قال المصنف: ذكرنا كيف لبس عليهم في عبادة الأصنام. ومن أقبح تلبيسه عليهم في ذلك تقليد الآباء من غير نظر في دليل كما قال الله : ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ (البقرة: ١٧٠) المعنى أتتبعونهم أيضا.
وقد لبس إبليس على طائفة منهم، فقالوا بمذاهب الدهرية وأنكروا الخالق وجحدوا البعث، وهؤلاء الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر﴾ (الجاثية: ٢٤). وعلى آخرين منهم: فأقروا بالخالق لكنهم جحدوا الرسل والبعث. وعلى آخرين منهم: فزعموا أن الملائكة بنات الله. وأمال آخرين منهم إلى مذهب اليهود. وآخرين إلى مذهب المجوس، وكان في بني تميم منهم زرارة ابن جديس التميمي وابنه حاجب.
وممن كان يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب عبد المطلب بن هاشم، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وعامر بن الظرب. وكان عبد المطلب إذا رأى ظالما لم تصبه عقوبة قال: تالله أن وراء هذه الدار لدارا يجزي فيها المحسن والمسيء. ومنهم زهير بن أبي سلمى وهو القائل: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر … ليوم حساب او يعجل فينتقم
ثم أسلم. ومنهم زيد الفوارس بن حصن، ومنهم القلمس بن أمية الكناني، كان يخطب بفناء الكعبة، وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتى يعظها ويوصيها فقال يوما: يا معشر العرب أطيعوني ترشدوا، قالوا: وما ذاك؟ قال: انكم تفردتم بآلهة شتى أني لا أعلم ما الله بكل هذا راض، وأن الله رب هذه الآلهة وأنه ليحب أن يعبد وحده. فتفرقت عنه العرب لذلك ولم يسمعوا مواعظه. وكان فيهم قوم يقولون: من مات فربطت على قبره دابته وتركت حتى تموت حشر عليها ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا، وممن قاله عمرو بن زيد الكلبي.
قال المصنف: وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشرك وإنما تمسك منهم بالتوحيد ورفض الأصنام القليل، كقس بن ساعدة وزيد، وما زالت الجاهلية تبتدع البدع الكثيرة. فمنها النسيء وهو تحريم الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام، وذلك أن العرب كانت قد تمسكت من ملة إبراهيم صلوات الله
стр. 72
وسلامه عليه بتحريم الأشهر الأربعة، فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب أخروا تحريمه إلى صفر، ثم يحتاجون إلى صفر ثم كذلك حتى تتدافع السنة.
وإذا حجوا قالوا: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ومنها توريث الذكر دون الأنثى. ومنها أن أحدهم كان إذا مات ورث نكاح زوجته أقرب الناس إليه، ومنها البحيرة وهي الناقة تلد خمسة أبطن فإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها وحرمت على النساء. والسائبة من الأنعام كانوا يسيبونها ولا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا. والوصيلة الشاة تلد سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا أو أنثى قالوا: وصلت أخاها فلا تذبح وتكون منافعها للرجال دون النساء، فاذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء. والحامي الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عليه. ثم يقولون، أن الله أمرنا بهذا، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾ (المائدة: ١٠٣). ثم الله رد عليهم فيما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيما أحلوه بقولهم: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ (الانعام: ١٣٩). قال الله تعالى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الانثيين﴾ (الانعام: ١٤٣) المعنى ان كان الله حرم الذكرين فكل الذكور حرام، وإن كان حرم الأنثيين فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فإنها تشتمل على الذكور والإناث فيكون كل جنين حراما. وزين لهم إبليس قتل أولادهم، فالإنسان منهم يقتل ابنته ويغذو (١) كلبه. ومن جملة ما لبس عليهم إبليس أنهم قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، أي لو لم يرض شركنا لحال بيننا وبينه، فتعلقوا بالمشيئة وتركوا الأمر. ومشيئة الله تعم الكائنات وأمره لا يعم مراداته، فليس لأحد أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر. ومذاهبهم السخيفة التي ابتدعوها كثيرة لا يصلح تضييع الزمان بذكرها ولا هي مما يحتاج الى تكلف ردها.
ذكر تلبس إبليس على جاحدي النبوات
قال المصنف: قد لبس إبليس على البراهمة والهندوس وغيرهم فزين لهم جحد النبوات ليسد طريق ما يصل من الإله وقد اختلف أهل الهند فمنهم دهرية ومنهم ثنوية ومنهم على مذاهب البراهمة ومنهم من يعتقد نبوة
стр. 73
آدم وإبراهيم فقط. وقد حكى أبو محمد النوبختي في كتاب «الآراء والديانات» أن قوما من الهند من البراهمة أنبتوا الخالق والرسل والجنة والنار وزعموا أن رسولهم ملك أتاهم في صورة البشر من غير كتاب، له أربعة أيد واثنا عشر رأسا من ذلك رأس إنسان ورأس أسد ورأس فرس ورأس فيل ورأس خنزير وغير ذلك من رؤوس الحيوانات، وأنه أمرهم بتعظيم النار ونهاهم عن القتل والذبائح إلا ما كان للنار، ونهاهم عن الكذب وشرب الخمر، وأباح لهم الزنا وأمرهم أن يعبدوا البقر، ومن ارتد منهم ثم رجع حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار (١) عينيه، ثم يذهب فيسجد للبقر في هذيانات يضيع الزمان بذكرها.
قال المصنف: وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ست شبهات:
الشبهة الأولى: استبعاد اطلاع بعضهم على ما خفي عن بعض، فقالوا: ﴿ما هذا إلا بشر مثلكم﴾ (المؤمنون: ٢٤) والمعنى وكيف أطلع على ما خفي عنكم. وجواب هذه الشبهة أنهم لو ناطقوا (٢) العقول لأجازت اختيار شخص لخصائص يعلو بها جنسه، فيصلح بتلك الخصائص لتلقف الوحي إذ ليس كل أحد يصلح لذلك. وقد علم الكل أن الله ركب الأمزجة متفاوتة وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدني، فإذا أمد النبات والأحجار بخواص لإصلاح أبدان خلقت للفناء ها هنا وللبقاء في دار الآخرة لم يبعد أن يخص شخصا من خلقه بالحكمة البالغة والدعاية إليه إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء الأخلاق والأفعال. ومعلوم أن المخالفين لا يستنكرون أن يختص أقوام بالحكمة ليسكنوا فورات الطباع الشريرة بالموعظة، فكيف ينكرون أمداد الباري سبحانه بعض الناس برسائل ومصالح ووصايا يصلح بها العالم ويطيب أخلاقهم ويقيم بها سياستهم، وقد أشار إلى ذلك في قوله : ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ (يونس: ٢).
الشبهة الثانية قالوا: هلا أرسل ملكا فإن الملائكة إليه أقرب ومن الشك فيهم أبعد، والآدميون يحبون الرياسة على جنسهم فيوقع هذا شكا. وجواب هذا من ثلاثة أوجه: أحدها أن في قوى الملائكة قلب الجبال والصخور فلا يمكن إظهار معجزة تدل على صدقهم، لأن المعجزة ما خرقت العادة وهذه عادة الملائكة، وإنما المعجزات الظاهرة ما ظهرت على يد بشر ضعيف ليكون دليلا.
стр. 74
على صدقه. والثاني أن الجنس إلى الجنس أميل، فصح أن يرسل إليهم من جنسهم لئلا ينفروا وليعقلوا عنه، ثم تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه جنسه دليل على صدقه. والثالث أنه ليس في قوى البشر رؤية الملك وإنما الله تعالى يقوي الأنبياء بما يرزقهم من إدراك الملائكة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ أي لينظروا إليه ويأنسوا به ويفهموا عنه ثم قال: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ (الانعام: ٩). أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرون أملك هو أم آدمي.
الشبهة الثالثة قالوا: نرى ما تدعيه الأنبياء من علم الغيب والمعجزات وما يلقى إليهم من الوحي يظهر جنسه على الكهنة والسحرة فلم يبق لنا دليل نفرق به بين الصحيح والفاسد. والجواب أن نقول: أن الله ﵎ بين الحجج ثم بث الشبهة وكلف العقول الفرق، فلا يقدر ساحر أن يحيي ميتا ولا أن يخرج من عصا حية، وأما الكاهن فقد يصيب ويخطيء بخلاف النبوة التي لا خطأ فيها بوجه.
الشبهة الرابعة قالوا: لا يخلو اما أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل أو بما يخالفه، فإن جاءوا بما يخالفه لم يقبل، وإن جاءوا بما يوافقه فالعقل يغني عنه. والجواب أن نقول: قد ثبت أن كثيرا من الناس يعجزون عن سياسات الدنيا حتى يحتاجون إلى متمم كالحكماء والسلاطين، فكيف بأمور الإلهية والأخروية.
الشبهة الخامسة قالوا: قد جاءت الشرائع بأشياء ينفر منها العقل فكيف يجوز أن تكون صحيحة من ذلك إيلام الحيوان. والجواب أن العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض، فأما إذا حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض. وبيان ذلك أن العقل قد عرف حكمة الخالق وأنه لا خلل فيها ولا نقص، فأوجبت عليه هذه المعرفة التسليم لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر في فرع لم يجز أن نحكم على الأصل بالبطلان. ثم قد ظهرت حكمة ذلك فانا نعلم أن الحيوان يفضل على الجماد، ثم الناطق أفضل مما ليس بناطق بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النظرية والعملية. وحاجة هذا الناطق إلى إبقاء فهمه، ولا يقوم في إبقاء القوى مقام اللحم شيء، ولا يستطرف (١) تناول القوي الضعيف، وما فيه فائدة عظيمة لما قلت فائدته وإنما خلق الحيوان البهيم للحيوان الكريم فلو لم يذبح لكثر وضاق به.
стр. 75
المرعى ومات فيتأذى الحيوان الكريم بجيفته فلم يكن لإيجاده فائدة. وأما ألم الذبح فانه يستر، وقد قيل: أنه لا يوجد أصلا لأن الحساس للألم أغشية الدماغ لأن فيه الأعضاء الحساسة، ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أو سكتة لم يحس الإنسان بألم فإذا قطعت الأوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إلى محل الحس، ولهذا قال ﵊: «إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح ذبيحته» (١).
الشبهة السادسة قالوا: ربما يكون أهل الشرائع قد ظفروا بخواص من حجارة وخشب. والجواب أن هذا كلام ينبغي أن يستحيي من اراده، فإنه لم يبق شيء من العقاقير والأحجار إلا وقد وضحت خواصها وبأن سترها، فلو ظفر واحد منهم بشيء وأظهر خاصيته لوقع الإنكار من العلماء بتلك الخواص، وقالوا: ليس هذا منك إنما هذه خاصية في هذا. ثم إن المعجزات ليست نوعا واحدا بل هي بين صخرة خرجت منها ناقة، وعصا انقلبت حية، و حجر تفجر عيونا. وهذا القرآن الذي له منذ نزل دون الستمائة سنة فالأسماع تدركه والأفكار تتدبره والتحدي به على الدوام، ولم يقدر أحد على مداناة سورة منه، فأين هذا والخاصة والسحر والشعبذة.
