مائدة اليمن إلى مائدة الحرم، ثم قال: (١) وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذه الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي ﷺ على التجريد، ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم، فجئنا إلى النبي ﷺ ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء، فخرجنا حتى بلغنا الجحفة (٢)، ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا إلينا بسويق، فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم، فشربناه على الماء، وكان طعامنا حتى دخلنا مكة.
قلت: اسمعوا إخواني إلي توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس، ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب.
ومن اعجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي، نا أبو محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التوكل، فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشترى سبعين حجة بشربة ماء؟ قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب، ثم قال: هذا خير لي من حجي لأن النبي ﷺ قال: «في كل ذات كبد حرى (٣) أجر (٤)».
أخبرنا عبد الأول بن عيسى، نا ابن أبي الكوفاني، ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج، قال: سمعت الوجهي يقول: سمعت أبا علي الروذبارى يقول: كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما.
стр. 352
كان تلحقنا القافلة ويظلم علينا الطريق، وكان أبو الحسين يصعد تلا، فيصيح صياح الذئب حتى تسمع كلاب الحي فينبحون، فيمر على بيوتهم ويحمل إلينا من عندهم معونة، قلت: وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء ليتنزه (١) العاقل في مبلغ علم هؤلاء وفهمهم للتوكل وغيره ويرى مخالفتهم لأوامر الشرع. وليت شعري كيف يصنع من يخرج منهم ولا شيء معه بالوضوء والصلاة وإن تخرق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل؟ وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدة قبل السفر.
فأخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه، وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض، فقيل له: يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت تمنع من كل شيء؟! فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لان لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته، وإن لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر
قال المصنف ﵀: قلت: من مذهب القوم أن المسافر إذا قدم فدخل الرباط وفيه جماعة لم يسلم عليهم حتى يدخل الميضاة (٢)، فإذا توضأ جاء وصلى ركعتين ثم سلم على الشيخ ثم على الجماعة. وهذا ما ابتدعه متأخروهم على خلاف الشريعة، لأن فقهاء الإسلام أجمعوا على أن من دخل على قوم سن له أن يسلم عليهم سواء كان على طهارة أو لم يكن، إلا أن يكونوا أخذوا هذا من مذهب الأطفال فإنه إذا قيل للطفل: لم لا تسلم علينا، قال: ما غسلت وجهي بعد، أو لعل الأطفال علموه من هؤلاء المبتدعين.
стр. 353
أخبرنا ابن الحصين، نا أبو علي بن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن همام بن منبه، ثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير» أخرجاه في «الصحيحين». ومن مذهب القوم تغميز (١) القادم من السفر مساء.
أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد عن أبيه، قال: باب السنة في تغميزهم القادم من السفر أول ليلة لتعبه، واحتج بحديث عمر ﵁: دخلت على النبي ﷺ غلام له حبشي يغمز ظهره، فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: «إن الناقة قد تقحمتني» (٢).
قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني إلى فقه هذا المحتج، فإنه كان ينبغي أن يقول: باب السنة في تغميز من رمت به ناقته، وتكون السنة تغميز الظهر لا القدم، ومن أين له أنه كان في سفر، وانه غمز أول ليلة ثم جعل تغميز النبي ﷺ كما اتفق لأجل ألم ظهره سنة، لقد كان ترك استخراج هذا الفقه الدقيق أحسن من ذكره. ومن مذهبهم عمل دعوة للقادم. قال ابن طاهر: باب اتخاذهم العتيرة (٣) للقادم، واحتج بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سافر سفرا فنذرت جارية من قريش إن الله تعالى رده أن تضرب في بيت عائشة ﵂ بدف، فلما رجع قال النبي ﷺ : إن كنت نذرت فأضربي قال المصنف ﵀: قد بينا أن الدف مباح، ولما نذرت هذه المرأة مباحا أمرها أن تفي، فكيف يحتج بهذا على الغناء والرقص عند قدوم المسافر.
