المطلب الثاني: فروع هذه القاعدة
١_ من ظن أنه متطهر فصلى، ثم تبين أنه محدث أعاد الصلاة.
٢_ من أفطر ظانا غروب الشمس، أو أكل ظانا طلوع الفجر، ثم تبين له الخطأ فعليه أن يقضي
٣_ لو أنفق على البائن يظنها حاملا فتبين أنها ليست كذلك كان له أن يسترد أمواله التي أنفقها عليها. (١)
٤_ لو ظن المدفوع إليه غير مصرف للزكاة فدفع له، ثم تبين أنه مصرف أجزأه (٢).
٥_ ولو صلى بالتيمم خوفًا، ثم تبين له أنه لا خوف فيجب عليه الإعادة (٣).
٦_ لو ادعى عليه ألفًا مثلًا، فقال المدعى عليه للمدعي: إن حلفت أنها لك عليَّ أدَّيتها لك، فحلف، فأداها له المدعى عليه ظنًا منه أنها لزمته بحلف المدعي استردها منه (٤).
والحاصل هذه القاعدة متفق عليها بين المذاهب، وقد تتبعتها في كتبهم فوجدتهم ينصون عليها ويخرجون عليها فروعا، وإن اختلفوا في
стр. 597
بعض التطبيقات نظرًا لمعارضة أصول أخرى عند كل مذهب (١).
المطلب الثالث: التطبيقات المعاصرة
١ - من اعتمد على ساعته في الإمساك والفطر، ثم تبين الخطأ وجب عليه القضاء.
٢ - من أفطر بناء على أذان الهاتف وتبين له الخطأ وجب القضاء.
٣ - وقف في مزدلفة بسيارته ونزل لأداء الصلاة، ثم تبين له في اليوم التالي أنه لم يكن بمزدلفة فعليه دم عند من يرى أن الوقوف بمزدلفة واجب.
٤ - من زكى أسهمه، ثم تبين له أنه لا زكاة عليه لعدم النصاب استرد.
٥ - أفطر راكب الطائرة بناء على توقيت البلدة التي يمر فوقها مع أنه يرى الشمس فعليه القضاء؛ لأنه ظن أن توقيته على البلدة التي يمر بسمائها وكذلك الحكم في ساكن الأبراج العليا والجبال.
٦ - أخذت إدارة الجمعية كفالة يتيم له عدة كفالات ليتيم آخر لا كفالة له ظنا منها الجواز فعليها أن ترد لليتيم حقه.
стр. 598
المبحث الثامن قاعدة: لا عبرة بالتوهم
فيها مطالب:
المطلب الأول: المعنى
معنى القاعدة أن التوهم لا عبرة به مطلقا، ولا يعمل به في بناء الأحكام الشرعية، ولا العادات، ولا المعاملات، ولا القضاء.
والفرق بين هذه القاعدة والتي قبلها أن الظن يعمل به، حتى يتبين الخطأ أما الوهم، فلا يعمل به أصلا.
والظن هو ما غلب مع احتمال مقابل مرجوح ضعيف.
والوهم ما كان مغلوبًا ضعيفًا، لذلك لا عبره به.
فالتوهم: التخيل والتمثل في الذهن، وهو أدنى درجة من الظن، أو الشك، والمراد به هنا تخيل غير الواقع، أي الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول، فهذا لا ينبني عليه حكم، ولا يمنع القضاء، ولا يؤخر الحقوق؛ لأن التوهم غير مستند إلى دليل عقلي، أو حسي، بل هو أحط درجة من الشك (١).
стр. 599
المطلب الثاني: من تطبيقات القاعدة
١_ لا يؤخر القاضي الحكم بناء على توهم رجوع الشهود.
٢_ لو مات مدين عن تركة مستغرقة بالديون، وطلب الغرماء من القاضي بيعها وتقسيم أثمانها بينهم، يفعل ولا يؤخر العمل بمجرد احتمال ظهور دائن آخر، إذ لا عبرة بالتوهم، فلو فرض ظهور دائن آخر يستوفي حقه على حسب الأصول المشروعة (١).
المطلب الثالث: التطبيقات المعاصرة
١ - من كان يعمل في التخليص الإلكتروني ويستقبل الطلبات ويحيلها على الوكلاء بأجرة يدفعها لهم فعمله مباح، ولا يضره توهمه أنهم يخلصون المعاملات بالرشوات وغيرها. (٢)
стр. 600
٢ - من اشترى مواد معلبة، ثم شك إن كان فيها مواد محرمة من خنزير مثلًا، فلا عبرة بتوهمه هذا.
٣ - من حصل على الوظيفة بشهادة مزورة، فإن فتاوى العصر متقاربة وحاصلها أنه آثم لقيامه بالتزوير والخداع، وعليه التوبة والندم على ذلك، وأما ما يتقاضاه فإن كان ذا كفاءة عالية يقوم بالعمل على وجهه فهو حلال، ولا عبرة بتوهمه الحرمة، وأنا لا أوافق على هذه الفتوى، ولو فتح هذا الباب لدخل الخداع والشر والتزوير في عموم الوظائف فهذه من الفتاوى الباطلة.
٤ - تحريم التعامل بالربا ودعوى المصلحة توهم لا مستند له.
٥ - إذا توهم الطبيب عدم نجاح العملية، فلا يعمل به مع رجحان نجاحها.
٦ - التوهم لا يبرر التجسس على مكالمات الغير سواء الدولة، أو زوج، أو والد، أو غير ذلك.