قال أبو الوفاء علي بن عقيل ﵁: صبأت (٢) قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها كابن الراوندي ومن شاكله كأبي العلاء. ثم مع ذلك لا يرون المقالتهم نباهة ولا أثرا، بل الجوامع تتدفق زحاما والآذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي ﷺ والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطار ومعاناة الأسفار ومفارقة الأهل والأولاد. فجعل بعضهم يندس في أهل النقل فيضع المفاسد على الأسانيد ويضع السير والأخبار، وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة والمنجمين، ويبالغ معزمون (١) يكلمون الجني الذي في باطن المجنون فيكلمهم بما كان ويكونوما في إحليل مهر. والأسود كان يعظ ويقول الشيء قبل كونه. ها هنا اليوم.
стр. 76
معزمون (١) يكلمون الجني الذي في باطن المجنون فيكلمهم بما كان ويكون وما شاكل ذلك من الخرافات. فمن رأى مثل هذا قال: بقلة عقلة وقلة تلمحه لقصد هؤلاء الملحدة: وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا؟ وليس قول الكاهن: حبة بر في إحليل مهر، وقد أخفيت كل الاخفاء بأكثر من قوله: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ (آل عمران: ٤٩) ٠ وهل بقي لهذا وقع في القلوب. وهذا التقويم (٢) ينطق بالمنع من الركوب اليوم وهل ترك تلمح هذا إلا النبي والله ما قصدوا بذلك إلا قصدا ظاهرا ولمحوا إلا لمحا جليا، فقالوا: تعالوا نكثر الجولان في البلاد والأشخاص والنجوم والخواص فلا يخلو مع الكثرة من مصادفة الاتفاق لواحدة من هذه. فيصدق بها الكل، ويبطل أن يكون ما جاء به الأنبياء خرقا للعادات ثم دس قوم من الصوفية أن فلانا أهوى بإنائه إلى دجلة فامتلأ ذهبا فصار هذا كالعادة بطريق الكرامات من المتصوفين. وبطريق العادات في حق المنجمين. وبطريق الخواص في حق الطبائعيين. وبطريق الكهانة في حق المعزمين والعرافين. فأي حكم بقي لقول عيسى ﵇: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ (آل عمران: ٤٩) ٠ وأي خرق بقي للعادات، وهل العادات إلا استمرار الوجود، وكثرة الحصول؟ فإذا نبههم العاقل المتدين على ما في هذا من الفساد قال الصوفي: أتنكر كرامات الأولياء؟ وقال أهل الخواص: أتنكر المغناطيس الذي يجذب الحديد؟ والنعامة تبلع النار فتسكت عن جحد ما لم يكن لأجل ما كان فويل للمحق معهم هذا والباطنية من جانب والمنجمون من جانب مع أرباب المناصب لا يحلون ولا يعقدون إلا بقولهم. فسبحان من يحفظ هذه الملة ويعلي كلمتها حتى أن كل الطوائف تحت قهرها إقبالا من الله على حراسة النبوات وقمعا لاهل المحال.
فصل
ومن الهند البراعمة قوم قد حسن لهم إبليس أن يتقربوا بإحراق نفوسهم فيحفر للإنسان منهم أخدود وتجتمع الناس، فيجيء مضمخا (٣) بالخلوق والطيب وتضرب المعازف والطبول والصنوج، ويقولون: طوبي لهذه النفس التي تعلق إلى الجنة. ويقول هو: ليكن هذا القربان مقبولا ويكون ثوابي
стр. 77
الجنة. ثم يلقي نفسه في الأخدود فيحترق فان هرب نابذوه و نفوه وتبرؤوا منه حتى يعود. ومنهم من يحمي له الصخر فلا يزال يلزم (١) صخرة صخرة حتى يثقب جوفه ويخرج معاه (٢) فيموت. ومنهم من يقف قريبا من النار إلى أن يسيل ودكه (٣) فيسقط. ومنهم من يقطع من ساقه وفخذه قطعا ويلقيها إلى النار والناس يزكونه ويمدحونه ويسألون مثل مرتبته حتى يموت. ومنهم من يقف فى اختاء (٤) البقر إلى ساقه ويشعل النار فيحترق. ومنهم من يعبد الماء ويقول: هو حياة كل شيء فيسجد له. ومنهم من يجهز له أخدود قريب من الماء فيقع في الأخدود حتى إذا التهب قام فانغمس في الماء ثم رجع إلى الأخدود حتى يموت، فإن مات وهو بينهما حزن أهله وقالوا: حرم الجنة، وإن مات في أحدهما شهدوا له بالجنة. ومنهم من يزهق نفسه بالجوع والعطش فيسقط أولا عن المشي ثم عن الجلوس ثم ينقطع كلامه ثم تبطل حواسه، ثم تبطل حركته ثم يخمد. ومنهم من يهيم في الأرض حتى يموت. ومنهم من يغرق نفسه في النهر. ومنهم من لا يأتي النساء ولا يواري الا العورة. ولهم جبل شاهق تحته شجرة وعندها رجل بيده كتاب يقرأ فيه يقول: طوبى لمن ارتقى هذا الجبل وبعج بطنه وأخرج أمعاءه بيده. ومنهم من يأخذ الصخور فيرض بها جسده حتى يموت، والناس يقولون: طوبى لك. وعندهم نهران فيخرج أقوام من عبادهم يوم عيدهم، وهناك رجال فيأخذون ما على العباد من الثياب ويبطحونهم فيقطعونهم نصفين ثم يلقون أحد النصفين في نهر والنصف الآخر في نهر ويزعمون أنهما يجريان إلى الجنة، ومنهم من يخرج إلى براح (٥) ومعه جماعة يدعون له ويهنئونه بنيته، فإذا أضجر جلس وجمع له سباع الطير من كل جهة فيتجرد من ثيابه ثم يمتد والناس ينظرون إليه فتبتدره الطير فتأكله. فإذا تفرقت الطير جاءت الجماعة فأخذوا عظامه وأحرقوها وتبركوا بها، في أفعال طويلة قد ذكرها أبو محمد النوبختي يضيع الزمان في كتابتها. والعجب أن الهند قوم تؤخذ الحكمة عنهم ويؤخذ عنهم دقائق الحكمة وتلهم دقائق الأعمال، فسبحان من أعمى قلوبهم حتى قادهم ابليس هذا المقاد. قال: وفيهم من يزعم أن الجنة ثنتان وثلاثون مرتبة، وأن مكث
стр. 78
أهل الجنة في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف سنة وثلاثة وثلاثون ألف سنة وستمائة وعشرون سنة، وكل مرتبة أضعاف ما دونها. وأن النار اثنتان وثلاثون مرتبة منها ست عشرة مرتبة فيها الزمهرير وصنوف عذابه، وست عشرة مرتبة فيها الحريق وصنوف عذابه.
ذكر تلبيسه على اليهود
قال المصنف: قد لبس عليهم في أشياء كثيرة نذكر منها نبذة ليستدل بها على تلك. فمن ذلك تشبيههم الخالق بالخلق، ولو كان تشبيههم حقا لجاز عليه ما يجوز عليهم. وحكى أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا، أن اليهود تزعم أن الإله المعبود رجل من نور على كرسي من نور، على رأسه تاج من نور وله أعضاء كما للآدميين. ومن ذلك قولهم: عزير ابن الله. ولو فهموا أن حقيقة البنوة لا تكون إلا بالتبعيض والخالق ليس بذي أبعاض لأنه ليس بمؤلف لم يثبتوا بنوة. ثم أن الولد في معنى الوالد، وقد كان عزير لا يقوم إلا بالطعام، والإله من قامت به الأشياء لا من قام بها. والذي دعاهم إلى هذا مع جهلهم بالحقائق أنهم رأوه قد عاد بعد الموت وقرأ التوراة من حفظه، فتكلموا بذلك من ظنونهم الفاسدة. ويدل على أن القوم كانوا في بعد من الذهن انهم لما رأوا أثر القدرة في فرق البحر لهم ثم مروا على أصنام طلبوا مثلها فقالوا: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم الهة﴾ (الأعراف: ١٣٨) فلما زجرهم موسى عن ذلك بقي في نفوسهم فظهر المستور بعبادتهم العجل. والذي حملهم على هذا شيئان: أحدهما جهلهم بالخالق، والثاني أنهم أرادوا ما يسكن إليه الحس لغلبة الحس عليهم وبعد العقل عنهم، ولولا جهلهم بالمعبود ما اجترؤوا عليه بالكلمات القبيحة كقولهم: (إن الله فقير ونحن أغنياء) (آل عمران: ١٨١) وقولهم: «يد الله مغلولة» (المائدة: ٦٥) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ومن تلبيسه عليهم أنهم قالوا: لا يجوز نسخ الشرائع. وقد علموا أن من دين آدم جواز نكاح الأخوات، وذوات المحارم، والعمل في يوم السبت، ثم نسخ ذلك بشريعة موسى. قالوا: إذا أمر الله بشيء كان حكمه فلا يجوز تغييره. قلت: قد يكون التغيير في بعض الأوقات حكمة فإن تقلب الآدمي من صحة إلى مرض ومن مرض إلى موت كله حكمة، وقد حظر عليكم العمل يوم السبت وأطلق لكم العمل يوم الأحد، وهذا من جنس ما أنكرتم وقد أمر الله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ثم نهاه عن ذلك. ومن تلبيسه عليهم أنهم قالوا: «لن تمسنا النار الا أياما معدودة».
стр. 79
(البقرة: ٨٠) وهي الايام التي عبد فيها أعجل. وفضائحهم كثيرة ثم حملهم إبليس على العناد المحض فجحدوا ما كان في كتابهم من صفة نبينا ﷺ وغيروا ذلك وقد أمروا أن يؤمنوا به ورضوا بعذاب الآخرة، فعلمائهم عاندوا وجهالهم قلدوا. ثم العجب أنهم غيروا ما أمروا به وحرفوا ودانوا بما يريدون فأين العبودية ممن يترك الأمر ويعمل بالهوى؟ ثم أنهم كانوا يخالفون موسى ويعيبونه حتى قالوا: أنه آدر (١)، واتهموه بقتل هارون واتهموا داود بزوجة «أوريا».