ذكر تلبس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت
له في ذلك تلبيسان. الأول: أنهم يقولون لا يبكي على هالك، ومن بكى على هالك خرج عن طريق أهل المعارف. قال ابن عقيل: وهذه دعوى تزيد على الشرع فهي حديث خرافة، وتخرج عن العادات والطباع فهي انحراف عن المزاج المعتدل، فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدلة للمزاج، فإن الله تعالى أخبر عن نبي كريم، فقال:
стр. 354
«وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم» ﴿يوسف: ٨٤﴾. وقال: «يا أسفا على يوسف». وبكى رسول الله ﷺ عند موت ولده، وقال: «إن العين لتدمع» (١). وقال: «واكرباه (٢)»، وقالت فاطمة ﵂: وأكرب أبتاه، فلم ينكر وسمع عمر بن الخطاب ﵁ متمما يندب أخاه ويقول:
و كنا كندماني (٣) جزيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدع
فقال عمر ﵁: ليتني كنت أقول الشعر فأندب أخي زيدا، فقال متمم: لو مات أخي كما مات أخوك ما رثيته. وكان مالك مات على الكفر وزيد قتل شهيدا فقال عمر: ما عزاني أحد في أخي كمثل تعزيتك. ثم لا تزال الإبل الغليظة الأكباد تحن إلى مآلفها من الأعطان (٤) والأشخاص وترغو (٥) للفصلان. وحمام الطير ترجع (٦). وكل مأخوذ من البلاء فلا بد أن يتضرع، ومن لم تحركه المسار والمطربات وتزعجه المخزيات فهو إلى الجماد به أقرب. وقد أبان النبي ﵊ عن العيب في الخروج عن وسمت الطبع، فقال للذي قال: لم أقبل أحدا من ولدي - وكان له عشرة من الولد - فقال: «أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك (٧)». وجعل
стр. 355
يلتفت إلى مكة لما خرج (١) فالمطالب لما يخرج عن الشرائع وينبو عن الطباع جاهل يطالب بجهل. وقد قنع الشرع منا أن لا نلطم خدا ولا نشق جيبا فأما دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب في ذلك.
التلبيس الثاني: أنهم يعملون عند موت الميت دعوة ويسمونها عرسا، ويغنون فيها ويرقصون ويلعبون ويقولون: نفرح للميت إذ وصل إلى ربه. والتلبيس في هذا عليهم من ثلاثة أوجه: أحدها - أن المسنون أن يتخذ لأهل الميت طعام لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم، وليس من السنة أن يتخذه أهل الميت ويطعمونه إلى غيرهم.
والأصل في اتخاذ الطعام لأجل الميت ما أخبرنا به أبو الفتح الكروخي، نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي، قال: أخبرنا الجراحي، ثنا المحبوبي. ثنا الترمذي، ثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، قال: لما جاء نعي جعفر، فقال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم «قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
والثاني - أنهم يفرحون للميت ويقولون: وصل إلى ربه ولا وجه للفرح لأنا لا نتيقن أنه غفر له، وما يؤمنا أن نفرح له وهو في المعذبين. وقد قال عمر بن زر لما مات ابنه: لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
أخبرنا عبد الأول، نا ابن المظفر نا ابن عين، ثنا الفربري، ثنا البخارى، ثنا أبو اليمان، نا شعيب عن الزهري، ثني خارجة بن زيد الأنصاري عن أم العلاء، قالت: لما مات عثمان بن مظعون دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ : «وما يدريك أن الله أكرمه؟» (٢).
والثالث - أنهم يرقصون ويلعبون في تلك الدعوة فيخرجون بهذا عن الطباع السليمة التي يؤثر عندها الفراق. ثم إن كان ميتهم قد غفر له فما الرقص واللعب بشكرهم، وإن كان معذبا فأين أثر الحزن.
стр. 356
ذكر تلبس ابلس على الصوفية في ترك التشاغل بالعلم
قال المصنف ﵀: اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم، لأن العلم نور، فإذا أطفا مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف شاء. وقد دخل على الصوفية في هذا الفن من أبواب: أحدها أنه منع جمهورهم من العلم أصلا وأراهم أنه يحتاج إلى تعب وكلف، فحسن عندهم الراحة، فلبسوا المراقع وجلسوا على بساط البطالة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الأصفهاني، ثنا أبو حامد بن حيان، ثنا أبو الحسن البغدادي، ثنا ابن صاعد، قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: أسس التصوف على الكسل. وبيان ما قاله الشافعي أن مقصود النفس أما الولايات واما استجلاب الدنيا، واستجلاب الدنيا بالعلوم يطول ويتعب البدن، وهل يحصل المقصود أو لا يحصل. والصوفية قد تعجلوا الولايات فإنهم يرون بعين الزهد، واستجلاب الدنيا فإنها اليهم سريعة.
