← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثمان سنين. وقال الله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ (الملك: ١٥) وهذا لان الحركة استعمال لنعمة الله وهي القوى، فاستعمل ما عندك ثم أطلب ما عنده. وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر، فإذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط. فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا فإذا ضاق به القوت واجتمع عليه دين. فقيل له: لو بعت عقارك؟ قال: كيف أفرط في عقاري وأسقط جاهي عند الناس. وإنما يفعل هذه الحماقات العادات، وإنما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له، فكانوا بين أمرين قبيحين: إما تضييع العيال فتركوا الفرائض أو التزين باسم أنه متوكل، فيحن (١) عليهم المكتسبون فضيقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم. وهذه الرذيلة لم تدخل قط إلا على دنيء النفس الرذيلة، وإلا فالرجل كل الرجل من لم يضيع جوهرة الذي أودعه الله إيثارا للكسل، أو لاسم يتزين به بين الجهال، فإن الله تعالى قد يحرم الإنسان المال ويرزقه جوهرا يتسبب به إلى تحصيل الدنيا بقبول الناس عليه. فصل وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة. منها أنهم قالوا: لا بد من أن يصل إلينا رزقنا، وهذا في غاية القبح، فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال: لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي، فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة، أو من أهل النار فأنا من أهل النار قلنا له: هذا يرد الأوامر كلها، ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول: ما فعلت إلا ما قضى علي. ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر. ومنها أنهم يقولون: أين الحلال حتى نطلبه؟ وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين» (٢) وعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله، وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل. ومنها أنهم قالوا: إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن علي، نا ابن جهضم، نا علي بن محمد السيرواني، قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك، فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على

стр. 317

الماء، فألقيت الشص (١) فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض، وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة، فأنا اطرحها ثالثة إذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا، وسمعت قائلا يقول: أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله. قال: فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت. أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عثمان بن الآدمي، قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت فقصدت .... الخ ما تقدم. قال المصنف ﵀ قلت: وهذه القصة إن صحت فإن في الروايتين بعض من يتهم، فإن اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعالى أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه، وكيف يقال له: تعمد إلى من يذكرنا فتقتله، وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح، ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان، لأنه لا يقيمها الا اللحم فالتحرج (٢) من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة، فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبد العزيز ابن علي الأزجي، ثنا علي بن عبد الله الهمداني، ثنا محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك، قال: سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول: قيل لفتح الموصلي: أنت صياد بالشبكة، ولم لا تصيد شيئا الا وتطعمه لعيالك، فلم لا تصيد وتبيع ذلك الناس، فقال: أخاف أن أصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء فأطعمه عاصيا لله على وجه الأرض. قال المصنف ﵀: قلت: أن صحت هذه الحكاية عن فتح الموصلي فهو من التعلل البارد المخالف للشرع والعقل، لان الله تعالى أباح الكسب وندب إليه. فإذا قال قائل: ربما خبزت خبزا فأكله عاص كان حديثا فارغا، لأنه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنصارى. ذكر تلبس إبليس على الصوفية في ترك التداوي قال المصنف ﵀: لا يختلف العلماء أن التداوي مباح، وانما.

стр. 318

رأى بعضهم أن العزيمة تركه. وقد ذكرنا كلام الناس في هذا وبينا بما اخترناه في كتابنا «لقط المنافع في الطب» والمقصود ها هنا إنا نقول: إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء، فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل، لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه تداوى وأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل. وفي «الصحيح» (١) من حديث عثمان بن عفان ﵁ «أن النبي ﷺ رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر». قال ابن جرير الطبري: وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التصوف والعباد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج علة به في جسده بدواء، إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضر والنفع. وفي إطلاق النبي ﷺ للمحرم علاج عينه بالصبر لدفع المكروه أدل دليل على أن معنى التوكل غير ما قاله الذين ذكرنا قولهم، وأن ذلك غير مخرج فاعله من الرضى بقضاء الله، كما أن من عرض له كلب الجوع (٢) لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضى بالقضاء لأن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت، وجعل أسبابا لدفع الأدواء، كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع. وقد كان قادرا أن يحيى خلقه بغير هذا، ولكنه خلقهم ذوي حاجة، فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببا لدفعه عنهم، فكذا الداء العارض والله الهادى. ذكر تلبس ابلس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة قال المصنف: كان خيار السلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالا بالعلم والتعبد، إلا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا شهود جنازة ولا قيام بحق. وإنما هي عزلة عن الشر وأهله ومخالطة البطالين (٣)، وقد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة، فمنهم من أعتزل في جبل كالرهبان يبيت وحده ويصبح وحده، ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم. وعمومهم اعتزل في الاربطة ففاتهم.

стр. 319

السعي إلى المساجد وتوطنوا (١) على فراش الراحة وتركوا الكسب، وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب «الاحياء»: مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك الا بالخلوة في مكان مظلم. وقال: فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء، أو أزار. ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية. قال المصنف ﵀: قلت: أنظر إلى هذه الترتيبات، والعجب كيف تصدر من فقيه عالم، ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة، وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم، فإنه يغلب عليه الماليخوليا (٢). وقد يسلم الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء، لأن في الدماغ ثلاث قوى: قوة يكون بها التخيل، وقوة يكون بها الفكرة، وقوة يكون بها الذكر، وموضع التخيل البطنان المقدمان من بطون الدماغ، وموضع التفكر البطن الأوسط من بطون الدماغ، وموضع الحفظ الموضع المؤخر، فإن أطرق الإنسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل، فر خالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية إلى غير ذلك، نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة. أخبرنا محمد ابن أبي القاسم، نا رزق الله بن عبد الوهاب، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر البجلي يقول: سمعت أبا عثمان ابن الآدمي، قال: كان أبو عبيد التستري إذا كان أول يوم من شهر رمضان يدخل البيت ويقول لامرأته: طيني باب البيت وألق إلي كل ليلة من الكوة رغيفا فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزاوية ولا أكل ولا شرب ولا يتهيأ لصلاة، ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشهر. قال المصنف ﵀: هذه الحكاية عندي بعيدة عن الصحة من وجهين: أحدها بقاء الآدمي شهرا لا يحدث بنوم ولا بول ولا غائط ولا ريح. والثاني ترك المسلم صلاة الجمعة والجماعة وهي واجبة لا يحل تركها، فإن صحت هذه الحكاية فما أبقى إبليس لهذا في التلبيس بقية.

стр. 320

قال: أنبأنا زاهر بن طاهر، نا أحمد بن الحسين البيهقي، ثنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وسمعت أبا الحسن البوشنجي الصوفي غير مرة يعاتب في ترك الجمعة والجماعة والتخلف عنها فيقول: إن كانت البركة في الجماعة فان السلامة في العزلة فصل أخبرنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا معان بن رفاعة، ثني علي بن يزيد عن القاسم عن أشى أمامة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه، وفيه شيء من ماء ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبي الله ﷺ فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه، فقال: يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال نبي الله ﷺ : «اني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» (١). ذكر تلبس ابلس على الصوفية في التخشع وطأطأة الرأس وإقامة الناموس قال المصنف ﵀: إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك. وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل. ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم. فقد روي عن علي ﵁: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه

стр. 321

بضحك فتمجه القلوب. ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا تفسح في المباح، فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب، وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي وطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد، وربما قيل له: ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة. وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي أنه قيل له: ادع لنا فكره ذلك واشتد عليه. وقد كان في الخائفين من حملة الخوف على شدة الذل والحياء فلم يرفع رأسه إلى السماء وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله ﷺ . وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى قال: «كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء». وفي هذا الحديث دليل على استحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها، وقد قال الله تعالى: ﴿أو لم يروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ (ق: ٦) وقال: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والارض﴾ (يونس:/ ١٠١) وفي هذا رد على المتصوفين، فإن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السماء. وقد ضم هؤلاء إلى ابتداعهم الرمز إلى التشبيه، ولو علموا أن إطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله تعالى لم يفعلوا ذلك، غير أن ما شغل إبليس إلا التلاعب بالجهلة فأما العلماء فهو بعيد عنهم شديد الخوف منهم لأنهم يعرفون جميع أمره ويحترزون من فنون مكره. أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر قالا: أخبرنا محمد بن الحسن الباغلاني: نا القاضي أبو العلاء الواسطي، نا أبو نصر أحمد بن محمد، نا أبو الخير أحمد بن محمد البزار، ثنا البخاري، ثنا إسحاق، ثنا محمد بن المفضل، ثنا الوليد بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد احد منهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، ثنا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز نا الحسن بن إسماعيل الضراب، نا أبي، ثنا أحمد بن مروان، ثنا إبراهيم الحربي، ثنا محمد بن الحارث عن المدايني عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه، قال: نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق.

