← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كما أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا حمد بن جعفر، ثنا عبد الله، ثني أبي، ثنا معاوية، ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى ابن الخراز عن ابن أخي زينب، عن امرأة عبد الله قالت: جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحموة (١) فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا الخيط؟ قلت: خيط رقي لي فيه رقية فأخذه وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الرقى والتمائم والتولة شركا» (٢) قالت: فقلت له: لم تقول هذا؟ وقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذاك من عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ «أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (٣). قال المصنف ﵀: التولة - ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف، نا أبو محمد الخلال، ثنا أبو عمر بن حياة، ثنا أبو بكر بن أبي داود، ثنا هارون بن زيد عن أبي الزرقاء، ثنا أبي، قال: ثنا سفيان عن عكرمة ابن عمار عن شعيب بن أبي السني عن بي عيسى أو عيسى، قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر، فقال أبو السوار: يا أبا عبد الرحمن إن قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض (٤) أحدهم من خشية الله، قال: كذبت، قال: بلى ورب هذه البنية (٥)، قال: ويحك إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم، والله ما هكذا كان أصحاب محمد ﷺ .

стр. 282

فصل فإن قال قائل: فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد فلم يقدر عليه وغلبه الأمر فمن أين يدخل الشيطان. فالجواب إنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع ولا يدري ما يجري عليه فهو من جنس قوله : ﴿فخر موسى صعقا﴾ (الاعراف: ١٤٣) وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن اسحاق الثقفي، ثني حاتم بن الليث الجوهري، ثنا خالد بن خداش، قال: قرى على عبد الله بن وهب كتاب أهوال القيامة فخر مغشيا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام. قال المصنف ﵀: قلت: وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة وغشي عليهم، قلنا: هذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم، فظاهره أنه متعمل والشيطان معين عليه. قال المصنف ﵀: فإن قيل: فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه؟ قيل: نعم، من جهتين: احداهما أنه لو قوى العلم أمسك والثاني أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين ويكفي هذا نقصا. أخبرنا عبد الله بن علي المقري، نا هبة الله بن عبد الرزاق السني، وأخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا، نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي، قالا: نا أبو الحسين بن بشران، نا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت خلف ابن حوشب يقول: كان خوات يرعد عند الذكر، فقال له ابراهيم: ان كنت تملكه فما أبالى ان لا أعتدبك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك. وفي رواية فقد خالفت من هو خير منك. قال المصنف ﵀: قلت: إبراهيم هو النخعي الفقيه، وكان متمسكا بالسنة شديد الاتباع للاثر. وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع. وهذا خطاب إبراهيم له. فكيف بمن لا يخفي حاله في التصنع. فصل فإذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا. أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، نا أبو

стр. 283

عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا سليمان المغربي يقول: سمعت أبا علي بن الكاتب يقول: كان ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له. قال المصنف ﵀: قلت: والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية، وهي التي ذمهم الله بها فقال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية﴾ (الانفال: ٣٥) فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، نا أبو الفضل بن حيرون، نا أبو علي بن شاذان، نا أحمد بن كامل، ثنى محمد بن سعد، ثنى أبي، ثني عمى، عن أبيه عن جده عن ابن عباس: الا مكاء: يعنى التصفير، وتصديقه يقول: التصفيق. قال المصنف ﵀: قلت: وفيه أيضا تشبه بالنساء، والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة. فصل فإذا قوي طربهم رقصوا، وقد احتج بعضهم بقوله تعالى لايوب: «اركض برجلك» (ص: ٤٢). قال المصنف ﵀: قلت: وهذا احتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه بثمة، وانما أمر برب الرجل لينبع الماء. قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من الرفص. ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام (١) دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى: «اضرب بعصاك الحجر» (البقرة: ٦٠) دلالة على ضرب الجماد بالقضبان (٢) نعوذ بالله من التلاعب بالشرع. واحتج بعض ناصريهم بأن رسول الله ﷺ قال لعلى: «انت منى وانامنك» فحجل، وقال الجعفر: أشبهت خلق و خلق، فحجل وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فحجل (٣). ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت (٤).

стр. 284

والنبي ﷺ ينظر اليهم. فالجواب: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأين هو من الرقص، وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب يفعل عند اللقاء بالحرب. واحتج لهم أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما أخبرنا به أبو نصر محمد بن منصور الهمدان، نا إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك المؤذن، نا أبو صالح أحمد بن عبد الملك وأبو سعيد محمد بن عبد العزيز وأبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن، قالوا: ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني، ثنا محمد بن سعيد المروزي، ثنا عباس الرقيقي، ثنا عبد الله بن عمر الوراق، ثنا الحسن بن علي بن منصور، ثنا أبو عتاب المصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض ازقة مكة فسمع الاخصر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذا: تضوع مسكا بطن نعمان (١) أن مشت … به زينب في نسوة عطرات فلما رأت ركب النميري (٢) أعرضت … وهن من أن يلقينه حذرات قال: فضرب برجله الأرض زمانا، وقال: هذا مما يلذ سماعه. وكانوا يروون الشعر لسعيد بن المسيب. قال المصنف ﵀: قلت: هذا إسناده مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب، ولا هذا شعره. كان ابن المسيب أوقر من هذا، وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ولم يكن نمريا، وإنما نسب إلى اسم جده وهو ثقفي، وزينب التي يشبب بها هى بنت يوسف أخت الحجاج. وسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ما كان، فقال: كانت أحمرة عجافا (٣) حملت عليها قطرانا من الطائف، فضحك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه. قال المصنف ﵀: ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، فإن الإنسان قد يضرب الأرض برجله أو يدقها بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا. فما أقبح هذا التعلق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سمت العقلاء ثم دعونا من الاحتجاج تعالوا نتقاضى إلى العقول أي معنى.

стр. 285

في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال، وما الذي فيه من تحريك القلوب إلى الآخرة، هذه والله مكابرة باردة. ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال: الرقص حماقة بين الكفتين لا تزول إلا بالتعب. وقال أبو الوفاء بن عقيل: قد نص القرآن على النهى عن الرقص. فقال : «لا تمش فى الارض مرحا» (الاسراء: ٣٣) وذم المختال فقال تعالى: ﴿انه لا يحب كل مختال فخور﴾ (لقمان: ١٨). والرقص أشد المرح والبطر، أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لا تفاقهما في الإطراب والسكر فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما في الإطراب. وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص، فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على وقاع الألحان والقضبان، خصوصا اذا كانت اصوات نسوان و مردان، وهل يحسن بمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين صائران يشمس (١) بالرقص شمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة، والله لقد رأيت مشايخ في عصري ما بان لهم سمن في تبسم فضلا عن ضحك مع إدمان مخالطتي لهم، كالشيخ أبي القاسم بن زيدان، وعبد الملك بن بشران، وأبي طاهر بن العلاف، والجنيد والدينوري. فصل فإذا تمكن الطرب من الصوفية في حال رقصهم جنب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه. ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد، فإذا قام قام الباقون تبعا له، فإذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له. ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح (٢)، وفيه إسقاط مروءة وترك أدب، وإنما يقع في المناسك تعبدا لله وذلا له. فصل فإذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني، فمنهم من يرمي بها صحاحا، ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها. وقد احتج لهم بعض الجهال فقال: هؤلاء في

