الباب السابع في ذكر تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين
قال المصنف: قد لبس عليهم إبليس من وجوه كثيرة نذكر أمهاتها (١).
فالوجه الأول أنه يريهم أن الله يحبهم ولولا ذلك ما ولاهم سلطانه ولا جعلهم نوابا عنه في عباده. وينكشف هذا التلبيس بأنهم إن كانوا نوابا عنه في الحقيقة فليحكموا بشرعه وليتبعوا مراضيه، فحينئذ يحبهم لطاعته. فأما صورة الملك والسلطنة فانه قد أعطاها خلقا ممن يبغضه وقد بسط الدنيا لكثير ممن لا ينظر إليه. وسلط جماعة من أولئك على الأولياء والصالحين فقتلوهم وقهروهم، فكان ما أعطاهم عليهم لا لهم. ودخل ذلك في قوله تعالى: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ (آل عمران: ١٧٨).
والثاني أنه يقول لهم: الولاية تفتقر إلى هيبة، فيتكبرون عن طلب العلم ومجالسة العلماء فيعملون بآرائهم فيتلفون الدين، والمعلوم أن الطبع يسرق من خصال المخالطين فإذا خالطوا مؤثري الدنيا الجهال بالشرع سرق الطبع من خصالهم مع ما عنده منها ولا يرى ما يقاومها ولا ما يزجره عنها وذلك سبب الهلاك.
والثالث أنه يخوفهم الأعداء ويأمرهم بتشديد الحجاب فلا يصل إليهم أهل المظالم، ويتوانى من جعل بصدد رفع المظالم. وقد روى أبو مريم الأسدي عن النبي ﷺ قال: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره» (٢).
والرابع أنهم يستعملون من لا يصلح ممن لا علم عنده ولا تقوى، فيجتلب الدعاء عليهم بظلمة الناس. ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة ويحد من لا يجب عليه الحد. ويظنون أنهم يتخلصون من الله مما جعلوه في عنق الوالي. هيهات إن العامل على الزكاة إذا وكل الفساق بتفرقتها فخانوا ضمن.
стр. 142
والخامس - أنه يحسن لهم العمل برأيهم فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحل قتله. ويوهمهم أن هذه سياسة وتحت هذا من المعنى أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام ونحن نتمها بآرائنا.
وهذا من أقبح التلبيس لأن الشريعة سياسة الالهية ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق، قال الله : ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الانعام: ٣٨). وقال: ﴿لا معقب لحكمه﴾ (الرعد: ١١) فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة، وهذا يزاحم الكفر (١). وقد روينا عن عضد الدولة أنه كان يميل إلى جارية فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها لئلا يشتغل قلبه عن تدبير الملك. وهذا هو الجنون المطبق لأن قتل مسلم بلا جرم لا يحل. واعتقاده أن هذا جائز كفر، وأن أعتقده غير جائز لكنه رآه مصلحة فلا مصلحة فيما يخالف الشرع.
والسادس - أنه يحسن لهم الانبساط في الأموال ظانين أنها بحكمهم. وهذا تلبيس يكشفه وجوب الحجر على المفرط في مال نفسه فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره، وإنما له من المال بقدر عمله فلا وجه للانبساط، قال ابن عقيل: وقد روي عن حماد الراوية أنه أنشد الوليد بن يزيد أبياتا فأعطاه خمسين ألفا وجاريتين، قال: هذا مما يروى على وجه المدح لهم وهو غاية القدح فيهم لأنه تبذير في بيت مال المسلمين. وقد يزين لبعضهم منع المستحقين وهو نظير التبذير.
والسابع - أنه يحسن لهم الانبساط في المعاصي، ويلبس عليهم أن حفظكم للسبيل وأمن البلاد بكم يمنع عنكم العقاب. وجواب هذا أن يقال: إنما وليتم لتحفظوا البلاد وتؤمنوا السبل. وهذا واجب عليهم، وما انبسطوا فيه من المعاصي منهي عنه فلا يرفع هذا ذلك.
والثامن - أنه يلبس على أكثرهم بأنه قد قام بما يجب من جهة أن ظواهر الأحوال مستقيمة، ولو حقق النظر لرأى اختلالا كثيرا. وقد روينا عن القاسم بن طلحة بن محمد الشاهد، قال: رأيت علي بن عيسى الوزير وقد وكل بدور البطيخ رجلا برزق يطوف على باعة العنب، فإذا اشترى أحد سلة عنب خمري لم يعرض له، وإن اشترى سلتين فصاعدا طرح عليها الملح لئلا يتمكن من عملها خمرا. قال: وأدركت السلاطين يمنعون
стр. 143
المنجمين من القعود في الطرق حتى لا يفشو العمل بالنجوم. وأدركنا الجند ليس فيهم أحد معه غلام أمرد له طرة (١) ولا شعر إلى أن بدئ بحكم العجم.
والتاسع - أنه يحسن لهم استجلاب الأموال واستخراجها بالضرب العنيف وأخذ كل ما يملكه الخائن واستحلافه وإنما الطريق إقامة البينة على الخائن. وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أن غلاما كتب له: أن قوما خانوا في مال الله ولا أقدر على استخلاص ما في أيديهم إلا أن أنالهم بعذاب، فكتب إليه: لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم.
والعاشر أنه يحسن لهم التصدق بعد الغصب، يريهم أن هذا يمحو ذلك، ويقول: إن درهما من الصدقة يمحو إثم عشرة من الغصب. وهذا محال لان اثم الغصب باق ودرهم الصدقة ان كان من الغصب لم يقبل، وإن كانت الصدقة من الحلال لم يدفع أيضا إثم الغصب لأن إعطاء الفقير لا يمنع تعلق الذمة بحق آخر.
والحادي عشر - أنه يحسن لهم مع الإصرار على المعاصي زيارة الصالحين وسؤالهم الدعاء، ويريهم أن هذا يخفف ذلك الإثم، وهذا الخير لا يدفع ذلك الشر، وفي الحديث عن الحسين بن زياد قال: سمعت منيعا يقول: مر تاجر بعشار (٢) فحسبوا عليه سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر له ذلك، فقام مالك فمشى معه الى العشار، فلما رأوه، قالوا: يا أبا يحيى ألا بعثت إلينا في حاجتك قال: حاجتي أن تخلوا عن سفينة هذا الرجل، قالوا: قد فعلنا، قال: وكان عندهم كوز يجعلون ما يأخذون من الناس من الدراهم فيه، فقالوا: ادع لنا يا أبا يحيى قال: قولوا للكوز يدعو لكم كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم، أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف.
والثاني عشر - أن من الولاة من يعمل لمن فوقه، فيأمره بالظالم فيظلم، ويلبس عليهم إبليس بأن الإثم على الأمير لا عليك، وهذا باطل لأنه معين على الظلم وكل معين على المعاصي عاص، فإن رسول الله ﷺ .
стр. 144
لعن في الخمر عشرة (١)، ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. ومن هذا الفن أن يجبي المال لمن هو فوقه، وقد علم أنه يبذر فيه ويخون، فهذا معين على الظلم أيضا. وفي الحديث بإسناد مرفوع إلى جعفر بن سليمان. قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، والله الهادي الى الصواب.
стр. 145
الباب الثامن ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات
قال المصنف: اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل. فهو يدخل منه على الجهال بأمان. وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة (١). وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم، الان جمهورهم يشتغل بالتعبد، ولم يحكم العلم. وقد قال الربيع بن خيثم: تفقه ثم اعتزل.
فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح.
قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة. وقال يوسف بن أسباط: باب من العلم تتعلمه أفضل من سبعين غزاة. وقال المعافى بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة.
