← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فصل وأما لبسهم المصبغات فإنها إن كانت زرقاء فقد فاتهم فضيلة البياض، وإن كانت فوطا فهو ثوب شهرة وشهرته أكثر من شهرة الأزرق، وإن كانت مرقعة فهي أكثر شهرة. وقد أمر الشرع بالثياب البيض ونهى عن لباس الشهرة. فأما أمره بالثياب البيض فأخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا علي بن عاصم، نا عبد الله بن عثمان بن حثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». قال عبد الله: وحدثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثني حبيب ابن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: «البسوا الثياب البيض فأنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» قال الترمذي: هذان حديثان صحيحان. وفي الباب عن ابن عمر، قال، وهذا الذي يستحبه أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل واسحاق: أحب الثياب الينا أن نكفن فيها البياض. وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال: باب السنة في لبسهم المصبغات، واحتج بأن النبي صلوات الله عليه وسلامه، لبس حلة حمراء (١)، وإنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء (٢). قال المصنف: قلت: ولا ينكر أن رسول الله ﷺ لبس هذا ولا أن لبسه غير جائز، وقد روى إنه كان يعجبه الحبرة (٣)، وإنما المسنون الذي يأمر به ويداوم عليه، وقد كانوا يلبسون الأسود والاحمر، فاما الفوط والمرقع فانه لباس شهرة.

стр. 212

فصل وأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته، فأخبرنا أبو منصور بن خيرون، أنبأنا أبو بكر الخطيب، نا ابن زرقويه، ثنا جعفر بن محمد الخلدي، ثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي، ثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا وكيع ابن محرز الشامي، ثنا عثمان بن جهم عن زر بن حبيش عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: «من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه (١)» أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: أنبأنا المبارك ابن عبد الجبار، نا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري، وأنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا الحسين بن علي التميمي، قالا: أخبرنا أبو حفص ابن شاهين، ثنا خثيمة بن سليمان بن حيدرة، ثنا محمد بن الهيثم، ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، ثنا مخلد بن يزيد عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة وزيد بن ثابت ﵄، عن النبي ﷺ «أنه نهى عن الشهرتين، فقيل: يا رسول الله وما الشهرتان قال: رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد (٢)». أخبرنا محمد بن ناصر، نا محمد بن علي بن ميمون، نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني، نا أبو بكر بن عبدان، نا محمد بن سهل، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: قال موسى بن حماد بن سلمة عن ليث عن مهاجر عن ابن عمر، قال: «من لبس ثوبا مشهورا أذله الله يوم القيامة». قال المصنف: وقد روى لنا مرفوعا قال: أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنى أبي، ثنا حجاج، ثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن مهاجر الشامي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة ألبسه

стр. 213

الله ثوب المذلة يوم القيامة (١)». أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف، قالا: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، نا أبو بكر بن نجيب، ثنا أبو جعفر بن ذريح، ثنا هناد، ثنا أبو معاوية عن ليث، عن مهاجر بن أبي الحسن، عن ابن عمر ﵁، قال: (من لبس ثوب شهرة من الثياب ألبسه الله ثوب ذلة). وعن ليث، عن شهر، عن أبي الدرداء ﵁، قال «من ركب مشهورا من الدواب أعرض الله عنه ما دام عليه وإن كان كريما». قال المصنف: وقد روينا أن ابن عمر ﵄ رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا، فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا إسماعيل بن مسعدة، نا حمزة بن يوسف، نا أبو أحمد بن عدي، ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري، ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدثنا محمد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن بريدة، عن أبيه بريدة، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر وكنت فيمن صعد الثلمة (٢) فقاتلت حتى رأى مكاني وأتيت وعلي ثوب أحمر، فما علمت أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشهرة. وقال سفيان الثوري: كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستبذل. وقال معمر: عاتبت أيوب على طول قميصه، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره. فصل قال المصنف: ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف. وبما روى في فضيلة لبس الصوف، فأما لبس رسول الله ﷺ الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات (٣) لم يكن لبسه شهرة عند العرب. وأما ما يروى في فضل لبسه.

стр. 214

فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء. ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين: إما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به. وأما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه من وجهين: أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه مالا تطيق ولا يجوز له ذلك، والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد. وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمداني، نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي، نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة، ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسن بن اسماعيل الابهر، ثنا روزبه، ثنا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي، ثنا بكر بن سهل الدمياطي، ثنا محمد ابن عبد الله بن سليمان، نا داود، ثنا عباد بن العوام، عن عباد بن كثير، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه (١)». أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا العباس ابن منصور، ثنا سهل بن عمار، ثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي، ثنا محمد بن عبيد الهمداني، ثنى عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياء (٢)». أخبرنا محمد بن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن على التميمي ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الصمد، ثنا خالد بن شوذب، قال: شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذ الحسن بكسائه فمده اليه وقال: يا فريقه يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء وإنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل. أنبأنا محمد بن عبد الباقي، نا أبو محمد الجوهر، نا أبو عمر بن حياة، نا أحمد بن معروف، ثنا الحسين ابن الفهم، ثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، ثنا

стр. 215

يزيد بن عوانه، ثنى أبو شداد المجاشعي، قال: سمعت الحسن - وذكر عنده الذين يلبسون الصوف - فقال: ما لهم تعاقدوا ثلاثا أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف (١) بمطرفة. أنبأنا ابن الحسين، أنبأنا أبو علي التميمي، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري، ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، قال: حدثنا عبد المجيد - يعني ابن أبي رواد - عن ابن طهمان - يعني إبراهيم - عن أبي مالك الكوفي عن الحسن، أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف فجلس فوضع بصره في الأرض، فجعل لا يرفع رأسه وكأن الحسن خال فيه العجب، فقال الحسن: ها إن قوما جعلوا كبرهم في صدورهم شنعوا والله دينهم بهذا الصوف، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من زي المنافقين، قالوا: يا أبا سعيد وما زي المنافقين؟ قال: خشوع اللباس بغير خشوع القلب (٢) قال ابن عقيل: هذا كلام رجل قد عرف الناس ولم يغره اللباس. ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف، فإذا قال له القائل: يا أبا فلان. ظهر منه ومن أو باشه (٣) الإنكار، فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء مالا يعمله الديباج عند الأوباش أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا اسماعيل ابن أبي الحارث، ثنا هارون بن معروف، عن ضمرة، قال: سمعت رجلا يقول: قدم حماد بن أبى سليمان البصرة فجاءه فرقد السبخي وعليه ثوب صوف، فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم يعنى النخعي - فيخرج علينا وعليه معصفرة. أخبر نا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي، ثنا شهاب بن عباد، ثنا حماد عن خالد الحذاء أن أبا قلابة قال: اياكم وأصحاب الاكسية. أخبرنا محمدبن ناصر وعمر بن طفر، قالا: نا محمد بن الحسن الباقلاوي، نا القاضي أبو العلاء الواسطي، ثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي، نا أبو الخير أحمد بن

