قال حاتم: فبماذا أسرفت؟ قال: غسلت ذراعك أربعا، قال: يا سبحان الله أنا في كف ماء أسرفت وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف، فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما، وخرج حاتم إلى الحجاز فلما صار إلى المدينة أحب أن يخصم علماء المدينة، فلما دخل المدينة، قال: يا قوم أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة الرسول ﷺ قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتى أذهب إليه فأصلي فيه ركعتين، قالوا: ما كان لرسول الله ﷺ قصر إنما كان له بيت لاطئ (١) قال: فأين قصور أهله وأصحابه وأزواجه، قالوا: ما كان لهم قصور إنما لهم بيوت لاطئة، فقال حاتم: فهذه مدينة فرعون، قال: فسبوه وذهبوا به إلى الوالي، وقالوا: هذا العجمي يقول: هذه مدينة فرعون، فقال الوالي: لم قلت ذلك، قال حاتم: لا تعجل علي أيها الأمير أنا رجل غريب دخلت هذه المدينة فسألت أي مدينة هذه قالوا: مدينة رسول الله ﷺ ، وسألت عن قصر رسول الله ﷺ وقصور أصحابه قالوا: إنما كانت لهم بيوت لاطئة وسمعت الله يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، فأنتم بمن تأسيتم برسول الله ﷺ أو بفرعون
قال المصنف: قلت: الويل للعلماء من الزاهد الجاهل الذي يقتنع بعلمه فيرى الفضل فرضا. فان الذي أنكره مباح والمباح مأذون فيه والشرع لا يأذن في شيء ثم يعاتب عليه. فما أقبح الجهل ولو أنه قال لهم: لو قصرتم فيما أنتم لاقتدى الناس بكم كان أقرب حالة، ولو سمع هذا بأن عبد الرحمن ابن عوف، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم، وفلانا وفلانا من الصحابة خلفوا مالا عظيما أتراه ماذا كان يقول. وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل ففرض على الزاهد التعليم من العلماء فإذا لم يتعلم فليسكت والحديث بإسناد عن مالك بن دينار ﵁ قال: إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز وبإسناد عن حبيب الفارسي يقول: والله أن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز.
قال المصنف: قلت: المراد بالقراء الزهاد، وهذا اسم قديم لهم معروف، والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب
стр. 177
الباب العاشر في ذكر تلبيسه على الصوفية من جملة الزهاد
قال المصنف: الصوفية من جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد إلا أن الصوفية أنفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر، والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص، فمال اليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد ومال اليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب، فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم في طريقة القوم، ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفروعها وشرح أمورها والله الموفق للصواب.
فصل
قال المصنف: كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم ومؤمن ثم حدث اسم زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها وأخلاقا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام رجل كان يقال له: صوفة واسمه الغوث بن مر فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله فسموا بالصوفية.
أنبأنا محمد بن ناصر، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال، قال: قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: سألت وليد بن القاسم إلى أي شيء ينسب الصوفي. فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم: صوفة انقطعوا إلى الله وقطنوا الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية، قال عبد الغني: فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر.
وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت الإجازة (١) بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم: صوفة، وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة قال الزبير: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي من البيت شيئا من غير أهله أو قام بشيء من أمر المناسك يقال لهم: صوفة وصوفان.
стр. 178
قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي. قال: انما سمى الغوث بن مر صوفة لأنه ما كان يعيش لأمه ولد. فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت فقيل له: صوفة ولولده من بعده. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرني عقال بن شبة، قال: قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة فقالت: لله علي أن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت. فولدت الغوث بن مر فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى، فقالت: ما صار ابني إلا صوفة فسمي صوفة. وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى ومن منى إلى مكة لصوفة. فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتى اخذتها قريش.
فصل
قال المصنف: وقد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة. وإنما ذهبوا إلى هذا لأنهم رأوا أهل الصفة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله وملازمة الفقر، فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ وقيل: أهل الصفة. والحديث بإسناد عن الحسن قال: بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير، وكان رسول الله ﷺ يأتيهم فيقول: السلام عليكم يا أهل الصفة. فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله، فيقول: كيف أصبحتم. فيقولون بخير يا رسول الله (١). وبإسناد (٢) عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر، قال: كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا النبي ﷺ بعشائه فنتعشى، فإذا فرغنا، قال رسول الله ﷺ : ناموا في المسجد.
стр. 179
قال المصنف: وهؤلاء القوم انما اقعدوا في المسجد ضرورة. وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة. فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا. ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفي. وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة. فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضا غلط لأنه لو نسبوا إليها لقيل: صوفاني. وقال آخرون: هو منسوب إلى صوفة القفا وهي الشعرات النابتة في مؤخره كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق. وقال آخرون: بل هو منسوب إلى الصوف، وهذا يحتمل. والصحيح الأول.
وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة، وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس. ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى.
والحديث بإسناد عن الطوسي يقول: سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول: سألت الجنيد بن محمد عن التصوف، فقال: الخروج عن كل خلق رديء، والدخول في كل خلق سني (١). وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر، قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قال: رويم كل الخلق قعدوا على الرسوم. وقعدت هذه الطائفة على الحقائق. وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق.
قال المصنف: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن.
وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح أبدانهم، وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع. وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة. وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الاحاديث الموضوعة وهو لا يدرى.
стр. 180
ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي. وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمراقعة والسماع (١) والوجد والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. ثم ما زال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلون بواقعاتهم. ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في (٢) العلوم حتى سموه العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر. ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به. وهؤلاء بين الكفر والبدعة ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ففسدت عقائدهم. فمن هؤلاء من قال بالحلول (٣) ومنهم من قال بالاتحاد (٤). وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا. وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم، وإنما حملوه على مذاهبهم والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن. وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري: قال: كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه، وكان يضع للصوفية الاحاديث.
قال المصنف: وصنف لهم أبو نصر السراج كتابا سماه «لمع الصوفية» ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى. وصنف لهم أبو طالب المكي «قوت القلوب» فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قول - قال بعض المكاشفين - وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية إن الله يتجلى في الدنيا لاوليائه.
стр. 181
أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قال أبو طاهر محمد بن على العلاف: قال: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين (١) بن سالم فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوق أضر من الخالق. فبدعه (٢) الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك، قال الخطيب: وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه «قوت القلوب» على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات.
قال المصنف: وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب «الحلية». وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستحى أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسادات الصحابة ﵃. فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل. وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
ف التصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره. وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب «الرسالة» فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء والقبض والبسط والوقت والحال والوجد والوجود والجمع والتفرقة والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات والتجلي والمحاضرة والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والشريعة والحقيقة إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره أعجب منه. وجاء محمد بن طاهر المقدسي فصنف لهم «صفوة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول: كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة، قال: وصنف كتابا في جواز النظر الى المرد أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها،
стр. 182
فقيل له: تصلي عليها، فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح. قال: شيخنا ابن ناصر: وليس ابن طاهر بمن يحتج به. وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب «الأحياء» على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطله وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه. وقال: أن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن ابراهم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله ولم يرد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه «المفصح بالأحوال»: إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
قال المصنف: وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الاشياء قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم. وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاما أرق من كلامهم. وفي سير السلف نوع خشونة ثم أن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع والطباع تميل إليها وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء (١).
فصل
وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونوها، وقد سموها بالعلم الباطن. والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب اسحاق بن حية، قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون.
