٣ - حصل خلاف في زكاة أسهم المستغلات هل تزكى مع ريعها أم يزكى الريع فقط رجح المجمع الفقهي أن الزكاة في الربح فقط، وهو الصحيح؛ لأن الأصل براءة الذمة ..
٤ - من كان لها جواهر من الألماس تتزين بها، فلا زكاة فيها لعدم النص وليست للتجارة والأصل براءة الذمة.
٥ - في حال اختلف العلماء فهل يأخذ بالأشد أم الأخف؟ يعمل بالأخف؛ لأن الأصل براءة الذمة (١).
стр. 562
٦ - من أخر القضاء إلى رمضان آخر، فلا إطعام لعدم الدليل والأصل براءة الذمة (١).
٧ - امرأة نامت مع ابنتها الرضيعة وأصبحت والطفلة ميتة فهل عليها الكفارة، الجواب الأصل براءة الذمة، فلا يلزمها شيء (٢).
١٠ - حادثة مرورية تفتي فيها اللجنة الدائمة بناء على قاعدة الأصل براءة الذمة:
حاصلها أن السيارة تأرجحت، نتيجة إصابة الإطار ولم يقدر على السيطرة عليها فانقلب من فوق الجسر وحصل في الحادث وفاة ولده.
والجواب: بعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه إذا كان الواقع كما ذكر فإنه لا شيء عليه؛ لكونه لم يفرط، والأصل براءة الذمة (٣)
стр. 563
١١ - امرأة قالت لولدها الطفل ذي الأربع أعوام، أن يحفظ أخاه الطفل (عمره عام) من النار، ولكن قدر الله أن طاح الطفل (عمره عام) في النار وتوفي. فهل عليها كفارة؟
أفتت اللجنة بقولها: إذا كان الواقع ما ذكر فإن أمك مفرطة في ترك الطفل عند النار، وليس عنده من يمنعه منها إلا طفل صغير غير مميز، فتجب عليها الكفارة، وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجد فإنها تصوم شهرين متتابعين (ستين يوما) (١)
١٢ - من وسائل تنظيم الحمل شريط يلصق فوق الجلد فوق المبايض، ويغير كل أسبوع، فهل يكون اغتسال المرأة ناقصًا إذا كان من جنابة، وماذا تفعل؟
الذي يظهر لي ما يلي: أنه إن أمكن إزالته ورده عند غسل الجنابة فهذا هو الواجب.
وإلا فإن لم تستطع استعمال غيرها من الموانع، أو كان هذا المانع ضرره أقل، فلا حرج عليها لأن هذه وسيلة علاجية تغطي المحل، قياسا على الجبيرة، فيكفي إمرار الماء عليها والشريعة مبنية على اليسر. (٢)
стр. 564
١٣ - مسألة زكاة الراتب إن لم تجتمع شروطها من حول ونصاب فلا تجب لأن الأصل براءة الذمة.
نماذج من الفتاوى المعاصرة المتعلقة بالقاعدة:
الفتوى الأولى:
تقدمت سائلة تقول إن لها أطفالا دخلت بهم إحدى غرف المنزل لتنظيفهم، وتركت طفلة لها عمرها ستة أشهر نائمة على سرير في غرفتها، فلما عادت وجدتها ميتة، وقد سقطت ما بين السرير والجدار، وتسأل هل عليها كفارة؟ نأمل احتساب الأجر وإفتاء السائلة، وفقكم الله وسدد خطاكم، آمين، والسلام عليكم.
الجواب: إذا كان الواقع، كما ذكرته السائلة ولم يحصل منها تفريط في ذلك، فلا شيء عليها؛ لأن الأصل براءة الذمة، ونسأل الله جل وعلا أن يعوضها خيرا منها ويجبر مصيبتها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (١)
الفتوى الثانية:
امرأة حامل رفضت إجراء العملية لإنقاذ الجنين فرفضت فمات الجنين هل عليها كفارة؟
الجواب: إذا كان الواقع ما ذكر في السؤال فليس عليك شيء في وفاة الجنين، لأنه لا يعتبر تركك العملية تفريطا في حياته ولا تسببا في وفاته؛ ولأن العملية قد لا يتحقق منها المقصود الذي ذكره الطبيب، والأصل براءة الذمة (٢).
стр. 565
المبحث الثاني قاعدة: الأصل في الصفات العارضة العدم
المطلب الأول: معنى القاعدة ومستندها
الصفات العارضة هي: ما كان الشيء خاليا عنها في الأصل مثل الربح في التجارة، والصفات الأصلية ما كان الأصل وجودها. مثل البكارة في المرأة، والسلامة من العيوب.
والصفات العارضة بعد وجودها يكون الأصل ثبوتها، حتى مجيء ما يزحزحها.
مثل من اعترف بدين عليه، فالأصل بقاؤه، حتى يأتي بما يثبت أنه قضاه. (١)
وعليه فإن الصفات تنقسم قسمين:
أ- الصفات العارضة: وهي التي يكون وجودها طارئًا وعارضًا، بمعنى: أن الشيء بطبيعته وأصله يكون خاليًا عنها غالبًا، وهذه الأصل عدمها.
ب- الصفات الأصلية: وهي التي يكون وجودها في الشيء مقارنًا لوجوده، بمعنى أنه مشتمل عليها بطبيعته غالبًا، كالبكارة للمرأة. وهذه تسمى الصفات الأصلية، والأصل وجودها.
стр. 566
ومما يلحق بالقسم الثاني: الصفات العارضة التي ثبت وجودها في وقت ما، فإن الأصل حينئذ البقاء بعد ثبوت وجودها.
مثاله: الدين إذا ثبت بإقرار الشخص، أو ببينه فالأصل بقاؤه إلى أن يؤدي، أو يبرأه.
