← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه فراعوه مدة الحياة وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله فطاحت (١) الاعتقادات، وضعفت النفوس، عن قبول الروايات في الأصل، وهو المعجزات فهذا من أعظم المحن على الشريعة. قال المصنف: وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه وقد ذكرت منها جملة في كتاب «الموضوعات» منها أن الشمس غابت ففاتت عليا صلاة العصر فردت له الشمس وهذا من حيث النقل موضوع، لم يروه ثقة، ومن حيث المعنى فان الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد فلا يرد الوقت وكذلك وضعوا أن فاطمة اغتسلت ثم ماتت وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل وهذا من حيث النقل كذب، ومن حيث المعنى قله فهم لأن الغسل عن حدث الموت فكيف يصح قبله ثم لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها وخرافات تخالف الإجماع فنقلت منها مسائل من خط ابن عقيل قال: نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الأمامية منها أنه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نبات الأرض فأما الصوف والجلود والوبر فلا وان الاستجمام لا يجزئ في البول بل في الغائط خاصة، ولا يجزئ مسح الرأس إلا بباقي البلل الذي في اليد فإن استأنف للرأس بللا مستأنفا لم يجزه حتى لو نشفت يده من البلل احتاج إلى استئناف الطهارة وانفردوا بتحريم من زنى بها وهي تحت زوج أبدا، فلو طلقها زوجها لم تحل للزاني بها بنكاح أبدا وحرموا الكتابيات وأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع وإن وجد شرطه وأن الطلاق لا يقع إلا بحضور شاهدين عدلين وأن من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف الليل وجب عليه إذا أستيقظ القضاء وأن يصبح صائما كفارة لذلك التفريط وأن المرأة إذا جزت شعرها فعليها الكفارة مثل قتل الخطأ وأن من شق ثوبه في موت ابن له أو زوجة فعليه كفارة يمين وأن من تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم لزمه الصدقة بخمسة دراهم وأن شارب الخمر إذا حد ثانية قتل في الثالثة ويحد شارب الفقاع (٢) كشارب الخمر، وأن قطع السارق من أصول الأصابع ويبقى له الكف، فإن سرق مرة أخرى قطعت الرجل اليسرى، فان سرق الثالثة خلد

стр. 107

في الحبس إلى أن يموت. وحرموا السمك الجرى (١). وذبائح أهل الكتاب واشترطوا في الذبح استقبال القبلة. في مسائل كثيرة يطول ذكرها خرقوا فيها الإجماع وسول لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس. بل إلى الواقعات ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى. وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء والجماعة لطلبهم إماما معصوما وابتلوا بسب الصحابة. وفي «الصحيحين» عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد (٢) ذهبا ما أدرك مدا أحدهم ولا نصيفه (٣)». وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قالا: أخبرنا محمد بن أحمد بن المسلمة، نا أبو طاهر المخلص، ثنا البغوي، ثنا محمد بن عباد المكي، ثنا محمد بن طلحة المديني، عن عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله اختارني واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا (٤)». قال المصنف: والمراد بالعدل الفريضة والصرف النافلة. أخبرنا أبو البركات بن علي البزار، نا أبو بكر الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطبري، نا عبيد الله بن محمد بن أحمد، نا علي بن محمد بن أحمد بن يزيد الرياحي، ثنا أبي، ثنا الحسن بن عمارة، عن المنهال ابن عمرو، عن سويد بن غفلة، قال: مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄ وينتقصونهما فدخلت على علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر رضي الله

стр. 108

عنهما بغير الذي هما له أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما مثل ما أعلنوا ما اجترأوا على ذلك، قال علي: أعوذ بالله، أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الذي ائتمنني النبي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله وصاحباه ووزيراه رحمة الله عليهما، ثم نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي حتى دخل المسجد، فصعد المنبر وجلس عليه متمكنا قابضا على لحيته وهو ينظر فيها، وهي بيضاء حتى اجتمع لنا الناس، ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قربش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوه بريء، وعلى ما قالوا معاقب. أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة (١) لا يحبهما إلا مؤمن تقي ولا يبغضهما إلا فاجر شقي، صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء، يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان فما يتجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ ، ولا كان رسول رسول الله ﷺ يرى غير رأيهما، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو راض عنهما. ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمره رسول الله ﷺ على صلاة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام في حياة رسول الله ﷺ ، فلما قبض الله نبيه واختار له ما عنده. ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، وأنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن منا أحدا كفاه ذلك. وكان والله خير من أبقى أرحمه رحمة وأرأفه رأفة وأسنه ورعا وأقدمه سنا وإسلاما. شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا فسار بسيرة رسول الله ﷺ حتى مضى على ذلك رحمة الله عليه. ثم ولى الامر بعده لعمر ﵁ وكنت فيمن رضي. فأقام الأمر على منهاج رسول الله ﷺ وصاحبه. يتبع أثرهما كما يتبع الفصيل (٢) أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما بالضعفاء، ناصرا للمظلومين على الظالمين، لا يأخذه في الله لومة لائم وضرب الله الحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه أعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قواما، وألقى له في قلوب المنافقين الرهبة. وفي قلوب المؤمنين المحبة، شبهه رسول الله ﵌ بجبريل فظا غليظا على

стр. 109

الأعداء، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضي في سبيلهما، ومن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشد العقوبة ألا فمن أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ﵄ ثم الله أعلم بالخير أين هو. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم (١) أخبرنا سعد الله بن علي، نا الطريثيثي، نا هبة الله الطبري، نا محمد بن عبد الرحمن، نا البغوي، ثنا سويد بن سعيد، ثنا محمد بن حازم، عن أبي خباب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني، عن علي كرم الله وجهه، قال: يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز (٢) يقال لهم: الرافضة ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄، أينما أدركتموهم فاقتلوهم أشد القتل فإنهم مشركون. ذكر تلبيس إبليس على الباطنية قال المصنف: الباطنية قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام بالمرة، فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق وأن محمدا رسول الله والدين صحيح لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر، وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة ولهم ثمانية أسماء: الاسم الأول: الباطنية - سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطن تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر، وانها بصورتها توهم الجهال صورا جلية، وهي عند العقلاء رموز وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله من الغوص على الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع. ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه، قالوا: وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (الاعراف: ١٥٧) ومرادهم أن ينزعوا من العقائد موجب الظواهر ليقدروا بالتحكم بدعوى الباطل عن ابطال الشرائع.

стр. 110

الاسم الثاني: الإسماعيلية - نسبوا إلى زعيم لهم يقال له: محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه، لأنه سابع واحتجوا بأن السموات سبع والأرضين سبع وأيام الأسبوع سبعة. فدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة، وعلى هذا فيما يتعلق بالمنصور فيقولون: العباس ثم ابنه عبد الله ثم ابنه علي ثم ابنه محمد بن علي ثم إبراهيم، ثم السفاح، ثم المنصور. وذكر أبو جعفر الطبري في «تاريخه» قال: قال علي بن محمد عن أبيه إن رجلا من الراوندية كان يقال له: الأبلق - وكان أبرص - فبكى بالعلو (١) ودعا الراوندية إليه، وزعم أن الروح التي كانت في عيسى بن مريم صارت الى علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ثم في الأئمة واحدا بعد واحد إلى أن صارت إلى إبراهيم بن محمد، واستحلوا الحرمات فكان الرجل منهم يدعو الجماعة إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته. فبلغ ذلك أسد بن عبد الله فقتلهم وصلبهم. فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم. وعبدوا أبا جعفر وصعدوا الخضراء وألقوا نفوسهم كأنهم يطيرون فلا يبلغون الأرض إلا وقد هلكوا وخرج جماعتهم على الناس في السلاح، وأقبلوا يصيحون يا أبا جعفر أنت أنت. الاسم الثالث: السبعية - لقبوا بذلك لأمرين أحدهما اعتقادهم أن دور الإمامة سبعة سبعة على ما بينا، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الأدوار، وهو المراد بالقيامة وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر له، والثاني لقولهم أن تدبير العالم السفلي منوط بالكواكب السبعة: زحل ثم المشتري ثم المريخ، ثم الزهرة ثم الشمس ثم عطارد، ثم القمر الاسم الرابع: البابكية - قال المصنف: وهو اسم لطائفة منهم تبعوا رجلا يقال له: بابك الخرمي، وكان من الباطنية وأصله أنه ولد زنا، فظهر في بعض الجبال بناحية أذربيجان سنة إحدى ومائتين وتبعه خلق كثير واستفحل أمرهم واستباح المحظورات، وكان إذا علم أن عند أحد بنتا جميلة أو أختا جميلة طلبها فإن بعثها إليه وإلا قتله وأخذها، ومكث على هذا عشرين سنة، فقتل ثمانين ألفا وقيل خمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان، وحاربه السلطان وهزم خلقا من الجيوش حتى بعث المعتصم أفشين فحاربه فجاء ببابك وأخيه في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فلما دخلا قال لبابك أخوه:

стр. 111

يابابك قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد. فقال: سترى صبري فأمر المعتصم بقطع يديه ورجليه، فلما قطعوا مسح بالدم وجهه، فقال المعتصم: أنت في الشجاعة كذا وكذا ما بالك قد مسحت وجهك بالدم أجزعا من الموت، فقال: لا، ولكني لما قطعت أطرافي نزف الدم، فخفت أن يقال عني: إنه اصفر وجهه جزعا من الموت، قال: فيظن ذلك بي فسترت وجهي بالدم كيلا يرى ذلك مني. ثم بعد ذلك ضربت عنقه وأضرمت عليه النار وفعل مثل ذلك بأخيه، فما فيهما من صاح ولا تأوه ولا أظهرا جزعا لعنهما الله، وقد بقي من البابكية جماعة يقال أن لهم ليلة في السنة تجتمع فيها رجالهم ونساؤهم، ويطفئون السرج ثم يتناهضون للنساء فيثب كل رجل منهم إلى امرأة، ويزعمون أن من احتوى (١) على امرأة يستحلها بالاصطياد لأن الصيد مباح. الاسم الخامس: المحمرة - قال المصنف: سموا بذلك لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام بابك ولبسوها. الاسم السادس: القرامطة - قال المصنف: وللمؤرخين في سبب تسميتهم بهذا قولان: أحدهما - أن رجلا من ناحية خوزستان قدم سواد الكوفة فأظهر الزهد ودعا إلى إمام من أهل بيت الرسول ﷺ ، ونزل على رجل يقال له: كرميتة لقب بهذا لحمرة عينية وهو بالنبطية حاد العين، فأخذه أمير تلك الناحية فحبسه وترك مفتاح البيت تحت رأسه ونام فرقت له جارية، فأخذت المفتاح ففتحت البيت وأخرجته وردت المفتاح إلى مكانه. فلما طلب فلم يوجد زاد افتتان الناس به فخرج إلى الشام فسمى كرميتة باسم الذي كان نازلا عليه، ثم خفف فقيل: قرمط ثم توارث مكانه أهله وأولاده. والثاني - أن القوم قد لقبوا بهذا نسبة إلى رجل يقال له: حمدان قرمط كان أحد دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة فسموا قرامطة وقرمطية. وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريق وهو متوجه إلى قرية وبين يديه بقر يسوقها. فقال حمدان لذلك الراعي وهو لا يعرفه: أين مقصدك … فذكر قرية حمدان، فقال له: أركب بقرة من هذه لئلا تتعب، فقال: اني لم أومر.

стр. 112

بذلك، فقال: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قال: نعم، قال: وبأمر من تعمل؟ قال: بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة، فقال: ذلك إذن هو الله رب العالمين. فقال: صدقت قال له: فما غرضك في هذه القرية التي تقصدها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم ومن الضلالة إلى الهدى ومن الشقاء إلى السعادة وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر وأملكهم ما يستغنون به عن الكد، فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله وأفض علي من العلم ما تحييني به فما أشد احتياجي إلى مثل هذا، فقال: ما أمرت أن أخرج السر المخزون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه. فقال: أذكر عهدك فاني ملتزم به، فقال له أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا نفس سري أيضا، فالتزم حمدان عهده ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه فاستجاب له، ثم انتدب للدعاء وصار أصلا من أصول هذه البدعة، فسمي أتباعه القرامطة والقرمطية. ثم لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه، وكان أشدهم بأسا رجل يقال له: أبو سعيد، ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين وقوى أمره وقتل ما لا يحصى من المسلمين وخرب المساجد وأحرق المصاحف وفتك بالحاج وسن لأهله وأصحابه سننا، وأخبرهم بمحالات وكان إذا قاتل يقول وعدت النصر في هذه الساعة فلما مات بنوا على قبره قبة وجعلوا على رأسها طائرا من جص. وقالوا: إذا طار هذا الطائر خرج أبو سعيد من قبره، وجعلوا عند القبر فرسا وخلعة ثياب وسلاحا، وقد سول إبليس لهذه الجماعة أنه من مات وعلى قبره فرس حشر راكبا وإن لم يكن له فرس حشر ماشيا. وكان أصحاب أبي سعيد يصلون عليه إذا ذكروه ولا يصلون على رسول الله ﷺ ، فإذا سمعوا من يصلي على رسول الله ﷺ يقولون: أتأكل رزق أبي سعيد وتصلي على أبي القاسم؟ وخلف بعده ابنه أبو طاهر ففعل مثل فعله وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود فحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله . الاسم السابع: الخرمية - وخرم (١) لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلذ المستطاب الذي يرتاح الإنسان له ومقصود هذا الاسم تسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، كيف كانت ووطي بساط التكليف وحط أعباء الشرع عن العباد، وقد كان هذا الاسم لقبا للمزدكية، وهم أهل

стр. 113

الاباحة من المجوس الذين نبغوا (١) في أيام قباذ وأباحوا النساء المحرمات، وأحلوا كل محظور، فسموا هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم في نهاية هذا المذهب، وإن خالفوهم في مقدماته. الاسم الثامن: التعليمية - لقبوا بذلك لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي وإفساد تصرف العقول، ودعاء الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا يدرك العلوم إلا بالتعليم. فصل في ذكر السبب الباعث لهم على الدخول في هذه البدعة قال المصنف: اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل وجحد البعث، وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (٢)، ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار (٣) في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلا وأتحفهم رأيا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض فننتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوه فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق، وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم فإذا تكثرنا (٤) بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق. ثم قالوا: وطريقنا أن نختار رجلا ممن يساعد على المذهب، ويزعم أنه من أهل البيت وأنه يجب على كل الخلق كافة متابعته ويتعين عليهم طاعته لكونه خليفة رسول الله ﷺ . والمعصوم من الخطأ والزلل.

стр. 114

من جهة الله ، ثم لا تظهر هذه الدعوة على القرب من جوار هذا الخليفة الذي وسمناه بالعصمة، فإن قرب الدار يهتك الأستار. وإذا بعدت الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب للدعوة أن يفتش عن حال الإمام أو يطلع على حقيقة أمره؟ وقصدهم بهذا كله الملك والاستيلاء على أموال الناس، والانتقام منهم لما عاملوهم به من سفك دمائهم ونهب أموالهم قديما فهذا غاية مقصودهم ومبدأ أمرهم. فصل قال المصنف: وللقوم حيل في استغلال الناس فهم يميزون من يجوز أن يطمع في استدراجه ممن لا يطمع فيه. فإذا طمعوا في شخص نظروا في طبعه فإن كان مائلا إلى الزهد دعوه إلى الأمانه والصدق وترك الشهوات. وإن كان مائلا إلى الخلاعة قرروا في نفسه أن العبادة بله (١). وأن الورع حماقة، وإنما الفطنة في اتباع اللذات من هذه الدنيا الفانية. ويثبتون عند كل ذي مذهب ما يليق بمذهبه ثم يشككونه فيما يعتقده فيستجيب لهم أما رجل أبله أو رجل من أبناء الأكاسرة وأولاد المجوس ممن قد انقطعت دولة أسلافه بدولة الإسلام أو رجل يميل إلى الاستيلاء ولا يساعده الزمان فيعدونه بنيل آماله. او شخص يحب الترفع عن مقامات العوام ويروم بزعمه الاطلاع على الحقائق أو رافضي يتدين بسب الصحابة ﵃ أو ملحد من الفلاسفة والثنوية والمتحيرين في الدين أو من قد غلبت عليه حب اللذات وثقل عليه التكليف. فصل ذكر نبذة من مذاهبهم قال أبو حامد الطوسي: الباطنية قوم يدعون الإسلام ويميلون إلى الرفض. وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام فمن مذهبهم القول بآلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني قالوا: والسابق لا يوصف بوجود ولا عدم ولا هو موجود ولا هو معدوم. ولا هو معلوم ولا هو مجهول. ولا هو موصوف ولا غير موصوف وحدث عن السابق الثاني وهو أول مبدع. ثم حديث النفس الكلية وعندهم أن النبي ﵇ عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة

стр. 115

الثاني قوة قدسية صافية. وزعموا أن جبريل ﵇ عبارة عن العقل … الفائض عليه لا أنه شخص. واتفقوا على أنه لا بد لكل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر مساو للنبي ﵇ في العصمة. وأنكروا المعاد وقالوا: معنى المعاد عود الشيء إلى أصله وتعود النفس إلى أصلها. وأما التكليف. فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات، وقد ينكرون هذا إذا حكى عنهم وإنما يقرون بأنه لا بد للإنسان من التكليف. فاذا اطلع على بواطن الظواهر ارتفعت التكاليف. ولما عجزوا عن صرف الناس عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها إذ لو صرحوا بالنفي المحض لقتلوا، فقالوا: معنى الجنابة مبادرة المستجيب بإفشاء السر. ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك. ومعنى الزنا إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد. والصيام: الإمساك عن كشف السر، والكعبة هي النبي. والباب علي. والطوفان طوفان العلم أغرق به المتمسكون بالشبهة، والسفينة الحرز الذي يحصن به من استجاب لدعوته. ونار إبراهيم عبارة عن غضب نمرود لا عن نار حقيقة. وذبح إسحاق معناه أخذ العهد عليه. وعصى موسى حجته، وياجوج ماجوج هم أهل الظاهر، وذكر غيره أنهم يقولون: إن الله لما أوجد الأرواح ظهر لهم فيما بينهم كهم (١) فلم يشكوا أنه واحد منهم فعرفوه، فأول من عرفه سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر، وأول المنكرين الذي يسمى إبليس: عمر بن الخطاب. في خرافات ينبغي أن يصان الوقت العزيز عن التضييع بذكرها، ومثل هؤلاء لم يتمسكوا بشبهة فتكون معهم مناظرة وإنما اخترعوا بواقعاتهم (٢) ما أرادوا، فان اتفقت مناظرة لأحدهم فليقل له: أعرفتم هذه الأشياء التي تذكرونها عن ضرورة أو عن نظر، أو عن نقل عن الإمام المعصوم. فإن قلتم ضرورة فكيف خالفكم ذوو العقول السليمة. ولو ساغ للانسان أن يهذى (٣) بدعوى الضرورة في كل ما يهواه جاز لخصمه دعوى الضرورة في نقض ما ادعاه. وان قلتم بالنظر فالنظر عندكم باطل لأنه تصرف بالعقل وقضايا العقول عندكم لا يوثق بها، وان قلتم عن إمام معصوم، قلنا: فما الذي دعاكم إلى قبول قوله بلا معجزة، وترك قول محمد ﷺ مع المعجزات. ثم ما يؤمنكم أن يكون ما سمع من الامام