стр. 286

غيبة فلا يلامون، فإن موسى ﵇ لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل رمى الألواح فكسرها ولم يدر ما صنع. والجواب: أن نقول: من يصحح عن موسى بأنه رماها رم كاسر؟ والذي ذكر في القرآن القاؤها فحسب، فمن أين لنا أنها تكسرت. ثم لو قيل: تكسرت فمن أين لنا انه قصد كسرها، ثم لو صححنا ذلك عنه، قلنا: كان في غيبة حتى لو كان بين يديه حينئذ بحر من نار لخاصه. ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره، ويحذرون من بئر إن كانت عندهم. ثم كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء، ولقد رأيت شابا من الصوفية يمشي في الأسواق ويصيح والغلمان يمشون خلفه وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة فيصيح صيحات وهو يصلي الجمعة فسئلت عن صلاته فقلت: إن كان وقت صياحه غائبا فقد بطل وضوؤه، وإن كان حاضرا فهو متصنع، وكان هذا الرجل جلدا لا يعمل شيئا، بل يدار له بزنبيل (١) في كل يوم فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه، فهذه حالة المتأكلين لا المتوكلين. ثم لو قدرنا أن القوم يصيحون عن يبة، فإن تعرضهم لما يغطي على العقول من سماع ما يطرب منهي عنه كالتعرض لكل ما غالبه الأذى. وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم، فقال: خطأ وحرام قد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (٢) وعن شق الجيوب (٣) فقال له قائل: فإنهم لا يعقلون ما يفعلون، قال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التخريق وغيره مما يفسد، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذه المواضع التي تفضي إلى ذلك، كما هم منهيون عن شرب المسكر، فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال، لم يسقط الخطاب لسكرهم كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا فيه فسكر طبع، وإن كذبوا فنبيذ، ومع الصحو فلا سلامة فيه مع الحالين، وتجنب مواضع الريب واجب. واحتج لهم ابن طاهر في تخريقهم الثياب بحديث عائشة ﵂ قالت: نصبت حجلة (٤) لي فيها رقم، فمدها النبي ﷺ فشقها (٥).

стр. 287

قال المصنف ﵀: فانظر إلى فقه هذا الرجل المسكين كيف يقيس حال من يمزق ثيابه فيفسدها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال على مد ستر ليحط (١) فانشق لا عن قصد أو كان عن قصد لأجل الصور التي كانت فيه، وهذا من التشديد في حق الشارع عن المنهيات كما أمر بكسر الدنان في الخمور. فإن ادعى مخرق ثيابه أنه غائب قلنا: الشيطان غيبك لأنك لو كنت مع الحق لحفظك، فإن الحق لا يفسد. وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن علي بن حشيش، ثنا عبد الله بن الصقر، ثنا الصلت بن مسعود، ثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: وعظ موسى بن عمران ﵇ يوما فشق رجل منهم قميصه، فأوحى الله لموسى قل لصاحب القميص لا يشق قميصه. أيشرح لي عن قلبه. فصل فصل وقد تكلم مشايخ الصوفية في الخرق المرمية، فقال محمد بن طاهر: الدليل على أن الخرقة إذا طرحت صارت ملكا لمن طرحت بسببه حديث جرير، جاء قوم مجتاب (٢) النمار فحض رسول الله ﷺ على الصدقة، فجاء رجل من الأنصار بصرة، فتتابع الناس حتى رأيت كومين من ثياب وطعام، قال: والدليل على أن الجماعة إذا قدموا عند تفريق الخرقة أسهم لهم حديث أبي موسى (٣) قدم على رسول الله ﷺ بغنيمة وسلب فأسهم لنا. قال المصنف ﵀: لقد تلاعب هذا الرجل بالشريعة، واستخرج

стр. 288

بسوء فهمه ما يظنه يوافق مذهب المتأخرين من الصوفية. فانا ما عرفنا هذا في أوائلهم، وبيان فساد استخراجه، أن هذا الذي خرق الثوب ورمى به إن كان حاضرا فما جاز له تخريقه، وإن كان غائبا فليس له تصرف جائز شرعا لا هبة ولا تمليكا. وكذلك يزعمون بأن ثوبه كان كالشيء الذي يقع من الإنسان ولا يدري به، فلا يجوز لاحد أن يمتلكه، وإن كان رماه في حال حضوره لا على أحد فلا وجه لتملكه، ولو رماه على المغنى لم يتملكه، لان التملك لا يكون إلا بعقد شرعي، والرمي ليس بعقد، ثم نقدر أنه ملك للمغني فما وجه تصرف الباقين فيه، ثم اذا تصرفوا فيه خرقوه خرقا، وذلك لا يجوز لوجهين: أحدهما انه تصرف فيما لا يملكونه. والثاني أنه إضاعة للمال. ثم ما وجه أسهام من لم يحضر، فأما حديث أبي موسى، فقال العلماء منهم الخطابي: يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ أجازه عن رضى ممن شهد الواقعة أو من الخمس الذي هو حقه. وعلى مذهب الصوفية تعطى هذه الخرقة لمن جاء. وهذا مذهب خارج عن إجماع المسلمين، وما أشبه ما وضع هؤلاء بآرائهم الفاسدة إلا بما وضعت الجاهلية من أحكام البحيرة والسائبة والوصيلة و الحام. قال ابن طاهر: أجمع مشايخنا على أن الخرقة المخرقة وما انبعث من الخرق الصحاح الموافقة لها إن ذلك كله يكون بحكم الجمع يفعلون فيه ما يراه المشايخ. واحتجوا بقول عمر ﵁: الغنيمة لمن شهد الوقعة. وخالفهم شيخنا أبو إسماعيل الأنصاري فجعل الخرقة على ضربين: ما كان مخروقا قسم على الجميع. وما كان سليما دفع إلى القوال. واحتج بحديث سلمة: «من قتل الرجل؟ قالوا: سلمة بن الأكوع. قال: له سلبه أجمع» (١). فالقتل إنما وجد من جهة القوال فالسلب له. قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي إجماعهم بعرة، فإن مشايخ الفقهاء أجمعوا على أن الموهوب لمن وهب له سواء كان مخرقا أو سليما ولا يجوز لغيره التصرف فيه. ثم إن سلب القتيل كل ما عليه فما بالهم جعلوه ما رم به. ثم ينبغي أن يكون الأمر على عكس ما قاله الانصارى، لان المخروق من الثياب ما كان بسبب الوجد، فينبغي أن يكون المخروق للمغنى دون الصحيح، وكل أقوالهم في هذا محال وهذيان.

стр. 289

وقد حكى لي أبو عبد الله التكريتي الصوفي عن أبي الفتوح الاسفرايني وكنت أنا قد رأيته وأنا صغير السن، وقد حضر في جمع كثير في رباط وهناك المخاد والقضبان (١) ودف بجلاجل، فقام يرقص حتى وقعت عمامته فبقي مكشوف الرأس. قال التكريتي: إنه رقص يوما في خف له، ثم ذكر أن الرقص في الخف خطأ عند القوم فانفرد وخلعه، ثم نزع مطرفا (٢) كان عليه فوضعه بين أيديهم كفارة لتلك الجناية، فاقتسموه خرقا. قال ابن طاهر: والدليل على أن الذي يطرح الخرقة لا يجوز أن يشتريها من الجمع حديث عمر «لا تعودن في صدقتك» (٣). قال المصنف ﵀: أنظر إلي بعد هذا الرجل عن فهم معاني الأحاديث فإن الخرقة المطروحة باقية على ملك صاحبها، فلا يحتاج إلى أن يشتريها. فصل وأما تقطيعهم الثياب المطروحة خرقا وتفريقها فقد بينا أنه إن كان صاحب الثوب رماه إلى المغني لم يملكه بنفس الرمي حتى يملكه إياه، فإذا ملكه إياه فما وجه تصرف الغير فيه. ولقد شهدت بعض فقهائهم يخرق الثياب ويقسمها ويقول: هذه الخرق ينتفع بها، وليس هذا بتفريط فقلت: وهل التفريط إلا هذا. ورأيت شيخا آخر منهم يقول: خرقت خرقا في بلدنا فأصاب رجل منها خريقة فعملها كنفا (٤)، فباعه بخمسة دنانير فقلت له: إن الشرع لا يجيز هذه الرعونات لمثل هذه النوادر. وأعجب من هذين الرجلين أبو حامد الطوسي فإنه قال: يباح لهم تمزيق الثياب إذا خرقت قطعا مربعة تصلح لتوقيع الثياب والسجادات، فإن الثوب يمزق حتى يخاط منه قميص ولا يكون ذلك تضييعا، ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف على أصول الفقه ومذهب الشافعي، فنظر إلى انتفاع خاص. ثم ما معنى قوله مربعة، فإن المطاولة ينتفع بها أيضا ثم لو مزق الثوب قرامل (٥).