стр. 601
المبحث التاسع قاعدة: لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان
فيها مطلبان:
المطلب الأول: المعنى والموقف الفقهي
هذه القاعدة قالها الإمام الشافعي في جزئها الأول.
وقد تتبعت كلام العلماء على هذه القاعدة وحاصله ما يلي:
١ - لا ينسب لساكت قول لفظي بإجماع ومن نسب له فهو كاذب.
٢ - تبين أن المقصود لا ينسب إلى الساكت ما يدل على أن له موقفا معينا مؤثرًا في الحادثة، ويمكن على هذا أن يكون صياغتها لا ينسب إلى ساكت وفاق. فيشمل القول والفعل
٣ - أن الأدلة على عدم نسبة وفاق إلى الساكت هو أن السكوت متردد بين الوفاق وعدمه. وهو يقين في نفي القول اللفظي، فلا يعمل بالاحتمال، ولا يتزحزح عن اليقين إلا بناقل
٤ - أن القرائن الحالية هي التي تقرر نسبة اختيار معين إلى الساكت من عدمه.
وهذه القرائن الحالية مبينة في الجزء الثاني من القاعدة.
كما أن السياقات القرآنية تدل على ذلك إذ ينقل قول الملأ ومحاورات
стр. 602
الأمم للأنبياء ومعلوم أن بعضهم قال وآخرون أقروا فنسب لجميعهم؛ لأن الحال مقام محاجة ومجادلة وإنكار فكان من سكت في هذا المقام موافقًا.
والمثال على ذلك: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩].
والقائل واحد منهم في حضور الآخرين وسكوتهم فنسب إلى الجميع.
٥ - اتفقت المذاهب الأربعة في القول الأظهر والمعتمد على العمل بالقاعدة وأنه لا ينسب لساكت قول.
وهناك أقوال مقابلة في عدم اعتبار القاعدة، لكن عند التأمل فيها يتبين أن معارضة القاعدة إنما هو في حال السكوت مع وجود حاجة ملحة للنطق.
وقد اتفقوا على أن إقرار النبي ﵊ شرع، لكن القرينة هي أنه فرض عليه أن ينكر المنكر، ويبلغ الشرع، فلو سكت على المنكر في هذا المقام لالتبس على الناس.
وأما غيره، فلا يأتي فيه ذلك.
وقد خص النبي ﵊ سكوت البكر بأنه بيان، وهذا دليل أنه لا ينسب لساكت قول، وإلا لما خصصها بالحكم، ويقاس عليها ما كان في الحال يقطع بأن السكوت بيان.
وعلى ما دلت عليه القاعدة، وهو أنه لا ينسب لساكت قول، ولا وفاق، ولا خلاف.
ذهب المذاهب الأربعة، كما قدمنا.
فالحنفية ذكروها وفروعوا عليها فروعا كثيرة (١).
стр. 603
وإلى ما ذهب إليه الحنفية ذهب الشافعية فقال الزركشي: وحكاه القاضي أبو بكر عن الشافعي ﵁ واختاره وقال: إنه آخر أقواله، وإمام الحرمين وقال: أنه ظاهر مذهبه، ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول، قال الإمام: وهي من عبارته الرشيقة، وقال الغزالي في (المنخول): نص عليه في (الجديد) (١).
وعند المالكية يخضع الأمر للقرائن، فقد أكد ذلك ابن عبد السلام حيث بين أن الأمر خاضع للقرائن والدلالات الخارجية والحالية وهي التي تحدد أن سكوته وفاق على ذلك أم لا. أما إن انعدمت فلا.
قال: والذى تدل عليه مسائل المذهب أن كل ما يدل على ما فى نفس الإنسان من غير النطق، فإنه يقوم مقام النطق، نعم يقع الخلاف فى المذهب فى فروع هل حصل فيها دلالة أم لا؟ (٢).
وبين ابن رشد أن في مذهب المالكية قولين:
الأول: أن السكوت على الشيء إقرار به وإذن فيه.
والثاني: أن السكوت على الشيء ليس بإقرار به، ولا إذن فيه.
ثم رجح الثاني إلا إن دلت القرائن.
قائلًا: وهو ظاهر القولين وأولاهما بالصواب؛ لأن في قول النبي ﷺ : «والبكر تستأذن في نفسها، وأذنها صماتها» (٣). دليلًا على أن غير البكر في الصمت بخلاف البكر، وقد أجمعوا على ذلك في النكاح،
стр. 604
فوجب أن يقاس ما عداه عليه إلا ما يعلم بمستقر العادة أن أحدا لا يسكت عليه إلا راضيا به، فلا يختلف في أن السكوت عليه إقرار به (١)
وهذا مقرر كذلك عند الحنابلة، قال ابن قدامة: القاعدة بمقتضى العقل واللغة أن لا ينسب إلى ساكت قول، إلا بدليل يدل على أن سكوته كالقول، حكما، أو حقيقة؛ لأن السكوت عدم محض، والأحكام لا تترتب على العدم، ولا يستفاد منه الأقوال (٢).
وقد أورد العلماء قيدًا مكملًا للقاعدة وهو: لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السّكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان.
ومعنى هذا أن القرائن الحالية تجعل السكوت تصريحًا بالوفاق والرضى، بدليل حديث: استئذان البكر (٣).
ولذلك قال الله -سبحانه- عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]، وحرم القعود في مجلس يكفر فيه بالله ويستهزأ بآياته، وحذر من هذا الموقف وجعله إقرارًا ونطقًا، قائلًا سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
وجعل السكوت عن المنكر مشاركة فيه يستحق اللعن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
كما أن العادات جرت على العمل بالقرائن الصحيحة واعتبارها.
