ قال: "كانت الكلاب تبول، وتُقبل وتُدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يَرُشُّون شيئًا من ذلك" (٦).
و (عن أم سلمة أن امرأة قالت لها: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ يطهره ما بعده) (٧)
وقال البخاري: ويذكر عن جابر: أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته. وقال
стр. 466
الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم. وقال طاووس، ومحمد بن علي، وعطاء، وأهل الحجاز: ليس في الدم وضوء. وعصر ابن عمر بثرة، فخرج منها الدم ولم يتوضأ. وبزق ابن أبي أوفى دما فمضى في صلاته. وقال ابن عمر، والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه (١).
والقاعدة متفق عليها بين أهل العلم، فما من مذهب إلا وهي مذكورة في كتبه، ولم يخالف فيها أحد منهم اللهم إلا في بعض الفروع التي يرى بعضهم أنها من تطبيقاتها بينما يرى آخرون خلاف ذلك (٢)
المطلب الثاني: تطبيقات القاعدة
لهذه القاعدة تطبيقات متقدمة كثيرة يسوق طرفا منها الإمام النووي بتصرف من كلامه:
١ - مما عمت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطلعين العفو عنها وينبغي أن يقال يعفى عما يشق الاحتراز عنه من ذلك، ولأن محل الطواف في زمن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها لم يزل على هذا الحال ولم يمتنع أحد من المطاف لذلك، ولا ألزم النبي ﷺ ، ولا أحد بعده ممن يقتدى به بتطهير الطواف عن ذلك، ولا ألزموا إعادة الطواف بسبب ذلك.
٢ - ومما تعم به البلوى في الطواف ملامسة النساء للزحمة فينبغي
стр. 467
للرجل أن لا يزاحمهن وينبغي لهن أن لا يزاحمن، بل يطفن من وراء الرجال.
٣ - كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب، وهو روثه.
٤ - كما عفي عن أثر الاستنجاء بالأحجار وكما عفي عن القليل من طين الشوارع الذي تيقنا نجاسته
٥ - كما عفي عن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على الأصح ونظائر ما ذكرته كثيرة مشهورة (١).
المطلب الثالث: تطبيقات معاصرة
١ - الخروج إلى الأسواق، أو العمل فيها خاصة المولات الكبيرة مما عمت إليها الحاجة، ولا شك أنه انتشر في زمننا خروج النساء وتبرجهن، وتولي النساء الأجنبيات وغيرهن الخدمات والحساب في هذه الأسواق وهن كاشفات لشعورهن متبرجات، فعلى المؤمن ألا يخرج إلا لحاجة ماسة، وإذا خرج كف عن التبسط معهن، ولا يتكلم، أو ينظر إليهن إلا لحاجة البيع والشراء.
٢ - وهكذا في عصرنا يذهب الشخص إلى المستشفى للفحص والعلاج وأغلب من يتولى الفحوصات الأولية هن الممرضات من أخذ الضغط والحرارة والوزن وضرب الإبر والمجارحة والمغذيات.
وهذا كله في أكثر البلدان عمت به البلوى، وقد قدمنا أن من شروط
стр. 468
عموم البلوى عدم مخالفة النص الصريح. ومعلوم أن مداواة المرأة الرجل لا تكون إلا عند الضرورة، كما حصل من الصحابيات في وقت الحرب؛ لأنه وقت ضرورة، والوضع في المستشفيات مراتب، فإن وجد غيرها تعين عليه؛ لأن ميل القلب إلى الفتنة بالنساء خفي قد لا يتنبه له الشخص ولكن مع الإدمان عليه والتساهل فيه تعظم المصيبة والآثام. فميل القلب خفي، لذلك كان دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
ودعاء النبي ﵊: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (١).
ومن لم يجد غير هذا المستشفى، فإن كان ذهابه للتداوي ضروري، أو حاجي، فهو معذور مع التحرز قد المستطاع؛ لأن هذه مما عمت بها البلوى وعمت إليها الحاجة. فنسأل الله العفو والعافية.
стр. 469
المبحث الثالث قاعدة: العفو عن الخطأ والنسيان والإكراه
المطلب الأول: الأصول الحاكمة للقاعدة
الأصل في هذه القاعدة نصوص الكتاب والسنة:
كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]
وفي مسلم: عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : «قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا» قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " قال: قد فعلت" ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " قال: قد فعلت" ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " قال: قد فعلت (١).
وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٢).
стр. 470
وقال النووي حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما. (١)
المطلب الثاني: شرط التكليف
اتفق العلماء على أن شرط التكليف: الفهم، والقدرة.
والشرط: ما يلزم من عدمه العدم. فالفهم، أو القدرة عند انعدامها يرتفع التكليف عن العبد في الجملة.
فشرط فهم التكليف يستفاد منه:
أ. أن يكون المكلف عاقلًا، فلا تكليف على مجنون من صلاة، وصيام، وسائر أقواله، وأفعاله، كطلاقه، وعتاقه، وبيعه وشرائه باطل.
وهكذا المغمى عليه لانعدام العقل، والسكران، والصبي غير المميز. على تفصيلات فيها وخلاف.
ب. القصد إلى الفعل، فلا تكليف على المخطئ، كمن قال: (أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح). (٢)
وكذلك لا تكليف على المكره في الجملة؛ لأنه لا قصد له.