стр. 322

أخبرنا عبد الوهاب، نا المبارك بن عبد الجبار، نا علي بن أحمد الملطي، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف، ثنا ابن صفوان، نا أبو بكر القرشي، ثنى يعقوب بن إسماعيل، قال: قال عبد الله: أخبرنا المعتمر عن كهمس بن الحسين، أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال: لكمه. أخبرنا محمد بن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن عاصم بن كليب الجرمي قال: لقى أبي عبد الرحمن بن الأسود وهو يمشى وكان اذا مشى يمشي الى جنب الحائط متخشعا هكذا وأمال أبو بكر (١) عنقه شيئا فقال أبي: مالك إذا مشيت مشيت إلى جنب الحائط؟ أما والله إن كان عمر إذا مشى لشديد الوطء على الأرض جهوري الصوت. أخبرنا محمد بن أبي طاهر، نا أبو محمد الجوهري، نا ابن حياة، نا أبو الحسن بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمد بن سعد يرفعه إلى سليمان بن أبي خيثمة عن أبيه، قال: قالت الشفا بنت عبد الله: ورأت فتيانا يقصرون في المشى ويتكلمون رويدا، فقلت: ما هذا؟ قالوا: انساك، قالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع وهو الناسك حقا. قال المصنف ﵀: قلت: وقد كان السلف يسترون أحوالهم ويتصنعون بترك التصنع وقد ذكرنا عن أيوب السختياني أنه كان في ثوبه بعض الطول ليستر حاله. وكان سفيان الثوري يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي. وقال لصاحب له ورآه يصلي: ما أجرأك تصلي والناس يرونك. قال: حدثنا محمد بن ناصر، ثنا عبد القادر بن يوسف، نا ابن المذهب، نا القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبو عبد الله - يعني السلمي -، ثنا بقية عن محمد بن زياد، قال: مر أبو أمامة برجل ساجد، فقال: يا لها من سجدة لو كانت في بيتك.

стр. 323

أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، نا الجوهري، ثنا محمد بن العباس، ثنا محمد بن القاسم الأنباري، ثنا الحارث بن محمد، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا شعيب بن حرب، ثنا الحسين بن عمار، قال رجل في مجلس الحسن بن عمارة: آه قال: فجعل يتبصره (١) ويقول: من هذا حتى ظننا أنه لو عرفه أمر به. أخبرنا إسماعيل بن أحمد المقري، نا أحمد بن أحمد الحداد، ثنا أبو نعيم الحافظ، نا أبو عبد الله محمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب، ثنا أبو حاتم، ثنا حرملة، قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: ودع الذين إذا أتوك تنسكوا … واذا خلوا فهم ذئاب خفاف أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ، نا جعفر بن محمد الواسطي، نا الحسين بن عبد الله الأبزاري، قال: سمعت إبراهيم بن سعيد يقول: كنت واقفا على رأس المأمون، فقال لي: يا إبراهيم، قلت لبيك، قال: عشرة من أعمال البر لا يصعد إلى الله والله منها شيء، قلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بكاء إبراهيم على المنبر، وخشوع عبد الرحمن بن إسحاق، وتقشف ابن سماعة، وصلاة ابن خيعويه بالليل، وصلاة عباس الضحى، وصيام ابن السندي الاثنين والخميس، وحديث أبي رجاء، وقصص الحاجبي، وصدقة حفصويه وكتاب الشامي ليعلى بن قريش. ذكر تلبس إبليس على الصوفية في ترك النكاح قال المصنف: النكاح مع خوف العنت (٢) واجب، ومن غير خوف العنت سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء. ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل انه حينئذ أفضل من جميع النوافل، لأنه سبب في وجود الولد. قال ﵊: «تناكحوا تناسلوا» (٣) وقال ﷺ :

стр. 324

«النكاح من سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) أخبرنا محمد بن أبي طاهر، نا الجوهري، نا أبو عمر بن حياة، نا أحمد بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمد بن سعد، نا سليمان بن داود الطيالسي، نا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له في ذلك لاختصينا (٢). قال ابن سعد: وأخبرنا عفان نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك «أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﵇ عن عمله في السر فأخبروهم، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام الليل على فراش، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر فحمد الله النبي ﵊ وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٣). قال ابن سعد: وأخبرنا سعيد بن منصور، نا أبو عوانة عن عطاء بن السايب عن سعيد بن عبيد، قال: قال ابن عباس ﵁: «إن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء». قال ابن سعد: وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن قيس، ثنا مندل عن أبي وجاء الجزرى عن عثمان بن خالد عن محمد بن خثيم، قال: قال شداد بن

стр. 325

أوس: زوجوني فإن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا ألقى الله عزبا (١). وأخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرزاق، نا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر، قال: دخل على رسول الله ﷺ رجل يقال له: عكاف بن بشر التميمي الهلالي، فقال له النبي ﷺ : «يا عكاف هل لك من زوجة؟ قال: لا، ولا جارية؟ قال: لا، قال: وأنت موسر بخير؟ قال: وأنا موسر قال: أنت إذا من إخوان الشياطين لو كنت من النصارى لكنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم أبا لشياطين تمرسون (٢) ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من ترك النساء» (٣). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثني أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء ابن أبي رباح عن أبي هريرة، قال: «لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال، والمتبتلين من الرجال الذين يقولون: لا نتزوج والمتبتلات من النساء اللاتي يقلن ذلك» (٤). أخبرنا محمد بن ناصر، نا عبد القادر بن محمد، قال: نا أبو بكر الخياط، نا أبو الفتح بن أبي الفوارس، نا أحمد بن جعفر الجيلي، ثنيا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، ثنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت أبا عبد الله بن حنبل يقول: ليس العزوبة من أمر الاسلام في شيء،

стр. 326

النبي ﵊ تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع، ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج كان قد اتم أمره كله. لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا ولم يكن كذا، وقد كان النبي ﵊ يصبح وما عندهم شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه وينهى عن التبتل، فمن رغب عن فعل النبي ﵊ فهو على غير الحق. ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوج وولد له. والنبي ﵊ قال: «حبب إلي النساء» (١). قلت: فإن إبراهيم بن آدم يحكى عنه بأنه قال: لروعة صاحب عيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي، وقال: وقعنا في بنيات (٢) الطريق أنظر عافاك الله ما كان عليه نبينا محمد ﷺ وأصحابه، ثم قال: لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا أنى يلحق المتعبد المتعزب المتزوج. فصل وقد لبس إبليس على كثير من الصوفية، فمنعهم من النكاح فقدماؤهم تركوا ذلك تشاغلا بالتعبد وأروا النكاح شاغلا عن طاعة الله ، وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إلى النكاح أو بهم نوع تشوق إليه فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم، وإن لم يكن بهم حاجة إليه فأتتهم الفضيلة. وفي «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». ثم قال: «أفتحتسبون الشر ولا تحسبون الخير». ومنهم من قال: النكاح يوجب النفقة والكسب صعب. وهذه حجة للترفه عن تعب الكسب. وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته في الصدقة، ودينار أنفقته على عيالك أفضلها الدينار

стр. 327

الذي نفقته على عيالك». ومنهم من قال: النكاح يوجب الميل إلى الدنيا، فروينا عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا. قال المصنف ﵀: قلت: وهذا كله مخالف للشرع، وكيف لا يطلب الحديث الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم. وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله. وكيف لا يتزوج وصاحب الشرع يقول: «تناكحوا تناسلوا» (١) فما أرى هذه الأوضاع إلا على خلاف الشرع. فأما جماعة من متأخري الصوفية فإنهم تركوا النكاح ليقال زاهد والعوام تعظم الصوفي إذا لم تكن له زوجة، فيقولون: ما عرف امرأة قط، فهذه رهبانية تخلف شرعنا. قال أبو حامد: ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزوج فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة، ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى. قال المصنف ﵀: وإني لأعجب من كلامه أتراه ما علم من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أو عفاف زوجته فإنه لم يخرج عن جادة السلوك أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى، والله تعالى قد من على الخلق بقوله: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (الروم: ٢١). وفي الحديث الصحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال له: «هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك (٢)». وما كان بالذي ليدله على ما يقطع أنسه بالله تعالى. أترى رسول الله ﷺ لما كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة (٣) ﵂ أكان خارجا عن الأنس بالله. هذه كلها جهالات بالعلم.

стр. 328

فصل واعلم أنه إذا دام ترك النكاح على شبان الصوفية أخرجهم إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول - المرض بحبس الماء، فإن المرء إذا طال احتقانه تصاعد إلى الدماغ منه منيه. قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي: أعرف قوما كانوا كثيري المنى فلما منعوا أنفسهم من الجماع لضرب من التفلسف بردت أبدانهم، وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم الكآبة بلا سبب، وعرضت لهم أعراض الماليخوليا، وقلت شهواتهم وهضمهم. قال: ورأيت رجلا ترك الجماع ففقد شهوة الطعام وصار أن أكل القليل لم يستمرئه (١) وتقايأه، فلما عاد إلى عادته من الجماع سكنت عنه هذه الأعراض سريعا. النوع الثاني - الفرار إلى المتروك فإن منهم خلقا كثيرا صابروا على ترك الجماع، فاجتمع الماء فأقلقوا (٢) ورجعوا فلامسوا النساء ولا بسوا من الدنيا أضعاف ما فروا منه فكانوا كمن أطال الجوع ثم أكل ما ترك في زمن الصبر. النوع الثالث - الانحراف إلى صحبة الصبيان، فإن قوما منهم أيسوا أنفسهم من النكاح فأقلقهم ما اجتمع عندهم فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد. فصل وقد لبس على قوم منهم تزوجوا، وقالوا: أنا لا ننكح شهوة فإن أرادوا أن الأغلب في طلب النكاح إرادة السنة جاز، وإن زعموا انه لا شهوة لهم في نفس النكاح فمحال ظاهر. فصل وقد حمل الجهل أقواما فجبوا (٣) أنفسهم، وزعموا أنهم فعلوا ذلك حياء من الله تعالى، وهذه غاية الحماقة لأن الله تعالى شرف الذكر على الانثى.

стр. 329

بهذه الآلة وخلقها لتكون سببا للتناسل، والذي يجب نفسه يقول بلسان الحال: الصواب ضد هذا، ثم قطعهم الآلة لا تزيل شهوة النكاح من النفس فما حصل لهم مقصودهم. ذكر إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا إسحاق بن أحمد، ثنا إبراهيم بن يوسف، ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: الذي يريد الولد أحمق لا للدنيا ولا للاخرة، وان أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه، وإن أراد أن يتعبد شغله. قال المصنف ﵀: قلت: وهذا غلط عظيم وبيانه أنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الدنيا اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها، وكان الآدمي غير ممتد البقاء فيها إلا إلى أمد يسير أخلف الله تعالى منه مثله، فحثه على سبه في ذلك تارة من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة، وتارة من باب الشرع بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم﴾ (النور: ٣٢) وقول الرسول ﷺ : «تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط» (١) وقد طلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأولاد فقال تعالى حكاية عنهم: «رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء» (آل عمران: ٣٨) «رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي» (ابراهيم: ٤٠) إلى غير ذلك من الآيات. وتسبب الصالحون إلى وجودهم. ورب جماع حدث منه ولد مثل الشافعي واحمد بن حنبل فكان خيرا من عبادة ألف سنة. وقد جاءت الأخبار بإثابة المباضعة (٢) والإنفاق على الأولاد والعيال ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا بعده، فمن أعرض عن طلب الأولاد والتزوج فقد خالف المسنون والأفضل وحرم أجرا جسيما، ومن فعل ذلك فإنما يطلب الراحة. أخبرنا عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد بن السراج، نا أبو القاسم.

стр. 330

الأزجي، ثنا ابن جهضم، ثنا الخلدي، قال: سمعت الجنيد يقول: الأولاد عقوبة شهوة الحلال، فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام. قال المصنف ﵀: وهذا غلط، فان تسمية المباح عقوبة لا يحسن، لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما تجدد منه عقوبة، ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة. ذكر تلبس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة قد لبس على خلق كثير منهم، فأخرجهم إلى السياحة لا إلى مكان معروف ولا إلى طلب علم، وأكثرهم يخرجهم على الوحدة ولا يستصحب زادا، ويدعي بذلك الفعل التوكل، فكم تفوته من فضيلة وفريضة وهو يرى أنه في ذلك على طاعة، وأنه يقرب بذلك من الولاية، وهو من العصاة المخالفين لسنة رسول الله ﷺ . وأما السياحة والخروج لا إلى مكان مقصود فقد نهى رسول الله ﷺ عن السعي في الأرض في غير أرب حاجة. أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا إبراهيم بن عمر البرمكي، نا ابن حياة، نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، قال: سمعت ابا محمد ابن فتية يقول: ثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن سفيان عن ابن جريج عن مسلم عن طاوس أن رسول الله ﷺ قال: «لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام» (١) قال ابن قتيبة: الزمام في الأنف والخزام حلقة من شعر يجعل في أحد جانبي المنخرين. وأراد ﷺ ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من خزم التراقي (٢) وزم الانوف. والتبتل: ترك النكاح. والسياحة: مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض. وروى أبو داود في «سننه» من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال النبي ﷺ : «ان سياحة أمنى.

стр. 331

الجهاد في سبيل الله» (١). قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا فيما تقدم (٢) من حديث ابن مظعون أنه قال: يا رسول الله، إن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض، فقال النبي ﷺ له: «مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة». وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن الرجل يسيح يتعبد أحب إليك أو المقيم في الأمصار قال: ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. فصل وأما الخروج على الوحدة فقد نهى رسول الله ﷺ أن يسافر الرجل وحده. فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا محمد ابن الطيب الصباغ، نا أحمد بن سليمان النجاد، ثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، ثنا علي بن عاصم، ثنا عبد الرحمن بن يزيد، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: «الراكب شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب» (٣). أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي،

стр. 332

ثنا أيوب بن النجار، عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ راكب الفلاة وحده» (١). فصل وقد يمشون بالليل أيضا على الوحدة. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. وأخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا محمد بن عبيد، ثنا عاصم عن أبيه عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل أبدا» (٢). قال عبد الله: وحدثني أبي، ثنا محمد بن أبي عدي، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله تعالى يبث في خلقه ما شاء» (٣). قال المصنف ﵀: وفيهم من جعل دأبة السفر والسفر لا يراد لنفسه، قال النبي ﷺ : «السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله» (٤). فمن جعل دأبة السفر فقد جمع بين تضييع العمر وتعذيب النفس، وكلاهما مقصود فاسد. أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن اب الطيب العكي يقول: سمعت أبا الحسن المصري يقول: سمعت أبا حمزة الخراساني يقول: كنت قد بقيت محرما في عباء أسافر كل سنة ألف فرسخ تطلع الشمس علي وتغرب كلما أحللت أحرمت.

стр. 333

ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد قال المصنف ﵀: قد لبس على خلق كثير منهم فأوهمهم أن التوكل ترك الزاد، وقد بينا فساد هذا فيما تقدم، إلا أنه قد شاع هذا في جهلة القوم، وجاء حمقى القصاص يحكون ذلك عنهم على سبيل المدح لهم به، فيتضمن ذلك تحريض الناس على مثل ذلك، وبأفعال أولئك ومدح هؤلاء لهؤلاء فسدت الأحوال وخفيت على العوام طرق الصواب والأخبار عنهم بذلك كثيرة، وأنا أذكر منها نبذة. أنبأنا محمد بن عبد الملك، نا أبو بكر، نا رضوان بن محمد الدينوري، ثنا طاهر بن عبد الله، ثنا الفضل بن الفضل الكندي، ثنى أبو بكر محمد بن عبد الواحد بن جعفر الواسطي، ثنا محمد بن السفاح عن علي بن سهل المصري، قال: أخبرني فتح الموصلي قال: خرجت حاجا فلما توسطت البادية إذا أنا بغلام صغير، فقلت: يا عجبا بادية بيداء وأرض قفراء وغلام صغير، فأسرعت فلحقته فسلمت عليه، ثم قلت: يا بني إنك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام، قال: يا عم قد مات من كان أصغر سنا مني فقلت: وسع خطاك فان الطريق بعيد حتى تلحق المنزل، فقال: يا عم علي المشي وعلى الله البلاغ، أما قرأت قوله تعالى ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ (العنكبوت ٦٩) فقلت له: مالي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة؟! فقال: يا عم، زادي يقيني وراحلتي رجائي، قلت: سألتك عن الخبز والماء، قال: يا عم، أخبرني لو أن أخا من إخوانك أو صديقا من أصدقائك دعاك إلى منزله أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله، فقلت: أزودك، فقال: إليك عني يا بطال هو يطعمنا ويسقينا. قال فتح: فما رأيت صغيرا أشد تو كلا منه، ولا رأيت كبيرا أشد زهدا منه. قال المصنف ﵀: بمثل هذه الحكاية تفسد الأمور ويظن أن هذا هو الصواب ويقول الكبير: اذا كان الصغير قد فعل هذا فأنا أحق بفعله منه. وليس العجب من الصبي بل من الذي لقيه، كيف لم يعرفه أن هذا الذي يفعله منكر، وان الذى استدعاك أمرك بالتزود ومن ماله يتزود ولكن مضى على هذا كبار القوم فكيف الصغار. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، نا أبو نعم الأصفهاني، قال: سمعت محمد بن الحسن بن علي اليعيظي يقول:

стр. 334

حضرت أبا عبد الله الجلاء، وقيل له عن هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة: يزعمون أنهم متوكلون فيموتون في البراري، فقال: هذا فعل رجال الحق فإن ماتوا فالدية على القاتل. أخبرنا ابن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: قال رجل لأبي عبد الله بن الجلاء: ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد، قال: هذا من فعل رجال الله، قال: فإن مات، قال: الدية على القاتل. قال المصنف ﵀: قلت: هذه فتوى جاهل بحكم الشرع إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز دخول البادية بغير زاد، وإن من فعل ذلك فمات بالجوع فإنه عاص لله تعالى مستحق لدخول النار. وكذلك إذا تعرض بما غالبه العطب، فإن الله جعل النفوس وديعة عندنا، فقال: ﴿ولا تقتلوا انفسكم﴾ (النساء: ٢٩)، وقد تكلمنا فيما تقدم في وجوب الاحتراز من المؤذي ولو لم يكن المسافر بغير زاد، إلا أنه خالف أمر الله في قوله «وتزودا». أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا أحمد الكبير يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، قال: خرجت من شيراز في السفرة الثالثة فتهت في البادية وحدي وأصابني من الجوع والعطش ما أسقط من أسناني ثمانية وانتثر شعري كله. قال المصنف ﵀: قلت: هذا قد حكى عن نفسه ما ظاهره طلب المدح على ما فعل والذم لاحق به. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبد الكريم ابن هوزان، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الواعظ، وأخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه واللفظ له، ثنا أبو الفضل يوسف بن علي البلخي، ثنا محمد بن عبد الله أبو حمزة الصوفي، قال: إني لاستحى من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون شبعي زادا تزودته. قال المصنف ﵀: قلت: وقد سبق الكلام على مثل هذا، وإن هؤلاء القوم ظنوا أن التوكل ترك الأسباب، ولو كان هكذا لكان رسول الله.