قال المصنف: وقد روينا في أول كتابنا هذا عن ذي النون نحو هذا وروينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي، فقال لصاحب له: لا أرى لك أن تجالسهم. وعن سعيد بن عمرو البردعي، قال: شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: اياك وهذه
стр. 183
الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمة، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء. هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة. قال السلمي: وأخرج أبو سليمان الداراني من دمشق، وقالوا: أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه، وشهد قوم على أحمد ابن أبي الحواري: أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى أنه ذكر للحسين ابن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي ﷺ معراج، فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان، فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام. قال السلمي: وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وانه يتكلم معهم فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح فخرج إلى البصرة فمات بها. قال السلمي: وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجره أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات.
قال المصنف: وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» عن أحمد بن حنبل أنه قال: حذروا من الحارث أشد التحذير الحارث أصل البلية يعني في حوادث كلام جهم ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إلى رأى جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام حارث بمنزلة الأسد المرابط، أنظر أي يوم يثب على الناس.
فصل
قال المصنف: وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة وإنما لبس الشيطان عليهم لقلة علمهم.
стр. 184
وبإسناد عن جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: قال أبو سليمان الداراني: ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة. وبإسناد عن طيفور البسطامي يقول: سمعت موسى بن عيسى يقول: قال لي أبي: قال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود (١). وبإسناد عن أبي موسى يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي قال: من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع. وبإسناد عن عبد الحميد الحبلى يقول: سمعت سريا يقول: من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط. وعن الجنيد أنه قال: مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة. وقال أيضا: علمنا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. وقال أيضا: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات، لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله ، وأصله التفرق عن الدنيا، كما قال حارثة: عرفت نفسي في الدنيا فأسهرت ليلي (٢) وأظمأت نهاري (٣). وعن أبي بكر الشفاف قال: من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن. وقال الحسين النوري لبعض أصحابه: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه. وعن الجريري قال: أمرنا هذا كله مجموع على فضل واحد وهو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما. وعن أبي جعفر قال: من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعده في ديوان الرجال.
فصل
قال المصنف: وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فان كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محاباة في الحق، وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول،
стр. 185
وذلك المذهب من أي شخص صدر. فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة. ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل وما علينا من القائل والفاعل، وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم، وما زال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط. ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به، لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص. وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله.
واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الالهية. ولو نظر إليه وأنه لا يقوم الا بالطعام (١) لم يعطه ما لا يستحقه.
وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي بإسناد إلى يحيى بن سعيد، قال: سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ أو يتهم (٢) في الحديث، فقالوا جميعا: يبين أمره. وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرجل ويبالغ ثم يذكر غلطه في الشيء بعد الشيء، وقال: نعم الرجل فلان لولا أن خلة فيه. وقال عن سري السقطي: الشيخ المعروف بطيب المطعم، ثم حكى له عنه أنه قال: إن الله لما خلق الحروف سجدت الباء، فقال: نفروا الناس عنه.
سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد ذكر تلبس ابلس في السماع وغيره
عن أبي عبد الله الرملي، قال: تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه فبينما هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع فزعق أبو حمزة، وقال: لبيك لبيك. فنسبوه إلى الزندقة، وقالوا حلولي زنديق، وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع هذا فرس الزنديق. وبإسناد إلى أبي بكر الفرغاني أنه قال: كان أبو حمزة إذا سمع شيئا يقول: لبيك لبيك، فأطلقوا عليه أنه حلولي. ثم قال أبو علي: وإنما جعله داعيا من الحق أيقظه للذكر.
стр. 186
وعن أبي علي الروز باري، قال: أطلق على أبي حمزة أنه حلولي وذلك أنه كان إذا سمع صوتا مثل هبوب الرياح، وخرير الماء، وصياح الطيور كان يصيح ويقول: لبيك لبيك، فرموه بالحلول. قال السراج: وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار الحارث المحاسبي فصاحت الشاه ماع فشهق أبو حمزة شهقة، وقال: لبيك يا سيدي، فغضب الحارث المحاسبي وعمد إلى سكين، وقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك. قال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الذي أنا فيه فلم تأكل النخالة بالرماد.
وقال السراج: وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو «كتاب السر» ومنه قوله: عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه. قال: وأبو العباس أحمد بن عطاء نسب إلى الكفر والزندقة، قال: وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه وشهد عليه بالكفر والزندقة، وكذلك أكثرهم. وقال السراج: ذكر عن أبي بكرة محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال: من ذكر افترى (١) ومن صبر اجترا (٢). وإياك أن تلاحظ حبيبا أو كليما أو خليلا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا. فقيل له: أولا أصلى عليهم، قال: صل عليهم بلا وقار، ولا تجعل لها في قلبك مقدار. قال السراج: وبلغني أن جماعة من الحلوليين زعموا أن الحق اصطفى أجساما حل فيها بمعانى الربوبية وزال عنها معانى البشرية. ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات. ومنهم من قال جال في المستحسنات. قال: وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة. قال السراج: وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول: أنا أعشق الله وهو يعشقني فقال النوري: سمعت الله يقول: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: ٥٤) وليس العشق بأكثر من المحبة. قال القاضي أبو يعلى: وقد ذهبت الحلولية الى أن الله يعشق.
قال المصف: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: أحدها من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح. والثاني أن صفات الله منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق ويحب ولا يقال يعشق كما يقال يعلم ولا يقال يعرف. والثالث من أين له أن الله تعالى يحبه فهذه دعوى بلا دليل، وقد
стр. 187
قال النبي ﷺ : «من قال إني في الجنة فهو في النار» (١).
وعن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: حكى عن عمرو المكي أنه قال: كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي، فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته. وعن محمد بن يحيى الرازي، قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت بأي شيء وجد عليه (٢) الشيخ فقال: قرأت آية من كتاب الله ، فقال: يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به.
و باسناد عن أبي القاسم الرازي يقول: قال أبو بكر بن ممشتاد: قال: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها لا بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته، فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية، فقال ما ادعي الربوبية ولكن هذا عين الجمع عندنا هل الكاتب الا الله تعالى واليد فيه آلة. فقيل له: هل معك أحد، فقال: نعم ابن عطاء وأبو محمد الجريري وأبو بكر الشبلي، وأبو محمد الجريري يتستر والشبلي يتستر فإن كان فابن عطاء فأحضر الجريري وسئل فقال قائل: هذا كافر يقتل من يقول هذا، وسئل الشبلي فقال: من يقول هذا يمنع. وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج، فقال: بمقالته وكان سبب قتله وبإسناد عن ابن باكويه قال: سمعت عيسى بن بردل القزويني وقد سئل أبو عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوته (٣) … سر سنا لاهوته الثاقب اليه
ثم بدا في خلقه ظاهرا … في صورة الأكل والشارب
حتى لقد عاينه خلق … كلحظة الحاجب بالحاجب
فقال الشيخ: على قائله لعنة الله تقال عيسى بن فورك تهذا شغلها الحسين بن منصور، قال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر الا أنه وبما يكون بلد نيلا ملا، هية لملها حالة لمع لقي الضوع عليه طيف
стр. 188
متقولا عليه (١).
وبإسناد عن علي بن المحسن القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد ابن زنجي، عن أبيه ان بنت السمري أدخلت على حامد الوزير، فسألها عن الحلاج، فقالت: حملني أبي إليه، فقال: قد زوجتك من ابني سليمان وهو مقيم بنيسابور فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك، واصعدي في آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش، واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرتيه منه فاني أسمع وأرى، قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني فانتبهت مذعورة لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة. فلما نزلنا قالت ابنته: اسجدي له … فقلت: أو يسجد أحد لغير الله؟ فسمع كلامي، فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض.
قال المصنف: اتفق علماء العصر على إباحة دم الحلاج، فأول من قال: إنه حلال الدم أبو عمرو القاضي ووافقه العلماء. وإنما سكت عنه أبو العباس سريج، قال: وقال: لا أدري ما يقول. والإجماع دليل معصوم من الخطأ.
وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلكم (٢)». وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمد ابن داود الفقيه الأصبهاني يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيه ﷺ حقا فما يقول الحلاج باطل، وكان شديدا عليه.
قال المصنف: وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلا منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء.
وبإسناد عن محمد بن الحسين النيسابوري، قال: سمعت ابراهيم بن محمد النصر ابادي كان يقول: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج، قلت: وعلى هذا أكثر قصاص زماننا وصوفية وقتنا جهلا من الكل بالشرع وبعدا عن معرفة النقل. وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابا بينت فيه حيله ومخاريقه وما قال العلماء فيه، والله المعين على قمع الجهال.
стр. 189
وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ، قال: سمعت عمر البنا البغدادي بمكة يحكي أنه لما كانت محنة غلام الخليل ونسبة الصوفية إلى الزندقة، أمر الخليفة بالقبض عليهم فأخذ النوري في جماعة فأدخلوا على الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه، فقال له السياف: ما دعاك إلى البدار، قال: آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللحظة، فتوقف السياف فرفع الأمر إلى الخليفة فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن اسحاق فأمر بتخليتهم.
و باسناد إلى أبي العباس أحمد بن عطاء، قال: كان يسعى بالصوفيه ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة، فقال: ها هنا قوم زنادقة فأخذ أبو الحسين النوري، وأبو حمزة الصوفي، وأبو بكر الدقاق، وجماعة من أقران هؤلاء واستتر الجنيد بن محمد بالفقه على مذهب أبي ثور، فأدخلوا إلى الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فأول من بدر أبو الحسين النوري، فقال له السياف: لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع، قال: أحببت أن أوثر أصحابي بالحياة مقدار هذه الساعة، فرد الخليفة أمرهم إلى القاضي فأطلقوا.
قال المصنف: ومن أسباب هذه القصة قول النوري: أنا أعشق الله والله يعشقني، فشهد عليه بهذا، ثم تقدم النوري إلى السياف ليقتل إعانة على نفسه فهو خطأ أيضا.
و باسناد عن ابن باكويه، قال: سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي، قال: سمعت الرقي يقول: كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان - يكنى بأبي سليمان - فقال: الضيافة، فقلت لابني: امض به إلى البيت، فأقام عندنا تسعة أيام فأكل في كل ثلاثة أيام أكلة. فسألته المقام فقال: الضيافة ثلاثة أيام، فقلت له: لا تقطع عنا أخبارك، فغاب عنا اثنتي عشرة سنة، ثم قدم، فقلت: من أين؟ فقال: رأيت شيخا يقال له: أبو شعيب المقفع مبتلي فأقمت عنده أخدمه سنة فوقع في نفسه أن أسأله أي شيء كان أصل بلائه فلما دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله، فقال: وما سؤالك عما لا يعنيك، فصبرت حتى تم لي ثلاث سنين، فقال في الثالثة: لا بد لك، فقلت له: إن رأيت، فقال: بينما أنا أصلي بالليل إذ لاح لي من المحراب نور، فقلت: أخسأ يا ملعون فإن ربي غني عن أن يبرز للخلق ثلاث مرات، قال: ثم سمعت ثداء من المحراب يا أبا شعيب، فقلت: لبيك، فقال: تحب أن أقبضك في وقتك أو نجازيك على ما مضى لك و نبتليك ببلاء نرفعك به في عليين، فاخترت
стр. 190
البلاء فسقطت عيناي ويداي ورجلاي، قال: فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة، فقال يوما من الأيام: ادن مني فدنوت منه فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا: أبرز (١) حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه وهو يسبح ويقدس ثم مات.
قال المصنف: وهذه الحكاية توهم أن الرجل رأى الله فلما أنكر عوقب. وقد ذكرنا أن قوما يقولون: أن الله يرى في الدنيا. وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في «كتاب المقالات» قال: قد حكى قوم من المشبهة أنهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا، وأنهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السكك، وإن قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته وملامسته، ويدعون أنهم يزورونه ويزورهم وهم يسمون بالعراق أصحاب الباطن وأصحاب الوساوس وأصحاب الخطرات.
قال المصنف: وهذا فوق القبيح نعوذ بالله من الخذلان.
ذكر تلبس إبليس على الصوفية في الطهارة
قال المصنف: قد ذكرنا تلبيسه على العباد في الطهارة إلا أنه قد زاد في حق الصوفية على الحد فقوي وساوسهم في استعمال الماء الكثير حتى بلغني أن ابن عقيل: دخل رباطا فتوضأ، فضحكوا لقلة استعماله الماء وما علموا أن من أسبغ الوضوء برطل من الماء كفاه. وبلغنا عن أبي حامد الشيرازي أنه قال لفقير: من أين تتوضأ؟ فقال: من النهر، بي وسوسة في الطهارة، قال: كان عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان، والآن يسخر بهم الشيطان. ومنهم من يمشي بالمداس (٢) على البواري، وهذا لا بأس به الا انه ربما نظر المبتدى إلى من يقتدي به فيظن ذلك شريعة، وما كان خيار السلف على هذا. والعجب ممن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحد متصفا بتنظيف ظاهره وباطنه محشو بالوسخ والكدر، والله الموفق.
ذكر تلبس ابلس عليهم في الصلاة
قال المصنف: قد ذكرنا تلبيسه على العباد في الصلاة وهو بذلك يلبس على الصوفية ويزيد. وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي ان من سننهم التي
стр. 191
ينفردون بها وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتوبة. واحتج عليه بحديث ثمامة بن أثال أن النبي ﷺ أمره حين أسلم أن يغتسل.
قال المصنف: وما أقبح بالجاهل إذا تعاطى ما ليس من شغله، فإن ثمامة كان كافرا فاسلم، وإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل في مذهب جماعة من الفقهاء منهم أحمد بن حنبل، وأما صلاة ركعتين فما أمر بها أحد من العلماء لمن أسلم وليس في حديث ثمامة ذكر صلاة فيقاس عليه، وهل هذا إلا ابتداع في الواقع سموه سنة ثم من أقبح الأشياء قوله: أن الصوفية ينفردون بسنن، لأنها إن كانت منسوبة إلى الشرع، فالمسلمون كلهم فيها سواء والفقهاء أعرف بها فما وجه انفراد الصوفية بها … وإن كانت بآرائهم فإنما انفردوا بها لأنهم اخترعوها.
ذكر تلبس إبليس على الصوفية في المساكن
قال المصنف: أما بناء الأربطة فان قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد، وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه:
أحدها - أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد.
والثاني - أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها.
والثالث - أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد.
والرابع - أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم في الأديرة.
والخامس - انهم تعزبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح.
والسادس - أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم. وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوية (١) ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد.
وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس (٢). وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة، ووقفوا عليها الأموال الخبيثة. وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فأسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع. فهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء.
стр. 192
المبرد. فأين جوع بشر، وأين ورع سرى، وأين جد الجنيد. وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكة بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا، فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته (١) فغلبت عليه السوداء، فيقول: حدثني قلبي عن ربي. ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه، وأن قوما قرأوا الحديث في رباط، فقالوا لهم: ليس هذا موضعه. والله الموفق.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها
كان إبليس يلبس على أوائل الصوفية لصدقهم في الزهد فيريهم عيب المال ويخوفهم من شره، فيتجردون من الأموال ويجلسون على بساط الفقر، وكانت مقاصدهم صالحة وأفعالهم في ذلك خطأ لقلة العلم، فأما الآن فقد كفى إبليس هذه المؤنة، فان أحدهم إذا كان له مال أنفقه تبذيرا وضياعا، والحديث بإسناد عن محمد بن الحسين السليمي، قال: سمعت أبا نصر الطوسي، قال: سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون: ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن ذلك كله وأنفقه على الفقراء.
