تعاقدًا بين حاضرين وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة.
٣ - إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه.
٤ - إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض، ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال.
٥ - ما يتعلق باحتمال التزييف، أو التزوير، أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات» (١).
стр. 527
المبحث التاسع قاعدة: الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان
المطلب الأول: المعنى والألفاظ
وهذه القاعدة تأتي في سياق التكليف بالوسع وقيام الشريعة على التيسير، حيث لم يترك حالة من الحالات المختلفة للمكلف إلا وشملها بأحكامه، سواء الحالات العادية والحالات الطارئة، الكاثرة، أو النادرة.
وهنا تأتي قاعدة الأخرس وكيفية التعامل معه حيث تعتمد الشريعة إشارة الأخرس معيارا للتعبير عن إرادته.
ولها ألفاظ متعددة:
١ - الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان.
٢ - إشارة الأخرس كعبارة الناطق.
٣ - إشارة الأخرس المفهمة كالنطق.
٤ - إشارة الأخرس أقيمت مقام العبارة (١).
стр. 528
المطلب الثاني: مستند القاعدة
ودليلها: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
فالأخرس مكلف بما في وسعه، وهو هنا الإشارة للتعبير عن ما يريد ..
ودليلها من السنة ما أخرجه البخاري قال:
١ - حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ : «الشهر هكذا، وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة» (١).
٢ - وقال حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان قال أبو حازم سمعته من سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله ﷺ يقول: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، أو كهاتين، وقرن بين السبابة والوسطى.» (٢).
٣ - قال البخاري: «باب اللعان وقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة، أو إشارة، أو بإيماء معروف، فهو كالمتكلم؛ لأن النبي ﷺ قد أجاز الإشارة في الفرائض، وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم وقال الله تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، وقال الضحاك ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] إلا إشارة وقال بعض الناس لا حد، ولا لعان، ثم زعم أن الطلاق بكتاب، أو إشارة،
стр. 529
أو إيماء جائز وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال القذف لا يكون إلا بكلام قيل له كذلك الطلاق لا يجوز إلا بكلام، وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق وكذلك الأصم يلاعن وقال الشعبي وقتادة إذا قال أنت طالق فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته وقال إبراهيم الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه وقال حماد الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز» (١).
٤ - قال: حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود قال: «وأشار النبي ﷺ بيده نحو اليمن الإيمان ها هنا مرتين ألا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر.» (٢).
٥ - وقال: حدثنا عمرو بن زرارة: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل قال رسول الله ﷺ : «وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا» (٣) ..
قال النووي: يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة والكتابة (٤).
واختلف في المراد بالأخرس هل هو الأخرس خلقه دون من عرض له اعتقال اللسان، أو هما سواء! خلاف بين المذاهب، فعند الحنفية إنما يعتد بإشارة الأخرس خلقة دون من عقل لسانه إلا إذا امتد، وأما عند الشافعية فهما سواء (٥).
стр. 530
المطلب الثالث: من الفروع المتعلقة بها
إشارة الأخرس في النكاح، والطلاق، والعتاق، والبيع، والإجارة، والهبة، والرهن، والإبراء، والإقرار، والنكول، واختلف في القصاص، ولا يقبل في الشهادة؛ لأنها مبنية على لفظ أشهد كذا قال الحنفية (١)
المطلب الرابع: من التطبيقات المعاصرة
١ - رفع اليد بالموافقة على القرار، أو الفتوى بواسطة اليد الإلكترونية، أو الحقيقية. وعلى هذا اعتمدت مجالس النواب والشورى والمجامع وهيئات الفتوى في عصرنا.
٢ - وقد تطورت اليوم إشارات الصم والبكم، فأصبحت لغة تسمى لغة الإشارة، وتنقل بها العلوم والأخبار، وخصص لهم حيز في الإعلام والتعليم، فعلى ما تقدم هذه اللغة تعتمد أمام القضاء وفي المعاملات وفي الأنكحة وغيرها ..
٣ - ومنها ضغط الزر بالموافقة على الصفقة عبر النت فيقع القبول بما يطلب منه كضغط على أيقونة وتأكيدها إن طلب التأكيد. وينبغي اتباع نظام التأكيد دفعًا لخطأ العميل. (٢)
стр. 531
المبحث العاشر قاعدة: العبرة للغالب الشائع لا للنادر
وفيها مطلبان:
المطلب الأول: معنى القاعدة ومستندها
هذه القاعدة المقصود منها أن الحكم يعطى على ما جرى عادة وغلب وكثر لا ما كان نادرًا، فلا.
ومستندها ما سبق في أدلة القاعدة الأم، فجميع ذلك وارد هنا والأمر بالعرف والمعروف يرجع في ضبطه إلى ما عرفه الناس وغلب على استعمالهم، لا ما كان غريبًا نادرًا.
وهذا القاعدة تعتبر كالبيان لقاعدة العادة محكمة، فهي تضبط العادة والعرف بما غلب.
وتلغي ما كان نادرًا وغريبًا، فلا تعتبره عادة، ولا تبنى عليه الأحكام المتعلقة بالعرف.
جاء في المجلة «(المادة ٤١): إنما تعتبر العادة إذا اطردت، أو غلبت.
المادة (٤٢): العبرة للغالب الشائع لا للنادر.
هذه المادة مشتركة في المعنى مع المادة (٤١)» (١).
стр. 532
والحقيقة أن هذه القاعدة أعم من العادة والعرف، فهي مستعملة في عموم أبواب الشرع،
ولذلك جاءت بصيغ عديدة (١).
١ - للأكثر حكم الكل.
٢ - الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب دون النادر.
٣ - الأقل يتبع الأكثر.
٤ - الحكم للأغلب.
٥ - إذا دار الشيء بين الغالب والنادر فإنه يلحق بالغالب.
٦ - الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر.
٧ - العبرة بالغالب الشائع، لا بالقليل النادر
وهذه الصيغ مستعملة في عموم أبواب الفقه.