стр. 335

ﷺ حين تزود لما خرج إلى الغار قد خرج من التوكل وكذلك موسى لما طلب الخضر تزود حوتا. وأهل الكهف حين خرجوا فاستصحبوا دراهم استخفوا ما معهم، وإنما خفي على هؤلاء معنى التوكل لجهلهم. وقد أعتذر لهم أبو حامد، فقال: لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلا بشرطين: أحدهما أن يكون الإنسان قد راض نفسه حيث يمكنه الصبر عن الطعام أسبوعا ونحوه والثاني أن يمكنه التقوت بالحشيش ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد أسبوع أو ينتهي إلى حلة (١) أو حشيش يرجى به قوته. قال المصنف ﵀: قلت: أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه، فإنه قد لا يلقى أحدا وقد يضل وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقى من لا يطعمه ويتعرض بمن لا يضيفه وتفوته الجماعة قطعا وقد يموت ولا يأبه له أحد ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة ثم ما المخرج إلى هذه المحن إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص واجتزاء بحشيش، وأي فضيلة في هذه الحال حتى يخاطر فيها بالنفس. وأين أمر الإنسان أن يتقوت بحشيش، ومن فعل هذا من السلف وكأن هؤلاء القوم يجزمون (٢) على الله سبحانه أن يرزقهم في البادية. ومن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة، ألا ترى أن قوم موسى ﵇ لما سألوا من بقلها وقتائها وفومها وعدسها وبصلها أوحى الله إلى موسى أن اهبطوا مصرا وذلك لأن الذي طلبوه في الأمصار فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس. أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا إبراهيم بن محمد بن جعفر الساجي، نا أبو بكر عبد العزيز ابن جعفر، ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، نا الحسن بن أحمد الكرماني ثنا أبو بكر، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون، فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون الناس، فأنزل الله : ﴿وتزودوا فان خير الزاد التقوى﴾ (البقرة: ١٩٧). أخبرنا أبو المعمر الأنصاري، نا يحيى بن عبد الوهاب بن منده، نا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، نا محمد بن حسان، ثنا أبو بكر

стр. 336

أحمد بن هارون الميرونجي، ثنا عبد الله بن الأزهر، ثنا أسباط، ثنا محمد ابن موسى الجرجاني، قال: سألت محمد بن كثير الصنعاني عن الزهاد الذين لا يتزودون ولا ينتعلون ولا يلبسون الخفاف، فقال: سألتني عن أولاد الشياطين ولم تسألني عن الزهاد. فقلت له: فأى شيء الزهد؟ قال: التمسك بالسنة والتشبه بأصحاب النبي ﷺ . أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا عبد العزيز ابن علي الأزجي، نا إبراهيم بن محمد الساجي، نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، نا أحمد بن الحسين بن حسان، أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يريد المفازة بغير زاد، فأنكره إنكارا شديدا، وقال: أف أف لا لا - ومد بها صوته - الا بزاد ورفقاء قافلة. قال الخلال: وقال أبو بكر المروزي: وجاء رجل إلى أبي عبد الله فقال: رجل يريد سفرا أيما أحب إليك يحمل معه زادا أو يتوكل، فقال له أبو عبد الله: يحمل معه زادا ويتوكل حتى لا يتشرف (١) للناس قال الخلال: وأخبرني إبراهيم بن الخليل أن أحمد بن نصر حدثهم أن رجلا سأل أبا عبد الله: أيخرج الرجل إلى مكة متوكلا لا يحمل معه شيئا؟ قال: لا يعجبني فمن أين يأكل، قال: فيتوكل فيعطيه الناس، قال: فاذا لم يعطوه أليس يستشرف لهم حتى يعطوه، لا يعجبني هذا. لم يبلغني أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ والتابعين فعل هذا. قال الخلال: وأخبرنا محمد بن علي السمسار أن محمد بن موسى بن مسيس حدثهم، أن أبا عبد الله سأله رجل، فقال: أحج بلا زاد؟! فقال: لا، اعمل واحترف، وأخرج النبي ﷺ زود أصحابه فقال: فولاء الذين يعرفون ويحجون بلا زادهم على الخطأ؟ قال: نعم هم على الخطأ. قال الخلال: وأخبرني محمد بن أحمد بن جامع الراز، قال: سمعت الحسين بن الحسن الرازي، قال: شهدت أحمد بن حنبل وجاءه رجل من أهل خراسان، فقال له: يا أبا عبد الله معي درهم أحج بهذا الدرهم؟! فقال له أحمد: اذهب إلى باب الكرخ فاشتر بهذا الدرهم حبلا واحمل على رأسك حتى يصير عندك ثلثمائة درهم فحج، قال: يا أبا عبد الله، أما ترى مكاسب

стр. 337

الناس، قال أحمد: لا تنظر إلى هذا فإنه من رغب في هذا يريد أن يفسده على الناس معايشهم، قال: يا أبا عبد الله أنا متوكل، قال: فتدخل البادية وحدك أو مع الناس، قال: لا مع الناس، قال: كذبت إذن لست بمتوكل فادخل وحدك وإلا فأنت متوكل على جراب الناس. سياق ما جرى للصوفية في أسفارهم وسياحاتهم من الأفعال المخالفة للشرع أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا محمد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أحمد بن محمد بن مقسم، ثني أبو بدر الخياط الصوفي، قال: سمعت أبا حمزة يقول: سافرت سفرة على التوكل، فبينما أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني إذ وقعت في بئر، فرأيتني قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها، فجلست فيها فبينا أنا جالس إذ وقف على رأس البئر رجلان، فقال أحدهما لصاحبه: نجوز (١) ونترك هذه البئر في طريق المسلمين السابلة والمارة. فقال الآخر: فما نصنع؟ قال: فبدرت (٢) نفسي أن أناديهما، فنوديت تتوكل علينا وتشكو بلاءنا إلى سوانا، فسكت فمضيا، ثم رجعا ومعهما شيء فجعلاه على رأسها غطوها به، فقالت لي نفسي: أمنت طمها (٣) ولكن حصلت فيها مسجونا، فمكثت يومي وليلتي، فلما كان الغداء ناداني شيء يهتف بي ولا أراه تمسك بي شديدا، فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به فعلاها وطرحني فوق الأرض فإذا هو سبع، فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله، فهتف بي هاتف وهو يقول: يا أبا حمزة است. قذناك من البلاء بالبلاء، و كفيناك ما تخاف بما تخاف اخبرنا محمد بر ناصر، نا محمد بن أبي نصر الحميدي، نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن حسن المحرمي سمعت ابن المالكي يقول: قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين، فبينا أنا أمشي في الطريق وقعت في بئر، فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا والله لا أستغيث، فما اتممت هذا

стр. 338

الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر: تعال نسد رأس هذا البئر في هذا الطريق، فأتوا بقصب وبارية (١) فهمهمت، فقلت: إلى من هو أقرب إليك منهما، وسكت حتى طموا رأس البئر، فإذا بشيء قد جاء فكشف عن رأس البئر ودلي رجليه، وكان يقول في همهمة له: تعلق بي فتعلقت به، فأخرجني فنظرت فإذا هو سبع، فهتف بي هاتف وهو يقول: يا أبا حمزة أليس ذا حسن نجيناك من التلف بالتلف. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو القاسم رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نعيم يحكي عن أبي حمزة الصوفي الدمشقي أنه لما خرج من البئر أنشد يقول: نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى … فأغنيتني بالقرب منك عن الكشف تراءيت لي بالغيب حتى كأنني … تبشرني بالغيب إنك في الكف أراك وبي من هيبتي لك وحشة … وتؤنسنى بالعطف منك وباللطف وتحيى محبا أنت في الحب حتفه … وذا عجب كون الحياة مع الحتف قال المصنف ﵀: قلت: اختلفوا في أبي حمزة هذا الواقع في البئر، فقال أبو عبد الرحمن السلمي: هو أبو حمزة الخراساني وكان من أقران الجنيد. وقد ذكرنا في رواية أخرى أنه دمشقي. وقال أبو نعيم الحافظ: هو أبو حمزة البغدادي واسمه محمد بن إبراهيم، وذكره الخطيب في «تاريخه» وذكر له هذه الحكاية. وأيهم كان فهو مخطئ في فعله مخالف للشرع بسكوته معين بصمته على نفسه، وقد كان يجب عليه أن يصيح ويمنع من طم البئر، كما يجب عليه أن يدفع عن نفسه من يقصد قتله. وقوله: لا أستغيث كقول القائل: لا آكل الطعام ولا أشرب الماء، وهذا جهل من فاعله ومخالفة الحكمة في وضع الدنيا، فإن الله تعالى وضع الاشياء على حكمة فجعل للآدمى يدا يدفع بها ولسانا ينطق به وعقلا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح. وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين، فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر الشرع وعطل حكمة الصانع. فإن قال جاهل: فكيف أحترز مع أمر القدر؟ قلنا: وكيف لا يحترز مع أمر المقدر، وقد قال الله تعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ (النساء: ٧١) وقد اختفى النبي ﷺ في الغار، وقال لسراقة: «اخف عنا»

стр. 339

واستأجر دليلا إلى المدينة (١)، ولم يقل: اخرج على التوكل، وما زال ببدنه مع الأسباب وبقلبه مع المسبب. وقد أحكمنا هذا الأصل فيما تقدم. وقول أبي حمزة: فنوديت من باطني، هذ من حديث النفس الجاهلة التي قد استقر عندها بالجهل أن التوكل ترك التمسك بالأسباب، لأن الشرع لا يطلب من الإنسان ما نهاه عنه، وهلا نافره باطنه في مد يده وتعلقه بذلك المتدلي إليه وتمسكه به فإن ذلك أيضا نقض لما ادعاه من ترك الأسباب الذي يسميه التوكل، لأنه أي فرق بين قوله أنا في البئر وبين تمسكه بما تدلى عليه، لا بل هذا آكد لأن الفعل آكد من القول، فهلا سكت حتى يحمل بلا سبب. فإن قال: هذا بعثه الله لي قلنا: والذي جاز (٢) على البئر من بعثه؟ واللسان المستغيث من خلقه، فإنه لو استغاث كان مستعملا للأسباب التي خلقها الله تعالى لينتفع بها للدفع عنه، فلم يستعملها وإنما بسكوته عطل الأسباب التي خلقها الله تعالى له ودفع الحكمة، فصح لومه على ترك السبب. وأما تخليصه بالأسد فإن صح هذا فقد يتفق مثله، ثم لا ينكر أن الله تعالى يلطف بعبده وإنما ينكر فعله المخالف للشرع، أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن، قال: سمعت علي بن عبد الله بن جهضم المكي يقول: ثنا الخلدي، قال: قال الجنيد: قال لي محمد السمين: كنت في طريق الكوفة بقرب الصحراء التي بين قباء والصخرة التي تفريقنا (٣) منها والطريق منقطع، فرأيت علي الطريق جملا قد سقط ومات وعليه سبعة أو ثمانية من السباع تتناهش لحمه يحمل بعضها على بعض، فلما أن رأيتهم كأن نفسي اضطربت وكانوا على قارعة الطريق، فقالت لي نفسي: تميل يمينا أو شمالا، فأبيت عليها إلا أن آخذ على قارعة الطريق، فحملتها على أن مشيت حتى وقفت عليهم بالقرب منهم كأحدهم، ثم رجعت إلى نفسي لأنظر كيف، فإذا هي الروع معي قائم فأبيت أن أبرح، وهذه صفتي فقعدت بينهم ثم نظرت بعد قعودي فإذا الروع معي فأبيت أن أبرح وهذه صفتي، فوضعت جنبي فنمت مضطجعا، فتغشانى (٤) النوم فنمت وأنا على تلك الهيئة والسباع في المكان الذي كانوا عليه، فمضى بي وقت وأنا نائم، فاستيقظت فإذا السباع قد تفرقت ولم يبق منها شيء، واذا الذي كنت أجده قد زال.

стр. 340

فقمت وأنا على تلك الهيئة فانصرفت. قال المصنف ﵀: قلت: فهذا الرجل قد خالف الشرع في تعرضه للسباع، ولا يحل لأحد أن يتعرض لسبع أو لحية، بل يجب عليه أن يفر مما يؤذيه أو يهلكه. وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الطاعون وأنتم بأرض فلا تقدموا عليه (١) وقال ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (٢). ومر ﵊ بحائط مائل فأسرع (٣). وهذا الرجل قد أراد من طبعه أن لا ينزعج. وهذا شيء ما سلم منه موسى ﵇، فإنه لما رأى الحية خاف وولى مدبرا، فإن صح ما ذكره وهو بعيد الصحة لان طباع الآدميين تتساوى، فمن قال: لا أخاف السبع بطبعي كذبناه، كما لو قال: أنا لا أشتهي النظر إلى المستحسن. وكأنه قهر نفسه حتى نام بينهم استسلاما للهلاك لظنه أن هذا هو التوكل. وهذا الظن خطأ لأنه لو كان هذا هو التوكل ما نهى عن مقاربة ما يخاف شره. ولعل السباع اشتغلت عنه وشبعت من الجمل، والسبع إذا شبع لا يفترس. ولقد كان أبو تراب النخشبي من كبار القوم، فلقيته السباع في البرية فنهشته فمات، ثم لا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ونجاه بحسن ظنه فيه، غير أنا نبين خطأ فعله للعامي الذي إذا سمع هذه الحكاية ظن أنها عزيمة عظيمة ويقين قوي، وربما فضل حالته على حالة موسى ﵇ إذ هرب من الحية. وعلى حالة نبينا ﷺ إذ مر بجدار مائل فهرول. وعلى لبسه ﷺ الدرع في غزواته كلها وقت الحرب (٤) حتى قال ﵊ في غزوة الخندق (٥): «ليس لنبي أن يلبس لأمة حربة ثم ينزعها من غير قتال». وعلى حالة أبي بكر ﵁ إذ سد خروق الغار اتقاء أذى الحيات. وهيهات أن تعلو مرتبة هذا.

стр. 341

المخالف للشرع على مرتبة النبيين والصديقين بما يخايل (١) له ظنه الفاسد من أن هذا الفعل هو التوكل. وقد أخبرنا عنه أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا إسماعيل بن أحمد الجبري، ثنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني، قال: سمعت مؤملا المغابي يقول: كنت أصحب محمد بن السمين فسافرت معه ما بين تكريت والموصل، فبينا نحن في برية نسير إذا زأر السبع من قريب منا، فجزعت وتغيرت وظهر ذلك على وجهي وهممت أن أبادر فأفر فضبطني، وقال: يا مؤمل التوكل ها هنا ليس في المسجد الجامع. قال المصنف ﵀: قلت: لا أشك في أن التوكل يظهر أثره في المتوكل عند الشدائد، ولكن ليس من شروطه الاستسلام للسبع فإنه لا يجوز. أخبرنا عمر بن ظفر، نا ابن السراج، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، نا ابن جهضم، ثنا إبراهيم بن أحمد بن علي العطار، قال له الخواص: حدثني بعض المشايخ أنه قيل لعلي الرازي: ما لنا لا نراك مع أبي طالب الجرجاني؟ قال: خرجنا في سياحة فنمنا في موضع فيه سباع، فلما نظر إلي رآني لم أنم طردني. وقال: لا تصحبني بعد هذا اليوم. قال المصنف ﵀: قلت: لقد تعدى هذا الرجل إذ أراد من صاحبه أن يغير ما طبع عليه، وليس ذلك في قدرته ولا في وسعه، ولا يطالبه بمثله الشرع وما قدر على هذه الحالة موسى ﵇ حين هرب من الحية، فهذا كله مبناه على الجهل. أخبرنا ابن ظفر، نا ابن السراج، نا الأزجي، ثنا ابن جهضم، قال: سمعت الخلدي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: سمعت حسنا أخا سنان يقول: كنت أسلك طريق مكة فتدخل في رجلي الشوكة فيمنعني ما أعتقده من التوكل أن أخرجها من رجلي، فأدلك رجلي على الأرض وامشي. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد ابن الفضل الكرماني، نا سهل بن على الحساب، نا عبد الله بن على

стр. 342

السراج، قال: سمعت أحمد بن علي الوجدي يقول: حج الدينوري اثنتي عشرة حجة حافيا مكشوف الرأس، وكان إذا دخل في رجله شوك يمسح رجله في الأرض ويمشي ولا يتطأطأ (١) إلى الأرض من صحة توكله. قال المصنف ﵀: قلت: انظروا إلى ما يصنع الجهل بأهله، وليس من طاعة الله تعالى أن يقطع الإنسان تلك البادية حافيا، لأنه يؤذي نفسه غاية الأذى، ولا مكشوف الرأس، وأي قربة تحصل بهذا، ولولا وجوب كشف الرأس في مدة الإحرام لم يكن لكشفه معنى. فمن ذا الذي أمره ألا يخرج الشوك من رجله، وأي طاعة تقع بهذا، ولو أن رجله انتفخت بما يبقى فيها من الشوك وهلك كان قد أعان على نفسه، وهل ذلك الرجل بالأرض إلا دفع بعض شر الشوك، فهلا دفع الباقي بالإخراج. وأين التوكل من هذه الأفعال المخالفة للعقل والشرع، لأنهما يقضيان بجلب المنافع للنفس ودفع المضار عنها. ولذلك أجاز الشرع لمن أدركه ضرر في إحرامه أن يخرق حرمة الإحرام ويلبس ويغطي رأسه ويفدي. ولقد سمعت أبا عبيد يقول: إني لأتبين عقل الرجل بأن يدع الشمس ويمشي في الظل. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني، قال: سمعت علي بن عبد الله بن جهضم، قال: سمعت أبا بكر الرقي يقول: حدثني أبو بكر الدقاق، قال: خرجت في وسط السنة إلى مكة وأنا حدث السن، في وسطي نصف جل وعلى كتفي نصف جل، فرمدت عيني في الطريق وكنت أمسح دموعي بالجل (٢)، فأقرح (٣) الجل الموضع، فكان يخرج الدم مع الدموع، فمن شدة الإرادة وقوة سروري بحالي لم أفرق بين الدموع والدم، وذهبت عيني في تلك الحجة، وكانت الشمس إذا أثرت في بدني قبلت يدي ووضعتها على عيني سرورا مني بالبلاء. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران يقول: سمعت محمد ابن داود الرقي يقول: سمعت أبا بكر الدقاق يقول: كان سبب ذهاب بصري أني خرجت في وسط السنة أريد مكة، وفي وسطي نصف جل وعلى وسطى

стр. 343

نصف جل، فرمدت إحدى عيني فمسحت الدموع بالجل، فقرح المكان، وكانت الدموع والدم تسيلان من عيني. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، أنا أبو محمد التميمي، أنا عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: قلت لأبي بكر الدقاق - وكان بفرد عين -: ما سبب ذهاب عينك؟ قال: كنت أدخل البادية على التوكل فجعلت على نفسي أن لا آكل لأهل المنازل شيئا تورعا، فسالت إحدى عيني على خدي من الجوع. قال المصنف ﵀: إذا سمع مبتدئ حالة هذا الرجل ظن أن هذه مجاهدات وقد جمعت هذه السفرة التي أفتخر فيها فنونا من المعاصي والمخالفات، منها خروجه في تنصيف السنة على الوحدة، ومشيه بلا زاد ولا راحلة، ولباسه الجل، ومسح عينيه به، وظنه أن ذلك يقربه إلى الله تعالى، وإنما يتقرب الى الله تعالى بما أمر به وشرعه لا بما نهى وكف عنه. فلو أن إنسانا قال: أريد أن أضرب نفسي بعصا لأنها عصت أتقرب بذلك إلى الله كان عاصيا. وسرورا هذا الرجل بهذا خطأ قبيح لأنه إنما يفرح بالبلاء إذا كان بغير تسبب منه لنفسه. فلو أن إنسانا كسر رجل نفسه ثم فرح بهذه المصيبة كان نهاية في الحماقة، ثم تركه السؤال وقت الاضطرار وحمله على النفس في شدة المجاعه حتى سالت عينه، ثم يسمي هذا تورعا حماقات زهاد أكبرها الجهل والبعد عن العلم. وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن العباس بن أيوب الأصفهاني، ثنا عبد الرحمن بن يوسف الرقي، ثنا مطرف بن مازن عن سفيان الثوري، قال: من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار. اقال المصنف ﵀: فانظر إلى كلام الفقهاء ما أحسنه. ووجهه (١) أن الله تعالى قد جعل للجائع مكنة (٢) التسبب، فإذا عدم الأسباب الظاهرة فله قدرة السؤال التي هي كسب مثله في تلك الحال، فإذا تركه فقد فرط في حق نفسه التي هي وديعة عنده فاستحق العقاب. وقد روي لنا في ذهاب عين هذا الرجل ما هو أظرف مما ذكرنا، فأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، ثنا حمد بن أحمد الحداد، ثنا أبو نعيم،

стр. 344

قال: سمعت أبا أحمد القلانسي يقول: قال أبو علي الروذبارى يحكى عن أبي بكر الدقاق، قال: استضفت حيا من العرب فرأيت جارية حسناء فنظرت اليها فقدمت عيني التي نظرت بها إليها، وقلت: مثلك من نظر لله. قال المصنف ﵀: قلت: فانظروا إلى جهل هذا المسكين بالشريعة والبعد عنها، لأنه إن كان نظر إليها عن غير تعمد فلا إثم عليه، وأن تعمد فقد أتى صغيرة قد كان يكفيه منها الندم، فضم إليها كبيرة وهي قلع عينه، ولم يتب عنها لأنه اعتقد قلعها قربة إلى الله سبحانه، ومن اعتقد المحظور قربة فقد انتهى خطؤه إلى الغاية، ولعله سمع تلك الحكاية عن بعض بني إسرائيل، أنه نظر إلى امرأة فقلع عينه، وتلك مع بعد صحتها ربما جازت في شريعتهم، فأما شريعتنا فقد حرمت هذا. وكأن هؤلاء القوم ابتكروا شريعة سموها بالتصوف وتركوا شريعة نبيهم محمد ﷺ نعوذ بالله من تلبيس إبليس. وقد روي عن بعض عابدات الصوفية مثل هذا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد البصري غلام شعوانة، قال: أخبرتني شعوانة أنه كان في جيرانها امرأة صالحة فخرجت ذات يوم إلى السوق، فرآها بعض الناس فافتتن بها وتبعها إلى باب دارها، فقالت له المرأة: أي شيء تريد مني؟ قال فتنت بك، فقالت: ما الذي استحسنت منى؟ قال عيناك، فدخلت إلى دارها فقلعت عينيها وخرجت إلى خلف الباب ورمت بها إليه وقالت له: خذهما فلا بارك الله فيك. قال المصنف ﵀: فانظروا إخواني كيف يتلاعب إبليس بالجهلة، فإن ذلك الرجل أتى صغيرة بالنظر وأتت هي بكبيرة، ثم ظنت أنها فعلت طاعة، وكان ينبغى أن لا تكلم رجلا أجنبيا. وقد وجد من القوم ضد هذا كما يروى عن ذي النون المصري وغيره أنه قال: لقيت امرأة في البرية فقلت لها وقالت لي، وهذا لا يحل له. وقد أنكرت عليه امرأة متيقظة. فأخبرنا عبد الملك بن عبد الله الطروحي، نا محمد بن علي بن عمر، نا أبو الفضل محمد بن محمد العامي، نا أبو سعيد محمد بن أحمد بن يوسف، ثني سكر، ثني محمد بن يعقوب العرجى، قال: سمعت ذا النون يقول: رأيت امرأة بنحو أرض البجة فناديتها، فقالت: وما للرجال أن يكلموا النساء لولا نقص عقلك لرميتك بشيء.

стр. 345

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، نا أحمد بن علي بن ثابت، ثنا عبد العزيز الأزجي، ثنا علي بن عبد الله الهمداني، ثني على بن اسماعيل الطلا، ثنى محمد بن الهيثم، قال: قال لي أبو جعفر الحداد: دخلت البادية بعض السنين على التوكل فبقيت سبعة عشر يوما لا آكل فيها شيئا وضعفت عن المشي، فبقيت أياما أخر لم أذق فيها شيئا، فسقطت على وجهي وغشي علي، وغلب على من القمل شيء ما رأيت مثله ولا سمعت به، فبينا أنا كذلك إذ مر بي ركب فرأوني على تلك الحالة، فنزل أحدهم عن راحلته فحلق رأسي ولحيتي وشق ثوبي وتركني في الرمضاء، وسار فمر بي ركب آخر فحملوني إلى حيهم وأنا مغلوب فطرحوني ناحية، فجاءتني امرأة فجلست على رأسي وصبت اللبن في حلقي، ففتحت عيني قليلا وقلت لهم: أقرب المواضع منكم أين؟ قالوا: جبل الشراة، فحملوني إلى الشراة. قال المصنف ﵀: قلت: لو يحكى أن رجلا من المجانين انحل من السلسلة فأخذ سكينا وجعل يشرح لحم نفسه ويقول: أنا ما رأيت مثل هذا الجنون لصدق على هذا. وإلا فانظروا إلى حال هذا المسكين وبما فعل بنفسه ثم يعتقد أن هذا قربة نسأل الله العافية. أخبرنا أحمد بن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت با بكر الدارى يقول: سمعت أبا الحسن الريحاني يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: رأيت شيخا من أهل المعرفة عرج بعد سبعة عشر يوما على سبب (١) في البرية، فنهاه شيخ كان معه فأبى أن يقبل فسقط ولم يرتفع عن حدود الأسباب قلت: هذا قد أراد أن يصبر عن القوت أكثر من هذا، وليس الصبر إلى هذا الحد وأن أطيق بفضيلة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا رزق الله بن عبد الوهاب، نا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين، قال: سمعت جد اسماعل بن نجيد يقول: دخل إبراهيم الهروي مع شبة البرية، فقال: يا شبه اطرح ما معك من العلائق، قال: فطرحتها كلها وأبقيت دينارا فخطا خطوات، ثم قال: اطرح ما معك لا تشغل سري قال: فأخرجت الدينار ودفعته إليه فطرحه ثم خطا خطوات، وقال: اطرح ما معك، قلت: ليس معي شيء، قال: بعد سري مشتغل ثم ذكرت أن معي دستجة (٢) شموع، فقلت: ليس معي إلا هذه، قال: فأخذها فطرحها، ثم قال: امش فمشينا، فما احتجت

стр. 346

إلى شبع (١) في البادية إلا وجدته مطروحا بين يدي، فقال لي: كذا من عامل الله بالصدق. قال المصنف ﵀: قلت: كل هذه الأفعال خطأ ورمي المال حرام، والعجب ممن يرمى ما يملكه ويأخذ ما لا يدري من أين هو وهل يحل له أخذه أم لا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت نصر ابن أبي نصر العطار، يقول: سمعت علي بن محمد المصري، قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة (٢) من بعد، فسررت بوصولي، ثم فكرت في نفسي أني شكيت وأني توكلت على غيره، فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن حملت إليها، فحفرت لنفسي في الرمل حفرة وواريت جسدي فيها إلى صدري، فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا: يا أهل المرحلة إن لله وليا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه، فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى المرحلة. قال المصنف ﵀: قلت: لقد تنطع هذا الرجل على طبعه فأراد منه ما لم يوضع عليه، لأن طبع ابن آدم أن يهش إلى ما يحب ولا لوم على العطشان اذاهش إلى الماء، ولا على الجائع إذا هش إلى الطعام فكذلك كل من هش إلى محبوب له وقد كان النبي صلى الله عليه: إذا قدم من سفر فلاحت له المدينة أسرع السير، حبا للوطن (٣). ولما خرج من مكة تلفت إليها شوقا (٤). وكان بلال يقول: لعن الله عتبة وشيبة اذ أخرجونا من مكة ويقول:

стр. 347

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي إذخر (١) وجليل (٢) فنعوذ بالله من الإقبال على العمل بغير مقتضى العلم والعقل. ثم حبسه نفسه عن صلاة الجمعة قبيح، وأي شيء في هذا من التقرب إلى الله سبحانه إنما هو محض جهل. أنبأنا ابن ناصر، نا جعفر بن أحمد السراج، نا عبد العزيز بن على ابن أحمد، ثنا أبو الحسن علي بن جهضم، ثنا بكر بن محمد، قال: كنت عند أبي الخير النيسابوري فبسطني بمحادثته لي بذكر بدايته إلى أن سألته عن سبب قطع يده، فقال: يد جنت فقطعت، ثم اجتمعت به مع جماعة فسألوه عن ذلك، فقال: سافرت حتى بلغت اسكندرية فأقمت بها اثنتي عشرة سنة، وكنت قد بنيت بها كوخا، فكنت أجيء إليه من ليل إلى ليل وأفطر على ما ينفضه المرابطون، وأزاحم الكلاب على قمامة السفر، وآكل من البردي (٣) في الشتاء، فنوديت في سري: يا أبا الخير تزعم أنك لا تشارك الخلق في أقواتهم وتشير إلى التوكل وأنت في وسط القوم جالس. فقلت: إلهي وسيدي وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبته الأرض حتى تكون الموصل إلى رزقي من حيث لا أكون فيه، فأقمت اثنى عشر يوما أصلي الفرض وأتنفل، ثم عجزت عن النافلة، فأقمت اثنى عشر يوما أصلي الفرض والسنة، ثم عجزت عن السنة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير، ثم عجزت عن القيام، فأقمت اثني عشر يوما أصلي جالسا لا غير، ثم عجزت عن الجلوس، فرأيت أن طرحت نفسي ذهب فرضي فلجأت إلى الله بسري، وقلت: إلهي وسيدي افترضت علي فرضا تسألني عنه، وقسمت لي رزقا وضمنته لي فتفضل علي برزقي ولا تؤاخذني بما عقدته معك، فوعزتك لأجتهدن أن لا حللت عقدا عقدته معك فإذا بين يدي قرصان بينهما شيء، فكنت أجده على الداوم من الليل إلى الليل، ثم طولبت بالمسير الى الثغر.

стр. 348

فسرت حتى دخلت الفرما (١) فوجدت في الجامع قاصا يذكر قصة زكرياء والمنشار، وأن الله تعالى أوحى إليه حين نشر، فقال: إن صعدت إلى منك أنة لأمحونك من ديوان النبوة، فصبر حتى قطع شطرين، فقلت: لقد كان زكريا صبارا إلهي وسيدى لئن ابتليتني لاصبون، وسرت حتى دخلت انطاكية قرآني بعض إخواني، وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا وحربة، فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله تعالى أن أتوارى وراء السور خيفة من العدو، فجعلت مقامي في غابة أكون فيها بالنهار، وأخرج بالليل إلى شاطئ البحر فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة، فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة، فكنت فيها نهارى أجمع، فغدوت في بعض الأيام فعثرت بشجرة فاستحسنت ثمرها، ونسيت عقدي مع الله وقسمي به إني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض، فمددت يدي فأخذت بعض الثمرة، فبينا أنا أمضغها ذكرت العقد فرميت بها من فى وجلست ويدى على رأسي، فدار ب فرسان، وقالوا لي: قم فأخرجوني إلى الساحل، فإذا أمير وحوله خيل ورجالة (٢) وبين يدية جماعة سودان كانوا يقطعون الطريق وقد أخذهم وافترقت الخيل في طلب من هرب منهم، فوجدوني أسود مع سف و ترس وحربة، فلما قدمت إلى الأمير، قال: أيش أنت؟ قلت: عبد من عبيد الله، فقال للسودان تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: بلى هو رئيسكم وإنما تفدونه بأنفسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم، فقدموهم ولم يزل يقدم رجلا رجلا ويقطع يده ورجله حتى انتهى إلي فقال: تقدم مد يدك فمددتها فقطعت، ثم قال: مد رجلك فمددتها ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: الهي وسيدى يدى جنت ورجل اش عملت فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى بنفسه إلى الأرض، وصاح: أيش تعملون تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء، هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير، فرمى الأمير نفسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض وقبلها وتعلق بي يقبل صدري ويبكي ويقول: سألتك بالله أن تجعلني في حل، فقلت: قد جعلتك في حل من أول ما قطعتها هذه يد قد جنت فقطعت. قال المصنف ﵀: فانظروا رحمكم الله إلى عدم العلم كيف صنع بهذا الرجل، وقد كان من أهل الخير، ولو كان عنده علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على العباد والزهاد أكثر من الجهل.

стр. 349

أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا ابن باكوه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي، قال: سمعت محمد بن داود الدينوري يقول: سمعت ابن حديق يقول: دخلنا المصيصة مع حاتم الأصم فعقد أنه لا يأكل فيها شيئا إلا حتى يفتح فمه ويوضع في فيه وإلا ما يأكل، فقال لأصحابه: تفرقوا، وجلس فأقام تسعة أيام لا يأكل فيها شيئا، فلما كان في اليوم العاشر جاء إليه إنسان فوضع بين يديه شيئا يؤكل، فقال: كل، فلم يجبه، فقال له ثلاثا فلم يجبه، فقال: هذا مجنون، فأصلح لقمة وأشار بها إلى فمه فلم يفتح فمه ولم يتكلم، فأخرج مفتاحا كان معه فقال: كل وفتح فمه بالمفتاح ودس اللقمة في فمه فأكل، ثم قال له: إن أحببت أن ينفعك الله به فأطعم أولئك وأشار إلى أصحابه. أنبأنا محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه، ثني محمد بن هلال بن عبد الله، ثني القاضي أحمد بن سيار، قال: حدثني رجل من الصوفية، قال: صحبت شيخا من الصوفية أنا وجماعة في سفر فجرى حديث التوكل والأرزاق وضعف اليقين فيها وقوته، فقال الشيخ علي علي، وحلف إيمانا عظيمة لا ذقت مأكولا أو يبعث لي بجام فالوذج حار لا آكله إلا بعد أن يحلف علي. قال: وكنا نمشي في الصحراء، فقالت له الجماعة: إلا إنك غير جاهد (١)، ومشى ومشينا، فانتهينا إلى قرية وقد مضى يوم وليلتان لم يطعم فيها شيء، ففارقته الجماعة غيري، فطرح نفسه في مسجد القرية مستسلما للموت ضعفا، فأقمت عليه، فلما كان في ليلة اليوم الرابع وقد انتصف الليل وكاد الشيخ يتلف: إذا بباب المسجد قد فتح وإذا بجارية سوداء معها طبق مغطى، فلما رأتنا قالت: أنتم غرباء أو من أهل القرية؟ فقلت: غرباء، فكشفت الطبق واذا بجام فالوذج يفور لحرارته فقدمت لنا الطبق، وقالت: كلوا، فقلت له: كل، فقال: لا أفعل، فرفعت الجارية يدها فصفعته صفعة عظيمة، وقالت: والله لئن لم تأكل لا صفعنك هكذا إلى أن تأكل، فقال: كل معي، فأكلنا حتى فرغ الجام وهمت الجارية بالانصراف، فقلت للجارية: ما خبرك وخبر هذا الجام؟ فقالت: أنا جارية لرئيس هذه القرية وهو رجل حاد طلب منا منذ ساعة فالوذج فقمنا نصلحه له، فطال الأمر عليه فاستعجلنا فقلنا: نعم، فعاد فاستعجل، فقلنا: نعم، فحلف بالطلاق لا أكله هو ولا أحد ممن هو في داره ولا أحد من أهل القرية ولا يأكله