стр. 216

حمد البزار، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا على بن حجر، ثنا صالح ابن عمر الواسطي عن أبي خالد، قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: انما هذه ثياب الرهبان ان كان المسلمون اذا تزوروا تجملوا. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء، ثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا العيص ابن اسحاق، قال سمعت الفضيل يقول: تزييت (١) لهم بالصوف فلم ترهم يرفعون بك رأسا، تزييت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا. تزييت لهم بشيء بعد شيء كل ذلك إنما هو لحب الدنيا. أنبأنا ابن الحصين، قال: نا أبو علي بن المذهب، قال: أخبرنا أبو حفص ابن شاهين، قال: ثنا أحمد إسماعيل بن علي، قال: ثنا الحسن بن علي بن شبيب، قال: ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف وشهوته في قلبه بخمسة دراهم، أما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه، ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار الناس كان أسلم له. قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان - وكان يعدل بأبيه -: أي شيء أرادوا بلباس الصوف، قلت: التواضع، قال: ما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، نا عبد الله بن أحمد السمرقندي، ثنا أبو بكر الخطيب، نا الحسن بن الحسين العالي، نا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح، ثنا روح بن عبد المجيب، ثنا أحمد بن عمر بن يونس، قال: أيصر الثورى رجلا صوفيا فقال له الثورى: لباسك هذا بدعة. أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد المنعم بن عمر، ثنا أحمد ابن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا داود يقول: قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة. أنبأنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: أخبرني محمد بن عمر، ثنا محمد ابن المنذر، قال: سمعت أحمد بن شداد يقول: سمعت الحسن بن الربيع يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا: أكره هذا أكره هذا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق

стр. 217

نا ابن باكويه، ني عبد الواحد بن بكر، ثنا علي بن أبي عثمان بن زهير، ثنا عثمان بن أحمد، ثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل علي الموصلي على المعافي وعليه جبة صوف فقال له: ما هذه الشهرة يا أبا الحسن؟ فقال: يا أبا مسعود أخرج أنا وأنت فانظر أينا أشهر، فقال له المعافي: ليس شهرة البدن كشهرة اللباس. أخبرنا اسماعيل بن أبي بكر المقرى، نا طاهر بن أحمد، نا علي بن محمد ابن بشران، نا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل بديل على أيوب السختياني وقد مد على فراشه سبنية (١) حمراء تدفع التراب، فقال له بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذا خير من الصوف الذي عليك. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا علان بن أحمد، ثنا حبيب ابن الحسن، ثنا الفضل ابن أحمد، ثنا محمد بن يسار، قال: سمعت بشر ابن الحارث وسئل عن لبس الصوف، فشق عليه وتبين الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: أخبرنا أبي، نا الحسين بن علي الطناجيري، نا أحمد بن منصور البرسري، ثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن منصور، ثني يزيد السقا رفيق محمد بن إدريس الأنباري، قال: رأيت فتى عليه مسوح، قال: فقلت له: من لبس هذا من العلماء؟ من فعل هذا من العلماء؟ قال: قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر علي، قال يزيد فذهبت إلى بشر، فقلت له: يا أبا نصر رأيت فلانا عليه جبة مسوح فأنكرت عليه فقال: قد رآني أبو نصر فلم ينكر علي، قال: فقال لى بشر: لم يستشرني يا أبا خالد لو قلت له لقال لى: لبس فلان، ولبس فلان. أخبرنا حمد بن منصور الهمداني، نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي، نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة، نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي، ثنا ابن روزبه، ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري، ثنا إبراهيم بن محمد الإمام، ثنا هشام بن خالد، قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين، فماذا أورثك هذا الصوف، فسكت الرجل، فقال له: يكون ظاهرك قطنيا، وباطنك صوفيا. أخبرنا يحيى بن على المدبر، نا

стр. 218

أبو بكر محمد بن علي الخياط، نا الحسن بن الحسين بن حمكان، سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن عبد ربه البزار، يقول: سمعت أبا بكر بن الزيات البغدادي، يقول: سمعت ابن سيرويه يقول: دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي علي أبي الحسن بن بشار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد صوفت قلبك أو جسمك، صوف قلبك والبس القوهي على القوهي (١). أخبرنا عبد الوهاب ابن المبارك الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن السواح، نا عبد العزيز بن حسن الضراب، قال: حدثنا أبي، ثنا أحمد بن مروان، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت النضر بن شميل يقول: قلت لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد. قال أبو جعفر بن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم، خوفا من عارض شهوة النساء. فصل قال المصنف: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان، ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا، وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال لرسول الله ﷺ : لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» فما أنكر عليه ذكر التجمل بها، وإنما أنكر عليه لكونها حريرا. قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا عن أبي العالية أنه قال: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن علي الجوهري، نا أبو عمر بن حياة، نا أحمد بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمد بن سعد، نا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن ابن عون عن محمد، قال: كان المهاجرون والأنصار، يلبسون لباسا مرتفعا، وقد اشترى تميم الداري حلة.

стр. 219

بألف، ولكنه كان يصلي بها. قال ابن سعد: وأخبرنا عفان، ثنا حماد بن زيد، ثنا أيوب عن محمد بن سيرين أن تميما الداري، اشترى حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته. قال: وحدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، أن تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بألف، كان يلبسها الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وأخبرنا الفضل بن دكين، ثنا همام عن قتادة أن ابن سيرين أخبره أن تميما الداري اشترى رداء بألف فكان يصلي بأصحابه فيه. قال المصنف ﵀: قلت: وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبا وأطيبهم ريحا. وكان الحسن البصري يلبس الثياب الجياد. قال كلثوم بن جوشن، خرج الحسن وعليه جبة يمنية ورداء يمني فنظر إليه فرقد، فقال: يا أستاذ لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا، فقال الحسن: يا ابن أم مرقد، أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الاكسية. وكان مالك ابن أنس يلبس الثياب العدنية الجياد وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى نحو الدينار، وقد كانوا يؤثرون البذاذة (١) إلى حد، وربما لبسوا خلقان الثياب في بيوتهم فإذا خرجوا تجملوا ولبسوا مالا يشتهرون به من الدون ولا من الأعلى. أخبرنا احمد بن منصور الهمدان، نا أبو علي أحمد بن سعد علي العجلي ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة، نا أبو محمد جعفر ابن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي، ثنا ابن روزبه، ثنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحراني، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا محمد بن خلف، ثنا عيسى بن حازم. قال: كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة لم أر عليه ثياب صوف ولا ثياب شهرة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، تا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد ابن عبد الله، قال: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن ريان يقول: رأى علي ذو النون خفا أحمر فقال: انزع هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله ﷺ إنما لبس النبي ﷺ خفين أسودين ساذجين (٢).

стр. 220

أخبرنا محمد بن ناصر، نا محمد بن عل بن ميمون، نا عبد الكريم ابن محمد المحاملي، نا علي بن عمر الدارقطني، نا أبو الحسن أحمد بن محمد ابن سالم، نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدني، ثني الزبير عن أبي عرنة الأنصاري، عن فليح بن سليمان، عن الربيع بن يونس، قال: قال أبو جعفر المنصور: العري الفادح (١) خير من الزي الفاضح فصل قال المصنف: واعلم أن اللباس الذي يزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر. وكأنه لسان شكوى من الله ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه ومنهي عنه. أخبرنا محمد بن ناصر، نا علي بن الحصين بن أيوب، نا أبو علي بن شاذان، ثنا أبو بكر بن أحمد سليمان النجاد، ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي، ثنا عبد الله بن عمر القواريري، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا شعبة عن ابن اسحاق، عن أبى الأحوص، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشف (٢) الهيئة، فقال: «هل لك مال؟» قلت: نعم، قال: «من أي المال؟ قلت: من كل المال قد آتان الله من الإبل والخيل والرقيق والغنم، قال: «فإذا آتاك الله مالا فلير عليك (٣)». أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا مسكين بن بكير، ثني الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرا في منزلي فرأى رجلا شعثا، فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه»، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: «أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه (٤)» أخبرنا عبد الوهاب ابن المبارك ومحمد ابن ناصر، قالا: نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبو محمد الحسن بن