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، نا الحسن بن علي الجوهري، نا أبو عمر بن حياة، نا ابن معروف، نا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمد بن سعد، نا علي بن محمد، عن علي بن مجاهد (٢)، عن محمد بن إسحاق، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ بيت المدراس (٣) فقال: «أخرجوا إلي أعلمكم، فخرج إليه عبد الله بن صوريا فخلا به، فناشده الله بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظللهم به من الغمام أتعلمون أني رسول الله، قال: اللهم نعم، وأن القوم ليعرفون ما أعرف وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم.»
أخبرنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا يعقوب قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني صالح بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش. قال: كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل فخرج علينا يوما، من بيته قبل مبعث النبي ﷺ حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل. قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنا علي بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا بعد الموت فقالوا له: ويحك يا فلان أترى هذا كائنا ان الناس يبعثون بعد موتهم الى
стр. 80
دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به يود أحدهم أن له لحظة من تلك النار بأعظم تنور في الدار يحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا. قال له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: متى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا، ان يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا. فقلنا له: ويلك يا فلان ألست الذي قلت أنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به.
ذكر تلبيسه على النصارى
قال المصنف: تلبيسه عليهم كثير فمن ذلك أن إبليس أوهمهم أن الخالق سبحانه جوهر، فقال اليعقوبية أصحاب يعقوب والملكية أهل دين الملك والنسطورية أصحاب نسطورس: ان الله جوهر واحد بأقانيم ثلاثة فهو واحد في الجوهرية ثلاثة في الأقنومية، فأحد الأقانيم عندهم الأب والآخر الابن والآخر روح القدس، فبعضهم يقول: الاقانيم خواص. وبعضهم يقول: صفات. وبعضهم يقول: أشخاص، وهؤلاء قد نسوا أنه لو كان الإله جوهرا لجاز عليه ما يجوز على الجواهر من التحيز بمكان والتحرك والسكون والأوان. ثم سول لبعضهم أن المسيح هو الله.
قال أبو محمد النوبختي: زعمت الملكية واليعقوبية أن الذي ولدته مريم هو الإله. وسول الشيطان لبعضهم أن المسيح هو ابن الله. وقال بعضهم: المسيح جوهران أحدهما قديم والآخر محدث. ومع قولهم هذا في المسيح يقرون بحاجته الى طعام، ولا يختلفون في هذا وفي أنه صلب ولم يقدر على الدفع عن نفسه. ويقولون: إنما فعل هذا بالناسوت فهلا دفع عن الناسوت ما فيه من اللاهوت. ثم لبس عليهم أمر نبينا محمد ﷺ حتى جحدوه بعد ذكره في الإنجيل. ومن الكتابيين من يقول عن نبينا أنه نبي إلا أنه مبعوث إلى العرب خاصة. وهذا تلبيس من إبليس استغفلهم فيه لأنه متى ثبت أنه نبي، فالنبي لا يكذب، وقد قال: ﴿بعثت إلى الناس كافة﴾. وقد كتب الى قيصر وكسر وسائر ملوك الأعاجم.
ومن تلبيس إبليس على اليهود والنصارى
أنهم قالوا لا يعذبنا الله لأجل أسلافنا فمنا الأولياء والأنبياء، فأخبرنا الله عنهم بذلك: ﴿نحن أبناء الله واحباؤه﴾ (المائدة: ١٨). أي منا ابنه عزير.
стр. 81
وعيسى. وكشف هذا التلبيس إن كان شخص مطالب بحق الله عليه فلا يدفعه عنه ذو قرابته، ولو تعدت المحبة شخصا إلى غيره لموضع القرابة لتعدي البعض. وقد قال نبينا ﷺ لابنته فاطمة: «لا أغني عنك من الله شيئا» (١). وإنما فضل المحبوب بالتقوى فمن عدمها عدم المحبة. ثم أن محبة الله للعبد ليست بشغف كمحبة الآدميين بعضهم بعضا، إذ لو كانت كذلك لكان الأمر يحتمل.
ذكر تلبيس ابليس على الصابئين
قال المصنف: أصل هذه الكلمة أعني الصابئين من قولهم: صبأت: إذا خرجت من شيء إلى شيء، وصبأت النجوم: إذا ظهرت، وصبأ به: اذا حرج. والصابئون: الخارجون من دين إلى دين، وللعلماء في مذاهبهم عشرة أقوال:
أحدها - أنهم قوم بين النصارى والمجوس. رواه سالم عن سعيد بن جبير، وليث عن مجاهد.
والثاني - أنهم بين اليهود والمجوس رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.
والثالث - أنهم بين اليهود والنصارى. رواه القاسم بن أبي بزة عن مجاهد.
والرابع - أنهم صنف من النصارى ألين قولا منهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والخامس - أنهم قوم من المشركين لا كتاب لهم رواه القاسم أيضا عن مجاهد.
والسادس - انهم كالمجوس قاله الحسن. والسابع - أنهم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور قاله أبو العالية.
والثامن - أنهم قوم يصلون إلى القبلة ويعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور قاله قتادة ومقاتل.
والتاسع - أنهم طائفة من أهل الكتاب قاله السدي.
стр. 82
والعاشر - أنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله إلا الله قاله ابن زيد.
قال المصنف: هذه أقوال المفسرين مثل ابن عباس والقاسم والحسن وغيرهم، فأما المتكلمون فقالوا: مذهب الصابئين مختلف فيه فمنهم من يقول: أن هناك هيولي كان ولم يزل يصنع العالم من ذلك الهيولي. وقال أكثرهم: العالم ليس بمحدث وسموا الكواكب ملائكة، وسماها قوم منهم آلهة وعبدوها وبنوا لها بيوت عبادات، وهم يدعون أن بيت الله الحرام واحد منها وهو بيت زحل. وزعم بعضهم أنه لا يوصف الله إلا بالنفي دون الإثبات، ويقال: ليس بمحدث ولا موات ولا جاهل ولا عاجز، قالوا: لئلا يقع تشبيه. ولهم تعبدات في شرائع منها أنهم زعموا أن عليهم ثلاث صلوات في كل يوم، أولها ثمان ركعات وثلاث سجدات في كل ركعة، وانقضاء وقتها عند طلوع الشمس. والثانية خمس ركعات والثالثة كذلك. وعليهم صيام شهر أوله الثمان ليال يمضين من آذار، وسبعة أيام أولها التسع يبقين من كانون الأول، وسبعة أيام أولها الثمان ليال يمضين من شباط ويختمون صيامهم بالصدقة والذبائح. وحرموا لحم الجزور في خرافات يضيع الزمان بذكرها. وزعموا أن الأرواح الخيرة تصعد إلى الكواكب الثابتة وإلى الضياء، وأن الشريرة تنزل الى أسفل الارضين وإلى الظلمة. وبعضهم يقول: هذا العالم لا يفنى وان الثواب والعقاب في التناسخ. ومثل هذه المذاهب لا يحتاج إلى تكلف في ردها اذ هي دعاوى بلا دليل. وقد حسن إبليس لأقوام من الصابئين أنهم رأوا الكمال في تحصيل مناسبة بينهم وبين الروحانيات العلوية باستعمال الطهارات وقوانين ودعوات، واشتغلوا بالتنجيم والتسخير وقالوا: لا بد من متوسط بين الله وبين خلقه في تعريف المعارف والإرشاد للمصالح، إلا أن ذلك المتوسط ينبغي أن يكون روحانيا لا جسمانيا، قالوا: فنحن نحصل لأنفسنا مناسبة قدسية بيننا وبينه فيكون ذلك وسيلة لنا إليه، وهؤلاء لا ينكرون بعث الاجساد.
ذكر تلبس إبليس على المجوس
قال يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي: كان أول ملوك المجوس كومرث فجاءهم بدينهم ثم تتابع مدعو النبوة فيهم حتى اشتهر بها زرادشت، وكانوا يقولون أن الله تعالى عن ذلك شخص روحاني ظهر فظهرت معه الأشياء روحانية تامة، فقال: لا يتهيأ لغيري أن يبتدع مثل هذه التي ابتدعتها فتولد من
стр. 83
فكرته هذه ظلمة إذ كان فيها جحود لقدرة غيره فقامت الظلمة تغالبه. وكان مما سنه زاردشت عبادة النار والصلاة إلى الشمس، يتأولون فيها أنها ملكة العالم وهي التي تأتي بالنهار وتذهب بالليل وتحيي النبات والحيوانات وترد الحرارات إلى أجسادها. وكانوا لا يدفنون موتاهم في الارض تعظيما لها، ويقولون انها نشوء الحيوانات فلا نقذرها. وكانوا لا يغتسلون بالماء تعظيما له، وقالوا: لأن به حياة كل شيء إلا أن يستعملوا قبله بول البقر ونحوه. ولا يبزقون فيه، ولا يرون قتل الحيوانات ولا ذبحها. وكانوا يغسلون وجوههم ببول البقر تبركا به وإذا كان عتيقا كان أكثر بركة. ويستحلون فروج الأمهات، قالوا: الابن أحرى بتسكين شهوة أمه. وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة، فإن لم يكن له ابن اكترى رجل من مال الميت. ويجيزون للرجل أن يتزوج بمائة وألف وإذا أرادت الحائض أن تغتسل دفعت دينارا إلى الموبذ (١) ويحملها إلى بيت النار ويقيمها على أربع وينظفها بسبابته. وأظهر هذا الأمر مزدك في أيام قباذ، وأباح النساء لكل من شاء، ونكح نساء قباذ لتقتدي به العامة فيفعلون في النساء مثله، فلما بلغ الى أم انوشروان قال لقباذ: أخرجها إلي فإنك إن منعتني شهوتي لم يتم إيمانك، فهم بإخراجها فجعل انوشروان يبكي بين يدي مزدك ويقبل رجله بين يدي أبيه قباذ ويسأله أن يهب له أمه، فقال قباذ لمزدك: ألست تزعم أن المؤمن لا ينبغي أن يرد عن شهوته؟ قال بلى، قال: فلم ترد انوشروان عن شهوته؟ قال: قد وهبتها له. ثم اطلق للناس في أكل الميتة، فلما ولى انوشروان أفنى المزدكية هو. ومن أقوال المجوس: أن الارض لا نهاية لها من أسلفها، وأن السماء جلد من جلود الشياطين، والرعد إنما هو حركة خرخرة العفاريت المحبوسة في الأفلاك المأسورة في حرب، والجبال من عظامهم والبحر من أبوالهم ودمائهم
ونبغ للمجوس رجل في زمان انتقال دولة بني أمية إلى بني العباس، واستغوى خلقا وجرت له قصص يطول الأمر بذكرها، فهو آخر من ظهر للمجوس. وذكر بعض العلماء أنه كان للمجوس كتب يدرسونها وأنهم أحدثوا دينا فرفعت كتبهم
ومن أظرف تلبيس إبليس عليهم، أنهم رأوا في الأفعال خيرا وشرا فسول لهم أن فاعل الخير لا يفعل الشر، فأثبتوا إلهين وقالوا: أحدهما نور حكيم لا
стр. 84
يفعل إلا الخير، والآخر شيطان هو ظلمة لا يفعل إلا الشر على نحو ما ذكرنا عن الثنوية.