стр. 116

المعصوم له باطن غير ظاهر. ثم يقال لهم: هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم اظهارها … فان قالوا: يجب اظهارها، قلنا: فلم كتمها محمد ﷺ . وان قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف حل لكم إفشاؤه. قال ابن عقيل: هلك الإسلام بين طائفتين بين الباطنية والظاهرية. فأما أهل البواطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما أدعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى، حتى أسقطوا إيجاب الواجب، والنهي عن المنهي. وأما أهل الظاهر فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لا بد من تأويله. فحملوا الأسماء والصفات على ما عقلوه. والحق بين المنزلتين. وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم يصرفنا عنه دليل، ونرفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع. قال المصنف: ولو لقيت مقدم هذه الطائفة المعروفة بالباطنية لم أكن سالكا معه طريق العلم. بل التوبيخ والازدراء على عقله وعقول أتباعه بأن أقول أن للآمال طرقا تسلك ووجوها توصل. ووضع الأمل في جهة اليأس حمق، ومعلوم أن هذه الملل التي قد طبقت الأرض أقر بها شريعة الإسلام التي تتظاهرون بها وتطمعون في إفسادها قد تمكنت تمكنا يكون الطمع في تمحيقها فضلا عن إزالتها حمقا. فلها مجمع كل سنة بعرفة ومجمع كل أسبوع في الجوامع ومجمع كل يوم في المساجد فمتى (١) تحدثكم نفوسكم بتكدير هذا البحر الزاخر وتمحيق هذا الأمر الظاهر. في الآفاق يؤذن كل يوم على ألوف المنائر (٢) بأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وغاية ما أنتم عليه حديث في خلوة، أو متقدم في قلعة، أن نبس بكلمة يرمي رأسه وقتل قتل الكلاب، فمتى يحدث العاقل منكم نفسه بظهور ما أنتم عليه على هذا الأمر الكلي الذي طبق البلاد، فما أعرف أحمق منكم إلى أن يجيء إلى باب المناظرة بالبراهين العقلية. فصل قال المصنف: والتهبت جمرة الباطنية المتأخرين في سنة أربع وتسعين واربعمائة، فقتل السلطان جلال الدولة برقيارق خلقا منهم لما تحقق مذهبهم.

стр. 117

فبلغت عدة القتلى ثلاثمائة ونيفا، وتتبعت أموالهم فوجد لأحدهم سبعون بيتا من اللالي المحفور وكتب بذلك كتاب إلى الخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب. وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا. وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب فيقصيه وينتهب ماله. وأول ما عرف من أحوال الباطنية في أيام الملك شاه جلال الدولة أنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة. ففطن بهم الشحنة (١) فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم. ثم اغتالوا مؤذنا من أهل ساوة فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل فخافوه أن ينم عليهم فاغتالوه فقتلوه، فبلغ الخبر إلى نظام الملك فتقدم يأخذ من يتهم فيقتله فقتل المتهم وكان نجارا، وكانت أول فتكة لهم فتكهم بنظام الملك. وكانوا يقولون قتلتم منا نجارا فقتلنا به نظام الملك، واستفحل أمرهم بأصبهان، فلما مات ملك شاه وآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان ويقتلونه ويلقونه في البئر. وكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله أيسوا منه، وفتش الناس المواضع فوجدوا امرأة في دار لا تبرح فوق حصير فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلا، فقتلوا المرأة وأحرقوا الدار والمحلة. وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الذي فيه هذه الدار فإذا مر إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق، فإذا حصل هناك جذبه من في الدار واستولوا عليه، فجد المسلمون في طلبهم بأصبهان وقتلوا منهم خلقا كثيرا. وأول قلعة تملكها الباطنية قلعة في ناحية يقال لها: الروز باد من نواحي الديلم، وكانت هذه القلعة لقماح صاحب ملك شاه، وكان يستحفظها (٢) متهما بمذهب القوم. فأخذ ألفا ومائتي دينار وسلم إليهم القلعة في سنة ثلاث وثمانين في أيام ملك شاه، وكان مقدمها الحسن بن الصباح، وأصله من مرو وكان كاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام اذ كان صبيا، ثم صار الى مصر وتلقى من دعاتهم المذهب وعاد داعية القوم ورأسا فيهم، وحصلت له هذه القلعة وكانت سيرته في دعاته ألا يدعو إلا غبيا لا يفرق بين يمينه وشماله مثلا، ومن لا يعرف أمور الدنيا ويطعمه الجوز والعسل والشونيز (٣) حتى ينبسط.

стр. 118

دماغه، ثم يذكر له حينئذ ما تم على أهل بيت المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعليهم من الظلم والعدوان حتى يستقر ذلك في نفسه، ثم يقول: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في قتال بني أمية فما سبب بخلك بنفسك في نصرة إمامك فيتركه بهذه المقالة طعمة للسيف وكان ملك شاه قد أرسل الى ابن الصباح هذا يدعوه إلى الطاعة ويتهدده أن خالفه، ويأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلماء والأمراء، فقال في جواب الرسالة والرسول حاضر: الجواب ما تراه، ثم قال لجماعة وقوف بين يديه: أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجة، فمن ينهض لها فاشرأب كل منهم لذلك، فظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم، فأومأ إلى شاب منهم فقال له: اقتل نفسك فجذب سكينا وضرب بها غلصمته (١) فخر ميتا. وقال لآخر: إرم نفسك من القلعة فألقى نفسه فتمزق، ثم التفت إلى رسول السلطان، فقال: أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا، هذا حد طاعتهم لي وهذا هو الجواب، فعاد الرسول الى السلطان ملك شاه فأخبره بما رأى، فعجب من ذلك وترك كلامهم وصارت بأيديهم قلاع كثيرة ثم قتلوا جماعة من الأمراء والوزراء. قال المصنف: وقد ذكرنا من صفة القوم في التاريخ أحوالا عجيبة فلم نر التطويل بها هنا. فصل وكم من زنديق في قلبه حقد على الإسلام خرج فبالغ واجتهد فزخرف دعاوي يلقي بها من يصحبه، وكان غور مقصده في الاعتقاد الانسلال من ربقة الدين. وفي العمل نيل الملذات واستباحة المحظورات، فمنهم بابك الخرمي حصل له مقصوده من اللذات، ولكن بعد أن قتل الناس وبالغ في الأذى ثم القرامطة وصاحب الزنج الذي خرج فاستغوى المماليك السودان ووعدهم الملك، فنهب وفتك وقتل وبالغ وكانت عواقبهم في الدنيا أقبح العواقب، فما وفي ما نالوا بما نيل منهم (٢). ومنهم من لم يبرح على تعثيره (٣) ففاتته الدنيا والآخرة مثل ابن الراوندي والمعري. أنبأنا محمد بن أبي طاهر عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي.

стр. 119

عن أبيه، قال: كان ابن الراوندي ملازم الرافضة وأهل الإلحاد فإذا عوتب قال: إنما أريد أن أعرف مذاهبهم، ثم كاشف وناظر. قال المصنف: من تأمل حال (١) ابن الراوندي وجده من كبار الملاحدة، وصنف كتابا سماه «الدامغ» زعم أنه يدمغ به هذه الشريعة، فسبحان من دمغه فأخذه وهو في شرخ الشباب، وكان يعترض على القرآن ويدعي عليه التناقض وعدم الفصاحة، وهو يعلم أن فصحاء العرب تحيرت عند سماعه فكيف بالألكن (٢). وأما أبو العلاء المعري فأشعاره ظاهرة الإلحاد، وكان يبالغ في عداوة الأنبياء ولم يزل متخبطا في تعثيره خائفا من القتل إلى أن مات بخسرانه. وما خلا زمان من خلف للفريقين إلا أن جمرة المنبسطين قد خبت بحمد الله. فليس إلا باطني مستتر ومتفلسف متكاتم هو أعثر الناس وأخسأهم قدرا. وأردأهم عيشا. وقد شرحنا أحوال جماعة من الفريقين في التاريخ فلم نر التطويل بذلك، والله الموفق.