стр. 221

علي الجوهري وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قالا: نا أبو عمر محمد ابن العباس بن حياة، ثنا أبو بكر بن الأنباري، ثني أبي، ثنا أبو عكرمة الضبي، ثنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: مضى علي بن أبي طالب إلى الربيع بن زياد يعوده، فقال له: يا أمير المؤمنين أشكو إليك عاصما أخي، قال: ما شأنه؟ قال: ترك الملاذ (٥) ولبس العباءة فغم أهله، وأحزن ولده، فقال: علي عاصما. فلما حضر بش في وجهه وقال: أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها. أنت والله أهون على الله من ذلك، فوالله لابتذالك نعم الله بالفعال! أحب إليه من ابتذالك بالمقال. فقال: يا أمير المؤمنين إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الشعير فتنفس الصعداء، ثم قال: ويحك يا عاصم، إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبيغ بالفقير فقره. قال أبو بكر الأنباري: المعنى لئلا يزيد ويغلو. يقال - تبيغ به الدم - إذا زاد وجاوز الحد. فصل قال المصنف: فان قال قائل: تجويد اللباس هوى للنفس، وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق فالجواب: انه ليس كل ما تهواه النفس يذم ولا كل التزين للناس يكره وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو كان على وجه الرياء في باب الدين، فإن الانسان يحب أن يرى جميلا وذلك حظ النفس ولا يلام فيه. ولهذا يسرح شعره، وينظر في المرآة، ويسوي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشن إلى داخل. وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم. أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، نا عل بن محمد بن العلاف نا عبد الملك بن محمد بن بشران، نا أحمد بن إبراهيم الكندي، نا محمد بن جعفر الخرائطي، ثنا بنان بن سليمان، ثنا عبد الرحمن بن هاني عن العلاء بن كثير عن مكحول عن عائشة، قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم. وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته، فقلت: يا رسول الله وأنت تفعل هذا؟! قال: «نعم، إذا خرج الرجل إلى اخوانه فليهيء من نفسه

стр. 222

فإن الله جميل يحب الجمال (١)». أخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا عبد المحسن بن محمد بن علي، ثنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد، نا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن أحمد، نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله العرزمي، عن أبيه، عن أم كلثوم عن عائشة، قالت: خرج رسول الله ﷺ فمر بركوة لنا فيها ماء فنظر إلى ظله فيها، ثم سوى لحيته ورأسه ثم مضى. فلما رجع قلت: يا رسول الله تفعل هذا؟! قال: «وأي شيء فعلت، نظرت في ظل الماء فهيأت من لحيتي ورأسي، إنه لا بأس أن يفعله الرجل المسلم إذا خرج الى اخوانه أن يهيء من نفسه (٢)». قال المصنف ﵀: فإن قيل: فما وجه ما رويتم عن سري السقطي أنه قال: لو أحسست بإنسان يدخل علي فقلت: كذا بلحيتي وأمر يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه لخشيت أن يعذبني الله على ذلك بالنار. فالجواب: إن هذا محمول منه على انه كان يقصد بذلك الرياء في باب الدين من إظهار التخشع وغيره فأما إذا قصد تحسين صورته لئلا يرى منه ما لا يستحسن فإن ذلك غير مذموم. فمن اعتقده مذموما فما عرف الرياء ولا فهم المذموم. أخبرنا سعد الخير بن محمد الانصارى، أنا علي بن عبد الله بن محمد النيسابوري، نا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، نا محمد بن عيسى بن عمرويه، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن المثنى، ثني يحيى بن حماد، قال: أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال رجل: إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، قال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس». انفرد به مسلم ومعناه الكبر كبر من بطر الحق. وغمط بمعنى از در و احتقر. فصل قال المصنف ﵀: وقد كان في الصوفية من يلبس الثياب المرتفعة. أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر، نا

стр. 223

علي بن الحسن بن جحاف، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء: كان أبو العباس ابن عطاء يلبس المرتفع من البز كالديبقي، ويسبح بسبح (١) اللؤلؤ، ويؤثر ما طال من الثياب. قال المصنف ﵀: قلت: وهذا في الشهرة كالمرقعات، وإنما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطا، فانظر الى الشيطان كيف يتلاعب بهولاء بين طرف نقيض. فصل قال المصنف ﵀: وقد كان في الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه، وربما أفسد الثوب الرفيع القدر. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا الحسن بن غالب المقري، قال: سمعت عيسى بن علي الوزير يقول: كان ابن مجاهد يوما عند أبي، فقيل له: الشبلي، فقال: يدخل، فقال ابن مجاهد: سأسكته الساعة بين يديك، وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا، فلما جلس، قال له ابن مجاهد: يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به، فقال له الشبلي: اين في العلم «فطفق مسحا بالسوق والاعناق» (ص: (٣٣) قال: فسكت ابن مجاهد فقال له يا أبي: أردت أن تسكته فأسكتك، ثم قال له: قد أجمع الناس إنك مقرئ الوقت فأين في القرآن إن الحبيب لا يعذب حبيبه. قال: فسكت ابن مجاهد. فقال له أبي: قل يا أبا بكر فقال قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه. قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ (المائدة: ١٨) فقال ابن مجاهد: كأنني ما سمعتها قط. قال المصنف ﵀: قلت: هذه الحكاية أنا مرتاب بصحتها، لان الحسن ابن غالب كان لا يوثق به. أخبرنا القزاز، نا أبو بكر الخطيب، قال: ادعى الحسن ابن غالب أشياء تبين لنا فيها كذبه واختلاقه. فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم

стр. 224

الشبلي حين احتج بهذه الآية، وقلة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه وذلك أن قوله: «فطفق مسحا بالسوق والأعناق» لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد. والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية. فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها. وقال: أنت في سبيل الله، فهذا إصلاح. ومنهم من قال: عقرها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز فما فعل شيئا فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر، ثنا علي بن الحسن بن جحاف الدمشقي، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء: كان مذهب أبي علي الروزباري تخريق أكمامه وتفتيق قميصه، قال: فكان يخرق الثوب المثمن (١) فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه حتى أنه دخل الحمام يوما وعليه ثوب ولم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به، فقطعه على عددهم فاتزروا به، وتقدم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمامي. قال ابن عطاء: قال لي أبو سعيد الكازروني: كنت معه في هذا اليوم، وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارا. قال المصنف ﵀: ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر، قال أنبأنا أبو بكر البيهقي، نا أبو عبد الله الحاكم، قال: سمعت عبد الله بن يوسف يقول: سمعت أبا الحسن البوشنجي، يقول: كانت لي قبجة (٢) طلبت بمائة درهم فحضرنى ليلة غريبان، فقلت للوالدة: عندك شيء لضيفي؟ قالت: لا، الا الخبز. فذبحت القبة وقدمتها إليهما. قال المصنف ﵀: قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي فلقد فرط. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت جدى يقول: دخل ابو الحسين الدراج البغدادي الري، وكان يحتاج إلى لفاف لرجله فدفع اليه رجل منديلا دبيقيا (٣)، فشقه نصفين وتلفف به، فقيل له: لو بعته واشتريت منه لفافا وأنفقت الباقي، فقال ﵀: أنا لا أخون المذهب.