أخبرنا عبد الحق، نا المبارك بن عبد الجبار، نا أبو الفرج الطناجيري، ثنا أبو حفص بن شاهين، قال: ومن الصوفية من ذم العلماء ورأى أن الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا: إن علومنا بلا واسطة، وإنما رأوا بعد الطريق في طلب العلم، فقصروا الثياب ورقعوا الجباب وحملوا الركاء وأظهروا الزهد.
والثاني: أنه قنع قوم منهم باليسير منه ففاتهم الفضل الكثير في كثرته، فاقتنعوا بأطراف الأحاديث وأوهمهم أن علو الإسناد والجلوس للحديث كله رياسة ودنيا وان للنفس في ذلك لذة. وكشف هذا التلبيس أنه ما من مقام عال إلا وله فضيلة وفيه مخاطرة، فإن الإمارة والقضاء والفتوى كله مخاطرة وللنفس فيه لذة، ولكن فضيلة عظيمة كالشوك في جوار الورد، فينبغي أن تطلب الفضائل ويتقي ما في ضمنها من الآفات. فأما ما في الطبع من حب الرياسة فانه نما وضع لتجتلب هذه الفضيلة كما وضع حب النكاح ليحصل الولد، وبالعلم يتقوم قصد العالم، كما قال يزيد بن هارون: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله. ومعناه أنه دلنا على الإخلاص ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه لم يمكنه.
والثالث أنه أوهم قوما منهم أن المقصود العمل، وما فهموا أن التشاغل بالعلم من أوفى الأعمال، ثم أن العالم وأن قصر سير عمله فإنه على الجادة والعابد بغير علم على غير الطريق.
стр. 357
والرابع: أنه أرى خلقا كثيرا منهم أن العالم ما اكتسب من البواطن حتى أن أحدهم يتخايل له وسوسة فيقول: حدثني قلبي عن ربي. وكان الشبلي يقول:
إذا طالبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر، وسموا هواجس النفوس العلم الباطن. واحتجوا بما أخبرنا به عبد الحق بن عبد الخالق، نا الحسين بن علي الطناجيري، نا أبو حفص بن شاهين، ثنا علي بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة العسكري، ثني دارم بن قبيصة بن بهشل الصنعاني، قال: سمعت يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، قال: سمعت يحيى بن عبد الله بن حسين عن يحيى بن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن الحسن ابن علي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي ﷺ أنه، قال: «علم الباطن سر من سر الله وحكم من أحكام الله تعالى يقذفه الله في قلوب من يشاء من أوليائه».
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا حديث لا أصل له عن النبي ﷺ . وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.
أنبأنا محمد بن ناصر، نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي، نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري، ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله ابن جهضم، ثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن، ثنا علي بن جعفر عن أبي موسى، قال: كان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك الناحية، فقصد أبا يزيد وقال له: قد حكى لي عنك عجايب، فقال له أبو يزيد: وما لم تسمع من عجايبي أكثر، فقال له: علمك هذا يا أبا يزيد عمن؟ ومن اين؟ ممن؟! فقال أبو يزيد: علمي من عطاء الله تعالى. ومن حيث قال ﷺ : «من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم» (١) ومن حيث قال ﷺ : «العلم علمان علم ظاهر وهو حجة الله تعالى على خلقه، وعلم
стр. 358
باطن وهو العلم النافع» (١) وعلمك يا شيخ نقل من لسان عن لسان التعليم وعلمي من الله إلهام من عنده. فقال له الشيخ: علمى من الثقات عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربه ، فقال له أبو يزيد: يا شيخ كان للنبي ﷺ علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل، قال: نعم، ولكن أريد أن يصح لي علمك الذي تقول هو من عند الله، قال: نعم أبينه لك قدر ما يستقر في قلبك معرفته. ثم قال: يا شيخ علمت أن الله تعالى كلم موسى تكليما وكلم محمدا ﷺ ورآه كفاحا (٢). وان علم الأنبياء وحي، قال: نعم، قال: أما علمت أن كلام الصديقين والأولياء بالهام منه وفوائده من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكمة ونفع بهم الامة. ومما يؤكد ما قلت: ألهم الله تعالى أم موسى أن تلقي موسى في التابوت فألقته، وألهم الخضر في السفينة والغلام والحائط قوله لموسى: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ وكما قال أبو بكر لعائشة ﵄: إن ابنة خارجة حاملة ببنت. وألهم عمر ﵁ فنادى يا سارية الجبل.
أنبأنا ابن ناصر، أنبأنا أبو الفضل السهلكي، قال: سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت إبراهيم سبتية يقول: حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون: فلان لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب منه الكثير، وفلان لقي فلانا، فقال أبو يزيد: مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.