стр. 290

لا ننتفع بها، ولو كسر السيف نصفين لانتفع بالنصف، غير أن الشرع يتلمح الفوائد العامة، ويسمى ما نقص منها للانتفاع إتلافا، ولهذا ينهي عن كسر الدرهم الصحيح لأنه يذهب منه قيمه بالإضافة إلى المكسور، وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال منهم، بل على الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على حكم أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين. فصل فصل ولقد أغربوا فيما ابتدعوا، وأقام لهم الأعذار من إلى هواهم مال. ولقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه: باب السنة في أخذ شيء من المستغفر، واحتج بحديث كعب بن مالك (١) في توبته: يجزئك الثلث ثم قال: باب الدليل على أن من وجبت عليه غرامة فلم يؤدها ألزموه أكثر منها. واستدل بحديث معاوية بن جعدة عن النبي ﷺ أنه قال في الزكاة «من منعها فانا آخذوها وشطر ماله» (٢). قال المصنف ﵀: قلت: فانظر إلى تلاعب هؤلاء وجهل هذا المحتج لهم، وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة، وتسمية ذلك واجبا وليس لنا غرامة ولا وجوب إلا بالشرع. ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر. ومن مذهبهم كشف الرؤوس عند الاستغفار وهذه بدعة تسقط المروءة.

стр. 291

وتنافي الوقار، ولولا ورود الشرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه. وأما حديث كعب بن مالك فإنه قال: إن من توبتي أن انخلع من مالي، فقال له رسول الله ﷺ : «يجزئك الثلث» لا على سبيل الإلزام له. وإنما تبرع بذلك فأخذه منه، وأين إلزام الشرع تارك الزكاة مما يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه، فإذا امتنع ضاعفوها وليس اليهم الإلزام إنما ينفرد بالإلزام الشرع وحده. وهذا كله جهل وتلاعب بالشريعة، فهؤلاء الخوارج عليها حقا ذكر تلبس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الاحداث قال المصنف ﵀: اعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح، واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة، فأمالهم إبليس اليهم. واعلم ان المتصوفة في صحبة الأحداث على سبعة أقسام: القسم الأول - أخبث القوم، وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان، نا أبو علي الحسين ابن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب، نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج، قال: بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية ومنهم من قال: هو حال في المستحسنات وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا: أنهم يرون الله في الدنيا، وأجازوا أن يكون في صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه (١) في رؤيتهم الغلام الأسود. القسم الثاني - قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق. القسم الثالث - قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن. وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه «سنن الصوفية فقال في أواخر الكتاب: باب في جوامع رخصهم، فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى وجه الحسن.

стр. 292

وذكر فيه ما روى عن النبي ﵇ أنه قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه» (١). وأنه قال: «ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء والنظر إلى الوجه الحسن» (٢) قال المصنف ﵀: وهذان الحديثان لا أصل لهما عن رسول الله ﷺ . أما الحديث الأول، فأخبرنا به عبد الأول بن عيسى، نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، نا عبد الله بن أحمد بن حمويه، نا إبراهيم بن خزيم، ثنا عبد بن حميد، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المخير، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه». قال يحيى بن معين: محمد بن عبد الرحمن ليس بشيء. قال المصنف ﵀: قلت: وقد روى هذا الحديث من طرق، قال العقيلي: لا يثبت عن النبي ﵇ في هذا شيء. وأما الحديث الآخر فأنبأنا أبو منصور بن خيرون، نا أحمد بن عل بن ثابت، ثنى أحمد بن محمد بن يعقوب، نا محمد بن نعيم الضبي، نا أبو بكر محمد بن أحمد بن هارون، نا أحمد بن عمر بن عبيد الريحاني، قال: سمعت أبا البختري وهب بن وهب يقول: كنت أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه، فكنت أدمن النظر إليه، فقال: أراك تدمن النظر إلى القاسم، تريد أن تجعل انقطاعه إليك، قلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ان ترمن بما ليس في. وأما إدمان النظر إليه فان جعفر الصادق، ثنا عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث يزدن في قوة النظر: النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن.

стр. 293

قال المصنف ﵀: هذا حديث موضوع، ولا يختلف العلماء في أبي البختري أنه كذاب وضاع. واحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين. ثم قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السلمي إذ ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة، فأما إطلاقه ففيه سوء ظن. وقال شيخنا محمد بن ناصر الحافظ: كان ابن طاهر المقدسي قد صنف كتابا في جواز النظر الى المرد قال المصنف ﵀: قلت: والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه، ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب، وإنما أبيح على الاطلاق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع، فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى قال سعيد بن المسيب: إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه. القسم الرابع - قوم يقولون: نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبارا فلا يضرنا النظر، وهذا محال منهم فإن الطباع تتساوى، فمن ادعى تنزه نفسه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال، وقد كشفنا هذا في أول كلامنا في السماع. أخبرتنا شهدة بنت أحمد الأبري، قالت: بإسناد مرفوع إلى محمد بن جعفر الصوفي قال: قال أبو حمزة الصوفي، حدثني عبد الله بن الزبير الحنفي، قال: كنت جالسا مع أبي النضر الغنوي وكان من المبرزين العابدين فنظر إلى غلام جميل فلم تزل عيناه واقعتين عليه حتى دنا منه، فقال: سألتك بالله السميع وعزة الرفيع وسلطانه المنيع ألا وقفت على أروي من النظر إليك فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي، فقال له: سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدئ المعيد الا ما وقفت، فوقف ساعة فأقبل يصعد النظر ويصوبه، ثم ذهب ليمضي، فقال: سألتك بالواحد الأحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت، فوقف ساعة فنظر إليه طويلا، ثم ذهب ليمضي، فقال: سألتك باللطيف الخبير السميع البصير وبمن ليس له نظير إلا وقفت، فوقف فأقبل ينظر إليه، ثم أطرق رأسه إلى الأرض، ومضى الغلام فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي، فقال: قد ذكرني هذا بنظري إليه وجها جل عن التشبيه، وتقدس عن التمثيل، وتعاظم عن التحديد، والله لا جهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتى جميع أعدائه وموالاتي لأوليائه، حتى أصير إلى ما أردته

стр. 294

من نظري إلى وجهه الكريم وبهائه العظيم. ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السماوات والأرض ثم غشي عليه. وحدثنا محمد بن عبد الله الفزاري، قال: سمعت خيرا النساج يقول: كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون، فجلس إلينا غلام جميل من أهل المغرب، فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته، فقلت له: بعد أن قام إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتونون، فقال لي: تقول هذا يا شهواني القلب والطرف؟ ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث، فقلت: وما هي، قال: سر الإيمان وعفة الإسلام وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جاثم على منكر نهاني عنه، ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا. قال المصنف ﵀: قلت: أنظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه، وإن تلفظ بالتنزيه وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط، وما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم … ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه التي تكذبها شهوة النظر. وقد حدثني بعض العلماء: أن صبيا أمرد حكى له، قال: قال لي فلان الصوفي وهو يحبني: يا بني لله فيك إقبال والتفات، حيث جعل حاجتي إليك. وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد وهو خال به وبينهما ورد وهو ينظر إلى الورد تارة، وإلى الأمرد تارة. فلما جلسوا قال بعضهم: لعلنا كدرنا. فقال: أي والله فتصايح الجماعة على سبيل التواجد. وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة: إنك تحب غلامك التركي فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينيه، وقال: هذا جواب الرقعة. قال المصنف ﵀: قلت: إني لا أعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه، وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه، ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس. وأخبرنا أبو القاسم الحريري، أنبأنا أبو الطيب الطبري قال: بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما زينته بالحلى والمصبغات من الثياب والحواشي، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع،