ومن الصفات الأصلية التكليف. فيما من شأنه التكليف فمن شك هل صلى أم لا؟ فالأصل بقاء التكليف بالصلاة في الذمة؛ ولأن الصلاة صفة عارضة الأصل فيها العدم.
وتأتي هنا قاعدة هامة بعد ثبوت عارض الثبوت في الذمة وهي: الذمة إذا عمرت بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين (١).
فمن ثبت عليه دين، فلا يبرأ منه إلا بحجة، ومن ثبت عقد نكاحه، فلا ينقل عنه إلا بيقين الطلاق وهكذا.
أما مستند هذه القاعدة: فهو ما ورد في أصل القاعدة الكبرى ويزاد عليه قوله ﵊: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٢).
ويوردها الفقهاء بلفظ: الأصل العدم (٣).
стр. 567
المطلب الثاني: الفروع المبنية عليها
فرع عليها الفقهاء من سائر المذاهب العديد من المسائل منها: (١)
١ - اختلف العاقدان في سلامة المبيع من العيوب وعدم سلامته كالمرض، أو في صحة البيع مثلًا وفساده، فالقول لمن يتمسك بسلامة المبيع، وصحة العقد؛ لأنه يشهد له الأصل، بخلاف ما لو اختلف المتعاقدان في صحة البيع وبطلانه، فإن القول قول من يتمسك بالبطلان؛ لأن الباطل غير منعقد، فهو ينكر وجود العقد، والأصل عدمه.
٢ - لو اختلف شريكا المضاربة في حصول الربح وعدمه، فالقول قول المضارب بيمينه، والبينة على رب المال لإثبات الربح.
والمضاربة: عقد على الشركة بمال من أحد الجانبين والعمل في الجانب الآخر، والمضارب: من يستحق الربح بعمله وتعبه.
٣ - لو زعم ورثة عاقد أن مورثهم كان حين التعاقد مجنونًا فاقدًا لأهلية الأداء، فعقده باطل، وأنكر الخصم، اعتبر العاقد عاقلًا، حتى يثبت جنونه؛ لأن الجنون آفة عارضة، والفطرة الأصلية الغالبة هي العقل السليم.
٤ - لو قال الوصى: لم أتجر في مال اليتيم، أو اتجرت ولم أربح أصلًا، أو ما ربحت إلا كذا، فالقول قوله؛ لأن الأصل العدم لأنها صفة عارضة.
٥ - لو أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم الرضيع، ولم يعلم هل دخل اللبن في حلقه، أو لا، فإن النكاح لا يحرم؛ لأن الأصل عدم المانع الذي هو دخول اللبن ..
стр. 568
٦ - لو اختلف البائع والمشتري في قبض المبيع، أو الثمن، أو اختلف المؤجر والمستأجر في قبض المأجور، أو بدل الإجارة، فالقول لمنكر القبض في جميع ذلك؛ لأن الأصل عدمه.
٧ - لو اختلف البائع والمشتري في شرط الخيار، فالقول لمنكره؛ لأنه صفة عارضة.
٨ - لو دفع إنسان لآخر شيئًا، ثم أراد استرداده مدعيًا أنه دفعه له عارية، وقال القابض: إنك كنت بعتني إياه، أو وهبتني إياه، فالقول للدافع في كونه عارية؛ لأن الأصل عدم البيع والهبة.
٩ - لو قال رجل لامرأته: إن لم أدفع لك نفقتك اليوم فأنت طالق، ثم مضى اليوم، فاختلفا، فقال: دفعتها لك، وقالت: لم تدفعها لي، فالقول قولها، ويترتب عليه وقوع الطلاق.
المطلب الثالث: الفروع المعاصرة
١_ ادعت إحدى الشركات على الأخرى أن مالها الذي دفعته إنما هو قرض، قالت الشركة الأخرى بل هو قراض ومضاربة.
فهنا تتعارض الأصول لأن الأصل براءة الذمة من الضمان فيكون مضاربة، يعارضه أن الأصل في أموال الناس الضمان إلا ما ثبت بناقل عن هذا.
٢_ ادعى الطبيب أن المريض أذن له في إجراء العملية وأنكر المريض فالقول قول المريض.
٣_ هل للمرأة حقوق في مال زوجها بعد الطلاق أو الوفاة غير الميراث، ظهرت في عصرنا مسألة تسمى الحقوق المشتركة بين الزوجين؟
стр. 569
حاصلها أن للزوجة حقا في أمواله غير الميراث لأنها تعبت معه في زراعة الأرض أو إدارة العمل أو عمل البيت، أو أنها شاركت بمالها في البيت أو السيارة أو الشركة.
وحاصل الجواب: أن الأصل في الحياة الزوجية العشرة بالمعروف فما جرت به الأعرف من معونة الزوجة لزوجها في أعماله هو من العشرة بالمعروف ولا معاوضة عليه إلا عند الله تعالى.
وأما إن ادعت أنها دفعت أموالا في البيت أو السيارة أو الشركة
فالأصل: عدم الشراكة والأصل أن مالها يكون قرضا لأن الزوج يدعي التبرع وهي تدعي الشراكة وعدم التبرع فالأصل أن نقول إن مال الزوجة في يد الزوج أصله الضمان فهو قرض. والاصل عدم الشراكة فيرد لها مالها وعليها اليمين (١).
المبحث الثالث قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان
المطلب الأول: المعنى والبناء الفقهي
١ - هذه القاعدة:
يعبر عنها بالاستصحاب، وهو استصحاب الحال الماضي في الحاضر، فمن كان متطهرًا فالأصل بقاء الطهارة واستصحاب حكمها إلى أن يتيقن ارتفاعها بناقض لها، وجميع الأمثلة السابقة في القاعدة الأصل تأتي هنا.
ومن ثم قال السبكي: اليقين لا يرفع بالشك ولا يخفي أنه لا شك مع اليقين ولكن المراد استصحاب الأصل المتيقن لا يزيله شك طارئ عليه. فقل إن شئت: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أو: الاستصحاب حجة (١).