قال المصنف: وقد سبق ذكر شبههم وجوابها. وقال بعضهم: الباري قديم فلا يكون منه إلا الخير، والشيطان محدث فلا يكون منه إلا الشر. فيقال لهم: إذا أقررتم أن النور خلق الشيطان فقد خلق رأس الشر. وزعم بعضهم أن الخالق هو النور ففكر فكرة رديئة فقال: أخاف أن يحدث في ملكي من يضادني، وكانت فكرته رديئة فحدث منها إبليس، فرضي إبليس أن ينسب إلى الرداءة بعد إثبات أنه شريك.
وحكى النوبختي أن بعضهم قال: أن الخالق شك في شيء فكان الشيطان من ذلك الشك. قال: وزعم بعضهم أن الإله والشيطان جسمان قديمان كان بينهما فضاء وكانت الدنيا سليمة من الآفة والشيطان بمعزل عنها، فاحتال إبليس حتى خرق السماء بجنوده فهرب الرب عزوجل من فعلتهم وتقدس عن قولهم، فاتبعه إبليس حتى حاصره وحاربه ثلاثة الاف سنة لا هو خيصل إليه ولا الرب يدفعه، ثم صالحه على أن يكون إبليس وجنوده في الدنيا سبعة آلاف سنة، ورأى الرب أن الصلاح في احتمال مكروه إبليس إلى أن ينقضي الشرط، فانناس في بلايا إلى انقضائه ثم يعودون إلى النعيم، وشرط إبليس عليه أن يمكنه من أشياء رديئة فوضعها في هذا العالم، وأنهما لما فرغا من شرطهما أشهدا عدلين ودفعا سيفيهما إلى العدلين، وقالا: من نكث فاقتلاه. في هذيانات كثيرة يضيع الوقت لذكرها فتنكبناها لذلك، ونذكر ما انتهى تلبس إبليس إليه ما آثرنا ذكر شيء من هذا التخطيط.
والعجب أنهم يجعلون الخالق خيرا ثم يجعلون أنه حدثت منه فكرة رديئة، فعلى قولهم يجوز أن تحدث من فكرة إبليس ملك ثم يقال لهم: أيجوز أن يفي الشيطان بما ضمن؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فلا يليق بالحكمة استبقاؤه، وإن قالوا: نعم، فقد أقروا بوجود الوفاء المحمود من الشرير. وكيف أطاع الشيطا العدلين وقد عصى ربه، وكيف يجوز الافتيات على الإله؟ وهذه الخرافات لولا التفرج فيما صنعه إبليس بالعقول ما كان لذكرها فائدة ولا معنى.
ذكر تلبيس إبليس على المنجمين وأصحاب الفلك
قال أبو محمد النوبختي: ذهب قوم إلى أن الفلك قديم لا صانع له. وحكى جالينوس عن قوم أنهم قالوا: زحل وحده قديم. وزعم قوم أن الفلك.
стр. 85
طبيعة خالصة ليست فيها حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة وليس بخفيف ولا ثقيل. وكان بعضهم يرى أن الفلك جوهر ناري وأنه أختطف من الأرض بقوة دورانه. وقال بعضهم: الكواكب من جسم تشابه الحجارة. وقال بعضهم: هي من غيم تطفأ كل يوم وتستنير بالليل مثل الفحم فيشتعل وينطفئ. وقال بعضهم: جسم القمر مركب من نار وهواء. وقال آخرون: الفلك من الماء واريح والنار وأنه بمنزلة الكرة، وأنه يتحرك بحركتين من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق. قالوا: وزحل يدور الفلك في نحو من ثلاثين سنة، والمشتري في نحو من اثنتي عشرة سنة، والمريخ في نحو من سنتين، والشمس والزهرة وعطارد في سنة والقمر في ثلاثين يوما. وقال بعضهم: أفلاك الكواكب سبعة فالذي يلينا فلك القمر ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ ثم فلك المشتري ثم فلك زحل ثم فلك الكواكب الثابتة. واختلفوا في مقادير أجرام الكواكب، فقال أكثر الفلاسفة: أعظمها جرما الشمس وهو نحو من مائة وست وستين مرة مثل الأرض. والكواكب الثابتة مقدار كل واحد منها نحو من أربع وتسعين مرة مثل الأرض. والمشتري نحو من اثنتين وثمانين مرة مثل الأرض والمريخ نحو من مرة ونصف مثل الأرض. قالوا: ومن كل موضع من أعلى الفلك إلى أن يعود اليه مائة ألف فرسخ وأف فرسخ وأربعة وستون فرسخا وقال بعضهم: الفلك حي والسماء حيوان وفي كل كوكب نفس قال قدماء الفلاسفة: النجوم تفعل الخير والشر، وتعطي وتمنع على حسب طبائعها من السعود والنحوس، وتؤثر في النفوس، وأنها حية فعالة
ذكر تلبس إبليس على جاحدي البعث
قال المصنف: قد لبس على خلق كثير فجحدوا البعث واستهولوا الاعادة بعد البلاء. وأقام أهم شبهتين إحداهما أنه أراهم ضعف المادة، والثانية اختلاط الأجزاء المتفرقة في أعماق الأرض. قالوا: وقد يأكل الحيوان الحيوان فكيف يتهيأ إعادته، وقد حكى القرآن شبهتهم، فقال تعالى في الأولى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون﴾ (المؤمنون: ٣٥/ ٣٦).
وقال في الثانية: «أئذا ضللنا في الارض أننا لفي خلق جديد» (السجدة: ١٠) ٠ وهذا كان مذهب أكثر الجاهلية. قال قائلهم: يخبرنا الرسول بأن سنحيى … وكيف حياة أصداء (١) وهام
стр. 86
وقال آخر: هو أبو العلاء المعري:
حياة ثم موت ثم بعث … حديث خرافة يا أم عمرو
والجواب عن شبهتهم الأولى أن ضعف المادة في الثاني وهو التراب يدفعه كون البداية من نطفة ومضغة وعلقة. ثم أصل الآدميين وهو آدم من تراب على أن الله لم يخلق شيئا مستحسنا إلا من مادة سخيفة. فإنه أخرج هذا الآدمي من نطفة، والطاووس من البيضة المدرة (١)، والطرفة الخضراء من الحبة العفنة. فالنظر ينبغي أن يكون إلى قوة الفاعل وقدرته لا إلى ضعف المواد. وبالنظر إلى قدرته يحصل جواب الشبهة الثانية. ثم قد أرانا كالأنموذج في جمع التمزق، فان سحالة (٢) الذهب المتفرقة في التراب الكثير إذا ألقى عليها قليل من زئبق أجتمع الذهب مع تبدده، فكيف بالقدرة الإلهية التي من تأثيرها خلق كل شيء لا من شيء؟ على أنا لو قدرنا أن نحيل هذا التراب ما استحالت إليه الأبدان لم يصر بنفسه، لأن الآدمي بنفسه لا ببدنه، فإنه ينحل ويسمن ويهزل ويتغير من صغر إلى كبر وهو هو. ومن أعجب الأدلة على البعث أن الله قد أظهر على يدي أنبيائه ما هو أعظم من البعث، وهو قلب العصا حية حيوانا، وأخرج ناقة من صخرة، وأظهر حقيقة البعث على يدي عيسى صلوات الله وسلامه عليه.
قال المصنف: وقد زدنا هذا شرحا في الرد على الفلاسفة.
فصل
وقد لبس إبليس على أقوام شاهدوا قدرة الخالق ثم اعترضت لهم الشبهتان اللتان ذكرناهما فترددوا في البعث فقال قائلهم: ﴿ولئن رددت إلى ربي لاجدن خيرا منها منقلبا﴾ (الكهف: ٣٦). وقال العاص بن وائل: ﴿لأوتين مالا وولدا﴾ (مريم: ٧٧). وانما قالوا هذا الموضع شكهم وقد لبس إبليس عليهم في ذلك. فقالوا: إن كان بعث فنحن على خير، لأن من أنعم علينا في الدنيا بالمال لا يمنعناه في الآخرة.
стр. 87
قال المصنف: وهذا غلط منهم لأنه لم لا يجوز أن يكون الإعطاء استدراجا أو عقوبة، والإنسان قد يحمي ولده ويطلق في الشهوات عبده.
ذكر تلبيسه على القائلين بالتناسخ
قال المصنف: وقد لبس إبليس على أقوام، فقالوا بالتناسخ وأن أرواح أهل الخير إذا خرجت دخلت في أبدان خيرة فاستراحت، وأرواح أهل الشر إذا خرجت تدخل في أبدان شريرة فيتحمل عليها المشاق. وهذا المذهب ظهر في زمان فرعون موسى. وذكر أبو القاسم البلخي: أن أرباب التناسخ لما رأوا ألم الأطفال والسباع والبهائم استحال عندهم أن يكون ألمها ليمتحن به غيرها أو ليتعوض (١) أو لا لمعنى أكثر من أنها مملوكة، فصح عندهم أن أن ذلك لذنوب سلفت منها قبل تلك الحال.
وذكر يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي أن الهند يقولون الطبائع أربع: هيولي مركبة ونفس وعقل وهيواى مرسلة. فالمركبة هي الرب الأصغر والنفس هي الهيولي الأصغر، والعقل الرب الأكبر والهيولي هو أيضا أكبر، وأن الأنفس إذا فارقت الدنيا صارت إلى الرب الأصغر وهو الهيولي المركبة، فإن كانت محسنة صافية قبلها في طبعه فصفاها حتى يخرجها إلى الهيولي الأصغر وهو النفس حتى تصير إلى الرب الأكبر فيتخلصه إلى الهيولي المركب الأكبر. فإن كان محسنا تام الإحسان أقام عنده في العالم البسيط، وان كان محسنا غير تام أعاده إلى الرب الأكبر ثم يعيده الرب الأكبر إلى الهيولي الأصغر ثم يعيده الهيولي الأصغر الى الرب الاصغر، فيخرجه ممازجا لشعاع الشمس حتى ينتهي إلى بقلة خسيسة يأكلها الإنسان فيتحول إنسانا ويولد ثانية في العالم، وهكذا تكون حاله في كل موتة يموتها. وأما المسيئون فإنهم إذا بلغت نفوسهم إلى الهيولي الأصغر انعكست فصارت حشائش تأكلها البهائم، فتصير الروح في بهيمة ثم تنسخ من بهيمة في أخرى عند موت تلك البهيمة، فلا يزال منسوخا مترددا في العلل ويعود كل ألف سنة إلى صورة الأنس، فإن أحسن في صورة الأنس لحق بالمحسنين.