стр. 225

قال المصنف: وقد كان أحمد الغزالي ببغداد فخرج إلى المحول (١) فوقف على ناعورة تأن فرمي طيلسانه عليها، فدارت فتقطع الطيلسان. قال المصنف ﵀: قلت: فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ : أنه نهى عن إضاعة المال، ولو أن رجلا قطع دينارا صحيحا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا فكيف بهذا التبذير المحرم. ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله، ثم يدعون أن هذه حالة ولا خير في حالة تنافي الشرع. أفتراهم عبيد نفوسهم أم أمروا أن يعملوا بآرائهم؟ فإن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بفعلهم هذا ثم فعلوه أنه لعناد وإن كانوا لا يعرفون فلعمري إنه لجهل شديد. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد ربه الحافظ، قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه، ففتح أبو عثمان عينه، وقال: يا بني خلاف السنة في الظاهر ورياء باطن في القلب. فصل قال المصنف: وفي الصوفية من يبالغ في تقصير ثوبه، وذلك شهرة أيضا. أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله ابن أحمد، ثنى أبي، ثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن العلاء عن أبيه، أنه سمع أبا سعيد: سئل عن الإزار، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إزار المسلم إلى أنصاف الساقين. لا جناح أو لا حرج عليه ما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك فهو في النار» (٢) أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا أبو حامد ابن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: كتب إلي عبد الرزاق عن معمر، قال:

стр. 226

كان في قميص أيوب بعض التذييل، فقيل له فقال: الشهرة اليوم في التشمير. وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، قال: دخلت يوما على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعلي قميص أسفل من الركبة وفوق الساق. فقال: أي شيء هذا وأنكره، وقال: هذا بالمرة لا ينبغي. فصل قال المصنف: وقد كان في الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة. وهذا أيضا شهرة لأنه على خلاف لباس أهل البلد وكل ما فيه شهرة فهو مكروه. أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، نا أبي الحسين بن علي الطناجيري، نا أحمد بن منصور البوسري، ثنا محمد بن مخلد، ثني محمد بن يوسف، قال: قال عباس بن عبد العظيم العنبري: قال بشر بن الحارث: إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة، فنظر الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كمه. فصل قال المصنف: وقد كان في الصوفية من يستكثر من الثياب وسوسة، فيجعل للخلاء ثوبا وللصلاة ثوبا. وقد روى هذا عن جماعة منهم أبو يزيد، وهذا لا بأس به إلا أنه لا ينبغي خشية أن يتخذ سنة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن إسحاق النيسابوري، ثنا محمد بن الصباح، ثنا حاتم يعني ابن إسماعيل، ثني جعفر عن أبيه، أن علي بن الحسين، قال: يا بني لو اتخذت ثوبا للغائط، رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب، ثم أتيته، فقال: هذا ما كان لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه الا ثوب فرفضه. فصل قال المصنف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زهدا في الدنيا، وهذا حسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أصلح وأحسن. أخبرنا عبد الأول بن عيسى، نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر

стр. 227

عبد الله بن أحمد بن حياة، نا ابراهيم بن حريم، ثنا عبد بن حميد، ثني ابن أبي شيبة، ثنا محمد بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعة فقال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته (١)». أخبرنا محمد بن عبد الله الباقي، نا أبو محمد الجوهري، نا أبو عمر بن حياة، نا أحمد بن معروف معه الحساب، نا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمد بن سعد، نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال محمد بن عمر: وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك، قالوا: كان لرسول الله ﷺ برد يمنية وازار من نسيج عمان، فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان (٢). ذكر تلبس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم قال المصنف ﵀: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية، فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته ومنعهم من شرب الماء البارد، فلما بلغ الى حالة المتأخرين استراح من التعب واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم. ذكر طرف مما فعله قدمائهم قال المصنف ﵀: كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته. وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن. فروي لنا عن سهل ابن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا وبدرهمين سمنا وبدرهم دقيق الأرز فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة. فيفطر كل ليلة على واحدة. وحكى عنه أبو حامد الطوسي، قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التين مدة ثلاث سنين واقتات بثلاث سنين واقتات بثلاث.

стр. 228

دراهم في ثلاث سنين. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي، ثني أبو عبد الله الحصري، قال: سمعت أبا جعفر الحداد يقول: أشرف علي أبو تراب يوما وأنا على بركة ماء ولى ستة عشر يوما لم آكل ولم أشرب فيها ماء، فقال ما جلوسك ها هنا، فقلت: أنا بين العلم واليقين وأنا أنظر من يغلب فأكون معه، فقال: سيكون لك شأن. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا ابن أبي صادق، ثنا ابن باكويه، نا عبد العزيز بن الفضل، ثنا علي بن عبد الله العمري، ثنا محمد بن فليح، ثني إبراهيم بن البنا البغدادي، قال: صحبت ذا النون من أخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي، وقلت: هلم، فقال لي: ملحك مدقوق، قلت: نعم، قال: لست تفلح فنظرت إلى مزوده، فإذا فيه قليل سويق (١) شعير يستف (٢) منه. أخبرنا ابن ظفر، نا ابن السراج، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا ابن جهضم، ثنا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق، ثنا أحمد بن أنس، ثنا ابن أبي الحوارى، قال: سمعت أبا سليمان يقول: الزبد بالعسل إسراف. قال ابن جهضم: وحدثنا محمد بن يوسف البصري، قال: سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول: بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى، أن سهل بن عبد الله يقول: أنا حجة الله على الخلق، فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له: بلغنا أنك قلت أنا حجة الله على الخلق - فبماذا، أنبي أنت؟ أصديق أنت؟ قال سهل: لم أذهب حيث تظن ولكن انما قلت هذا لاخذى الحلال، فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال، قالوا: فأنت، قد صححته، قال: نعم، قال: وكيف؟ قال سهل: قسمت عقل ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء، فأتركه حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء ويتلف معه نفس خفت أن أكون قد اغتت عليها وقتلتها دفعت إليها من البلغة (٣) ما يرد الستة الأجزاء. أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو عبد الله بن مفلح، قال: أخبرني أبي أخبرني أبو عبد الله بن زيد (٤).

стр. 229

قال لي: منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلا في وقت ما أحل الله لها الميتة. أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي، ثنى أبو الحسن علي بن محمد القوهى، ثنا عيسى بن محمد، عن أبيه محمد ابن عيسى، ثنا موسى بن عيسى، ثنا عيسى بن آدم بن أخي أبي يزيد، قال: جاء رجل إلى أبي يزيد، قال: أريد أن أجلس في مسجدك الذي أنت فيه قال: لا تطيق ذلك، فقال: إن رأيت أن توسع لي في ذلك، فأذن له فجلس يوما لا يطعم فصبر، فلما كان في اليوم الثاني، قال له: يا أستاذ، لا بد مما لا بد منه. فقال: يا غلام لا بد من الله. قال: يا أستاذ نريد القوت، قال: يا غلام القوت عندنا إطاعة الله، فقال: يا أستاذ أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته ، فقال: يا غلام إن الأجسام لا تقوم إلا بالله . أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباق، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر البطيخ وكان قد طوى ثلاثة أيام - فقال له: تمد يدك إلى قشر البطيخ أنت لا يصلح لك التصوف، الزم السوق. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، أنبأنا رزق الله ابن عبد الوهاب، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا القاسم القيرواني يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: أقام أبو الحسن النصيبي بالحرم أياما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله، فرآه انسان فاتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم، فقال الشيخ: من جنى منكم هذه الجناية. فقال الرجل: أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته، فقال: كن مع جنايتك ومع هذا الرفق وخرج من الحرم ومعه أصحابه، وتبعه الرجل فقال: ألم أقل لك كن مع جنايتك، فقال الرجل: أنا تائب إلى الله تعالى مما جرى مني، فقال الشيخ: لا كلام بعد التوبة. أخبرنا عمر بن ظفر، نا ابن السراج، نا أبو القاسم الازجي، نا ابوالحسن ابن جهضم، ثنا ابراهيم بن محمد الشنوز، قال: سمعت بنان بن محمد يقول: كنت بمكة مجاورا فرأيت بها إبراهيم الخواص، وأتى علي أيام لم يفتح علي بشيء، وكان بمكة مزين يحب الفقراء، وكان من أخلاقه اذا جاءه الفقير يحتجم اشترى له لحما فطبخه فأطعمه فقصدته، وقلت: أريد أن أحتجم، فأرسل من يشتري لحما وأمر بأصلاحه وجلست بين يديه فجعلت