وقد روى مثل هذا عن جماعة كثيرة وهذا الفعل لا ألوم صاحبه إذا كان يرجع إلى كفاية قد أدخرها لنفسه، أو إن كانت له صناعة يستغني بها عن الناس، أو كان المال عن شبهة فتصدق به، فأما إذا أخرج المال الحلال كله ثم احتاج إلى ما في أيدي الناس وأفقر عياله، فهو إما أن يتعرض لمنن الأخوان أو لصدقاتهم أو أن يأخذ من أرباب الظلم والشبهات، فهذا هو الفعل المذموم المنهي عنه. ولست أتعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم، وإنما العجب من أقوام لهم عقل وعلم كيف حثوا على هذا وأمروا به مع مصادمته للعقل والشرع، وقد ذكر الحارث المحاسبي في هذا كلاما طويلا، وشيده أبو حامد الغزالي ونصره والحارث عندي أعذر من أبي حامد لأن أبا حامد كان أفقه غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه.
فمن كلام الحارث المحاسبي في هذا أنه قال: أيها المفتون متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد أزريت بمحمد ﷺ والمرسلين وزعمت أن محمدا ﷺ لم ينصح الامة اذ
стр. 193
نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعة خير لهم، وزعمت أن الله لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعة خير لهم. وما ينفعك الاحتجاج بمال الصحابة، ود ابن عوف في القيامة أن لو لم يؤت من الدنيا إلا قوتا، قال: وقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف، قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك، قال كعب: سبحان الله وما تخافون على عبد الرحمن كسب طيبا وأنفق طيبا، فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا، فمر بلحى (١) بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبا، فقيل لكعب: إن أبا ذر يطلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر، فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا ابن اليهودية تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف لقد خرج رسول الله ﷺ يوما فقال: «الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا» ثم قال: يا أبا ذر وأنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل، فرسول الله ﷺ يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية، لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف، كذبت وكذب من قال بقولك، فلم يرد عليه حرفا حتى خرج (٢).
قال الحارث: فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال للتعفف ولصنائع المعروف فيمنع من السعي إلى الجنة مع فقراء المهاجرين، وصار يحبو (٣) في آثارهم حبوا. وقد كان الصحابة ﵃ إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر، وذلك من سوء الظن بالله وقلة اليقين بضمانه، و كفى به إثما. وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ولذاتها، وقد بلغنا إن رسول الله ﷺ قال: «من أسف على دنيا فاتته قرب من النار مسيرة سنة» (٤). وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله . ويحك هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصحابة وأين الحلال فتجمعه. ويحك إني لك ناصح أرى لك أنك تقنع بالبلغة ولا تجمع.
стр. 194
المال لأعمال البر، فقد مثل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر، فقال: تركه أبر منه. وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه والآخر جانبها، ولم يطلبها ولم يبذلها فأيهما أفضل؟ فقال: بعيد والله ما بينهما الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها (١).
قال المصنف: فهذا كله كلام الحارث المحاسبي، ذكره أبو حامد وشيده (٢) وقواه بحديث ثعلبة (٣)، فانه أعطى المال فمنع الزكاة قال أبو حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده، وإن صرف إلى الخيرات إذ أقل ما فيه اشتغالهم بإصلاحه عن ذكر الله . فينبغي للمريد أن يخرج من ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله . قال المصنف: وهذا كله بخلاف الشرع والعقل وسوء فهم للمراد بالمال.
فصل في رد هذا الكلام
أما شرف المال فان الله عظم قدره وأمر بحفظه، إذ جعله قواما للآدمي، وما جعل قواما للآدمي الشريف فهو شريف. فقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ النساء: ٥) ونهى أن يسلم المال إلى غير رشيد. فقال: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (النساء: ٦).
стр. 195
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال (١). وقال لسعد: «لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» (٢). وقال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر» (٣). والحديث بإسناد مرفوع عن عمرو بن العاص قال: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني»، فأتيته فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، فقال: «يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح» (٤). والحديث بإسناد عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ دعا له بكل خير، وكان في آخر دعائه أن قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له» (٥) وبإسناد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته. قال: فقلت: يا رسول الله أن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال: «أمسك بعض مالك فهو خير لك» (٦).
قال المصنف: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة. وأن حبسه ينافي التوكل. ولا ينكر أنه يخاف من فتنته وان خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك، وأن جمعه من وجهة يعز وسلامة القلب من الافتتان به يبعد، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر. ولهذا خيف فتنته فأما كسب المال فان من اقتصر على كسب البلغة (٧) من حلها فذلك أمر لا بد منه. وأما من
стр. 196
قصد جمعه والاستكثار منه من الخلال نظرنا في مقصوده، فان قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات. وقد كان نيات خلق كثير من الصحابة ﵃ أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته.
وبإسناد عن ابن عمر (١) أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير حضر (٢) فرسه بأرض يقال لها: ثرثر. فأجرى فرسه حتى قام. ثم رمى سوطه. فقال: أعطوه حيث بلغ السوط. وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول: اللهم وسع علي
قال المصنف: وأبلغ من هذا أن يعقوب ﵊ لما قال له بنوه: ﴿و نزداد كيل بعير﴾ (يوسف: ٦٥). مال إلى هذا وأرسل ابنه بنيامين معهم. وأن شعيبا طمع في زيادة ما يناله فقال: ﴿فان اتممت عشرا فمن عندك﴾ (القصص: ٢٧). وأن أيوب ﵇ لما عوفي نثر عليه رجل جرادا (٣) من ذهب فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه فقيل له: أما شبعت. قال: يا رب من يشبع من فضلك. وهذا أمر مركوز في الطباع، فإذا قصد به الخير كان خيرا محضا
وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم، وقوله: إن الله نهى عباده عن جمع المال. وأن رسول الله ﷺ نهى أمته عن جمع المال، فهذا محال إنما النهي عن سوء القصد بالجمع أو عن جمعه من غير حله. وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال وخفاء صحته عنه ألحقه (٤) بالقوم. وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت. وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاه فقال: عثمان يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه، فقال: ١ كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس به، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا، وقال: سمعت رسول
стр. 197
الله ﷺ يقول: «ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقته ويتقبل مني» أذر خلفي ست أواقي أنشدك الله يا عثمان أسمعت هذا ثلاث مرات؟ قال: نعم.
قال المصنف: وهذا الحديث لا يثبت وابن لهيعة مطعون فيه. قال يحيى: لا يحتج بحديثه. والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين وعبد الرحمن توفي سنة اثنتي وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين. ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع. ثم كيف تقول الصحابة ﵃: أنا نخاف على عبد الرحمن، أوليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله، فما وجه الخوف مع الإباحة، أو يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه، هذا قلة فهم وفقه، ثم أينكر أبو ذر على عبد الرحمن وعبد الرحمن خير من أبي ذر بما لا يتقارب، ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه يسير سير الصحابة، فإنه قد خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير، والبهار: الحمل، وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف، وخلف ابن مسعود ﵁ تسعين ألفا، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد.
واما قوله: ان عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة. فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث: أو كان هذا مناما وليس هو في اليقظة. أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة. أفترى من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة. ومن أهل بدر المغفور لهم ومن أصحاب الشورى. ثم الحديث يرويه عمارة بن زاذان. وقال البخاري: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروى عن أنس أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ضعيف. أخبرنا ابن الحصين مرفوعا إلى عمارة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: بينما عائشة ﵂ في بيتها سمعت صوتا في المدينة، فقالت: ما هذا، فقالوا: غير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء، قال: وكانت سبعمائه بعير، فارتجت المدينة من الصوت. فقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فقال: إن استطعت لأدخلنها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله (١).