قال المصنف: قلت: فأنظر إلى هذه التلبيسات التي رتبها لهم إبليس على ما عن له لا يستند الى شيء.
أنبأنا محمد بن أبي طاهر البزار، قال: أنبأنا علي بن المحسن، عن أبيه، قال: حدثني أبو الحسن علي بن نظيف المتكلم، قال: كان يحضر.
стр. 88
معنا ببغداد شيخ الإمامية يعرف بأبي بكر بن الفلاس، فحدثنا أنه دخل على بعض من كان يعرفه بالتشيع.
ثم صار يقول بمذهب التناسخ، قال: فوجدته بين يديه سنور أسود وهو يمسحها ويحك بين عينيها، ورأيتها وعينها تدمع كما جرت عادة السنانير بذلك وهو يبكي بكاء شديدا. فقلت له: لم تبكي؟ فقال: ويحك أما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها، هذه أمي لا شك وإنما تبكي من رؤيتها إلي حسرة. قال: وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنها تفهم عنه وجعلت السنور تصيح قليلا قليلا، فقلت له: فهي تفهم عنك ما تخاطبها به، فقال: نعم، فقلت: أتفهم أنت صياحها قال: لا، قلت: فأنت المنسوخ وهي الانسان.
ذكر تلبس إبليس على أمتنا في العقائد والديانات
قال المصنف: دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين: أحدهما التقليد للآباء والأسلاف. والثاني الخوض فيما لا يدرك غوره ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط. فأما الطريق الأول فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم وقد ضل في هذه الطريق خلق كثير، وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم فضلوا وكذلك أهل الجاهلية. واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال. وقد ذم الله الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم فقال : ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وانا على اثارهم مقتدون. قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ (الزخرف: ٢٣ - ٢٤) المعنى أتتبعونهم، وقد قال : ﴿إنهم ألفوا آباءهم ضالين … فهم على آثارهم يهرعون﴾ (الصافات: ٦٩ - ٧٠).
قال المصنف: أعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه. وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر. وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة. واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال، وهذا عين الضلال. لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل، كما قال علي ﵁ للحارث بن حوط وقد قال له: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا
стр. 89
يعرف بالرجال أعرف الحق تعرف أهله. وكان أحمد بن حنبل يقول: من ضيق علم الرجل أن يقلد في اعتقاده رجلا. ولهذا أخذ أحمد بن حنبل بقول زيد في الجد وترك قول أبي بكر الصديق ﵁.
فإن قال قائل: فالعوام لا يعرفون الدليل فكيف لا يقلدون؟ فالجواب إن دليل الاعتقاد ظاهر على ما أشرنا إليه في ذكر الدهرية ومثل ذلك لا يخفى على عاقل، وأما الفروع فإنها لما كثرت حوادثها واعتاص على العامي عرفانها وقرب لها أمر الخطأ فيها كان أصلح ما يفعله العامي التقليد فيها لمن قد سبر ونظر إلا أن اجتهاد العامي في اختيار من يقلده.
قال المصنف: وأما الطريق الثاني فإن إبليس لما تمكن من الأغبياء فورطهم في التقليد وساقهم سوق البهائم. ثم رأى خلقا فيهم نوع ذكاء وفطنة فاستغواهم على قدر تمكنه منهم، فمنهم من قبح عنده الجمود على التقليد وأمره بالنظر ثم استغوى كلا من هؤلاء بفن، فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز، فساقهم إلى مذهب الفلاسفة، ولم يزل بهؤلاء حتى أخرجهم عن الإسلام وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة ومن هؤلاء من حسن له أن لا يعتقد إلا ما أدركته حواسه. فيقال لهؤلاء: بالحواس علمتم صحة قولكم؟ فإن قالوا: نعم، كابروا لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه خلاف. وإن قالوا بغير الحواس، ناقضوا قولهم. ومنهم من نفره ابليس عن التقليد وحسن نه الخوض في علم الكلام والنظر في أوضاع الفلاسفة ليخرج بزعمه عن غمار العوام. وقد تنوعت أحوال المتكلمين وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك وببعضهم إلى الإلحاد ولم تسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزا، ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غللا ثم يرد الصحيح عليلا فأمسكوا عنه ونهوا عن الخوض فيه، حتى قال الشافعي ﵀: لان يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام. قال: وإذا سمعت الرجل يقول الاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له. قال: وحكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب كلام أبدا، علماء الكلام زنادقة.
قال المصنف: قلت: وكيف لا يذم الكلام وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنهم قالوا إن الله يعلم جمل الأشياء ولا يعلم تفاصيلها. وقال جهم بن
стр. 90
صفوان: علم الله وقدرته وحياته محدثة. وقال أبو محمد النوبختي عن جهم أنه قال: إن الله ليس بشيء. وقال أبو علي الجبائي وأبو هاشم ومن تابعهما من البصريين: المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر وبياض وصفرة وحمرة، وإن الباري لا يقدر على جعل الذات ذاتا ولا العرض عرضا ولا الجوهر جوهرا، وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى الوجود. وحكى القاضي أبو يعلى في كتاب «المقتبس» قال: قال لي العلاف المعتزلي: لنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار أمر لا يوصف الله بالقدرة على دفعه ولا تصح الرغبة حينئذ إليه ولا الرهبة منه، لأنه لا يقدر إذ ذاك على خير ولا شر ولا نفع ولا ضر. قال: ويبقى أهل الجنة جمودا سكوتا لا يفضون بكلمة ولا يتحركون ولا يقدرون هم ولا ربهم على فعل شيء من ذلك. لأن الحوادث كلها لا بد لها من آخر تنتهي إليه لا يكون بعده شيء. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قال المصنف: قلت: وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي في كتاب «المقالات» إن أبا الهذيل اسمه محمد بن الهذيل العلاف، وهو من أهل البصرة من عبد القيس مولى لهم، وانفرد بأن قال: أهل الجنة تنقضي حركاتهم فيصبرون إلى سكون دائم وإن لما يقدر الله عليه نهاية لو خرج إلى الفعل ولن يخرج استحال أن يوصف الله بالقدرة على غيره وكان يقول: إن علم الله هو الله وإن قدرة الله هي الله. وقال أبو هاشم: من تاب عن كل شيء إلا أنه شرب جرعة من خمر فانه يعذب كعذاب أهل الكفر أبدا. وقال النظام: إن الله لا يقدر على شيء من الشر وإن إبليس يقدر على الخير والشر. وقال هشام القوطي: أن الله لا يوصف بأنه عالم لم يزل. وقال بعض المعتزلة: يجوز على الله الكذب إلا أنه لم يقع منه. وقالت المجبرة: لا قدرة للآدمي بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل. وقالت المرجئة: إن من أقر بالشهادتين وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلا، وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحدين من النار. قال ابن عقيل ما أشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقا، فإن صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فالمرجئة لما لم يمكنهم جحد الصانع لما فيه من نفور الناس ومخالفة العقل أسقطوا فائدة الإثبات، وهي الخشية والمراقبة، وهدموا سياسة الشرع فهم شر طائفة على الإسلام.
قال المصنف: قلت: وتبع أبو عبد الله محمد بن كرام فاختار من المذاهب أردأها ومن الأحاديث أضعفها ومال إلى التشبيه، وأجاز حلول
стр. 91
الحوادث في ذات الباري . وقال: إن الله لا يقدر على إعادة الأجسام والجواهر انما يقدر على ابتدائها. وقالت السالمية: إن الله يتجلى يوم القيامة لكل شيء في معناه فيراه الادمي ادميا والجني جنيا. وقالوا: لله سر لو أظهره لبطل التدبير.
قال المصنف: قلت: أعوذ بالله من نظر وعلوم أوجبت هذه المذاهب القبيحة. وقد زعم أرباب الكلام أنه لا يتم الايمان الا بمعرفة ما رتبوه، وهؤلاء على الخطأ لأن الرسول ﷺ أمر بالإيمان ولم يأمر ببحث المتكلمين، ودرجة الصحابة الذين شهد لهم الشارع بأنهم خير الناس على ذلك. وقد ورد ذم الكلام على ما قد أشرنا إليه. وقد نقل إلينا أقلاع منطقي المتكلمين عما كانوا عليه لما رأوا من قبح غوائله.
فأخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو منصور محمد ابن عيسى بن عبد العزيز البزار، ثنا صالح الوفاة بن أحمد بن محمد الحافظ، ثنا أحمد بن عبيد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن سليمان بن الاشعث، قال: سمعت أحمد بن سنان قال: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم. وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جلت (١) أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الاخلاص، فالويل لابن الجويني. وكمان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت. قال وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين. وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكمة التي انفرد
стр. 92
بها، ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور. قال: ولقد بالغت في الأول طول عمري ثم عدت القهقري إلى مذهب الكتب وإنما قالوا: إن مذهب العجائز أسلم لأنهم لما انتهوا إلى غاية التدقيق في النظر لم يشهدوا ما ينفي العقل من التعليلات والتأويلات فوقفوا مع مراسم الشرع وجنحوا عن القول بالتعليل، وأذعن العقل بأن فوقه حكمة إلهية فسلم. وبيان هذا أن نقول: أحب أن يعرف، أراد أن يذكر فيقول قائل: هل شغف باتصال النفع؟ هل دعاه داع إلى إفاضة الإحسان؟ ومعلوم أن للداعي عوارض على الذات وتطلبات من النفس وما تعقل ذلك إلا الذات يدخل عليها داخل من شوق إلى تحصيل ما لم يكن لها، وهي إليه محتاجة فإذا وجد ذلك العرض سكن الشغف وفتر الداعي، وذلك الحاصل يسمى غني والقديم لم يزل موصوفا بالغني منعوتا بالاستقلال بذاته الغنية عن استزادة أو عارض. ثم إذا نظرنا في إنعامه رأيناه مشحونا بالنقص والآلام وأذى الحيوانات، فاذا رام العقل أن يعدل بالإنعام جاء تحقيق النظر فرأى أن الفاعل قادر على الصفاء و الاصفاء، ورآه منزها بأدلة العقل عن البخل الموجب لمنع ما يقدر على تحصيله، وعن العجز عن دفع ما يعرض لهذه الموجودات من الفساد، فإذا عجز عن التعليل كان التسليم أولى. وإنما دخل الفساد من أن الخلق اقتضاؤه الفوائد ودفع المضار على مقتضى قدرته، ولو مزجوا في ذلك العلم بأنه الحكيم لاقتضت نفوسهم له التسليم بحسب حكمته فعاشوا في بحبوحة التفويض بلا اعتراض.