стр. 295

وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم، قال الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (الذاريات: ٢١) وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت﴾ (الغاشية: ١٧) وقال: ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ (الأعراف: ١٨٥) فعدلوا عما أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه. وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية، فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر إلى وجوه المرد، ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يجنوا إلى سماع ونظر. قال أبو الطيب: وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء وما يجدونه حال السماع فقال: أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا … على طيب السماع إلى الصباح ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النفوس بغير راح (١) فلم تر فيهم الا نشاوى … سرورا والسرور هناك صاح إذا لبى أخو اللذات فيه … منادى اللهو حي على الفلاح ولم نملك سوى المهجات شيئا … أرقناها (٢) لألحاظ ملاح قال: فإذا كان السماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل فكيف يجدي السماع نفعا أو يفيد فائدة. قال ابن عقيل: قول من قال: لا أخاف من رؤية الصور المستحسنة ليس بشيء، فإن الشريعة جاءت عامة الخطاب لا تميز الأشخاص، وآيات القرآن تنكر هذه الدعاوى، قال الله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ (النور: ٣٠) وقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت﴾ (الغاشية: ٧)، فلم يحل النظر إلا على صور لا ميل للنفس اليها وحظ فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا تعتريها لذة. فأما صور الشهوات فإنها تعبر عن العبرة بالشهوة وكل صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر إليها لأنها قد تكون سببا للفتنة ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا، كل ذلك لأنها محل فتنة وشهوة، وربما قطعت عما قصدته الشريعة بالنظر، وكل من قال أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه، وكل من ميز نفسه

стр. 296

بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدعوى كذبناه، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين القسم الخامس - قوم صحبوا المردان ومنعوا أنفسهم من الفواحش يعتقدون ذلك مجاهدة، وما يعلمون أن نفس صحبتهم والنظر إليهم بشهوة معصية، وهذه من خلال الصوفية المذمومات، وقد كان قدماؤهم على غير هذا، وقيل: كانوا على هذا بدليل وهو ما أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنشدنا ابو على الروذبارى: أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه … على الجبل الصلد الأصم تهدما قال المصنف ﵀: وسيأتي حديث يوسف بن الحسين. وقوله: عاهدت ربي أن لا أصحب حدثا مائة مرة، ففسخها (١) على قوام القدود وغنج العيون أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي المختار الضبي، قال: حدثني أبي، قال: قلت لأبي الكميت الأندلسي - وكان جوالا في أرض الله - حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية، قال: صحبت رجلا منهم يقال له: مهرجان، وكان مجوسيا فأسلم وتصوف، فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه، وكان إذا جاء الليل قام فصلى ثم ينام إلى جانبة،: ثم يقوم فزعا فيصلي ما قدر له ثم يعود فينام إلى جانبه حتى فعل ذلك مرارا، فإذا أسفر الصبح أو كاد يسفر أوتر، ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك تعلم أن الليل قد مضى علي سليما لم أقترف فيه فاحشة، ولا كتبت على الحفظة فيه معصية، وأن الذي أضمره بقلبي لو حملته الجبال لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت (٢)، ثم يقول: يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرض للآثام، ثم يقول: سيدي أنت تجمع بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب. فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك في كل ليلة وأسمع هذا القول منه فلما هممت بالانصراف من عنده، قلت له: سمعتك تقول إذا انقضى الليل: كذا وكذا، فقال: وسمعتني؟ قلت: نعم، قال: فوالله يا أخي إني لأداري (٣) من قلبي ما لو داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له، فقلت: وما الذي يدعوك إلى صحبة من تخاف على

стр. 297

نفسك العنت من قبله (١). وقال أبو محمد بن جعفر بن عبد الله الصوفي، قال أبو حمزة الصوفي: رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة، فمات الفتى وطال حزن الغلام عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنا والكمد، فقلت له يوما: لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو (٢) بعده أبدا؟ فقال: كيف أسلو عن رجل أجل الله أن يصيبه معي طرفة عين أبدا، وصانني عن نجاسة الفسوق فى خلال صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار. قال المصنف ﵀: هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى الفواحش فحسن لهم بداياتها، فتعجلوا لذة النظر والصحبة والمحادثة وعزموا على مقاومة النفس فى صدها عن الفاحشة، فإن صدقوا وتم لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا بغيره، وصرف الزمان الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع به في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن الفاحشة، وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع، فإن الله أمر بغض البصر لأنه طريق إلى القلب ليسلم القلب لله تعالى من شائب (٣) تخاف منه، وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضة متشاغلة عنه لا تراه، فأثارها وحاربها وقاومها فيا بعد سلامته من جراحه إن لم يهلك. فصل وفي هؤلاء من قويت مجاهدته مدة ثم ضعفت فدعته نفسه إلى الفاحشة فامتنع حينئذ من صحبة المرد. أخبرتنا شهدة الكاتبة عن عمر بن يوسف الباقلاني، قال: قال أبو حمزة: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي وكان سيد الصوفية، وقد رأيته يماشي غلاما وضئيا مدة ثم فارقه، فقلت له: لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك بعد ان كنت له مواصلا واليه مائلا!؟! وقال: والله لقد فارقته عن غير قلى (٤) ولا ملل، قلت: ولم فعلت ذلك؟ قال: رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت.

стр. 298

به وقرب مني لو أتيته سقطت من عين الله ، فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن. فصل ومنهم من تاب وأطال البكاء عن إطلاق نظره. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن عبيد الله، قال: سمعت أخي أبا عبد الله محمد بن محمد يقول: سمعت خيرا النساج يقول: كنت مع أمية بن الصامت الصوفي إذ نظر إلى غلام فقرأ: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ (الحديد: ٤) ثم قال: وأين الفرار من سجن الله وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد، تبارك الله فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام، ما شبهت نظري إليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت ثم قال: استغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي، لقد خفت ألا أنجو من معرته (١)، ولا أتخلص من أثمه، ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صديقا، ثم بكى حتى كاد يقضي نحبه، فسمعته يقول في بكائه: يا طرف لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء. فصل ومنهم من تلاعب به المرض من شدة المحبة. أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي حمزة الصوفي، قال: كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصوفية ووجوههم، فنظر إلى غلام حسن في بعض الاسواق قبلى (٢) به، وكاد يذهب عقله صبابة وحبا، وكان يقف كل يوم في طريقه حتى يراه إذا أقبل وإذا أنصرف، فطال به البلاء وأقعده عن الحركة الضنى (٣) وكان لا يقدر أن يمشي خطوة، فأتيته يوما لأعوده، فقلت: يا أبا محمد ما قصتك وما هذا الأمر الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: أمور أمتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها ولم يكن لي بها طاقة، ورب ذنب يستصغره الانسان هو عند الله أعظم من كبير، وحقيق بمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام، ثم بكى، قلت: ما يبكيك؟ قال: أخاف.

стр. 299

أن يطول في النار شقائي، فانصرفت عنه وأنا راحم له لما رأيت به من سوء الحال. قال أبو حمزة: ونظر محمد بن عبد الله بن الأشعت الدمشقي وكان من خيار عباد الله إلى غلام جميل فغشي عليه، فحمل إلى منزله واعتاده السقم حتى أقعد (١) من رجليه، وكان لا يقوم عليهما زمانا طويلا، فكنا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره، وكان لا يخبرنا بقصته ولا بسبب مرضه، وكان الناس يتحدثون بحديث نظره، فبلغ ذلك الغلام فأتاه عائدا فهش إليه وتحرك وضحك في وجهه واستبشر برؤيته، فما زال يعوده حتى قام على رجليه وعاد إلى حالته، فسأله الغلام يوما أن يسير معه إلى منزله فأبى أن يفعل ذلك، فسألني أن أسأله أن يتحول إليه، فسألته فأبى أن يفعل، فقلت للشيخ: وما الذي تكره من ذلك؟، فقال: لست بمعصوم من البلاء ولا آمن من الفتنة، وأخاف أن يقع علي من الشيطان محنة فتجري بيني وبينه معصية فأكون من الخاسرين. فصل وفيهم من همت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه. حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني، قال: كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلى بحدث، فلم يملك نفسه أن دعته إلى فاحشة فراقب الله ثم ندم على هذه الهمة، وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء، فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى بنفسه الى الماء وتلا قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ (البقرة: ٥٤) فغرق في البحر. قال المصنف ﵀: أنظر إلى إبليس كيف درج (٢) هذا المسكين من رؤية هذا الامرد الى إدمان النظر إليه، إلى أن مكن المحبة من قلبه، إلى أن حرضه على الفاحشة، فلما رأى استعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه فقتل نفسه، ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم، والهمة معفو عنها لقوله ﵇: «عفي لأمتي عما حدثت به نفوسها» (٣)، ثم إنه ندم على همته والندم توبة، فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو اسرائيل،

стр. 300

فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ ونحن نهينا عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء:/ ٢٩) فلقد أتى بكبيرة عظيمة، وفي «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». فصل وفيهم من فرق بينه وبين حبيبه فقتل حبيبه. بلغني عن بعض الصوفية أنه كان في رباط عندنا ببغداد ومعه صبي في البيت الذي هو فيه، فشنعوا عليه وفرقوا بينهما، فدخل الصوفي إلى الصبي ومعه سكين فقتله وجلس عنده يبكي، فجاء أهل الرباط فرأوه فسألوه عن الحال، فأقر بقتل الصبي فرفعوه إلى صاحب الشرطة، فأقر فجاء والد الصبي يبكي فجلس الصوفي يبكي ويقول له: بالله عليك إلا ما أقدتني (١) به، فقال: الآن قد عفوت عنك، فقام الصوفي إلى قبر الصبي فجعل يبكي عليه ثم لم يزل يحج عن الصبي ويهدي له الثواب. فصل ومن هؤلاء من قارب الفتنة فوقع فيها ولم تنفعه دعوى الصبر والمجاهدة. والحديث بإسناد عن إدريس بن إدريس، قال: حضرت بمصر قوما من الصوفية، ولهم غلام أمرد يغنيهم، قال: فغلب على رجل منهم أمره فلم يدر ما يصنع، فقال: يا هذا قل لا إله إلا الله، فقال الغلام: لا إله إلا الله، فقال: أقبل الفم الذي قال: لا إله إلا الله. القسم السادس - قوم لم يقصدوا صحبة المردان، وإنما يتوب الصبي ويتزهد ويصحبهم على طريق الارادة (٢)، فيلبس إبليس عليهم ويقول: لا تمنعوه من الخير، ثم يتكرر نظرهم إليه لا عن قصد، فيثير في القلب الفتنة إلى أن ينال الشيطان منهم قدر ما يمكنه، وربما وثقوا بدينهم فاستنفرهم الشيطان فرماهم إلى أقصى المعاصي كما فعل ببرصيصا. قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا قصته في أول الكتاب، وغلطهم من جهة تعرضهم بالفتن وصحبة من لا يؤمن الفتنة في صحبته.

стр. 301

القسم السابع - قوم علموا أن صحبة المردان والنظر إليهم لا يجوز غير أنهم لم يصبروا عن ذلك. والحديث بإسناد عن الرازي يقول: قال يوسف بن الحسين: كل ما رأيتموني أفعله فأفعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن، ولقد عاهدت ربي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا، ففسخها على حسن الخدود وقوام القدود وغنج العيون، وما سألني الله معهم عن معصية. وأنشد صريع الغواني في معنى ذلك شعرا: إن ورد الخدود والحدق النجـ … ــل وما في الثغور من أقحوان واعوجاج الاصداغ في ظاهر الخد … وما في الصدور من رمان تركتني بين الغواني صريعا … فلهذا أدعى «صريع الغواني» قال المصنف ﵀: قلت: هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه، وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض التوبة، فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق، ثم ظن بجهله أن المعصية هي الفاحشة فقط، ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر إليهم معصية (١) فانظر إلى الجهل كيف يصنع بأربابه. والحديث بإسناد عن محمد بن عمر أنه قال: حكي لي عن أبي مسلم الخمشوعي أنه نظر إلى غلام جميل فأطال، ثم قال: سبحان الله ما أهجم طرفي على مكروه نفسه، وأدمنه (٢) على سخط سيده، وأغراه بما قد نهى عنه، وأبهجه بالأمر الذي قد حرز (٣) عنه. لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة، ولقد تركني نظري هذا، وأنا أستحي من الله تعالى وإن غفر لي ثم صعق. وبإسناد عن أبي بكر محمد بن عيد يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول: رأيت غلاما جميلا ببغداد فنظرت إليه، ثم أردت أن أردد النظر، فقلت له: تلبسون النعال الصرارة (٤)، وتمشون في الطرقات، فقال: أحسنت الحشر بالعلم. فصل وكل من فاته العلم تخبط فان حصل له وفاته العمل به كان اشد تخبطا.

стр. 302

و من استعمل أدب الشرع في قوله : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم﴾ (النور: ٣٠) سلم في البداية بما صعب أمره في النهاية، وقد ورد الشرع بالنهي عن مجالسة المردان وأوصى العلماء بذلك. والحديث باسناد عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجالسوا أبناء الملوك فإن النفوس تشتاق إليهم مالا تشتاق الى الجوارى العوائق» (١). والحديث باسناد عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «لا تملؤوا أعينكم من أولاد الملوك، فإن لهم فتنة أشد من فتنة العذارى» (٢). والحديث بإسناد عن الشعبي، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي ﵊ وراء ظهره، قال: «كانت خطيئة داود ﵇ النظر» (٣). وعن أبي هريرة، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد (٤). وقال عمر بن الخطاب: ما أتى على عالم من سبع ضار أخوف عليه من غلام أمرد. وبإسناد عن الحسن بن ذكوان أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى. وبإسناد عن محمد بن حمير عن النجيب السري، قال: كان يقال: لا يبيت الرجل في بيت مع المرد. وبإسناد عن عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه، قال: لانا أخوف على

стр. 303

عابد من غلام من سبعين عذراء. وعن أبى على الروذبارى، قال: سمعت جنيدا يقول: جاء رجل إلى احمد ابن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ قال: ابني، فقال أحمد: لا تجيء به معك مرة أخرى، فلما قام، قال له محمد بن عبد الرحمن الحافظ - وفي رواية الخطيب - فقيل له أيد الله الشيخ أنه رجل مستور وأبنه أفضل منه، فقال أحمد: الذي قصدنا إليه من هذا الباب، ليس يمنع منه سترهما. على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم. وبإسناد عن أبى بكر المروزى، قال: جاء حسن البزاز إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه، فلما أراد أن ينصرف، قال له: أبو عبد الله: يا أبا علي لا تمش مع هذا الغلام في طريق، فقال له: إنه ابن أختي، قال: وإن كان، لا يهلك (١) الناس فيك. وباسناد عن شجاع بن مخلد أنه سمع بشر بن الحارث يقول: احذروا هؤلاء الأحداث. وبإسناد عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الابدال كلهم أوصونى عند فراقى لهم أن اتقي معاشرة الأحداث. وبإسناد عن الحلبي أنه يقول: نظر سلام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث فقال له: يا هذا ابق على جاهك عند الله، فإنك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظما. وبإسناد عن أبي منصور عبد القادر بن طاهر يقول: من صحب الأحداث (٢) وقع في الأحداث (٣). وعن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال مظفر القرميسيني: من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة أداه ذلك إلى البلاء، فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السلامة. فصل وقد كان السلف يبالغون في الاعراض عن المرد.