стр. 198
وقوله ترك المال الحلال أفضل من جمعه. ليس كذلك بل متى صح القصد الكتاب ١٨١ فجمعه بلا خلاف عند العلماء. والحديث الذي ذكره عن رسول الله ﷺ : «من أسف على دنيا فاتته … الخ» محال: ما قاله رسول الله ﷺ قط.
وقوله: هل تجد في دهرك حلالا، فيقال له: وما الذي أصاب الحلال والنبي ﷺ يقول: «الحلال بين والحرام بين» (١) أترى يريد بالحلال وجود حبة من خرجت من المعدن ما تقلبت في شبهة هذا يبعد وما طولبنا به بل لو باع المسلم يهوديا كان الثمن حلالا بلا شيك هذا مذهب الفقهاء. وأعجب لسكوت أبي حامد بل لنصرته ما حكى وكيف يقول أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات. ولو أدعى الإجماع على خلاف هذا لصح. ولكن تصوفه غير فتواه. وعن المروز، قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله: إني في كفاية، فقال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود المرضى.
وقوله: ينبغي للمريد أن يخرج من ماله، قد بينا أنه إن كان حراما أو فيه شبهة أو إن يقنع هو باليسير أو بالكسب جاز له أن يخرج منه، وإلا فلا وجه لذلك. وأما ثعلبة فما ضره المال إنما ضره البخل بالواجب.
وأما الأنبياء فقد كان لإبراهيم ﵊ زرع ومال. ولشعيب لغيره. وكان سعيد بن المسيب ﵁ يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه ويصل به رحمه، فان مات تركه ميراثا لمن بعده. وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وقد ذكرنا ما خلفت الصحابة. وقد خلف سفيان الثوري ﵁ مائتين. وكان يقول: المال في هذا الزمان سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب واعانة للفقراء. وإنما تجافاه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات وجمع الهمم. فقنعوا باليسير ولو قال هذا القائل أن التقلل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الاثم.
فصل
واعلم أن الفقر مرض فمن ابتلى به فصبر أثيب على صبره ولهذا يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام لمكان صبرهم على البلاء، والمال.
стр. 199
نعمة والنعمة تحتاج إلى شكر. والغني وإن تعب وخاطر كالمفتي والمجاهد * والفقير كالمعتزل في زاوية. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب (سنن الصوفية) باب كراهية أن يخلف الفقير شيئا. فذكر حديث الذي مات من أهل الصفة وخلف دينارين، فقال رسول اللاه صلى اللاه عليه وسلم: «كيتان» (١).
قال المصنف: وهذا احتجاج من لا يفهم الحال فان ذلك الفقير كان يزاحم الفقراء في أخذ الصدقة وحبس ما معه. فلذلك قال: كيتان، ولو كان المكروه نفس ترك المال لما قال رسول اللاه صلى اللاه عليه وسلم لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٢). ولما كان أحد من الصحابة يخلف شيئا، وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللاه عنه: حث رسول اللاه صلى اللاه عليه وسلم على الصدقة فجئت بنصف مالي، فقال رسول اللاه صلى اللاه عليه وسلم: «وما أبقيت لأهلك؟»، فقلت: مثله (٣). فلم ينكر عليه رسول اللاه صلى اللاه عليه وسلم. قال ابن جرير الطبري: وفي هذا الحديث دليل على بطلان ما يقوله جهلة المتصوفة أن ليس للإنسان ادخار شيء في يومه لغده. وإن فاعل ذلك قد أساء الظن بربه. ولم يتوكل عليه حق توكله. قال ابن جرير: وكذلك قوله ﵊: «اتخذوا الغنم فإنها بركة» (٤). فيه دلالة على فساد قول من زعم من المتصوفة أنه لا يصح لعبد التوكل على ربه إلا بأن يصبح ولا شيء عنده من عين ولا عرض ويمسي كذلك. ألا ترى كيف ادخر رسول اللاه صلى اللاه عليه وسلم لأزواجه قوت سنة (٥).
стр. 200
فصل
وقد خرج أقوام من أموالهم الطيبة ثم عادوا يتعرضون للأوساخ ويطلبون، وهذا لأن حاجة الإنسان لا تنقطع. والعاقل يعد للمستقبل، وهؤلاء مثلهم في إخراج المال عند بداية تزهدهم مثل من روي في طريق مكة فبدد الماء الذي معه
والحديث بإسناد عن جابر بن عبد الله، قال: قدم أبو حصين السلمي بذهب من معدنهم فقضى دينا كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمامة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ضع هذه حيث أراك الله أو حيث رأيت، قال: فجاءه عن يمينه فأعرض عنه، ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه، ثم جاءه من بين يديه، فنكس رسول الله ﷺ رأسه. فلما أكثر عليه أخذها من يده فحذفه بها لو أصابته لعقرته، ثم أقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: «يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول». وقد رواه أبو داود في «سننه» من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله، قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من خلفه فآخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها فلو أصابته لأقصعته (١) أو لعقرته. فقال رسول الله ﷺ : «يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» (٢). وفي رواية أخرى: «خذ عنا مالك لا حاجة لنا به». وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخل رجل المسجد فأمر رسول الله ﷺ أن يطرحوا ثيابا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح
стр. 201
به: «خذ ثوبك» (١).
قال المصنف: ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل، قال: قال ابن شاذان: دخل جماعة من الصوفية على الشبلي، فأنفذ إلى بعض المياسير يسأله مالا ينفقه عليهم، فرد الرسول وقال: يا أبا بكر، أنت تعرف الحق فهلا طلبت منه، فقال للرسول: ارجع إليه وقل له الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك، وأطلب الحق من الحق. فبعث إليه بمائة دينار. قال ابن عقيل: إن كان أنفذ إليه المائة دينار للافتداء من هذا الكلام القبيح وأمثاله فقد أكل الشبلي الخبيث من الرزق وأطعم أضيافه منه.
فصل
وقد كان لبعضهم بضاعة فأنفقها، وقال: ما أريد أن تكون ثقتي إلا بالله، وهذا قلة فهم لأنهم يظنون أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال.
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا الخطيب، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أنبأنا جعفر الخلدي في كتابه، قال: سمعت الجنيد يقول: دققت على أبي يعقوب الزيات بابه في جماعة من أصحابنا، فقال: ما كان لكم شغل في الله يشغلكم عن المجيء إلي، فقلت له: إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به فلم ننقطع عنه، فسألته عن مسألة في التوكل، فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه ثم قال: استحيت من الله أن أجيبك وعندي شيء.
قال المصنف: لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب بالله لا إخراج صور المال، ما قال هؤلاء هذا الكلام، ولكن قل فهمهم، وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتجرون ويجمعون الأموال وما قال مثل هذا أحد منهم.
وقد روينا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة: فمن أين أطعم عيالي؟ وهذا القول منكر عند الصوفية يخرجون قائله من التوكل. وكذلك ينكرون على من قال: هذا.
стр. 202
الطعام يضرني. وقد رووا في ذلك حكاية عن أبي طالب الرازي قال: حضرت مع أصحابنا في موضع فقدموا اللبن وقالوا لي: كل، فقلت: لا آكله فانه يضرني فلما كان بعد أربعين سنة صليت يوما خلف المقام ودعوت الله ، وقلت: اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين، فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول: ولا يوم اللبن.
