المبحث الثاني: استدلال العلماء بالقاعدة من مختلف المذاهب
لا يزال العلماء يفزعون إلى هذا الأصل في تقرير الأحكام مما ليس فيه نص معين في المنع والتحريم، وقد تتبعت كلامهم من مختلف المذاهب على ذلك فمن الأمثلة:
الحنفية: قال ابن عابدين: «المختار أن الأصل في الأشياء الإباحة».
أقول: وصرح في التحرير بأن المختار أن الأصل الإباحة عند الجمهور من الحنفية والشافعية. اه، وتبعه تلميذه العلامة قاسم، وجرى عليه في الهداية من فصل الحداد، وفي الخانية من أوائل الحظر والإباحة. وقال في شرح التحرير: وهو قول معتزلة البصرة، وكثير من الشافعية، وأكثر الحنفية لا سيما العراقيين. قالوا: وإليه أشار محمد فيمن هدد بالقتل على أكل الميتة، أو شرب الخمر فلم يفعل، حتى قتل بقوله: خفت أن يكون آثما؛ لأن أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي عنهما، فجعل الإباحة أصلًا، والحرمة بعارض النهي. اه.
ونقل أيضًا: أنه قول أكثر أصحابنا، وأصحاب الشافعي للشيخ أكمل الدين في شرح أصول البزدوي، وبه علم أن قول الشارح في باب استيلاء الكفار أن الإباحة رأي المعتزلة فيه نظر» (١).
стр. 632
وفي «بل ثبت له منافع، فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة» (١).
وقال القدوري: «ولأن خبرنا بأصل؛ لأن الأصل الإباحة» (٢).
وكذلك نص الدبوسي قائلًا: «والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق، وإن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾] الأنعام: ١٤٥] الآية، فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع»، وقد تكلم كلامًا طويلًا في تقرير أن مذهب الحنفية والجمهور الأصل الإباحة (٣).
«والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق، وإن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع» (٤).
وقال السرخسي: «وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٥٩] ففيها بيان أن الأشياء كلها في الكتاب، إما في إشارته، أو دلالته، أو في اقتضائه، أو في نصه، فإن لم يوجد في شيء من ذلك فبالإبقاء على الأصل الذي علم ثبوته بالكتاب، وهو دليل مستقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، فقد أمره بالاحتجاج بأصل الإباحة فيما لا يجد فيه دليل الحرمة في الكتاب، وهذا مستمر على أصل من يقول الإباحة في الأشياء أصل، وعلى أصلنا الذي نقول إنما نعرف كل شيء بالكتاب، وهذا معلوم بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإن الإضافة بلام التمليك تكون أدل على إثبات صفة الحل من التنصيص على الإباحة» (٥).
стр. 633
المالكية:
ومن المالكية قال القرافي: «لأن الأصل في السلع الإباحة، حتى تملك» (١).
وقال: والحق في إفتاء التحليل والتحريم في هذا الزمان التمسك بالأصلين اللذين ذكرهما البيضاوي في الأصول، ووصفهما بأنهما نافعان في الشرع.
الأول: أن الأصل في المنافع الإباحة، والمأخذ الشرعي آيات.
الأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] واللام للنفع، فتدل على أن الانتفاع بالمنتفع به مأذون به شرعًا، وهو المطلوب.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] والزينة تدل على الانتفاع.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [سورة المائدة: ٤] المراد بالطيبات: المستطابات، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها.
والثاني: أن الأصل في المضار التحريم والمنع؛ لقوله ﵊ «لا ضرر، ولا ضرار في الإسلام» (٢)، وأيضًا ضبط أهل الفقه حرمة التناول إما بالإسكار كالبنج، وإما بالإضرار بالبدن كالتراب والترياق، أو بالاستقذار كالمخاط والبزاق، وهذا كله فيما كان طاهرًا، وبالجملة إن ثبت في هذا الدخان أضرار صرف عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه، وإن لم يثبت أضراره فالأصل الحل، مع أن الإفتاء بحله فيه دفع الحرج عن
стр. 634
المسلمين، فإن أكثرهم مبتلون بتناوله فتحليله أيسر من تحريمه «وما خير رسول الله ﷺ بين شيئين إلا اختار أيسرهما»، وأما كونه بدعة، فلا ضرر؛ فإنه بدعة في التناول، لا في الدين، فإثبات حرمته أمر عسير لا يكاد يوجد له نصير، نعم لو أضر ببعض الطبائع، فهو عليه حرام، أو نفع ببعض وقصد التداوي، فهو مرغوب، هذا ما سنح في الخاطر إظهارًا للصواب من غير تعنت، ولا عناد في الجواب، كذا أجاب الشيخ محيي الدين أحمد بن محيي الدين بن حيدر الكردي الجزري - رحمه الله تعالى- اه (١).