قال الحصني: أن يراد بالأصل الاستصحاب. وهذا هو المقصود بهذه القاعدة، وهذا على أنواع:
الأول: استصحاب النفي في الأحكام الشرعية إلى أن يرد دليل، فنستصحب البراءة الأصلية؛ وهذا متفق عليه عند أهل السنة، ويقولون: لا حكم إلَّا للشرع.
стр. 573
الثاني: استصحاب حكم العموم حتى يرد مخصص، وحكم النص حتى يرد ناسخ: وهذا -أيضًا- متفق عليه.
الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته حتى يثبت معارض راجح يرفعه؛ وهذا أيضًا من مقصود هذه القاعدة. وهو متفق عليه عند الفقهاء: قال الرازى "الاستصحاب متفق على اعتباره من حيث الجملة في الدين والشرع والعرف".
ومسائل المذهب طافحة بالترجيح بالأصل المستصحب إِلى أن يتبين خلافه (١) انتهى كلامه.
٢ - البناء الفقهي.
١_ إِذا اختلف الزوجان في التمكين، فقالت: سلمت نفسي إليك من وقت كذا. وأنكر، فإِن قلنا بالجديد الأصح: إِنْ النفقه تجب بالتمكين، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمه وعليها البينة. وإن قلنا: تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاء ما وجب، والأصل عدم المسقط.
٢_ إِذا ولدت المرأة، وطلقها الزوج، واختلفا، فقال الزوج: طلقتك بعد الولادة فلي الرجعة. وقالت: بل قبلها فلا رجعة لك. ولم يعينا وقتا للولادة ولا للطلاق، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
٣_ فإِن اتفقا على يوم الولادة، كيوم الجمعة مثلًا؛ فقال: طلقتك يوم السبت. وقالت: بل يوم الخميس. فالقول قوله لأن الأصل استمرار النكاح يوم الخميس، وعدم الطلاق فيه وإن اتفقا على يوم الطلاق،
стр. 574
واختلف في وقت الولادة؛ فقالت هي: بعد الطلاق. وقال الزوج: قبله. فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم الولادة يوم الخميس (١)
قلت: كذا قرر الحصني، لكن الولادة عارض والأصل أنه عدم يوم الخميس وعدم يوم الأحد فيرجع إلى الأصل المتيقن وهو استمرار النكاح. ولا ينقل لمجرد الشك. وخلافهما أورث شكا في النكاح. فيطرح.
المطلب الثاني: البناء الفقهي المعاصر
١ - من أصيب بمرض معد وحجر عليه صحيا لم يقرر الطبيب إخراجه إلا بيقين شفائه من المرض، أو تحقق تجاوز مرحلة العدوى مثلًا (٢)
٣ - تحريم نزع أجهزة الإنعاش، حتى يتحقق الموت؛ لأن الأصل الحياة وبقاء ما كان على ما كان.
٤ - أفتت هيئة كبار العلماء في أبحاثها بعدم بناء حوض خارجي أوسع من مرمى الجمرات الحالي، لأنه توقيفي وهو باق كما هو لم يتغير والأصل بقاء ما كان على ماكان. والعبادات توقيفية. (٣)
стр. 575
المبحث الرابع قاعدة: الأصل في الابضاع التحريم
المطلب الأول: المعنى والبناء الفقهي
١ - المعنى.
وهو في اللغة: جمع بضع قال نشوان الحميري
فُعْل، بضم الفاء بُضْعُ المرأة: شَكْرُها، والشَّكْرُ: النِّكاح، وقيل هو الفَرْج، وجمعه أَبْضَاعٌ (١).
وأبضعها: زوجها (٢).
ويذكر العلماء هذه القاعدة بقولهم: (الأصل في الأبضاع التحريم)، أي: الفروج (٣).
قلت تحرير هذه القاعدة:
أن وطء الفروج والاستمتاع بالنساء محرم إلا بعقد النكاح.
والأصل في عقود النكاح الإباحة من سائر النساء إلا ما حصر الشرع وعده من المحارم والمحرمات وهن محصورات معدودات.
стр. 576
لذلك قال الله تعالى بعد الحصر: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. فهذا نص يجعل الأصل حل العقد النكاح فيما وراء ذلك.
وقد أحل الله نساء أهل الكتاب وحرم غيرهن بنصوص قاطعة في القرآن.
وعليه يمكن أن نجمل القول بقواعد ضابطة لهذا الأصل:
القاعدة الأولى: الأصل في كل مسلمة وكتابية حل نكاحها إلا ما نص عليه من المحرمات.
القاعدة الثانية: تحريم نكاح كل كافرة غير كتابية.
القاعدة الثالثة: من ظهر له وجود مانع التحريم فيمن تقدم لنكاحها حرم عليه الإقدام.
وقاعدة الباب هي أصل تقوم عليه الأحكام الشرعية في باب النكاح، فلا نكاح إلا بيقين الحل؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم (١).
٢ - البناء الفقهي
١ - لو اختلطت محْرَمُة بنسوة قرية يمكن حصرها، فلا يجوز له أن يتزوج من تلك القرية، أما إذا كن غير محصورات كالمدن الكبيرة اليوم، فيجوز؛ لأنه يؤدي منعه إلى انسداد باب الزواج عليه. (٢).
٢ - إذا تعارض في المرأة حل وحرمة غلبت الحرمة لهذا الأصل، ولذلك كانت موانع النكاح تمنعه دواما وابتداء (٣).
стр. 577
٣ - فمن تبين له أن زوجته رضعت معه، فلا نكاح بينهما. قال ابن نجيم: ولا يجوز التحري في الفروج؛ لأنه يجوز في كل ما جاز للضرورة. والفروج لا تحل بالضرورة (١).