قال المصنف: وهذه الحكاية الله أعلم بصحتها: - واعلم أن من يقول هذا يضرني، لا يريد أن ذلك يفعل الضرر بنفسه وإنما يريد أنه سبب الضرر كما قال الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿رب انهن أضللن كثيرا من الناس﴾ (إبراهيم: ٣٦). وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما نفعني مال كمال أبى بكر» (١). وقوله: ما نفعني مقابل لقول القائل: ما ضرني وصح عنه أنه قال. ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري (٢). وقد ثبت أنه لا رتبة أولى من رتبة النبوة وقد نسب النفع إلى المال والضرر إلى الطعام فالتحاشي عن سلوك طريقه ﷺ تعاط (٣) على الشريعة فلا يلتفت إلى هذيان من هذى في مثل هذا.
فصل
قال المصنف: وقد بينا أنه كان أوائل الصوفية يخرجون من أموالهم زهدا فيها. وذكرنا أنهم قصدوا بذلك الخير إلا أنهم غلطوا في هذا الفعل كما ذكرناه من مخالفتهم بذلك الشرع والعقل فأما متأخروهم فقد مالوا إلى الدنيا وجمع المال من أي وجه كان إيثارا للراحة وحبا للشهوات. فمنهم من يقدر على الكسب ولا يعمل ويجلس في الرباط (٤) أو المسجد ويعتمد.
стр. 203
على صدقات الناس وقلبه معلق بطرق الباب. ومعلوم أن الصدقة لا تحل لغنى و لالذى مرة (١) سوى (٢)، ولا يبالون من بعث إليهم فربما بعث الظالم والماكس فلم يردوه. وقد وضعوا في ذلك بينهم كلمات منها تسمية ذلك بالفتوح، ومنها أن رزقنا لابد أن يصل إلينا. ومنها أنه من الله فلا يرد عليه ولا نشكر سواه. وهذا كله خلاف الشريعة وجهل بها وعكس ما كان السلف الصالح عليه. فإن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (٣). وقد قاء (٤) أبو بكر الصديق ﵁ من أكل الشبهة. وكان الصالحون لا يقبلون عطاء ظالم ولا ممن في ماله شبهة. وكثير من السلف لم يقبل صلة الإخوان عفافا وتنزها. وعن أبى بكر المروزى قال: ذكرت لاب عبد الله رجلا من المحدثين، فقال ﵀: أي رجل كان لولا خلة واحدة! ثم سكت، ثم قال: ليس كل الخلال يكملها الرجل فقلت له: أليس كان صاحب سنة؟! فقال: لعمرى لقد كتبت عنه ولكن خلة واحدة كان لا يبالي ممن أخذ.
قال المصنف: ولقد بلغنا أن بعض الصوفية دخل على بعض الأمراء الظلمة فوعظه فأعطاه شيئا فقبله، فقال الأمير: كلنا صيادون وإنما الشباك تختلف. ثم أين هؤلاء من الأنفة من الميل للدنيا، فان النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى» (٥) - واليد العليا هي المعطية هكذا فسره العلماء وهو الحقيقة، وقد تأوله بعض القوم، فقال: العليا هي الآخذة. قال ابن قتيبة: ولا أرى هذا إلا تأويل قوم استطابوا السؤال (٦).
فصل
قال المصنف: ولقد كان أوائل الصوفية ينظرون في حصول الأموال من أي وجه ويفتشون عن مطاعمهم. وسئل أحمد بن حنبل عن السرى السقطي.
стр. 204
فقال الشيخ المعروف بطيب المطعم. وقال السري: صحبت جماعة إلى الغزو فاكترينا دارا فنصبت فيها تنورا فتورعوا أن يأكلوا من خبز ذلك التنور، فأما من يرى ما قد تجدد من صوفية زماننا من كونهم لا يبالون من أين أخذوا فإنه يعجب ولقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه، فقيل لى: قد مضى الى الامير فلان يهنئه بخلعه قد خلعت عليه وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة، فقلت: ويحكم ما كفاكم أن فتحتم الدكان حتى تطوفون على رؤوسكم بالسلع يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته عليه معولا على الصدقات والصلات، ثم لا يكفيه حتى يأخذ ممن كان، ثم لا يكفيه حتى يدور على الظلمة فيستعطي منهم ويهنئهم بملبوس لا يحل وولاية لا عدل فيها، والله إنكم أضر على الإسلام من كل مضر.
فصل
قال المصنف: وقد صار جماعة من أشياخهم يجمعون المال من الشبهات ثم ينقسمون، فمنهم من يدعي الزهد مع كثرة المال وحرصه على الجمع وهذه الدعوى مضادة للحال (١) ومنهم من يظهر الفقر مع جمعه المال وأكثر هؤلاء يضيقون على الفقراء بأخذهم الزكاة ولا يجوز لهم ذلك وقد كان أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المجيان (٢) يلبس الصوف صيفا وشتاء و تقصده الناس يتبركون به، فمات فخلف أربعة آلاف دينار.
قال المصنف: وهذا فوق القبيح، وقد صح عن النبي ﷺ إن رجلا من أهل الصفة مات فخلف دينارين فقال ﷺ : «كيتان» (٣).
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم
قال المصنف: لما سمع أوائل القوم أن النبي ﷺ كان يرقع ثوبه (٤) وأنه قال لعائشة ﵂: «لا تخلعي ثوبا حتى ترقعيه» (٥) وأن عمر بن الخطاب ﵁ كان في ثوبه رقاع وان
стр. 205
أويسا القرني كان يلتقط الرقاع من المزابل فيغسلها في الفرات، ثم يخيطها فيلبسها اختاروا المرقعات، ولقد أبعدوا في القياس، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يؤثرون البذاذة (١) ويعرضون عن الدنيا زهدا، وكان أكثرهم يفعل هذا لأجل الفقر، كما روينا عن مسلمة بن عبد الملك إنه دخل على عمر بن العزيز وعليه قميص وسخ، فقال لامرأته فاطمة: اغسلي قميص امير المؤمنين، فقالت: والله ما له قميص غيره. فأما إذا لم يكن هذا لفقر وقصد البذاذة فما له من معنى.
فصل
قال المصنف: فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لون فيجعلوها خرقا ويلفقونها فيجمع ذلك الثوب وصفين الشهرة والشهوة، فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد افتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف، كذا قد ظنوا، وإن إبليس قد لبس عليهم وقال: أنتم صوفية لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك، أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التشبيه في الصورة والمعنى، أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع ولا يأخذون أثوابا جددا مختلفة الألوان، فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن التوقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة، وأما عمر ﵁ لما قدم بيت المقدس حين سأل القسيسون والرهبان عن أمير المسلمين فعرضوا عليهم أمراء العساكر مثل أبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهما، فقالوا: ليس هذا المصور عندنا، ألكم أمير أولا؟ فقالوا: لنا أمير غير هؤلاء، فقالوا: هو أمير هؤلاء، قالوا: نعم هو عمر بن الخطاب ﵁، فقالوا: أرسلوا إليه ننظره فإن كان هو سلمنا إليكم من غير قتال وإن لم يكن هو فلا، فلو حاصرتمونا ما تقدرون علينا، فأرسلوا المسلمين إلى عمر ﵁ وأعلموه بذلك، فقدم عليهم وعليه ثوب مرقع سبع عشرة رقعة بينها رقعة من أديم (٢)، فلما رآه الروحانية (٣) والقسوس على هذه الصفة سلموا بيت المقدس إليه من غير قتال. فأين هذا مما يفعله جهال.
стр. 206
الصوفية في زماننا، فنسأل الله العفو والعافية، وأما المعنى فإن أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد.
فصل
قال المصنف: ومن هؤلاء المذمومين من يلبس الصوف تحت الثياب ويلوح بكمه حتى يرى لباسه، وهذا لص ليلي، ومنهم من يلبس الثياب اللينة على جسده ثم يلبس الصوف فوقها، وهذا لص نهاري مكشوف، وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية وصعب عليهم البذاذة وأحبوا التنعم ولم يروا الخروج من صورة التصوف لئلا يتعطل المعاش، فلبسوا الفوط الرفيعة واعتموا (١) بالرومي الرفيع إلا أنه بغير طراز القميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير.