ولا إثم على الساهي في صلاته، وهو والنسيان في قولٍ متحدان.
فتحصل من هذا اشتراط العمد، والقصد في الفعل، ولذلك لا يؤاخذ النائم إذا تكلم بطلاق، أو غيره. والله أعلم.
стр. 471
ج. البلوغ: فلا تكليف على صبي، وسواء في ذلك المميز وغيره قارب البلوغ أم لا.
د. العلم: فلا مؤاخذة مع الجهل إن كان الجاهل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ بعيدًا عن العلماء، ومثله يُجْهل (١).
والخلاصة أن قولهم إجمالًا (الفهم) هو: في معنى قولهم تفصيلًا (عاقلًا بالغًا عامدًا عالمًا).
وأما الشرط الآخر للتكليف وهو: شرط القدرة، فخرج به العاجز عن التكليف مع فهمه، والعجز جزئي وكلي، أما الجزئي: فكالأعمى، والأعرج، والمريض، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ، ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ، ولا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، فرفع عنهم الغزو وعذرهم، وكذا من لم يستطع الزاد والراحلة في الحج، لا تكليف عليه بالحج، ومن عجز عن القيام في الصلاة سقط عنه وقعد، ومن عجز عن النفقة على الأقارب سقطت عنه.
أما الكلي: فهو كالمغمى عليه في حوادث السيارات المرقد تحت أجهزة الإنعاش، فهذا عاجز كليا.
كما أن العجز قد يكون حسيًا، كما في الأعمى ونحوه، وقد يكون شرعيًا كالحائض، والنفساء في إسقاط الصلاة وجواز الفطر في رمضان مع القضاء.
المطلب الثالث: أحكام الإكراه والنسيان
أولا: معنى إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه
في الحديث هو رفع الإثم بلا خلاف في هذه الجزئية، ثم العمل
стр. 472
قسمان: ما كان يتدارك بقضاء فيجب عليه، فمن نسي الصلاة وجب قضاؤها إذا ذكر، ومن أكره على ترك مأمور وجب تداركه إن كان مما يتدارك، فإن كان لا يتدارك، كنحو: إكراه على المنهيات، مثل قوله كلمة الكفر، أو شرب خمر، فلا شيء عليه.
فإن كان يتعلق به حق الغير، فلا يرفع إلا الإثم أما الضمان فلا. فمن أتلف مال الغير بخطأ، أو إكراه، أو نسيان، فلا أثم ويجب عليه الضمان، وسيأتي الكلام عليه.
والحاصل: أنه العلماء اتفقوا على أن الإثم مرفوع عن هؤلاء، وهو معنى (رُفِع)، أيْ: الإثم، قال ابن بطال: والفقهاء مجمعون أن الخطأ والنسيان ليس في إتلاف الأموال، وإنما المراد به رفع المأثم (١)
أما غير الإثم فاختلفوا في مسائل منتشرة، والقاعدة الجامعة كما قال السيوطي: أن النسيان والجهل، مسقط للإثم مطلقًا، وأما الحكم: فإن وقعا في ترك مأمور لم يسقط، بل يجب تداركه، ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الائتمار.
أو فعل منهي، ليس من باب الإتلاف، فلا شيء فيه، أو فيه إتلاف لم يسقط الضمان.
فإن كان يوجب عقوبة كان شبهة في إسقاطها، وهذا تلخيص جامع لهذا الباب فتنبه (٢)
стр. 473
ثانيا: تعريف الإكراه وأقسامه
الإكراه هو: حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الفاعل على إيقاعه، ويصير الغير خائفًا به، وهو قسمان:
أ - الإكراه الملجئ، ويكون بالتهديد بإتلاف النفس، أو عضو منها؛ لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعًا لها، ومنه التهديد بأخذ المال الذي له وقع أو إتلافه، أو بقتل من يهم الإنسان أمره هما شديدا، أو العدوان على عرضه أو عرض محارمه (١).
ب - الإكراه غير الملجئ، وهو: ما يكون فيما لا يؤثر في الشخص لو وقع كالتهديد بأخذ المال اليسير.
والإكراه الملجئ هو المقصود عند الفقهاء وعباراتهم تدور عليه، وبالتعريف السابق والتقسيم يتبين شروط رفع المؤاخذة عن المكره، وهي:
١ - قدرة المكرِه -بالكسر- على إيقاع ما هدد به.
٢ - خوف المكرَه -بالفتح- وغلبة ظنه بوقوع الضرر إن لم يفعل، وأن يفعل ما طلب منه تحت تأثير الخوف.
٣ - أن يكون الضرر المهدد به بالغًا يلحق بالنفس، أو العضو، أو المال، أو من يهم الإنسان أمرهم، أو الضرب الشديد الذي لا يطاق ونحو ذلك، وهو مختلف من مكلف إلى آخر، كما بينه النووي. (٢)
стр. 474
ثالثا: أثر الخطأ، والإكراه، والنسيان في التصرفات.
الخطأ:
أ- في أقواله: أقوال المخطئ، وهو من لا يقصد ما تكلم به، بل يقصد غيره فغلط، كمثل من قال: أنا ربك وأنت عبدي مخطئًا، فلا إثم عليه.