فأحكام الشرع تبنى على ما دلت عليه الدلالة الظاهرة، أو النصية.
ومعلوم أن الظاهرة يرد فيها احتمال معارض، لكنه ضعيف فيلغى ويعمل بدلالة الظاهر الغالبة.
والمجتهد والحاكم يقضي بغلبة الظن على ما ظهر له من الأدلة والشهادات والقرائن.
والحكم على أوثقية الراوي في الحديث، والنقل يقوم على سبر لمروياته، فإن غلب التثبت وندر الخطأ، فهو الثقة. وإلا فهو الضعيف.
стр. 533
وهكذا في القواعد النحوية البناء فيها على ما غلب وظهر من لسان العرب. لا ما ندر واستغرب.
وبنيت جميع العلوم على القطع، أو الغلبة الأكثرية، والأول قليل، والثاني الأعم الأكثر.
وما كان نادرًا، أو شاذًا، أو غريبًا لا تبنى عليه العلوم، ولا النظريات، ولا القواعد، ولا الكليات.
وتعتبر هذه القاعدة ملغاة في حال ما ورد فيه نص خاص في حكمه.
كالخمر فإنه حرام، ولو قليلًا، فلو خلط بعصير حرم، ولو قل.
وكذلك الربا محرم، ولو قل.
وإنما لم تعتبر الغلبة؛ لأن الغلبة تأتي في الدرجة الثانية بعد القطع واليقين.
فإن الأحكام تبنى بطريقين الأولى اليقين، وهي المتعينة والمطلوبة إن وجدت، ولا يعدل لغيرها.
الطريق الثانية: الظن الغالب، وهو يقوم مقام اليقين في الحكم، وهو أكثر الشرع.
بل أكثر عاديات الحياة مبنية على الغالب، فإن وجد اليقين ألغي الظن المعارض.
ولذلك وجد في مسألة الخمر يقين التحريم في القليل والكثير بالنص، فأخذ الحكم منها لا من قاعدة الغلبة، وهكذا في مسألة الربا.
стр. 534
المطلب الثاني: تطبيقات القاعدة
من تطبيقات القاعدة في باب العادة والعرف كل ما سبق من التطبيقات، فإن العرف والعادة المعتبر فيه هو الأكثر المطرد الغالب لا النادر والغريب والشاذ ومنها: (١).
١ - يحكم بالبلوغ لمن بلغ من العمر ١٥ عامًا؛ لأن هذا هو الأغلب.
ولو وجد من بلغ في سن ١٧ عامًا، فهو نادر لا ينقض الحكم الغالب.
٢ - الشائع الغالب أن الولد الذكر يستغني بنفسه في عمر السابعة، وعليه فمدة الحضانة للصبي سبع سنين.
٣ - رخص الشرع للمسافر وللمريض رخصا عديدة؛ لأن الغالب الحرج عليه والمشقة، ولو كان بعض الأشخاص لا تلحقهم تلك الأمور، لكن الحكم مبني على الغالب (٢).
٤ - يغتفر الغرر اليسير في المعاملات؛ لأن الحكم لا يبنى على النادر والقليل.
٥ - إن سقى الزرع أكثر السنة بكلفة ومؤنة فنخرج الزكاة نصف العشر؛ لأن الحكم للأغلب نص، وهو ما ذهب إليه أحمد. وهو قول عطاء، والثوري، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي (٣).
стр. 535
٦ - إذا اختلط لبن امرأتين فروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الحكم للأغلب فثبت به التحريم دون الآخر وقال محمد وزفر يثبت التحريم منهما احتياطا في باب الحرمةوهما يقولان إن المغلوب لا عبرة به في الشرع وتردد ابن القاسم في ذلك (١).
٧ - جوز المتأخرون للدائن في هذا الزمن استيفاء دينه من غير جنس حقه، لغلبة العقوق. (٢)
٨ - وقالوا: ليس للزوج أن يجبر زوجته على السفر من وطنها إذا كان نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها؛ لغلبة الإضرار في الأزواج.
٩ - وقالوا: ليس للقاضي أن يقضي بعلمه، لفساد حال القضاة.
١٠ - وصححوا الاستئجار على الإمامة والأذان والتعليم؛ لتكاسل الناس عن القيام بها مجانًا.
١١ - وقدروا في الحضانة استغناء الصبي بالسبع، وحد الشهوة للأنثى بالتسع؛ لأنه الغالب.
١٢ - ومنعوا من سماع دعوى الزوجة بكل المهر المعجل على زوجها بعد الدخول بها، بل يقال لها: إما أن تقري بما تعجلت، وإلا قضينا عليك بالمتعارف تعجيله؛ وذلك؛ لأنها لا تسلم نفسها عادة من غير أن تقبض.
١٣ - وقدروا مدة الإياس من الحيض للمرأة بخمس وخمسين سنة لأجل أن تعتد؛ لأن المرأة إذا بلغت هذه السن ففي الغالب ينقطع حيضها.
стр. 536
١٤ - ترد شهادة العدو على عدوه، والصديق الملاطف لصديقه؛ لأن الغالب في الأول الحَيْف وعدم الإنصاف، وفي الثاني الميل والمحاباة، وقد لا يكون في شهادة العدو حيف، ولا في شهادة الصديق ميل، لكن ألغي لندرته وعمل بالغالب (١)
١٥ - الغالب في أموال المسلمين أنها حلال، لذلك يجوز البيع والشراء دون حاجة إلى بحث وسؤال.
١٦ - يشترط في الشهادة عدالة الشهود والعدالة اجتناب الكبائر مطلقا والاكثار من الصغائر «واعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب؛ لأن الحكم للأغلب، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، والآية التي بعدها.
ولا يقدح فيه في عمل صغيرة نادرًا؛ لأن أحدًا لا يسلم منها» (٢).