قال المصنف ﵀: هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلة العلم إذ لو كان عالما لعلم أن الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع (٣) به عنه، ولا ينكر أن الله يلهم الإنسان الشيء كما قال ﷺ :
стр. 359
إن في الأمم محدثين، وإن يكن في أمتي فعمر» (١) والمراد بالتحديث إلهام الخير، إلا أن هذا الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه. وأما الخضر فقد قيل: أنه نبي (٢). ولا ينكر للأنبياء الإطلاع بالوحي على العواقب، وليس الإلهام من العلم في شيء انما هو ثمرة العلم والتقوى فيوفق صاحبهما للخير ويلهم الرشد. فأما أن يترك العلم ويقول: أنه يعتمد على الإلهام والخواطر فليس هذا بشيء، إذ لولا العلم النقلي ما عرفنا ما يقع في النفس أمن الإلهام للخير أو الوسوسة من الشيطان. واعلم أن العلم الإلهامي الملقى في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول، كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية، فإن العقلية كالأغذية والشرعية كالأدوية ولا ينوب هذا عن هذا.
وأما قوله: أخذوا علمهم ميتا عن ميت، أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنه ما يدري ما في ضمن هذا القول وإلا فهذا طعن على الشريعة.
أنبأنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو حفص بن شاهين، قال: من الصوفية من رأى الاشتغال بالعلم بطالة، وقالوا: نحن علومنا بلا واسطة. قال: وما كان المتقدمون في التصوف الا رؤوسا في القرآن والفقه والحديث والتفسير، ولكن هؤلاء أحبوا البطالة. وقال أبو حامد الطوسي: اعلم أن ميل أهل التصوف الى العلوم الالهيه دون التعليمية، ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون. بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدات بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة، وذلك بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم، ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرواتب، ولا يقرن همه بقراءة قرآن ولا بالتأمل في نفسه، ولا يكتب حديثا ولا غيره، ولا يزال يقول: الله الله الله (٣) إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللسان ثم يمحي عن القلب صورة اللفظ.
قال المصنف ﵀: قلت: عزيز علي أن يصدر هذ الكلام من فقيه، فإنه لا يخفى قبحه، فانه على الحقيقة طي لبساط الشريعة التي حثت على تلاوة.
стр. 360
القرآن وطلب العلم. وعلى هذا المذهب فقد رأيت الفضلاء من علماء الأمصار فإنهم ما سلكوا هذه الطريق وإنما تشاغلوا بالعلم أولا. وعلى ما قد رتب أبو حامد تخلو النفس بوساوسها وخيالاتها ولا يكون عندها من العلم ما يطرد ذلك فيلعب بها إبليس أي ملعب، فيريها الوسوسة محادثة ومناجاة، ولا ننكر أنه إذا طهر القلب انصبت عليه أنوار الهدى فينظر بنور الله (١) إلا أنه ينبغي أن يكون تطهيره بمقتضى العلم لا بما ينافيه، فإن الجوع الشديد والسهر وتضييع الزمان في التخيلات أمور ينهي الشرع عنها، فلا يستفاد من صاحب الشرع شيء ينسب (٢) إلى ما نهى عنه، كما لا تستباح الرخص فى سفر قدنهي عنه. ثم لا تنافي بين العلم والرياضة بل العلم يعلم كيفية الرياضة ويعين على تصحيحها. وإنما تلاعب الشيطان بأقوام أبعدوا العلم وأقبلوا على الرياضة بما ينهي عنه العلم، والعلم بعيد عنهم، فتارة يفعلون الفعل المنهي عنه، وتارة يؤثرون ما غيره أولى منه، وإنما كان يفتي في هذه الحوادث العلم وقد عزلوه فنعوذ بالله من الخذلان.
أنبأنا ابن ناصر عن أبي علي بن البنا، قال: كان عندنا بسوق السلاح رجل كان يقول: القرآن حجاب، والرسول حجاب ليس إلا عبد ورب، فافتتن جماعة به فأهملوا العبادات، واختفى مخافة القتل.