وقد لبس إبليس عليهم أنكم صوفية بنفيس النفس. وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا. من علاماتهم مصادقة الأمراء ومفارقة الفقراء كبرا وتعظيما. وقد كان عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه يقول: يا بني إسرائيل: ما لكم تأتونني وعليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا لباس الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية.
وأخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا أحمد بن جعفر بن معبد، ثنا يحيى بن مطوف، ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: إن من الناس ناسا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قراء الرحمن بارك الله فيكم.
أخبرنا محمد، نا حمد، نا أبو نعيم، ثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه، ثنا أحمد بن محمد اللالي، ثنا أبو حاتم، ثنا هدبة، ثنا حزم، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير، إنكم في زمان كثير تفاحشهم قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعوكم في شباكهم.
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا عبد الله بن
стр. 207
أحمد، ثني مهنا الشامي، ثنا ضمرة، عن سعيد بن شبل، قال: نظر مالك إلى شاب ملازم للمسجد فجلس إليه، فقال له: هل لك أن أكلم بعض العشارين (١) يجرون عليك شيئا وتكون معهم، قال: ما شئت يا أبا يحيى قال: فأخذ كفا من تراب فجعله على رأسه.
أخبرنا المحمدان، قال: نا حمد، نا أحمد، ثنا قارون بن عبد الكبير الخطابي، ثنا هشام بن علي السيرافي، ثنا قطن بن حماد بن واقد، ثنا أبي ثنا مالك بن دينار، قال: كان فتى يتقرى (٢) فكان يأتيني، فابتل، فول (٣) الجسر، فبينما هو يصلي إذ مرت سفينة فيها بط، فنادى بعض أعوانه: قرب لنأخذ للعامل بطة، فأشار بيده سبحان الله أي بطتين، قال: فكان أبي إذا حدث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قلت لرويم أوصني، فقال: هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية
أخبرنا ابن ناصر، نا أبو عبد الله الحميدي، نا أبو بكر أحمد بن محمد الأردستاني، ثنا عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبي يقول: بلغني أن رجلا، قال للشبلي: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط فأنشأ يقول:
أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها
قال المصنف ﵀: قلت: واعلم أن هذه البهرجة في تشبيه هؤلاء بأولئك لا تخفي إلا على كل غبي في الغاية. فأما أهل الفطنة فيعملون أنه تنميس (٤) بارد والأمر في ذلك على نحو قول الشاعر:
تشبهت حور الظباء بهم … إن سكنت فيك ولا مثل سكن
أصامت (٥) بناطق و نافر (٦) … بآنس وذو خلا بذي شجن (٧)
مشتبه أعرفه وانما … مغالطا قلت لصحبى دار من
стр. 208
فصل
قال المصنف: وإنما أكره لبس الفوط المرقعات لأربعة أوجه: أحدها انه ليس من لباس السلف وإنما كان السلف يرقعون ضرورة. والثاني أنه يتضمن ادعاء الفقر، وقد أمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه. والثالث انه إظهار للزهد وقد أمرنا بستره. والرابع انه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وقد أخبرنا ابن الحسين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله ابن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو النضر، ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، ثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الحرسي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (١)» وقد أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر، قال: أخبرني أبي، قال: لما دخلت بغداد في رحلتي الثانية قصدت الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد السكري لأقرأ عليه أحاديث - وكان من المنكرين على هذه الطائفة - فأخذت في القراءة، فقال: أيها الشيخ أنك لو كنت من هؤلاء الجهال الصوفية لعذرتك. أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث رسول الله ﷺ وتسعى في طلبه، فقلت: أيها الشيخ وأى شيء أنكرت علي حتى أنظر فان كان له أصل في الشريعة لزمته، وان لم يكن له أصل في الشريعة تركته، فقال: ما هذه الشوازك (٢) التي في مرقعتك؟ فقلت: أيها الشيخ هذه أسماء بنت أبي بكر ﵄ تخبر أن رسول الله ﷺ كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج، وإنما وقع الإنكار لأن هذه الشوازك ليست من جنس الثوب والديباج ليس من جنس الجبة، فاستدللنا بذلك على أن لهذا أصلا في الشرع يجوز مثله.
قال المصنف: قلت: لقد أصاب السكري في إنكاره وقل فقه ابن طاهر في الرد عليه، فإن الجبة المكفوفة الجيب والكمين قد جرت العادة بلبسها
стр. 209
كذلك فلا شهرة في لبسها. فأما الشوازك فتجمع شهرة الصورة، وشهرة دعوى الزهد. وقد أخبرتك انهم يقطعون الثياب الصحاح ليجعلوها شوازك لا عن ضرورة يقصدون الشهرة لحسن ذلك والشهرة بالزهد ولهذا وقعت الكراهية. وقد كرهها جماعة من مشايخهم كما بينا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعد بن أبي صادق، ثنا أبو عبد الله ابن باكويه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول: سمعت الحسين بن هند، يقول: سمعت جعفر الحذاء، يقول: لما فقد القوم الفوائد من القلوب اشتغلوا بالظواهر وتزيينها يعني بذلك - أصحاب المصبغات والفوط. أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، ثنا ابن باكويه، اخبرن أبو يعقوب الخراط، قال: سمعت الثوري يقول: كانت المرقعات غطاء على الدر فصارت جيفا على مزابل. قال ابن باكويه: وأخبرني أبو الحسن الحنظل، قال: نظر محمد بن محمد بن علي الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال: إخواني إن كان لباسكم موافقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وان كانت مخالفة لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة.
أخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا أبو بكر بن خلف، ثنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت نصر بن أبي نصر يقول: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدينوري لبعض أصحابه: لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم، فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن. وقال ابن عقيل: دخلت يوما الحمام فرأيت على بعض أوتاد السلخ (١) جبة مشوزكة مرقعة بفوط، فقلت للحمامي: أرى سلخ الحية. فمن داخل (٢). فذكر ل بعض من يتصوف (٣) للبلاء حوشا (٤) للأموال.
فصل
قال المصنف وفي الصوفية من يرقع المرقعة حتى تصير كثيفة خارجة عن الحد. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، نا القاضي أبو محمد الحسن بن رامين الأسد آبادى، نا أبو محمد عبد الله بن
стр. 210
محمد الشيرازي، نا جعفر الخالدي، ثنا ابن خباب أبو الحسين صاحب ابن الكريني، قال: أوصى لي ابن الكريني بمرقعته فوزنت فردة كم من أكمامها فإذا فيه أحد عشر رطلا، قال جعفر: وكانت المرقعات تسمى في ذلك الوقت الكيل (١).
فصل
وقد قرروا أن هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ. وجعلوا لها إسنادا متصلا كله كذب ومحال. وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه، فقال: باب السنة في لبس الخرقة من يد الشيخ فجعل هذا من السنة، واحتج بحديث أم خالد أن النبي ﷺ : ﴿أتى بثياب فيها خميصة سوداء﴾، فقال: من ترون أكسو هذه؟ فسكت القوم، فقال رسول الله ﷺ : ائتوني بأم خالد، قالت: فأتى بي فألبسنيها بيده. وقال: أبلى وأخلقي (٢)».
قال المصنف: وإنما ألبسها رسول الله ﷺ لكونها صبية. وكان أبوها خالد بن سعيد بن العاص، وأمها همينة بنت خلف قد هاجروا إلى أرض الحبشة فولدت لهما هناك أم خالد، وأسمها أمة ثم قدموا فأكرمها رسول الله ﷺ لصغر سنها، وكما اتفق فلا يصير هذا سنة. وما كان من عادة رسول الله ﷺ إلباس الناس ولا فعل هذا أحد من أصحابه ولا تابعيهم.