المطلب الثالث: الأثر الصناعي المعاصر
١ - جواز العمل في الترويج على النت لأمور مباحة وإرسال الروابط لشراء منتجات مباحة، وما قد يحصل لمن يدخل عبر الرابط من رؤية إعلانات الشركات الأخرى التي قد يكون فيها تبرج ونحو ذلك لا يمنع العمل؛ لأن أصل العقد مباح، وعلى مباح، وما يطرأ أثناء تصفح العمل
стр. 537
من إعلانات لا تجعل العمل حرامًا، ولذلك يجوز الخروج للسوق مع إمكان رؤية منكر، أو سماعه، فالعبرة بأصل العقد لا بما يعرض من منكر مما لا شأن للمشتري به، ولا للبائع به.
٢ - إذا أطلقت العملة الورقية في العقود، فهي بعملة البلد فحيث يقال الريال في العقود باليمن، فهو الريال اليمني، وإن كان في قطر، فهو القطري وفي السعودي الريال السعودي، وهكذا
لأن الأصل عند الإطلاق الرجوع إلى العرف الغالب.
٣ - المياه التي يرش بها الحدائق الأصل فيها الطهارة واحتمال النجاسة نادر.
٤ - الأصل في عقود المسلمين الصحة؛ لأن الغالب عليهم التزام الحلال.
٥ - للذين يعيشون في بلاد غير المسلمين حكم أكلهم للحوم والدواجن راجع إلى العلم الأغلبي، فإن كان يغلب على الظن الصعق والقتل بالضرب ونحوه حرم؛ لأن الحكم للغالب.
٦ - يجوز قراءة القرآن للحائض والجنب من الهاتف لاحتوائه الأغلب على برامج وتطبيقات.
٧ - جواز بيع خدمات الانترنت ووسائل التكنولوجيا؛ لأنها مباحة والعقد مباح، ولا شأن للبائع بعمل المشتري بها. والغالب استعمال هذه الأدوات لحاجيات الحياة المعاصرة فيكون مباحا.
٨ - -دعم الضروريات المعيشية، وما ينزل منزلتها من الحاجيات فيدعم من المال العام سعر القمح، والخبر، والسكر، والمشتقات النفطية،
стр. 538
والغاز تسهيلًا على الأكثرية الغالبة من الشعب من محدودي الدخل؛ لأن الحكم للأغلب (١).
٩ - ومثله جواز بيع الملابس النسائية والمستلزمات والميكب وغيرها من أدوات الزينة للنساء، ولا تكليف على البائع بما يقوم به المشتري. فإن الله لم يحرم اللبس، ولا الزينة، ولا بيعها ولكن نظم استعمالها.
١٠ - إما إن كان يتعين شراء المنكر، كرجل مسلم يعيش في الغرب ويعمل في مزرعة عنب تباع كلها لمصنع الخمر، فهو تعاون على المنكر الغالب، أو الظاهر فيحرم.
نماذج من الفتاوى المعاصرة بنيت على القاعدة:
الفتوى الأولى: الترويج عن طريق موقع قد يحتوي على صور متبرجات
السؤال: أرجو من فضيلتكم إجابتي علي هذه المسألة الخاصة بحكم العمل في الترويج والدعاية لمنتجات مختلفة علي الإنترنت، والتي قد تكون بإذن الله -هذه الفتوى- مرجعًا للعاملين في هذا المجال من المسلمين، وبيان المسالة كالتالي:
١ - أعمل في الترويج لمنتجات مختلفة علي الإنترنت (برامج، خدمات استضافة، أجهزة كمبيوتر، … الخ) وذلك عن طريق إرسال البريد الدعائي، أو عرض الإعلان في موقعي، أو في المنتديات ومجموعات الأخبار المختلفة.
٢ - عندما يتم التعاقد مع الشركة مالكة المنتج؛ تكون نسبة العمولة من عملية البيع، أو ثمن النقرة على الإعلان معلومة.
стр. 539
٣ - عندما يضغط العميل على الرابط الدعائي الذي أرسلته له، أو في موقعي، فإن هذا الرابط يحيله على موقع الشركة المنتجة للبرنامج، أو مقدمة الخدمة.
٤ - يلاحظ على مواقع هذه الشركات المنتجة ما يلي:
أ- بعض هذه المواقع تحتوي على صوره لامرأة متبرجة على صفحتها الرئيسية.
ب- بعض هذه المواقع تحتوي على صورة لامرأة متبرجة على صفحه فرعية، أو صفحتين، أو أكثر (كصفحة اتصل بنا مثلًا).
ج- بعض هذه الصور منها ما هو مثير للغرائز (ليست صورا إباحية)، وبعضها عادية كصورة امرأة عارية الرأس، أو صورة عائلة (أب وأم وأطفال يشاهدون جهاز كمبيوتر مثلًا).
د-بعض هذه المواقع خاليه مما سبق، ولكنها تحتوي على إعلانات جوجل ادسنس ذات الارتباطات النصية، أو الرسومية والتي لا يكاد يخلو منها موقع أجنبي، أو عربي، أو إعلان آخر ذو ارتباط نصي، أو رسومي.
هـ-هذه الإعلانات النصية، أو الرسومية قد تحيل على مواقع أخرى قد تحوي بعض المخالفات الشرعية، ولكن هذا لا يعلم غالبًا إلا بعد الضغط على الارتباط الإعلاني.
و- الروابط الإعلانية التي أتسلمها من الشركة نوعان:
١ - رابط يحيل على الصفحة التي تحتوي على الصور النسائية.
٢ - رابط يحيل على صفحة المنتج المعلن عنه والتي لا تحتوي على هذه الصور؛ ولكن قد تحتوي صفحة الدعم للخدمة، أو للبرنامج (في حالة حدوث مشكلة)، أو صفحة (اتصل بنا)، أو صفحه أخرى لمنتج لآخر لنفس الشركة على بعض هذه الصور.
стр. 540
وعملي في الدعاية والترويج ينصب على الترويج للمنتج (برنامج مضاد للفيروسات مثلًا، أو خدمة استضافة) والعميل يقوم بزيارة الموقع للحصول على المنتج.