стр. 120

الباب السادس في ذكر تلبس إبليس على العلماء في فنون العلم قال المصنف: اعلم أن إبليس يدخل على الناس في التلبيس من طرق منها ظاهر الأمر، ولكن يغلب الإنسان في إيثار هواه فيغمض على علم يذلله (١)، ومنها غامض وهو الذي يخفى على كثير من العلماء، ونحن نشير إلى فنون من تلبيسه يستدل بمذكورها على مغفلها إذ حصر الطرق يطول، والله العاصم. ذكر تلبيسه على القراء فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراءات الشاذة وتحصيلها فيفني أكثر عمره في جمعها وتصنيفها والأقراء بها، ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات، فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للأقراء ولا يعرف ما يفسد الصلاة، وربما حمله حب التصدر حتى لا يرى بعين الجهل على أن يجلس بين يدي العلماء ويأخذ عنهم العلم (٢)، ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم. قال الحسن البصري: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا، يعني أنهم اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به، ومن ذلك أن أحدهم يقرأ في محرابه بالشاذ ويترك المتواتر المشهور، والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ وإنما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه وعنده أنه متشاغل بالقرآن، ومنهم من يجمع القراءات فيقول: ملك (٣) مالك ملاك، وهذا لا يجوز لأنه إخراج للقرآن عن نظمه، ومنهم من يجمع السجدات والتهليلات والتكبيرات وذلك مكروه، وقد صاروا يوقدون النيران الكثيرة للختمة فيجمعون بين تضييع المال والتشبه بالمجوس والتسبب إلى اجتماع النساء والرجال بالليل للفساد، ويريهم إبليس أن في هذا اعزازا.

стр. 121

للإسلام، وهذا تلبيس عظيم لأن إعزاز الشرع باستعمال المشروع. ومن ذلك أن منهم من يتسامح بادعاء القراءة على من لم يقرأ عليه وربما كانت له إجازة منه، فقال: أخبرنا تدليسا وهو يرى أن الأمر في ذلك قريب لكونه يروي القراءات ويراها فعل خير، وينسى أن هذا كذب يلزمه إثم الكذابين. ومن ذلك أن المقرئ المجيد يأخذ على اثنين وثلاثة ويتحدث مع من يدخل عليه والقلب لا يطيق جمع هذه الأشياء ثم يكتب خطه بأنه قد قرأ على فلان بقراءة فلان. وقد كان بعض المحققين يقول: ينبغي أن يجتمع اثنان أو ثلاثة ويأخذوا على واحد، ومن ذلك أن أقواما من القراء يتبارون بكثرة القراءة وقد رأيت من مشايخهم من يجمع الناس ويقيم شخصا ويقرأ في النهار الطويل ثلاث ختمات (١)، فإن قصر عيب، وإن أتم مدح وتجتمع العوام لذلك ويحسنونه كما يفعلون في حق السمعة، ويريهم إبليس أن في كثرة التلاوة ثوابا، وهذا من تلبيسه لأن القراءة تنبغي أن تكون لله تعالى لا للتحسين بها، و تنبغي أن تكون على تمهل، وقال : ﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾ (الاسراء: ٦/ ١٠)، وقال : ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ (المزمل: ٤) ومن ذلك أن جماعة من القراء أحدثوا قراءة الألحان وقد كانت إلى حد قريب، وعلى ذلك فقد كرهها أحمد بن حنبل وغيره ولم يكرهها الشافعي. أنبأنا محمد بن ناصر، نا أبو علي الحسين بن سعد الهمذاني، نا أبو بكر أحمد بن علي بن لال، ثنا الفضل بن الفضل، ثنا السياحي، ثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به، ولا بأس بقراءة الألحان وتحسين الصوت. قال المصنف: وقلت: إنما أشار الشافعي إلى ما كان في زمانه وكانوا يلحنون يسيرا، فأما اليوم فقد صبروا ذلك على قانون الأغاني وكلما قرب ذلك من مشابهة الغناء زادت كراهته. فان أخرج القرآن عن حد وضعه حرم. ومن ذلك أن قوما من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة للنظراء، وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب، واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب، واحتجوا بقوله ﵊: «لو جعل القرآن في إهاب … ».

стр. 122

﴿ما احترق﴾ (١) وذلك من تلبيس إبليس عليهم لأن عذاب من يعلم أكثر من عذاب من لا يعلم، إذ زيادة العلم تقوى الحجة وكون القارئ لم يحترم ما يحفظ ذنب آخر. قال الله : ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ [الرعد: ١٩] وقال في أزواج رسول الله ﷺ : «من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين» [الأحزاب: ٣٠]. وقد أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو الحسن بن زرقويه، نا إسماعيل الصفار، ثنا زكريا بن يحيى، ثنا معروف الكرخي، قال: قال بكر بن حبيش: إن في جهنم لواديا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجبا يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات، وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات. يبدأ بفسقة حملة القرآن فيقولون: أي رب يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان، فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم. قال المصنف: فلنقتصر على هذا الأنموذج فيما يتعلق بالقراء. ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث من ذلك أن قوما استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة وطلب الأسانيد (٢) العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه وهم مشكورون على هذا القصد إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث فإن قال قائل: فقد فعل هذا خلق كثير من السلف كيحيى بن معين وابن المديني والبخاري ومسلم، فالجواب أن أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدين والفقه فيه وبين ما طلبوا من الحديث وأعانهم على ذلك قصر الإسناد

стр. 123

وقلة الحديث فاتسع زمانهم للأمرين، فأما في هذا الزمان فإن طرق الحديث طالت والتصانيف فيه اتسعت، وما في هذا الكتاب في تلك الكتب، وإنما الطرق تختلف فقل أن يمكن أحدا أن يجمع بين الأمرين، فترى المحدث يكتب ويسمع خمسين سنة ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المحدثين، فقالوا: زوامل (١) أسفار لا يدرون ما معهم. فان أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل وعمل بذلك، وليس بالمراد من الحديث كما روينا أن بعض المحدثين روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يسقى الرجل ماءه زرع غيره (٢) فقال جماعة ممن حضر: قد كنا إذا فضل عنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى جيراننا ونحن نستغفر الله فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أن المراد وطء الحبالى من السبايا. قال الخطابي: وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي ﷺ نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة باسكان اللام. وأخبرني: أنه بقي أربعين سنة لا يخلق رأسه قبل الصلاة، قال: فقلت له: إنما هو الحلق جمع حلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة. فقال: قد فرجت علي وكان من الصالحين. وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المحدثين لكنه لما قلت مخالطته للفقهاء كان لا يفهم جواب فتوى حتى أنه قد أخبرنا أبو منصور البزار، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: سمعت البرقاني يقول: قال أبو بكر الأبهري الفقيه قال: كنت عند يحيى بن محمد بن صاعد فجاءته امرأة، فقالت: أيها الشيخ ما تقول في بئر سقطت فيها دجاجة فماتت، فهل الماء طاهر أو نجس؟ فقال يحيى: ويحك، كيف سقطت الدجاجة في البئر؟ قالت: لم تكن البئر مغطاة، فقال يحيى: ألا غطيتيها حتى لا يقع فيها شيء. قبال الأبهري: فقلت: يا هذه إن كان الماء تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر. قال المصنف: وكان ابن شاهين قد صنف في الحديث مصنفات كثيرة أقلها جزء وأكثرها التفسير وهو ألف جزء وما كان يعرف من الفقه شيئا.

стр. 124

وقد كان فيهم من يقدم على الفتوى بالخطأ لئلا يرى بعين الجهل، فكان فيهم من يصير بما يفنى به ضحكة (١) فسئل بعضهم عن مسألة من الفرائض فكتب في الفتوى تقسم على فرائض الله . وأنبأنا محمد بن أبي منصور، نا أحمد بن الحسين بن حبرون، نا أحمد بن محمد العتيقي، نا أبو عمر بن حياة، نا سليمان بن إسحاق الحلاب، ثنا إبراهيم الحربي، قال: بلغني أن امرأة جاءت إلى علي بن داود وهو يحدث وبين يديه مقدار ألف نفس، فقالت له: حلفت بصدقة إزاري (٢)، فقال لها: بكم اشتريتينه؟ قالت: باثنين وعشرين درهما، قال: اذهبي فصومي اثنين وعشرين يوما، فلما مرت جعل يقول: آه آه غلطنا والله أمرناها بكفارة الظهار. قال المصنف: قلت: فانظروا إلى هاتين الفضيحتين فضيحة الجهل وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل هذا التخليط. واعلم أن عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم، وقدر أبنا في زماننا من يجمع الكتب منهم ويكثر السماع ولا يفهم ما حصل ومنهم من لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن فروض الأعيان وإيثار ما ليس بمهم على المهم من تلبيس إبليس. القسم الثاني قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحا ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق، وانما كان مرادهم العوالي (٣) والغرائب (٤)، قطافوا البلدان ليقول أحدهم: لقيت فلانا ولي من الأسانيد ما ليس لغيري وعندي أحاديث ليست عند غيري. وقد كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث وكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة وهي البستان الذي على شاطئ دجلة، فيقرأ عليه ويقول في مجموعاته: حدثني فلان وفلان بالرقة ويوهم الناس أنها البلدة التي بناحية الشام ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث. وكان يقعد الشيخ بين نهر عيسى والفرات ويقول: حدثني فلان من وراء النهر يوهم أنه قد عبر خراسان في طلب الحديث. وكان