ثم ليس من السنة عند الصوفية أن يلبس الصغير دون الكبير ولا أن تكون الخرقة سوداء بل مرقعة أو فوطة، فهلا جعلوا السنة لبس الخرق السود كما جاء في حديث أم خالد. وذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال: باب السنة فيما شرط الشيخ على المريد في لبس المرقعة، واحتج بحديث عبادة «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر».
قال المصنف: فانظر إلى هذا الفقه الدقيق، وأين اشتراط الشيخ على المريد من اشتراط رسول الله ﷺ الواجب الطاعة على البيعة الاسلامية اللازمة.
стр. 211
فصل
وأما لبسهم المصبغات فإنها إن كانت زرقاء فقد فاتهم فضيلة البياض، وإن كانت فوطا فهو ثوب شهرة وشهرته أكثر من شهرة الأزرق، وإن كانت مرقعة فهي أكثر شهرة. وقد أمر الشرع بالثياب البيض ونهى عن لباس الشهرة.
فأما أمره بالثياب البيض فأخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا علي بن عاصم، نا عبد الله بن عثمان بن حثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». قال عبد الله: وحدثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثني حبيب ابن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: «البسوا الثياب البيض فأنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» قال الترمذي: هذان حديثان صحيحان. وفي الباب عن ابن عمر، قال، وهذا الذي يستحبه أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل واسحاق: أحب الثياب الينا أن نكفن فيها البياض. وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال: باب السنة في لبسهم المصبغات، واحتج بأن النبي صلوات الله عليه وسلامه، لبس حلة حمراء (١)، وإنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء (٢).
قال المصنف: قلت: ولا ينكر أن رسول الله ﷺ لبس هذا ولا أن لبسه غير جائز، وقد روى إنه كان يعجبه الحبرة (٣)، وإنما المسنون الذي يأمر به ويداوم عليه، وقد كانوا يلبسون الأسود والاحمر، فاما الفوط والمرقع فانه لباس شهرة.
стр. 212
فصل
وأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته، فأخبرنا أبو منصور بن خيرون، أنبأنا أبو بكر الخطيب، نا ابن زرقويه، ثنا جعفر بن محمد الخلدي، ثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي، ثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا وكيع ابن محرز الشامي، ثنا عثمان بن جهم عن زر بن حبيش عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: «من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه (١)» أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: أنبأنا المبارك ابن عبد الجبار، نا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري، وأنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا الحسين بن علي التميمي، قالا: أخبرنا أبو حفص ابن شاهين، ثنا خثيمة بن سليمان بن حيدرة، ثنا محمد بن الهيثم، ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، ثنا مخلد بن يزيد عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة وزيد بن ثابت ﵄، عن النبي ﷺ «أنه نهى عن الشهرتين، فقيل: يا رسول الله وما الشهرتان قال: رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد (٢)».
أخبرنا محمد بن ناصر، نا محمد بن علي بن ميمون، نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني، نا أبو بكر بن عبدان، نا محمد بن سهل، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: قال موسى بن حماد بن سلمة عن ليث عن مهاجر عن ابن عمر، قال: «من لبس ثوبا مشهورا أذله الله يوم القيامة».
قال المصنف: وقد روى لنا مرفوعا قال: أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنى أبي، ثنا حجاج، ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن مهاجر الشامي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة ألبسه
стр. 213
الله ثوب المذلة يوم القيامة (١)». أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف، قالا: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، نا أبو بكر بن نجيب، ثنا أبو جعفر بن ذريح، ثنا هناد، ثنا أبو معاوية عن ليث، عن مهاجر بن أبي الحسن، عن ابن عمر ﵁، قال: (من لبس ثوب شهرة من الثياب ألبسه الله ثوب ذلة). وعن ليث، عن شهر، عن أبي الدرداء ﵁، قال «من ركب مشهورا من الدواب أعرض الله عنه ما دام عليه وإن كان كريما».
قال المصنف: وقد روينا أن ابن عمر ﵄ رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا، فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا إسماعيل بن مسعدة، نا حمزة بن يوسف، نا أبو أحمد بن عدي، ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري، ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدثنا محمد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن بريدة، عن أبيه بريدة، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر وكنت فيمن صعد الثلمة (٢) فقاتلت حتى رأى مكاني وأتيت وعلي ثوب أحمر، فما علمت أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشهرة. وقال سفيان الثوري: كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستبذل. وقال معمر: عاتبت أيوب على طول قميصه، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره.
فصل
قال المصنف: ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف. وبما روى في فضيلة لبس الصوف، فأما لبس رسول الله ﷺ الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات (٣) لم يكن لبسه شهرة عند العرب. وأما ما يروى في فضل لبسه.
стр. 214
فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء. ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين: إما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به. وأما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه من وجهين: أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه مالا تطيق ولا يجوز له ذلك، والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد.
وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمداني، نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي، نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة، ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسن بن اسماعيل الابهر، ثنا روزبه، ثنا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي، ثنا بكر بن سهل الدمياطي، ثنا محمد ابن عبد الله بن سليمان، نا داود، ثنا عباد بن العوام، عن عباد بن كثير، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه (١)». أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا العباس ابن منصور، ثنا سهل بن عمار، ثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي، ثنا محمد بن عبيد الهمداني، ثنى عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياء (٢)».
أخبرنا محمد بن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن على التميمي ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الصمد، ثنا خالد بن شوذب، قال: شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذ الحسن بكسائه فمده اليه وقال: يا فريقه يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء وإنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل. أنبأنا محمد بن عبد الباقي، نا أبو محمد الجوهر، نا أبو عمر بن حياة، نا أحمد بن معروف، ثنا الحسين ابن الفهم، ثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، ثنا
стр. 215
يزيد بن عوانه، ثنى أبو شداد المجاشعي، قال: سمعت الحسن - وذكر عنده الذين يلبسون الصوف - فقال: ما لهم تعاقدوا ثلاثا أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف (١) بمطرفة. أنبأنا ابن الحسين، أنبأنا أبو علي التميمي، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري، ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، قال: حدثنا عبد المجيد - يعني ابن أبي رواد - عن ابن طهمان - يعني إبراهيم - عن أبي مالك الكوفي عن الحسن، أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف فجلس فوضع بصره في الأرض، فجعل لا يرفع رأسه وكأن الحسن خال فيه العجب، فقال الحسن: ها إن قوما جعلوا كبرهم في صدورهم شنعوا والله دينهم بهذا الصوف، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من زي المنافقين، قالوا: يا أبا سعيد وما زي المنافقين؟ قال: خشوع اللباس بغير خشوع القلب (٢) قال ابن عقيل: هذا كلام رجل قد عرف الناس ولم يغره اللباس. ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف، فإذا قال له القائل: يا أبا فلان. ظهر منه ومن أو باشه (٣) الإنكار، فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء مالا يعمله الديباج عند الأوباش
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا اسماعيل ابن أبي الحارث، ثنا هارون بن معروف، عن ضمرة، قال: سمعت رجلا يقول: قدم حماد بن أبى سليمان البصرة فجاءه فرقد السبخي وعليه ثوب صوف، فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم يعنى النخعي - فيخرج علينا وعليه معصفرة. أخبر نا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي، ثنا شهاب بن عباد، ثنا حماد عن خالد الحذاء أن أبا قلابة قال: اياكم وأصحاب الاكسية. أخبرنا محمدبن ناصر وعمر بن طفر، قالا: نا محمد بن الحسن الباقلاوي، نا القاضي أبو العلاء الواسطي، ثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي، نا أبو الخير أحمد بن