قال المصنف: فلما مر عليهم هذا التلبيس وآثروا التعبد بالجوارح على العلم تمكن إبليس من التلبيس عليهم في فنون التعبد.
ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث
من ذلك أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء، وذلك يؤذي الكبد، وإنما ينبغي أن يكون بمقدار. ومنهم من يقوم فيمشي ويتنحنح ويرفع قدما ويحط أخرى وعنده أنه يستنقي بهذا، وكلما زاد في هذا نزل البول - وبيان هذا أن الماء يرشح إلى المثانة ويجمع فيها، فإذا تهيأ الانسان للبول خرج ما اجتمع فإذا مشى وتنحنح وتوقف رشح شيء آخر، فالرشح لا ينقطع، وانما يكفيه أن يجتلب ما في الذكر بين أصبعيه ثم يتبعه الماء. ومنهم من يحسن له استعمال الماء الكثير وإنما يجزيه بعد زوال العين سبع مرات على أشد المذاهب، فإن استعمل الأحجار فيما لم يتعد المخرج أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهن. ومن لم يقنع بما قنع الشرع به فهو مبتدع شرعا لا متبع والله الموفق.
ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء
منهم من يلبس عليه في النية فتراه يقول: أرفع الحدث. ثم يقول:
стр. 146
أستبيح الصلاة ثم يعيد فيقول: أرفع الحدث. وسبب هذا التلبيس الجهل بالشرع لأن النية بالقلب لا باللفظ، فتكلف اللفظ امر لا يحتاج إليه ثم لا معنى لتكرار اللفظ. ومنهم من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضأ به فيقول: من أين لك أنه طاهر ويقدر له فيه كل احتمال بعيد. وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل بالاحتمال. ومنهم من يلبس عليه بكثرة استعمال الماء وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة: الإسراف في الماء، وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب، والتعاطي (١) على الشريعة إذا لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل. والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على الثلاث، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة أو فات أوله وهو الفضيلة أو فاتته الجماعة.
و تلبس إبليس على هذا: بأنك في عبادة ما لم تصح لا تصح الصلاة، ولو تدبر أمره لعلم أنه في مخالفة وتفريط، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس ولا يبالي بمطعمه ومشربه ولا يحفظ لسانه من غيبة فليته قلب الأمر، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف، قال: نعم وإن كنت على نهر جار (٢)» وفي الحديث عن أبي عن النبي ﷺ ، قال: «للوضوء شيطان يقال له: الولهان، فاتقوه، أو قال: فاحذروه (٣)». وعن الحسن ﵁ قال: شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك بالناس في الوضوء. وبإسناد مرفوع إلى أبي نعامة إن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك الفردوس وأسألك، فقال عبد الله: سل الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور (٤)»، وعن ابن شوذب، قال: كان الحسن يعرض بابن سيرين يقول: يتوضأ أحدهم بقربة ويغتسل بمزادة صباصبا، ودلكا دلكا، تعذيبا لأنفسهم، وخلافا لسنة نبيهم ﷺ . وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أجل محصول عند العقلاء الوقت، وأقل متعبد به الماء. وقد قال
стр. 147
ﷺ : «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء (١)» وقال في المني: «أمطه عنك بأذخرة (٢)» قال: وفي الحذاء طهوره بأن يدلك بالأرض (٣)، وفي ذيل المرأة يطهره ما بعده (٤)، وقال: يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام (٥). وكان يحمل بنت أبي العاص بن الربيع في الصلاة (٦) ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يرده (٧). وقال: «ما ابقت لنا طهور». وقال: يا صاحب الماء لا تخبره. وقد صالح رسول الله ﷺ الأعراب. وركب الحمار معروريا (٨). وما عرف من خلقه التعبد بكثر الماء. وتوضأ من سقاية (٩) المسجد. ومعلوم حال
стр. 148
الأعراب الذين يأتي أحدهم من البادية كأنه بهيمة، أو ما سمعت أن أحدهم أقدم على البول في المسجد كل ذلك لتعليمنا وإعلامنا أن الماء على أصل الطهارة، وتوضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحناء (١)، فأما قوله: استنزهوا من البول (٢)، فان للتنزه حدا معلوما وهو أن لا يغفل عن محل قد أصابه حتى يتبعه الماء، فاما الاستئثار فانه إذا علق (٣) نما وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشرع.
قال المصنف: وكان أسود بن سالم وهو من كبار الصالحين يستعمل ماءا كثيرا في وضوئه ثم ترك ذلك، فسأله رجل عن سبب تركه، فقال: نمت ليلة فإذا بهاتف يهتف بي يا أسود ما هذا. يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عن سعيد بن المسيب. قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم يرفع إلى السماء، قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم يرفع إلى السماء، قال: قلت: لا أعود لا أعود، فأنا اليوم يكفيني كف من ماء.
ذكر تلبيسه عليهم في الأذان
ومن ذلك التلحين في الأذان وقد كرهه مالك بن أنس وغيره من العلماء كراهية شديدة لأنه يخرجه عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء. ومنه أنهم يخلطون أذان الفجر بالتذكير والتسبيح والمواعظ ويجعلون الأذان وسطا فيختلط. وقد كره العلماء كل ما يضاف إلى الأذان. وقد رأينا من يقوم بالليل كثيرا على المنارة فيعظ ويذكر. ومنهم من يقرأ سورا من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجدين قراءتهم وكل ذلك من المنكرات.
ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة
فمن ذلك تلبيسه عليهم في الثياب التي يستتر بها، فترى أحدهم يغسل الثوب مرارا، وربما لمسه فيغسله ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة.
стр. 149
لا يرى غسلها في البيت (١) يجزيء، ومنهم من يدليها في البئر كفعل اليهود وما كانت الصحابة تعمل هذا بل قد صلوا في ثياب فارس لما فتحوها واستعملوا أوطئتهم (٢) وأكسيتهم. ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء فيغسل الثوب كله وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة، ومنهم من ترك الصلاة جماعة لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح (٣) عليه. ولا يظن ظان أننى أمنع من النظافة والورع ولكن المبالغة الخارجة عن حد الشرع المضيعة للزمان هي التي ننهي عنها.
ومن ذلك تلبيسه عليهم في نية الصلاة فمنهم من يقول: أصلى صلاة كذا، ثم يعيد هذا ظنا منه أنه قد نقض النية والنية لا تنقض وأن لم يرض اللفظ. ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه. فلت شعري ما الذي أحضر النية حينئذ وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة. وفي الموسوسين من يحلف بالله لا كبرت غير هذه المرة. وفيهم من يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق وهذه كلها تلبيسات إبليس. والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات وما جرى لرسول الله ﷺ ولا لأصحابة شيء من هذا. وقد بلغنا عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس أنك تصلي بغير وضوء فقال: ما بلغ نصحك إلى هذا.
وكشف هذا التلبيس أن يقال للموسوس: إن كنت تريد إحضار النية فالنية حاضرة لأنك قمت لتؤدي الفريضة وهذه هي النية ومحلها القلب لا اللفظ، وان كنت تريد تصحيح اللفظ فاللفظ لا يجب ثم قد قلته صحيحا فما وجه الإعادة أفتراك تظن وقد قلت إنك ما قلت هذا مرض.