أنبأنا محمد بن عبد الملك، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد الجنائي، ثنا أحمد بن سليمان النجاد، ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا هشام بن يونس، ثنا المحاربي عن بكر بن حنش عن ضرار بن عمرو، قال: إن قوما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم، واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، وخالفوا السنة فهلكوا، فوالله الذي لا إله غيره ما عمل عامل قط على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
стр. 361
فصل
وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة. وهذا جهل مس قائله، لأن الشريعة كلها حقائق، فإن كانوا يريدون بذلك الرخصة والعزيمة فكلاهما شريعة. وقد أنكر عليهم جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشرع. وعن أبي الحسن غلام شعوانه بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسن بن سالم، يقول: جاء رجل إلى سهل بن عبد الله وبيده محبرة وكتاب، فقال لسهل: جئت لأكتب شيئا ينفعني الله به، فقال: اكتب: إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل، فقال: يا أبا محمد أفدني فائدة، فقال: الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما، والعلم كله حجة إلا ما كان عملا، والعمل كله موقوف إلا ما كان منه على الكتاب والسنة، وتقوم السنة على التقوى.
وعن سهل بن عبد الله أنه قال: احفظوا السواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق. وعن سهل بن عبد الله أنه قال: ما من طريق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت فى الظلمات أربعين صباحا. وعن أبي بكر الدقاق قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: كل باطن يخالف ظاهرا فهو باطل. وعن أبي بكر الدقاق أنه قال: كنت مارا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي، أن علم الحقيقة مباين للشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر.
قال المصنف ﵀: وقد نبه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب «الأحياء» فقال: من قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.
وقال ابن عقيل: جعلت الصوفية الشريعة اسما، وقالوا: المراد منها الحقيقة، قال: وهذا قبيح لأن الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم، فما الحقيقة بعد هذا سوى شيء واقع في النفس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع.
ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء
قال المصنف ﵀: وقد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم ثم لبس عليهم إبليس، وقال: ما المقصود إلا العمل، ودفنوا كتبهم.
стр. 362
فقد روى أن أحمد بن أبي الحواري رمى كتبه في البحر، وقال: نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال. ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها، وقال: يا علم لم أفعل بك هذا تهاونا ولا استخفافا بحقك، ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي، فلما أهتديت بك أستغنيت عنك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن اب صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا الحسن غلام شعوانه بالبصرة يقول: سمعت أبا الحسين بن سالم عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، قال أحمد بن محمد بن إسماعيل: أبو الحسين بن الخلال كان حسن الفهم له صبر على الحديث، وانه كان يتصوف ويرمي بالحديث مدة ثم يرجع ويكتب. ولقد أخبرت انه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة، فأول ما سمع على أبي العباس الأصم وطبقته وكتب الكثير.
أنبأنا زاهر بن طاهر، نا أحمد بن الحسين البيهقي، قال: سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول: سمعت أبا طاهر الجنايدى يقول: لقد كان موسى بن هارون يقرأ علينا، فإذا فرغ من الجزء رمى بأصله في دجلة ويقول: قد أديته.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا نصر الطوسي يقول: سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون: ورث أبو عبد الله المقري عن أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار، فخرج عن جميع ذلك وأنفقها على الفقراء، قال: فسألت أبا عبد الله عن ذلك، فقال: أحرمت وأنا غلام حدث، وخرجت إلى مكة على الوحدة (١) حين لم يبق لي شيء أرجع أليه، وكان اجتهادي أن أزهد في الكتب وما جمعت من العلم والحديث أشد علي من الخروج إلى مكة والتقطع في الاسفار والخروج عن ملكي.
أخبرنا أبور منصور القزاز، نا احمد بن عل ابن ثابت، نا اسماعل الحيري، ثنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت أبا العباس بن الحسين البغدادي يقول: سمعت الشبلي يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة سبعين قمطرا (٢) مكتوبا.
стр. 363
بخطه، وحفظ وقرأ بكذا وكذا رواية يعني بذلك نفسه.
قال المصنف ﵀: قد سبق القول بأن العلم نور، وأن إبليس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة، ولا ظلمة كظلمة الجهل. ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايده حسن لهم دفن الكتب وإتلافها، وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب، وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة، فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة المصحف وكتابة الحديث.
فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها، وكانوا يكتبونها في العسب (١) والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده فى المصحف أبو بكر صونا عليه، ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان ﵁ وبقية الصحابة، وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ (٢) منه شيء.
وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن، وقال: «لا تكتبوا عني سوى القرآن» (٣)، فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة.
فروي عن أبي هريرة ﵁ انه شكا إلى رسول الله ﷺ قلة الحفظ فقال: «ابسط رداءك» فبسط رداءه وحدثه النبي ﵊ وقال: «ضمه إليك»، فقال أبو هريرة: فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله ﷺ (٤). وفي رواية أنه قال: «استعن على حفظك بيمينك» يعني بالكتابة (٥). وروى
стр. 364
عنه ﷺ عبد الله بن عمرو أنه قال: «قيدوا العلم، فقلت: يا رسول الله وما تقييده؟ قال: «الكتابة» (١). وروى عنه أيضا رافع بن خديج قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا حرج» (٢).