قال ابن عبد البر المالكي: «ولو لم تكن في هذا الباب سنة ما وجب أن تمنع عن ذلك؛ لأن الأصل الإباحة» (٢).
وقال القرافي: «فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة، وهذا النوع من الكلام هو اللائق بطباع الفقهاء، والقضاة، وإن كان تحقيق القول فيه لا يتم إلا مع القول بالاعتزال، أما الأصل الثاني؛، وهو أن الأصل في المضار الحرمة» (٣).
الشافعية:
قال ابن الرفعة: «وعلى تقدير إجرائه على ظاهره، فالأخذ بحديث عدي أولى؛ لأنه أحوط، وناقل عن الأصل؛، فإن الأصل في الأشياء الإباحة» (٤).
قال الزركشي قائلًا: «قال الرافعي عن الأصحاب: الأصل في
стр. 635
الأعيان الحل، ثم المراد بالنفع المكنة، أو ما يكون وسيلة إليها، وبالمضرة الألم، أو ما يكون وسيلة إليه» (١).
وقال ابن الملقن: «أن الأصل في الأشياء الإِباحة؛ لأنهم أقدموا على ذبحها كسائر ما يذبح من الحيوان عندهم» (٢).
الحنابلة:
قال ابن قدامة: «لأن الأصل الإباحة» (٣)، «ولنا، أن الأصل الإباحة، ولم يتحقق وجود المحرم، فيبقى على الأصل» (٤).
الظاهرية:
قال ابن حزم: «إذ رأى عبد الرحمن بن عوف حين تزوج، وعليه الخلوق، فلم ينكر عليه؛ إذ الأصل في ذلك الإباحة» (٥).
ابن دقيق العيد: بين أن النص على تحريم القزع، وهو حلق أجزاء من الرأس وترك الأخرى، لكن لو حلق بعضه وترك مقدمته، أو المؤخر فثم خلاف سببه ما معنى القزع.
لذلك قال ابن دقيق العيد: «وقد يقال: إن كان الوضع لمطلق حَلْقِ البعض وترك البعض فالكثيرُ المتفرِّق داخل تحته، فهو متيقَّن، والمعنى الآخر مشكوك فيه، فيحكم بكراهة المتفق على أنه داخل في الموضوع له،
стр. 636
وهو الكثير المتفرق، ونبُيح المشكوك، فيه، وهو حلق البعض وترك البعض؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة» (١).
ثم نقل كلام القرطبي: في أن القزع المحرم المتفق عليه هو حلق أجزاء وترك أجزاء، أما حلق بعض وترك بعض فخلاف ..
«قال أبو العباس القرطبي: لا خلافَ [في] أنه إذا حُلِقَ من الرأس مواضعُ وأبقيتْ مواضعُ: أنه القزعُ المنهيُّ عنه؛ لما عرف من اللغة، كما نقلناه؛ ولتفسير نافع له بذلك.
واختلف فيما إذا حُلق جميعُ الرأس وتُرك منه موضع، كشعر النَّاصية، أو فيما إذا حلق موضعًا وحدَه وبقي أكثر الرأس، فمنع ذلك مالكٌ ورآه من القزع المنهي عنه.
وقال ابن نافع: «أما القصَّةُ والقفا للغلام، فلا بأسَ به».
الطيبي:
قال الطيبي: «الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما خصه الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فخصت منها أشياء بنص التنزيل، وبقي ما عداها في معرض التحليل» (٢).
وقال ابن العراقي: «فيه إباحة أكل لحم الضب؛ لأنه إذا لم يحرمه، فهو حلال؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة» (٣).
ونص على ذلك الحافظ: «وأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لكون
стр. 637
الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا، مع توفر دواعيهم على السؤال عما يشكل» (١).
والعيني: «ولا شك أن الحرمة متأخرة عن الإباحة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم عارض» (٢).
الإمام الرازي: المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، ويدل عليه هذه الآية؛ فإنه تعالى قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويدل عليه من الأحاديث:
قوله ﵇: «لا ضرر، ولا ضرار في الإسلام».
ويدل عليه أيضًا أن دفع الضرر مستحسن في العقول، فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع؛ لقوله ﵇: «ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن»، قال الزرقاني في مختصر المقاصد: "حسن موقوف".
وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وثانيها: قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس: لا حاجة البتة أصلًا إلى القياس في الشرع؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكورًا في الكتاب، والسنة فذاك هو المراد، وإن لم يكن كذلك، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل
стр. 638
في المضار الحرمة، وإن كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة؛ لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياسًا واقعًا في مقابلة النص، وأنه مردود، فكان باطلًا (١).