стр. 125

يقول: حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة ليعلم الناس قدر تعبه في طلب الحديث فما بورك له ومات في زمان الطلب. قال المصنف: وهذا كله من الإخلاص بمعزل (١)، وانما مقصودهم الرياسة والمباهاة ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه، وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه ليتفرد هو بالرواية وقد يموت هو ولا يرويه فيفوت الشخصين. وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه قاف أو كاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب. ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث قدح بعضهم في بعض طلبا للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع والله أعلم بالمقاصد، ودليل مقصد خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه وما كان القدماء هكذا، فقد كان علي بن المديني يحدث عن أبيه وكان ضعيفا ثم يقول: وفي حديث الشيخ ما فيه. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا بكران بن أحمد الجيلي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سألت حارثا المحاسبي عن الغيبة، فقال: احذرها فإنها شر مكتسب وما ظنك بشيء يسلبك حسناتك فيرضى به خصماءك (٢) ومن تبغضه في الدنيا كيف ترضى به خصمك يوم القيامة، يأخذ من حسناتك أو تأخذ من سيئاته إذ ليس هناك درهم ولا دينار، فاحذرها وتعرف منبعها فان منبع غيبة الهمج والجهال من إشفاء الغيظ والحمية والحسد وسوء الظن وتلك مكشوفة غير خفية. وأما غيبة العلماء فمنبعها من خدعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصح من الخبر ولو صح ما كان عونا على الغيبة، وهو قوله: أترعون (٣) عن ذكره اذكروه بما فيه ليحذره الناس (٤) ٠ ولو كان الخبر محفوظا صحيحا

стр. 126

لم يكن فيه إبداء شناعة على أخيك المسلم من غير أن تسأل عنه، وإنما اذا جاءك مستر شد، فقال: أريد أن أزوج كريمتي من فلان فعرفت منه بدعة أو أنه غير مأمون على حرم المسلمين صرفته عنه بأحسن صرف أو يجيئك رجل آخر فيقول لك: أريد أن أودع مالي فلانا وليس ذلك الرجل موضعا للأمانة فتصرفه عنه بأحسن الوجوه، أو يقول لك رجل: أريد أن أصلي خلف فلان أو أجعله إمامي في علم، فتصرفه عنه بأحسن الوجوه ولا تشف غيظك من غيبته. وأما منبع الغيبة من القراء والنساك فمن طريق التعجب يبدي عوار الأخ ثم يتصنع بالدعاء في ظهر الغيب فيتمكن من لحم أخيه المسلم ثم يتزين بالدعاء له. وأما منبع الغيبة من الرؤساء والأساتذة فمن طريق إبداء الرحمة والشفقة حتى يقول مسكين: فلان ابتلى بكذا وامتحن بكذا نعوذ بالله من الخذلان فيتصنع بإبداء الرحمة والشفقة على أخيه. ثم يتصنع بالدعاء له عند إخوانه ويقول: إنما أبديت لكم ذاك لتكثروا دعاءكم له ونعوذ بالله من الغيبة تعريضا أو تصريحا، فاتق الغيبة فقد نطق القرآن بكراهتها، فقال : ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ (الحجرات: ١٢) وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار كثيرة. ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه جناية منهم على الشرع، ومقصودهم ترويج أحاديثهم وكثرة رواياتهم، وقد قال ﷺ : «من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١) ومن هذا الفن تدليسهم في الرواية فتارة يقول أحدهم: فلان عن فلان أو قال فلان عن فلان يوهم أنه سمع منه المنقطع ولم يسمع، وهذا قبيح لأنه يجعل المنقطع في مرتبة المتصل ومنهم من يروي عن الضعيف والكذاب فينفي اسمه، فربما سماه بغير اسمه وربما كناه وربما نسبه إلى جده لئلا يعرف، وهذه جناية على الشرع لأنه يثبت حكما بما لا يثبت به، فأما إذا كان المروي عنه ثقة فنسبه إلى جده أو أقتصر على كنيته لئلا يرى أنه قد ردد الرواية عنه، أو يكون المروي عنه في مرتبة الراوي فيستحي الراوي من ذكره فهذا على الكراهة والبعد من الصواب قريب بشرط أن يكون المروي عنه ثقة، والله الموفق.

стр. 127

ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء قال المصنف: كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون: يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث ك (سنن أبي داود) ونحوها ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا، وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها و بحديث لا يدري أصحيح هو أم لا، وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم لقلة التفاته إلى معرفة النقل، وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة فكيف يستخرج من شيء لا يعرفه. ومن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدري أصحيح هو أم لا، ولقد كانت معرفة هذا تصعب ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتى يعرف ذلك فصنفت الكتب وتقررت السنن وعرف الصحيح من السقيم، ولكن غلب على المتأخرين الكسل بالمرة عن أن يطالعوا علم الحديث حتى إني رأيت بعض الأكابر من الفقهاء يقول في تصنيفه عن ألفاظ في الصحاح: لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ قال هذا، ورأيته يحتج في مسألة فيقول: دليلنا ما روى بعضهم أن رسول الله قال: كذا، ويجعل الجواب عن حديث صحيح قد احتج به خصمه أن يقول: هذا الحديث لا يعرف، وهذا كله جناية على الإسلام. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء أن جل اعتمادهم على تحصيل علم الجدل يطلبون بزعمهم تصحيح الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعلل المذاهب، ولو صحت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل وإنما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتسع فيها الكلام، فيتقدم المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر فهم أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش على المناقضات طلبا للمفاخرات والمباهاة وربما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة تعم بها البلوى. ذكر تلبيسه عليهم بإدخالهم في الجدل كلام الفلاسفة و اعتمادهم على تلك الأوضاع ومن ذلك إيثارهم للقياس على الحديث المستدل به في المسألة ليتسع لهم المجال في النظر. وان استدل أحد منهم بالحديث هجن، ومن الادب (١)

стр. 128

تقديم الاستدلال بالحديث. ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه. ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة. ومسائل الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب. ومن لم يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب (١) له لم يمكنهم سلوك طريقهم. وينبغي أن يعلم أن الطبع لص فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم. فإذا نظر في سير القدماء زاحمهم (٢) وتأدب بأخلاقهم. وقد كان بعض السلف يقول: حديث يرق له قلبي أحب إلي من مائة قضية من قضايا شريح (٣). وأنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة ولها أسباب. ومن ذلك أنهم اقتصروا على المناظرة وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم الشرع، فترى الفقيه المفتي يسأل عن آية أو حديث فلا يدري، وهذا غبن فأين الأنفة من التقصير. ومن ذلك أن المجادلة إنما وضعت ليستبين الصواب. وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق. وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل، وإذا خفي على أحدهم شيء نبهه الآخر لأن المقصود كان إظهار الحق، فصار هؤلاء إذا قاس الفقيه على أصل بعلة يظنها، فقيل له: ما الدليل على الحكم في الأصل معلل بهذه العلة، فقال: هذا الذي يظهر لي، فان ظهر لكم ما هو أولى من ذلك فاذكروه، فان المعترض لا يلزمني ذكر ذلك. ولقد صدق في أنه لا يلزمه ولكن فيما ابتدع من الجدل. بل في باب النصح وإظهار الحق يلزمه، ومن ذلك أن أحدهم يتبين له الصواب مع خصمه ولا يرجع ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه. وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق. وهذا من أقبح القبيح لأن المناظرة إنما وضعت لبيان الحق. وقد قال الشافعي ﵀: ما ناظرت أحدا فأنكر الحجة إلا سقط من عيني، ولا قبلها إلا هبته، وما ناظرت أحدا فباليت مع من كانت الحجة إن كانت معه صرت إليه. ومن ذلك أن طلبهم للرئاسة بالمناظرة تثير الكامن في النفس من حب الرئاسة، فإذا رأى أحدهم في كلامه ضعفا يوجب قهر خصمه له خرج الى

стр. 129

المكابرة، فان رأى خصمه قد استطال عليه بلفظ أخذته حمية الكبر فقابل ذلك بالسب، فصارت المجادلة مخاذلة، ومن ذلك ترخصهم في الغيبة بحجة الحكاية عن المناظرة، فيقول أحدهم: تكلمت مع فلان فما قال شيئا. ويتكلم بما يوجب التشفي من غرض خصمه بتلك الحجة. ومن ذلك أن إبليس لبس عليهم بأن الفقه وحده علم الشرع ليس ثم غيره، فان ذكر لهم محدث قالوا ذاك لا يفهم شيئا وينسون أن الحديث هو الأصل، فان ذكر لهم كلام يلين به القلب قالوا: هذا كلام الوعاظ، ومن ذلك إقدامهم على الفتوى وما بلغوا مرتبتها، وربما أفتوا بواقعاتهم المخالفة للنصوص ولو توقفوا في المشكلات كان أولى. فقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، نا محمد بن هبة الله الطبري، ثنا محمد بن الحسين بن الفضل، نا عبد الله بن جعفر بن درستويه، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عطاء بن السائب (١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. قال يعقوب: وثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا يقول: أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. قال المصنف: وقد روينا عن إبراهيم النخعي أن رجلا سأله عن مسألة فقال: ما وجدت من تسأله غيري؟ وعن مالك بن أنس ﵁ قال: ما أفتيت حتى سألت سبعين شيخا هل ترون لي أن أفتي؟ فقالوا: نعم. فقيل له: فلو نهوك؟ قال: لو نهوني انتهيت. وقال رجل لأحمد بن حنبل: إني حلفت ولا أدري كيف حلفت، قال: ليتك إذ دريت كيف حلفت دريت أنا كيف أفتيك. قال المصنف: وإنما كانت هذه سجية السلف لخشيتهم الله وخوفهم منه ومن نظر في سيرتهم تأدب. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء. مخالطتهم الامراء والسلاطين ومداهنتهم.