قال المصنف: وقد حكى لي بعض الأشياخ عن ابن عقيل حكاية عجيبة أن رجلا لقيه فقال: إني أغسل العضو وأقول ما غسلته، وأكبر وأقول ما كبرت. فقال له ابن عقيل: دع الصلاة فانها ما تجب عليك. فقال قوم لابن عقيل: كيف تقول هذا؟ فقال لهم قال النبي ﷺ : رفع القلم
стр. 150
عن المجنون حتى يفيق (١). ومن يكبر ويقول ما كبرت فليس بعاقل والمجنون لا تجب الصلاة عليه.
قال المصنف: واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل وجهل بالشرع. ومعلوم أن من دخل عليه عالم فقام له (٢) وقال: نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول هذا العالم لأجل علمه مقبلا عليه بوجهي سفه في عقله، فان هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم. فقيام الانسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمر يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه وإنما يطول زمان نظم الألفاظ والألفاظ لا تلزم والوسواس جهل محض. وإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والادائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال. ولو كلف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذر عليه فمن عرف هذا عرف النية. ثم إنه يجوز تقديمها على التكبير بزمان يسير ما لم يفسخها فما وجه هذا التعب في الصاقها بالتكبير على أنه إذا حصلها ولم يفسخها فقد التصقت بالتكبير. وعن مسور، قال: أخرج إلي معن بن عبد الرحمن كتابا وحلف بالله أنه خط أبيه وإذا فيه قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله ﷺ ، ولا رأيت بعده أشد خوفا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم.
فصل
ومن الموسوسين من إذا صحت له النية وكبر ذهل عن باقي صلاته كان
стр. 151
المقصود من الصلاة التكبير فقط. وهذا تلبيس يكشفه أن التكبير يراد للدخول في العبادة. فكيف تهمل العبادة وهي كالدار ويقتصر على التشاغل بحفظ الباب.
فصل
ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة يسير فيستفتح ويستعيذ فيركع الإمام. وهذا تلبيس أيضا لأن الذي شرع فيه من التعوذ والاستفتاح مسنون والذي تركه من قراءة الفاتحة وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء فلا ينبغي أن يقدم عليه سنة.
قال المصنف: وقد كنت أصلي وراء شيخنا ابي بكر الدينوري في زمان الصبا فرآني مرة أفعل هذا فقال: يا بني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم يختلفوا في أن الاستفتاح سنة فاشتغل بالواجب ودع السنن.
فصل
وقد لبس إبليس على قوم فتركوا كثيرا من السنن الواقعات وقعت لهم. فمنهم من كان يتخلف عن الصف الأول ويقول: إنما أراد قرب القلوب. ومنهم من لم يضع يدا على يد في الصلاة، وقال: أكره أن أظهر من الخشوع ما ليس في قلبي. وقد روينا هذين الفعلين عن بعض أكابر الصالحين، وهذا أمر أوجبه قلة العلم ففي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لو يعلم الناس ما لهم في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». وفي أفراد مسلم من حديثه عن النبي ﷺ أنه قال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها». وأما وضع اليد على اليد فسنة روى أبو داود في «سننه» أن ابن الزبير قال: وضع اليد على اليد من السنة. وإن ابن مسعود كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي ﷺ فوضع اليمنى على اليسرى (١).
قال المصنف: ولا يكبرن عليك إنكارنا على من قال: أراد قرب القلوب ولا أضع يدا على يد وان كان من الأكابر، فان الشرع هو المنكر لا نحن.
стр. 152
وقد قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه: أن ابن المبارك يقول: كذا وكذا فقال: إن ابن المبارك لم ينزل من السماء، وقيل له قال إبراهيم بن أدهم، فقال: جئتموني ببينات (١) الطريق عليكم بالأصل فلا ينبغي أن يترك الشرع لقول معظم في النفس. فان الشرع أعظم والخطأ في التأويل على الناس يجري. ومن الجائز أن تكون الأحاديث لم تبلغه.
فصل
وقد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف فتراه يقول: الحمد، الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة. وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد. وتارة في إخراج ضاد المغضوب. ولقد رأيت من يقول: المغضوب فيخرج بصاقة مع إخراج الضاد لقوة تشديده وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة، وكل هذه الوساوس من إبليس.
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك ﵁ وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة كصلاة رسول الله ﷺ أم شيء تنفلته قال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: ﴿لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديورات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ (٢). وفي أفراد مسلم من حديث عثمان بن اب العاص قال. قلت لرسول الله ﷺ : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي. فقال رسول الله ﷺ : «ذاك الشيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ثلاثا واتفل عن يسارك». ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى
стр. 153
فصل
وقد لبس إبليس على خلق كثير من جهلة المتعبدين فرأوا أن العبادة هي القيام والقعود فحسب، وهم يدأبون في ذلك ويخلون في بعض واجباتهم ولا يعلمون، وقد تأملت جماعة يسلمون إذا سلم الإمام، وقد بقي عليهم من التشهد الواجب شيء وذلك لا يحمله الإمام عنهم. ولبس على آخرين منهم فهم يطيلون الصلاة ويكثرون القراءة ويتركون المسنون في الصلاة ويرتكبون المكروه فيها. وقد دخلت على بعض المتعبدين وهو يتنفل بالنهار ويجهر بالقراءة، فقلت له: إن الجهر بالقراءة بالنهار مكروه، فقال لي: أنا أطرد النوم عني بالجهر، فقلت له: إن السنن لا تترك لأجل سهرك، ومتى غلبك النوم فنم فإن للنفس عليك حقا وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «من جهر بالقراءة في النهار فارجموه بالبعر (١)».
فصل
وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض ثم يقع (٢) قبيل الفجر فتفوته الفريضة، او يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته. ولقد رأيت شيخا من المتعبدين يقال له: حسين القزويني يمشي كثيرا من النهار في جامع المنصور، فسألت عن سبب مشيه فقيل لي: لئلا ينام فقلت: هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل.
أما الشرع فان النبي ﷺ قال: «إن لنفسك عليك حقا فقم ونم» (٣) وكان يقول: «عليكم هديا قصدا فانه من يشادد هذا الدين يغلبه (٤)» ٠ وعن أنس بن مالك قال دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: «ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلى
стр. 154
فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: حلوه. ثم قال: ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد». وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فانه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيذهب فيسب نفسه».
قال المصنف: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وانفرد بالذي قبله البخاري.
وأما العقل فان النوم يجدد القوى التي قد كلت بالسهر فمتى دفعه الانسان وقت الحاجة اليه أثر في بدنه وعقله فنعوذ بالله من الجهل.
فإن قال قائل: فقد رويت لنا أن جماعة من السلف كانوا يحيون الليل. فالجواب: أولئك تدرجوا حتى قدروا على ذلك، وكانوا على ثقة من حفظ صلاة الفجر في الجماعة، وكانوا يستعينون بالقائلة (١) مع قلة المطعم وصح لهم ذلك. ثم لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ سهر ليلة (٢) لم ينم فيها فسنته هي المتبوعة.
فصل
وقد لبس إبليس على جماعة من قوام الليل فتحدثوا بذلك بالنهار. فربما قال أحدهم: فلان المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس أنه كان منتبها. فأقل ما في هذا إن سلم من الرياء أن ينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية فيقل الثواب.
فصل
وقد لبس على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد فعرفوا بذلك واجتمع اليهم ناس فصلوا بصلاتهم وشاع بين الناس حالهم، وذلك من دسائس ابليس و به تقوى النفس على التعبد لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح. وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: «ان أفضل
стр. 155
صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة (١)».
قال المصنف: أخرجاه في «الصحيحين» وكان عامر بن عبد قيس يكره أن يروه يصلي وكان لا يتنفل في المسجد وكان يصلي كل يوم ألف ركعة. وكان ابن أبي ليلى إذا صلى ودخل عليه داخل أضطجع.