المطلب الثاني: البناء الفقهي المعاصر
١ - منها تحريم زراعة الأعضاء التناسلية؛ لأن العضو التناسلي يبقى ملحقا بالآخر في إنتاج نفس النسل والجينات، فلا يباح بالعقد؛ لأن العقد ورد على شخص والعضو لشخص آخر .. وبهذا أفتت المجامع بتحريمه؛ ولأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب.
٢ - ومنها أن المتحول جنسيًا لا يباح عقد النكاح عليه؛ لأنه في الأصل غير ما ورد عليه العقد؛ لأن العقد ورد على أنثى، وهو ذكر في حقيقة الخلقة؛ ولأن العضو لا يلحق به.
ولأن التحول لا يقلب الجنس، ولا يؤثر يعطيه أي حكم متعلق بالجنس الذي تحول إليه؛ لأنه كذب وباطل لا يغير الحقيقة.
ولهذا لو أن متحولًا جنسيًا من امرأة إلى رجل تزوج فأنجب، فإن الأولاد لا يلحقون به، بل بصاحب العضو الذكري والخصي المنقولة.
لأنها مطابقة لجيناته لا للمنقولة إليه، والعقد من أصله باطل؛ ولأنه يستحيل أن ينجب فيكون الحمل بمني غيره بالأنابيب.
أما إن كان التحويل لحقيقية عضوية، وهو ما يسمى في الفقه الخنثى
стр. 578
فإنه يحكم بكونه ذكرا، أو أنثى بحسب العلامات الظاهرة والعلامات البيلوجية الذكورية، أو الأنثوية.
فإن أشكل في العلامات الظاهرة بأن كان لها عضو ذكري وأنثوي، وهو ما يسمى بالمشكل، فإن الفحص الطبي الهرموني هو الحكم.
وهل يجوز له الأقدام على عملية جراحية تصحيحية أو تثبيتية.
هذا خاضع لحقيقته الطبية في الأصل إن كان ذكرًا، أو أثنى فيصحح وفق ذلك فيما أراه.
وإن كان التغيير لمجرد الشهوة والمرض العاطفي، فهو فسق ودياثة، ولا يجوز إجراء العملية الجراحية.
وقد جاءت امرأة ومعها طفلاها، وسألت بعض علماء عصرنا في نازلتها وأنها تبينت أن زوجها كان امرأة، وأنه تحول جنسيًا إلى رجل فتزوجته، ولا تعلم ذلك، ثم علمت فما حكم النكاح؟ وما حكم نسب الأولاد؟ وبين أنها من أصعب وأغرب ما عرض عليه من المسائل.
قلت: التفصيل في حكمها أن يفرق بين التحول العضوي الحقيقي وبين التحول العاطفي.
فالأول إن كان هو في هذه المسألة فهم أبناؤه.
أما إن كان تغيرًا عاطفيًا بأن كان أنثى حقيقة، لكنه تغير تشهيًا واتباعًا للشيطان، فهو أنثى لا يلحق به الأبناء للاستحالة الطبية فيكون الأبناء من مني غيره، أو يكون بالأنابيب. وحكمها ما بينا لك والله أعلم.
٣ - بما أن الأصل في الأبضاع التحريم إلا بيقين الحل، فجميع الأنكحة المعاصرة لا يقدم عليها إلا بتمام الشروط والأركان المعتبرة. لأن استحلال الفروج لا يكون بمشكوك فيه.
стр. 579
فيباح المسيار، والفرند، والعرفي .. وغير ذلك في كل عقد جمع الشروط والأركان.
وما هو محل اشتباه كالزواج السياحي بنية الطلاق، فمن قال بحرمته شبهه بالمتعة، ومن قال بحله قال عقد استوفى الشروط والأركان.
والذي يظهر أن هذا النوع لا يدخل في القاعدة لأن الأجنبية تحل بالعقد وهذه كذلك وما كان من عارض نية لا يطلع عليه فلا يؤثر خلافا لمن خرجه على هذه القاعدة والله أعلم. (١)
стр. 580
المبحث الخامس قاعدة: الأصل في الأعيان الطهارة
المسألة الأولى: معنى هذه القاعدة.
الأعيان هي الأشياء، ومعناها أن كل شيء خلقه الله الأصل فيه الطهارة، ولا يزحزح عن هذا الأصل إلا بدليل من الشرع.
قال الشوكاني: اعلم أن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها، ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم والأصل البراءة من ذلك ولاسيما من الأمور التي تعم بها البلوى، وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله أن يحكم بنجاسته بمجرد رأى فاسد، أو غلظ في الاستدلال، كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله، زاعمًا أن النجاسة والتحريم متلازمان، وهذا الزعم من أبطل الباطلات، فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك وكأن الشارع قد علم وقوع مثل هذا الغلط لبعض أمته فأرشدهم إلى ما يدفعه قائلًا "إنما حرم من الميتة أكلها"، ولو كان مجرد تحريم شيء مستلزما لنجاسته لكان قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخره دليلًا على نجاسة النساء
стр. 581
المذكورات في الآية والمسلم لا ينجس حيا، ولا ميتا، كما ثبت ذلك عنه ﷺ في الصحيح، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتفاق، كالأنصاب، والأزلام، وما يسكر من النباتات، والثمرات بأصل الخلقة (١).
المسألة الثانية: الأصل في المياه الطهارة.
فمن الأعيان المياه فالأصل فيها الطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧].
والمياه لغة من موه: المُوهَةُ: لونُ الماءِ، يقال: ما أَحْسَنَ مُوهَةَ وَجْهه. وتصغير الماء: مُوَيْه. والجميعُ: المياه، والنِّسْبَةُ إلى الماء ماهي قاله في الخليل (٢).
والفقهاء يقولون في تقسيمه كل ما نزل من السماء ونبع من الأرض فيشمل كل ماء العيون والآبار والسيول والأنهار والبرك والبحيرات والبحر وماء المطر.
فهذه كلها الأصل فيها الطهارة.
ولا يخرج عن حكم الطهارة إلى النجاسة إلا ما وقعت فيه النجاسة فغيرت لونه، أو طعمه، أو ريحه قليلًا، أو كثيرًا على تفصيل في حد القليل والكثير عند الفقهاء.
أما ما خالطه طاهر فنقله إلى أمر آخر كالعصير والشاي، فهذا لا يطلق عليه اسم الماء، فإن خالطه طاهر ولم ينقل عنه الاسم، فهو باق على طهارته وطهوريته.
стр. 582
المسألة الثالثة: الأصل في الأرض الطهارة.
تعريف الأرض لغة: الأرض التي عليها الناس. أرض أرِضةٌ وأريضةٌ بيّنَهُ الأراضة: زكية كريمة مُخِيلة للنبت والخير، هي التي تَرُبُّ الثرى وتَمرَحُ بالنبات. الأَراضة: الخِصْبُ وحسن الحال. ما آرض هذا المكان: ما أكثر عشبَه. ما آرض هذه الأرض: ما أسهلها وأنبتها وأطيبها (١).
ومن الأدلة على الطهارة:
قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] فأباح الله السكن في جميع أجزائها من سهل وجبل، وهذا امتنان دال على الطهارة.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرض جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وصريح السنة: قوله ﷺ : «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (٢).
واللام للتمليك وللاختصاص. وهذا تمليك وامتنان، فلو كان الأصل فيها النجاسة لم يحصل الامتنان، بل كانت من العيش فيها من المشقات. قال الشوكاني: فكل أجزاء الأرض طاهرة على الأصل، فإن طرأ عليها طارئ بين نقلها عن هذا الأصل، كالحمام والمجزرة والمزبلة، فهذه نقلت عن الأصل لغلبة النجاسات فيها.
المسألة الرابعة: الأصل في الثياب الطهارة.
والمقصود ما يشمل الملبوسات وسائر الأثاث.
стр. 583
فكل الثياب بأنواعها طاهرة من أي بلد ومن أي صناعة، ولا ينقل عن هذا إلا ما تبين نجاسته ككونه جلد خنزير، أو كلب.
لعموم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. فامتن الله علينا بأنواع الثياب من صوف ووبر وشعر وفي الآية التالية ذكر السرابيل، وهي من أنواع الصناعات من قطن وحرير. وقال ابن عباس: إن أثاثًا يعني ثياب، قال القرطبي: وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال (١).
المسألة الخامسة: من الفروع المعاصرة.
١ - ما يحصل لمن يعيش في بلاد الغرب من استضافات عند جيرانه، أو معارفه من غير المسلمين فالأصل طهارة ثيابهم وأوانيهم إلا إن تيقن أن فيها الخنزير، أو الخمر.
٢ - طهارة الكولونيا؛ لأن الأصل الطهارة وبهذا أفتت عدة جهات علمية (٢).
стр. 584
٣ - سئلت اللجنة الدائمة: ماذا ترون - أطال الله بقاءكم في خدمة الدين في الحزامات والأحذية والمعاطف الجلدية المصنوعة في الغرب، فهل يجوز لنا ارتداؤها أو لا يجوز، بحيث لا نعرف كنه طهارتها أهي من حيوان مذكى أو من خنزير؟
فأجابت: الأصل الطهارة وجواز لبسها حتى يثبت ما يوجب الحكم بنجاستها وتحريم لبسها، من كونها من جلد خنزير أو من حيوان غير مذكى ذكاه شرعية ولم يدبغ (١)
стр. 585
المبحث السادس قاعدة: الأصل إعمال الكلام لا إهماله
المطلب الأول: معنى القاعدة ومستندها والبناء الفقهي
١ - معنى القاعدة:
إعمال الكلام: العمل بما يفيده لفظه، وإهماله إبطال مدلوله وفائدته التي يدل عليها
فإن العاقل حين يصدر منه الكلام يحمله الناس على ما دل عليه.
وهذا يعرف بعلم الدلالة.
فإن الألفاظ إنما وضعت لتفهم معانيها حسب ما تدل عليه، فمن أبطل دلالة اللفظ الصريح بدون حجة، فهو خارج عن قوانين اللغة والعقلاء.
فيحمل اللفظ على معناه حقيقة فإن تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز
فلا يجوز إهمال الكلام واعتباره بدون معنى ما أمكن حمله على معنى حقيقي له، أو معنى مجازي؛ لأنه لما كان إهمال الكلام إنما هو اعتباره لغوًا وعبثًا، والعقل والدين يمنعان المرء من أن يتكلم بما لا فائدة فيه، فحمل كلام العاقل على الصحة واجب، فتقدم الحقيقة، فإن تعذرت، عمل بالمجاز. (١).
стр. 586
٢ - مستندها ومكانتها وأهميتها:
أما مستندها فهو الضرورة الدينية في فهم الخطاب، فإن الله خاطبنا بالقرآن وخاطبنا النبي ﵊ بالسنة
فيجب العمل بما دل عليه الخطاب، وهذا دليل قاطع أن الألفاظ تحمل على معانيها وحقائقها وعمومها وخصوصها ومطلقها ومقيدها، وأمرها ونهيها.
والعمل فرع الفهم، وهو دليل قاطع أن الكلام إنما وضع للإعمال لا للإهمال.
وباستقراء العقود في الأسرة والمعاملات المالية المتقدمة والمعاصرة والتوثيقات والتبرعات والعقوبات والعلاقات الإنسانية والدولية. كل هذه تعمل الكلام والخطاب.
فهذه القاعدة: من أهم قواعد الشرع.
وهي محل اتفاق بين العلماء بل والعقلاء.