стр. 304

وقد روينا عن رسول الله ﷺ أنه أجلس الشاب الحسن الوجه وراء ظهره (١). والحديث بإسناد عن عطاء بن مسلم، قال: كان سفيان لا يدع أمردا يجالسه. وروى ابراهيم بن هانئ عن يحيى بن معين، قال: ما طمع أمرد بصحبتي. ولأحمد بن حنبل، قال: في طريق. وبإسناد عن أبي يعقوب، قال: كنا مع أبي نصر بن الحارث فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها، فقال: يا شيخ أين مكان باب حرب. فقال لها: هذا الباب الذي يقال له: باب حرب. ثم جاء بعدها غلام ما رأينا أحسن منه فسأله، فقال: يا شيخ أين مكان باب حرب، فأطرق الشيخ رأسه. فرد عليه الغلام السؤال وغمض عينيه، فقلنا للغلام: تعال أيش تريد، فقال: باب حرب، فقلنا له: ها هو بين يديك، فلما غاب، قلنا للشيخ: يا أبا نصر جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها، وجاءك غلام فلم تكلمه، فقال: نعم يروى عن سفيان الثوري أنه قال: مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان، فخشيت على نفسي من شيطانيه. وبإسناد عن عبد الله بن المبارك يقول: دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح، فقال: أخرجوه أخرجوه، فإني أرى مع كل امرأة شيطانا، ومع كل غلام بضعة عشر شيطانا. وباسناد عن محمد بن احمد بن اب القاسم، قال: دخلنا على محمد بن الحسين صاحب يحيى بن معين - وكان يقال: أنه ما رفع رأسه الى السماء، منذ أربعين سنة - وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه، فقال له: قم من حذائي فأجلسه من خلفه. وبإسناد عن أبي امامة، قال: وكنا عند شيخ يقرى ء، فبقى عنده غلام يقرأ عليه، فأردت الانصراف فأخذ بثوبي، وقال: أصبر حتى يفرغ هذا الغلام، وكره أن يخلو مع هذا الغلام. وباسناد عن أبى على الروذبارى، قال: قال لي أبو العباس أحمد المؤدب: يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الانس بالاحداث، فقلت له: ياسيدى

стр. 305

أنت بهم اعرف، وقد تصحبهم السلامة فى كثير من الأمور، فقال: هيهات قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم إذا رأى الحدث قد أقبل فر كفرارة من الزحف، وانما ذلك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها، فتأخذها عن تصرف الطباع ما أكثر الخطر ما أكثر الغلط. فصل وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس التي يصيد بها الصوفية. أخبرنا ابن ناصر عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: قال يوسف بن الحسين، نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتوا، ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الاضداد وارفاق (١) النسوان. وبإسناد عن ابن الفرج الرستمي الصوفي يقول: رأيت إبليس في النوم فقلت له: كيف رأيتنا أعرضنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها فليس لك إلينا طريق، فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء ومعاشرة الأحداث. وبإسناد عن ابن سعيد الخراز، يقول: رأيت ابليس في النوم يمر عني ناحية، فقلت: تعال، فقال: أيش أعمل بكم، أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس، قلت: ما هو، قال: الدنيا، فلما ولى التفت إلي فقال: غير أن فيكم لطيفة، قلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث، قال أبو سعيد: وقل من يتخلص منها من الصوفية. فصل عن أبي عبد الله بن الجلاء، قال: كنت انظر الى غلام نصران حسن الوجه، فمر بي أبو عبد الله البلخي، فقال: أيش وقوفك؟ فقلت: يا عم أما ترى هذه الصورة كيف تعذب بالنار، فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدن غبها (٢) ولو بعد حين. قال: فوجدت غبها بعد أربعين سنة أن أنسيت القرآن.

стр. 306

وبإسناد عن أبي الأديان وقال: كنت مع أستاذي وأبي بكر الدقاق، فمر حدث فنظرت إليه فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه، فقال: يا بني لتجدن غبة ولو بعد حين. فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب، فنمت ذات ليلة وأنا مفكر فيه فأصبحت وقد أنسيت القرآن كله. وعن أبي بكر الكتاني، قال: رأيت بعض أصحابنا في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: عرض علي سيئاتي، وقال: فعلت كذا وكذا، فقلت: نعم، ثم قال: وفعلت كذا وكذا فاستحييت أن أقره، فقلت إني أستحي أن أقر، فقال: إني غفرت لك بما أقررت فكيف بما استحييت، فقلت له: ما كان ذلك الذنب، فقال: مر بي غلام حسن الوجه فنظرت إليه. وقد روى نحو هذه الحكاية عن أبي عبد الله الزراد أنه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي كل ذنب أفررت به الدنيا إلا واحدا، فاستحييت أن أقر به، فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي. فقيل له: ما الذنب، فقال: نظرت إلى شخص جميل. وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطبري أنه قال: كان معي شاب حسن الوجه فجاءني إنسان من بغداد صوفي فكان كثير الالتفات إلى ذلك الشاب، فكنت أجد (١) عليه لذلك، فنمت ليلة من الليالي فرأيت رب العزة في المنام فقال: يا أبا يعقوب لم لم تنهه - وأشار إلى البغدادي - عن النظر إلى الأحداث، فوعزتي أني لا أشغل بالأحداث إلا من باعدته عن قربي. قال أبو يعقوب: فانتبهت وأنا أضطرب، فحكيت الرؤيا للبغدادي فصاح صيحة ومات فغسلناه ودفناه. واشتغل عليه قلبي فرأيته بعد شهر في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: وبخني حتى خفت أن لا أنجو ثم عفا عني. قلت: إنما مددت النفس يسيرا فى هذا الباب لانه مما تعم به البلوى عند الأكثرين، فمن أراد الزيادة فيه، وفيما يتعلق بإطلاق البصر وجميع اسباب الهوى، فلينظر فى كتابنا المسمى بـ «ذم الهوى» ففيه غاية المراد من جميع ذلك. ذكر تلبس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز في الأموال أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن أحمد ابن أبي

стр. 307

الحواري، قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة اللصوص. و باسناد عن ذي النون المصري أنه قال: سافرت سنين وما صح لي التوكل إلا وقتا واحدا، ركبت البحر فكسر المركب فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة، فخليت الخشبة فطفت على الماء فوقعت على الساحل. أخبرنا محمد، قال: سألت أبا يعقوب الزيات عن مسألة في التوكل، فأخرج درهما كان عنده اتم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندى شئ. وذكر أبو نصر السراج في كتاب «اللمع» قال: جاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء، فسأله عن مسألة في التوكل وعنده جماعته فلم يجبه، ودخل البيت فأخرج اليهم صرة فيها أربعة دوائق (١)، فقال: اشتروا بهذه شيئا. ثم أجاب الرجل عن سؤاله، فقيل له في ذلك، فقال: استحييت من الله تعالى أن أتكلم في التوكل وعندي أربعة دوانق. وقال سهل بن عبد الله: من طعنى الاكتساب فقد طعن على السنة، ومن طعن على التوكل فقد طعن على الإيمان. قال المصنف ﵀: قلت: قلة العلم أوجبت هذا التخليط، ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا أدخار المال، فقد قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم فيها قياما﴾ (النساء: ١٩١) أي قواما لأبدانكم. وقال ﷺ : «نعم المال الصالح مع الرجل الصالح» (٢). وقال ﷺ : «انك ان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» (٣). واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: «خذوا حذركم» (النساء: ٧١) وقال: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة (الانفال: ٦٠) وقال أن أسر بعبادي «ليلا» (طه): (٧٧) وقد ظاهر رسول الله ﷺ .

стр. 308

بين درعين (١) وشاور طبيبين (٢) واختفى في الغار (٣)، وقال: «من يخرسني الليلة» (٤). وأمر بغلق الباب (٥). وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «اغلق بابك». وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز. أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، نا عبد الله بن يحيى الموصلي و نصر بن أحمد، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا الحسين بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، ثنى أبو جعفر الصيرفي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: «جاء رجل إلى النبي ﷺ وترك ناقته بباب المسجد، فسأله رسول الله ﷺ عنها، فقال: أطلقتها وتوكلت على الله، قال: «اعقلها وتوكل» (٦). أخبرنا أبن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا إبراهيم بن محمد بن جعفر، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلال، أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني ثني عبد الرحمن بن محمد بن سلام، ثنا الحسين بن زياد المروزي، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: تفسير التوكل أن يرضى بما يفعل به. وقال ابن عقيل: يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل، وإن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ، وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط الذي يقتضي من