فصل
وقد وقف أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحس، فقال بعضهم: إن الله جسم. تعالى الله عن ذلك. وهذا مذهب هشام بن الحكم وعلي بن منصور ومحمد ابن الخليل ويونس بن عبد الرحمن. ثم اختلفوا فقال بعضهم: جسم كالأجسام. ومنهم من قال: لا كالأجسام. ثم اختلفوا فمنهم من قال: هو نور، ومنهم من قال: هو على هيئة السبيكة البيضاء. هكذا كان يقول هشام بن الحكم. وكان يقول إن الإله سبعة أشبار بشبر نفسه ﴿تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا﴾، وأنه يرى ما تحت الثرى بشعاع متصل منه بالمرئي.
قلت ما أعجب إلا من حدة سبعة أشبار حتى علمت أنه جعله كالأدميين والآدمي طوله سبعة أشبار بشبر نفسه. وذكر أبو محمد النوبختي عن الجاحظ عن النظام أن هشام بن عبد الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة.
стр. 93
خمسة أقاويل قطع في آخرها أن معبودة أشبر نفسه سبعة أشبار. فان قوما قالوا أنه على هيئة السبيكة وأن قوما قالوا هو على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة التي من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة. وقال هشام: هو متناهي الذات حتى قال: إن الجبل أكبر منه، قال: وله ماهية يعلمها هو.
قال المصنف: وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضا وذلك ينقض القول بالتوحيد. وقد استقر أن الماهية لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر فيحتاج أن يفرد منها ويبان (١) عنها، والحق سبحانه ليس بذي جنس ولا مثل له. ولا يجوز أن يوصف بان ذاته ارادية ومتناهية لا على معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية. إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر فتلزمه النهاية. قال النوبختي: وقد حكى كثير من المتكلمين أن مقاتل بن سليمان ونعيم بن حماد وداود الحواري يقولون: ان الله صورة وأعضاء.
قال المصنف: أترى هؤلاء كيف يثبتون له القدم دون الآدميين ولم لا يجوز عليه عندهم ما يجوز على الآدميين من مرض أو تلف؟ ثم يقال لكل من ادعى التجسيم بأي دليل أثبت حدث الأجسام، فيدلك بذلك على أن الاله هو الذي اعتقدته جسما محدثا غير قديم. ومن قول المجسمة أن الله يجوز أن يمس ويلمس. فيقال له: فيجوز على قولكم أن يمس ويلمس ويعانق. وقال بعضهم: أنه جسم هو فضاء والأجسام كلها فيه. وكان بيان بن سمعان يزعم أن معبوده نور كله، وأنه على صورة رجل، وأنه يهلك جميع أعضائه إلا وجهه، فقتله خالد بن عبد الله. وكان المغيرة بن سعد العجلي يزعم أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور وله أعضاء وقلب تنبع منه الحكمة وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء. وكان هذا يقول بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن. وكان زرارة بن أعين يقول: لم يكن الباري قادرا حيا عالما في الأزل حتى خلق لنفسه هذه الصفات. تعالى الله عن ذلك. وقال داود الحوارى: هو جسم لحم ودم وله جوارح وأعضاء وهو أجوف من فمه إلى صدره ومضمت ما سوى ذلك.
ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا: هو على العرش بذاته على وجه المماسة فإذا نزل انتقل وتحرك، وجعلوا لذاته نهاية وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار، واستدلوا على أنه على العرش بذاته بقول النبي صلى الله
стр. 94
عليه وسلم ينزل الله إلى سماء الدنيا (١) قالوا: ولا ينزل إلا من هو فوق. وهؤلاء حملوا نزوله على الأمر الحسي الذي يوصف به الأجسام. وهؤلاء المشبهة الذين حملوا الصفات على مقتضى الحس. وقد ذكرنا جمهور كلامهم في كتابنا المسمى ب «منهاج الوصول إلى علم الأصول. وربما تخيل بعض المشبهة في رؤية الحق يوم القيامة لما يراه في الأشخاص فيمثله شخصا يزيد حسنه على كل حسن، فتراه يتنفس من الشوق اليه، ويمثل الزيادة فيزداد توقه، ويتصور رفع الحجاب فيقلق، ويتذكر الرؤية فيغشى عليه. ويسمع في الحديث أنه يدني عبده المؤمن اليه فيتخايل القرب الذاتي كما يجالس الجنس، وهذا كله جهل بالموصف.
ومن الناس من يقول: لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته لقوله : ﴿ويبقى وجه ربك﴾ (الرحمن: ٢٧) / وله يد وله أصبع لقول رسول الله ﷺ : «يضع السموات على أصبع» وله قدم إلى غير ذلك مما تضمنته الأخبار، وهذا كله إنما استخرجوه من مفهوم الحس. وإنما الصواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير ولا كلام فيها وما يؤمن (٢) هؤلاء أن يكون المراد بالوجه الذات لا أنه صفة زائدة، وعلى هذا فسر الآية المحققون، فقالوا: ويبقى ربك وقالوا في قوله: «يريدون وجهه: يريدونه. وما يؤمنهم أن يكون أراد بقوله: «قلوب العباد بين إصبعين (٣)» ان الاصبع لما كانت هي المقلبة للشيء وأن ما بين الإصبعين يتصرف فيه صاحبها كيف شاء ذكر ذلك لا أن ثم صفة زائدة.
قال المصنف: والذي أراه السكوت عن هذا التفسير أيضا إلا أنه يجوز أن يكون مرادا، ولا يجوز أن يكون ثم ذات تقبل التجزء والانقسام. ومن أعجب أحوال الظاهرية قول السالمية: أن الميت يأكل في القبر ويشرب وينكح، لأنهم سمعوا بنعيم ولم يعرفوا من النعيم الا هذا، ولو قنعوا بما ورد.
стр. 95
في الآثار من ان ارواح المؤمنين تجعل في حواصل طير تأكل من شجر (١) الجنة لسلموا، لكنهم أضافوا ذلك إلى الجسد.
قال ابن عقيل: ولهذا المذهب مرض يضاهي الاستشعار الواقع للجاهلية وما كانوا يقولونه في الهام (٢) والصدى (٣) والمالكة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة لاستشعارهم لا على وجه المناظرة فإن المقاومة تفسدهم. وإنما لبس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن التأويل المطابق لأدلة الشرع والعقل فإنه لما ورد النعيم والعذاب للميت علم أن الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفا كأنأه يقول صاحب هذا القبر الروح التي كانت في هذا الجسد منعمة بنعيم الجنة معذبة بعذاب النار.
فصل
قال المصنف: فان قال قائل: قد عبت طريق المقلدين في الأصول وطريق المتكلمين فما الطريق السليم من تلبيس إبليس؟ فالجواب أنه ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال علي كرم الله وجهه: والله ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن وانه المسموع نقوله : ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ (التوبة: ٦) وأنه في المصاحف لقوله : «في رق منشور» (الطور: ٣) ولا نتعدى مضمون الآيات ولا نتكلم في ذلك برأينا وقد كان أحمد بن حنبل ينهي أن يقول الرجل: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لئلا يخرج عن الاتباع للسلف إلى حدث.
والعجب ممن يدعي اتباع هذا الإمام ثم يتكلم في المسائل المحدثة.
стр. 96
أخبرنا سعد الله بن علي البزار، نا أبو بكر الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطبري، نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه، نا عمر بن أحمد الواعظ، ثنا محمد بن هارون الحضرمي، ثنا القاسم بن العباس الشيباني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. وقال مالك بن أنس: من قال القرآن مخلوق فيستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
أخبرنا أبو البركات بن علي البزار، نا أحمد بن علي الريثيثي، نا هبة الله الطبري، ثنا محمد بن أحمد بن القاسم، ثنا أحمد بن عثمان، ثنا محمد بن ماهان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل: وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي في الكتاب والإعرابي (١) وإله عما سواهما. قال ابن مهدي: وثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، قال: قال: عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد ابن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا خلاد بن يحيى، عن سفيان الثوري، قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله أوصيك بتقوى الله ، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعده بما قد كفوا مؤنته. واعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق فإن السابقين الماضين عن علم توقفوا وتبصر ناقد كفوا. وفي رواية أخرى عن عمر: وأنهم كانوا على كشف الأمور أقوى وما أحدث إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، لقد قصر دونهم أقوام فخفوه (٢) وطمح عنهم آخرون فعلوه (٣).
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الصمد بن حسان، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: عليكم بما عليه الحمالون والنساء في البيوت والصبيان في الكتاب من الإقراء والعمل.
стр. 97
قال المصنف: فإن قال قائل هذا مقام عجز لا مقام الرجال فقد أسلفنا جواب هذا. وقلنا: إن الوقوف على العمل ضرورة لأن بلوغ ما يشفي العقل من التعليل لم يدركه من غاص من المتكلمين في البحار، فلذلك أمروا بالوقوف على الساحل كما ذكرنا عنهم.
ذكر تلبس إبليس على الخوارج
قال المصنف: أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة. أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا محمد بن فضيل، ثنا عمارة بن القعقاع، عن ابن يعمر، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ من اليمن إلى رسول الله ﷺ بذهبه في أديم مقروظ (١) لم تخلص من ترابها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة بين: زيد الخيل والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل شك عمارة، فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم، فقال رسول الله ﷺ : «الا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» ثم أتاه رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتى الجبهة كث اللحية مشمر الإزار محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا رسول الله، فرفع رأسه إليه فقال: ويحك أليس أحق الناس أن يتقي الله أنا ثم أدبر، فقال خالد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : «فلعله يكون يصلي» فقال: إنه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» ثم نظر إليه النبي ﷺ وهو مقف فقال: «أما انه سيخرج من ضئضيء (٢) هذا قوم يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (٣)».