وأما الطلاق: فقد اختلف في طلاق المخطئ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع وعن الحنفية ممن أراد أن يقول لامرأته شيئا فسبقه لسانه فقال أنت طالق يلزمه الطلاق (١)
ب- أمَّا أفعاله: المتعلقة بحقوق الخلق، كمثل من أكل طعام غيره مخطئًا ظانا أنه ماله، فلا إثم، ويجب الضمان.
تصرفات الناسي.
والنسيان هو: عدم تذكر الشيء وقت حاجته إليه، وقد أتفق العلماء على أنه مسقط للإثم مطلقًا، أي: سواء كان في حقوق الله، أو في حقوق العباد، كمن أكل ناسيًا لصيامه، أو نسي المديون، حتى مات.
تصرفات المكره.
أ- أقواله: تعتبر أقوال المكره مهدورة، لا يترتب عليها أثر، فلا يقع طلاقة، ولا بيعه، ولا أي تصرف قولي آخر. وقد حصل خلاف في طلاقه (٢)
стр. 475
ب- أفعاله: وأفعال المكره كأقواله في رفع الإثم عنه فمن شرب الخمر، أو أكل المحرم، أو سجد لصنم مكرهًا، فلا إثم عليه إلا أنه لا يجوز له قتل الغير، وفي إتلاف مال الغير الضمان، ولا يجوز له الزنا، كما قال جماعة من أهل العلم؛ لأنه لا يمكن إكراهه عليه قال السيوطي: "قال العلماء: لا يتصور الإكراه على شيء من أفعال القلوب وفي الزنا: وجهان، أصحهما أن يتصور؛ لأنه منوط بالإيلاج والثاني: لا". (١)
لأن الإيلاج إنما يكون مع الانتشار، وذلك راجع إلى الاختيار والشهوة.
أما السكران:
فقال عثمان ليس لمجنون ولا لسكران و قال رجل لعمر بن عبد العزيز طلقت امرأتي وأنا سكران فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه أنه قال ليس على المجنون ولا على السكران طلاق فقال عمر تأمرونني وهذا يحدثني عن عثمان فجلده ورد إليه امرأته
وذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران أيضا أبو الشعثاء وعطاء وطاوس وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز ذكره بن أبي شيبة عنهم بأسانيد صحيحة وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزني واختاره
стр. 476
الطحاوي واحتج بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع قال والسكران معتوه بسكره.
وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم والزهري والشعبي وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وعن الشافعي قولان المصحح منهما وقوعه والخلاف عند الحنابلة لكن الترجيح بالعكس (١)
وما تقدم من الأمثلة في الباب إنما هو على وجه الإجمال، أما تفاصيل أحكام الإكراه والنسيان، والمخطئ، وغيره، فيرجع فيه إلى كتب الفروع والقواعد والأصول المبسوطة لأن الخلاف فيها منتشر وقد لخص الإمام القرطبي ذلك فقال: قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) المعنى: اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله ﵇: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" أي إثم ذلك. وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شي أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات. وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر. وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا، ويعرف ذلك في الفروع (٢)
стр. 477
رابعا: من فروعها.
هناك فروع كثيرة على قاعدة الاكراه والخطأ والنيسان منها: (١)
أ - يجوز أكل مال الغير بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه جوعًا، ويضمن القيمة.
ب - ومنها ما لو انتهت مدة الإجارة، أو مدة العارية، والزرع بقل لم يحصد بعد، فإنه يبقى إلى أن يستحصد للضرورة.
لكن لا يبطل حق صاحب الأرض، بل يجب دفع أجرة المثل؛ لأن اضطرار المستأجر والمستعير لإبقائه لا يبطل حق الغير، فتلزم الأجرة
ج- من حلف على أمر لا يفعله بالطلاق، ففعله ناسيًا، لم يحنث، كذلك قال عطاء، وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وقال إسحاق: أرجو أن لا يلزمه شيء. وروي عن الشعبي، والحكم. في الرجل يحلف على شيء فيخرج على لسانه غير ما يريد، قال الشعبي: يرجع إلى نيته، وكذلك قال طاووس.
وقال الحكم: يؤخذ بما تكلم به، وقال أحمد: في هذا أرجو أن يكون واسعًا، قال الحسن هو على الإرادة.
وأوجبت طائفة عليه الحنث، هذا قول الزهري، وقتادة، وربيعة، ومالك، والنعمان، وصاحبيه.
وكان أبو عبيد يحنثه في الطلاق، والعتاق، ولا يحنثه في سائر الإيمان، وبه قال أحمد.
стр. 478
وقال الشافعي: فيها قولان. أحدهما: أن يحنث. والآخر: لا حنث عليه (١).
المطلب الرابع: الأثر الصناعي في واقعنا المعاصر
ما يدخل في هذا الأصل الشرعي كثير لا يحصى من النوازل:
١ - فمن النوازل: إذا أكل المسلم طعاما -حيث يجوز البناء على أصل الحل- وكان في حقيقة الأمر يشتمل على محرم من خنزير، أو غيره، ولم يتبين له ذلك؛ فإنه غير مؤاخذ، ولا إثم عليه؛، فإن الخطأ مرفوع عن هذ الأمة، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيْمًا﴾ [الأحزاب: ٥] (٢)
٢ - ومن المستجدات هذا الاستفتاء: ما كفارة من اشترى بضاعة واستلمها ونسي أنه أخذها، ثم عاد وأخذ بضاعة أخرى من دون تعمد؟ وشكرًا (٣).