في الفتوى رقم (١١٤٦٩٨) أجاب السادة العلماء بموقعكم المبارك بإذن الله بجواز الترويج لما هو مباح على موقع شركة أمازون رغم أن موقع هذه الشركة قد يحتوي في بعض صفحاته على بعض المخالفات كصور نساء، أو إعلان عن كتاب مخالف للشريعة الإسلامية.
أرجو من فضيلتكم التفضل بالتفصيل والتدليل والنصح والإرشاد في بيان حكم هذا العمل، وما هي الحدود المسموح بها شرعًا في مزاولة مثل هذا العمل؛ علمًا بأنني بإذن الله تعالى سوف أنشر هذه الفتوى وأرسلها لكل من أعرفهم ممن يعملون في هذا المجال.
وجزاكم الله عنا والمسلمين كل خير.]
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا بأس أن يقيم الشخص موقعا على شبكة الإنترنت يقوم فيه بالدعاية والإعلانات والترويج لمنتجات وبرامج وسلع لآخرين، فإن هذا لا يختلف حكمه عن حكم الإجارة، أو السمسرة في الأسواق التقليدية.
ويشترط لجواز هذا النشاط أن يكون ما يروج له مباحًا شرعًا.
وبالنسبة للإشكالية التي يواجهها الأخ السائل في عمله، وهي أنه يحيل العميل الذي يريد المنتج المباح على موقع الشركة التي تبيع هذا المنتج مع ما قد يوجد في الموقع من صور محرمة، أو روابط توصل إلى مواقع محرمة.
فإننا نرى أن ذلك لا يوجب منع هذا العمل مادام أن العقد (عقد
стр. 541
الترويج) وقع على مباح، إلا أن تكون طريقة عرض المنتج نفسها مشتملة على صورة محرمة، أو عبارات ممنوعة شرعًا، أو يكون الموقع الذي يوجد فيه المنتج موقع إباحي، أو موقع تنصيري، أو غير ذلك من المواقع التي يعلم أن الداخل إليها لن يسلم من شرورها، أو أن كثرة الزائرين يعتبر دعمًا له، فهذه لا يجوز الإحالة عليها، وإن كان المنتج مباحًا لاعتبارات أخرى توجب المنع منها: النظر للمآلات؛ ولذا حرمت الشريعة بيع المباح لمن يتوصل به إلى حرام، ومنها: العبرة للغالب الشائع، ومنها: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وغير ذلك. والله أعلم. [تَارِيخُ الْفَتْوَى] ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٠»
الفتوى الثانية: هل أضع في موقعي دردشة كتابية؟
السؤال: أنا صاحب موقع إنترنت، هل يجوز أن أضع في موقعي دردشة كتابية مباشرة؟
الجواب: الأصل في الأشياء الإباحة، وهذا من يسر الشريعة، ولا يظهر لي فيما سألت ما يقتضي تحريمه؛ لأنه من الوسائل التي تقضى من خلالها الحاجات المباحة.
ولكن إذا رأيت أن ما وضعته في موقعك من خاصية المحادثة الكتابية تستخدم غالبًا في المحرمات، والتي كثيرًا ما تستخدم لأجلها بعض برامج المحادثات، فأرى أن تحذف هذه الخاصية من موقعك؛ لأن الغالب حينئذ هو استخدامها في الحرام، ومن القواعد المتقررة عند أهل العلم أن الحكم للأغلب.
كما أن من القواعد المتقررة أن للوسائل أحكام المقاصد، فإذا كان المقصد حرامًا كانت كل وسيلة إليه حرامًا كذلك، وإن كانت مباحة في نفسها.
وإذا كان المقصود أمرًا مباحًا كان كل ما يفضي إليه من الوسائل حلالًا،
стр. 542
بشرط أن يكون هو حلالًا في نفسه، وكذلك القول في المقاصد الواجبة والمندوبة والمكروهة، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد» (١)
الفتوى الثالثة: الجوانب الإيجابية والسلبية للبورصات
السؤال: ما هو حكم العمل في البورصات في قسم تطوير أنظمة الحاسب الآلي؟
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
فإن حكم العمل في قسم تطوير أنظمة الحاسب الآلي في البورصة فرع على الحكم على أعمال البورصة نفسها، ونحن نقدم بين يدي الحكم عليها بعرض مجمل لما تقدمه البورصة وكيف تعمل، حتى يكون الحكم على الشيء فرعًا عن تصوره، فنقول:
البورصات العالمية المعروفة لها جوانب إيجابية وأخرى سلبية ضارة. فمن الجوانب الإيجابية المفيدة: أنها تقيم سوقًا دائمة تسهل تلاقي البائعين والمشترين، وتعقد فيها العقود العاجلة والآجلة على الأسهم والبضائع وغيرها، وكذلك تسهل عملية التمويل للمشروعات العملاقة، وتسهل بيع الأسهم والبضائع، وتسهل أيضًا معرفة ميزان الأسعار وتقلباتها في ميدان التعامل. وأما جوانبها السلبية الضارة فكثيرة لا تخلو منها بورصة، بل غالب البورصات تقع في هذه المحاذير فمنها:
١ - أن العقود الآجلة التي تجري في هذه السوق ليست في معظمها بيعًا حقيقيًا، ولا شراء حقيقيًا؛ لأنها لا يجري فيها التقابض بين طرفي العقد فيما يشترط له التقابض في العوضين، أو في أحدهما شرعًا.
стр. 543
٢ - أن البائع فيها غالبًا يبيع ما لا يملك من غلات وأسهم ونحوها.
٣ - أن المشتري فيها غالبًا يبيع ما اشتراه لآخر قبل قبضه، والآخر يبيعه أيضًا لآخر قبل قبضه، وهكذا يتكرر البيع والشراء على الشيء ذاته قبل قبضه فيكون قد حدث بيع ما لا يملك، بل العرف السائد أن القبض لا يكون أصلًا، فالمشتري يشتري ليبيع لا ليقبض.
٤ - فشو الاحتكار من قبل المتمولين.