الشوكاني: «وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله: جميعًا أقوى دلالة على ذلك» (٢).
قال الشوكاني: «الأصل في كل شيء الحل، ولا يحرم إلا ما حرم الله تعالى ورسوله، وما سكتا عنه، فهو عفو» (٣).
استثناء من القاعدة:
الأصل في العبادات التوقف، هذه قاعدة هامة لا تشملها الأصل في الأشياء الإباحة، ومعنى القاعدة أن الأصل في العبادات التوقف على النصوص، فلا تؤخذ إلا منها.
فلا يتعبد الله إلا بما شرع في كتابه وسنة رسوله ﵊.
والمقصود بالعبادات هنا ما كان من العبادات المحضة كالذكر والدعاء والصلاة الصوم والحج والزكاة (٤).
المبحث الثالث: أثر القاعدة في الصناعة الفقهية المعاصرة
لبس ما جاء من بلاد الكفار، ولو دخل في الصناعة بعض النجاسات؛ لأنها تستحيل إلى مواد تصنيعية أخرى، وقد أثيرت هذه المسألة قديمًا زمن الصحابة.
فقد أخرج أحمد: «حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، أن عمر أراد أن ينهى عن متعة الحج، فقال له أبي: ليس ذاك لك "قد" تمتعنا مع رسول الله ﷺ ولم ينهنا عن ذلك " فأضرب عن ذلك عمر وأراد أن ينهى عن حلل الحبرة؛ لأنها تصبغ بالبول، فقال له أبي: "ليس ذلك لك قد لبسهن النبي ﷺ ولبسناهن في عهده"» (١).
стр. 641
قلت القصة عن عمر من طرق تدل على ثبوت أصلها.
وقد جاء عن عمر أنه كان يستصنع الحلل للنبي ﵊ والصحابة (١).
ولأن الأصل الإباحة والأصل الطهارة، حتى يثبت الناقل: وقد جاء عن الحسن وعلي وغيرهما أنهم كانوا لا يغسلون ما يأتي من المنسوجات من غير المسلمين.
وسئل أبو عبد الله عن يهود يصبغون بالبول؟ فقال: المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه وقال: إذا علمت أنه لا محالة يصبغ من البول وصح عندك، فلا تصل فيه، حتى تغسله (٢).
стр. 642
قال ابن رجب: "وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاة فيه من غير غسل، ما لم تحقق فيه نجاسة، ولا يكتفى في ذلك بمجرد القول فيه، حتى يصح، وأنه لا ينبغي البحث عن ذلك والسؤال عنه".
وحكى ابن المنذر هذا القول عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، فلم يحك عن أحد فيه خلافًا، وهو قول الثوري وإسحاق-: نقله عنه حرب، ومن أصحابنا من قال لا نعلم في هذا خلافًا. ومنهم من نفى (١).
أما ما لبسوه فهل يجوز لبسه، والخلاف أساسه أنهم لا يتورعون عن النجاسات.
لذلك من العلماء من أباح، قال الحسن: «لا بأس بالصلاة في رداء إليهودي والنصراني، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. قال الثوري: وغسلها أحب إلي».
ومنهم من كره من غير تحريم، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.
ومنهم من منع فقال: لا يصلى في شيء من ثيابهم، حتى يغسل، وهو قول إسحاق، وحكي رواية عن أحمد، وهو قول مالك - أيضًا - وقال: إذا صلى فيه يعيد ما دام في الوقت.
ومنهم من فرق بين من تباح ذبيحته فأجاز لبس ثيابه.
قال أحمد -في رواية حنبل- في الصلاة في ثوب إليهودي والنصراني: إذا لم يجد غيره غسله وصلى فيه، وثوب المجوسي لا يصلى فيه، فإن غسله وبالغ في غسله فأرجو؛ هؤلاء لا يجتنبون البول، واليهود والنصارى كأنهم أقرب إلى الطهارة من المجوس.
стр. 643
ومنهم من كره ما يلبسونه تحت الثياب من الملابس الداخلية؛ لأنها تلي العورات وهم لا يتورعون عن النجاسة، وهذا منقول عن أبي حنيفة وأصحابه، فما ولي عوراتهم، كالإزار والسراويل فمكروه عنده. وقال الشافعي: أنا لذلك أشد كراهة (١).
وعلق ابن رجب على ذلك بعد سرده المذاهب قائلًا: «والمسألة: ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فالأصل الطهارة، والظاهر أنه لا يسلم من النجاسة، وقد يقوى ذلك الظاهر في حق من لا تباح ذبائحه؛، فإن ذبائحهم ميتة، وما ولي عوراتهم؛، فإن سلامته من النجاسة بعيد جدًا، خصوصًا في حق من يتدين بالنجاسة».
١ - ومن المسائل المأكولات المصنوعة في بلاد غير المسلمين، الأصل فيها الإباحة، ما لم يثبت الناقل عن هذا، وفي البخاري عن عائشة: «أن قومًا قالوا للنبي ﷺ : إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا قلت: وكانوا حديثي عهد بالكفر».
«قال ابن عمر لما سئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس، فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه، وذكر عند عمر الجبن وقيل له: أنه يصنع بأنافح الميتة، فقال: سموا الله وكلوا. قال الإمام أحمد: أصح حديث فيه هذا الحديث، يعني: جبن المجوس» (٢).
وهذا كله إن لم يثبت أنها ميتة؛ لأن في بلاد غير المسلمين قد يصعقون الحيوان بالكهرباء، حتى الموت، فهذا محرم؛ لأنه موقوذة.
стр. 644
وأما إن كان صعقه لا يميته، بل لتدويخه، ثم يذبح من الحلق، فهذا مباح، وإن كان لا يجوز صعق الحيوان؛ لأنه من التعذيب (١)، ويحرم كذلك ما تبين أنه محتو على شحم خنزير (٢).
٢ - «وإن اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب رجع فيه إلى شبيهه مما يحل ومما لا يحل، فيحكم فيه ما يحكم بشبهه. قال: وإن لم يشبهه شيء ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق، وأبو علي الطبري: يكون حلالًا؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: (بعث الله نبيه ﵊ وأنزل عليه كتابه، وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل، فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو)» (٣).
٣ - ومن المسائل المعاصرة إباحة حلق شعر الجسد والساقين للرجل؛ لأن الأصل الإباحة (٤).
стр. 645
٤ - ومنها إباحة الانتخابات والاستفتاء الدستوري، وغير ذلك مما يتعلق بهذه العملية (١).
٥ - يجوز استعمال الكحول مطهرًا طبيًا؛ لأن الأصل الإباحة والطهارة (٢).
стр. 646
٦ - ومنها إباحة المشروبات من الشعير المكتوب عليها خالية من الكحول (١).
٧ - ومنها إباحة المشروبات الغازية بجميع أنواعها (٢).
стр. 647
٨ - ومنها بيع الطائرات المدنية لعموم الشركات، مع أن هذه الشركات توزع الخمر والمحرمات على متن الطائرة. ولكن البيع أصله على الإباحة أما ما يستعمله المشتري فله نظر آخر.
وإلا لحرم بيع الملابس الداخلية النسائية والرجالية، وبيع الميكب والزينة النسائية، بحجة الاحتمال من الاستعمال المحرم، فهذا غير معتبر إلا عند التيقن (١).
стр. 648
٩ - وقد استدلت دار الإفتاء المصرية على حل التجارة في الدخان بهذه القاعدة، وهي الأصل في الأشياء الإباحة (١).
١٠ - ومنها طهارة عطور الكولونيا؛ لأن الأصل الإباحة والطهارة (١).
١١ - إباحة الجيلاتين الداخل في صناعة الأغذية ما لم يكن من خنزير، أو ميتة، لكن لو كان مجهولًا فالأصل الإباحة (٢).
وذهب البعض إلى الجواز مطلقًا؛ لأن الصناعات قد نقلته إلى عين أخرى، وهذا اختيار لجنة الفتوى الكويتية (٣).
стр. 651
١٢ - ومنها أن الأصل الإباحة في كل أنواع الرياضة واللعب، ما لم يدل دليل على تحريم نوع معين منها (١).
١٣ - تشقير الحواجب جائز وسائر أنواع الزينة للمرأة مباحة على من أباح الله لها ذلك، ومنه الكوافير مالم يكن فيه كشف للعورات، ومنه إباحة الباروكة للزوج، ومنه شفط الدهون.
١٤ - ويحرم تغيير الأنف وكل ما فيه تغيير لخلق الله، فهو حرام.
١٥ - إباحة عقود الاتصالات والإنترنت، والمتاجرة بها وبخدماتها؛ لأن الأصل الحل، وما قد يستعمل بها من الحرام عارض لا يحرم الأصل.
١٦ - ومنها جواز العمل في شركات الأسلحة ببلاد الكفار، أو تقديم الخدمات الطبية للجيش إن لم يكن محاربا للمسلمين (٢).
١٧ - ومنها جواز ترجمة القرآن إلى لغات العالم (٣).
١٨ - ومنها إباحة أنواع المعاملات المالية والبنكية والتجارية، إلا ما دخل تحت أصول التحريم الستة وهي: جواز استعمال سندات
стр. 652
المقارضة بصيغتها الشرعية ولها حكم المضاربة وتطرح للتداول بترتيب معين حسب الشروط الشرعية، وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي (١).