فصل
وقد لبس على قوم من المتعبدين وكانوا يبكون والناس حولهم. وهذا قد يقع عليه فلا يمكن دفعه فمن قدر على ستره فأظهره فقد تعرض للرياء. وعن عاصم قال كان أبو وائل إذا صلى في بيته نشج (٢) نشيجا ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله واحد يراه ما فعله وقد كان أيوب السختياني إذا غلبه البكاء قام.
فصل
وقد لبس على جماعة من المتعبدين فتراهم يصلون الليل والنهار ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن ولا في مطعم، والنظر في ذلك أولى بهم من كثرة التنفل.
ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن
وقد لبس على قوم بكثرة التلاوة فهم يهزون (٣) هذا من غير ترتيل ولا تثبت وهذه حالة ليست بمحمودة وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن في كل يوم أو في كل ركعة. وهذا يكون نادرا منهم ومن داوم عليه فإنه وان كان (٤) جائزا إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث».
стр. 156
قال المصنف: وقد لبس إبليس على قوم من القراء فهم يقرأون القرآن في منارة المسجد بالليل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزء والجزأين، فيجمعون بين أذى الناس في منعهم من النوم وبين التعرض للرياء. ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان لأنه حين اجتماع الناس في المسجد.
قال المصنف: ومن أعجب ما رأيت فيهم أن رجلا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاء الختمة ليعلم الناس أني قد ختمت الختمة. وما هذه طريقة السلف فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم، وكان عمل الربيع بن خثيم كله سرا فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه. وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرا ولا يدري متى يختم.
قال المصنف: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القراء، والله أعلم بالصواب وهو الموفق.
ذكر تلبيسه عليهم في الصوم
قال المصنف: وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم. وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها إلا أن الآفة فيه من وجهين: أحدهما - أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته، وفي «الصحيحين» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لزوجك عليك حقا» فكم من فرص يضيع بهذا النفل والثاني - أنه يفوت الفضيلة فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ انه قال: «أفضل الصيام صيام داود ﵊ كان يصوم يوما ويفطر يوما» (١). وبالإسناد عن عبد الله بن عمرو قال: لقيني رسول الله ﷺ ، فقال: «ألم أحدث عنك أنك تقوم الليل، وأنت الذى تقول لاصومن الليل ولأصومن النهار»، قال: أحسبه قال: نعم يا رسول الله قد قلت ذلك، فقال: فقم ونم وصم وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام، ولك مثل صيام الدهر، قال: قلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال: فصم يوما وأفطر يومين، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوما وأفطر يوما وهو أعدل الصوم وهو صيام داود ﵇. قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك» أخرجاه في «الصحيحين».
стр. 157
فان قال قائل فقد بلغنا عن جماعة من السلف أنهم كانوا يسردون الصوم، فالجواب: أنهم كانوا يقدرون على الجمع بين ذلك وبين القيام بحقوق العائلة، ولعل أكثرهم لم تكن له عائلة ولا حاجة إلى الكسب، ثم أن فيهم من فعل هذا في آخر عمره على أن قول رسول الله ﷺ ، لا أفضل من ذلك قطع هذا الحديث، وقد داوم جماعة من القدماء على الصوم مع خشونة المطعم وقلته، ومنهم من ذهبت عينه، ومنهم من نشف دماغه، وهذا تفريط في حق النفس الواجب، وحمل عليها ما لا تطيق فلا يجوز.
فصل
وقد يشيع عن المتعبد أنه يصوم الدهر فيعلم بشياع ذلك فلا يفطر أصلا وإن أفطر أخفى إفطاره لئلا ينكسر جاهه وهذا من خفي الرياء، ولو أراد الإخلاص وستر الحال لأفطر بين يدي من قد علم أنه يصوم ثم عاد إلى الصوم ولم يعلم به، ومنهم من يخبر بما قد صام فيقول: اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت، ويلبس عليه بأنك إنما تخبر ليقتدي بك، والله أعلم بالمقاصد. قال سفيان الثوري ﵁: إن العبد ليعمل العمل في السر فلا يزال به الشيطان حتى يتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية. وفيهم من عادته صوم الإثنين والخميس فإذا دعي إلى طعام، قال، اليوم الخميس، ولو قال: أنا صائم كانت محنة وإنما قوله اليوم الخميس معناه إني أصوم كل خميس، وفي هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائما وهم مفطرون، ومنهم من يلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة، وقد خيل له إبليس أن صومك يدفع إثمك وكل هذا من التلبيس.
ذكر تلبيسه عليهم في الحج
قال المصنف: قد يسقط الإنسان الفرض بالحج مرة ثم يعود لا عن رضى الوالدين وهذا خطأ وربما خرج وعليه ديون أو مظالم وربما خرج للنزهة وربما حج بمال فيه شبهة. ومنهم من يحب أن يتلقى ويقال: الحاج وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض من الطهارة والصلاة ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دنسة وبواطن غير نقية. وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم، وإنما المراد من الحج القرب بالقلوب لا بالأبدان. وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى، وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجاته فيقول: لي
стр. 158
عشرون وقفة، وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليه ممن (١) كان وربما قال: أن لي اليوم عشرين سنة مجاورا. وكم قد رأيت في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقاءه (٢) على الماء ويضايقهم في الطريق.
وقد لبس إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا ويظنون أن الحج يدفع عنهم. وقد لبس إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها، فرأيت جماعة يتصنعون في إحرامهم فيكشفون عن كتف واحدة ويبقون في الشمس أياما فتكشط (٣) جلودهم وتنتفخ رؤوسهم ويتزينون بين الناس بذلك. وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس ﵄. «أن النبي ﷺ رأى رجلا يطوف بالكعبة بزمام فقطعه» وفي لفظ آخر: «رأى رجلا يقود إنسانا بخزامة في أنفه فقطعها بيده ثم أمره أن يقوده بيده».
قال المصنف: وهذا الحديث يتضمن النهي عن الابتداع في الدين وإن قصدت بذلك الطاعة.
فصل
وقد لبس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ. قال رجل للإمام أحمد بن حنبل ﵁: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل من غير زاد. فقال له أحمد: فاخرج في غير القافلة. قال: لا إلا معهم، قال: فعلى جراب الناس توكلت فنسأل الله أن يوفقنا.
ذكر تلبس إبليس على الغزاة
قال المصنف: قد لبس إبليس على خلق كثير فخرجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء ليقال: فلان غاز، وربما كان المقصود أن يقال: شجاع أو كان طلب الغنيمة، وانما الاعمال بالنيات.
стр. 159
وعن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ . فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل بشجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». أخرجاه في «الصحيحين». وعن ابن مسعود ﵁ قال: إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدا أو قتل فلان شهيدا، فإن الرجل ليقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه. وبالإسناد إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال: كذبت ولكنك قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن، فقال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل أنت تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». انفرد بإخراجه مسلم.
وبإسناد مرفوع عن أبي حاتم الرازي قال: سمعت عبدة بن سليمان يقول: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه الرجل فقتله. فازدحم الناس عليه فكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو ملثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع (١) علينا. قلت: فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص، كيف خاف على إخلاصه برؤية الناس له ومدحهم إياه فستر نفسه. وقد كان إبراهيم بن أدهم: يقاتل فإذا غنموا لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر.
стр. 160
فصل
وقد لبس إبليس على المجاهد إذا غنم. فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه، فأما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدرى ان الغلول من الغنائم مصيبة. وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا (١)، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبد له، فلما نزلنا قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه. فلما قلنا له: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال: «كلا والذي نفس محمد بيده أن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم»، قال: ففزع الناس. فجاء رجل بشراك أو شراكين. فقال: أصبته يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «شراك من نار أو شراكان من نار».