стр. 605
المطلب الثاني: فروع القاعدة
١ - رأى أجنبيا يبيع ماله فسكت ولم ينهه لم يكن وكيلًا بسكوته.
٢ - ولو رأى القاضي الصبي، أو المعتوه، أو عبدهما يبيع ويشتري فسكت لا يكون إذنًا في التجارة.
٣ - رأى المرتهن الراهن يبيع الرهن فسكت لا يبطل الرهن، ولا يكون رضًا في رواية.
٤ - رأى غيره يتلف ماله فسكت لا يكون إذنًا بإتلافه.
٥ - رأى المالك رجلا يبيع متاعه، وهو حاضر ساكت لا يكون رضا عندنا خلافا لابن أبي ليلى، ﵀ (١).
المطلب الثالث: الفروع المعاصرة
١ - لا تعتبر قرارات المجامع الفقهية إجماعا سكوتيا ولو لم يبين بقية العلماء خارج المجامع؛ لأنه لا ينسب لساكت قول.
٢ - السكوت عن تصرفات الحكام المخالفة للدين لا يعتبر رضا إلا إن كان متابعا له. أو رضي، ولو لم يتابع. فعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال (إنه يستعمل عليكم أمراء. فتعرفون وتنكرون. فمن
стр. 606
كره فقد برئ. ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضي وتابع) قالوا: يا رسول الله! إلا نقاتلهم؟ قال (لا. ما صلوا) (١).
قال أبو عمر يقولون من رضي بالفعل فكأنه فعله.
قال الحسن ﵀ إنما عقر الناقة رجل واحد فعمهم الله بالعقوبة لأنهم عموا فعله بالرضى (٢).
٣ - عمل متابعة على وسائل التواصل لمن يسب الله ورسوله ويستهزيء به له درجات.
إن كان موافقًا راضيًا، فهو مثله في الكفر، لكن هل يعتبر السكوت موافقة؟
الذي يظهر أن كثرة المتابعين لهذا الكفر يدخل في الإثم كل بحسبة.
وقوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] يعني في الفعل، أو الإثم، وهذا من بلاغة القرآن حيث أتى بكلمة تشمل سائر المراتب.
стр. 607
لأنه قد يكون رافضًا لهذا، فتعتبر المثلية في حقه أنه أشبههم في الفعل، وأما مقدار إثمه، فهو إلى الله تعالى.
وقد يكون راضيًا، فهو مثلهم في الفعل والحكم الكفري (١).
وقد يكون جاهلًا، فهو مثلهم في الإثم، لا في الكفر.
ولذلك يحرم متابعة هؤلاء، حتى بحجة الرد ومن أراد الرد فيمكنه الدخول للقراءة، ثم الرد والبيان.
وأما من لا يريد الرد فيحرم عليه ذلك؛ لأنه تكثير لهم فيكون مثلهم، كما قال ﴿وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا، فلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، حتى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إذا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جميعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
ومن علامة الموافقة إشارة الإعجاب، أو مشاركة المقال ترويجًا له، فهذا أخطر على الدين والعياذ بالله.
فإن دل على الرضى بتعليق ونحوه فقد فعل الكفر فينظر في حاله وتقام عليه الحجج.
стр. 608
قال الرازي: وتصويب الكفر كفر، والرضا بالكفر كفر، فيستحيل أن يبقى مؤمنًا مع كونه بهذه الصفة (١).
وإن فعل الكفر، أو قاله مرحًا وهزلًا لا جدًا، فلا فرق بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
قال ابن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا، أو هزلا، وهو كيفما كان كفر؛، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلف فيه بين الأمة (٢).
٤ - العمل في شركة فيها اختلاط محرم وتبرج، ولا يقدر على تغيير عمله، ولا تغيير المنكر فمجرد سكوته لا يكون رضى. بدليل حديث أم سلمة المتقدم: ولكن من رضي وتابع. ولكن يجب عليه الإنكار بالقلب.
٥ - سكوت الأب عن مشاهدة الأبناء أفلام الأطفال التي فيها عقائد كفرية كتعدد الآلهة يعتبر كالرضى والإقرارا؛ لأنه منكر قادر على تغييره، لذلك في الحديث ولكن من رضي وتابع، وهذا كذلك.
٦ - مشاركة العالم في لقاءات إعلامية مع مذيعات متبرجات ليس رضى عنهن؛ لأنه لا ينسب لساكت قول، لكن يجب الموازنة بين المصالح المرجوة والمفاسد.
فإن كانت اللقاءات في قنوات هامة لها أثرها الكبير، فمثل هذه
стр. 609
اللقاءات مصالحها أعظم وأنفع، وهو تمكين للعالم أن يقول الخير في مثل هذه الوسيلة ومثلها إن كانت لمناظرة أهل الباطل والشبهات.
وغير ذلك من المصالح، فإن مجرد الجلوس مع مذيعة متبرجة لا يلزم منه الإقرار والرضى، والعالم يقدر المصالح في كل حالة.
стр. 610
الفصل الثالث: قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة
ينقسم إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: سؤال الماهية والمستند.
المبحث الثاني: استثمار القاعدة في المدارس الفقهية.
المبحث الثالث: الأثر الصناعي المعاصر.
стр. 611
المبحث الأول: معناها ومستندها
هذه القاعدة من أهم قواعد الشرع، وهي كلية من الكليات الأصول التي تدخل في عموم الشريعة، سوى أبواب خاصة، كالعبادات والفروج والدماء.