قال المصنف: هذا الرجل يقال له: ذو الخويصرة التميمي وفي لفظ أنه قال له: اعدل فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل (٤)؟» فهذا أول خارجي
стр. 98
خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ . وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي ﵄ رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها، وقال: تبعثون منكم رجلا ونبعث منا رجلا. ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله . فقال الناس: قد رضينا فبعثوا عمرو بن العاص فقال أصحاب علي: ابعث أبا موسى فقال علي: لا أرى أن أولي أبا موسى، هذا ابن عباس. قالوا: لا نريد رجلا منك، فبعث أبا موسى وأخر القضاء الى رمضان، فقال عروة ابن أذينة: تحكمون في أمر الله الرجال لا حكم الا لله. ورجع علي من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج، فأتوا حروراء (١) فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا، وقالوا: لا حكم إلا لله. وكان ذلك أول ظهورهم، ونادى مناديهم أن أمير القتال شبيب بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري. وكانت الخوارج تتعبد إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذا مرض صعب.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا محمد بن هبة الله الطبري، نا محمد بن الحسين بن الفضل، نا عبد الله بن جعفر بن درستويه، نا يعقوب بن سفيان، ثني موسى بن مسعود، ثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن رميل، قال: قال عبد الله بن عباس: إنه لما اعتزلت الخوارج دخلوا دارا وهم ستة الاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب فكان لا يزال يجيء إنسان، فيقول: يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك فيقول: دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر، فقلت له: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم. فقال: إني أخاف عليك فقلت: كلا. وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا. فأذن لي فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا جباههم قرحة (٢) من السجود وأياديهم كأنها ثفن (٣) الإبل. وعليهم قمص مرحضة (٤) مشمرين مسهمة (٥) وجوههم من السهر، فسلمت عليهم، فقالوا:
стр. 99
مرحبا يا ابن عباس ما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ (الزخرف: ٥٨) فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه. فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله، قالوا ثلاثا: قلت هاتوا: قالوا: أما أحداهن فانه حكم الرجال في أمر الله وقد قال الله : ﴿إن الحكم الا لله﴾ (الانعام: ٥٧) فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله ؟ فقلت: هذه واحدة وماذا؟ قالوا: وأما الثانية فانه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لناسبيهم؟ قلت: وما الثالثة؟ قالوا: فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فانه لأمير الكافرين قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا قلت لهم: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا. فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن ارنب وتلا هذه الآية: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الى آخر الآية (المائدة: ٩٥) وفي المرأة وزوجها ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ الى آخر الآية (النساء: ٣٥) فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة فأيهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قلت: خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها؟ فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام. ووالله لئن قلتم لنسبينها و نستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الاسلام. فأنتم بين ضلالتين لأن الله قال: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (الاخراب: ٦) أخرجت من هذه؟ قالوا نعم قلت: وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون أن النبي ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو. فقال لعلي ﵁: اكتب لهم كتابا فكتب لهم علي هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي، اكتب
стр. 100
هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله. فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه (١). قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا (٢).
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا ولاد بن علي الكوفي، نا محمد بن علي بن دحيم الشيباني، ثنا أحمد بن حازم، ثنا أحمد بن عبد الرحمن يعني ابن أبي ليلى، ثنا سعيد بن خيثم، عن القعقاع بن عمارة، عن أبي الخليل، عن أبي الشائعة عن جندب الأزدي، قال: لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن.
قال المصنف: وفي رواية أخرى أن عليا ﵁ لما حكم أتاه من الخوارج زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فدخلا عليه، فقالا له: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. فقال له حرقوص: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتنا وأخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا، ولئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لاقاتلنك طلب بذلك وجه الله. واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عنده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق فأخرجوا بنا. فكيف اليهم على ابن أبي طالب كرم الله وجهه: أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضيا حكمين فقد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما ونحن على الأمر الأول. فكتبوا اليه إنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك (٣) على سواء والسلام.
ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا تحدثه عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال: نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم … والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي.
стр. 101
فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول (١)». قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله؟ قال: نعم فقدموه إلى شفير النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك (٢) نعل. وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقير بنهروان فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه. فقال أحدهم: أخذتها بغير حدها (٣) وبغير ثمنها فلفظها من فيه واخترط أحدهم سيفه فأخذ يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه. قال: فبعث إليهم علي ﵁ أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتلة فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول فقال علي ﵁ لأصحابه: دونكم القوم فما لبثوا أن قتلوهم، وكان وقت القتال يقول بعضهم لبعض: تهيأ للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة! وخرج على علي ﵁ بعدهم جماعة منهم فبعث إليهم من قاتلهم، ثم اجتمع عبد الرحمن بن ملجم بأصحابه وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم، وقالوا: والله ما قنعنا بالبقاء في الدنيا شيء بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو أنا شرينا (٤) أنفسنا لله والتمسنا غير هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم (٥) إخواننا وأرحنا منهم العباد.
أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزار، نا أبو محمد الجوهري، نا ابن حياة، نا أبو الحسن بن معروف، نا الحسين بن الفهم، نا محمد بن سعد عن أشياخ له فقالوا: انتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقلتن هؤلاء الثلاثة عليا ومعاوية وعمرو بن العاص ونريح العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو: أنا لكم بعمرو، فتواثقوا لا ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة
стр. 102
فلما كانت الليلة التي عزم على قتل علي ﵁ فيها خرج علي ﵁ لصلاة الصبح فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه. فقال علي ﵁: لا يفوتنكم الرجل فأخذ، فقالت أم كلثوم: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين. فقال: ما قتلت إلا أباك. قالت: والله إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأس. قال: فلم تبكين إذن؟ ثم قال: والله لقد سممته شهرا يعني سيفه، فإن أخلفني (١) فأبعده الله وأسحقه (٢). فلمامات علي ﵁ أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي، فلم يجزع وجعل يقرأ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق﴾ حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان. فعولج على قطع لسانه فجزع. فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله. وكان رجلا أسمر في جبهته أثر السجود، لعنة الله.
قال المصنف: قلت: ولما أراد الحسن ﵁ أن يصالح معاوية خرج عليه من الخوارج الجراح بن سنان، وقال: أشركت كما أشرك أبوك ثم طعنه في أصل فخذه. وما زالت الخوارج تخرج على الأمراء ولهم مذاهب مختلفة. وكان أصحاب نافع بن الأزرق يقولون: نحن مشركون ما دمنا في دار الشرك فإذا خرجنا فنحن مسلمون. قالوا: ومخالفونا في المذهب مشركون، ومرتكبو الكبائر مشركون، والقاعدون عن موافقتنا في القتال كفرة. وأباح هؤلاء قتل النساء والصبيان من المسلمين وحكموا عليهم بالشرك. وكان نجدة بن عامر الثقفي من القوم فخالف نافع بن الأزرق، وقال بتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وزعم أن أصحاب الذنوب من موافقيه يعذبون في غير نار جهنم، وأن جهنم لا يعذب بها إلا مخالفوه في مذهبه، وقال إبراهيم: الخوارج قوم كفار وتحل لنا مناكحتهم وموارثتهم كما كان الناس في بدء الإسلام. وكان بعضهم يقول: لو أن رجلا أكل من مال يتيم فلسين وجبت له النار، ولو قتله أو قطع يديه أو بقر بطنه لم تجب له النار، لأن الله أوعد على ذلك النار.
قال المصنف: ولهم قصص تطول ومذاهب عجيبة لهم لم أر التطويل بذكرها وإنما المقصود النظر في حيل إبليس وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الذين
стр. 103
عملوا بواقعاتهم (١) واعتقدوا أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الخطأ ومن معه من المهاجرين والأنصار على الخطأ وأنهم على الصواب واستحلوا دماء الأطفال ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها وتعبوا في العبادات وسهروا وجزع ابن ملجم عند قطع لسانه من فوات الذكر واستحل قتل علي كرم الله وجهه ثم شهروا السيوف على المسلمين ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنهم أعلم من علي ﵁ فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله ﷺ : اعدل فما عدلت وما كان إبليس ليهتدي إلى هذه المخازي نعوذ بالله من الخذلان.
أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل ثني أبي قال: قرأت على عبد الرحمن بن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد ابن إبراهيم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم فيكم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع اعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» (٢) أخرجاه في «الصحيحين»
أخبرنا سعد الله بن علي نا أبو بكر الطريثيثي ثنا هبة الله بن الحسن الطبري نا أحمد بن عبيد ثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا أحمد بن سنان ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن الأعمش عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخوارج كلاب أهل النار» (٣)
فصل
قال المصنف: ومن رأي الخوارج أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد فاذا اجتمعا كان اماما ولو كان نبطيا (٤) ومن رأى هؤلاء أحدث المعتزلة في التحسين والتقبيح إلى العقل وأن العدل ما يقتضيه ثم حدث القدرية في زمن الصحابة وصار معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم إلى القول بالقدر ونسج على منوال معبد الجهني واصل بن عطاء وانضم إليه عمرو بن عبيد وفي ذلك الزمان حدثت سنة المرجئة حين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ثم طالعت المعتزلة
стр. 104
مثل أبي الهذيل العلاف والنظام ومعمر والجاحظ، كتب الفلاسفة في زمان المأمون واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشرع مثل لفظ الجوهر والعرض والزمان والمكان والكون. وأول مسألة اظهروها القول بخلق القرآن، وحينئذ سمي هذا الفصل فصل علم الكلام. وتلت هذه المسألة مسائل الصفات مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر. فقال قوم: هي معاني زائدة على الذات ونفتها المعتزلة، وقالوا: عالم لذاته. وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات. ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول، والله الهادي لما يشاء.
ذكر تلبسه على الرافضة
قال المصنف: وكما لبس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب. حمل آخرين على الغلو في حبه، فزادوه على الحد، فمنهم من كان يقول: هو الآنه، ومنهم من يقول: هو خير من الأنبياء، ومنهم من حمله على سب أبي بكر وعمر حتى إن بعضهم كفر أبا بكر وعمر إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن تضييع الزمان بذكرها، وإنما نشير إلى بعضها.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدث أبو يعقوب إسحاق بن محمد النخعي، عن عبد الله بن محمد بن عائشة وأبي عثمان المازني وغيرهما، وسمعت عبد الواحد بن علي بن برهان الاسدي يقول: اسحق بن محمد النخعي الأحمر كان يقول: إن عليا هو الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وبالمدائن جماعة من الغلاة يعرفون بالإسحاقية ينسبون إليه، قال الخطيب: ووقع إلي كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى النوبختي من تصنيفه في الرد على الغلاة. وكان النوبختي هذا من متكلمي الشيعة الأمامية، فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال: وقد كان ممن جره الجنون في الغلو في عصرنا إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر، كان يزعم أن عليا هو الله ، وأنه يظهر في كل وقت فهو الحسن في وقت وكذلك هو الحسين، وهو الذي بعث محمدا ﷺ .
قال المصنف: قلت: وقد اعتقد جماعة من الرافضة أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، وقال بعضهم: ارتد بعد موت رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول بالتبري من غير علي. وقد روينا أن الشيعة طالبت زيد بن علي بالتبري ممن خالف عليا إمامته فامتنع من ذلك فرفضوه فسموا الرافضة.