٥ - خطورة هذه السوق (البورصة) ويتمثل ذلك في اتخاذها وسيلة للتأثير في الأسواق بصفة عامة؛ لأن الأسعار فيها لا تعتمد كليًا على العرض والطلب الحقيقيين من قبل المحتاجين إلى البيع، أو إلى الشراء، وإنما تتأثر بأشياء كثيرة بعضها مفتعل كإشاعة كاذبة، أو نحوها، وهنا تكمن الخطورة المحظورة شرعًا.
وإذا كان الأمر، كما ذكرنا نأتي إلى سؤالك أيها الأخ الكريم، وهو حكم العمل في قسم تطوير أنظمة الحاسب الآلي فنقول:
إذا اتقيت هذه المحاذير، فلا حرج شرعًا من العمل في قسم تطوير الحاسب الآلي، أو غيره من الأعمال الخدمية المساندة، وإذا لم يمكن اتقاؤها كلها فينظر في مجمل أعمالها، فإن غلبت المعاملات المأذون فيها شرعًا، اغتفر الأقل وجاز العمل مع أن الورع تركه، وإن كانت هذه الأنظمة مما يتوصل بواسطتها إلى عقد الصفقات التي لا تتوافق مع هدي الإسلام، أو يتم بها حساب المعاملات والصفقات التي لا تتفق مع الشرع الإسلامي وكانت هي الغالب من أعمال البورصة فإنه لا يجوز العمل فيها؛ لأن ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان، حتى، وإن كانت هناك معاملات جائزة شرعًا، لكنها قليلة، فيبقى الحكم للأغلب، وهو المنع. والله أعلم.
стр. 544
الباب الخامس
القاعدة الكلية الكبرى: اليقين لا يزول بالشك
القواعد المتعلقة بها
١ - الأصل براءة الذمة.
٢ - الأصل في الصفات، أو الأمور العارضة العدم.
٣ - الأصل بقاء ما كان على ما كان.
٤ - الأصل في الأبضاع التحريم.
٥ - الأصل في الأعيان الطهارة.
٦ - الأصل في الكلام الحقيقة. وإعمال الكلام مقدم على إهماله.
٧ - لا عبرة بالظن البين خطأه.
٨ - لا عبرة بالتوهم.
٩ - لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان.
стр. 545
الفصل الأول: القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك
قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) هي القاعدة الكلية الكبرى الخامسة، وهي قاعدة تستند إلى الكتاب، والسنة والإجماع.
وتتعلق بها قواعد كثيرة وسنتكلم عنها كالتالي:
المبحث الأول قاعدة: اليقين لا يزول بالشك المعنى والمستند والبناء الفقهي.
المبحث الثاني: الأثر التنزيلي المعاصر لقاعدة اليقين لا يزال بالشك.
стр. 546
المبحث الأول: قاعدة اليقين لا يزول بالشك المعنى والمستند والبناء الفقهي
المطلب الأول: المفهوم والمستند
اليقين في اللغة هو العلم وزوال الشك. يقال منه: يقنت الأمر يقنا، وأيقنت، واستيقنت، وتيقنت، كله، بمعنى.
والشك: خلاف اليقين، كما قاله في الصحاح (١).
وهو التردد بلا جزم، أو تغليب ظاهر.
ومعنى القاعدة: أن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع، ولا يحكم بزواله بمجرد الشك؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، ولا يعارضه إلا إذا كان مثله، أو أقوى، فاليقين لا يُرفع حكمه بالشك أي بالتردد بالشك، أو بالظن، وهذا ما يؤيده العقل والشرع؛ لأن الأصل بقاء المتحقق وسقوط مقابله (٢).
ولهذه القاعدة ألفاظ أخرى منها:
١ - اليقين لا يزال بالشك.
٢ - من شك هل فعل شيئًا، أو لا، فالأصل أنه لم يفعله.
стр. 547
٣ - من تيقن الفعل وشك في القليل، أو الكثير عمل على القليل؛ لأنه المتيقن.
٤ - الثابت باليقين لا ينتقض إلا بيقين مثله.
٥ - اليقين لا يرفع بالشك.
٦ - ما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
٧ - ما ثبت بيقين، فلا يزول إلا بيقين مثله.
٨ - لا يرفع يقين بشك (١).
وهي إحدى القواعد الخمس التي تدور عليها أحكام الشريعة، والثانية: الأمور بمقاصدها، والثالثة: المشقة تجلب التيسير، والرابعة: العادة محكمة، والخامسة: الضرر يزال. (٢)
وقد أخذ العلماء القاعدة من أصول الشريعة وتصرفاتها:
من ذلك قوله ﷺ : «لا ينفتل، أو لا ينصرف، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» (٣).
فهذا الحديث دليل على أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمر الشرع، وهو قول عامة أهل العلم (٤)، بل هذه القاعدة من القواعد المجمع عليها عند العلماء، كما قال القرافي وغيره (٥).
стр. 548
المطلب الثاني: فروع وتطبيقات على القاعدة
ذكره الفقهاء فروعا كثيرة جدا لهذه القاعدة لأنها تدخل في أكثر أبواب الشريعة (١).
قال الإمام النووي في المجموع:
«اليقين لا يزال بالشك إلا في مسائل يسيرة خرجت لا دلة خاصة على تخصيصها وبعضها إذا حقق كان داخلا فيها» (٢).
وقال السيوطي في الأشباه: إنها تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر".
ولذلك فما سنذكر بعض الأمثلة:
١ - من تيقن الطهارة وشك في الحدث، فهو متطهر ولمالك في هذا الفرع قول بالعمل بالشك احتياطا إن لم يكن قد صلى.
٢ - ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو محدث.
٣ - أما لو تيقنهما فالأحوط العمل بيقين الحدث؛ لأنه حظضر، ومن المقرر أن الحاظر إذا تعارض مع المبيح قدم الحاظر؛ ولأن الأصل بقاء الصلاة في الذمة، ولا ترتفع إلا بهذا.
٤ - ثبوت الدين في ذمة المدين لا يزول إلا بالأداء، أو الإبراء.