стр. 230

نفسي تقول: ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة، ثم استيقظت وقلت: يا نفس انما جئت تحتجمين لتطعمي، عاهدت الله تعالى ألا ذقت من طعامه شيئا، فلما فرغ انصرفت، فقال: سبحان الله أنت تعرف الشرط، فقلت: ثم عقد؟ فسكت وجئت إلى المسجد الحرام ولم يقدر لي شيء آكله، فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضا، فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي علي واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون، فقام إبراهيم وفرق الناس وجلس عندي يحدثني، ثم قال: تأكل شيئا؟ قلت: قرب الى الليل، فقال: أحسنتم يا مبتدئون اثبتوا على هذا تفلحوا، ثم قام فلما صلينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق (١) ماء فوضعه بين يدي، وقال: كل ذلك، فأكلت الرغيفين والعدس، فقال: فيك فضل (٢) تأكل شيئا آخر؟ قلت: نعم، فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما، وقلت: قد اكتفيت، فاضطجعت فما قمت ليلتي ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت. أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول: سمعت أبا علي الروزباري يقول: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أنا جائع، فألزموه السوق وأمروه بالكسب. أنبأنا عبد المنعم، ثنا أبي، قال: سمعت ابن باكويه يقول: سمعت أبا أحمد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فأشفقت عليه ليلة، فحملت إليه خمسة عشر حبة فنظر إلي وقال: من أمرك بهذا؟ وأكل عشر حبات وترك الباقي. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا علي بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت عبد الله بن خفيف يقول: كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كل ليلة بكف باقلاء فمضيت يوما فاقتصدت فخرج من عرقي شبه ماء اللحم وغشي علي. فتحير الفصاد وقال: ما رأيت جسدا لأدم فيه إلا هذا. فصل قال المصنف: وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم: أكل

стр. 231

درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا. وكان فيهم من يمتنع من الطيبات كلها، ويحتج بما أخبرنا به عل بن عبد الواحد الدنور، نا أبو الحسن القزويني، نا أبو حفص بن الزيات، ثنا ابن ماجه، ثنا أزهر بن جميل، ثنا بزيغ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق بها (١)». وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصافي. وفيهم من يمتنع من شرب الماء البارد فيشرب الحار. ومنهم من كان يجعل ماءه في دن (٢) مدفون في الأرض فيصير حارا ومنهم من يعاقب نفسه بترك الماء ونفعه مدة. وأخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر الوريان، ثن محمد بن سعدان، ثن عيسى بن موسى البسطامي، قال: سمعت أبي يقول: قال: سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول: سمعت أبا يزيد يقول: ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال: وأسهل ما لاقت نفسى منى أنى سألتها أمرا المدن ة الأمور فأبت، فعزمت أن لا أشرب الماء سنة فما شربت الماء سنة. وحقكنى رجلد أبو حامد الغزالي عن أبي يزيد أنه قال: دعوت نفسي إلى الله فجلمحات مشق فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك فصل قال المصنف: وقد رتب أبو طالب المكي للقوم ترتيبات في المطاعم فقال استحب للمريد ألا يزيد على رغيفين في يوم وليلة، قال: ومن الناس من كان يعمل في الأقوات فيقلها. وكان بعضهم يزن قوته بكربة (٣) من كريم عامة النخل، وهي تجف كل يوم قليلا فينقص من قوته بمقدار ذلك، قال: ومن كان يعمل في الأوقات فيأكل كل يوم ثم يتدرج الى يومين و وثلاثة، قال والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه، وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رفته، وفي رقته مفتاح المكاشفة. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي (٤) كتابا سماه «رياضة النفوس» قال فيه: فينبغي للمبتدي فى

стр. 232

هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله ثم يفطر فيطعم اليسير ويأكل كسرة كسرة، ويقطع الأدام والفواكه واللذة، ومجالسة الإخوان، والنظر في الكتب (١)، وهذه كلها أفراح للنفس فيمنع النفس لذتها حتى تمتلئ غما. قال المصنف: وقد أخرج لهم بعض المتأخرين الأربعينية. يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز ولكنه يشرب الزيوتات ويأكل الفواكه الكثيرة اللذيذة، فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدل مذكورها على مغفلها (٢) فصل قال المصنف ﵀: أما ما نقل عن سهل ففعل لا يجوز لأنه حمل على النفس ما لا تطيق، ثم إن الله أكرم الآدميين بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم فلا تصلح مزاحمة البهائم في أكل التين وأي غذاء في التبن، ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى رد وقد حكى أبو حامد عن سهل أنه كان يرى أن صلاة الجائع الذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قواه الأكل. قال المصنف ﵀: وهذا خطأ بل إذا تقوى على القيام كان أكله عبادة لأنه يعين على العبادة، وإذا تجوع إلى أن يصلي قاعدا فقد تسبب إلى ترك الفرائض فلم يجز له، ولو كان التناول ميتة ما جاز هذا فكيف وهو حلال، ثم أي قربة في هذا الجوع المعطل أدوات العبادة. وأما قول الحداد «وأنا أنظر أن يغلب العلم أم اليقين» فإنه جهل محض لأنه ليس بين العلم واليقين تضاد إنما اليقين أعلى مراتب العلم، وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النفس من المطعم والمشرب، وإنما أشار بالعلم إلى ما أمره الشرع، وأشار باليقين إلى قوة الصبر وهذا تخليط قبيح، وهؤلاء قوم تشددوا فيما ابتدعوا وكانوا كقريش في تشددهم حتى سموا بالحمس (٣)

стр. 233

فجحدوا الأصل وشددوا في الفرع، وقول الآخر: ملحك مدقوق لست تفلح، وكيف يقال عمن استعمل ما أبيح له لست تفلح، وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج، وقول الآخر: الزبد بالعسل إسراف قول مرذول لأن الإسراف ممنوع منه شرعا، وهذا مأذون فيه. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يأكل القثاء بالرطب (١)، وكان يحب الحلوى والعسل (٢). وأما ما روينا عن سهل أنه قال: قسمت قوتي وعقلي سبعة أجزاء ففعل يذم به ولا يمدح عليه إذ لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب، لأنه ظلم للنفس وترك لحقها، وكذلك قول الذي قال: ما أكلت إلا وقت أن يباح لي أكل الميتة، فإنه فعل برأيه المرذول. وحمل على النفس مع وجود الحلال. وقول أبي يزيد: القوت عندنا الله، كلام ركيك فإن البدن قد بني على الحاجة إلى الطعام حتى إن أهل النار في النار يحتاجون إلى الطعام، وأما التقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل فلا وجه له، والذي طوى ثلاثا لم يسلم من لوم الشرع، وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع في الضعف فإنه فعل ما لا يحل له، وقول إبراهيم له: أحسنتم يا مبتدئون خطأ أيضا، فإنه كان ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان إذ من له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، ثني الأزهري، ثنا علي بن عمر، ثنا أبو حامد الحضرمي، ثنا عبد الرحمن بن يونس السواح، ثنا بقية بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار». قال المصنف ﵀: قلت: كل رجاله ثقات (٣). وقد أخبرنا به عاليا محمد بن عبد الباقي، نا أبو يعلى محمد بن الحسين، نا علي بن عمر السكري، ثنا أحمد بن محمد الأسدي، ثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره، وقال: من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار. قال المصنف ﵀: وأما تقليل ابن خفيف ففعل قبيح لا يستحسن،

стр. 234

وما يورد هذه الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع، فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم فكيف بفعل جاهل مبرسم (١)، وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها، فأكل اللحم يقوي القوة وتركه يضعفها ويسيء الخلق، وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة (٢)، ودخل يوما فقدم إليه طعام من طعام البيت، فقال: لم أر لكم برمة تفور (٣). وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما، وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر. وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله لما خلق بني آدم على الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الأخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء، فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات، فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه، فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة البارى بردها ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل، ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ، وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة لنا فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا. ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى إنه قال: لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه الى الجماع أن يأكل فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه. قال المصنف ﵀: وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل اداما والماء شهوة أخرى. أوليس في الصحيح.