حاصل الجواب: أنه مخطئ لا إثم عليه، لكن يجب عليه رد البضاعة بعد تبين الخطأ
стр. 479
٣ - ومنها ما في هذا الاستفتاء الهام الذي أجاب عنه شيخ الأزهر جاد الحق:
«من السيد/ ر خ م، المتضمن: أن أخوين خطبا أختين لنفسيهما على أن يكون الأكبر فيهما زوجًا للكبرى - والأصغر زوجًا للصغرى - ثم عقد قرانهما شرعًا وقانونًا.
ولما كانت تقاليد الصعيد والريف أن يدخل الزوج على زوجته ليلة الزفاف فيزيل بكارتها بأصبعه، إلا أنه حدث خطأ بأن دخل كل واحد على زوجة الآخر وأزال بكارتها سهوًا، وازاء هذا الموقف الحرج الذى تنبه له الجميع حجبت كل زوجة عن زوجها، وحتى الآن لم يتم الدخول، ولا المعاشرة بالنسبة لكلا الزوجين والزوجتين، ويستطرد السائل قائلًا: ما مصير عقد الزواج هل هو صحيح، أم باطل؟ وما موقف الشريعة الإسلامية فيما حدث.
وحاصل الجواب: أنه خطأ معفو عنه وترجع لزوجها الأول على تفصيل. (١)
٤ - ومنها: محاسب في شركة تبين له أنه أخطأ في الحسابات، وأنه لم يسجل أموالًا كبيرة لأحد العملاء، فخاف أن يبلغ المدير أن يحاسبه. فما هو العمل.
٥ - ومنها: أنه حدث أن قامت أزمة خلاف شديد احتدم بين الزوجين، وتألمت منه الزوجة ألما نفسيا شديدا دفعها إلى تهديده بالانتحار إن لم يطلقها، ولعله لظروفها النفسية وظرفه الاجتماعى ورغبة فى تهدئة
стр. 480
خاطرها ومنعا لها من إتمام تنفيذ تهديدها حيث كان نصفها خارج البلكونة من الدور الثامن نطق بالطلاق بقوله أنت طالق فى مواجهتها (١)
وحاصل الجواب: أنه مكره ولا طلاق عليه.
٦ - ومنها جامع زوجته في حيضها في رمضان بالواقي الذكري ظنا منه أنه لا يؤاخذ في هذه الحالة، والجواب: أن عليه القضاء والكفارة.
٧ - ومنها ما في هذه النازلة: هناك امرأة لديها ابن يبلغ من العمر (١٥) سنة أي (كان هو موجودًا في حجرة ومعه موقد فحم (كانون) وأقفلت عليه الحجرة، ثم أتت فوجدته ميتًا فقالوا لها إنك أنت كنت سبب وفاته أي قتلته، وهي منذ ذلك الوقت تعيش معذبة وحيرانة هل عليها إثم أم ماذا .. صحيح أن الأعمار بيد الله ولكن الناس قالوا لها إنك قتلته؟ وشكرا (٢)
وحاصل الجواب: إن ثبت أن سبب الموت كان إغلاق الغرفة، فهو قتل خطأ تنبني عليه أحكامه، من كفارة، ودية.
٨ - ومنها ما في هذه النازلة: لي صديق يعيش في أمريكا كان مواظبا على الفروض كلها، وكان يرفض الزنا ولكن في أحد الأيام أتى له أصدقاؤه بفتاه لكي يمارس معها الجنس، ولكنه رفض وفي أحد الأيام أعطوه مشروبا وكان به مخدر فنام وجاءت فتاة ومارست معه الجنس فهولا يعرف أهو زان أم لا، فهو الآن لا يذهب إلى المسجد؛ لأنه خائف أن يكون زنى، أريد ماذا يفعل هذا الصديق؟ أريد فتواكم؟ وجزاكم الله خير الجزاء؟
والجواب: ما دام هذا الشخص لا يعرف أن المشروب فيه مخدر فلا إثم عليه في شربه لعذره بالجهل بحاله.
стр. 481
وكذلك لا إثم عليه ولا يعد زانيا إذا مارس الزنا مع تلك الفتاة وهو فاقد الوعي بسبب السكر لأن القلم عنه مرفوع؛ لما روى ابن ماجه وغيره وحسنه النووي أن النبي ﷺ قال: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه.
والواجب عليه أن يتطهر ويذهب إلى المسجد ويصلي مع الناس.
ولو قدر أنه زنى بالفعل فعليه أن يتوب إلى الله ويذهب إلى المسجد ويصلي مع المسلمين لأن عدم ذهابه إلى المسجد للصلاة بحجة أنه زنى غير صحيح، بل هو آثم إثما آخر إذا فوت الجماعة عند طائفة من أهل العلم، وآثم عند الجميع إذا توقف عن الصلاة بالكلية.
والحاصل أن على صاحبك أن يحذر من مخالطة هؤلاء الأصحاب لأنه لا خير فيهم، وعليه أن يعتصم بالله ويحافظ على الصلاة مع الجماعة ويؤدي ما أوجب الله عليه ويبتعد عما حرم الله عليه. (١).
٩ - ومن نوازل الفتوى: حكم إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب.
يقول السائل: ما قولكم فيمن يقول بجواز إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب مهما كان عمر الجنين؛ لأن ذلك من باب الستر على الفتاة البريئة؟ (٢).
وحاصل الجواب: المنع وقد قرر المجمع: إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء
стр. 482
الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهًا أم لا دفعًا لأعظم الضررين.
١٠ - ومن النوازل الهامة: الاكراه على الزنا من عصابات الابتزاز الإلكتروني، وحكمه أنه لا يبرر الزنا، ولو بالتهديد بالفضح وغيره، والواجب أن تبلغ أهلها والجهات الأمنية لمكافحة الجريمة.
١١ - ومنها: الاعتراف بالجريمة تحت التعذيب مهدر لا يعمل به في الجملة.
١٢ - ومن النوازل السياسية في هذا السياق: الضغوطات السياسية من الدول الكافرة على الدول المسلمة، الأصل حرمة الاستجابة لها.
والواجب هو إطلاع أهل الشورى والحل والعقد في الدولة للتشاور في ذلك وتقدير الوضع.
أما ما نعيشه في عصرنا تحت مسمى الضغوط الأجنبية على الدول، فهو ذل محرم.
١٣ - ومنها ما وصلني من استفتاء في حكم: إكراه الجنود على قتل المتظاهرين، أو إعدام الأبرياء، لا يبرر بإجماع العلماء؛ لأن الإكراه لا يؤثر في القتل، وقد كتبت فتوى فيه هذا أنقلها لكثير فوائدها. ونصها: يحدث ويتكرر، وخاصة في بعض الدول العربية والإسلامية، أن عناصر من الجيش ومن الأجهزة الأمنية للدولة، تطلق النار على المتظاهرين السلميِّين، فتقتل بعضهم وتصيب بعضهم، وذلك بحجة تنفيذ الأوامر وطاعة أولي الأمر، وحفظ النظام والأمن العام ..
فهل يجوز هذا شرعًا؟
وهل إقدامهم على قتل المتظاهرين، أو إصابتهم بجروح وعاهات، بواسطة السلاح الناري، سواء فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، أو طاعة
стр. 483
لرؤسائهم، أو بدعوى حفظ الأمن، أو بدعوى الدفاع عن النفس، هل ذلك يبرئ ذمتهم، ويعفيهم من المسؤوليات المدنية والجنائية، الدنيوية والأخروية؟
ما قولكم رحمكم الله ونفع بكم؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فالجواب على ما تفضلتم به، هو:
أن أي اعتداء بقتل، أو جرح على المتظاهرين السلميِّين أمر محرم؛ لأن حفظ النفس من القواطع التي جاء بها التشريع الكريم، نصوصًا ومقاصدًا.
١ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
العلة المعلق بها الحكم في هذه الآية هي العمدية، وتحقق العمدية بآلة قاتلة على مسالم، والمتظاهر مسالم، وقاتله بآلة القتل متحقق فيه العمدية الواضحة، فشمله هذا الوعيد.
٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وهذه فريضة مكتوبة واجبة التنفيذ، كما يفيده لفظ (كتب) وعامة في كل القتلى، كما يفيده عموم (ال) ..
ولم يخص الشرع منه إلا قتل الخطأ، فلا قصاص فيه، وخص منه قتال الباغي من الفئتين بعد الصلح ..
فمن تعمد قتل متظاهر سلمي فمتحقق فيه فرض هذه الآية، وهو القصاص ومن تعلق بما ينقض هذا الأصل من التوهمات فقد ارتكب جرمًا عظيمًا إلى جريمة القتل، وهو تحريف معاني النصوص وتخصيصها وتأويلها بطوارف الأهواء.
стр. 484
فعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣].
يشمل قتل المتظاهرين السلميِّين بلا شك.
ويجري فيه القصاص المفروض بقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وفي قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
وفي قول النبي ﷺ (فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (١).
والنصوص في الباب كثيرة بالغة حد القطع.
ولم يأت نص باستثناء صورة في العمد، ولا تخصيصها إلا في حالة دفع الصائل عن نفس، أو عرض.
ومعلوم أن الصائل هو المعتدي القاصد العدوان على النفس، أو المال، أو العرض.
وهذا المناط ليس في المتظاهرين، ولا في أهدافهم، ولا مطالبهم
سواء في البلدان التي تقنن حق التظاهر السلمي، أو التي تمنعه؛ لعموم عصمة النفس وحرمة الدماء.
وقد أصبح التظاهر عرفًا عالميًا، بل وتشريعًا دستوريًا وقانونيًا.
فالحاكم حين يتولى إنما يتولى بعقد فيه اشتراطات معلومة، منها حقوق الشعب في التعبير عن الرأي، والتظاهر السلمي.
فإن اعتدى على المتظاهرين، فقد أخل بالعقد، وأهدر النفس المعصومة فارتكب جنايتين.
стр. 485
جناية متعلقة بالعقد الدستوري، وجريمة جسيمة متعلقة بهدر الدماء، وعصمة الأنفس، والأموال، والأعراض.
٣ - من أُمِرَ من الشرطة والجنود بقتل المتظاهرين، أو العدوان عليهم، فلا يجوز له أن يطيع في ذلك ..
وذلك لأن طاعة الدولة إنما هي طاعة تبعية مشروطة.
وطاعة ولي الأمر طاعة تبعية مشروطة.
وطاعة الله ورسوله هي الأصل، وهي طاعة مطلقة.
فلا تعارض أصلًا بين طاعة الله ورسوله، مع طاعة الولاة.
لأن التابع لا يعارض الأصل، بل يسقط مباشرة عند التعارض.
فطاعة الحكام تسقط عند تعارضها من نصوص الشرع وقواطعه.
ولهذا قعد الفقهاء قواعد شرعية للطاعةن فمما لا خلاف فيه:
«أن طاعة الإمام لا تجب على الخلق إلا إذا دعاهم إلى موافقة الشرع» (١).
دل على هذا نصوص كثيرة منها: ما في صحيح مسلم (٣/ ١٤٦٩): عن النبي ﷺ ، أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة».
وأخرج مسلم عن أم الحصين، أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت: أسود - يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا " (٢).
стр. 486
فشرط الطاعة هو أن يقود الناس بكتاب الله، فما خالف كتاب الله من التشريعات، أو الأوامر، فهي باطلة لا طاعة لأحد فيها.
فعقد الولاية شرطه الأمر وفق أمر الشرع والوقوف حيث وقف الشرع فمن نقض ذلك، فلا طاعة له؛ لأنه نقض الشرط الموجب لها.
وهذا ما يقوم عليه العقد السياسي في الإسلام وما إليه ذهب كافة العلماء ف "إنهم لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية الله، وإن كان إمامًا عادلًا" (١).
ولهذا نص ابن عبد السلام أنه لا طاعة لجهلة الملوك والأمراء، حتى يعلم أنه موافق للشرع، وذلك؛ لأن هؤلاء تختلط أوامرهم، وأقوالهم بالحق، والباطل، وقد جاء في الحديث: «اتخذ الناس رؤساءً جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (٢).
فطاعة هؤلاء الجهلة على إطلاقها ضلال، بل لابد من معرفة موافقتها للشريعة، حتى إذا علم موافقتها للشريعة أطيع، وإلا فلا.
قال العز: «لا طاعة لجهلة الملوك والأمراء إلا فيما يعلم المأمور أنه مأذون في الشرع» (٣).
بل شدد فقهاء المذاهب الأربعة، حتى في المسائل التي فيها خلاف سائغ، لكن المأمور يرى الحرمة، فقالوا: لا يجوز له الإقدام عليه، ولو أمره السلطان، وإلا فإنه يتحمل المسؤلية والتبعة.
стр. 487
قال فقهاء الشافعية: أن من استدعاه السلطان الحنفي أن يشهد أن فلانًا المسلم قتل فلانًا الذمي أنه: «ليس له أن يشهد عند حنفي على مسلم بقتل كافر؛ لأنه يقتل به» (١).
وكذلك لو أمر القاضي الحنفي الجلاد أن يقتل ذلك المسلم لأجل قتله الكافر والجلاد شافعيٌ، فلا تجوز له طاعته «وحرم عليه، وقُتِل به وضمنه» (٢).
وكذلك لو أمره السلطان بقتل رجل يرى السلطان استحقاقه للقتل، والمأمور لا يرى ذلك.
فقتله استحق القصاص فيقتل المأمور قصاصًا؛ لأنه غير معذور (٣).
وفي الفقه الحنبلي: «لو أمر السلطان أحدًا أن يقتل مسلمًا قَتَلَ ذميًّا، أو حرًا قتل عبدًا والسلطان يراه في مذهبه، والمأمور يرى عدم حله فليس عليه طاعة، ولو أطاعه، فهو آثم ضامن، وإن كان العكس ضمن السلطان» (٤).
وفي المذهب المالكي: «إن دعاك جائر إلى قطع يد رجل في سرقة، وأنت لا تعلم صحة ذلك إلا بقوله، فلا تجب إلا أن تعلم عدالة البينة فعليك طاعته لئلا تضيع الحدود» (٥).
وفي المذهب الحنفي: في الفتاوى الهندية: «وإذا ادعت المرأة على
стр. 488
زوجها أنه أبانها بثلاث، أو بواحدة فجحد الزوج فحلفه القاضي، فإن علمت أن الأمر، كما قالت لا تسعها الإقامة معه، ولا أن يأخذ ميراثها» (١).
فهذه النقول في المسائل السائغ فيها الخلاف، فكيف بما لا يسوغ فيها خلاف كقتل مسلم مسالم خرج متظاهر لا معتديًا، ولا خارجًا بقتال، ولا مخالف لدستور، ولا لقانون، فهذا لا تأويل لأحد في قتله، أو جرحه.
٤ - لا عذر لأحد بالإكراه في الدماء.
وقد يقول قائل إن الجندي مكره في القتل فالجواب لا إكراه في القتل بإجماع العلماء، حتى لو كان الإكراه ملجئًا وهدد الجندي في نفسه، أو في عرضه، أو بحبسه، أو فصله، فلا يجوز له الاقدام على القتل.
قلت هذا إن قلنا إن المسألة فيها إكراه ملجيء، وإلا فالحق أن الجندي لا يكره إكراهًا ملجئًا، فغاية ما يصنع بمن خالف الأوامر أن يفصل، أو يعاقب بالسجن، ثم يخلى سبيله.
ولا يعتبر هذا من الإكراه الملجئ.
ولو فرضنا أنه أكره إكراها ملجئًا، فلا عذر له بإجماع.