٥ - ومن ثبت نكاحه بامرأة، فلا تزول الزوجية بمجرد الشك في طلاقها؛ لأن اليقين، وهو الزوجية -هنا- لا يزول بالشك، وهو الطلاق.
стр. 549
٦ - ومن شك في صلاته صلى ثلاثًا أم أربعًا عمل باليقين، وهو الأقل، وطرح الشك، وهو الأكثر.
٧ - ومن شك في صلاته هل سها فيها أم لا؟ فالأصل المتيقن اطراح الشك، وهو إمكان أنه سها، وسيأتي مزيد من الفروع في القواعد المخرجة على هذه القاعدة.
٨ - من تيقن الطهارة، ثم شك في الحدث، أو تيقن الحدث، ثم شك في الطهارة، أو تيقن النكاح وشك في الطلاق، أو تيقن الملك وشك في العتق، أن اليقين لا يزول بالشك (١).
٩ - ومن استيقن بالتيمم، فهو على تيممه، حتى يستيقن بالحدث، أو بوجود الماء للأصل الذي قدمناه في الوضوء أن اليقين لا يزول بالشك (٢).
стр. 550
المبحث الثاني: الأثر التنزيلي المعاصر لقاعدة اليقين لا يزال بالشك
١ - لو شك الطبيب أنه أخطأ مما أدى إلى ضرر على المريض، أو وفاة ونحو ذلك، فلا يضمن إلا باليقين، أو غلبة الظن. (١)
٢ - ومن الأمور المستجدة في عصرنا أن بعض الفرق الغلاة يكفرون بدون يقين قطعي، كتكفير ولاة الأمر، أو من تعاون مع العدو. ومعلوم أن اليقين هو إسلامه والشك زواله، فلا يعمل به.
стр. 551
٣ - لو استعمل البوصلة في معرفة القبلة، فهي من اليقين، أو قريب منه، فإن شك في توجهه إلى القبلة كان الشك ملغيا.
٤ - يعمل بتحليل الدم وحامض دي إن إيه في إثبات النسب المجهول، أو المتنازع عليه، وهو يقين، أو قريب منه، ولا عبرة بالشك بعد ذلك.
٥ - إن تبين أن الهلال لم يولد بعد، أو غابت الشمس كاسفة، فهذا يقين على عدم إمكان رؤية الهلال قطعيا، فإن ادعى شخص الرؤية بطلت؛ لأنها مقابل القطع.
٦ - ومنها إبطال نظرية داروين المبنية على قردية الإنسان وتطوره؛ لأنه مجرد وهم أبطله القطع في القرآن فيحرم تدريس هذه النظريات في بلاد المسلمين إلا على سبيل النقد فقط.
٧ - دعوى أن زيارة البحر الميت وبعض المناطق السياحية هناك محرم؛ للشك في أنها من الأرض الملعونة أمر لا يصح؛ لأن الشك لا يعمل به مقابل اليقين.
٨ - كل المعاملات التجارية على وجه الأرض بين شعوب العالم مباحة على الأصل، ولا يزحزحها عن هذا الأصل اليقيني إلا دليل صحيح صريح، لا مجرد الاحتمالات والظنون والتخريجات المتكلفة، فإن اليقين لا يزول بالشك. (١)
٩ - ومن فروعها تحريم رفع أجهزة الإنعاش عن المريض للشك في وفاته؛ لأن اليقين هو بقاء الحياة (٢).
стр. 552
٩ - الوقائع التاريخية المختلفة في فتنة الصحابة باطلة ما ناقضت القرآن الذي مدحهم وأثنى عليهم؛ لذلك فالأصل في تعديل الصحابة ما قطع به في القرآن؛ لأنه اليقين أما التاريخ المناقض له فهو شك فيطرح.
١٠ - بنوك الحليب هل تثبت الحرمة بها أم لا بناء على هذه القاعدة لا تثبت لحصول الشك في حصوله على المقدار الذي يتعلق به التحريم من امرأة بعينها، ولحصول اليقين من المجموع والشك من المعين حصل قرار بالمنع من المجمع الفقهي.
стр. 553
نماذج من الفتاوى المعاصرة المتعلقة بالقاعدة:
الفتوى الأولى: حكم أكل اللحوم والطيور والدواجن المستوردة
حاصل الجواب:
١ - الذكاة شرعًا عبارة عن إنهار الدم وفرى الأوداج فى المذبوح. والنحر فى المنحور. والعقر فى غير المقدور عليه.
٢ - إذا ثبت قطعا أن اللحوم والدواجن والطيور المستوردة لا تذبح بالطريقة التى قررها الإسلام، وإنما تضرب على رأسها بحديدة ثقيلة، أو يفرغ فى رأسها محتوى مدس مميت، أو تصعق بتيار الكهرباء، ثم تلقى فى ماء مغلى تلفظ فيه أنفاسها، فإنها تدخل فى نطاق المنخنقة والموقوذة المحرمة بنص القرآن الكريم.
٣ - ما جاء ببعض الكتب والنشرات عن طريقة الذبح السابق بيانها لا يكفى بذاته لرفع الحل الثابت أصلًا.
٤ - لابد أن يثبت أن الاستيراد من هذه البلاد التى لا تستعمل سوى هذه الطرق.
٥ - على الجهات المعنية أن تتثبت بمعرفة الطب الشرعى، أو البيطرى إذا كان هذا مجديا - فى الطريقة التى يتم بها إنهاء حياة الحيوان فى البلاد الموردة.
وهل يتم بطريق الذبح الشرعى، أو بطريقة تخالف أحكام الإسلام، أو تتحرى بواسطة مبعوث موثوق به؟.