стр. 235

أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد (١)، فهلا اقتصر على شهوة واحدة. أوليس في «الصحيحين» أن رسول الله ﷺ كان يأكل القثاء بالرطب وهاتان شهوتان. أو ما أكل عند أبي الهيثم ابن التيهان خبزا وشواء وبسرا (٢) وشرب ماء باردا. أو ما كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي، أو ما تعلف الفرس الشعير والتبن والقت (٣). وتطعم الناقة الخبط (٤) والحمض (٥)، وهل البدن الاناقة. وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة، وانما تجنيب فضول الشهوات لئلا يكون سببا لكثرة الأكل وجلب النوم، ولئلا تتعود فيقل الصبر عنها فيحتاج الانسان إلى تضييع العمر في كسبها وربما تناولها من غير وجهها. وهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات. والحديث الذي احتجوا به «احرموا أنفسكم طيب الطعام» حديث موضوع عملته يدا بزيغ الراوي. وأما إذا أقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه، لأن خبز الشعير يابس مجفف و الملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر، وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها. وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الحوفي أنه كان يأكل خبز البلوط بغير إدام وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدهن والدسومات فلا يفعل. قال المصنف ﵀: وهذا يورث القولنج الشديد. واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع وأحسن الآداب في المطعم أدب الشارع ﷺ . أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن حمكان، ثنا عبد الله ابن أحمد، ثنى أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا سليمان بن سليم الكناني، ثنا يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت المقدام بن معدي كرب يقول: سمعت رسول الله صلى الله ع عليه وسلم يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من

стр. 236

بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لابد، فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه (١). قال المصنف ﵀: فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظا لها وسعيا في مصلحتها. ولو سمع أبقراط (٢) هذه القسمة في قوله: ثلث وثلث وثلث لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب، فهذا أعدل الأمور، فإن نقص منه قليلا لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضيق المجاري على الطعام. فصل قال المصنف ﵀: واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شبانهم ومبتدئيهم، ومن أضر الأشياء على الشاب الجوع، فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضا، فأما الشبان فلا صبر لهم على الجوع. وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة فلذلك يجود هضمه ويكثر تحلل بدنه فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الجديد إلى كثرة الزيت، فإذا صابر الشاب الجوع وتثبته في أول النشوء قمع نشوء نفسه، فكان كمن يعرقب (٣) أصول الحيطان ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن فتغذيه بالأخلاط فيفسد الدهن والجسم، وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل. فصل قال المصنف ﵀: وذكر العلماء التقلل الذي يضعف البدن، أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا إبراهيم بن جعفر الساجي، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، نا عبد الله ابن إبراهيم بن يعقوب الجيلي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قال له عقبة بن مكرم: هؤلاء الذين يأكلون قليلا ويقللون من مطعمهم، فقال ما يعجبني، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعل قوم هذا فقطعهم عن

стр. 237

الفرض. قال الخلال: وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، ثنا اسحاق بن داود بن صبيح، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي يا أبا سعيد إن يبلدنا قوما من هؤلاء الصوفية، فقال: لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون، وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة، ثم قال: خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته وكان معه سفرة فيها فالوذج وكان فيها حمل قال الخلال: وأخبرني المروزي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وقال له رجل: إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس، وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله ، فقال: لعلك كنت تدمن الصوم، أفطر وكل دسما وجالس القصاص. قال المصنف ﵀: وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم فيجتمع في معدته أخلاط فجة فتغتذى المعدة منها مدة، لأن المعدة لا بد لها من شيء تهضمه، فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئا تناولت الاخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء، وذلك الغذاء الردئ يخرج إلى الوساوس والجنون وسوء الأخلاق. وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقليل أردأ المأكولات فتكثر أخلاطهم فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط. ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج فتضيق المعدة فيمكنهم الصبر عن الطعام أياما. ويعينهم على هذا قوة الشباب فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة، وإنما السبب ما عرفتك. وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، قال: حدثني أبي، قال: كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها، فقالت: كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالا أظنها قوة الحال، فلما كبرت زالت عني، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب فتوهمتها أحوالا، قال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز، وقال: أنها كانت منصفة. وقال المصنف: فإن قيل: كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر ﵁ كان يأكل كل يوم احدى عشرة (١) لقمة، وإن ابن الزبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل (٢)، وان ابراهيم التيمي بقي شهرين، قلنا: قد يجري للانسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم عليه، ولا

стр. 238

يقصد الترقي إليه. وقد كان في السلف من يجوع عوزا وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه. وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللبن، ونحن لا نأمر بالشبع إنما ننهي عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن، وإذا ضعف البدن قلت العبادة، فإن حملت البدن قوة الشباب جاء الشيب فاقدع (١) بالراكب. وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، نا عبد القادر بن يوسف، نا أبو اسحاق البرمكي، ثنا أبو يعقوب بن سعد النسائي، ثنا جدي الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا سفيان بن عيينة، عن مالك بن أنس، عن اسحاق ابن عبيد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: كان يطرح لعمر بن الخطاب ﵁ الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه (٢). وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم، انه اشترى زبدا وعسلا وخبزا حوارى (٣). فقيل له: هذا كله تأكله، فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال واذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. فصل قال المصنف ﵀: وأما الشرب من الماء الصافي فقد تخيره رسول الله ﷺ . أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا فليح ابن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ : أتى قوما من الأنصار يعود مريضا فاستسقى وجدول قريب منه، فقال: «ان كان عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا» أخرجه البخاري. وأخبرنا منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو عمر بن مهدي، ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، ثنا محمد بن عمرو بن أبي مدعور، ثنا عبد العزيز بن محمد، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا (٤)»

стр. 239

قال المصنف: وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يولد الحصا في الكلى والسدد في الكبد، وأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة فإنه يشد المعدة، ويقوي الشهوة، ويحسن اللون، ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ، ويحفظ الصحة، واذا كان الماء حارا أفسد الهضم وأحدث الترهل وأذبل البدن، وأدى إلى الاستسقاء والدق (١)، فإن سخن بالشمس خيف منه البرص (٢). وقد كان بعض الزهاد يقول: إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت، وكذلك قال أبو حامد الغزالي: إذا أكل الانسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت، واذا منع نفسه شهواتها وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت. قال المصنف ﵀: واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب ما أحبت الموت، ثم كيف يجوز لنا تعذيبها، وقد قال الله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء: ٢٩) ورضي منا بالإفطار في السفر رفقا بها، وقال: ﴿يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: ١٨٥) أوليست مطيتنا التي عليها وصولنا وكيف لا نأوي لها وهي التي … بها قطعنا السهل والحزونا (٣) وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال، ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم، ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه، ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذى، ولا في الثلج في الشتاء. والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ الأغذية وقوام النفس بالأغذية، فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها، وهذا من أفحش الخطأ. وكذلك منعه إياها النوم، قال ابن عقيل: وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم، يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزي فإن فعله أعاده الإمام. وهذه النفوس ودائع الله حتى أن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة.