стр. 130

وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك. وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضا فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه: الأول - الأمير يقول: لولا أني على صواب لأنكر على الفقيه وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من مالي. والثاني - العامي أنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فان فلانا الفقيه لا يبرح عنده. والثالث - الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك. وقد لبس إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول: إنما ندخل لنشفع في مسلم، وينكشف هذا التلبيس بأنه لو دخل غيره يشفع لما أعجبه ذلك، وربما قدح في ذلك الشخص لتفرده بالسلطان. ومن تلبيس إبليس عليه في أخذ أموالهم فيقول لك فيها حق. ومعلوم أنها إن كانت من حرام لم يحل له منها شيء وان كانت من شبهة فتركها أولى، وإن كانت من مباح جاز له الأخذ بمقدار مكانه من الدين لا على وجه اتفاقه في إقامة الرعونة، وربما اقتدى العوام بظاهر فعله واستباحوا مالا يستباح. وقد لبس إبليس على قوم من العلماء. ينقطعون عن السلطان إقبالا على التعبد والدين فيزين لهم غيبة من يدخل على السلطان من العلماء فيجمع لهم آفتين غيبة الناس ومدح النفس. وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم. وقد كان سفيان الثوري ﵁ يقول: ما أخاف من إهانتهم لي إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم. وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم فتطلبهم الأمراء لحاجتهم اليهم في الفتاوي والولايات، فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم لينالوا من دنياهم. ويدلك على أنهم قصدوا بالعلوم الأمراء أن الأمراء كانوا قديما يميلون إلى سماع الحجج في الأصول فأظهر الناس علم الكلام. ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه فمال الناس إلى الجدل. ثم مال بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها، ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصاص وقل الفقهاء. ومن تلبيس إبليس على الفقهاء: أن أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنية على المتشاغلين بالعلم فيمكث فيها سنين ولا يتشاغل ويقنع بما قد عرف أو ينتهي في العلم فلا يبقى له في الوقف حظ، لأنه إنما جعل لمن يتعلم ألا أن

стр. 131

يكون ذلك الشخص معيدا أو مدرسا فان شغله دائم، ومن ذلك ما يحكى عن بعض الأحداث المتفقهة من الانبساط في المنهيات، فبعضهم يلبس الحرير ويتحلى بالذهب ويحال على المكس (١) فيأخذه إلى غير ذلك من المعاصي وسبب انبساط هؤلاء مختلف. فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين وهو يتفقه ليستر نفسه أو ليأخذ من الوقف أو ليرأس أو ليناظر. ومنهم من عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحب الشهوات وليس عنده صارف عن ذلك، لأن نفس الجدل والمناظرة تحرك الى الكبر. والعجب وإنما يتقوم الانسان بالرياضة ومطالعة سير السلف، وأكثر القوم في بعد عن هذا، وليس عندهم إلا ما يعين الطبع على شموخه، فحينئذ يسرح الهوى بلا زاد. ومنهم من يلبس عليه ابليس بأنك عالم وفقيه ومفت والعلم يدفع عن أربابه، وهيهات فان العلم أولى أن يحاجه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حق القراء. وقد قال الحسن البصري: إنما الفقيه من يخشى الله . قال ابن عقيل: رأيت فقيها خراسانيا عليه حرير وخواتم ذهب فقلت له: ما هذا؟ فقال: خلع السلطان وكمد الاعداء، فقلت: بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلما، لان إبليس عدوك وإذا بلغ منك مبلغك البسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك، وهل خلع السلطان سائغة لنهي الرحمن يا مسكين. خلع عليك السلطان فانخلعت به من الإيمان، وقد كان ينبغي أن يخلع منك السلطان لباس الفسق ويلبسك لباس التقوى رماكم الله بخزيه حيث هونتم أمره هكذا ليتك قلت: هذه رعونات الطبع الآن تمت محنتك لأن عدوانك دليل على فساد باطنك. ومن تلبيسه عليهم: أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون: من هؤلاء هؤلاء قصاص ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع. والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله قال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ (يوسف: ٣) وقال: ﴿فاقصص القصص﴾ (الاعراف: ١٧٦) وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم يخلط فيما يورده. وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا فهو ممدوح. وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس الى قاص صدوق.

стр. 132

ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص قال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن عمر ﵁ وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص. ثم خست هذه الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عن الحضور عندهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في هذا الفن. وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب القصاص والمذكرين. إلا أنا نذكر هنا جملة فمن ذلك: أن قوما منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب ولبس عليهم إبليس: بأننا نقصد حث الناس على الخير وكفهم عن الشر وهذا افتيات (١) منهم على الشريعة لأنها عندهم على هذا الفعل ناقصة تحتاج إلى تتمة، ثم قد نسوا قوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢). ومن ذلك أنهم تلمحوا (٣) ما يزعج النفوس ويطرب القلوب فنوعوا فيه الكلام فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق ولبس عليهم ابليس بأننا نقصد الاشارة إلى محبة الله ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى فيضل القاص ويضل. ومن ذلك من يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل فتسمح النفس بفضل بكاء وخشوع، فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة ومن كان صادقا لم يسلم صدقه من رياء يخالطه. ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع (٤) بها على قراءة الألحان، والألحان التي قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة. والقارئ يطرب والقاص ينشد الغزل مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه فتشبه السكر، ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء.

стр. 133

وتمزيق الثياب لما في النفوس من دفائن الهوى، ثم يخرجون فيقولون: كان المجلس طيبا ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز. ومنهم من يجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى ويصف ما يجري ألهم من البلاء ويذكر الغربة، ومن مات غريبا فيبكي بها النساء ويصير المكان كالمأتم، وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع. ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه فلبس عليه إبليس: إنك من جملة الموصوفين بذلك لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق وكشف هذا التلبيس أن الوصف علم والسلوك غير العلم. ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد. وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل وزليخا ويوسف ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب، فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا وتعرف المرأة حق زوجها وتحفظ صلاتها هيهات هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم، ولهذا نفقت (١) سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف. ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل ولا يبين للعامة المقصود فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية أو خرج إلى جبل فبقيت عائلته لا شيء لهم. ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي، ثم يقوي ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفارهة (٢) والملابس الفاخرة فيفسد القلوب بقوله وفعله. فصل وقد يكون الواعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من أشرب (٣) الرئاسة قلبه مع الزمان فيجب أن يعظم، وعلامته أنه إذا ظهر واعظ ينوب

стр. 134

عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ولو صح قصده لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق. فصل ومن القصاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء، وترى النساء يكثرون الصياح وجدا على زعمهن فلا ينكر ذلك عليهن جمعا للقلوب عليه، ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمنحون به الأمراء والظلمة، والآخذ من أصحاب المكوس (١) والتكسب به في البلدان، وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى وفراق الأحبة فيبكي النسوة ولا يحث على الصبر. فصل وقد يلبس إبليس على الواعظ المحقق فيقول له: مثلك لا يعظ وإنما يعظ متيقظ (٢) فيحمله على السكوت والانقطاع وذلك من دسائس إبليس، لأنه يمنع فعل الخير ويقول: إنك تلتذ بما تورده وتجد لذلك راحة. فربما دخل الرياء في قولك وطريق الوحدة أسلم. ومقصوده بذلك سد باب الخير. وعن ثابت قال: كان الحسن في مجلس، فقيل للعلاء: تكلم فقال: أوهناك أنا ثم ذكر الكلام ومؤنته وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. قال: ثم تكلم الحسن فقال: واننا هناك يود الشيطان أنكم أخذتموها عنه فلم يأمر أحدا بخير ولم ينهه عن شر. ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب قال المصنف: قد لبس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة عن المهمات اللازمة التي هي فرض عين، وعن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب. وبما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه. فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها، فإن الانسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها اذ هي

стр. 135

مرادة لغيرها. فترى الانسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل ولا من الفقه ولا يلتفت الى تزكير نفسه وصلاح قلبه. ومع هذا ففيهم كبر عظيم، وقد خيل لهم ابليس أنكم من علماء الإسلام لأن النحو واللغة من علوم الإسلام وبها يعرف معنى القرآن العزيز. ولعمري أن هذا لا ينكر ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه وإنفاق الزمان في تحصيل هذا الفاضل وليس بمهم مع ترك المهم غلط وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث عبن (١) ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنا. ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل. فصل ومما ظنوه صوابا وهو خطأ ما أخبرنا به أبو الحسين بن فارس قال: قيل لفقيه العرب: هل يجب على الرجل إذا أشهد الوضوء قال: نعم، قال: والإشهاد أن يمذي الرجل. قال المصنف: وذكر من هذا الجنس مسائل كثيرة وهذا غاية في الخطأ لأنه متى كان الاسم مشتركا بين مسميين كان إطلاق الفتوى على أحدهما دون الآخر خطأ، مثاله أن يقول: المستفتي: ما تقول: في وطء الرجل زوجته في قرئها، فإن القرء يقع عند اللغويين على الاطهار وعلى الحيض. فيقول الفقيه: يجوز إشارة إلى الطهر أو لا يجوز إشارة إلى الحيض خطأ. وكذلك لو قال السائل: هل يجوز للصائم أن يأكل بعد طلوع الفجر؟ لم يجز إطلاق الجواب فما ذكره فقيه العرب هو خطأ من وجهين أحدهما - أنه لم يستفصل في المحتملات، والثاني - أنه صرف الفتوى إلى أبعد المحتملات وترك الأظهر. وقد استحسنوا هذا. وقلة الفقه أوجبت هذا الزلل. فصل ولما كان عموم اشتغالهم بأشعار الجاهلية ولم يجد الطبع صادا عما وضع عليه من مطالعة الأحاديث ومعرفة سير السلف الصالح سالت بهم الطباع إلى هوة الهوى فانبث شرع البطالة يعبث، فقل أن ترى منهم متشاغلا بالتقوى