قال البورنو: هذه القاعدة ذات مكانة عظيمة حيث ذكرها كل من كتب في القواعد الفقهية، أو صنف فيها، وتتبين أهمية هذه القاعدة عندما نعلم أنها محل اتفاق عند جميع العلماء، كما يظهر من تفريعاتهم عليها وتعليلاتهم بها (١).
كما تزداد أهميتها عندما نعلم أنها تتعلق بالدرجة الأولى بخطابات الشرع الحكيم، كما تتعلق بالكلام الصادر عن المكلف وتصحيحه وصونه عن الإهمال والإلغاء؛ لأن تصحيح الكلام مبدأ أخذ به الجميع دون استثناء.
стр. 587
ومن هنا كان لهذه القاعدة أثرها الكبير في الأبحاث التشريعية التي تتعلق بكلام الله ، وبكلام رسوله ﷺ .
ولاشتمال هذه القاعدة على قواعد متعددة متفرعة عليها ولعموم أثرها تستحق أن تكون سادسة القواعد الكلية الكبرى المتفق على اعتبارها والعمل بها (١).
٣ - ألفاظ القاعدة:
وردت عند الفقهاء بلفظ: إعمال الكلام أولى من إهماله، وقد عبروا بهذه التعبير الذي يفهم منه الأولوية فقط لا أنه الأصل.
وعدلت عن هذا بعد تتبع لفروعهم، واستعمالهم إلى: الأصل إعمال الكلام لا إهماله
وكنت رأيت أن تصاغ كذلك هكذا: إعمال الكلام مقدم على إهماله.
ثم وجدت ابن السبكي نص على ذلك فقال: «الإعمال مقدم على الإهمال عند الإمكان» (٢)، وعلى كل حال فإن العلماء والعقلاء اتفقوا على أن إعمال الكلام هو الأصل.
فهذه أصل الباب.
والتعبير بقولهم: إعمال الكلام أولى من إهماله.
محله في حالة ورود لفظ محتمل لأمرين على السواء، إن حمل على أحدهما إلغي وإن حمل على الآخر أعمل فيقدم الإعمال، ومثل لها
стр. 588
الفقهاء بمن أوصى بطبل وعنده طبل حرب وطبل لهو حمل طبل الحرب لتصح الوصية. (١)
قال ابن السبكي: القاعدة فيما إذا استوى الإعمال والإهمال بالنسبة في الكلام أو تقاربا كمسألة الطبل؛ فإن الطبول بالنسبة إلى لفظ الطبل فيحمل على ما يصح سواء كان عنده النوعان من الطبول أو لم يكن عنده؛ فإن لم يكن عنده إلا طبل اللهو فالوصية باطلة؛ لأن قرينة كونه عنده يرشد إلى أنه الموصي به، فاضمحل هنا احتمال الإعمال (٢)
ونقل ابن السبكي عن والده ما يدل على ما قدمنا ونقل عن إمام الحرمين أن القاعدة حيث التردد المتساوي أو الاحتمال القريب أما غير ذلك فإن الوقوف عند موضوع اللفط واجب (٣)
ولهذا اتفق العلماء على حمل الكلام على الحقيقة لأنها الأصل في إعمال الكلام.
أما إن تعذرت الحقيقة، والمجاز، أو كان اللفظ مشتركًا بلا مرجح أهمل لعدم الإمكان (٤).
стр. 589
٤ - البناء الفقهي على القاعدة
ذكر لها فقهاؤنا المتقدمون فروعا كثيرة منها:
١_ ما لو كان له زق خمر، وزق خل، فأوصى بأحدهما صح، وحمل على الخل.
٢_ لو قال لزوجته وحمار: أحدكما طالق، فإنها تطلق، بخلاف ما لو قال ذلك لها، ولأجنبية. وقصد الأجنبية. يقبل في الأصح عند الأكثر. لكون الأجنبية من حيث الجملة قابلة. وذهب البعض أن زوجته تطلق قياسا على مسألة الطبل.
٣_ لو وقف على أولاده، وليس له إلا أولاد أولاد. حمل عليهم. كما جزم به الرافعي. لتعذر الحقيقة. وصونا للفظ عن الإهمال.
٤_قال لزوجته في مصر: أنت طالق في مكة، ففي الرافعي، عن البويطي: أنها تطلق في الحال، وتبعه في الروضة.
قال الإسنوي: وسببه: أن المطلقة في بلد مطلقة في باقي البلاد.
قال: لكن رأيت في طبقات العبادي، عن البويطي: أنها لا تطلق، حتى تدخل مكة.
قال: وهو متجه، فإن حمل الكلام على فائدة أولى من إلغائه (١)
стр. 590
المطلب الثاني: قاعدة الأصل في الكلام الحقيقة
هذه قاعدة مستقلة وكذلك متفرعة عن قاعدة إعمال الكلام مقدم على إهمال، ومفرعة من قاعدة اليقين لا يزول بالشك، لأن الحقيقة هي اليقين.
وهذه القاعدة من قوانين الاستدلال الثابتة التي لم يختلف عليها النظار.
وعليها تبنى المسائل الفقهية، والأحكام القضائية، وعليها قامت الدلالات العربية.
بل عليها تقوم مخاطبات الناس في عقودهم ومعاملاتهم وحياتهم.
فالأصل الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا بدليل واضح راجح يصرف عن الحقيقة.
وقد نص على القاعدة في سائر المذاهب (١)
بل هي محل اتفاق وإجماع لا يختلف فيها علماء الشريعة ولا علماء اللسان، بل اتفقت عليها عادات الخلق في تخاطبهم.
قال الرازي: "إجماع الكل على أن الأصل في الكلام الحقيقة، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما فطرها أبي أي اخترعها، وقال الأصمعي ما كنت أعرف الدهاق حتى سمعت جارية بدوية تقول: اسقني دهاقا أي
стр. 591
ملآنا فها هنا استدلوا بالاستعمال على الحقيقة فلولا أنهم عرفوا أن الأصل في الكلام الحقيقة وإلا لما جاز لهم ذلك" (١).