стр. 240

قال المصنف ﵀: قلت: وقد روينا في حديث الهجرة (١) أن النبي ﷺ تزود طعاما وشرابا. وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله، وكل ذلك من الرفق بالنفس. وأما ما رتبه أبو طالب المكي فحمل على النفس بما يضعفها، انما يمدح الجوع إذا كان بمقدار، وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ. وأما ما صنفه الترمذي فكأن ابتداء شرع (٢) برأيه الفاسد. وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التوبة وما فائدة قطع الفواكه المباحة، وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي. وأما الأربعينية فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له «من أخلص لله أربعين صباحا لم يجب الإخلاص (٣) أبدا» فما وجه تقديره بأربعين صباحا، ثم لو قدرنا ذلك فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم، ثم ما الذي حسن منع الفاكهة ومنع الخبز وهل هذا كله إلا جهل. وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري، قال: حدثنا أبي قال: حجج الصوفية أظهر من حجج كل أحد وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب، لأن الناس إما أصحاب نقل وأثر وأما أرباب عقل وفكر، وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة، والذي للناس غيب، فلهم ظهور فهم أهل الوصال، والناس أهل الاستدلال، فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق وأولها الخروج من المال ثم الخروج من الجاه وأن لا ينام إلا غلبة وأن يقلل غذاءه بالتدريج. قال المصنف ﵀: قلت: من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط، فإن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدود في الناس وليس أحد من الخلق إلا وه، مستدل، وذكر الوصال (٤) حديث فارغ. فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين والأشياخ، والله الموفق. فصل في ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم أخبرنا يحيى بن علي المدبر، نا أبو بكر محمد بن علي الخياط، ثنا

стр. 241

الحسن بن الحسين ابن حكمان، ثنا عبدان بن يزيد العطار، وأخبرنا محمد ابن أبي منصور، أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، ثنا محمد بن أحمد الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى البردجرد، ثنا عمير بن مرداس، قالا: حدثنا محمد بن بكير الحضرمي، ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم العمري، عن عبيد الله بن عمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء عثمان بن مظعون إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «وما تحدثك نفسك يا عثمان»، قال: تحدثني نفسي بأن أختصي، فقال: مهلا يا عثمان فإن خصي أمتي الصيام» قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال، قال: «مهلا يا عثمان، فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة»، قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض، قال: «مهلا يا عثمان، فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة» قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مال كله، قال: «مهلا يا عثمان فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك و ترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك، قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي، قال: مهلا يا عثمان فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه، أو هاجر إلي في حياتي، أو زار قبر بعد موتي، أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع». قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها، قال: «مهلا يا عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله فإن لم يكن من وقعته تلك ولد كان له وصيف (١) في الجنة، فإن كان من وقعته تلك ولد فإن مات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة، وإن كان بعده كان له نورا يوم القيامة، قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم، قال: «مهلا يا عثمان فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني»، قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبا، قال: «مهلا يا عثمان فإن جبريل أمرني بالطيب غبا (٢) ويوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتي، فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضى (٣)».

стр. 242

قال المصنف ﵀: هذا حديث عمير بن مرداس أخبرنا محمد بن أبي طاهر، نا الجوهري، نا أبو عمر بن حياة، نا أحمد ابن معروف، نا الحسن بن الفهم، ثنا محمد بن سعد، نا الفضل بن دكين، ثنا إسرائيل، ثنا أبو إسحاق، عن أبي بردة، قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: مالك فما في قريش رجل أغنى من بعلك؟! قالت: مالنا منه شيء، أما ليلة فقائم، وأما نهاره فصائم. فدخلن إلى النبي ﷺ فذكرن ذلك له فلقيه. فقال: «يا عثمان أمالك بي أسوة؟!» فقال: بأبي وأمي أنت وما ذاك؟ قال: «تصوم النهار وتقوم الليل»، قال: إني لأفعل، قال: «لا تفعل إن لعينك عليك حقا، وإن لجسدك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فصل ونم وصم وأفطر (١)». قال ابن سعد: وأخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، ثنا معاوية ابن عباس الحرمي، عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه، وقال: «يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثا، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة (٢)». أخبرنا محمد بن ناصر، نا محمد بن علي بن ميمون، نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني، نا أبو بكر بن عبدان، نا محمد بن سهل، ثنا البخاري (٣) قال: قال موسى بن اسماعيل بن حماد بن زيد بن مسلم، ثنا معاوية بن قرة، عن كهمس الهلالي، قال: أسلمت وأتيت النبي ﷺ فاخبرته باسلام. فمكثت حولا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسم فخفض في البصر ثم صعده، قلت: أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت؟» قلت: أنا كهمس الهلالي، قال: «فما بلغ بك ما أرى» قلت: ما أفطرت بعدك نهارا، ولا نمت ليلا. قال: «ومن أمرك أن تعذب نفسك صم شهر الصبر ومن كل شهر يوما» قلت: زدن قال: «صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين». قلت: زدن قال: «صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام».

стр. 243

أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدرى، نا أبو أحمد محمد بن الغطريف ثنا أبو بكر الذهبي، ثنا حميد بن الربيع، ثنا عبده بن حميد، عن الأعمش، عن جرير بن حازم، عن أيوب عن أبي قلابة بلغ به ﷺ أن ناسا من أصحابه أحتموا النساء واللحم اجتمعوا، فذكرنا ترك النساء واللحم فأوعد فيه وعيدا شديدا. وقال: «لو كنت تقدمت فيه لفعلت. ثم قال: إني لم أرسل بالرهبانية، إن خير الدين الحنيفية السمحة (١)». قال المصنف ﵀: وقد روينا في حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: «ان الله يجب أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه (٢)». وقال بكر بن عبد الله: من أعطى خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا لنعمة الله . ومن أعطى خيرا فلم ير عليه سمى: بفيض الله معاديا لنعمة الله . فصل نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد قال المصنف ﵀: وهذا الذي نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد. قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المأكل كما كانت هذة متقدميهم في الجوع، لهم الغداء والعشاء والحلوى، وكل ذلك أو أكثرء حاصل من أموال وسخة، وقد تركوا كسب الدنيا، وأعرضوا عن التعبيد وافترشوا فراش البطالة فلا همة لأكثرهم إلا الأكل واللعب. فان أحس من محسن منهم قالوا: طرح شكرا، وإن أساء مسئ قالوا: استغفر، ويسمون ما يلزمونه إياه واجبا. وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبا جناية عليه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا محمد ابن أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ النيسابوري، ثنا أبو زكريا يحيى ابن محمد العنبري، نا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن عبدوس السراج البغدادي، قال: قام أبو مرحوم القاضي بالبصرة يقص على الناس فأبكى، فلما فرغ من قصصه قال: من يطعمنا أرزة (٣) في الله، فقام شاب من المجلس، فقال: أنا، فقال: اجلس يرحمك الله فقد عرفنا موضعك، ثم