стр. 136

أو ناظرا في مطعم، فان النحو يغلب طلبه على السلاطين، فيأكل النحاة من أموالهم الحرام، كما كان أبو علي الفارسي في ظل عضد الدولة وغيره. وقد يظنون جواز الشيء، وهو غير جائز لقلة فقههم كما جرى للزجاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري. قال: كنت أؤدب القاسم بن عبد الله فأقول له: إن بلغت إلى مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت. فأقول له: أن تعطيني عشرين ألف دينار. وكانت غاية أمنيتي فما مضت إلا سنون حتى ولى القاسم الوزارة وأنا على ملازمتي له وقد صرت نديمه فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق، لم أرك أذكرتني بالنذر فقلت: عولت على رعاية الوزير أيده الله وأنه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق. فقال لي: إنه المعتضد. ولولاه ما تعاظمني (١) دفع ذلك إليك في مكان واحد، ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث فاسمح بأخذه متفرقا فقلت: افعل، فقال: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار واستجعل (٢) عليها ولا تمتنع من مسائلتي شيئا تخاطب فيه صحيحا كان أو محالا إلى أن يحصل لك مال النذر ففعلت ذلك وكنت أعرض عليه كل يوم رقاعا فيوقع فيها وربما قال لي: كم ضمن لك على هذا، فأقول: كذا وكذا، فيقول: غبنت هذا يساوي كذا وكذا، فاستزد فأراجع القوم ولا أزال أما كسهم (٣) ويزيدونني حتى أبلغ الحد الذي رسمه قال: فعرضت عليه شيئا عظيما فحصل عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مدة مديدة فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحاق حصل مال النذر، فقلت: لا، فسكت وكنت أعرض ثم يسألني في كل شهر أو نحوه هل حصل المال فأقول: لا خوفا من انقطاع الكسب إلى أن حصل عندي ضعف المال. وسألني يوما فاستحييت من الكذب المتصل فقلت: قد حصل ذلك بسعادة الوزير، فقال: فرجت والله عني فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك قال: ثم أخذ الدواة ووقع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صله فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ولم أدر كيف أقع منه فلما كان من الغد جئته وجلست على رسمي فأوما إلي هات ما معك ليستدعي مني الرقاع على الرسم، فقلت: ما أخذت من

стр. 137

أحد رقعة لأن النذر قد وقع الوفاء به ولم ادر كيف أقع من الوزير، فقال: يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى بابك ولا يعلم سبب انقطاعه فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك أعرض علي رسمك وخذ بلا حساب، فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن مات، وقد تأثلت (١) مالي هذا. قال المصنف: انظروا ما تصنع قلة الفقه، فان هذا الرجل الكبير القدر في معرفته النحو واللغة لو علم أن هذا الذي جرى له لم يجز شرعا ما حكاه وتبجح به فان إيصال الظلامات واجب، ولا يجوز أخذ البرطيل (٢) عليها ولا على شيء مما نصب الوزير له من أمور الدولة، وبهذا تبين مرتبة الفقه على غيره. ذكر تلبس ابليس على الشعراء قال المصنف: وقد ألبس عليهم فأراهم أنهم من أهل الأدب، وأنهم قد خصوا بفطنة تميزوا بها عن غيرهم. ومن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم. فتراهم يهيمون في كل واد من الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش. وأقل أحوالهم أن الشاعر يمدح الإنسان فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتقاء شره أو يمدحه بين جماعة فيعطيه حياء من الحاضرين. وجميع ذلك من جنس المصادرة وترى خلقا من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير. والكذب في المدح خارجا عن الحد ويحكون اجتماعهم على الفسق وشرب الخمر وغير ذلك ويقول أحدهم: اجتمعت أنا وجماعة من الأدباء ففعلنا كذا وكذا … هيهات هيهات ليس الادب الا مع الله باستعمال التقوى له. ولا قدر للفطن في أمور الدنيا. ولا تحسن العبارة عند الله إذا لم يتقه وجمهور الأدباء والشعراء إذا ضاق بهم رزق تسخطوا فكفروا وأخذوا في لوم الأقدار كقول بعضهم: لئن سمت همتي في الفضل عالية … فإن حظي ببطن الأرض ملتصق كم يفعل الدهر بي ما لا أسر به … وكم يسيء زمان جائر حنق

стр. 138

وقد نسي هؤلاء أن معاصيهم تضيق أرزاقهم فقد رأوا أنفسهم مستحقين للنعم مستوجبين للسلامة من البلاء ولم يتلمحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشرع فقد ضلت فطنتهم في هذه الغفلة. ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء قال المصنف: إن أقواما علت هممهم فحصلوا علوم الشرع من القرآن والحديث والفقه والأدب وغير ذلك. فأتاهم إبليس يخفي التلبيس فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لما نالوا وأفادوا غيرهم. فمنهم من يستفزه (١) لطول عنائه في الطلب، فحسن له اللذات، وقال له: إلى متى هذا التعب فأرح جوارحك من كلف التكاليف وافسح (٢) لنفسك في مشتهاها، فان وقعت في زلة فالعلم يدفع عنك العقوبة. وأورد عليه فضل العلماء. فان خذل هذا العبد وقبل هذا التلبيس يهلك، وان وفق فينبغي له أن يقول: جوابك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه إنما فضل العلماء بالعمل، ولولا العمل به ما كان له معنى. وإذا لم أعمل به كنت كمن لم يفهم المقصود به، ويصير مثلي كمثل رجل جمع الطعام وأطعم الجياع ولم يأكل فلم ينفعه ذلك من جوعه. والثاني أن يعارضه بما ورد في ذم من لم يعمل بالعلم لقوله ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (٣) وحكايته ﷺ عن رجل يلقي في النار فتندلق أقتابه فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه (٤). وقول أبي الدرداء ﵁: ويل لمن يعلم مرة وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرات. والثالث أن يذكر له عقاب من هلك من العلماء التاركين للعمل بالعلم كإبليس وبلعام. ويكفي في ذم العالم إذا لم يعمل قوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ (الجمعة: ٥). فصل وقد لبس إبليس على أقوام من المحكمين في العلم والعمل من جهة

стр. 139

أخرى، فحسن لهم الكبر بالعلم، والحسد للنظير، والرياء لطلب الرياسة، فتارة يريهم أن هذا كالحق الواجب لهم، وتارة يقوي حب ذلك عندهم فلا يتركونه مع علمهم بأنه خطأ. وعلاج هذا لمن وفق إدمان النظر في إثم الكبر والحسد والرياء وإعلام النفس أن العلم لا يدفع شر هذه المكتسبات، بل يضاعف عذابها لتضاعف الحجة بها. ومن نظر في سير السلف من العلماء العاملين استحقر نفسه فلم يتكبر. ومن عرف الله لم يراء، ومن لاحظ جريان أقداره على مقتضى إرادته لم يحسد. وقد يدخل إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة، فيقول: طلبكم للرفعة ليس بتكبر لانكم نواب (١) الشرع، فانكم تطلبون إعزاز الدين ودحض أهل البدع وإطلاقكم اللسان في الحساد غضب للشرع إذ الحساد قد ذموا من قام به، وما تظنونه رياء فليس برياء لان من تخاشع منكم و تباك اقتدى به الناس كما يقتدون بالطبيب إذا احتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف لنفسه. وكشف هذا التلبيس: أنه لو تكبر متكبر على غيرهم من جنسهم وصعد في المجلس فوقه أو قال حاسد عنه شيئا لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه، وإن كان المذكور من نواب الشرع فعلم أنه إنما لم يغضب لنفسه بل للعالم. وأما الرياء فلا عذر فيه لأحد ولا يصلح أن يجعل طريقا لدعاية الناس. وقد كان أيوب السختياني إذا حدث بحديث فرق (٢) مسح وجهه وقال: ما أشد الزكام - وبعد هذا فالأعمال بالنيات والناقد بصير، وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه أحدها - الفرح فانه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب. والثاني - لسروره بثلب المسلمين. والثالث - أنه لا ينكر. فصل وقد لبس إبليس على الكاملين في العلوم فيسهرون ليلهم ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم ويريهم إبليس أن المقصود نشر الدين. ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذكر وعلو الصيت والرياسة وطلب الرحلة من الآفاق الى المصنف.