١٩ - ومنها جواز تحنيط الحيوان للزينة، أو التشريح (٢).
٢٠ - ومنها جواز لبس الحرير الصناعي.
٢١ - ومنه جواز تنظيم النسل المؤقت عند الحاجة بتراضي الزوجين ونص قرار مجمع الفقه على:
«يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر، وإن تكون الوسيلة مشروعة، وإن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم. والله أعلم» (٣).
٢٢ - جواز التداوي باليرقات الميتة في الجروح المزمنة (٤).
стр. 653
٢٣ - استعمال أنواع الزيوت النباتية في الزينة والمكياج وغيرها (١).
стр. 654
٢٤ - يجوز استعمال حبوب التنحيف إن لم يكن هناك ضرر على الجسم. (١)
نماذج من الفتاوى المعاصرة المعتمدة على القاعدة:
سأذكر هنا نصوصًا في الفتاوي عن فقهاء العصر أفرادًا وهيئات، بنيت الفتوى في المسألة على القاعدة.
النموذج الأول: فتاوى العلامة محمد بن إسماعيل العمراني:
وقد اخترت من النماذج شيخنا العلامة العمراني -عليه رحمة والله- واخترت له عدة نماذج فمن ذلك:
- وقد استدل شيخنا العمراني بالقاعدة في الكثير جدًا من فتاواه فمن ذلك (٢):
س: «هل يجوز قطع الأشجار التي فوق قبور الموتى أم أنه لا يجوز؟
ج: لا مانع من قطعها؛ لأن الأصل الإباحة، بشرط أن لا يدوس الغير برجليه، أو برجله، ومن ادعى التحريم فعليه بالدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة».
نقل القدم:
«الأصل الإباحة في أعمال التجارة:
س: رجل يريد شراء محل تجاري في مكان حساس، ولكنه سيزيد
стр. 655
ضعف قيمة المحل؛ لأنه في موقع، حساس فهل هو من نقل القدم، أم أنه من التراضي في البيع والشراء؟
ج: الأصل الإباحة في البيع والشراء» (١).
«جواز الكشف عن نوع الجنين طبيًا، وهو في بطن أمه.
س: هل يجوز الكشف على الجنين لمعرفة نوع الجنين بدون مرض، وهل يجوز في المرض؟
ج: الأصل الإباحة، حتى يرد دليل بالمنع» (٢).
النموذج الثاني: من فتاوى الهيئات:
اخترت فتوى عن اللجنة الدائمة:
هل يأكل الحية إذا لم يخف سمها؟
ج ١: الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه، والتحريم، كما يستفاد من النهي المتجرد عن القرائن التي تصرفه عن دلالته الأصلية، كذلك يستفاد التحريم من الأمر بالقتل، والحية من الدواب التي أمر بقتلها، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي (٣).
والحمد لله أولا وآخرًا.
стр. 656
الباب السادس
القاعدة الكبرى العادة محكمة
القواعد المتعلقة بها:
١ - الممتنع عادة كالممتنع حقيقة.
٢ - استعمال الناس حجة.
٣ - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
٤ - العبرة للغالب الشائع لا للنادر.
٥ - الحقيقة تترك بدلالة العادة.
٦ - المعروف عرفا كالمشروط شرطا.
٧ - المعروف بين التجار كالمشروط.
٨ - لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمن.
٩ - التابع تابع.
стр. 657
الفصل الأول: قاعدة العادة محكمة
قاعدة العادة محكمة من أهم وأكبر قواعد الشرع ومحل إجماع بين العلماء وسنتكلم عنها من خلال مبحثين:
المبحث الأول قاعدة: العادة محكمة التعريف والمستند والبناء الفقهي.
المبحث الثاني: الأثر الصناعي المعاصر للقاعدة.
стр. 658
المبحث الأول قاعدة: العادة محكمة التعريف والمستند والبناء الفقهي
المطلب الأول: ما هو العرف والعادة؟
العرف لغة: ضد النكر، يقال أولاه عرفا، أي معروفا، والعرف والعارفة والمعروف واحد ضد النكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتبسأ به وتطمئن إليه، .. وقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا، أي مصاحبا معروفا، قال الزجاج المعروف هنا ما يستحسن من الأفعال، ما تكرر وعاد واطمأنت إليه النفوس، قال الزجاج: المعروف هنا ما يستحسن من الأفعال. وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]، قيل في التفسير: المعروف الكسوة والدثار ونحو ذلك مما جرى به العرف، وقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] أي مصاحبا معروفا (١).
ومن خلال هذا يمكن تعريفه اصطلاحا بما قاله الجرجاني، العرف: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول، وهو حجة أيضًا، لكنه أسرع إلى الفهم، وكذا العادة، هي ما استمر الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى (٢).