стр. 309

العقلاء التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ (١) الوسع في التحفظ، فقال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ (آل عمران: ١٥٩) فلو كان التعلق بالاحتياط قادحا في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له: «وشاورهم في الأمر» وهل المشاورة الا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو، ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله (٢) إلى رأيهم واجتهادهم حتى نص عليه، وجعله عملا في نفس الصلاة وهي أخص العبادات. فقال: «فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم» وبين علة ذلك بقوله تعالى: «ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة» (النساء: ١٠٢) ومن علم ان الاحتياط هكذا لا يقول: أن التوكل عليه ترك ما علم. لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة. قال ﵊: «اعقلها وتوكل» ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق ﷺ في خير الأحوال وهي حالة الصلاة. وقد ذهب الشافعي ﵀ إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله: «وليأخذوا أسلحتهم» فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز، فإن موسى ﵇ لما قيل له: «إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك» (٣) خرج. ونبينا ﷺ خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه ووقاه أبو بكر ﵁ بسد أثقاب الغار (٤). وأعطى القوم التحرز حقه، ثم توكلوا، وقال في باب الاحتياط: «لا تقصص رؤياك على اخوتك» (يوسف: ٥) «لا تدخلوا من باب واحد» (يوسف ٦٧) وقال: «فامشوا في مناكبها» (الملك: ١٥) وهذا لأن الحركة للذب عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى، وكما أن الله تعالى يريد اظهار نعمه المبداة يريد اظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به. لكن يجب

стр. 310

استعمال ما عندك ثم أطلب ما عنده. وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب، وخلق للادمى عقلا يقوده الى حمل الاسلحة ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع. ومن عطل نعمة الله تعالى بترك الاحتراز فقد عطل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعا أو مرضا. ولا أبله ممن يدعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء، إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى، لانه لا يرى إلا أن الحق لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة، فمنعه عطاء فى المعنى. وكم زين للعجزة عجزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة والخور (١) حزما ومتى وضعت أسباب فأهملت كان ذلك جهلا بحكمة الواضع. مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض. فإذا ترك الانسان ذلك هوانا (٢) بالسبب ثم دعا وسأل فربما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سببا، فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا، فربما لم نعافك بغير سبب لا هو انك للسبب، وما هذا الا بمثابة من بين قراحة وماء الساقية رفسه بمسحاة، فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر، فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا قال المصنف ﵀: فإن قال قائل: كيف أحترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدر، فالذي قدر هو الذي أمر. وقد قال تعالى: ﴿وخذوا حذركم﴾ (النساء: ٧١). أنبأنا اسماعل بن أحمد نا عاصم بن الحسن، نا ابن بشران، ثنا ابن صفوان، نا أبو بكر القرشي، ثني شريح بن يونس، نا علي بن ثابت عن خطاب بن القاسم عن أبي عثمان قال: كان عيسى ﵇ يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس، فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم، قال: فألق نفسك من الجبل وقل قدر علي، فقال: يا لعين، الله يختبر العباد، وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى فصل وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب. أخبرنا محمد بن أبي القاسم،

стр. 311

ما حمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الله، قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم، يقول: سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، ومن طعن على الكسب فقد طعن على السنة. أخبرنا محمد بن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن مستعبدون بالكسب أم بالتوكل، فقال: التوكل حال رسول الله ﷺ ، والكسب سنة رسول الله ﷺ ، وإنما من الكسب لمن ضعف عن التوكل وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله، فمن أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة لا كسب اعتماد عليه، ومن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله ﷺ أبيح له طلب المعاش في الكسب لئلا يسقط عن درجة سنته حين سقط عن درجة حاله. أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، نا أبي قال: سمعت محمد بن الحسين قال: سمعت أبا القاسم الرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين، قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب فليس يجيء منه شيء. قال المصنف ﵀: قلت: هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل وظنوا أنه ترك الكسب، وتعطيل الجوارح عن العمل، وقد بينا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح، ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين، فقد كان آدم ﵇ حراثا، ونوح وزكريا نجارين، وإدريس خياطا، وإبراهيم ولوط زراعين، وصالح تاجرا. وكان سليمان يعمل الخوص وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلوات الله عليهم أجمعين، وقال نبينا ﷺ : «كنت أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط» (١). فلما أغناه الله بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب. وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزازين (٢)،

стр. 312

وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزازين. وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين (١)، وكذلك أبو حنيفة. وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان عثمان بن طلحة خياطا. وما زال التابعون ومن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب أخبرنا محمد بن أبي طاهر، نا أبو محمد الجوهري، نا ابن حياة، نا أبو الحسن بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمد بن سعد، نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام الدستوائي، قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: لما استخلف أبو بكر ﵁ أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة، فقالا: أين تريد؟: قال: السوق، قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟! قال: فمن أين أطعم عيالي؟! قال ابن سعد: وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا أبو بكر بن عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه، قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، فقال: زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة. قال المصنف ﵀: قلت: لو قال رجل للصوفية: من أين أطعم عيالي لقالوا: قد أشركت. ولو سئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا: ليس بمتوكل ولا موقن، وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين. ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم، لكنهم بين أمرين: أما الغالب من الناس فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجديا، ومنهم من يبعث غلامه فيدور بالزنبيل فيجمع له. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين، وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح، كما لا تخلو الدكان من أن يقصد للبيع والشراء. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبي طالب العشاري، نا محمد بن عبد الرحمن المخلص، نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، ثنا أبو بكر بن عبيد، قال: حدثت عن الهيثم بن خارجة، ثنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن أدهم، قال: كان سعيد بن سعيد بي

стр. 313

المسيب يقول: من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف (١) في السؤال. أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جدى اسماعيل بن نجيد يقول: كان أبو تراب يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه (٢) أو مسجد فقد سأل. قال المصنف ﵀: قلت: وقد كان السلف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا محمد بن علي بن الفتح، نا محمد بن عبد الرحمن المخلص، نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، نا أبو بكر بن عبيد القرشي، نا عبيد بن الجعد، نا المسعودي عن خوات التيمي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر الفقراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالا (٣) على المسلمين. أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وأبو الخير القزويني، قالوا: نا أبو عمر بن حياة، نا محمد بن خلف، ثنا أبو جعفر اليماني، نا أبو الحسن المدايني عن محمد بن عاصم، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل عنه: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، قال: سقط من عيني. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا عمر بن عبد الله النقال، نا أبو الحسين بن بشران، نا عثمان بن أحمد الدقاق، نا حنبل، ثنى أبو عبد الله، نا معاذ بن هشام، ثني أبي عن قتادة عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في تجر (٤) الشام منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد.

стр. 314

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، نا جعفر بن أحمد السراج، نا عبد العزيز ابن الحسن بن إسماعيل الضراب، نا أبي، نا أحمد بن مروان المالكي، نا أبو القاسم بن الختلي: سألت أحمد بن حنبل، وقلت: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده، وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي، فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمعت قول رسول الله ﷺ : «جعل الله رزقي تحت ظل رمحي» (١) وحديث الآخر في ذكر الطير تغدو خماصا (٢)، فذكر أنها تغدو في طلب الرزق. قال تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله﴾ (المزمل: ٢٠) وقال: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (البقرة ١٩٨) وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، ولنا القدوة بهم. وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلا قال له: أريد الحج على التوكل، فقال له: فأخرج في غير القافلة قال: لا، قال: فعلى جراب الناس توكلت. أخبرنا ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا إبراهيم بن محمد بن جعفر الناجي، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا أبو بكر المروزي، قال: قلت لأبي عبد الله هؤلاء المتوكلة يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله ، فقال: هذا قول رديء، أليس قد قال الله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (الجمعة: ٩) ثم قال: إذا قال: لا أعمل وجيء إليه بشيء قد عمل وأكتسب لأي شيء يقبله من غيره. قال الخلال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عن قوم يقولون: نتوكل على الله ولا نكتسب، فقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب. هذا قول انسان أحمق. قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي، قال: ثنا صالح أنه سأل أباه يعنى أحمد بن حنبل - عن التوكل، فقال: التوكل حسن ولكن ينبغي أن يكتسب

стр. 315

ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل. قال: وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون: نحن المتوكلون فقال: هؤلاء مبتدعون. قال الخلال: وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله: أن ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة، فقال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا. وقال الخلال: وأخبرنا المروزي، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته، وقال: اجلس واصبر واقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحدا، فقال: لو خرج فاحترف كان أحب إلي، فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا. قلت: إلى أي شيء يخرجه؟ قال: يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه. قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إني في كفاية، قال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك. وقال لرجل آخر: اعمل وتصدق بالفضل على قرابتك. وقال أحمد بن حنبل قد أمرتهم - يعني أولاده - أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة. قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدثهم، قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول: ما أحسن الاستغناء عن الناس. وقال الخلال: وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي، قال: سمعت أبا بكر ابن النجاد يقول: قال الجصاصي: قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أحب الدراهم إلي درهم من تجارة وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان. قال المصنف ﵀: قلت: وكان إبراهيم بن أدهم يحصد وسلمان الخواص يلقط (١) وحذيفة المرعشي يضرب اللبن. وقال ابن عقيل: التسبب لا يقدح في التوكل، لأن تعاطى رتبة ترقى على رتبة الأنبياء نقص في الدين. ولما قيل لموسى ﵇: ﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ (٢) خرج، ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه آجر نفسه.