الكلام على هذه القاعدة يبدأ من الجهة الصناعية عن البحث عن سؤال الماهية، وشرح مفرداتها، ومعناها، وبيان ما يتعلق بها من القواعد، والألفاظ ذات الصلة، ومن، ثم البحث عن مستند هذه القاعدة الدال على حجيتها؛ ولذلك سنعقد مطلبين لبيان هذه الأمور:
المطلب الأول: سؤال الماهية
أولًا التعريف:
الأصل في اللغة: الثابت ما يُبنى عليه غيره، أي: بناءً حسيًا، كالجدار على أساسه، أو معنويًا، كالفقه على أصوله.
وقد اعترض على هذا بالوالد وفرعه، فإنه لا يبنى عليه، بل يتفرع منه؛ ولذلك قال بعضهم: ما منه الشيء. ولكنه غير جامع لخروج أصل الجدار.
стр. 612
أصل كل شيء هو: ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه، وقيل: ما يحتاج إليه الشيء (١).
الأصل في الاصطلاح: ففي كل فن لها معنى بحسب ذلك الفن، وهي هنا تعني القاعدة الثابتة التي يحتج بها، ويبنى عليها (٢). والأشياء المقصود بها هنا: ما يعم التصرفات، والعادات، والعقود، والمنافع، فكل تصرف، وعقد، ومنفعة.
ومعنى القاعدة أن كل تصرف، أو عقد، أو منفعة، الأصل في ذلك كله أنه على الإباحة والإذن (٣).
ثانيا: القواعد ذات الصلة.
وردت صيغ متعددة للقاعدة كالتأكيد، أو البيان فمن ذلك:
١ - الأشياء كلها على طِلقها، وعلى حلها، حتى يحدث الله -سبحانه- فيها التحريم فتعود حرامًا.
стр. 613
وهذه أوردها الإمام الطحاوي في بيانه حرمة من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته، قائلًا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، فكان من عاد سؤاله ظالمًا غير مأمون عليه أن يحرم عليه بظلمه ذلك ما قد كان حلالًا له؛ لأن الأشياء كلها على طلقها وعلى حلها، حتى يحدث الله فيها التحريم فتعود حرامًا، وإذا عاد ذلك الذي سأل عنه السائل الذي ذكرنا حرامًا من أجل مسألته عليه عاد حرامًا على الناس جميعًا، فكان في ذلك عظيم الجرم فيهم» (١).
٢ - كل مسكوت عن ذكره بتحريم، أو أمر فمباح.
وهذه ذكرها ابن حزم، واستدل لها بأدلة هي أدلة هذه القاعدة (٢).
٣ - ما لا يعلم فيه تحريم يجري على حكم الحل.
وهذه ذكرها إمام الحرمين قائلًا: «فإذا نسيت المذاهب فما لا يعلم فيه تحريم يجري على حكم الحل، والسبب فيه أنه لا يثبت لله حكمًا على المكلفين غير مستند إلى دليل، فإذا انتفى دليل التحريم، ثم استحال الحكم به» (٣).
٤ - ما لم يجئ دليل بتحريمه، فهو مطلق غير محجور.
وهذه ذكرها شيخ الإسلام ونقل فيها عدم الخلاف قائلًا: «وذلك أني لست أعلم خلاف أحد من العلماء السالفين في: أن ما لم يجئ دليل بتحريمه، فهو مطلق غير محجور، وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم في أصول الفقه وفروعه، وأحسب بعضهم ذكر في ذلك الإجماع يقينا، أو ظنا كاليقين» (٤).
стр. 614
ثم بين أن من خالف في ذلك، فهو خلاف محدث فقال: «ولست أنكر أن بعض من لم يحط علما بمدارك الأحكام، ولم يؤت تمييزًا في مظان الاشتباه، ربما سحب ذيل ما قبل الشرع على ما بعده، إلا أن هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه، مثل الغلط في الحساب لا يهتك حريم الإجماع، ولا يثلم سنن الاتباع» (١).
٥ - كل ما سكت عن إيجابه، أو تحريمه، فهو عفو.
وهذه ذكرها ابن القيم في حديثه عن القياس (٢).
٦ - الأصل في الأشياء التي لا ضرر فيها، ولا نص تحريم الحل والإباحة، حتى يرد الشرع بالتحريم لا الحظر.
وهذه نص عليه البهوتي في المطالب (٣).
٧ - الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع. وهذه ذكرها الكثير من العلماء، منهم القرافي في الذخيرة (٤).
٨ - الأصل في الأعيان الحل. قال الرملي -معلقًا على حكم الدخان-: "بأنه يحل شربها؛ لأن الأصل في الأعيان الحل؛ لأنها مخلوقة لمنافع العباد؛ ولآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ ولأنها غير مسكرة، ولا مخدرة، فقد أخبرني جمع ممن أثق بهم" (٥).
стр. 615
ونقلها الزركشي قائلًا: "قال الرافعي عن الأصحاب: الأصل في الأعيان الحل، ثم المراد بالنفع المكنة، أو ما يكون وسيلة إليها، وبالمضرة الألم، أو ما يكون وسيلة إليه" (١).
٩ - العادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله.
نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان أنواع تصرفات العباد، وهي كالمفسرة لموضع استعمال القاعدة، فإن الأشياء المقصود بها ما تعلق بالتصرفات العادية لا العبادات (٢).
١٠ - الأصل في العقود الجواز والصحة.
نص عليه ابن مفلح، وهذ أخص من القاعدة الكلية: الأصل في الأشياء الإباحة (٣).