وقد فرع الفقهاء عليها فروعا كثيرة منها (٢):
١_ إذا وقف على أولاده، أو أوصى لهم، لا يدخل في ذلك ولد الولد في الأصح لأن اسم الولد حقيقة في ولد الصلب، وفي وجه نعم، حملا له على الحقيقة والمجاز.
٢_ لو حلف لا يبيع، أو لا يشتري، أولا يضرب عبده فوكل في ذلك، لم يحنث حملا للفظ على حقيقته وفي قول: إن كان ممن لا يتولاه بنفسه، كالسلطان، أو كان المحلوف عليه مما لا يعتاد الحالف فعله بنفسه، كالبناء ونحوه حنث إذا أمر بفعله.
٣_ لو قال: وقفت على حفاظ القرآن لم يدخل فيه من كان حافظا ونسيه، لأنه لا يطلق عليه حافظ إلا مجازا باعتبار ما كان نقله الإسنوي عن البحر.
٤_ وقف على ورثة زيد وهو حي، لم يصح لأن الحي لا ورثة له. قاله في البحر أيضا: قال الإسنوي: ولو قيل: يصح، حملا على المجاز: أي ورثته لو مات لكان محتملا.
٥_ لو حلف لا يبيع أو لا يشتري، أو لا يستأجر، أو نحو ذلك لم يحنث إلا بالصحيح، دون الفاسد، بناء على أن الحقائق الشرعية إنما
стр. 592
تتعلق بالصحيح، دون الفاسد، وهذا جميعا عند الشافعية ووافقهم الحنفية في جل المسائل التطبيقية، لأن المسألة قد يختلف تطبيق القاعدة عليها نظرا لحصول تعارض الأصول المذهبية فيها.
المطلب الثالث: الاستثمار المعاصر
١_ هذه القاعدة وما يتبعها من القواعد تعتبر من أهم الأصول الحارسة للتشريع من العبث والتحريف، فقد ظهر في زمننا محرفون لألفاظ الكتاب والسنة.
فمن ذلك: أن ألفاظ آيات المواريث محكومة بمقاصدها لذلك لا تصلح لهذا الزمن.
وهذا قول خطير باطل فإن الأصل في الكلام الحقيقة، وهي هنا تنفيذه كما هو، وإعماله النص كما هو مؤد إلى تحقيق المقاصد قطعا.
بخلاف تعطيله ففيه مفسدة صرفه إلى المجاز وهو تحريف للنص، وفيه دعوى المقصد التي لا دليل عليها، فصار التحريف معلقا بالأوهام.
فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره الحقيقة إلا عند تعذر الحقيقة كمن أوصى لأبنائه ولا أبناء له مباشرون فإنه يحمل على أبناء الأبناء، كما لا يجوز صرف نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها إلا بدليل آخر من الكتاب أو السنة، وإلا فهو عبث.
٢_ من الجدل الدائر في عصرنا إنكار الدجال والقول أنه مجاز، وبعضهم أوله بأمور معاصرة.
وقد ورد فتوى للجنة الدائمة:
стр. 593
جاء في أحاديث النبي ﷺ حديث الدجال، وما معنى الدجال هل هو موجود الآن أم لا؟ وأين وطنه وما معنى: عوره الذي حدث به النبي ﷺ ، أعوره حقيقي أم مجازي؟ اكشف لنا حقيقة ما عندك من العلم جعل الله جنة الفردوس مثواك؟
الجواب: الدجال: مأخوذ من دجل دجلا إذا كذب وأخرق؛ لأنه يدعي الربوبية، وهذا من أعظم الكذب، وهو موجود، وأما عوره فحقيقي؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وخروج المسيح الدجال مما ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة المتواترة (١)
٣_ الأم في الحقيقة هي من ولدت وهذا هو إطلاق القرآن، (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم).
وعليه فصاحبة البييضة التي زرعت في رحم امرأة أخرى ليست أما حقيقة، ومن حملت في رحمها هي الأم.
وهذا النوع من التلقيح محرم لاختلاط الأنساب، لكنه يحصل في الغرب، فإن حصل وأسلم الولد فإن أمه في الشرع التي حملته، ووالده هو من ولد على فراشه، كما ورد النص.
وأما صاحبة البييضة فهي محرمة عليه للشبهة وكذا صاحب المني محرم احتياطا.
ودليل الاحتياط حديث واحتجبي منه يا سودة (٢).
стр. 594
٤_ إذا سمعنا إنسانا يقول لآخر وهبتك السيارة. فيترجح لدينا أنه أراد بها التبرع المجاني - أي بدون مقابل - وهذه هي دلالة لفظ الهبة الحقيقي. ولكنا إذا سمعناه يقول: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال - مثلا - فنعلم أنه ما أراد حقيقة الهبة وإنما أراد البيع واستعمل لفظ الهبة في غير معناه الحقيقي، بدليل قوله: بعشرة آلاف. فذكر العوض قرينة على إرادة المجاز (١)
стр. 595
المبحث السابع قاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه
فيه مطالب:
المطلب الأول: معنى القاعدة
تقدم أن اليقين لا يزول بالشك، وأن الظن الغالب الراجح يقوم مقام اليقين، ومعلوم أن الظن له جانب راجح يجب العمل به وجانب مرجوح يسمى لا يعمل به.
وهذه القاعدة تبين أن الظن الذي بنيت عليه المسألة إن تبين خطأه بيقين فلا عبرة بالعمل بالظن. كمن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ثم تبين له أنها لم تغرب، فواجب عليه القضاء
لأنه تبين خطأ الظن.