فصل
وقد يكون الغازي عالما بالتحريم إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر عنه. وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل. وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم. روينا بإسناد عن هبيرة بن الأشعث عن أبي عبيدة العنبري. قال: لما هبط المسلمون المداين وجمعوا الأقباض (٢)، أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا ما يقاربه، فقال له: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما والله، لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأنا. فقالوا: من أنت؟ فقال: والله لا أخبركم لتحمدوني ولا أغريكم لتقرظوني (٣)، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه، فاتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فاذا هو عامر بن عبد قيس.
стр. 161
ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
وهم قسمان عالم وجاهل، فدخول إبليس على العالم من طريقين: الطريق الأول - التزين بذلك وطلب الذكر والعجب بذلك الفعل، روينا بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سلمان يقول: سمعت أبا جعفر المنصور يبكي في خطبته يوم الجمعة فاستقبلني الغضب و حضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل، قال: فكرهت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقونني بأبصارهم فيعرض لي تزين (١) فيأمر بي فأقتل على غير صحيح (٢) فجلست وسكت.
والطريق الثاني - الغضب للنفس، وربما كان ابتداء، وربما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل ما يلقى به المنكر من الإهانة فتصير خصومه لنفسه كما قال عمر بن عبد العزيز لرجل: لولا أنى غضبان العاقبتك، وإنما أراد أنك أغضبتني فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب لله ولي.
فصل
فأما إذا كان الآمر بالمعروف جاهلا فان الشيطان يتلاعب به وإنما كان إفساده في أمره أكثر من إصلاحه لأنه ربما نهى عن شيء جائز بالإجماع، وربما أنكر ما تأول فيه صاحبه وتبع فيه بعض المذاهب، وربما كسر الباب وتسور الحيطان وضرب أهل المنكر وقذفهم، فان أجابوه بكلمة تصعب عليه صار غضبه لنفسه، وربما كشف ما قد أمر الشرع بستره وقد سئل أحمد ابن حنبل عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر قال: إذا كان مغطى فلا تكسره. وقال في رواية أخرى: اكسره. وهذا محمول على أنه يكون مغطى بشيء خفيف يصفه فيتبين والأولى على أنه لا يتبين وسئل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه فقال: ولا عليك ما غاب عنك افلا تفتش. وربما رفع هذا المنكر أهل المنكر إلى من يظلمهم وقد قال أحمد بن حنبل: إن علمت أن السلطان يقيم الحدود فارفع إليه.
فصل
ومن تلبيس إبليس على المنكر أنه إذا أنكر جلس في مجمع يصف ما فعل.
стр. 162
ويتباهى به ويسب أصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم، ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لأنه يعلم من لا يعلم، والستر على المسلم واجب مهما أمكن. وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنه يهجم على قوم ما (١) يتيقن ما عندهم ويضربهم الضرب المبرح ويكسر الأواني وكل هذا يوجبه الجهل. فأما العالم إذا أنكر فأنت منه على أمان. وقد كان السلف يتلطفون في الإنكار. ورأى صلة بن أشيم رجلا يكلم امرأة، فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما. وكان يمر بقوم يلعبون فيقول: يا اخواني ما تقولون فيمن أراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره. فانتبه رجل منهم فقال: يا قوم انما يعنينا هذا، فتاب وصحبه.
فصل
وأولى الناس بالتطلف في الإنكار على الأمراء فيصلح أن يقال لهم: إن الله قد رفعكم فاعرفوا قدر نعمته، فإن النعم تدوم بالشكر فلا يحسن أن تقابل بالمعاصي.
فصل
وقد لبس إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكرا فلا ينكره ويقول: انما يأمر وينهي من قصد صلح وأنا ليس بصالح، فكيف آمر غيري وهذا غلط لأنه يجب عليه أن يأمر وينهي ولو كانت تلك المعصية فيه إلا أنه متى أنكر متنزها عن المنكر أثر إنكاره وإذا لم يكن متنزها لم يكد يعمل إنكاره، فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه ليؤثر إنكاره. قال ابن عقيل: رأينا في زماننا أبا بكر الأقفالي في أيام «القائم» إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر (٢) من إطلاعه في التنور وتبعه وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة ولا يدنس بقبول عطاء صوام النهار قوام الليل أرباب بكاء، فإذا تبعه مخلط (٣) رده وقال: متى لقينا الجيش بمخلط انهزم الجيش.
стр. 163
الباب التاسع في ذكر تلبس إبليس على الزهاد والعباد
قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبس عليه إبليس: بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا، فيخرج على وجهه إلى الجبال فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش، ويخيل إليه أن هذا هو الزهد الحقيقي. كيف لا وقد سمع عن فلان أنه هام على وجهه وعن فلان أنه تعبد في جبل، وربما كانت له عائلة فضاعت أو والدة فبكت لفراقه، وربما لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي، وربما كانت عليه مظالم لم يخرج (١) منها، وإنما يتمكن إبليس من التلبيس على هذا لقلة علمه ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم، ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرفه أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما من الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه، وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف (٢) لا على مقدار الحاجة، ويصرف (٣) النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع. وأن الخروج إلى الجبال المنفردة منهي عنه فان النبي ﷺ نهى أن يبيت الرجل وحده (٤) وأن التعرض لتركه الجماعة والجمعة خسران لا ربح والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل. وفراق الوالد والوالدة في مثل هذا عقوق، والعقوق من الكبائر. وأما من سمع عنه أنه خرج إلى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة فخرجوا إلى مكان يتعبدون فيه مجتمعين، ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم على الخطأ من كانوا: وقد قال بعض السلف: خرجنا إلى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردنا
стр. 164
فصل
ومن تلبيسه على الزهاد - إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد، فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وبيان ذلك أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد (١). وكم قد رد إلى الصواب من متعبد.
فصل
ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات، فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير. ومنهم من لا يذوق الفاكهة. ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس (٢) بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة رسول الله ﷺ ولا طريق أصحابه وأتباعهم. وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئا فإذا وجدوا أكلوا. وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم (٣) ويحبه ويأكل الدجاج (٤) ويحب الحلوى (٥) ويستعذب له الماء البارد (٦) ويختار الماء البائت (٧) فإن الماء الجاري يؤذي المعدة ولا يروي. وقد كان رجل يقول: أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره. فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد. وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل في سفرته اللحم.
стр. 165
المشوي والفالوذج. وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته (١) ولا بد من الرفق بها ليصل بها إلى المقصود، فليأخذ ما يصلحها وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات فان ذلك يؤذي البدن والدين.
ثم إن الناس يختلفون في طباعهم، فان الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا على شرب اللبن لم نلمهم لأن مطايا أبدانهم تحمل ذلك. وأهل السواد (٢) إذا لبسوا الصوف وأكلوا الكوامخ (٣) لم نلمهم أيضا، ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه لأن هذه عادة القوم. فأما إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التنعم فإنا ننهي صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه. فان تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف أو لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل، فهذا يحتاج أن يعلم ما يضر تركه وما لا يضر فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس. وقد ظن قوم أن الخبز القفار (٤) يكفي في قوام البدن، ولو كفى إلا أن الاقتصار يؤذي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل. وقد جعل في الطبع ميل الى الملائم فتارة يميل الى الحامض وتارة يميل الى الحلو، ولذلك أسباب مثل أن يقل عندها البلغم الذي لا بد في قوامها منه فتشتاق إلى اللبن ويكثر عندها الصفراء فتميل إلى الحموضة فمن كفها عن التصرف على مقتضى ما قد وضع في طبعها مما يصلحها، فقد آذاها إلا أن يكفها عن الشبع والشره وما يخاف عاقبته فان ذلك يفسدها. فأما الكف المطلق فخطأ فافهم هذا.
ولا يلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فان اتباع الشارع وصحابته أولى. وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في المتدين إما أهواء متبعة، أو رهبانية مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب. وبين إهمال الحقوق وإطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد. فهلا عبدوا على عقل وشرع.
стр. 166
فصل
ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون (١) من المطعم والملبس فحسب. فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم. ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة (٢) وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا له من الزهد وهم من تردد الناس إليهم وتقبيل أيديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة.
فصل
وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء. فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس مثل إظهار النحول وصفار الوجه وشعث (٣) الشعر ليستدل به على الزهد. وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع، وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة. ومثل هذه الظواهر لا تخفى. وإنما تشير إلى خفي الرياء. وقد قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» ومتى لم يرد بالعمل وجه الله لم يقبل. قال مالك بن دينار: قولوا لمن تم يكن صادقا لا تتعب.
وأعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله ، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر فنجاته منه صعبة. وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال: قال لى يوسف ابن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه فاني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة». وفي الحديث مرفوعا عن إبراهيم الحنظلي قال: سمعت بقية بن الوليد (٤) يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك هذه قال: منذ سبعين سنة قلت: ما طعامك؟ قال: يا حنيفي (٥) وما دعاك إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم،
стр. 167
قال: في كل ليلة حمصة. قلت: فما الذي يهيج (١) من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الذين بحذائك (٢)، قلت: نعم، قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذلك، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنف جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة، فقال: أزيدك؟ قلت: نعم، قال انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إلي ركوة فيها عشرون حمصة، فقال لي: أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك، فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى، فقالوا: يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ، قلت: من قوته، قالوا: وما تصنع به نحن أحق به، ساوم (٣)، قلت: عشرين دينارا فأعطوني عشرين دينارا فرجعت الى الشيخ، فقال: اخطأت لوساومتهم عشرين ألفا لأعطوك، هذا عز من لا يعبده فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنف، أقبل على ربك.
قلت: ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين، يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول (٤)، وكان ابن أدهم إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء.
وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك عن بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم، فقال: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضي له حاجته، وان اشتري (٥) أن يقارب (٦) لمكان دينه، وإن لقي حيي ووقر.
стр. 168
لمكان دينه، فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه، فلما رآه الرجل قيل له: هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك، فقال: وما يصنع؟ قال: للكلام الذي وعظت به، فسأل غلامه هل عندك طعام؟ فقال: شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به، فأمر به فأتى على مسح (١) فوضع بين يديه، فأخذ يأكل منه وكان يصوم النهار ولا يفطر، فوقف عليه الملك فسلم عليه، فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله، فقال الملك: أين الرجل؟ فقيل له: هو هذا، قال هذا الذي يأكل، قالوا نعم، قال: فما عند هذا من خير فأدبر، فقال الرجل: الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به. وفي رواية أخرى عن وهب، أنه لما أقبل الملك قدم الرجل طعامه فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت فيأكل أكلا عنيفا، فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالناس. فرد الملك عنان (٢) دابته، وقال: ما في هذا من خير. فقال: الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لائم لي.
وبإسناد عن عطاء قال: أراد أبو الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد، فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفا وعرقا (٣) وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، فجعل يمشي في الأسواق ويأكل. فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط وأخبر بما فعل فتركه ومثل هذا كثير.
فصل
ومن الزهاد من يستعمل الزهد ظاهرا وباطنا، لكنه قد علم أنه لا بد أن يتحدث بتركه للدنيا أصحابه أو زوجته. فيهون عليه الصبر كما هان على الراهب الذي ذكرنا قصته مع إبراهيم بن أدهم. ولو أنه أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النفس ويقطع الحديث عنه، فقد كان داود بن أبي هند، صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله، كان يأخذ غذاءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق، هكذا كان الناس.
فصل
ومن المتزهدين: من قوته (٤) الانقطاع في مسجد أو رباط أو جبل فلذته.
стр. 169
علم الناس بانفراده وربما احتج لانقطاعه باني أخاف أن أرى في خروجي المنكرات. وله في ذلك مقاصد: منها الكبر واحتقار الناس. ومنها أنه يخاف أن يقصروا في خدمته. ومنها حفظ ناموسه (١) ورياسته فان مخالطة الناس تذهب ذلك، وهو يريد أن يبقى إطراؤه وذكره. وربما كان مقصوده ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم فيرى هذا ويجب أن يزار ولا يزور ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده. فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز ويقول أصحابه: أعذروا الشيخ فهذه عادته - لا كانت عادة تخالف الشريعة. ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتريه له صبر على الجوع لئلا يخرج لشراء ذلك بنفسه فيضيع جاهه لمشيه بين العوام. ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة ولكن في باطنه حفظ الناموس. وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق ويشتري حاجته ويحملها بنفسه (٢). وكان أبو بكر ﵁ يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري. والحديث بإسناد عن محمد بن القاسم قال: روي عن عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب، فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ قال: أردت أن أدفع به الكبر، وذلك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر﴾ (٣).
فصل
قال المصنف: وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء الحاجة ونحوها من التبذل كان عادة السلف القدماء وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الأحوال والملابس. فلا أرى للعالم أن يخرج اليوم لشراء حاجته لأن ذلك يكشف نور العلم (٤) عند الجهلة وتعظيمه عندهم مشروع. ومراعاة قلوبهم في مثل هذا
стр. 170
لا يخرج إلى الرياء واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه. وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل
قال الأوزاعي: كنا نضحك ونمزح، فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا (١). وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوما يتمازحون فدق رجل الباب فأمرهم بالسكوت والسكون فقالوا له: تعلمنا الرياء؟ فقال: إني أكره أن يعصى (٢) الله فيكم.
قال المصنف: وإنما خاف قول الجهلة، انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون. وذلك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين.
فصل
ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس اللين من ثوبه ما فعل لئلا يتوكس (٣) جاهه في الزهد، ولو خرجت روحه لا يأكل والناس يرونه ويحفظ نفسه من التبسم فضلا عن الضحك. ويوهمه إبليس أن هذا لإصلاح الخلق وإنما هو رياء يحفظ به قانون الناموس، فتراه مطاطئ الرأس عليه آثار الحزن فإذا خلا رأيته ليث شرى (٤).