стр. 616
١١ - الأصل في الشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا، أو قياسًا.
وهذه قاعدة فرعية عن القاعدة الكلية تختص بالشروط؛ لأن القاعدة تشمل سائر التصرفات ومنها الشروط والعقود والعادات، وقد نص عليه ابن تيمية، قائلًا: «القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا، أو قياسًا عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحًا» (١).
١٢ - أن الأصل في البيوع الإباحة.
وهذه قاعدة فرعية عن القاعدة الأم، وهي الأصل في الأشياء الإباحة، فتدخل التصرفات في العقود المتعلقة بالمعاملات المالية، وقد نص على هذه القاعدة الماوردي (٢).
١٣ - مبنى العبادات على رعاية الاتباع.
وهذه القاعدة استثناء من القاعدة العامة: الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن العبادات أمر ونهي، وكله لا يكون إلا عن نص، وقد ذكر هذه القاعدة زكريا الأنصاري، وهو يبين اشتراط الاجتماع في مكان واحد لصحة الجماعة؛ معللا ذلك بقوله: «إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في مكان، كما عهد عليه الجماعات في
стр. 617
العصر الخالية. ومبنى العبادات على رعاية الاتباع» (١).
١٤ - الأطعمة أصلها الحل.
وهذه ذكرها ابن مفلح وبنى عليها كتاب الأطعمة، وهي أخص من القاعدة الكلية (٢).
المطلب الثاني: مستندات القاعدة
لهذه القاعدة أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
أولا: الأدلة من الكتاب العزيز:
١ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١١٩].
وجه الاستدلال أن الله جعل الإنسان خليفة في الأرض، ومكنه فيها، وأنزل له الكتب، وأرسل الرسل، فبين الحلال والحرام، ومعلوم أن الحِّل أوسع من الحرمة؛ لأنه غير متناه؛ لذلك فصل الحرام في كتابة، وجعل ما سواه هو الحلال.
فهذه الآية نص على أن جميع الحرام مفصل في الكتاب والسنة، ولا حرام سواه، فمن ادعى حرمة ما لم يفصله الله فقد افترى.
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين﴾ [سورة البقرة: ١٦٨].
стр. 618
قال الشوكاني: «وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص، أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل، حتى يرد دليل يقتضي تحريمه، وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩]» (١).
٣ - كل شيء في الأرض مخلوق مسخر للإنسان لعموم: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة لقمان: ٢٠]، وعموم: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩] (٢).
ومقتضى ذلك أن يكون كل ما في الأرض مباح له، وإلا لما كان في الامتنان فائدة،، فلو كان كل شيء أصله حرامًا لكان تكليفا بالمشاق، وبما لا يطاق، فإننا في كل صغيرة، وكبيرة نحتاج إلى نص.
لذلك فصل الله المحرمات فقط وترك الباقي على أصل الإباحة.
قال السيوطي: «قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩] استدل به على أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه» (٣).
стр. 619
٤ - كل مسكوت عنه معفو عنه؛ بدليل قوله تعالى -مبينًا ما سكت عنه-: ﴿عَفَا اللّهُ عَنْهَا﴾ [سورة المائدة: ١٠١] (١).
لذلك فكل شيء بعد البعثة الأصل فيه الحل، إلا ما شمله النص بالتحريم .. والحرام محصور مفصل: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١١٩].
٥ - قال : في الأطعمة والأشربة، وسائر الأرزاق، والزينة، وكل ما أخرج من الأرض، والزينة شاملة للأثاث، والبناء، والعمارة، وسائر الألبسة، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ [الأعراف: ٣٢ [
ثم بين بعدها ما حرمه فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فهذه الآيات دليل على حل عموم ما في الأرض من زينة ورزق. وهاتان اللفظتان تشملان كل شيء من المنافع والأرزاق، وتشمل كل ما على وجه الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [سورة الكهف: ٧].
стр. 620
٦ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [سورة المائدة: ٥]
«ووجه الدلالة منها: أن المراد بالطيبات -هنا- ما يستطاب طبعًا، وليس المراد بالطيبات الحلال، وإلا لزم التكرار» (١).
ثانيا: الأدلة من السنة المطهرة:
١ - في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته».
فدل أن ما لم يحرم، فهو مباح.
٢ - في الصحيحين كذلك من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
فدل أن الشرع إما أمر وإما نهي وما ليس كذلك، فلا يلزم الانتهاء عنه، ولا يلزم فعله، وهذا هو المباح.
٣ - أخرج البزار وقال: سنده صالح والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء رفعه، بلفظ: «ما أحل الله في كتابه، فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، وتلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] (٢).
٤ - حديث أبي ثعلبة عند الدارقطني وابن بطة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا،
стр. 621
فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم، فلا تبحثوا عنها» (١)، وصححه ابن كثير، وقال النووي: "بإسناد حسن" (٢) قلت: وهو منقطع بين مكحول وأبي ثعلبه فإنه لم يسمع منه، لكن التحسين والتصحيح مبنى على ما سبق من الشواهد.
فهذا حديث حسن صحيح، ورد من حديث أبي ثعلبة، وأبي الدرداء، وسلمان، وابن عباس، فهذه شواهد ينجبر بها الانقطاع والإرسال (٣).