ومستند القاعدة: أن الظن إذا تبين خطؤه، قد خرج من حيز الظن المعمول به إلى حيز الخطأ الذي له أحكام مستقلة، بيناها في مبحث مستقل، وهي أحكام الإكراه والنسيان والخطأ.
وتبين هناك أن النصوص دالة على العفو عن الخطأ.
بمعنى رفع الإثم، وثم تفصيل في الأحكام تكشف عن مدى اعتبارها في الشرع من عدمه.
стр. 596
المطلب الثاني: فروع هذه القاعدة
١_ من ظن أنه متطهر فصلى، ثم تبين أنه محدث أعاد الصلاة.
٢_ من أفطر ظانا غروب الشمس، أو أكل ظانا طلوع الفجر، ثم تبين له الخطأ فعليه أن يقضي
٣_ لو أنفق على البائن يظنها حاملا فتبين أنها ليست كذلك كان له أن يسترد أمواله التي أنفقها عليها. (١)
٤_ لو ظن المدفوع إليه غير مصرف للزكاة فدفع له، ثم تبين أنه مصرف أجزأه (٢).
٥_ ولو صلى بالتيمم خوفًا، ثم تبين له أنه لا خوف فيجب عليه الإعادة (٣).
٦_ لو ادعى عليه ألفًا مثلًا، فقال المدعى عليه للمدعي: إن حلفت أنها لك عليَّ أدَّيتها لك، فحلف، فأداها له المدعى عليه ظنًا منه أنها لزمته بحلف المدعي استردها منه (٤).
والحاصل هذه القاعدة متفق عليها بين المذاهب، وقد تتبعتها في كتبهم فوجدتهم ينصون عليها ويخرجون عليها فروعا، وإن اختلفوا في
стр. 597
بعض التطبيقات نظرًا لمعارضة أصول أخرى عند كل مذهب (١).
المطلب الثالث: التطبيقات المعاصرة
١ - من اعتمد على ساعته في الإمساك والفطر، ثم تبين الخطأ وجب عليه القضاء.
٢ - من أفطر بناء على أذان الهاتف وتبين له الخطأ وجب القضاء.
٣ - وقف في مزدلفة بسيارته ونزل لأداء الصلاة، ثم تبين له في اليوم التالي أنه لم يكن بمزدلفة فعليه دم عند من يرى أن الوقوف بمزدلفة واجب.
٤ - من زكى أسهمه، ثم تبين له أنه لا زكاة عليه لعدم النصاب استرد.
٥ - أفطر راكب الطائرة بناء على توقيت البلدة التي يمر فوقها مع أنه يرى الشمس فعليه القضاء؛ لأنه ظن أن توقيته على البلدة التي يمر بسمائها وكذلك الحكم في ساكن الأبراج العليا والجبال.
٦ - أخذت إدارة الجمعية كفالة يتيم له عدة كفالات ليتيم آخر لا كفالة له ظنا منها الجواز فعليها أن ترد لليتيم حقه.
стр. 598
المبحث الثامن قاعدة: لا عبرة بالتوهم
فيها مطالب:
المطلب الأول: المعنى
معنى القاعدة أن التوهم لا عبرة به مطلقا، ولا يعمل به في بناء الأحكام الشرعية، ولا العادات، ولا المعاملات، ولا القضاء.
والفرق بين هذه القاعدة والتي قبلها أن الظن يعمل به، حتى يتبين الخطأ أما الوهم، فلا يعمل به أصلا.
والظن هو ما غلب مع احتمال مقابل مرجوح ضعيف.
والوهم ما كان مغلوبًا ضعيفًا، لذلك لا عبره به.
فالتوهم: التخيل والتمثل في الذهن، وهو أدنى درجة من الظن، أو الشك، والمراد به هنا تخيل غير الواقع، أي الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول، فهذا لا ينبني عليه حكم، ولا يمنع القضاء، ولا يؤخر الحقوق؛ لأن التوهم غير مستند إلى دليل عقلي، أو حسي، بل هو أحط درجة من الشك (١).
стр. 599
المطلب الثاني: من تطبيقات القاعدة
١_ لا يؤخر القاضي الحكم بناء على توهم رجوع الشهود.
٢_ لو مات مدين عن تركة مستغرقة بالديون، وطلب الغرماء من القاضي بيعها وتقسيم أثمانها بينهم، يفعل ولا يؤخر العمل بمجرد احتمال ظهور دائن آخر، إذ لا عبرة بالتوهم، فلو فرض ظهور دائن آخر يستوفي حقه على حسب الأصول المشروعة (١).
المطلب الثالث: التطبيقات المعاصرة
١ - من كان يعمل في التخليص الإلكتروني ويستقبل الطلبات ويحيلها على الوكلاء بأجرة يدفعها لهم فعمله مباح، ولا يضره توهمه أنهم يخلصون المعاملات بالرشوات وغيرها. (٢)
стр. 600
٢ - من اشترى مواد معلبة، ثم شك إن كان فيها مواد محرمة من خنزير مثلًا، فلا عبرة بتوهمه هذا.
٣ - من حصل على الوظيفة بشهادة مزورة، فإن فتاوى العصر متقاربة وحاصلها أنه آثم لقيامه بالتزوير والخداع، وعليه التوبة والندم على ذلك، وأما ما يتقاضاه فإن كان ذا كفاءة عالية يقوم بالعمل على وجهه فهو حلال، ولا عبرة بتوهمه الحرمة، وأنا لا أوافق على هذه الفتوى، ولو فتح هذا الباب لدخل الخداع والشر والتزوير في عموم الوظائف فهذه من الفتاوى الباطلة.
٤ - تحريم التعامل بالربا ودعوى المصلحة توهم لا مستند له.
٥ - إذا توهم الطبيب عدم نجاح العملية، فلا يعمل به مع رجحان نجاحها.
٦ - التوهم لا يبرر التجسس على مكالمات الغير سواء الدولة، أو زوج، أو والد، أو غير ذلك.