فصل
وقد كان السلف يدفعون عنهم كل ما يوجب الإشارة إليهم ويهربون من المكان الذي يشار إليهم فيه. والحديث بإسناد عن عبد الله بن خفيف، قال: قال يوسف بن أسباط: خرجت من (سبج) راجلا حتى أتيت (المصيصة) وجرابي على عنقي، فقام ذا من حانوته يسلم علي وذا يسلم، فطرحت جرابي ودخلت المسجد أصلى ركعتين، فاحدقوا بي واطلع رجل في وجهي، فقلت في نفسي: كم بقاء قلبي على هذا. فأخذت جرابي ورجعت بعرقي وعنائى الى سبج فما رجع إلى قلبي سنتين
فصل
ومن الزهاد من يلبس الثوب المخرق (٥) ولا يخيطه ويترك إصلاح عمامته
стр. 171
وتسريح لحيته ليرى أنه ما عنده من الدنيا خير. وهذا من أبواب الرياء، فان كان صادقا في إعراضه عن أغراضه كما قيل لداود الطائي: ألا تسرح لحيتك؟ فقال: إني عنها لمشغول فليسلم أنه سلك غير الجادة إذ ليست هذه طريقة الرسول ﷺ ولا أصحابه، فانه كان يسرح شعره وينظر في المرآة ويدهن (١) ويتطيب وهد أشغل الخلق بالآخرة. وكان أبو بكر وعمر ﵄ يخضبان بالحناء والكثم (٢) وهما أخوف الصحابة وأزهدهم. فمن أدعى رتبة تزيد على السنة وأفعال الأكابر لم يلتفت إليه
فصل
ومن الزهاد من يلزم الصمت الدائم وينفرد عن مخالطة أهله فيؤذيهم بقبح أخلاقه وزيادة انقباضه، وينسى قول النبي ﷺ : «إن لأهلك عليك حقا (٣)» وقد كان رسول الله ﷺ يمزح (٤) ويلاعب (٥) الأطفال ويحدث أزواجه (٦)، وسابق عائشة (٧) إلى غير ذلك من الأخلاق اللطيفة، فهذا المتزهد الجاعل زوجته كالآيم (٨) وولده كاليتيم لانفراده عنهم وقبح أخلاقه لأنه يرى أن ذلك يشغله عن الآخرة، ولا يدري لقلة علمه أن الانبساط إلى الأهل من العون على الآخرة، وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال لجابر: «هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك». وربما غلب على هذا المتزهد التجفف فترك مباضعة (٩) الزوجة فيضيع فرضا بنافلة غير ممدوحة.
فصل
ومن الزهاد من يرى عمله فيعجبه فلو قيل له: أنت من أوتاد (١٠) الأرض
стр. 172
رأى ذلك حقا. ومنهم من يترصد لظهور كرامته ويخيل إليه أنه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه، فإذا عرض له أمر فدعا فلم يجب تذمر في باطنه فكأنه أجير يطلب أجر عمله. ولو رزق الفهم لعلم أنه عبد مملوك والمملوك لا يمن بعمله، ولو نظر إلى توفيقه للعمل لرأى وجوب الشكر فخاف من التقصير فيه. وقد كان ينبغي أن يشغله خوفه على العمل من التقصير فيه عن النظر إليه، كما كانت رابعة تقول: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي. وقيل لها: هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك. فقالت: إذا كان فمخافتي أن يرد علي.
فصل
ومن تلبيس إبليس على قوم من الزهاد الذي دخل عليهم فيه من قلة.
стр. 173
العلم أنهم يعملون بواقعاتهم (١) ولا يلتفتون إلى قول الفقيه، قال ابن عقيل: كان أبو اسحق الخراز صالحا وهو أول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الإمساك عن الكلام في شهر رمضان، فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج فيقول في أذنه: «ادخلوا عليهم الباب» ويقول لابنه في عشية الصوم: «من بقلها وقتائها» آمرا له أن يشتري البقل، فقلت له: هذا الذي تعتقده عبادة هو معصية، فصعب عليه، فقلت: أن هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعية فلا يستعمل في أغراض دنيوية، وما هذا إلا بمثابة صرك (٢) السدر (٣) والأشنان (٤) في ورق المصحف أو توسدك (٥) له. فهجرني ولم يصغ إلى الحجة.
قال المصنف: قلت: وقد يسمع الزاهد القليل العلم أشياء من العوام فيفتي به. حدثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه، أن رجلا استفتاه فقال: ما تقول: في امرأة طلقت ثلاثا فولدت ذكرا هل تحل لزوجها؟ قال: فقلت: لا. وكان عندي الشريف الدحالي (٦) وكان مشهورا بالزهد عظيم القدر بين العوام. قال لي: بلى تحل، فقلت: ما قال بهذا أحد، فقال: والله لقد افتيت بهذا منها هنا إلى البصرة.
قال المصنف: فانظر ما يصنع الجهل بأهله ويضاف إليه حفظ الجاه خوفا أن يرى الزاهد بعين الجهل. وقد كان السلف ينكرون على الزاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي لأنه لم يجمع شروط الفتوى، فكيف لو رأوا تخبيط المتزهدين اليوم في الفتوى بالواقعات. وبالإسناد عن إسماعيل بن شبة، قال: دخلت على أحمد بن حنبل وقد قدم أحمد بن حرب من مكة فقال لي أحمد بن حنبل: من هذا الخراساني الذي قد قدم؟ قلت: من زهده كذا وكذا ومن ورعه كذا وكذا، فقال: لا ينبغي لمن يدعي ما يدعيه أن يدخل نفسه في الفتيا.
стр. 174
فصل
ومن تلبيسه على الزهاد احتقارهم العلماء وذمهم إياهم فهم يقولون: المقصود العمل، ولا يفهمون أن العلم نور القلب. ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ الشريعة وأنها مرتبة (١) الأنبياء لعدوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء والعمي عند البصراء، والعلماء أدلة الطريق والخلق وراءهم، وسليم هؤلاء يمشي وحده. وفي الصحيحين» من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم».
فصل
ومما يعيبون به العلماء. تفسح العلماء في بعض المباحات التي يتقوون بها على دراسة العلم. وكذلك يعيبون جامع الأموال. ولو فهموا معنى المباح لعلموا أنه لا يذم فاعله، وغاية الأمر أن غيره أولى منه. أفيحسن لمن صلى الليل أن يعيب على من أدى الفرض ونام.