стр. 622
قال ابن رسلان: «(وما سكت عنه) فلم يبين تحريمه رحمة لكم غير نسيان (فهو عفو) أي: ما أمسك عن ذكره فلم يوجب عليكم فيه حكمًا، فهو معفو عنه، أي: عفي عن الحرج في أكله تسهيلًا عليكم، فيباح لكم أكله، وهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة، كما تقتضيه عموم النصوص، وهذا الحديث بخصوصه، قيل: يقتضي الإباحة مطلقًا. والصحيح أن الأصل في المنافع [الإباحة، وفي المضار التحريم، ويستثنى من المنافع] الأموال؛، فإن الظاهر أن الأصل فيها التحريم؛ لحديث جابر: «إن دماءكم وأموالكم حرام» (وتلا: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى آخر الآية)، فهي دالة على أن التحريم والتحليل إنما يثبت بالوحي والتنزيل» (١).
стр. 623
٥ - عن عياض بن حمار المجاشعي، إن رسول الله ﷺ قال -ذات يوم في خطبته-: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا، حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمَرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (١).
قال المازري: «أما قوله: (كل مال نحلته عبدًا حلال) فالمراد به ما لا حق فيه لأحد، ولا سبب يحرمه؛ والقصد أن ما خلقه الباري سبحانه في الأرض وغيرها مما ينتفع الناس به فإنه حلال» (٢).
و «النحلة: العطية المبتدأة لا عن عوض» (٣)، «أي: قال الله تعالى كل مال أعطيته عبدًا من عبادي، فهو له حلال، والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم» (٤).
«أي قال الله كل مال أعطيته عبدًا من عبادي، فهو له حلال» (٥).
٦ - حديث ابنِ عباسِ، قال: كان أهلُ الجاهليّة يأكلُون أشياءَ ويتركُونَ أشياءً تقذُّرًا، فبَعَث الله نبيَّه ﷺ وأنزل كتابَه، وأحَلَّ حلالَه وحَرَّم حرامَه، فما أحَلَّ، فهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ، فهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عنه، فهو عَفْوٌ، وتلا: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٦).
стр. 624
ثالثًا: دليل الإجماع على القاعدة:
أما دليل الإجماع، فقد نقل الإجماع على هذه القاعدة غير واحد من أهل العلم.
قال الزركشي: «فإن لم (نجد) ما يدل على تحريم، فهو حلال بعد الشرع بلا خلاف» (١).
وقال ابن رجب: «واعلم أن هذه المسألة غير مسألة حكم الأعيان قبل ورود الشرع: هل هو الحظر، أو الإباحة، أو لا حكم فيها؟، فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بعد وروده، فقد دلت هذه النصوص وأشباهها على أن حكم ذاك الأصل زال واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلط من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدًا» (٢).
رابعا: تفصيل الحرام.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١١٩]. يدل على أن ما ليس مفصلًا من الحرام في القرآن والسنة، فهو حلال؛ لأنه لو كان حرامًا لكان مذكورًا فيما فصل.
стр. 625
قال ابن رجب: "قوله : ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإن هذا يدل على أن ما لم يوجد تحريمه، فليس بمحرم، وكذلك قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
فعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، معللًا بأنه قد بين لهم الحرام، وهذا ليس منه، فدل على أن الأشياء على الإباحة، وإلا لما ألحق اللوم بمن امتنع من الأكل مما لم ينص له على حله بمجرد كونه لم ينص على تحريمه" (١).
قلت: التفصيل للمحرمات واضح في القرآن والسنة فقد فصل الحرام في الأطعمة فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٣].
ومن الأشربة حرم الخمر بالنص.
ومن النساء حرم المحارم في سورة النساء، ثم قال بعد هذا كله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٤] فكل ما عداه مباح.
وليس هناك تحريم على وجه مجمل في القرآن، ولا في السنة، ولا يوجد حرام غير منصوص.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩] وعموم: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٥] فهما نصان يشملان تحريم ما يقتل، ويهلك، فهذا بيان لنوع من المحرمات.
فإن قيل المخدرات غير منصوصة، قلت، بل منصوصة بنص الخمر
стр. 626
بالأولى؛ لأن دلالة تحريم المخدرات أولوية من النص، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: ٢٣]، شمل الضرب قطعًا، وهكذا المخدرات، فتحريم الخمر يشمل ما هو أفتك منه وأشد ضررًا، وهي المخدرات.
وبالجملة فالمحرمات منصوصة في القرآن والسنة، مفصلة بالأعيان، ولا يتوسع فيها ..
وعادة القرآن أن يذكر المباح على وجه العموم، أو السكوت عن مقابل الحرام لا على وجه التفصيل سوى ما قصد منه بيان عظيم الامتنان.
ومثال ذلك كثير في القرآن، منه ما في أول سورة النحل؛ حيث ذكر الأنعام، وذكر الماء، وكل ما أخرج من الثمرات، ونص على بعضها زيادة في الامتنان والتنبيه على مزيتها، ثم ذكر على وجه العموم تسخير الليل والنهار، وعموم ما ذرأ في الأرض والبحر وما فيه، وختم بإباحة السير في الأرض، ودلهم على الهداية بالنجوم.
فمن ادعى أن الأصل التحريم فمباهت، أو غير مطلع على دلائل الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
стр. 627
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ [سورة النحل: ٥ - ١٩].
ولهذا فالأصل في الأشياء والأعيان الإباحة، إلا إن دل دليل على الحظر فيعمل به.
وثم معركة كلامية بائرة لا قيمة لها في الواقع، وهي هل الأصل التحريم قبل ورود الشرع أم الإباحة؟
قلت: هل هناك إنسان قبل ورود الشرع أصلًا، حتى نتكلم عنه؟ هل يحلل بعقله أم يتوقف؟!
فآدم لما أنزله الله نزل خليفة في الأرض، ومكنه فيها.
وما ورد في الشرع حرف يدل أن الله قال لآدم أن كل ما في الأرض حرام عليك إلا ما سأنزل لك بيانه .. فالخوض فيها فضول بلا بركة، ولا قيمة ..
بل قال له: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾ [سورة البقرة: ٣٦].
فهذا المتاع والمستقر أصل في الحل إلا ما نص على تحريمه، ثم بين بعدها بآيات أصل الحل فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢].
فدل أن الأصل الإباحة مستمر من لدن آدم.
ولذلك ذكر في سورة البقرة قضية الحل العام: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: ٢٩].
стр. 628
وذكر بعدها استخلاف آدم في الأرض وختم القصة بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾ [سورة البقرة: ٣٦].
والعجب أنهم يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [سورة النحل: ١١٦].
مع أن نقاشهم في المسألة المفروضة قبل الشرع، فما دخل هذه الآية بما كان قبل الشرع؟!
فهذه الآية تبين الحكم بعد الشرع بلا شك .. (١).
وهي ليست دليلًا إلا على تحريم التقسيم بدون حجة، أما من قسم فقال هذا حرام؛ لأن الله نص عليه وحرمه، وهذا حلال؛ لأن الله لم يحرمه، فهذا عين الحق، فهي دليل على أن الأصل الإباحة؛ لأن الله فصل قسمين: الحرام وبينه وفصله والحلال وسكت عنه، فهو ما سوى الحرام، وهو كل شيء .. (٢).
قال ابن تيمية: مبينًا أن الخلاف غير صحيح-: "ولست أنكر أن بعض من لم يحط علمًا بمدارك الأحكام ولم يؤت تمييزًا في مظان الاشتباه، ربما سحب ذيل ما قبل الشرع على ما بعده إلا أن هذا غلط قبيح، لو نبه له لتنبه مثل الغلط في الحساب لا يهتك حريم الإجماع، ولا يثلم سنن الاتباع" (٣).
стр. 629
وهذا ما قرره ابن رجب، ونقل الإجماع على القاعدة وكذلك نقله الزركشي -كما تقدم- فتبين أن دعوى الخلاف أمر محدث نظري لا علاقة للفقه به.
وما نقل عن الحنفية من الخلف في القاعدة غير صحيح بعد التتبع.
قال صاحب التحقيقات: "وأما من ذهب إلى أن الأصل التحريم ونسبه إلى أبي حنيفة فقد أخطأ، فكتب مذهبه تنصّ على أن من نسبه إليه هم الشافعية.
قال ابن نجيم في الأشباه: "الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يدل الدليل على عدم الإباحة، وهو مذهب الشافعي ﵀ أو التحريم، حتى يدل الدليل على الإباحة، ونسبه الشافعية إلى أبي حنيفة ﵀".
وعلق عليه الحموي بقوله: "قوله: الأصل في الأشياء الإباحة إلخ ذكر العلامة قاسم بن قطلوبغا في بعض تعاليقه أن المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا" .. ومن، ثم نقل صاحب التحرير من الحنفية الإجماع عن البزدوي الحنفي؛ على أن الأصل في الأموال الإباحة ما لم يظهر دليل الحرمة، ومعلوم أن الأموال ما عدا الإنسان مما يمكن تموله، وهذا يعني كل مطعوم، وملبوس، ومشروب، ومركوب، ومسكون، وهلم جرا … ، وهذا نص كلامه.
هذا ونقل البيضاوي: أن من يقول الأصل في الأشياء الإباحة يعني في المنافع، وأما في المضار فالأصل فيها التحريم، وقال الأسنوي: "هذا بعد ورود الشرع بمقتضى أدلته، وأما قبله فالمختار الوقف، وفي أصول البزدوي بعد ورود الشرع الأموال على الإباحة بالإجماع ما لم يظهر دليل
стр. 630
الحرمة؛ لأن الله تعالى أباحها بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (١).
стр. 631
المبحث الثاني: استدلال العلماء بالقاعدة من مختلف المذاهب
لا يزال العلماء يفزعون إلى هذا الأصل في تقرير الأحكام مما ليس فيه نص معين في المنع والتحريم، وقد تتبعت كلامهم من مختلف المذاهب على ذلك فمن الأمثلة:
الحنفية: قال ابن عابدين: «المختار أن الأصل في الأشياء الإباحة».
أقول: وصرح في التحرير بأن المختار أن الأصل الإباحة عند الجمهور من الحنفية والشافعية. اه، وتبعه تلميذه العلامة قاسم، وجرى عليه في الهداية من فصل الحداد، وفي الخانية من أوائل الحظر والإباحة. وقال في شرح التحرير: وهو قول معتزلة البصرة، وكثير من الشافعية، وأكثر الحنفية لا سيما العراقيين. قالوا: وإليه أشار محمد فيمن هدد بالقتل على أكل الميتة، أو شرب الخمر فلم يفعل، حتى قتل بقوله: خفت أن يكون آثما؛ لأن أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي عنهما، فجعل الإباحة أصلًا، والحرمة بعارض النهي. اه.
ونقل أيضًا: أنه قول أكثر أصحابنا، وأصحاب الشافعي للشيخ أكمل الدين في شرح أصول البزدوي، وبه علم أن قول الشارح في باب استيلاء الكفار أن الإباحة رأي المعتزلة فيه نظر» (١).
стр. 632
وفي «بل ثبت له منافع، فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة» (١).