стр. 105
ومنهم أقوام قالوا: الامامة في موسى بن جعفر ثم في ابنه علي ثم الى محمد بن علي ثم الى علي بن محمد ثم الى الحسن بن محمد العسكري ثم الى ابنه محمد وهو الامام الثاني عشر الامام المنتظر الذي يزعمون أنه لم يمت وأنه سيرجع في آخر الزمان فيملا الارض عدلا. وكان أبو منصور العجلي يقول بانتظار محمد بن علي الباقر ويدعي أنه خليفة وانه عرج به الى السماء فمسح الرب بيده على رأسه، وزعم انه الكسف الساقط من السماء. وكانت طائفة من الرافضة يقال لها: الجناحية وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين يقولون: إن روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء إلى أن انتهى إلى عبد الله، وأنه لم يمت، وهو المنتظر، ومنهم طائفة يقال لها: الغرابية يثبتون شركة علي في النبوة. وطائفة يقال لها المفوضة يقولون: إن الله خلق محمدا ثم فوض خلق العالم إليه. وطائفة يقال لها الذمامية يذمون جبريل ويقولون: كان مأمورا بالنزول على علي فنزل على محمد. ومنهم من يقول: أن أبا بكر ظلم فاطمة ميراثها.
وقد روينا عن السفاح أنه خطب يوما، فقال رجل من آل علي ﵁، قال: أنا من أولاد علي ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني، قال: ومن ظلمك، قال: أنا من أولاد علي ﵁، والذي ظلمني أبو بكر ﵁ حين أخذ فدك من فاطمة، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده، قال: عمر ﵁، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده، قال عثمان ﵁، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانا يهرب إليه.
قال ابن عقيل: الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة، وذلك أن الذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنا، وإنما نثق في ذلك بنقل السلف وجودة نظر الناظرين إلى ذلك منهم. فكأننا نظرنا إذ نظر لنا من نثق بدينه وعقله، فإذا قال قائل: أنهم أول ما بدأوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة وابنته في إرثها وما هذا إلا لسوء اعتقاد في المتوفى. فان الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم. فإذا قالت الرافضة: أن القوم استحلوا هذا بعده خابت آمالنا في الشرع، لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم. فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خبنا في المنقول، وزالت ثقتنا فيما عولنا عليه من اتباع ذوى العقول، ولم نأمن أن
стр. 106
يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه فراعوه مدة الحياة وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله فطاحت (١) الاعتقادات، وضعفت النفوس، عن قبول الروايات في الأصل، وهو المعجزات فهذا من أعظم المحن على الشريعة.
قال المصنف: وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه وقد ذكرت منها جملة في كتاب «الموضوعات» منها أن الشمس غابت ففاتت عليا صلاة العصر فردت له الشمس وهذا من حيث النقل موضوع، لم يروه ثقة، ومن حيث المعنى فان الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد فلا يرد الوقت وكذلك وضعوا أن فاطمة اغتسلت ثم ماتت وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل وهذا من حيث النقل كذب، ومن حيث المعنى قله فهم لأن الغسل عن حدث الموت فكيف يصح قبله ثم لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها وخرافات تخالف الإجماع فنقلت منها مسائل من خط ابن عقيل قال: نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الأمامية منها أنه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نبات الأرض فأما الصوف والجلود والوبر فلا وان الاستجمام لا يجزئ في البول بل في الغائط خاصة، ولا يجزئ مسح الرأس إلا بباقي البلل الذي في اليد فإن استأنف للرأس بللا مستأنفا لم يجزه حتى لو نشفت يده من البلل احتاج إلى استئناف الطهارة وانفردوا بتحريم من زنى بها وهي تحت زوج أبدا، فلو طلقها زوجها لم تحل للزاني بها بنكاح أبدا وحرموا الكتابيات وأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع وإن وجد شرطه وأن الطلاق لا يقع إلا بحضور شاهدين عدلين وأن من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف الليل وجب عليه إذا أستيقظ القضاء وأن يصبح صائما كفارة لذلك التفريط وأن المرأة إذا جزت شعرها فعليها الكفارة مثل قتل الخطأ وأن من شق ثوبه في موت ابن له أو زوجة فعليه كفارة يمين وأن من تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم لزمه الصدقة بخمسة دراهم وأن شارب الخمر إذا حد ثانية قتل في الثالثة ويحد شارب الفقاع (٢) كشارب الخمر، وأن قطع السارق من أصول الأصابع ويبقى له الكف، فإن سرق مرة أخرى قطعت الرجل اليسرى، فان سرق الثالثة خلد
стр. 107
في الحبس إلى أن يموت. وحرموا السمك الجرى (١). وذبائح أهل الكتاب واشترطوا في الذبح استقبال القبلة. في مسائل كثيرة يطول ذكرها خرقوا فيها الإجماع وسول لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس. بل إلى الواقعات ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى. وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء والجماعة لطلبهم إماما معصوما وابتلوا بسب الصحابة.
وفي «الصحيحين» عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد (٢) ذهبا ما أدرك مدا أحدهم ولا نصيفه (٣)». وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قالا: أخبرنا محمد بن أحمد بن المسلمة، نا أبو طاهر المخلص، ثنا البغوي، ثنا محمد بن عباد المكي، ثنا محمد بن طلحة المديني، عن عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله اختارني واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا (٤)».
قال المصنف: والمراد بالعدل الفريضة والصرف النافلة.
أخبرنا أبو البركات بن علي البزار، نا أبو بكر الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطبري، نا عبيد الله بن محمد بن أحمد، نا علي بن محمد بن أحمد بن يزيد الرياحي، ثنا أبي، ثنا الحسن بن عمارة، عن المنهال ابن عمرو، عن سويد بن غفلة، قال: مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄ وينتقصونهما فدخلت على علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر رضي الله
стр. 108
عنهما بغير الذي هما له أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما مثل ما أعلنوا ما اجترأوا على ذلك، قال علي: أعوذ بالله، أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الذي ائتمنني النبي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله وصاحباه ووزيراه رحمة الله عليهما، ثم نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي حتى دخل المسجد، فصعد المنبر وجلس عليه متمكنا قابضا على لحيته وهو ينظر فيها، وهي بيضاء حتى اجتمع لنا الناس، ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قربش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوه بريء، وعلى ما قالوا معاقب. أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة (١) لا يحبهما إلا مؤمن تقي ولا يبغضهما إلا فاجر شقي، صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء، يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان فما يتجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ ، ولا كان رسول رسول الله ﷺ يرى غير رأيهما، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو راض عنهما. ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمره رسول الله ﷺ على صلاة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام في حياة رسول الله ﷺ ، فلما قبض الله نبيه واختار له ما عنده. ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، وأنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن منا أحدا كفاه ذلك. وكان والله خير من أبقى أرحمه رحمة وأرأفه رأفة وأسنه ورعا وأقدمه سنا وإسلاما. شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا فسار بسيرة رسول الله ﷺ حتى مضى على ذلك رحمة الله عليه. ثم ولى الامر بعده لعمر ﵁ وكنت فيمن رضي. فأقام الأمر على منهاج رسول الله ﷺ وصاحبه. يتبع أثرهما كما يتبع الفصيل (٢) أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما بالضعفاء، ناصرا للمظلومين على الظالمين، لا يأخذه في الله لومة لائم وضرب الله الحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه أعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قواما، وألقى له في قلوب المنافقين الرهبة. وفي قلوب المؤمنين المحبة، شبهه رسول الله ﵌ بجبريل فظا غليظا على
стр. 109
الأعداء، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضي في سبيلهما، ومن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشد العقوبة ألا فمن أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ﵄ ثم الله أعلم بالخير أين هو. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم (١)
أخبرنا سعد الله بن علي، نا الطريثيثي، نا هبة الله الطبري، نا محمد بن عبد الرحمن، نا البغوي، ثنا سويد بن سعيد، ثنا محمد بن حازم، عن أبي خباب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني، عن علي كرم الله وجهه، قال: يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز (٢) يقال لهم: الرافضة ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄، أينما أدركتموهم فاقتلوهم أشد القتل فإنهم مشركون.
ذكر تلبيس إبليس على الباطنية
قال المصنف: الباطنية قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام بالمرة، فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق وأن محمدا رسول الله والدين صحيح لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر، وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة ولهم ثمانية أسماء:
الاسم الأول: الباطنية - سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطن تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر، وانها بصورتها توهم الجهال صورا جلية، وهي عند العقلاء رموز وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله من الغوص على الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع. ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه، قالوا: وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (الاعراف: ١٥٧) ومرادهم أن ينزعوا من العقائد موجب الظواهر ليقدروا بالتحكم بدعوى الباطل عن ابطال الشرائع.
стр. 110
الاسم الثاني: الإسماعيلية - نسبوا إلى زعيم لهم يقال له: محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه، لأنه سابع واحتجوا بأن السموات سبع والأرضين سبع وأيام الأسبوع سبعة. فدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة، وعلى هذا فيما يتعلق بالمنصور فيقولون: العباس ثم ابنه عبد الله ثم ابنه علي ثم ابنه محمد بن علي ثم إبراهيم، ثم السفاح، ثم المنصور.
وذكر أبو جعفر الطبري في «تاريخه» قال: قال علي بن محمد عن أبيه إن رجلا من الراوندية كان يقال له: الأبلق - وكان أبرص - فبكى بالعلو (١) ودعا الراوندية إليه، وزعم أن الروح التي كانت في عيسى بن مريم صارت الى علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ثم في الأئمة واحدا بعد واحد إلى أن صارت إلى إبراهيم بن محمد، واستحلوا الحرمات فكان الرجل منهم يدعو الجماعة إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته. فبلغ ذلك أسد بن عبد الله فقتلهم وصلبهم. فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم. وعبدوا أبا جعفر وصعدوا الخضراء وألقوا نفوسهم كأنهم يطيرون فلا يبلغون الأرض إلا وقد هلكوا وخرج جماعتهم على الناس في السلاح، وأقبلوا يصيحون يا أبا جعفر أنت أنت.
الاسم الثالث: السبعية - لقبوا بذلك لأمرين أحدهما اعتقادهم أن دور الإمامة سبعة سبعة على ما بينا، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الأدوار، وهو المراد بالقيامة وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر له، والثاني لقولهم أن تدبير العالم السفلي منوط بالكواكب السبعة: زحل ثم المشتري ثم المريخ، ثم الزهرة ثم الشمس ثم عطارد، ثم القمر
الاسم الرابع: البابكية - قال المصنف: وهو اسم لطائفة منهم تبعوا رجلا يقال له: بابك الخرمي، وكان من الباطنية وأصله أنه ولد زنا، فظهر في بعض الجبال بناحية أذربيجان سنة إحدى ومائتين وتبعه خلق كثير واستفحل أمرهم واستباح المحظورات، وكان إذا علم أن عند أحد بنتا جميلة أو أختا جميلة طلبها فإن بعثها إليه وإلا قتله وأخذها، ومكث على هذا عشرين سنة، فقتل ثمانين ألفا وقيل خمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان، وحاربه السلطان وهزم خلقا من الجيوش حتى بعث المعتصم أفشين فحاربه فجاء ببابك وأخيه في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فلما دخلا قال لبابك أخوه: