بطبل (١)، فسماع تلك الأشعار مباح، وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال. وفي معنى هؤلاء الغزاة: فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو. وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال، وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم:
بشرها دليلها وقالا … غدا ترين الطلح والجبالا
وهذا يحرك الإبل والآدمي، إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال.
وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا، نا أبو جعفر بن المسلمة، نا المخلص، نا أحمد بن سليمان الطوسي، ثنا الزبير بن بكار، ثني إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو البختري وهب، عن طلحة المكي عن بعض علمائهم (٢): أن رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم، فقال: إن حادينا نام (٣)، فسمعنا حاديكم فملت إليكم، فهل تدرون أنى كان الحداء؟ قالوا: لا، والله، قال: إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يايداه يا يداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الابل واجتمعت فاشتق الحداء.
قال المصنف ﵀: وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له: أنجشة يحدو فتعنق (٤) الابل، فقال رسول الله ﷺ : «يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير» (٥). وفي حديث سلمة ابن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوام العامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول:
لا هم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فالقين سكينة علينا … وثبت الأقدام إذ لاقينا
стр. 247
فقال رسول الله ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر ابن الأكوع فقال: يرحمه الله (١).
قال المصنف ﵀: وقد روينا عن الشافعي ﵁ أنه قال: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به.
قال المصنف ﵀: قلت: ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا الله داع (٢)
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة، وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده. ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي، ثني الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين ورسول الله ﷺ مسجي عليه بثوبه - فانتهرهما أبو بكر -، فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه، وقال: «دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد أخرجاه في الصحيحين».
قال المصنف ﵀: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن، لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب (٣) إليها الجواري فيلعبن معها.
وقد أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبو إسحاق البرمكي، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلال، أخبرني منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين - أي شيء هذا الغناء؟ قال: غناء الركب: أتيناكم أتيناكم قال الخلال: وحدثنا أحمد بن الفرج الحمصي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا أبو عقيل عن بهية، عن
стр. 248
عائشة ﵂، قالت: كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة إن الأنصار أناس فيهم غزل: فما قلتم؟ قالت: دعونا بالبركة. قال: أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الاحمر … ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمرا … لم تسمن عذاريكم (١)
أخبرنا أبو الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن أجلح، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: أهديتم الجارية إلى بيتها قالت: نعم، قال: فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
فإن الأنصار قوم فيهم غزل (٢)
قال المصنف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم. ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم:
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا
فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به ابو العزيز كاوس، نا المظفر بن الحسن الهمداني، نا أبو بكر بن لال، ثنا
стр. 249
الفضل بن الفضل الكندي، قال: سمعت عبدوس يقول: سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها فقال: مثل أي شيء قلت: يقولون:
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
فقال: أعد علي، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته ورد الباب - فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح، يثيرون بها الأحزان والبكاء، فينهي عنها لما في ضمنها.
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون (١) للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو، وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر:
ذهبي اللون من … وجنتيه النار تتقدح
خوفوني من فضيحته … ليته وافى (٢) وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال، وتثير حب الهوى، ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيجعجع القلوب. وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد، والدف بالجلاجل، والشبابة الثانية عن الزمر، فهذا الغناء المعروف اليوم.
فصل
قال المصنف ﵀: وقبل أن نتكلم في إباحته أو تحريمه أو كراهته نقول: ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء. فلا
стр. 250
يحمل الكل محملا واحدا، فيقول: قد أباحه فلان وكرهه فلان. فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والاخوان فنقول:
معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت، فإذا ادعى الشاب السليم البدن والصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع، فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال، فإن تعلل فقال: إنما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج (١) العينين، ورقة الأنف، ونقاء البياض، قلنا له: في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة، ها هنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة. فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك، وكذا من قال: إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه، فانا نكذبه الموضع اشتراك الطباع. ثم إن كان قلبه بالخوف من الله غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع، وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف. وأقبح القبيح البهرجة، ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى. ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته، والقوم قد أباحوه على الأطلاق للشاب المبتدئ والصبي الجاهل حتى قال أبو حامد الغزالي: إن التشبيب بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القد، والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح أنه لا يحرم.
قال المصنف ﵀: فأما من قال: إني لا أسمع الغناء للدنيا وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين: أحدهما - أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال: إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة. والثاني - إنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق ﵎ أن يقال في حقه أنه يعشق، ويقع الهيمان به. وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء.
فصل
أما مذهب أحمد ﵀، فإنه كان الغناء في زمانه انشاد قصائد.
стр. 251
الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه. فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني. وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي: أنه سئل عن استماع القصائد فقال: أكرهه، هو بدعة، ولا يجالسون. وروى عنه أبو الحارث أنه قال: التغبير بدعة، فقيل له: أنه يرقق القلب. فقال: هو بدعة وروى عنه يعقوب الهاشمي: التغبير بدعة محدث، وروى عنه يعقوب بن غياث (١) كره التغبير، وإنه نهي عن استماعه.
قال المصنف: فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء. قال أبو بكر الخلال: كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون، ثم روى عنه ما يدل على أنه لا بأس بها. قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القصائد، فقال: بدعة. فقلت له: إنهم يهجرون (٢) فقال: لا يبلغ بهم هذا كله.
قال المصنف: وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فلم ينكر عليه، فقال له صالح: يا أبت أليس كنت تنكر هذا؟ فقال: إنما قيل لي انهم يستعملون المنكر فكرهته، فأما هذا فأني لا أكرهه.
قال المصنف ﵀: قلت: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء. وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات، وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد. ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية. فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: لا تباع على أنها مغنية، فقيل له: أنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة.
قال المصنف: وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق، وهذا دليل على أن الغناء محظور، إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم. وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي ﷺ . عندي خمر لأيتام، فقال:
стр. 252
"أرقها" (١). فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى * وروى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه قال: كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء، وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما يغنى بالغزل والنوح. فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات.
فصل
قال المصنف: وأما مذهب مالك بن أنس ﵀، فأخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبو إسحاق البرمكي، نا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلال وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا، نا أبو نصر محمد بن محمد الدبيثي، نا أبو بكر محمد بن عمر الوراق، نا محمد بن السري بن عثمان التمار، قالا أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبيه عن إسحاق بن عيسى الطباع (٢)، قال: سألت مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله الفساق. أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري، قال: أنبأنا أبو الطيف الطبري، قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده، فإنه قد حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا.
فصل
وأما مذهب أبي حنيفة ﵁، أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب الطبري، قال: كان أبو حنيفة يكره الغناء مع اباحته شرب النبيذ (٣) وبجعل سماع الغناء من الذنوب، قال: وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم، والشعبي وحماد، وسفيان الثوري وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. قال: ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه، إلا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا.
فصل
وأما مذهب الشافعي رحمة الله عليه، قال: حدثنا اسماعيل بن أحمد،
стр. 253
نا أحمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الأصفهاني، ثنا محمد بن عبد الرحمن، ثنا أحمد بن محمد بن الحارث، ثنا محمد بن إبراهيم بن جياد، ثنا الحسن ابن عبد العزيز الحروي، قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: خلفت بالعراق شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يشغلون به الناس عن القرآن.
قال المصنف ﵀: وقد ذكر أبو منصور الأزهري المغبرة - قوم يغيرون بذكر الله بدعاء وتضرع، وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله تغبيرا، كأنهم اذا شاهدوا بالألحان طربوا ورقصوا فسموا مغيرة لهذا المعنى. وقال الزجاج: سموا مغيرين لتزهيدهم الناس في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة.
وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، قال: قال الشافعي: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته، قال: وكان الشافعى يكره التغبير. قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد (١) وعبيد الله العنبري، وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار» (٢) وقال: «من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية» (٣)
قال المصنف: قلت: وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي ﵃ ينكرون السماع. وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلاف، وأما أكابر المتأخرين
стр. 254
فعلى الإنكار. منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع كتاب مصنف. حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري، ومنهم القاضي أبو بكر محمد بن مظفر الشامي، أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الانماطي عنه قال: لا يجوز الغناء ولا سماعه ولا الضرب بالقضيب. قال: ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كذب عليه. وقد نص الشافعي في كتاب «أدب القضاء» على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء ردت شهادته وبطلت عدالته.
قال المصنف ﵀: قلت: فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم، وإنما رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه. وقال الفقهاء من أصحابنا: لا تقبل شهادة المغني والرقاص، والله الموفق.
فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما
قال المصنف: وقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنة والمعنى فأما الاستدلال من القرآن فبثلاث آيات. الآية الأولى قوله : ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث﴾ (لقمان: ٦). أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي، قالا: نا أبو محمد الصريفيني، نا أبو بكر بن عبدان، ثنا عبد الله بن منيع، ثنا عبد الله بن عمر، ثنا صفوان بن عيسى، قال: قال حميد الخياط: أخبرنا عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء، قال: سألت ابن مسعود عن قول الله : ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾، قال: هو والله الغناء. أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ، قالا: نا طراد بن محمد، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا زهير بن حرب، ثنا جرير عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾، قال: هو الغناء وأشباهه. أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدير، قالا: نا أبو الحسين بن النقور، نا ابن حياة، ثنا البغوي، ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد ﴿و من الناس من يشتري لهو الحديث﴾، قال: الغناء. أخبرنا ابن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا أبو إسحاق البرمكي، نا أحمد بن جعفر ابن مسلم، نا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، ثنا ابو بكر المروزي، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبده، ثنا إسماعيل عن سعيد بن يسار، قال: سألت عكرمة عن لهو الحديث قال: هو الغناء. وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعي
стр. 255
الآية الثانية قوله : ﴿وأنتم سامدون﴾ (النجم: ٦١). أخبرنا عبد الله بن علي، نا طراد بن محمد، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس «وأنتم سامدون» قال: هو الغناء بالحميرية سمد لنا: غنى لنا. وقال مجاهد: هو الغناء يقول أهل اليمن: سمد فلان: إذا غنى.
الآية الثالثة قوله : ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك﴾ (الإسراء: ٦٤). أخبرنا موهوب بن أحمد، نا ثابت بن بندار نا عمر بن إبراهيم الزهري، نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي، ثنا الحسين ابن الكميت، ثنا محمد بن نعيم بن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد: «واستفزز من استطعت منهم بصوتك»، قال: هو الغناء والمزامير.
أما السنة - أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر ﵁: أنه سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع أتسمع فأقول: نعم فيمضي، حتى قلت: لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع زمارة راع فصنع مثل هذا (١).
قال المصنف ﵀: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا الحسين بن محمد النصيبي، ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، ثنا أبو بكر ابن الأنباري، ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار، ثنا ابن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن، وقال: «ثمنهن حرام» (٢). وقرأ ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل﴾
стр. 256
﴿عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين﴾ (لقمان: ٦).
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران، نا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي، ثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي المهلب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات وعن التجارة فيهن وعن تعليمهن الغناء، وقال: ثمنهن حرام». وقال في هذا أو نحوه أو قال: شبهه نزلت علي ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ (١). وقال: «ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء الا بعث الله له شيطانين يرتدفانه، أعنى هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت» وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها، ثم قرأ ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث﴾ (٢). وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة» (٣).
أخبرنا ظفر بن علي، نا أبو الحسن بن أحمد المقتدي، نا أبو نعيم الحافظ نا حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد، ثنا محمد بن كليب، ثنا خلف بن خليفة، عن إبان المكتب عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر، قال: «دخلت مع رسول الله ﷺ فاذا ابنه
стр. 257
ابراهيم يجود بنفسه، فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ففاضت عيناه، فقلت: يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء؟! فقال: لست أنهى عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة ضرب وجه وشق جيوب ورنة شيطان» (١).
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط، نا عبد الملك بن محمد بن بشران، ثنا أبو علي أحمد بن الفضل ابن خزيمة، ثنا محمد بن سويد الطحان، ثنا عاصم بن على، ثنا عبد الرحمن ابن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن نعام الثقة عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بعثت بهدم المزمار والطبل» (٢).
أخبرنا ابن الحصين، نا أبو طالب بن عيلان، نا أبو بكر الشافعي، ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، ثنا عباد بن يعقوب، ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ «بعثت بكسر المزامير» (٣). أخبرنا أبو الفتح الكروجي، نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي، قالا: نا الجراحي، ثنا المحبوبي، ثنا الترمذي، ثنا صالح بن عبد الله، ثنا الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد عن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فذكر منها إذا اتخذت القيان والمعازف» (٤).
قال الترمذي: وحدثنا علي بن حجر، نا محمد بن يزيد، عن المستلم بن سعيد، عن رميح الجذامي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «اذا اتخذ الفي دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه.
стр. 258
وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها. فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» (١).
وقد روي عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ» قيل: يا رسول الله متى؟ قال: «وإذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر» (٢) أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري في كتاب «السنن» لابن ماجه، قال: نا أبو العباس أحمد بن محمد الأسد آبادي، نا أبو منصور المقومي، نا أبو طلحة القاسم بن المنذر، نا أبو الحسن بن إبراهيم القطان، ثنا محمد بن يزيد ابن ماجه، ثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني، ثنا عبد الرزاق، أخبرني يحيى بن العلاء أنه سمع مكحولا يقول: أنه سمع يزيد بن عبد الله، يقول: أنه سمع صفوان بن أمية، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فجاء عمرو بن قرة، فقال: يا رسول الله، إن الله قد كتب على الشقوة فما أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء في غير فاحشة، فقال له رسول الله ﷺ : «لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين، كذبت يا عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت، قم عني وتب إلى الله ، أما إنك لو قلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا، وحلقت رأسك مثله ونفيتك من أهلك، وأحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة، فقام عمرو وبه من الشر والخزى ما لا يعلمه إلا الله » فلما ولى قال رسول الله ﷺ : «هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عريان لا يستتر (٣) بهدبة كلما قام صراع (٤).
стр. 259
وأما الآثار فقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وقال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه الشيطان. وقال: تغنه. فإن لم يحسن، قال له: تمنه (١). ومر ابن عمر ﵁ بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنى. قال: ألا لاسمع الله لكم. ومر بجارية صغيرة تغني، فقال: لو ترك الشيطان أحدا لترك هذه. وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه لك، قال: أحرام هو؟ قال: أنظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء. وعن الشعبي. قال: لعن الله المغني والمغنى له. أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر، قالا: نا طراد بن محمد، نا أبو الحسين بن بشران، نا أبو علي بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثني الحسين بن عبد الرحمن، ثني عبد الله بن الوهاب، قال: أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمان جل وعز، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب. ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. وقال فضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا، وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب. وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وأنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فان كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا.
قال المصنف ﵀: قلت: وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد، وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى ب «ذم الهوى». أخبرنا محمد بن ناصر، نا ثابت بن بندار، نا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة، نا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، ثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: كان سليمان بن عبد الملك في بادية له فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له فبينما هي تصب عليه اذ استمدها (٢) بده، وأشار إليها، فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة.
стр. 260
بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر، فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت، فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يغني به من الشعر، ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ، فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين (١) فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل، فقال: هل بقي أحد يسمع منه، فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان، قال: وأين منزلك من العسكر فأومأ إلى الناحية التي كان الغناء منها، فقال سليمان: يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟ قال: سمير، فسأله عن الغناء، كيف هو فيه فقال: حاذق محكم، قال: ومتى عهدك به. قال: في ليلتي هذه الماضية، قال: وفي أي نواحي العسكر كنت، فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت، قال: فما غنيت فذكر الشعر الذي سمعه سليمان، فأقبل سليمان، فقال: هدر الجمل فضبعت (٢) الناقة، وهب التيس فشكرت (٣) الشاة، وهدل الحمام فزافت (٤) الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة. ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون، قالوا: بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه، فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم -: أن اخص من قبلك من المخنثين المغنين.
قال المصنف ﵀: وأما المعنى فقد بينا أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير العقل. وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صحته من غيره من تحريك رأسه، وتصفيق يديه، ودق الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة، والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل، فينبغي أن يقع المنع منه.
أخبرنا عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز ابن علي الأزجي، نا ابن جهضم، ثنا يحيى بن المؤمل، ثنا أبو بكر السفاف، ثنا أبو سعيد الخراز، قال: ذكر عند محمد بن منصور أصحاب القصائد، فقال: هؤلاء
стр. 261
الفرارون من الله لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي، أخبرنا محمد بن ناصر، نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف، نا محمد بن علي العبادي، قال: قال أبو عبد الله بن بطة العكبري: سألني سائل عن استماع الغناء، فنهيته عن ذلك وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء، وإنما تفعله طائفة سموا بالصوفية، وسماهم المحققون الجبرية، أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم (١) ظلمة، يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء، يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون (٢) ويتماوتون، ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه، تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا.
فصل في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء
فمنها حديث عائشة ﵂ أن الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفين، وفي بعض ألفاظه: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث (٣) فقال أبو بكر: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله: «دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» وقد سبق ذكر هذا الحديث (٤). ومنها حديث عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي ﷺ : «يا عائشة ما كان معهم من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو» وقد سبق. ومنها حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه قال: «لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» (٥). قال ابن طاهر: وجه الحجة أنه أثبت تحليل استماع الغناء، إذ لا يجوز أن يقاس على محرم ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» (٦). ومنها حديث ابن حاطب عن النبي ﷺ أنه قال: «فصل ما بين
стр. 262
الحلال والحرام الضرب بالدف» (١)
والجواب - أما حديثا عائشة ﵂ فقد سبق الكلام عليهما وبينا أنهم كانوا ينشدون الشعر، وسمي بذلك غناء لنوع تثبيت (٢) في الإنشاد وترجيع، ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال، وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى، ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد. وإنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك، وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب اليها النفس وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال، فهل يثبت هناك طبع هيهات، بل ينزعج شوقا إلى المستلذ، ولا يدعي أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية، ومن أدعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق فقد استعمل في حقه ما لا يليق به على أن الطبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى. وقد أجاب أبو الطيب الطبري عن هذا الحديث بجواب آخر: فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمي ذلك مزمور الشيطان، ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله، وإنما منعه من التغليظ فى الانكار لحسن رفقته لا سيما في يوم العيد وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء، وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه، وقد أخذ العلم عنها.
قال المصنف ﵀: وأما اللهو المذكور في الحديث الآخر فليس بصريح في الغناء، فيجوز أن يكون إنشاد الشعر أو غيره. وأما التشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبه حراما، فإن الإنسان لو قال: وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر كان كلاما صحيحا، وإنما وقع التشبيه بالاصغاء في الحالتين، فيكون أحدهما حلالا أو حراما لا يمنع من التشبيه. وقد قال ﵊: «انكم سترون ربكم كما ترون»
стр. 263
القمر (١)» فشبه أيضا الرؤية بإيضاح الرؤية، وإن كان وقع الفرق بأن القمر في جهة يحيط به نظر الناظر والحق منزه عن ذلك. والفقهاء يقولون في ماء الوضوء: لا تنشف الأعضاء منه لأنه أثر عبادة فلا يسن مسحه كدم الشهيد. فقد جمعوا بينهما من جهة اتفاقهما في كونهما عبادة، وإن افترقا في الطهار والنجاسة (٢). واستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح فقه الصوفية لاعلم الفقهاء. وأما قوله يتغنى بالقرآن فقد فسره سفيان ابن عيينة، فقال: معناه يستغني به، وفسره الشافعي فقال: معناه يتحزن به ويترنم، وقال غيرهما: يجعله مكان غناء الركبان إذا ساروا. وأما الضرب بالدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما كانت هكذا - فكيف لو رأوا هذه - وكان الحسن البصري يقول: ليس الدف من سنة المرسلين في شيء. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله ﷺ ، وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت به والذكر في الناس.
قال المصنف ﵀: قلت: ولو حمل على الدف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن حنبل: أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا نصر بن أحمد بن النضر، نا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المؤدب، ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، ثنا عمر بن مرزوق، ثنا زهير عن أبي اسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، قال: طلبت ثابت بن سعد وكان بدريا فوجدته في عرس له، قال: وإذا جوار يغنين ويضربن بالدفوف، فقلت: ألا تنهي عن هذا، قال: لا، إن رسول الله ﷺ رخص لنا في هذا (٣) أخبرنا عبد الله بن علي، نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط، نا
стр. 264
عبد الملك بن بشران، ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة، ثنا أحمد بن القاسم الطائي، ثنا ابن سهم، ثنا عيسى بن يونس عن خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال يعني الدف» (١).
قال المصنف ﵀: وكل ما احتجوا به لا يجوز أن يستدل به على جواز هذا الغناء المعروف المؤثر فى الطباع، وقد احتج لهم أقوام مفتونون يحب التصوف بما لا حجة فيه، فمنهم أبو نعيم الأصفهاني، فانه قال: كان البراء بن مالك يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم.
قال المصنف ﵀: وإنما ذكر أبو نعيم هذا عن البراء لأنه روى عنه أنه استلقى يوما فترنم. فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد، فإن الإنسان لا يخلو من أن يترنم، فأن الترنم من السماع للغناء المطرب. وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغتر لم يصلح ذكرها لأنها ليست بشيء، فمنها أنه قال في كتابه «باب الاقتراح على القوال والسنة فيه، فجعل الاقتراح على القوال سنة، واستدل بما روى عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: استنشدني رسول الله ﷺ من شعر أمية فأخذ يقول هيه هيه حتى أنشدته مائة قافية (٢). وقال ابن طاهر: باب الدليل على استماع الغزل، قال العجاج: سألت أبا هريرة ﵁ طاف الخيالات فهاجا سقما، فقال أبو هريرة ﵁: كان ينشد مثل هذا بين يدي رسول الله ﷺ .
قال المصنف ﵀: فانظر إلى احتجاج ابن طاهر ما أعجبه كيف يحتج على جواز الغناء بإنشاد الشعر، وما مثله إلا كمثل من قال: يجوز أن يضرب بالكف على ظهر العود فجاز أن يضرب بأوتاره، أو قال: يجوز أن يعصر العنب ويشرب منه في يومه، فجاز أن يشرب منه بعد أيام، وقد نسي أن إنشاد الشعر لا يطرب كما يطرب الغناء.
стр. 265
وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه، قال أخبرنا أبو محمد التميمي قال: سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السماع، فقال: ما أدري ما أقول فيه غير أني حضرت ذات يوم شيخنا أبا الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه، حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الدار كي شيخ الشافعيين وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث وأبو الحسين ابن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة، فقال أبو علي: لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة بسنة ومعهم أبو عبد الله غلام، وكان يقرأ القرآن بصوت حسن فقيل له: قل شيئا فقال: وهم يسمعون:
خطت أناملها في بطن قرطاس … رسالة بعبير لا بأنفاس
أن زرفديتك قف لي غير محتشم … فإن حبك لي قد شاع في الناس
فكان قولي لمن أدى رسالتها … قف لى لا مشى على العينين والراس
قال أبو على: فبعد ما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة.
قال المصنف ﵀: وهذه الحكاية إن صدق فيها محمد بن طاهر فإن شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول: ليس محمد بن طاهر بثقة، حملت هذه الأبيات على أنه أنشدها لا أنه غنى بها بقضيب ومخدة (١)، إذ لو كان كذلك لذكره، ثم فيها كلام مجمل. قوله لا يمكنني أن أقول فيها بحظر ولا اباحة، لانه إن كان مقلدا لهم فينبغي أن يفتي بالإباحة، وإن كان ينظر في الدليل فيلزمه مع حضورهم أن يفتي بالحظر، ثم بتقدير صحتها أفلا يكون إتباع المذهب أولى من إتباع أرباب المذاهب. وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين ما يكفي في هذا وشيدنا (٢) ذلك بالأدلة.
وقال ابن طاهر في كتابه: باب اكرامهم للقوال وافرادهم الموضع له، واحتج بأ النبي ﷺ رمى بردة كانت عليه إلى كعب بن زهير لما أنشده بانت سعاد (٣). وإنما ذكرت هذا ليعرف قدر فقه هذا
стр. 266
الرجل واستنباطه وإلا فالزمان أشرف من أن يضيع بمثل هذا التخليط.
وأنبأنا أبو زرعة عن أبيه محمد بن طاهر، نا أبو سعيد إسماعيل بن محمد الحجاجي، ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري، ثنا أبي، ثنا علي ابن أحمد، ثنا محمد بن العباس بن بلال، قال: سمعت سعيد بن محمد، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله وكان الناس يتبركون به، قال: حدثنا المزني، قال: مررنا مع الشافعي وابراهيم ابن اسماعيل على دار قوم وجارية تغنيهم:
خليلي ما بال المطايا كأننا … نراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع، فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم: أيطربك هذا؟ قال: لا، قال: فمالك حس.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا محال على الشافعي ﵁ وفي الرواية مجهولون وابن طاهر لا يوثق به، وقد كان الشافعي أجل من هذا كله. ويدل على صحة ما ذكرناه ما أخبرنا به أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري، قال: أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز سواء كانت حرة أو مملوكة، قال: وقال الشافعي: وصاحب الجارية اذا اجمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ثم غلظ القول فيه فقال: وهو دياثة (١).
قال المصنف ﵀: وإنما جعل صاحبها سفيها فاسقا لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا إلى الباطل كان سفيها فاسقا.
قال المصنف ﵀: قلت: وقد أخبرنا محمد بن القاسم البغدادي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: اشترى سعد بن عبد الله الدمشقي جارية قوالة للفقراء وكانت تقول لهم القصائد.
قال المصنف ﵀: قلت: وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه قال: أدركنا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين قد أعدهن للصوفية، قال: وكانت لعطاء جاريتان تلحنان وكان إخوانه يسمعون التلحين منهما.
قال المصنف ﵀: قلت: أما سعد الدمشقي فرجل جاهل، والحكاية عن عطاء محال وكذب، وإن صحت الحكاية عن مروان فهو فاسق، والدليل
стр. 267
على ما قلناه ما ذكرنا عن الشافعي ﵁ وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى. وقد أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، قال: أكثر ما التقيت أنا وفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الأبريسمي للسماع من هزارة رحمها الله فإنها كانت من مستورات القوالات.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم كيف خفي عليه أنه لا يحل له أن يسمع امرأة ليست بمحرم ثم يذكر في كتاب تاريخ نيسابور وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله لقد كفاه هذا قدحا في عدالته.
قال المصنف ﵀: فإن قيل: ما تقول فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السمرقندي، نا عمر بن عبد الله، نا أبو الحسين بن بشران، ناعثمان ابن أحمد، نا حنبل ابن إسحاق، ثنا هارون بن معروف، ثنا جرير عن مغيرة قال: كان عون بن عبد الله يقص، فإذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب، قال المغيرة: فأرسلت إليه أو أردت أن أرسل إليه إنك من أهل بيت صدق وأن الله لم يبعث نبيه ﷺ بالحمق، وإن صنيعك هذا صنيع أحمق. فالجواب أنا لا نظن بعون أنه أمر الجارية أن تقص على الرجال بل أحب أن يسمعها منفردا وهي ملكه. فقال له مغيرة الفقيه هذا القول وكره أن تطرب الجارية له، فما ظنك بمن يسمعهن الرجال ويرقصهن ويطربهن. وقد ذكر أبو طالب المكي أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء.
قال المصنف ﵀: وإنما كان يسمع إنشاد جواريه، وقد أردف ابن طاهر الحكاية التي ذكرها عن الشافعي، وقد ذكرناها أنفا بحكاية عن أحمد بن حنبل رواها من طريق عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا الحسين ابن أحمد، قال: سمعت أبا العباس الفرغاني يقول: سمعت صالح بن احمد ابن حنبل يقول: كنت أحب السماع وكان أبي أحمد يكره ذلك، فوعدت ليلة ابن الخبازة، فمكثت عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام وأخذ يغني، فسمعت حس أبي فوق السطح، فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية قد بلغتنا من طرق، ففي بعض الطرق عن صالح، قال: كنت أدعو ابن الخبازة الصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع إليه، وكان بيننا وبينه باب وكان
стр. 268
يقف من وراء الباب يستمع، وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا أحمد بن علي بن الحسين النوري، ثنا يوسف بن عمر القواس، قال: سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله ابن أحمد، قال: كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي ينهانا عن التغني، فكنت إذا كان ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع، فكان ذات ليلة عندي وكان يغني (١)، فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق، فجاء فسمعه يغني فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله، فخرجت لأنظر فإذا بأبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت فلما كان من الغد قال لى: يا بنى اذا كان مثل هذا نعم … هذا الكلام أو معناه.
قال المصنف ﵀: وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة، ولذلك استمع إليه أحمد. وقول من قال ينزعج فإن الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا وشمالا. وأما رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص، فإنما هو من تغيير الرواة وتغييرهم لا يظنونه المعنى (٢) تصحيحا لمذهبهم في الرقص. وقد ذكرنا القدح في السلمي وفي ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات وقد احتج لهم أبو طالب المكي على جواز السماع بمنامات، وقسم السماع إلى أنواع وهو تقسيم صوفي لا أصل له وقد ذكرنا أن من ادعى أنه يسمع الغناء ولا يؤثر عنده تحريك النفس الى الهوى فهو كاذب.
وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب الطبري، قال: قال بعضهم: إنا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام، قال: وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين: أحدهما أنه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطنبور وسائر الملاهي، لأنه يسمعه بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد من الناس، فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله، وان استباحه فقد فسق. والثاني أن هذا المدعي لا يخلو من أن يدعي أنه فارق طبع البشر وصار بمنزلة الملائكة، فإن قال هذا فقد تخرص على طبعه، وعلم كل عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه، ووجب أن لا يكون مجاهدا لنفسه ولا مخالفا لهواه، ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات. وهذا لا يقوله عاقل، وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على الهوى والشهوة قلنا له: فكيف
стр. 269
تسمع الغناء المطرب بغير طبعك، أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك.
أخبرنا ابن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سئل ابو على الروذبارى عمن سمع الملاهي ومن يقول هى لى حلال لاني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال، فقال: نعم. قد وصل لعمري ولكن إلى سقر.
قال المصنف ﵀: فإن قيل: قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا من المنشد شيئا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به، قلنا: لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشعر أو حكمة فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها، لا لأن الصوت مطرب كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول:
كل يوم تتلون … غير هذا بك أجمل
فصاح ومات، فهذا لم يقصد سماع المرأة ولم يلتفت إلى التلحين، وإنما قتله المعنى، ثم ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعة كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة مع انضمام الضرب بالقضيب والتصفيق إلى غير ذلك، ثم إن ذلك السامع لم يقصد السماع، ولو سألنا هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك منعناه.
قال المصنف ﵀: وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته عن الفهم مجموعها أنه قال: ما يدل على تحريم السماع نص ولا قياس. وجواب هذا ما قد أسلفناه. وقال: لا وجه لتحريم سماع صوت طيب، فإذا كان موزونا فلا يحرم أيضا، وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع. فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان المجموع مباحا. قال: ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك، فإن كان فيه شيء محظور حرم نثره ونظمه وحرم التصويت به.
قال المصنف ﵀: قلت: وإني لأتعجب من مثل هذا الكلام، فإن الوتر بمفردة، أو العود وحده من غير وتر لو ضرب لم يحرم ولم يطرب، فإذا اجتمعا وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج. وكذلك ماء العنب جائز شربه وإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم. وكذلك هذا المجموع يوجب طربا يخرج عن الاعتدال فيمنع منه لذلك.
وقال ابن عقيل: الأصوات على ثلاثة أضرب محرم ومكروه ومباح. فالمحرم الزمر والناي والسرنا والطنبور والمعزفة والرباب وما ماثلها. نص الإمام
стр. 270
أحمد بن حنبل على تحريم ذلك. ويلحق به الجرافة (١) والجنك لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر، وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور، لأن النبي ﷺ نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة، والمكروه القضيب لكنه ليس بمطرب في نفسه وإنما يطرب بما يتبعه وهو تابع للقول، والقول مكروه. ومن أصحابنا من يحرم القضيب كما يحرم آلات اللهو فيكون فيه وجهان كالقول (٢) نفسه. والمباح الدف، وقد ذكرنا عن أحمد انه قال: أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل. وقد قال أبو حامد: من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا قبيح أن يقال عن الله يعشق، وقد بينا فيما تقدم خطأ هذا القول ثم أي توكيد لعشقه في قول المغنى:
ذهبي اللون تحسب من … وجنتيه النار تقتدح
قال المصنف ﵀: قلت: وسمع ابن عقيل بعض الصوفية يقول: أن مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد، فقال ابن عقيل: لا كرامة لهذا القائل إنما تحدى القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول ﷺ لأن الله قال: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا﴾ (الأنفال: ٢) وما قال: وإذا أنشدت عليه القصائد طربت فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتجدد عنه فتنه. ومن سولت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون. بل ينبغي النظر إلى المحال التي أحالنا عليها الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك، فإنها منظورات لا تهيج طبعا بل تورث استعظاما للفاعل، وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم، ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة، وأنتم زنادقة في زي عباد، شرهين في زي زهاد، مشبهة تعتقدون أن الله يعشق ويهام فيه، ويؤلف ويؤنس به، وبئس التوهم لأن الله خلق الذوات مشاكلة (٣) لان أصولها مشاكلة فهى تتأنس وتتألم بأصولها العنصرية.
стр. 271
وتراكيبها المثلية في الاشكال الحديثة. فمن ها هنا جاء التلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا. وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس، والواحد منا يأنس بالماء لأن فيه ماء وهو بالنبات آنس لقربه من الحيوانية بالقوة النمائية، وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخص النوع به أو أقربه إليه، فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتى يحصل الميل اليه والعشق والشوق وما الذي بين الطين والماء وبين خالق السماء من المناسبة، وإنما هؤلاء يصورون الباري صورة تثبت في القلوب. وما ذاك الله ذاك صنم شكله الطبع والشيطان، وليس لله وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه الأنفس، وإنما مباينة الإلهية للمحدث أوجبت في الأنفس هيبة وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله في محبة الله إنما هو وهم اعترض، وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس، فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق، فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام.
فصل
قال المصنف ﵀: وقد كان جماعة من قدماء الصوفية ينكرون على المبتدئ السماع لعلمهم بما يثير من قلبه.
أخبرنا عمر بن ظفر المقري، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن علي الازجي، ثنا ابن جهضم، ثني أبو عبد الله المقري، ثنا عبد الله بن صالح، قال: قال لي جنيد: إذا رأيت المريد يسمع السماع فاعلم أن فيه بقيايا من اللعب. أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه، قال: سمعت أحمد بن محمد البردعي يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه: إذا رأيت المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره.
قال المصنف ﵀: هذا قول مشايخ القوم وإنما ترخص المتأخرون حب اللهو فتعدى شرهم من وجهين: أحدهما سوء ظن العوام بقدمائهم لأنهم يظنون أن الكل كانوا هكذا. والثاني أنهم جرؤوا العوام على اللعب فليس للعامي حجة في لعبه إلا أن يقول: فلان يفعل كذا ويفعل كذا.
стр. 272
فصل
قال المصنف ﵀: وقد نشب حب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن ورقت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه وغلبه طبع وهم يظنون غير هذا.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا عبد الكريم بن هوزان، وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي وقال: سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد بن يحيى السجستاني، قال: سمعت أبا نصر السراج يقول: حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج، قال: قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد، فلما دخلت الري سألت عن منزله وكل من أساله عنه يقول: إيش تفعل بذلك الزنديق، فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت: جئت إلى هذه البلدة فلا أقل من زيارته، فلم أزل أسأل عنه حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب بين يديه رجل على يديه مصحف وهو يقرأ، فدنوت فسلمت فرد السلام، وقال: من أين؟ قلت: من بغداد قصدت زيارة الشيخ، فقال: تحسن أن تقول شيئا، فقلت: نعم وقلت:
رأيتك تبني دائما في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه، ثم قال لي: يا بني تلوم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت علي القيامة بهذا البيت.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوزان، نا أبي، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: فأخرجت إلى مرو في حياة الاستاذ أبي سهل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات، فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس، وعقد لابن الفرغاني في ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني فتداخلني في ذلك شيء، فكنت أقول قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوال. فقال لي يوما: أي شيء يقول الناس؟ فقلت: يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القوال، فقال: من قال لأستاذه لم لم يفلح.
قال المصنف ﵀: هذه دعاة الصوفية يقولون: الشيخ يسلم له.
стр. 273
حاله وما لنا أحد يسلم إليه حاله. فإن الآدمي يرد عن مراداته بالشرع والعقل والبهائم بالسوط.
فصل
وقد اعتقد قوم من الصوفية أن هذا الغناء الذي ذكرنا عن قوم تحريمه وعن آخر كراهته مستحب في حق قوم.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ابن هوازن القشيري، قال: حدثنا أبي قال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا غلط من خمسة أوجه: أحدها أنا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يباح سماعه لكل أحد، وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل.
والثاني أن طباع النفوس لا تتغير وإنما المجاهدة تكف عملها، فمن ادعى تغير الطباع ادعى المحال، فإذا جاء ما يحرك الطباع، واندفع الذي كان يكفها عنه عادت العادة.
والثالث أن العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته وليس فيهم من نظر في السامع لعلمهم أن الطباع تتساوى، فمن ادعى خروج طبعه عن طباع الآدميين ادعى المحال.
والرابع أن الإجماع انعقد على انه ليس بمستحب وإنما غايته الإباحة فادعاء الاستحباب خروج عن الإجماع.
والخامس انه يلزم من هذا أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبا عند من لا يغير طبعه لأنه إنما حرم لأنه يؤثر في الطباع ويدعوها إلى الهوى، فإذا أمن ذلك فينبغي أن يباح، وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري.
فصل
قال المصنف ﵀: وقد ادعى قوم منهم أن هذا السماع قربة إلى الله .
قال أبو طالب المكي: حدثني بعض أشياخنا عن الجنيد أنه قال: تنزل
стр. 274
الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن: عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة. وعند المذاكرة لأنهم يتحاورون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين. وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا إن صح عن الجنيد وأحسنا به الظن كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزهدية فإنها توجب الرقة والبكاء، فأما أن تنزل الرحمة عند وصف سعدى وليلى ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا، ولو صح أخذ الإشارة من ذلك كانت الإشارة مستغرقة (١) في جنب غلبة الطباع. ويدل على ما حملنا الأمر عليه أنه لم يكن ينشد في زمان الجنيد مثل ما ينشد اليوم إلا أن بعض المتأخرين قد حمل كلام الجنيد على كل ما يقال.
فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك، عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، قال: كان أبو الوفا الفيروز أبادي شيخ رباط الزوزني صديقا لي، فكان يقول لي: والله إني لأدعو لك وأذكرك وقت وضع المخدة (٢) والقول، قال: فكان الشيخ عبد الوهاب يتعجب، ويقول: أترون هذا يعتقد أن ذلك وقت اجابة إن هذا لعظيم.
وقال ابن عقيل: قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدة مجاب، وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، قال: وهذا كفر، لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا، قال: والناس بين تحريمه وكراهيته. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني علي بن أيوب قال: أخبرنا محمد بن عمران بن موسى، قال: حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال: حدثنا الحسين بن فهم، قال: حدثني إبراهيم بن أعين، قال: قال صالح المري أبطأ الصرعي نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة، وأثبت الناس قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ .
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر النهاوندى يقول: سمعت عليا السائح يقول:
стр. 275
سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب لطاف، فقال لطائفة منهم: قولوا وغنوا، فاستغرقني طيبة حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح ثم قال: أرقصوا فرقصوا أطيب ما يكون، ثم قال لي: يا أبا الحارث ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلا هذا.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد
قال المصنف ﵀: هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت، وصفقت وصاحت، ومزقت الثياب. وقد لبس عليهم إبليس في ذلك وبالغ. وقد احتجوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، قال: أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب، قال: أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي، قال: وقد قيل له: أنه لما نزلت ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين﴾ (الحجر: ٤٣) صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام.
واحتجوا بما أخبرنا به عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست، قال: أخبرنا الحسين ابن صفوان، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي، قال: اخبرنا علي بن الجعد، بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل، قال: خرجنا مع عبد الله ومعنا الربيع بن خثيم فمررنا على حداد فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار فنظر الربيع إليها فمال ليسقط، ثم أن عبد الله مضى حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا إلى قوله ﴿ثبورا كثيرا﴾ (الفرقان: ١٢) فصعق الربيع واحتملناه إلى أهله ورابطه (١) عبد الله حتى يصلي الظهر، فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق، ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله، قالوا: وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت، ومنهم من يصعق ويغشى عليه، ومنهم من يصيح وهذا كثير في الزهد.
стр. 276
والجواب أما ما ذكره عن سلمان فمحال وكذب، ثم ليس له إسناد والآية نزلت بمكة وسلمان إنما أسلم بالمدينة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلا وأما حكاية الربيع بن خثيم فإن راويها عيسى بن سليم وفيه معمر.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن المظفر الشامي، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، قال: أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد ابن عمرو بن موسى العقيلي، قال: قال أحمد بن حنبل: عيسى بن سليم عن أبي وائل لا أعرفه، قال العقيلي: وحدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثني ابن آدم، قال: سمعت حمزة الزيات، قال لسفيان إنهم يروون عن الربيع بن خثيم أنه صعق، قال: ومن يروي هذا إنما كان يرويه ذاك القاص - يعني عيسى بن سليم - فلقيته فقلت: عمن تروي أنت ذا منكرا عليه.
قال المصنف ﵀: قلت: فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع ابن خثيم جرى له هذا، لأن الرجل كان على السمت الأول، وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا ولا التابعين، ثم نقول: على تقدير الصحة أن الإنسان قد يغشى عليه من الخوف فيسكنه الخوف ويسكته فيبقى كالميت، وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع لأنه غائب. فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع، فإنا نعلم قطعا أن الشيطان يلعب به.
وأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن علي بن الفتح، قال: أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري قال: سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: كان للشبلي يوم الجمعة نظرة (١) ومن بعدها صيحة … فصاح يوما صيحة تشوش من حوله من الخلق، وكان بجنب حلقته حلقة أبي عمران الأشيب، فحرد (٢) أبو عمران وأهل حلقته.
قال المصنف ﵀: واعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب. وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع، فجرى من
стр. 277
بعض غرائبهم نحو ما أنكرناه، فبالغ رسول الله ﷺ في الإنكار عليه.
فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، وأنبأنا ابن الحصين، قال: أنبأنا أبو علي بن المذهب، قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي قال: حدثنا عبد المتعال بن طالب، قال: حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس قال: وعظ رسول الله ﷺ يوما فإذا رجل قد صعق، فقال النبي ﷺ : «من ذا الملبس علينا ديننا، إن كان صادقا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله» (١) قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الاشعث، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف الجبيري، قال: حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمون عن أبيه عن أنس بن مالك، قال: ذكر عنده هؤلاء الذين يصعقون عند القراءة، فقال انس: لقد رأيتنا ووعظا رسول الله ﷺ ذات يوم حتى سمعنا للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد.
قال المصنف ﵀: وهذا حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب» قال أبو بكر الآجري: ولم يقل: صرخنا ولا ضربنا صدورنا كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، قال: أخبرنا أبو ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن عمر بن بكير النجار، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان: قال أخبرنا إبراهيم بن عبد الله البصري، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عبد الله الضرير، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي، قال: حدثنا حصين بن عبد الرحمن، قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ وآله عند قراءة القرآن قالت: كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم، فقلت لها: ان ها هنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا جعفر بن محمد السراج، نا الحسن بن على
стр. 278
التميمني، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا الوليد ابن شجاع، ثنا إسحاق الحلبي، ثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة، قال: سألت أسماء بنت أبي بكر هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف، قالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون.
أخبرنا ابن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن علي التميمي، وأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، قالا: أخبرنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا سريج ابن يونس، ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبي حازم، قال: مر ابن عمر ﵁ برجل ساقط من العراق. فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا، قال: إنا لنخشى الله وما نسقط.
أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا، نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي، نا أبو الحسين بن بشران، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بردة ابن عباس، أنه ذكر الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن، فقال: إنهم ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم مضلون.
أنبأنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق، نا إبراهيم بن فهد عن إبراهيم بن الحجاج الشامي، ثنا شبيب بن مهران عن قتادة، قال: قيل لأنس بن مالك إن ناسا إذا قرئ عليهم القرآن يصعقون، قال: ذاك فعل الخوارج.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف، نا عمر بن علي بن الفتح، نا أحمد بن محمد الكاتب، ثنا عبد الله بن المغيرة، ثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: بلغ عبد الله بن الزبير أن ابنه عامرا صحب قوما يتصعقون (١) عند قراءة القرآن، فقال له: يا عامر لا أعرفن ما صحبت الذين يصعقون عند القرآن لأوسعنك جلدا.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن العباس، ثنا الزبير بن بكار، ثنى عبد الله بن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير، قال: ثني أبي، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: جئت إلى أبي فقال لي: أين كنت.
стр. 279
فقلت: وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم، يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله فقعدت معهم، قال: لا تقعد معهم بعدها، فرآني كأني لم يأخذ (١) ذلك في، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ولا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر، فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، نا محمد بن أحمد في كتابه، ثنا محمد بن أيوب، ثنا حفص بن عمر النميري، ثنا حماد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك، قال: بينا نحن عند أبي الجوزاء يحدثنا اذ خر رجل فاضطرب، فوتب أبو الجوزاء يسعى قبله فقيل له: يا أبا الجوزاء انه رجل به الموتة (٢)، فقال: إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ولو كان منهم لأمرت به فأخرج من المسجد، إنما ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿أعينهم تفيض من الدمع﴾ (المائدة: ٨٣) أو قال: «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم» (الزمر: ٢٣)
أخبرنا أبو محمد بن علي المقري، نا أحمد بن بندار بن إبراهيم، نا محمد ابن عمر بن بكير النجار، نا أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، ثنا أبو عمر حفص بن عمر الضرير، نا حماد بن زيد بن عمر ابن مالك البكري، قال: قرأ قارئ عند أبي الجوزاء، قال: فصاح رجل من أخريات القوم - أو قال من القوم - فقام إليه أبو الجوزاء فقيل له: يا أبا الجوزاء انه رجل به شيء فقال: طبيب انه من هؤلاء القفازين فلو كان منهم لوضعت رجلي على عنقه.
وقال أبو عمر أخبرنا جرير بن حازم، انه شهد محمد بن سيرين وقيل له ان ها هنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه، فقال محمد بن سيرين: يقعد أحدهم على جدار ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن وقع فهو صادق. قال أبو عمرو: وكان محمد بن سيرين يذهب الى أن هذا تصنع وليس بحق من قلوبهم.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، ثنا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا محمد بن العباس، ثنا زياد عن يحيى عن عمران ابن عبد العزيز، قال: سمعت محمد بن سيرين وسئل عمن يستمع
стр. 280
القرآن فيصعق، فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن سقطوا فهم كما يقولون.
أخبرنا ابن ناصر، نا أبو طاهر عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف، نا محمد بن علي العشاري، نا محمد بن عبد الله الدقاق، نا الحسين بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا محمد بن علي عن ابراهيم بن الأشعث، قال: سمعت أبا عصام الرملي عن رجل عن الحسن أنه وعظ يوما فتنفس رجل في مجلسه، فقال الحسن: إن كان لله تعالى فقد شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت.
أخبرنا ابن ناصر ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن علي، نا أحمد ابن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا روح، ثنا السري بن يحيى، ثنا عبد الكريم بن رشيد قال: كنت في حلقة الحسن فجعل رجل يبكي وارتفع صوته، فقال الحسن: إن الشيطان ليبكي هذا الآن.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو غالب عمر بن الحسين الباقلاني، نا أبو العلاء الواسطي، نا محمد بن الحسين الأزدي، ثني ابراهيم بن رحمون، ثنا إسحاق بن إبراهيم البغدادي، قال: سمعت أبا صفوان يقول: قال الفضيل ابن عياض لأبنه وقد سقط: يا بني إن كنت صادقا لقد فضحت نفسك، وإن كنت كاذبا فقد أهلكت نفسك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن بي صادق، نا ابن باكويه، ثنا محمد بن أحمد النجار، ثنا المرتعش، قال: رأيت أبا عثمان سعيد بن عثمان الواعظ وقد تواجد إنسان بين يديه، فقال له: يا بني إن كنت صادقا فقد أظهرت كل مالك، وإن كنت كاذبا فقد أشركت بالله.
فصل
قال المصنف ﵀: فإن قال قائل: إنما يفرض الكلام في الصادقين لا في أهل الرياء فما تقول فيمن أدركه الوجد ولم يقدر على دفعه. فالجواب إن أول الوجد انزعاج في الباطن، فإن كف الإنسان نفسه كيلا يطلع على حاله يئس الشيطان، فبعد عنه كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه مسح أنفه، وقال: ما أشد الزكام، وإن أهمل الإنسان نفسه ولم يبال بظهور وجده، أو أحب إطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان فانزعج على قدر نفخه.
стр. 281
كما أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا حمد بن جعفر، ثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا معاوية، ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى ابن الخراز عن ابن أخي زينب، عن امرأة عبد الله قالت: جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحموة (١) فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا الخيط؟ قلت: خيط رقي لي فيه رقية فأخذه وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الرقى والتمائم والتولة شركا» (٢) قالت: فقلت له: لم تقول هذا؟ وقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذاك من عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ «أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (٣).
قال المصنف ﵀: التولة - ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف، نا أبو محمد الخلال، ثنا أبو عمر بن حياة، ثنا أبو بكر بن أبي داود، ثنا هارون بن زيد عن أبي الزرقاء، ثنا أبي، قال: ثنا سفيان عن عكرمة ابن عمار عن شعيب بن أبي السني عن بي عيسى أو عيسى، قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر، فقال أبو السوار: يا أبا عبد الرحمن إن قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض (٤) أحدهم من خشية الله، قال: كذبت، قال: بلى ورب هذه البنية (٥)، قال: ويحك إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم، والله ما هكذا كان أصحاب محمد ﷺ .
стр. 282
فصل
فإن قال قائل: فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد فلم يقدر عليه وغلبه الأمر فمن أين يدخل الشيطان. فالجواب إنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع ولا يدري ما يجري عليه فهو من جنس قوله : ﴿فخر موسى صعقا﴾ (الاعراف: ١٤٣)
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن اسحاق الثقفي، ثني حاتم بن الليث الجوهري، ثنا خالد بن خداش، قال: قرى على عبد الله بن وهب كتاب أهوال القيامة فخر مغشيا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام.
قال المصنف ﵀: قلت: وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة وغشي عليهم، قلنا: هذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم، فظاهره أنه متعمل والشيطان معين عليه.
قال المصنف ﵀: فإن قيل: فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه؟ قيل: نعم، من جهتين: احداهما أنه لو قوى العلم أمسك والثاني أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين ويكفي هذا نقصا.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا هبة الله بن عبد الرزاق السني، وأخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا، نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي، قالا: نا أبو الحسين بن بشران، نا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت خلف ابن حوشب يقول: كان خوات يرعد عند الذكر، فقال له ابراهيم: ان كنت تملكه فما أبالى ان لا أعتدبك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك. وفي رواية فقد خالفت من هو خير منك.
قال المصنف ﵀: قلت: إبراهيم هو النخعي الفقيه، وكان متمسكا بالسنة شديد الاتباع للاثر. وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع. وهذا خطاب إبراهيم له. فكيف بمن لا يخفي حاله في التصنع.
فصل
فإذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، نا أبو
стр. 283
عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا سليمان المغربي يقول: سمعت أبا علي بن الكاتب يقول: كان ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.
قال المصنف ﵀: قلت: والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية، وهي التي ذمهم الله بها فقال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية﴾ (الانفال: ٣٥) فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، نا أبو الفضل بن حيرون، نا أبو علي بن شاذان، نا أحمد بن كامل، ثنى محمد بن سعد، ثنى أبي، ثني عمى، عن أبيه عن جده عن ابن عباس: الا مكاء: يعنى التصفير، وتصديقه يقول: التصفيق.
قال المصنف ﵀: قلت: وفيه أيضا تشبه بالنساء، والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة.
فصل
فإذا قوي طربهم رقصوا، وقد احتج بعضهم بقوله تعالى لايوب: «اركض برجلك» (ص: ٤٢).
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا احتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه بثمة، وانما أمر برب الرجل لينبع الماء.
قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من الرفص. ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام (١) دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى: «اضرب بعصاك الحجر» (البقرة: ٦٠) دلالة على ضرب الجماد بالقضبان (٢) نعوذ بالله من التلاعب بالشرع. واحتج بعض ناصريهم بأن رسول الله ﷺ قال لعلى: «انت منى وانامنك» فحجل، وقال الجعفر: أشبهت خلق و خلق، فحجل وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فحجل (٣). ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت (٤).
стр. 284
والنبي ﷺ ينظر اليهم. فالجواب: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأين هو من الرقص، وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب يفعل عند اللقاء بالحرب.
واحتج لهم أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما أخبرنا به أبو نصر محمد بن منصور الهمدان، نا إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك المؤذن، نا أبو صالح أحمد بن عبد الملك وأبو سعيد محمد بن عبد العزيز وأبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن، قالوا: ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني، ثنا محمد بن سعيد المروزي، ثنا عباس الرقيقي، ثنا عبد الله بن عمر الوراق، ثنا الحسن بن علي بن منصور، ثنا أبو عتاب المصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض ازقة مكة فسمع الاخصر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذا:
تضوع مسكا بطن نعمان (١) أن مشت … به زينب في نسوة عطرات
فلما رأت ركب النميري (٢) أعرضت … وهن من أن يلقينه حذرات
قال: فضرب برجله الأرض زمانا، وقال: هذا مما يلذ سماعه. وكانوا يروون الشعر لسعيد بن المسيب.
قال المصنف ﵀: قلت: هذا إسناده مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب، ولا هذا شعره. كان ابن المسيب أوقر من هذا، وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ولم يكن نمريا، وإنما نسب إلى اسم جده وهو ثقفي، وزينب التي يشبب بها هى بنت يوسف أخت الحجاج. وسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ما كان، فقال: كانت أحمرة عجافا (٣) حملت عليها قطرانا من الطائف، فضحك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه.
قال المصنف ﵀: ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، فإن الإنسان قد يضرب الأرض برجله أو يدقها بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا. فما أقبح هذا التعلق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سمت العقلاء ثم دعونا من الاحتجاج تعالوا نتقاضى إلى العقول أي معنى.
стр. 285
في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال، وما الذي فيه من تحريك القلوب إلى الآخرة، هذه والله مكابرة باردة.
ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال: الرقص حماقة بين الكفتين لا تزول إلا بالتعب. وقال أبو الوفاء بن عقيل: قد نص القرآن على النهى عن الرقص. فقال : «لا تمش فى الارض مرحا» (الاسراء: ٣٣) وذم المختال فقال تعالى: ﴿انه لا يحب كل مختال فخور﴾ (لقمان: ١٨). والرقص أشد المرح والبطر، أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لا تفاقهما في الإطراب والسكر فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما في الإطراب. وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص، فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على وقاع الألحان والقضبان، خصوصا اذا كانت اصوات نسوان و مردان، وهل يحسن بمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين صائران يشمس (١) بالرقص شمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة، والله لقد رأيت مشايخ في عصري ما بان لهم سمن في تبسم فضلا عن ضحك مع إدمان مخالطتي لهم، كالشيخ أبي القاسم بن زيدان، وعبد الملك بن بشران، وأبي طاهر بن العلاف، والجنيد والدينوري.
فصل
فإذا تمكن الطرب من الصوفية في حال رقصهم جنب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه. ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد، فإذا قام قام الباقون تبعا له، فإذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له. ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح (٢)، وفيه إسقاط مروءة وترك أدب، وإنما يقع في المناسك تعبدا لله وذلا له.
فصل
فإذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني، فمنهم من يرمي بها صحاحا، ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها. وقد احتج لهم بعض الجهال فقال: هؤلاء في