стр. 659
تعريف العادة:
أما العادة، فهي لغة: ما تكررت وصارت ديدنا، وسميت العادة عادة؛ لأن صاحبها لا يزال معاودا لها (١).
يقال ما زال هذا دابك، ودينك، وديدنك، وديدبونك، ومرنك، وهجيراك، وإهجيراك، وطرقتك أي: عادتك، ويقال تلك الفعلة من فعلات فلان مَطِرة أي: عادة من خير وشر (٢).
وهي في الاصطلاح ما تقدم عن الجرجاني.
معنى العادة محكمة:
هذه القاعدة معناها أن العرف الجاري بين الناس يعتبر قانونا يرجع إليه حال التنازع معنى محكمة أي هي المرجع عند النزاع.
وهي في الحقيقة تستعمل في مواطن النزاع وغيره؛ لأن المجتمع يجري في تعامله وتصرفاته مع بعض وفق ما جرت به الأعراف والعادات، فإن اختلفوا في أمر من ذلك كانت العادة حكما بينهم (٣).
стр. 660
المطلب الثاني: سر هذه القاعدة وأهميتها الكبيرة ومستندها
الشريعة الإسلامية شريعة تتعامل مع الحياة وواقعها والإنسان وقضاياه بحيوية ومرونة فليست مجرد نظريات فكرية فلسفية قابعة في الإطار الذهني، أو صفحات الكتب.
فهي شريعة الحياة والواقع والإنسان.
ومن خلال الشريعة تدار الحياة والحضارة والعمارة وتبني القيم والأخلاق والمكارم ويقوم العدل ويعطى كل ذي حق حقه ويمنع الظلم ويدفع الضرر والفساد.
وهذه القاعدة هي جزء من منظومة الشريعة ولذلك فهدفها:
١ - رعاية العادات البشرية القويمة.
٢ - ترقية هذه العادات إلى قانون مجتمعي حاكم على تخاطبات الإنسان وعلاقاته وتعاقداته وتعامله وتصرفاته.
٣ - وهي بهذا تحقق الأمن المجتمعي الشامل وتدفع الخلاف والضرر والبغي والعدوان على الآخرين وترعي الحقوق والمكارم بسلاسة تامة بوعي مجتمعي أقره الشرع ليكون قانونا اجتماعيا عاما فصار المجتمع حاكما لنفسه بذلك.
٤ - الحد من الخصومات المرفوعة أمام القضاء والدولة.
٥ - إن الشريعة بهذا تحترم الإنسان وتكرمه باحترام عاداته الاجتماعية القويمة التي ليس فيها ظلم، أو جور، أو ضرر على النفس، أو الغير أو انحراف بالفطرة الإنسانية.
стр. 661
أما مستنداتها:
١_ أمر الله ورسوله بالعرف والعمل به، وقامت الأدلة عليها من الكتاب، والسنة والإجماع
قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩
قال القرطبي: هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات.
فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
ودخل في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة (١).
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر نبيه ﷺ أن يأمر الناس بالعرف، وهو المعروف في كلام العرب، مصدر في معنى: المعروف.
يقال: أوليته عُرْفًا، وعارفًا، وعارفةً كل ذلك بمعنى: المعروف.
فإذا كان معنى العرف ذلك، فمن المعروف صلة رحم من قطع، وإعطاء من حرم، والعفو عمن ظلم. وكل ما أمر الله به من الأعمال، أو ندب إليه، فهو من العرف. ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى;
стр. 662
فالحق فيه أن يقال: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله، لا ببعض معانيه دون بعض (١).
قال المرداوي: معناه: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة (٢).
٢_ ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أو كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
٣_ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
٤_ ومن السنة حديث عائشة ﵂: " أن هند بنت عتبة ﵂ قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣).
فيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع.
٥_ ومن الأدله حديث: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة (٤).
٦_ رد النبي ﷺ من سألته عن الحيض إلى عادة النساء.
стр. 663
ومن خلال تتبع استعمال القرآن للعرف والمعروف تبين أهمية هذه القاعدة.
ففي المسائل الجنائية يقول تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء فَاتِّبَاعُ بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وفي توزيع الثروة والوصية يقول تعالى: ﴿الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وفي دائرة الأسرة الكثير. وعلة ذلك أن القاعدة اجتماعية، فهي حاكمة على هذه المسائل.
فمن ذلك قوله تعالى:
١ - ﴿وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَة وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٢ - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمسَاكُ بِمَعرُوفٍ أَوْ تَسرِيحُ بِإِحسَان﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٣ - ﴿وَإِذَا طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوف﴾ [البقرة: ٢٣١].