٦ - إلى أن يثبت الأمر قطعا يكون الأعمال للقواعد الشرعية، الأصل فى الأشياء الإباحة. اليقين لا يزول بالشك (١)
стр. 554
الفتوى الثانية: متى يحكم بموت الإنسان؟
السؤال: متى نستطيع القول أن شخصًا قد فارق الحياة؟، أو متى يعتبر الشخص ميتًا؟
الجواب: لا يحكم بالموت إلا بانتفاء جميع علامات الحياة، حتى الحركة، والنفس والنبض، فلا يحكم بالموت بمجرد توقف النَّفَس، أو النبض، أو موت المخ مع بقاء أي علامة من العلامات الظاهرة، أو الباطنة، التي يستدل بها على بقاء شيء من الحياة؛ وذلك؛ لأن الأصل بقاء الحياة، فلا يعدل عن هذا الأصل بالشك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. هذا ما انتهت إليه اللجنة مبدئيًا، وهي ترى أن الأمر يستحق مزيدًا من البحث المشترك بين الأطباء والفقهاء. والله أعلم (١).
стр. 555
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقاعدة اليقين لا يزول بالشك
هناك قواعد عديدة متعلقة بالقاعدة الأم اليقين لا يزول بالشك ذكرها أهل العلم (١)
١. الأصل براءة الذمة.
٢. الأصل في الصفات، أو الأمور العارضة العدم.
٣. الأصل بقاء ما كان على ما كان.
٤. الأصل في الأبضاع التحريم.
٥. الأصل في الأعيان الطهارة.
٦. إعمال الكلام مقدم على إهماله والأصل في الكلام الحقيقة ..
٧. لا عبرة بالظن البين خطأه.
٨. لا عبرة بالتوهم.
٩. لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان.
١٠. الأصل في الأشياء الإباحة.
والكلام على كل قاعدة في مبحث إلا قاعدة الإباحة فإنا سنعقد لها فصلا مستقلا نظرا لطولها وأهميتها وكثرة فروعها.
стр. 556
المبحث الأول قاعدة: الأصل براءة الذمة
هذه من قواعد الأصول، وقواعد الأصول معناها ما نصت على أن الأصل في شيء معين، أو أصل كلي حكما معينا كليا مثل: الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل براءة الذمة، وغيرها ..
والكلام عليها من حيث المعنى والمستند، وأمثلة من الفروع المبنية عليها المتقدمة والمعاصرة.
المطلب الأول: التعريف، والمستند، والبناء الفقهي
المسألة الأولى: التعريف.
الأصل هو في اللغة: الأساس وأسفل الشيء، وأصل، ككرم: صار ذا أصل، أو ثبت ورسخ أصله، كما في القاموس (١).
ومعناه هنا القاعدة المستمرة، وله معان يذكرها أهل الأصول في أول الفن عند شرح كلمة أصول الفقه، فمنها ما يبنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره، أو الراجح، أو الدليل، أو المقيس عليه.
الذمة لغة: العهد والضمان والأمان ومنه قوله ﵊:
стр. 557
(وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (١).
واصطلاحا: وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له، أو عليه (٢)
المسألة الثانية: المعنى.
معنى هذه القاعدة: أن الأمر المتيقن هو أن الإنسان خلق خاليًا من المسؤوليات والالتزامات، أو حقوق الآخرين، فلا تشغل ذمته بأي حق، أو التزام إلا بدليل، أو بينة.
قال العز: الأصل براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخص معين، ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها، وكذلك الأصل عدم إسقاط ما ثبت للمدعي من الحقوق وعدم نقلها.
فيدخل في هذا جميع العقود والتصرفات، حتى الكفر والإيمان. (٣)
المسألة الثالثة: مستند هذه القاعدة.
هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الذي رواه البخاري "ولكن اليمين على المدعى عليه" (٤).
стр. 558
فكل من ادعى على آخر شيئًا فالأصل براءة الذمة من تلك الدعوى، حتى يثبت المدعي دعواه بالبينة (١).
المسألة الرابعة: فروع فقهية على القاعدة.
١_ضربها فأسقط جنينها، واختلفا فقالت المرأة استهل، ثم مات وأنكر الضارب فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاستهلال.
٢_ وإن ألقت جنينا حيا ومات، ثم اختلفا فقال الضارب كان أنثى، وقالت المرأة كان ذكرا فالقول قول الضارب؛ لأن الأصل براءة الذمة مما زاد على دية الانثى (٢).
٣_ لو حلف بيمين ولم يدر أي الأيمان هي؛ فالمنصوص عن أحمد أنه لا يلزمه شيء، قال في رواية ابن منصور"في رجل حلف بيمين لا يدري ما هي: طلاق، أو غيره؛ قال: لا يجب عليه الطلاق، حتى يعلم، أو يستيقن. وظاهره أنه لا يلزمه شيء من موجبات الأيمان كلها؛ لأن الأصل براءة الذمة من موجب كل يمين بانفرادها. وتوقف أحمد في رواية أخرى (٣).
٤_ اختلفا في قيمة المتلف، حيث تجب قيمته على متلفه، كالمستعير، والمستام، والغاصب، والمودع المتعدي فالقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد.
٥_ توجهت اليمين على المدعى عليه فنكل، لا يقضى بمجرد نكوله؛ لأن الأصل براءة ذمته، بل تعرض على المدعي.
стр. 559
٦_ من صيغ القرض: ملكتكه على أن ترد بدله، فلو اختلفا في ذكر البدل، فالقول قول الآخذ؛ لأن الأصل براءة ذمته.
٧_ لو قال الجاني: هكذا أوضحت، وقال المجني عليه، بل أوضحت موضحتين وأنا رفعت الحاجز بينهما، صدق الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته.
٨_ لو جنى على عضو واختلفا في سلامته وشلله، فقولان؛ لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر سلامة العضو (١).
٩_ استصحاب براءة الذمة من الواجب حتى يدل دليل شرعي عليه هو صحيح بإجماع أهل العلم قال القاضي: صحيح إجماع أهل العلم. وقال أبو الخطاب:
هو صحيح بإجماع الأمة (٢)
المطلب الثاني: البناء الفقهي المعاصر
١ - الأصل في المتهم البراءة، حتى يثبت العكس. فلا تثبت الجريمة إلا بإقرار صحيح، بلا إكراه من فاعلها، أو بشهادة عدول أثبات لا يطعن فيهم بما يعتبر في رد شهادتهم، مع كمال عددهم بحسب الواقعة؛ لأن هذا هو ما علق الله عليه إقامة الأحكام.