стр. 244

قام الثانية ذلك الشاب، فقال: اجلس فقد عرفنا موضعك، فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه: قوموا بنا إليه، فقاموا معه فأتوا منزله، قال: فأتينا بقدر من باقلاء فأكلناه بلا ملح، ثم قال أبو مرحوم: علي بخوان خماسي وخمس مكاكيك (٢) أرز، وخمسة أمنان (٣) سمن، وعشرة أمنان سكر، وخمسة أمنان صنوبر، وخمسة أمنان فستق، فجيء بها كلها، فقال أبو مرحوم لأصحابه: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا، قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها، قال: أخرقوا فيها أنهارها، قال: فأتى بذلك السمن فأجرى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا، قالوا: مشرق لونها، مبيضة شمسها، مجراة فيها أنهارها، فقال: يا إخواني اغرسوا فيها أشجارها، قال: فأتى بذلك الفستق والصنوبر، فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا، قالوا: مشرق لونها، مبيض شمسها، مجرى فيها أنهارها، وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلت لنا ثمارها، قال: يا إخواني ارموا الدنيا بحجارتها، قال: فأتى بذلك السكر فألقى فيها، ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه، فقال: يا إخواني كيف أصبحت الدنيا، قالوا: مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجريت فيها أنهارها، وقد غرست فيها أشجارها، وقد تدلت لنا ثمارها، فقال: يا إخواني، مالنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها، قال: فجعل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس (٤)، قال أبو الفضل أحمد بن سلمة: ذكرته لأبي حاتم الرازي، فقال: امله (٥) علي فأمليته عليه فقال: هذا شأن الصوفية. قال المصنف ﵀: قلت: وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل ثم اختار من الطعام، فربما ملأ كميه من غير إذن صاحب الدار، وذلك حرام بالإجماع، ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطعام ليحمله معه، فوثب صاحب الدار فأخذه منه. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد قال المصنف ﵀: اعلم أن سماع الغناء يجمع شيئين: أحدهما

стр. 245

أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته. والثاني أنه يميله إلى اللذات العاجلة التي تدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح، وليس تمام لذته إلا في المتجددات، ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحل، فلذلك يحث على الزنا فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزنا أكبر لذات النفس، ولهذا جاء في الحديث «الغناء رقية الزنا» (١). وقد ذكر أبو جعفر الطبري أن الذي أتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له: ثوبال، اتخذ في زمان مهلائيل ابن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان، فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث، فنزل منهم قوم وقشت الفاحشة وشرب الخمور. قال المصنف ﵀: وهذا لأن الالتذاذ بشيء يدعو إلى التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه، ولا يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئا من الاصوات المحرمة كالعود، نظر الى المعنى الحاصل بالعود فدرجه في ضمن الغناء بغير العود وحسنه لهم، وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء، والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد، فإن النظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز. وتقبيل الصبية التي لها من العمر ثلاث سنوات جائز إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإن وجد شهوة حرم ذلك وكذلك الخلوة بذوات المحارم فإن خيف من ذلك حرم فتأمل هذه القاعدة. فصل تكلم الناس في الغناء قال المصنف ﵀: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا، فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة. وفصل الخطاب أن نقول: ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك، والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات، فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام، وربما ضربوا مع انشادهم.

стр. 246

بطبل (١)، فسماع تلك الأشعار مباح، وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال. وفي معنى هؤلاء الغزاة: فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو. وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال، وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم: بشرها دليلها وقالا … غدا ترين الطلح والجبالا وهذا يحرك الإبل والآدمي، إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال. وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا، نا أبو جعفر بن المسلمة، نا المخلص، نا أحمد بن سليمان الطوسي، ثنا الزبير بن بكار، ثني إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو البختري وهب، عن طلحة المكي عن بعض علمائهم (٢): أن رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم، فقال: إن حادينا نام (٣)، فسمعنا حاديكم فملت إليكم، فهل تدرون أنى كان الحداء؟ قالوا: لا، والله، قال: إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يايداه يا يداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الابل واجتمعت فاشتق الحداء. قال المصنف ﵀: وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له: أنجشة يحدو فتعنق (٤) الابل، فقال رسول الله ﷺ : «يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير» (٥). وفي حديث سلمة ابن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوام العامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: لا هم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فالقين سكينة علينا … وثبت الأقدام إذ لاقينا

стр. 247

فقال رسول الله ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر ابن الأكوع فقال: يرحمه الله (١). قال المصنف ﵀: وقد روينا عن الشافعي ﵁ أنه قال: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به. قال المصنف ﵀: قلت: ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم: طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا … ما دعا الله داع (٢) ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة، وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده. ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي، ثني الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين ورسول الله ﷺ مسجي عليه بثوبه - فانتهرهما أبو بكر -، فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه، وقال: «دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد أخرجاه في الصحيحين». قال المصنف ﵀: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن، لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب (٣) إليها الجواري فيلعبن معها. وقد أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبو إسحاق البرمكي، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلال، أخبرني منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين - أي شيء هذا الغناء؟ قال: غناء الركب: أتيناكم أتيناكم قال الخلال: وحدثنا أحمد بن الفرج الحمصي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا أبو عقيل عن بهية، عن

стр. 248

عائشة ﵂، قالت: كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة إن الأنصار أناس فيهم غزل: فما قلتم؟ قالت: دعونا بالبركة. قال: أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم ولولا الذهب الاحمر … ما حلت بواديكم ولولا الحبة السمرا … لم تسمن عذاريكم (١) أخبرنا أبو الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن أجلح، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: أهديتم الجارية إلى بيتها قالت: نعم، قال: فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول: أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم فإن الأنصار قوم فيهم غزل (٢) قال المصنف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم. ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم: يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به ابو العزيز كاوس، نا المظفر بن الحسن الهمداني، نا أبو بكر بن لال، ثنا

стр. 249

الفضل بن الفضل الكندي، قال: سمعت عبدوس يقول: سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها فقال: مثل أي شيء قلت: يقولون: إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني فقال: أعد علي، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته ورد الباب - فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول: إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح، يثيرون بها الأحزان والبكاء، فينهي عنها لما في ضمنها. فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون (١) للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو، وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر: ذهبي اللون من … وجنتيه النار تتقدح خوفوني من فضيحته … ليته وافى (٢) وأفتضح وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال، وتثير حب الهوى، ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيجعجع القلوب. وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد، والدف بالجلاجل، والشبابة الثانية عن الزمر، فهذا الغناء المعروف اليوم. فصل قال المصنف ﵀: وقبل أن نتكلم في إباحته أو تحريمه أو كراهته نقول: ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء. فلا

стр. 250

يحمل الكل محملا واحدا، فيقول: قد أباحه فلان وكرهه فلان. فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والاخوان فنقول: معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت، فإذا ادعى الشاب السليم البدن والصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع، فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال، فإن تعلل فقال: إنما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج (١) العينين، ورقة الأنف، ونقاء البياض، قلنا له: في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة، ها هنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة. فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك، وكذا من قال: إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه، فانا نكذبه الموضع اشتراك الطباع. ثم إن كان قلبه بالخوف من الله غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع، وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف. وأقبح القبيح البهرجة، ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى. ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته، والقوم قد أباحوه على الأطلاق للشاب المبتدئ والصبي الجاهل حتى قال أبو حامد الغزالي: إن التشبيب بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القد، والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح أنه لا يحرم. قال المصنف ﵀: فأما من قال: إني لا أسمع الغناء للدنيا وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين: أحدهما - أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال: إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة. والثاني - إنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق ﵎ أن يقال في حقه أنه يعشق، ويقع الهيمان به. وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء. فصل أما مذهب أحمد ﵀، فإنه كان الغناء في زمانه انشاد قصائد.
следующие страницы →