٤ - ﴿فَلَا تَعضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحنَ أَزوَاجَهُنَّ إذا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
٥ - ﴿وَعَلَى المَولُودِ لَهُ رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفسٌ إلا وُسعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةُ بِوَلَدِهَا، ولا مَولُود لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثلُ ذَلِكَ، فإن أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاض مِّنهُمَا وَتَشَاوُر فلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّم أَنْ تَستَرضِعُو ا أَولَادَكُم، فلا جُنَاحَ عَلَيكُم إذا سَلَّمتُم مَا آتَيتُم بِالمَعرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعلَمُو ا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير ٢٣٣﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٦ - ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا فَعَلنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
٧ - ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعَا بِالمَعرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
٢ - ما جاءت الأدلة بنفية كعادات الجاهلية التي أبطلها الشرع من طواف العريان والجمع بين الأخوات ونكاح ما نكح الآباء.
٣ - ما لم يرد نص بنفيه، أو إثباته، وهذا هو المراد بهذه القاعدة وفيها كلام الفقهاء.
وينقسم العرف إلى قولي وفعلي فالقولي معتبر في القضاء والمعاملات والعقود وغيرها ولذلك قسموا الحقائق اللفظية إلى حقيقة لغوية وشرعية وعرفية ويحمل كل لفظ على حقيقته في عرف وعادة من استعمله.
وينقسم كذلك إلى فعلي قال ابن عابدين:
العرف عملي وقولي، فالأول: كتعارف قوم على أكل البر ولحم الضأن، فإذا قال: اشتر لي طعاما، أو لحما انصرف إلى البر ولحم الضأن عملا بالعرف العملي (١).
وينقسم كذلك إلى عرف عام وخاص فالأول ما تعارف عليه الناس كتعارف العرب وعاداتهم والخاص ما تعارف عليه قبيلة معينة، أو طائفة كتعارف النحاة على أن الرفع الضم، وهو عند الفقهاء رفع اليدين في الصلاة.
شروط العمل بالعادة:
للعمل بالعادة والعرف شروط واعتبارات يجب أن تكون متوفرة لصحة العمل بالقاعدة وهي: (٢)
١ - أن تكون عادة مطردة، قال إمام الحرمين: كل ما يتضح فيه اطراد العادة، فهو المُحَكَّم ومضمره كالمذكور صريحًا. (٣)
стр. 666
٢ - العرف الذي تحمل عليه الألفاظ شرطه أن يكون عادة وعرفًا مقارنًا سابقًا دون المتأخر،، فلو طرأت نازلة نحو اختلافهم في تقديم جزء من المهر قبل الدخول، فهذه يرجع فيها للعادة والعرف السابق على العقد، فيقضي به، ولا يرجع للعرف الطارئ بعدْ.
٣ - عدم مخالفة الشرع، فإن العادة إذا كانت مخالفة للشريعة، فهي عادة باطلة لا يصح العمل بها، كعادة الهَجَر، وهو الذبح لإرضاء من بينه وبين آخر خصومة، وقد جرت العادة على هذا لدى بعض القبائل، وهو باطل.
٤ - عدم مخالفة شرط العاقدين، فإن العادة المخالفة للشروط الصريحة تعتبر عادة ملغاة. (١)
تعارض العرف واللغة:
الذي يظهر من تتبع كلام الفقهاء أن اللغة إن تعارضت مع العرف. أن المسألة تبنى على غلبة أحدهما على الآخر في اللفظ الذي جرى فيه التعارض.
فمن ذلك:
١_ من حلف لا يأكل البيض لا يدخل بيض السمك لأن العرف لا يتناوله وإن كانت اللغة تتناوله لأن العرف أظهر هنا.
٢_ لو حلف لا يأكل خبزا دخل كل خبز ولو لم يكن متعارفا على صناعته كخبر الأرز مثلا، لأن اللغة هنا أغلب وأظهر.
٣_ ولو حلف لا يدخل بيتا، إن كان بدويا غلبت اللغة لأنه يسمى بيتا بالأولى.
وإن كان من أهل الحضر فإنا لو غلبنا اللغة حنث بكل شيء حتى الخيمة مع أنهم لا يسمونها بيتا في العرف الحضري. وإن غلبنا العرف لا يحنث.
стр. 667
وعلى هذه المسائل جرت فتاوى العلماء وكان الشافعي تارة يلاحظ هذه وتارة هذا.
وقد علل الرافعي ذلك فقال: يتبع مقتضى اللغة تارة، وذلك عند ظهورها وشمولها، وهو الأصل. وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد.
وقال ابن عبد السلام: قاعدة الأيمان: البناء على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة (١)
المطلب الرابع: استثمار الفقهاء للقاعدة
بنى الفقهاء عليها فروعا كثيرة جدا نذكر منها:
١ - ما لو انصرف من صلاته وسلم، ثم تذكر أن عليه سهوًا: إن كان تذكره عن زمن قريب سجد، وإلا فلا، والقريب والطويل يرجع بهما إلى العرف.