стр. 350

إلا رجل غريب، فخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا فلم نجد إلى أن انتهينا إليكم، ولو لم يأكل هذا الشيخ لقتلته ضربا إلى أن يأكل لئلا تطلق سيدتي من زوجها، قال: فقال الشيخ: كيف تراه إذا أراد أن يرزق؟ قال المصنف ﵀: ربما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة، وما فعله الرجل من أقبح القبيح، فإنه يجرب على الله ويتألى (١) عليه، ويحمل على نفسه من الجوع ما لا يجوز له، وهذا لا يجوز له، ولا ينكر أن يكون لطف به إلا أنه فعل ضد الصواب، وربما كان إنفاذ ذلك رديئا لأنه يعتقد أنه قد أكرم وإن ذلك منزلة. وكذلك حكاية حاتم التي قبلها فإنها إن صحت دلت على جهل بالعلم وفعل لما لا يجوز، لأنه ظن أن التوكل إنما هو ترك التسبب، فلو عمل بمقتضى واقعته لم يمضغ الطعام ولم يبلعه، فإنه تسبب وهل هذا إلا من تلاعب إبليس بالجهال لقلة علمهم بالشرع، ثم أي قربة في هذا الفعل البارد وما أظن غالبه إلا من (الماليخوليا). أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أحمد بن علي بن المحسن، قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري، قال: قال لي جعفر الخلدي: وقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة منها إحدى وعشرون على المذهب، فقلت لابى اسحاق: وأى شئ أراد بقوله - على المذهب - فقال: يصعد إلى قنطرة الناشرية فينفض كمية حتى يعلم أنه ليس معه زاد ولا ماء ويلبى ويسير قال المصنف ﵀: وهذا مخالف للشرع فان الله تعالى يقول: ﴿وتزودوا﴾ (البقرة: (١٩٧) ورسول الله ﷺ قد تزود (٢). ولا يمكن أن يقال: إن هذا الآدمي لا يحتاج إلى شيء في مدة أشهر فإن احتاج ولم يتزود فعطب أثم وإن سأل الناس أو تعرض لهم لم يف ذلك بدعوى التوكل، وإن أدعى أنه يكرم ويرزق بلا سبب فنظره إلى أنه مستحق لذلك محنة، ولو تبع أمر الشرع وحمل الزاد كان أصلح له على كل حال. وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر، قال: أخبرني أبي عن بعض الصوفية: أنه قدم عليه من مكة جماعة من المتصوفة، فقال لهم: من صحبتم؟ فقالوا: حاج اليمن، فقال: أوه التصوف قد صار إلى هذا؟! أو التوكل قد ذهب، أنتم ما جئتم على الطريقة والتصوف، وإنما جئتم من

стр. 351

مائدة اليمن إلى مائدة الحرم، ثم قال: (١) وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذه الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي ﷺ على التجريد، ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم، فجئنا إلى النبي ﷺ ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء، فخرجنا حتى بلغنا الجحفة (٢)، ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا إلينا بسويق، فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم، فشربناه على الماء، وكان طعامنا حتى دخلنا مكة. قلت: اسمعوا إخواني إلي توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس، ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب. ومن اعجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي، نا أبو محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التوكل، فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشترى سبعين حجة بشربة ماء؟ قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب، ثم قال: هذا خير لي من حجي لأن النبي ﷺ قال: «في كل ذات كبد حرى (٣) أجر (٤)». أخبرنا عبد الأول بن عيسى، نا ابن أبي الكوفاني، ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج، قال: سمعت الوجهي يقول: سمعت أبا علي الروذبارى يقول: كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما.

стр. 352

كان تلحقنا القافلة ويظلم علينا الطريق، وكان أبو الحسين يصعد تلا، فيصيح صياح الذئب حتى تسمع كلاب الحي فينبحون، فيمر على بيوتهم ويحمل إلينا من عندهم معونة، قلت: وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء ليتنزه (١) العاقل في مبلغ علم هؤلاء وفهمهم للتوكل وغيره ويرى مخالفتهم لأوامر الشرع. وليت شعري كيف يصنع من يخرج منهم ولا شيء معه بالوضوء والصلاة وإن تخرق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل؟ وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدة قبل السفر. فأخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه، وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض، فقيل له: يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت تمنع من كل شيء؟! فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لان لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته، وإن لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته. ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر قال المصنف ﵀: قلت: من مذهب القوم أن المسافر إذا قدم فدخل الرباط وفيه جماعة لم يسلم عليهم حتى يدخل الميضاة (٢)، فإذا توضأ جاء وصلى ركعتين ثم سلم على الشيخ ثم على الجماعة. وهذا ما ابتدعه متأخروهم على خلاف الشريعة، لأن فقهاء الإسلام أجمعوا على أن من دخل على قوم سن له أن يسلم عليهم سواء كان على طهارة أو لم يكن، إلا أن يكونوا أخذوا هذا من مذهب الأطفال فإنه إذا قيل للطفل: لم لا تسلم علينا، قال: ما غسلت وجهي بعد، أو لعل الأطفال علموه من هؤلاء المبتدعين.

стр. 353

أخبرنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن همام بن منبه، ثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير» أخرجاه في «الصحيحين». ومن مذهب القوم تغميز (١) القادم من السفر مساء. أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد عن أبيه، قال: باب السنة في تغميزهم القادم من السفر أول ليلة لتعبه، واحتج بحديث عمر ﵁: دخلت على النبي ﷺ غلام له حبشي يغمز ظهره، فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: «إن الناقة قد تقحمتني» (٢). قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني إلى فقه هذا المحتج، فإنه كان ينبغي أن يقول: باب السنة في تغميز من رمت به ناقته، وتكون السنة تغميز الظهر لا القدم، ومن أين له أنه كان في سفر، وانه غمز أول ليلة ثم جعل تغميز النبي ﷺ كما اتفق لأجل ألم ظهره سنة، لقد كان ترك استخراج هذا الفقه الدقيق أحسن من ذكره. ومن مذهبهم عمل دعوة للقادم. قال ابن طاهر: باب اتخاذهم العتيرة (٣) للقادم، واحتج بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سافر سفرا فنذرت جارية من قريش إن الله تعالى رده أن تضرب في بيت عائشة ﵂ بدف، فلما رجع قال النبي ﷺ : إن كنت نذرت فأضربي قال المصنف ﵀: قد بينا أن الدف مباح، ولما نذرت هذه المرأة مباحا أمرها أن تفي، فكيف يحتج بهذا على الغناء والرقص عند قدوم المسافر. ذكر تلبس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت له في ذلك تلبيسان. الأول: أنهم يقولون لا يبكي على هالك، ومن بكى على هالك خرج عن طريق أهل المعارف. قال ابن عقيل: وهذه دعوى تزيد على الشرع فهي حديث خرافة، وتخرج عن العادات والطباع فهي انحراف عن المزاج المعتدل، فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدلة للمزاج، فإن الله تعالى أخبر عن نبي كريم، فقال:

стр. 354

«وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم» ﴿يوسف: ٨٤﴾. وقال: «يا أسفا على يوسف». وبكى رسول الله ﷺ عند موت ولده، وقال: «إن العين لتدمع» (١). وقال: «واكرباه (٢)»، وقالت فاطمة ﵂: وأكرب أبتاه، فلم ينكر وسمع عمر بن الخطاب ﵁ متمما يندب أخاه ويقول: و كنا كندماني (٣) جزيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدع فقال عمر ﵁: ليتني كنت أقول الشعر فأندب أخي زيدا، فقال متمم: لو مات أخي كما مات أخوك ما رثيته. وكان مالك مات على الكفر وزيد قتل شهيدا فقال عمر: ما عزاني أحد في أخي كمثل تعزيتك. ثم لا تزال الإبل الغليظة الأكباد تحن إلى مآلفها من الأعطان (٤) والأشخاص وترغو (٥) للفصلان. وحمام الطير ترجع (٦). وكل مأخوذ من البلاء فلا بد أن يتضرع، ومن لم تحركه المسار والمطربات وتزعجه المخزيات فهو إلى الجماد به أقرب. وقد أبان النبي ﵊ عن العيب في الخروج عن وسمت الطبع، فقال للذي قال: لم أقبل أحدا من ولدي - وكان له عشرة من الولد - فقال: «أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك (٧)». وجعل

стр. 355

يلتفت إلى مكة لما خرج (١) فالمطالب لما يخرج عن الشرائع وينبو عن الطباع جاهل يطالب بجهل. وقد قنع الشرع منا أن لا نلطم خدا ولا نشق جيبا فأما دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب في ذلك. التلبيس الثاني: أنهم يعملون عند موت الميت دعوة ويسمونها عرسا، ويغنون فيها ويرقصون ويلعبون ويقولون: نفرح للميت إذ وصل إلى ربه. والتلبيس في هذا عليهم من ثلاثة أوجه: أحدها - أن المسنون أن يتخذ لأهل الميت طعام لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم، وليس من السنة أن يتخذه أهل الميت ويطعمونه إلى غيرهم. والأصل في اتخاذ الطعام لأجل الميت ما أخبرنا به أبو الفتح الكروخي، نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي، قال: أخبرنا الجراحي، ثنا المحبوبي. ثنا الترمذي، ثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، قال: لما جاء نعي جعفر، فقال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم «قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والثاني - أنهم يفرحون للميت ويقولون: وصل إلى ربه ولا وجه للفرح لأنا لا نتيقن أنه غفر له، وما يؤمنا أن نفرح له وهو في المعذبين. وقد قال عمر بن زر لما مات ابنه: لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. أخبرنا عبد الأول، نا ابن المظفر نا ابن عين، ثنا الفربري، ثنا البخارى، ثنا أبو اليمان، نا شعيب عن الزهري، ثني خارجة بن زيد الأنصاري عن أم العلاء، قالت: لما مات عثمان بن مظعون دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ : «وما يدريك أن الله أكرمه؟» (٢). والثالث - أنهم يرقصون ويلعبون في تلك الدعوة فيخرجون بهذا عن الطباع السليمة التي يؤثر عندها الفراق. ثم إن كان ميتهم قد غفر له فما الرقص واللعب بشكرهم، وإن كان معذبا فأين أثر الحزن.
следующие страницы →