ولقد روينا بإسناد عن محمد بن جعفر الخولاني، قال: حدثني أبو عبد الله الخواص وكان من أصحاب حاتم الأصم، قال: دخلنا مع حاتم البلخي إلى الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا من أصحابه يريد الحج، وعليهم الصوف والزرمانقات (٢) ليس فيهم من معه جراب ولا طعام، فنزلنا على رجل من التجار متنسك فأضافنا (٣) تلك الليلة فلما كان من الغد، قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن لك حاجة فاني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل، فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل كبير، والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أجيء معك، وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري فقال له: مر بنا يا أبا عبد الرحمن، فجاؤوا إلى باب داره، فإذا البواب، فبقي حاتم متفكرا يقول: يا رب دار عالم على هذه الحال، ثم أذن لهم فدخلوا، فإذا بدار قوراء (٤) وآلة حسنة وبزة وفرش وستور، فبقي حاتم
стр. 175
متفكرا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل، واذا بفراش حسن وطيء وهو عليه راقد وعند رأسه مذبة (١) وناس وقوف، فقعد الرازي وبقي حاتم قائما فأومأ إليه محمد بن مقاتل بيده أن أجلس، فقال حاتم: لا أجلس، فقال له ابن مقاتل: فلك حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها، قال: فاسألني، قال حاتم: قم فاستو جالسا حتى أسألك عنها فأمر غلمانه فأسندوه، فقال حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ فقال: حدثني الثقات عن الثقات من الأئمة قال: عمن أخذوه، قال: عن التابعين، قال: والتابعون عمن أخذوه، قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمن أخذوه، قال: عن رسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ من أين جاء به، قال: عن جبريل عن الله فقال حاتم: ففيم أداه جبريل عن الله إلى النبي ﷺ وأداة النبي ﷺ إلى الصحابة، وأداة الصحابة إلى تابعيهم، وأداة التابعون إلى الأئمة، وأداه الائمة الى الثقات، وأداه الثقات اليك، هل سمعت في هذا العلم من كانت داره في الدنيا أحسن وفراشه ألين وزينته أكثر كان له المنزلة عند الله أكبر؟ قال: لا، قال: فكيف سمعت قال: سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كان عند الله له المنزلة أكثر وإليه أقرب، قال حاتم: وأنت بمن اقتديت أبالنبي ﷺ وبأصحابه والتابعين من بعدهم والصالحين على أثرهم او بفرعون و نمرود فانهما أول من بنى بالجص والآجر يا علماء السوء إن الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها يقول: هذا العالم على هذه الحالة إلا أكون أنا قال: فخرج من عنده وازداد محمد بن مقاتل مرضا، وبلغ أهل الري ما جرى بين حاتم وبين ابن مقاتل، فقالوا لحاتم: أن محمد بن عبيد الطنافسي بقزوين أكثر شيئا من هذا فصار إليه، فدخل عليه وعنده الخلق يحدثهم فقال له: رحمك الله أنا رجل أعجمي جئتك لتعلمني مبدأ ديني و مفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: نعم وكرامة، يا غلام إناء فيه ماء فجاءه بإناء فيه ماء، فقعد محمد بن عبيد فتوضأ ثلاثا ثم قال له: هكذا فتوضأ، قال حاتم: مكانك رحمك الله حتى أتوضأ بين يديك ليكون أوكد لما أريد، فقام الطنافسي وقعد حاتم مكانه فتوضأ وغسل وجهه ثلاثا حتى إذا بلغ الذراع غسل أربعا، فقال الطنافسي: أسرفت
стр. 176
قال حاتم: فبماذا أسرفت؟ قال: غسلت ذراعك أربعا، قال: يا سبحان الله أنا في كف ماء أسرفت وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف، فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما، وخرج حاتم إلى الحجاز فلما صار إلى المدينة أحب أن يخصم علماء المدينة، فلما دخل المدينة، قال: يا قوم أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة الرسول ﷺ قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتى أذهب إليه فأصلي فيه ركعتين، قالوا: ما كان لرسول الله ﷺ قصر إنما كان له بيت لاطئ (١) قال: فأين قصور أهله وأصحابه وأزواجه، قالوا: ما كان لهم قصور إنما لهم بيوت لاطئة، فقال حاتم: فهذه مدينة فرعون، قال: فسبوه وذهبوا به إلى الوالي، وقالوا: هذا العجمي يقول: هذه مدينة فرعون، فقال الوالي: لم قلت ذلك، قال حاتم: لا تعجل علي أيها الأمير أنا رجل غريب دخلت هذه المدينة فسألت أي مدينة هذه قالوا: مدينة رسول الله ﷺ ، وسألت عن قصر رسول الله ﷺ وقصور أصحابه قالوا: إنما كانت لهم بيوت لاطئة وسمعت الله يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، فأنتم بمن تأسيتم برسول الله ﷺ أو بفرعون
قال المصنف: قلت: الويل للعلماء من الزاهد الجاهل الذي يقتنع بعلمه فيرى الفضل فرضا. فان الذي أنكره مباح والمباح مأذون فيه والشرع لا يأذن في شيء ثم يعاتب عليه. فما أقبح الجهل ولو أنه قال لهم: لو قصرتم فيما أنتم لاقتدى الناس بكم كان أقرب حالة، ولو سمع هذا بأن عبد الرحمن ابن عوف، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم، وفلانا وفلانا من الصحابة خلفوا مالا عظيما أتراه ماذا كان يقول. وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل ففرض على الزاهد التعليم من العلماء فإذا لم يتعلم فليسكت والحديث بإسناد عن مالك بن دينار ﵁ قال: إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز وبإسناد عن حبيب الفارسي يقول: والله أن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز.
قال المصنف: قلت: المراد بالقراء الزهاد، وهذا اسم قديم لهم معروف، والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب
стр. 177
الباب العاشر في ذكر تلبيسه على الصوفية من جملة الزهاد
قال المصنف: الصوفية من جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد إلا أن الصوفية أنفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر، والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص، فمال اليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد ومال اليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب، فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم في طريقة القوم، ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفروعها وشرح أمورها والله الموفق للصواب.
فصل
قال المصنف: كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم ومؤمن ثم حدث اسم زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها وأخلاقا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام رجل كان يقال له: صوفة واسمه الغوث بن مر فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله فسموا بالصوفية.
أنبأنا محمد بن ناصر، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال، قال: قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: سألت وليد بن القاسم إلى أي شيء ينسب الصوفي. فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم: صوفة انقطعوا إلى الله وقطنوا الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية، قال عبد الغني: فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر.
وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت الإجازة (١) بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم: صوفة، وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة قال الزبير: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي من البيت شيئا من غير أهله أو قام بشيء من أمر المناسك يقال لهم: صوفة وصوفان.
стр. 178
قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي. قال: انما سمى الغوث بن مر صوفة لأنه ما كان يعيش لأمه ولد. فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت فقيل له: صوفة ولولده من بعده. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرني عقال بن شبة، قال: قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة فقالت: لله علي أن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت. فولدت الغوث بن مر فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى، فقالت: ما صار ابني إلا صوفة فسمي صوفة. وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى ومن منى إلى مكة لصوفة. فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتى اخذتها قريش.
فصل
قال المصنف: وقد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة. وإنما ذهبوا إلى هذا لأنهم رأوا أهل الصفة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله وملازمة الفقر، فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ وقيل: أهل الصفة. والحديث بإسناد عن الحسن قال: بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير، وكان رسول الله ﷺ يأتيهم فيقول: السلام عليكم يا أهل الصفة. فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله، فيقول: كيف أصبحتم. فيقولون بخير يا رسول الله (١). وبإسناد (٢) عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر، قال: كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا النبي ﷺ بعشائه فنتعشى، فإذا فرغنا، قال رسول الله ﷺ : ناموا في المسجد.
стр. 179
قال المصنف: وهؤلاء القوم انما اقعدوا في المسجد ضرورة. وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة. فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا. ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفي. وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة. فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضا غلط لأنه لو نسبوا إليها لقيل: صوفاني. وقال آخرون: هو منسوب إلى صوفة القفا وهي الشعرات النابتة في مؤخره كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق. وقال آخرون: بل هو منسوب إلى الصوف، وهذا يحتمل. والصحيح الأول.
وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة، وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس. ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى.
والحديث بإسناد عن الطوسي يقول: سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول: سألت الجنيد بن محمد عن التصوف، فقال: الخروج عن كل خلق رديء، والدخول في كل خلق سني (١). وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر، قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قال: رويم كل الخلق قعدوا على الرسوم. وقعدت هذه الطائفة على الحقائق. وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق.
قال المصنف: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن.
وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح أبدانهم، وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع. وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة. وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الاحاديث الموضوعة وهو لا يدرى.
стр. 180
ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي. وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمراقعة والسماع (١) والوجد والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. ثم ما زال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلون بواقعاتهم. ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في (٢) العلوم حتى سموه العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر. ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به. وهؤلاء بين الكفر والبدعة ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ففسدت عقائدهم. فمن هؤلاء من قال بالحلول (٣) ومنهم من قال بالاتحاد (٤). وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا. وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه على مذاهبهم والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن. وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري: قال: كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الاحاديث.
قال المصنف: وصنف لهم أبو نصر السراج كتابا سماه «لمع الصوفية» ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى. وصنف لهم أبو طالب المكي «قوت القلوب» فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قول - قال بعض المكاشفين - وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية إن الله يتجلى في الدنيا لاوليائه.