стр. 140

وينكشف هذا التلبيس بأنه لو انتفع بمصنفاته الناس من غير تردد اليه أو قرئت على نظيره في العلم فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم وقد قال بعض السلف، ما من علم علمته إلا أحببت أن يستفيده الناس من غير أن ينسب إلي ومنهم من يفرح بكثرة الاتباع ويلبس عليه إبليس بأن هذا الفرح لكثرة طلاب العلم، وإنما مراده كثرة الأصحاب واستطارة الذكر، ومن ذلك العجب بكلماتهم وعلمهم وينكشف هذا التلبيس بأنه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممن هو أعلم منه ثقل ذلك عليه وما هذه صفة المخلص في التعليم لأن مثل المخلص مثل الأطباء الذين يداوون المرضى لله ، فإذاشفى بعض المرضى على يد طبيب منهم فرح الآخر وقد ذكرنا آنفا حديث ابن أبي ليلى ونعيده بإسناد (١) آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه، ولا يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه فصل قال المصنف: وقد يتخلص العلماء الكاملون من تلبيسات إبليس الظاهرة فيأتيهم بخفي من تلبيسه بأن يقول له: ما لقيت مثلك ما أعرفك بمداخلي ومخارجي فان سكن إلى هذا هلك بالعجب، وإن سلم من المسالمة له سلم وقد قال السري السقطي: لو أن رجلا دخل بستانا فيه من جميع ما خلق الله من الأشجار عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار فخاطبه كل طائر بلغته، وقال: السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كأن في أيديها أسيرا، والله الهادي لا إله إلا هو

стр. 141

الباب السابع في ذكر تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين قال المصنف: قد لبس عليهم إبليس من وجوه كثيرة نذكر أمهاتها (١). فالوجه الأول أنه يريهم أن الله يحبهم ولولا ذلك ما ولاهم سلطانه ولا جعلهم نوابا عنه في عباده. وينكشف هذا التلبيس بأنهم إن كانوا نوابا عنه في الحقيقة فليحكموا بشرعه وليتبعوا مراضيه، فحينئذ يحبهم لطاعته. فأما صورة الملك والسلطنة فانه قد أعطاها خلقا ممن يبغضه وقد بسط الدنيا لكثير ممن لا ينظر إليه. وسلط جماعة من أولئك على الأولياء والصالحين فقتلوهم وقهروهم، فكان ما أعطاهم عليهم لا لهم. ودخل ذلك في قوله تعالى: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ (آل عمران: ١٧٨). والثاني أنه يقول لهم: الولاية تفتقر إلى هيبة، فيتكبرون عن طلب العلم ومجالسة العلماء فيعملون بآرائهم فيتلفون الدين، والمعلوم أن الطبع يسرق من خصال المخالطين فإذا خالطوا مؤثري الدنيا الجهال بالشرع سرق الطبع من خصالهم مع ما عنده منها ولا يرى ما يقاومها ولا ما يزجره عنها وذلك سبب الهلاك. والثالث أنه يخوفهم الأعداء ويأمرهم بتشديد الحجاب فلا يصل إليهم أهل المظالم، ويتوانى من جعل بصدد رفع المظالم. وقد روى أبو مريم الأسدي عن النبي ﷺ قال: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره» (٢). والرابع أنهم يستعملون من لا يصلح ممن لا علم عنده ولا تقوى، فيجتلب الدعاء عليهم بظلمة الناس. ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة ويحد من لا يجب عليه الحد. ويظنون أنهم يتخلصون من الله مما جعلوه في عنق الوالي. هيهات إن العامل على الزكاة إذا وكل الفساق بتفرقتها فخانوا ضمن.

стр. 142

والخامس - أنه يحسن لهم العمل برأيهم فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحل قتله. ويوهمهم أن هذه سياسة وتحت هذا من المعنى أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام ونحن نتمها بآرائنا. وهذا من أقبح التلبيس لأن الشريعة سياسة الالهية ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق، قال الله : ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الانعام: ٣٨). وقال: ﴿لا معقب لحكمه﴾ (الرعد: ١١) فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة، وهذا يزاحم الكفر (١). وقد روينا عن عضد الدولة أنه كان يميل إلى جارية فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها لئلا يشتغل قلبه عن تدبير الملك. وهذا هو الجنون المطبق لأن قتل مسلم بلا جرم لا يحل. واعتقاده أن هذا جائز كفر، وأن أعتقده غير جائز لكنه رآه مصلحة فلا مصلحة فيما يخالف الشرع. والسادس - أنه يحسن لهم الانبساط في الأموال ظانين أنها بحكمهم. وهذا تلبيس يكشفه وجوب الحجر على المفرط في مال نفسه فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره، وإنما له من المال بقدر عمله فلا وجه للانبساط، قال ابن عقيل: وقد روي عن حماد الراوية أنه أنشد الوليد بن يزيد أبياتا فأعطاه خمسين ألفا وجاريتين، قال: هذا مما يروى على وجه المدح لهم وهو غاية القدح فيهم لأنه تبذير في بيت مال المسلمين. وقد يزين لبعضهم منع المستحقين وهو نظير التبذير. والسابع - أنه يحسن لهم الانبساط في المعاصي، ويلبس عليهم أن حفظكم للسبيل وأمن البلاد بكم يمنع عنكم العقاب. وجواب هذا أن يقال: إنما وليتم لتحفظوا البلاد وتؤمنوا السبل. وهذا واجب عليهم، وما انبسطوا فيه من المعاصي منهي عنه فلا يرفع هذا ذلك. والثامن - أنه يلبس على أكثرهم بأنه قد قام بما يجب من جهة أن ظواهر الأحوال مستقيمة، ولو حقق النظر لرأى اختلالا كثيرا. وقد روينا عن القاسم بن طلحة بن محمد الشاهد، قال: رأيت علي بن عيسى الوزير وقد وكل بدور البطيخ رجلا برزق يطوف على باعة العنب، فإذا اشترى أحد سلة عنب خمري لم يعرض له، وإن اشترى سلتين فصاعدا طرح عليها الملح لئلا يتمكن من عملها خمرا. قال: وأدركت السلاطين يمنعون

стр. 143

المنجمين من القعود في الطرق حتى لا يفشو العمل بالنجوم. وأدركنا الجند ليس فيهم أحد معه غلام أمرد له طرة (١) ولا شعر إلى أن بدئ بحكم العجم. والتاسع - أنه يحسن لهم استجلاب الأموال واستخراجها بالضرب العنيف وأخذ كل ما يملكه الخائن واستحلافه وإنما الطريق إقامة البينة على الخائن. وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أن غلاما كتب له: أن قوما خانوا في مال الله ولا أقدر على استخلاص ما في أيديهم إلا أن أنالهم بعذاب، فكتب إليه: لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم. والعاشر أنه يحسن لهم التصدق بعد الغصب، يريهم أن هذا يمحو ذلك، ويقول: إن درهما من الصدقة يمحو إثم عشرة من الغصب. وهذا محال لان اثم الغصب باق ودرهم الصدقة ان كان من الغصب لم يقبل، وإن كانت الصدقة من الحلال لم يدفع أيضا إثم الغصب لأن إعطاء الفقير لا يمنع تعلق الذمة بحق آخر. والحادي عشر - أنه يحسن لهم مع الإصرار على المعاصي زيارة الصالحين وسؤالهم الدعاء، ويريهم أن هذا يخفف ذلك الإثم، وهذا الخير لا يدفع ذلك الشر، وفي الحديث عن الحسين بن زياد قال: سمعت منيعا يقول: مر تاجر بعشار (٢) فحسبوا عليه سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر له ذلك، فقام مالك فمشى معه الى العشار، فلما رأوه، قالوا: يا أبا يحيى ألا بعثت إلينا في حاجتك قال: حاجتي أن تخلوا عن سفينة هذا الرجل، قالوا: قد فعلنا، قال: وكان عندهم كوز يجعلون ما يأخذون من الناس من الدراهم فيه، فقالوا: ادع لنا يا أبا يحيى قال: قولوا للكوز يدعو لكم كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم، أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف. والثاني عشر - أن من الولاة من يعمل لمن فوقه، فيأمره بالظالم فيظلم، ويلبس عليهم إبليس بأن الإثم على الأمير لا عليك، وهذا باطل لأنه معين على الظلم وكل معين على المعاصي عاص، فإن رسول الله ﷺ .

стр. 144

لعن في الخمر عشرة (١)، ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. ومن هذا الفن أن يجبي المال لمن هو فوقه، وقد علم أنه يبذر فيه ويخون، فهذا معين على الظلم أيضا. وفي الحديث بإسناد مرفوع إلى جعفر بن سليمان. قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، والله الهادي الى الصواب.

стр. 145

الباب الثامن ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات قال المصنف: اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل. فهو يدخل منه على الجهال بأمان. وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة (١). وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم، الان جمهورهم يشتغل بالتعبد، ولم يحكم العلم. وقد قال الربيع بن خيثم: تفقه ثم اعتزل. فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح. قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة. وقال يوسف بن أسباط: باب من العلم تتعلمه أفضل من سبعين غزاة. وقال المعافى بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة. قال المصنف: فلما مر عليهم هذا التلبيس وآثروا التعبد بالجوارح على العلم تمكن إبليس من التلبيس عليهم في فنون التعبد. ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث من ذلك أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء، وذلك يؤذي الكبد، وإنما ينبغي أن يكون بمقدار. ومنهم من يقوم فيمشي ويتنحنح ويرفع قدما ويحط أخرى وعنده أنه يستنقي بهذا، وكلما زاد في هذا نزل البول - وبيان هذا أن الماء يرشح إلى المثانة ويجمع فيها، فإذا تهيأ الانسان للبول خرج ما اجتمع فإذا مشى وتنحنح وتوقف رشح شيء آخر، فالرشح لا ينقطع، وانما يكفيه أن يجتلب ما في الذكر بين أصبعيه ثم يتبعه الماء. ومنهم من يحسن له استعمال الماء الكثير وإنما يجزيه بعد زوال العين سبع مرات على أشد المذاهب، فإن استعمل الأحجار فيما لم يتعد المخرج أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهن. ومن لم يقنع بما قنع الشرع به فهو مبتدع شرعا لا متبع والله الموفق. ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء منهم من يلبس عليه في النية فتراه يقول: أرفع الحدث. ثم يقول:
следующие страницы →