وقال القدوري: «ولأن خبرنا بأصل؛ لأن الأصل الإباحة» (٢).
وكذلك نص الدبوسي قائلًا: «والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق، وإن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾] الأنعام: ١٤٥] الآية، فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع»، وقد تكلم كلامًا طويلًا في تقرير أن مذهب الحنفية والجمهور الأصل الإباحة (٣).
«والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق، وإن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع» (٤).
وقال السرخسي: «وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٥٩] ففيها بيان أن الأشياء كلها في الكتاب، إما في إشارته، أو دلالته، أو في اقتضائه، أو في نصه، فإن لم يوجد في شيء من ذلك فبالإبقاء على الأصل الذي علم ثبوته بالكتاب، وهو دليل مستقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، فقد أمره بالاحتجاج بأصل الإباحة فيما لا يجد فيه دليل الحرمة في الكتاب، وهذا مستمر على أصل من يقول الإباحة في الأشياء أصل، وعلى أصلنا الذي نقول إنما نعرف كل شيء بالكتاب، وهذا معلوم بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإن الإضافة بلام التمليك تكون أدل على إثبات صفة الحل من التنصيص على الإباحة» (٥).
стр. 633
المالكية:
ومن المالكية قال القرافي: «لأن الأصل في السلع الإباحة، حتى تملك» (١).
وقال: والحق في إفتاء التحليل والتحريم في هذا الزمان التمسك بالأصلين اللذين ذكرهما البيضاوي في الأصول، ووصفهما بأنهما نافعان في الشرع.
الأول: أن الأصل في المنافع الإباحة، والمأخذ الشرعي آيات.
الأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] واللام للنفع، فتدل على أن الانتفاع بالمنتفع به مأذون به شرعًا، وهو المطلوب.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] والزينة تدل على الانتفاع.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [سورة المائدة: ٤] المراد بالطيبات: المستطابات، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها.
والثاني: أن الأصل في المضار التحريم والمنع؛ لقوله ﵊ «لا ضرر، ولا ضرار في الإسلام» (٢)، وأيضًا ضبط أهل الفقه حرمة التناول إما بالإسكار كالبنج، وإما بالإضرار بالبدن كالتراب والترياق، أو بالاستقذار كالمخاط والبزاق، وهذا كله فيما كان طاهرًا، وبالجملة إن ثبت في هذا الدخان أضرار صرف عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه، وإن لم يثبت أضراره فالأصل الحل، مع أن الإفتاء بحله فيه دفع الحرج عن
стр. 634
المسلمين، فإن أكثرهم مبتلون بتناوله فتحليله أيسر من تحريمه «وما خير رسول الله ﷺ بين شيئين إلا اختار أيسرهما»، وأما كونه بدعة، فلا ضرر؛ فإنه بدعة في التناول، لا في الدين، فإثبات حرمته أمر عسير لا يكاد يوجد له نصير، نعم لو أضر ببعض الطبائع، فهو عليه حرام، أو نفع ببعض وقصد التداوي، فهو مرغوب، هذا ما سنح في الخاطر إظهارًا للصواب من غير تعنت، ولا عناد في الجواب، كذا أجاب الشيخ محيي الدين أحمد بن محيي الدين بن حيدر الكردي الجزري - رحمه الله تعالى- اه (١).
قال ابن عبد البر المالكي: «ولو لم تكن في هذا الباب سنة ما وجب أن تمنع عن ذلك؛ لأن الأصل الإباحة» (٢).
وقال القرافي: «فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة، وهذا النوع من الكلام هو اللائق بطباع الفقهاء، والقضاة، وإن كان تحقيق القول فيه لا يتم إلا مع القول بالاعتزال، أما الأصل الثاني؛، وهو أن الأصل في المضار الحرمة» (٣).
الشافعية:
قال ابن الرفعة: «وعلى تقدير إجرائه على ظاهره، فالأخذ بحديث عدي أولى؛ لأنه أحوط، وناقل عن الأصل؛، فإن الأصل في الأشياء الإباحة» (٤).
قال الزركشي قائلًا: «قال الرافعي عن الأصحاب: الأصل في
стр. 635
الأعيان الحل، ثم المراد بالنفع المكنة، أو ما يكون وسيلة إليها، وبالمضرة الألم، أو ما يكون وسيلة إليه» (١).
وقال ابن الملقن: «أن الأصل في الأشياء الإِباحة؛ لأنهم أقدموا على ذبحها كسائر ما يذبح من الحيوان عندهم» (٢).
الحنابلة:
قال ابن قدامة: «لأن الأصل الإباحة» (٣)، «ولنا، أن الأصل الإباحة، ولم يتحقق وجود المحرم، فيبقى على الأصل» (٤).
الظاهرية:
قال ابن حزم: «إذ رأى عبد الرحمن بن عوف حين تزوج، وعليه الخلوق، فلم ينكر عليه؛ إذ الأصل في ذلك الإباحة» (٥).
ابن دقيق العيد: بين أن النص على تحريم القزع، وهو حلق أجزاء من الرأس وترك الأخرى، لكن لو حلق بعضه وترك مقدمته، أو المؤخر فثم خلاف سببه ما معنى القزع.
لذلك قال ابن دقيق العيد: «وقد يقال: إن كان الوضع لمطلق حَلْقِ البعض وترك البعض فالكثيرُ المتفرِّق داخل تحته، فهو متيقَّن، والمعنى الآخر مشكوك فيه، فيحكم بكراهة المتفق على أنه داخل في الموضوع له،