والأصل عند عدمها عدم الحكم؛ إذ الأصل براءة الذمة عموما،
стр. 560
وبراءة ذمة المتهم من الدعوى خصوصا، إلا بإثباتٍ بالبينات العادلة الناقلة عن الأصل القطعي (١).
٢ - التعريض بالقذف على مواقع التواصل الاجتماعي يجري فيه الخلاف الفقهي في اعتبار التعريض قذفًا يجب به الحد والأصل براءة الذمة، لكنه هنا يلزم به التعزي (٢).
стр. 561
٣ - حصل خلاف في زكاة أسهم المستغلات هل تزكى مع ريعها أم يزكى الريع فقط رجح المجمع الفقهي أن الزكاة في الربح فقط، وهو الصحيح؛ لأن الأصل براءة الذمة ..
٤ - من كان لها جواهر من الألماس تتزين بها، فلا زكاة فيها لعدم النص وليست للتجارة والأصل براءة الذمة.
٥ - في حال اختلف العلماء فهل يأخذ بالأشد أم الأخف؟ يعمل بالأخف؛ لأن الأصل براءة الذمة (١).
стр. 562
٦ - من أخر القضاء إلى رمضان آخر، فلا إطعام لعدم الدليل والأصل براءة الذمة (١).
٧ - امرأة نامت مع ابنتها الرضيعة وأصبحت والطفلة ميتة فهل عليها الكفارة، الجواب الأصل براءة الذمة، فلا يلزمها شيء (٢).
١٠ - حادثة مرورية تفتي فيها اللجنة الدائمة بناء على قاعدة الأصل براءة الذمة:
حاصلها أن السيارة تأرجحت، نتيجة إصابة الإطار ولم يقدر على السيطرة عليها فانقلب من فوق الجسر وحصل في الحادث وفاة ولده.
والجواب: بعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه إذا كان الواقع كما ذكر فإنه لا شيء عليه؛ لكونه لم يفرط، والأصل براءة الذمة (٣)
стр. 563
١١ - امرأة قالت لولدها الطفل ذي الأربع أعوام، أن يحفظ أخاه الطفل (عمره عام) من النار، ولكن قدر الله أن طاح الطفل (عمره عام) في النار وتوفي. فهل عليها كفارة؟
أفتت اللجنة بقولها: إذا كان الواقع ما ذكر فإن أمك مفرطة في ترك الطفل عند النار، وليس عنده من يمنعه منها إلا طفل صغير غير مميز، فتجب عليها الكفارة، وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجد فإنها تصوم شهرين متتابعين (ستين يوما) (١)
١٢ - من وسائل تنظيم الحمل شريط يلصق فوق الجلد فوق المبايض، ويغير كل أسبوع، فهل يكون اغتسال المرأة ناقصًا إذا كان من جنابة، وماذا تفعل؟
الذي يظهر لي ما يلي: أنه إن أمكن إزالته ورده عند غسل الجنابة فهذا هو الواجب.
وإلا فإن لم تستطع استعمال غيرها من الموانع، أو كان هذا المانع ضرره أقل، فلا حرج عليها لأن هذه وسيلة علاجية تغطي المحل، قياسا على الجبيرة، فيكفي إمرار الماء عليها والشريعة مبنية على اليسر. (٢)
стр. 564
١٣ - مسألة زكاة الراتب إن لم تجتمع شروطها من حول ونصاب فلا تجب لأن الأصل براءة الذمة.
نماذج من الفتاوى المعاصرة المتعلقة بالقاعدة:
الفتوى الأولى:
تقدمت سائلة تقول إن لها أطفالا دخلت بهم إحدى غرف المنزل لتنظيفهم، وتركت طفلة لها عمرها ستة أشهر نائمة على سرير في غرفتها، فلما عادت وجدتها ميتة، وقد سقطت ما بين السرير والجدار، وتسأل هل عليها كفارة؟ نأمل احتساب الأجر وإفتاء السائلة، وفقكم الله وسدد خطاكم، آمين، والسلام عليكم.
الجواب: إذا كان الواقع، كما ذكرته السائلة ولم يحصل منها تفريط في ذلك، فلا شيء عليها؛ لأن الأصل براءة الذمة، ونسأل الله جل وعلا أن يعوضها خيرا منها ويجبر مصيبتها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (١)
الفتوى الثانية:
امرأة حامل رفضت إجراء العملية لإنقاذ الجنين فرفضت فمات الجنين هل عليها كفارة؟
الجواب: إذا كان الواقع ما ذكر في السؤال فليس عليك شيء في وفاة الجنين، لأنه لا يعتبر تركك العملية تفريطا في حياته ولا تسببا في وفاته؛ ولأن العملية قد لا يتحقق منها المقصود الذي ذكره الطبيب، والأصل براءة الذمة (٢).
стр. 565
المبحث الثاني قاعدة: الأصل في الصفات العارضة العدم
المطلب الأول: معنى القاعدة ومستندها
الصفات العارضة هي: ما كان الشيء خاليا عنها في الأصل مثل الربح في التجارة، والصفات الأصلية ما كان الأصل وجودها. مثل البكارة في المرأة، والسلامة من العيوب.
والصفات العارضة بعد وجودها يكون الأصل ثبوتها، حتى مجيء ما يزحزحها.
مثل من اعترف بدين عليه، فالأصل بقاؤه، حتى يأتي بما يثبت أنه قضاه. (١)
وعليه فإن الصفات تنقسم قسمين:
أ- الصفات العارضة: وهي التي يكون وجودها طارئًا وعارضًا، بمعنى: أن الشيء بطبيعته وأصله يكون خاليًا عنها غالبًا، وهذه الأصل عدمها.
ب- الصفات الأصلية: وهي التي يكون وجودها في الشيء مقارنًا لوجوده، بمعنى أنه مشتمل عليها بطبيعته غالبًا، كالبكارة للمرأة. وهذه تسمى الصفات الأصلية، والأصل وجودها.