стр. 316

ثمان سنين. وقال الله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ (الملك: ١٥) وهذا لان الحركة استعمال لنعمة الله وهي القوى، فاستعمل ما عندك ثم أطلب ما عنده. وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر، فإذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط. فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا فإذا ضاق به القوت واجتمع عليه دين. فقيل له: لو بعت عقارك؟ قال: كيف أفرط في عقاري وأسقط جاهي عند الناس. وإنما يفعل هذه الحماقات العادات، وإنما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له، فكانوا بين أمرين قبيحين: إما تضييع العيال فتركوا الفرائض أو التزين باسم أنه متوكل، فيحن (١) عليهم المكتسبون فضيقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم. وهذه الرذيلة لم تدخل قط إلا على دنيء النفس الرذيلة، وإلا فالرجل كل الرجل من لم يضيع جوهرة الذي أودعه الله إيثارا للكسل، أو لاسم يتزين به بين الجهال، فإن الله تعالى قد يحرم الإنسان المال ويرزقه جوهرا يتسبب به إلى تحصيل الدنيا بقبول الناس عليه. فصل وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة. منها أنهم قالوا: لا بد من أن يصل إلينا رزقنا، وهذا في غاية القبح، فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال: لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي، فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة، أو من أهل النار فأنا من أهل النار قلنا له: هذا يرد الأوامر كلها، ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول: ما فعلت إلا ما قضى علي. ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر. ومنها أنهم يقولون: أين الحلال حتى نطلبه؟ وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين» (٢) وعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله، وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل. ومنها أنهم قالوا: إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن علي، نا ابن جهضم، نا علي بن محمد السيرواني، قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك، فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على

стр. 317

الماء، فألقيت الشص (١) فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض، وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة، فأنا اطرحها ثالثة إذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا، وسمعت قائلا يقول: أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله. قال: فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت. أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عثمان بن الآدمي، قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت فقصدت .... الخ ما تقدم. قال المصنف ﵀ قلت: وهذه القصة إن صحت فإن في الروايتين بعض من يتهم، فإن اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعالى أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه، وكيف يقال له: تعمد إلى من يذكرنا فتقتله، وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح، ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان، لأنه لا يقيمها الا اللحم فالتحرج (٢) من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة، فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبد العزيز ابن علي الأزجي، ثنا علي بن عبد الله الهمداني، ثنا محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك، قال: سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول: قيل لفتح الموصلي: أنت صياد بالشبكة، ولم لا تصيد شيئا الا وتطعمه لعيالك، فلم لا تصيد وتبيع ذلك الناس، فقال: أخاف أن أصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء فأطعمه عاصيا لله على وجه الأرض. قال المصنف ﵀: قلت: أن صحت هذه الحكاية عن فتح الموصلي فهو من التعلل البارد المخالف للشرع والعقل، لان الله تعالى أباح الكسب وندب إليه. فإذا قال قائل: ربما خبزت خبزا فأكله عاص كان حديثا فارغا، لأنه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنصارى. ذكر تلبس إبليس على الصوفية في ترك التداوي قال المصنف ﵀: لا يختلف العلماء أن التداوي مباح، وانما.

стр. 318

رأى بعضهم أن العزيمة تركه. وقد ذكرنا كلام الناس في هذا وبينا بما اخترناه في كتابنا «لقط المنافع في الطب» والمقصود ها هنا إنا نقول: إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء، فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل، لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه تداوى وأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل. وفي «الصحيح» (١) من حديث عثمان بن عفان ﵁ «أن النبي ﷺ رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر». قال ابن جرير الطبري: وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التصوف والعباد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج علة به في جسده بدواء، إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضر والنفع. وفي إطلاق النبي ﷺ للمحرم علاج عينه بالصبر لدفع المكروه أدل دليل على أن معنى التوكل غير ما قاله الذين ذكرنا قولهم، وأن ذلك غير مخرج فاعله من الرضى بقضاء الله، كما أن من عرض له كلب الجوع (٢) لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضى بالقضاء لأن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت، وجعل أسبابا لدفع الأدواء، كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع. وقد كان قادرا أن يحيى خلقه بغير هذا، ولكنه خلقهم ذوي حاجة، فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببا لدفعه عنهم، فكذا الداء العارض والله الهادى. ذكر تلبس ابلس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة قال المصنف: كان خيار السلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالا بالعلم والتعبد، إلا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا شهود جنازة ولا قيام بحق. وإنما هي عزلة عن الشر وأهله ومخالطة البطالين (٣)، وقد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة، فمنهم من أعتزل في جبل كالرهبان يبيت وحده ويصبح وحده، ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم. وعمومهم اعتزل في الاربطة ففاتهم.

стр. 319

السعي إلى المساجد وتوطنوا (١) على فراش الراحة وتركوا الكسب، وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب «الاحياء»: مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك الا بالخلوة في مكان مظلم. وقال: فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء، أو أزار. ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية. قال المصنف ﵀: قلت: أنظر إلى هذه الترتيبات، والعجب كيف تصدر من فقيه عالم، ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة، وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم، فإنه يغلب عليه الماليخوليا (٢). وقد يسلم الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء، لأن في الدماغ ثلاث قوى: قوة يكون بها التخيل، وقوة يكون بها الفكرة، وقوة يكون بها الذكر، وموضع التخيل البطنان المقدمان من بطون الدماغ، وموضع التفكر البطن الأوسط من بطون الدماغ، وموضع الحفظ الموضع المؤخر، فإن أطرق الإنسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل، فر خالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية إلى غير ذلك، نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة. أخبرنا محمد ابن أبي القاسم، نا رزق الله بن عبد الوهاب، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر البجلي يقول: سمعت أبا عثمان ابن الآدمي، قال: كان أبو عبيد التستري إذا كان أول يوم من شهر رمضان يدخل البيت ويقول لامرأته: طيني باب البيت وألق إلي كل ليلة من الكوة رغيفا فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزاوية ولا أكل ولا شرب ولا يتهيأ لصلاة، ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشهر. قال المصنف ﵀: هذه الحكاية عندي بعيدة عن الصحة من وجهين: أحدها بقاء الآدمي شهرا لا يحدث بنوم ولا بول ولا غائط ولا ريح. والثاني ترك المسلم صلاة الجمعة والجماعة وهي واجبة لا يحل تركها، فإن صحت هذه الحكاية فما أبقى إبليس لهذا في التلبيس بقية.

стр. 320

قال: أنبأنا زاهر بن طاهر، نا أحمد بن الحسين البيهقي، ثنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وسمعت أبا الحسن البوشنجي الصوفي غير مرة يعاتب في ترك الجمعة والجماعة والتخلف عنها فيقول: إن كانت البركة في الجماعة فان السلامة في العزلة فصل أخبرنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا معان بن رفاعة، ثني علي بن يزيد عن القاسم عن أشى أمامة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه، وفيه شيء من ماء ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبي الله ﷺ فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه، فقال: يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال نبي الله ﷺ : «اني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» (١). ذكر تلبس ابلس على الصوفية في التخشع وطأطأة الرأس وإقامة الناموس قال المصنف ﵀: إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك. وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل. ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم. فقد روي عن علي ﵁: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه
следующие страницы →