٢ - وكذا رجع جماعات من العلماء في تحديد السفر الرجوع إلى العرف، فما سماه العرف سفرًا، فهو سفر، وما لا فلا.
٣ - وكذا في حد الغنى وتعريفه، وكذلك في تعريف الفقر، وتحديد النفقات، ونحوها كالمسكن، واللباس راجعة إلى العرف، فما قاله أهل العرف لزم إعطاؤه للزوجة، ومن تجب على المرء نفقته ومؤنته.
٤ - والمرض الذي يجيز الفطر، وضبط المشقة من خوف، أو حر، أو برد، أو مطر ونحو ذلك مما يرخص عن حضور الجماعة ونحو هذه المسائل. والله أعلم
стр. 668
وفروع هذه القاعدة كثيرة ذكرها العلماء في كتبهم كابن عبد السلام والسيوطي وابن نجيم.
وقد قال ابن القيم: العرف يجري مجرى النطق"، وقد جرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع (١).
ثم سرد ذلك وقال: وهذا أكثر من أن يحصر، وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث «أعطاه النبي ﷺ دينارا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار والشاة الأخرى، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع (٢).
قال الفقهاء كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، يرجع فيه على العرف، ومثّلوه بالحرز في السرقة، والتفرق في البيع، والقبض، ووقت الحيض وقدره، والإحياء، والاستيلاء في الغصب، والاكتفاء في نية الصلاة بالمقارنة العرفية، بحيث يعد مستحضرًا للصلاة، وكذا المعاطاة، ومسألة الاستصناع، ودخول الحمامات العامة، وضابط القلة والكثرة في أمور كثيرة، وسن الحيض، والبلوغ، والإنزال، وأقل الحيض والنفاس والطهر، وغالبها، وأكثرها وغير ذلك (٣).
стр. 669
المبحث الثاني: الأثر الصناعي المعاصر
١ - جرت العادات على أن الطبيب يطلب إذنا خطيا من المريض لإجراء العملية، فإن عمل ذلك بدون إذن ضمن إلا في حالات الضرورة الاسعافية الطارئة التي يلزم معها تدخل عاجل.
٢ - جواز بيع الحقوق المعنوية واعتبارها أموالا نظرا لجريان العادة العالمية والعرف.
٣ - بيع بدل الخلو، أو ما يسمى نقل القدم راجع إلى العرف في ضبطه وهل يلزم إذن مالك العقار أم لا.؟
٤ - ما اعتبره السوق المالي مالا، فهو مال ولذلك لا تعتبر العملات الرقمية مالا إلى الآن لعدم اعتبارها مالا في العرف التجاري، والمالي العالمي. (١)
٥ - ما كان معتبرا لإجراء عقود المعاملات المعاصرة وجرى به العرف التجاري لزم.
стр. 670
٦ - وقف العملة الورقية جائز لجريان العادة اليوم على ذلك ويشرى بها أسهما وقفية، أو تكون للانتفاع بها في القرض الحسن ونحوه.
٧ - يخصص للموظفين أثناء الدوام وقت لأداء الصلوات وقضاء الحاجة وتناول إفطار ونحو ذلك، فهذه تعتبر ضمن العقد بدلالة العرف، ولو لم ينص عليها.
جاء في قواعد العز: وكذلك ما يستثنى من المنافع بحكم العرف كأوقات الصلاة، وأوقات الأكل والشرب، وقضاء الحاجات والليل فإنه مستثنى من مدة الاستئجار للخدمة (١)
٨ - دخول الحمامات العامة، أو المشتركة بين الموظفين يجري على العادة في استعمال الماء ومدة البقاء بالداخل، ولا ينبغي التأخر في الحمام لمطالعة الموبايل، كما شاع في عصرنا.
وقد نبه الفقهاء على مثل هذه فقال ابن عبد السلام: دخول الحمامات والقياسير والخانات إذا افتتحت أبوابها في الأوقات التي جرت العادة في الارتفاق بها فيها فإنه جائز، إقامة للعرف المطرد مقام صريح الإذن، ولا يجوز لداخل الحمام أن يقيم فيه أكثر مما جرت به العادة، ولا أن يستعمل من الماء أكثر مما جرت به العادة، إذ ليس فيه إذن لفظي، ولا عرفي، والأصل في الأموال التحريم ما لم يتحقق السبب المبيح (٢)
٩ - جرت العادة بين المتقدمين في مختلف الفنون نقل ألفاظ بعض في الشروح والحواشي بدون إحالة، أو عزو واختلف العرف الآن فصار من الانتحال العلمي الذي يعاقب عليه قضاء.