قال ابن العربي: لا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره على القتل، أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره، ويلزمه الصبر على البلاء الذي نزل به، اه (٢) ..
ومن قواعد الشريعة العظيمة: (لا يزال الضرر بالضرر).
ومن فعل ذلك فعليه القصاص، وقد ارتكب موبقة جسيمة من كبائر
стр. 489
الذنوب، قال الإمام الشافعي في الأم: ولو أن المأمور بالقتل كان يعلم أنه أمره بقتله ظلمًا كان عليه وعلى الإمام القود، وكانا كقاتلين معًا، انتهى (١).
وفي حالة الإكراه الملجئ لو أقدم الجندي على قتل المتظاهر فقد أفتى مالك بالقصاص عليه وعلى من أكرهه، وهذا مذهب الحنابلة وقال به الشافعي على تفصيل وقال أبو حنيفة يقتل من أكرهه (٢).
فإن كان هذا التشديد في حالة الإكراه الحقيقي الملجيء ففي الحالات الأخرى القصاص بلا خلاف.
والحقيقة أن واقع تصرفات الشرطة والجهات الأمنية والجيش في قمع المتظاهرين لا يدخل تحت الإكراه الملجئ، بل هو من البغي والعدوان الموجب للتجريم والتأثيم والقصاص.
ولا ينفع هنا جهل، فتحريم قتل النفس المعصومة والعدوان عليها معلوم من الدين بالضرورة، فلا يعذر أحد بجهله.
والحاصل أن العدوان على المتظاهرين بقتل، أو جرح تحت أي ذريعة محرم شرعًا يلزم منه الضمان لعموم الأدلة القاضية بذلك ولم يأت في الشرع ما يدل على استثناء شيء من ذلك، ولا على الترخيص في طاعة الأوامر الصادرة من الجهات الأمنية بقتل متظاهر فمن أقدم على ذلك فقد ارتكب جريمة جسيمة وحمل في عنقه دم مسلم ولزم فيه القصاص.
وبالله التوفيق.
стр. 490
المبحث الرابع قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور
وفيه مطالب:
المطلب الأول: معنى القاعدة ودليلها
الأصل أن التكليف الشرعي يؤدى على كماله وتمامه، لكن قد لا يقدر المكلف إلا على البعض، فهل يجوز له الاكتفاء بهذا البعض ويجب عليه فعله أم لا يجوز أن يأتي به إلا على الكمال ومعلوم أنه لا يقدر عليه، وهذا يؤدي إلى إسقاط التكليف في هذا الأمر.
لذلك حرص الشرع على أداء العبادة بقدر ما يستطيعه المكلف، ولو بعضها، فلا يسقط ما قدر عليه بسقوط ما لم يقدر عليه.
وهذا من أبرز مظاهر التيسير والتخفيف عن المكلف، وهو يكشف أن التخفيفات هدفها وغايتها أن يحافظ على التكليف على كل حال.
ودليل هذه القاعدة كثير في القرآن والسنة فمن ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
ولها أدلة من السنة كذلك:
قال ابن السبكي: ومن أشهر القواعد المستنبطة من قوله ﷺ : «إذا
стр. 491
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).
وقد سبقت أدلة في القاعدة الأم لهذا الباب.
المطلب الثاني: الاستثمار الفقهي
ذكر العلماء فروعًا لا تحصى لهذه القاعدة.
حتى قال ابن السبكي: وذكر الإمام في أواخر الغياثي ومن خطه نقلت أن هذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة.
وقد ذكر الشيخ الإمام في باب التيمم من "شرح المنهاج" وأكثر من عد مسائلها.
١ - فمنها: إذا كان مقطوع بعض الأطراف يجب غسل الباقي جزمًا.
٢ - ومنها: إذا قدر على بعض السترة فعليه ستر القدر الممكن.
٣ - ومنها: إذا قدر على بعض الفاتحة أتى بها.
٤ - ومنها: إذا لم يمكن المصلي رفع اليدين إلا بالزيادة على المشروع، أو نقص أتى بالممكن.
٥ - ومنها: إذا انتهى المظاهر إلى المرتبة الأخيرة؛ فلم يجد إلا إطعام ثلاثين.
стр. 492
قال الإمام: يتعين عندي إطعامهم قطعًا.
٦ - ومنها: إذا وصى بإعتاق عبد فلم يخرج كله من الثلث عتق ما يخرج منه قطعًا.
٧ - ومنها: إذا وجد من الماء ما لا يكفيه فالأظهر وجوب استعماله.
٨ - ومنها: إذا قدر على بعض الماء، ولا تراب معه فطريقان: أصحهما يجب استعماله والثانية طرد القولين.
٩ - ومنها: الأصح -في القدرة على بعض التراب- الوجوب وقيل: على القولين.
١٠ - ومنها: إذا كان في بعض بدنه ما يمنع استعمال الماء غسل الصحيح وتيمم للجريح، وقيل: على القولين.
١١ - ومنها: إذا قدر على بعض الصاع من الفطرة لزمه إخراجه - على الأصح.
١٢ - ومنها: إذا قدر على بعض الرقبة في الظهار لم يقدر على الصيام، ولا الإطعام؛ فأوجه خرجها ابن القطان. أحدها: الاكتفاء به (١).
стр. 493
المطلب الثالث: البناء الفقهي المعاصر.
١ - لا يجب غسل الطرف الصناعي لا في غسل، ولا وضوء (١).
٢ - أما الشعر الذي بزراعة، فإن كان ينمو فله حكم الطبيعي، وإن كان لا ينمو فالمسح عليه كالمسح على العمامة، بل أولى؛ لأنه حائل لا يمكن إزالته، ولأن المقصود من المسح على الرأس هو بشرة الرأس لذلك لا يسقط عن الأصلع، ويقوم الشعر مقامه، وكذلك العمامة، وما هو أولى منها كالشعر الطبي. ولأن الله سبحانه يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
والفرق بينه وبين الطرف الصناعي أن الغسل موجه إلى القدم، ولا وجود لها.
والمسح موجه للرأس، وهو موجود، ولو بحائل.
٣ - وإذا احتل الكفار بلاد الإسلام وتخاذل حكامهم؛، فلا يسقط وجوب الجهاد على الشعوب، وفَرْضٌ وجود طائفة تدفع الاحتلال: ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ (البقرة: ١٩١)؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ (النساء: ٨٤). (٢)
٤ - الواجب أن يجتمع أهل الإسلام اليوم في اتحاد بكيفية مقاربة، ولو في المجال الاقتصادي، أو البرلماني، أو العسكري. ويكون ذلك، ولو بالتدريج، بالأهم تحصيلًا للمنافع، والمصالح وتقليلًا من المفاسد. لأن الميسور لا يسقط بالمعسور
стр. 494
٥ - لا يكلف العالم من القول إلا بما يستطيع ولا يكلف إنكار ما لا يقدر على إنكاره أو بما يترتب عليه ضرر عليه يمنعه من التعليم والدعوة، فيجب أن يقول ما يقدر عليه ويعذر فيما لا يقدر. (١)
٦ - من لم يقدر على تعلم تلاوة القرآن من الشيوخ وكان يقدر على الاستماع والترديد للإشرطة والتسجيلات فهو هو تكليفه. (٢)
نموذج من الفتاوى المعاصرة متعلقة بالقاعدة:
الفتوى الأولى: حكم العمل في الضرائب المحرمة:
يرى البعض أن العمل في الضرائب المحرمة إن كان فيها تخفيف من المظالم النازلة على الناس فهو جائز ولا إثم عليه وراتبه حلال لأن الميسور لا يسقط بالمعسور. (٣)
ونص الإستفتاء هو:
حقيقة أنا كنت أعمل بمصلحة الضرائب ظانا أن العمل بها حلال لا شك فيه لمدة تسعة سنوات ثم أخبرني بعض الإخوة أن هذا العمل حرام فاستفتيت أحد طلاب العلم عندنا فأفادنى أن العمل فى الضرائب حرام إلا إذا عملت بنية التخفيف على الناس يجوز وتؤجر.
المهم عملت بعد هذه الفتوى قليلا ثم لم أطمئن فقررت ترك العمل وأرجو ألا يكون تركي رياء وأن يغفر الله لي ثم إني بعد ترك العمل يكون لي على الدولة مستحقات مالية مثل أموال كانت تستقطع باسم
стр. 495
التأمين والتكافل الاجتماعى واستحقاقات أخرى هل يجوز لي أخذها والاستفاده منها؟ وما حكم ما كنت أتقاضاه قبل علمى بحرمة العمل؟
وهل يجوز لي أن أرجع لهذا العمل وأسعى للتخفيف على الناس ما استطعت علما بأني فى وظيفه مفتش ولي مساحة من السلطة تمكن أحيانا من ذلك؟
ونص الجواب: يجوز للدولة أن تفرض ضرائب على المواطنين لتوفر بما تجنيه من الضرائب الخدمات اللازمة كتعبيد الطرق وبناء المستشفيات والمدارس، لكن بشرط أن تستنفد كل ما في بيت المال (الخزينة العامة) أما إذا جعلت ضرائب على المواطنين بدون مقابل، أو جعلتها عليهم وفي بيت المال ما يكفي للقيام بالخدمات اللازمة والمصلحة العامة فإن ذلك محرم شرعًا، وآخذها عرضة للعقاب الشديد ففي المسند من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة صاحب مكس. يعني: العشار. والمكوس: هي الضرائب ونحوها ممايؤخذ بغير حق شرعي، كما أن جواز الأخذ للحاجة الضريبية مقيد كذلك بما إذا لم يكن هنالك تسيب أو سوء استخدام في المال العام، والعمل في إدارات الضرائب ينبني حكمه على نوعية الجباية، وعلى ذلك ففيه تفصيل:
١ فإن كانت مصلحة الضرائب تراعي الشرع ولا ترهق الناس بالضرائب الباهظة، وتنفق هذه الأموال في مصالح المسلمين .. مع خلو الخزينة العامة للدولة من الأموال، فعندئذ يجوز للمرء العمل في إداراتها، لكن يجب على العامل أن يلتزم العدل، وأن يبتعد عن الظلم، وليحذر من الرشاوى التي تعرض عليه، ليخفف مقدار الضريبة أو ليتجاوز عنها، وراتبه في هذه الحالة حلال لا شيء فيه، وكذا المستحقات التي تقرر له من الجهات التي ذكرت في السؤال، مع وجوب تخلصه من المبالغ التي تزيد