قال المصنف ﵀ واعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول الله ﷺ وحركاته وأفعاله، واجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا. وقد قال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني» (٣) وقال: «نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» (٤). وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان. وقد كان أحمد بن حنبل ﵁ يحدث بالحديث فيقال له: أمله علينا. فيقول: لا بل من الكتاب. وقد قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب، فإذا كانت الصحابة، قد روت السنة وتلقتها التابعون وسافر المحدثون وقطعوا شرق الارض وغربها لتحصيل كلمة من ها هنا وكلمة من هنا، وصححوا ما صح (٥) وزيفوا ما لم يصح، وجرحوا الرواة، وعدلوا (٦) وهذبوا السنن وصنفوا، ثم من يغسل (٧) ذلك فيضيع التعب، ولا يعرف حكم الله في حادثة فما عوندت الشريعة بمثل هذا. فهل لشريعة من الشرائع قبلنا إسناد إلى نبيهم وإنما هذه خصيصة لهذه الامة.
стр. 365
وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل - مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث - أنه قال لأبنه: ما كتبت عن فلان، فذكر له أن النبي ﵊» كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى» (١) فقال الأمام أحمد بن حنبل: إنا لله سنة من سنن رسول الله ﷺ لم تبلغني. وهذا قوله مع إكثاره وجمعه، فكيف بمن لم يكتب، واذا كتب غسل، أفترى إذا غسلت الكتب ودفنت علام يعتمد في الفتاوى والحوادث؟ على فلان الزاهد أو فلان الصوفي أو على الخواطر فيما يقع لها، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى نسيد السيبلة
فصل
قال المصنف ﵀: ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها أن يكون فيها حق أو باطل أو قد اختلط الحق بالباطل، فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها، وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم. وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري. وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة علما وأموالا. وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوده، فإن قال: تشغلني عن العبادة، قيل له: جوابك من ثلاثة أوجه:
أحدهما أنك لو فهمت لعلمت أن التشاغل بالعلم أو في العبادات.
والثاني - أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم، فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات. واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج الى جلاء، وجلاؤها النظر في كتب العلم. وقد كان يوسف بن أسباط دفن كتبه، ثم لم يصبر على التحديث فحدث من حفظه فخلط.
والثالث - أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب فهلا وهبتها المبتدئ من الطلاب ممن لم يصل مقامك، أو وقفتها على المنتفعين بها، أو بعتها وتصدقت بثمنها، أما أتلافها فلا يحل بحال.
стр. 366
وقد روى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن رجل أوصى أن تدفن كتبه، فقال: ما يعجبني أن يدفن العلم.
وأنبأنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، نا عبيد الله بن عبد العزيز البرادعي، نا محمد بن عبد الله السحير، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النحاس، قال: سمعت المروزي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعرف لدفن الكتب معنى.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارهم على من تشاغل بالعلم
قال المصنف ﵀: لما انقسم هؤلاء بين متكاسل عن طلب العلم، وبين ظان أن العلم هو ما يقع في النفوس من ثمرات التعبد، وسموا ذلك العلم: العلم الباطن نهوا عن التشاغل بالعلم الظاهر.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن أبي علي البصري، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري، قال: سمعت جعفرا الخلدي يقول: لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا، لقد مضيت إلى عباس الدوري وأنا حدث فكتبت عنه مجلسا واحدا، و خرجت من عنده، فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية، فقال: إيش هذا معك، فأريته إياه فقال: ويحك تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق، ثم خرق الأوراق فدخل كلامه في قلبي فلم أعد إلى عباس.
قال المصنف ﵀: وبلغني عن أبي سعيد الكندي، قال: كنت أنزل رباط الصوفية وأطلب الحديث في خفية بحيث لا يعلمون، فسقطت الدواة يوما من كمي، فقال لي بعض الصوفية: أستر عورتك.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله الواسطي، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو الفتح بن أبي الفوارس، نا الحسين بن أحمد الصفار، قال: كان بيدي محبرة، فقال لي الشبلي: غيب سوادك عني يكفيني سواد قلبي.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت عبد الله العزال المذكر، قال: سمعت علي بن مهدي يقول: وقفت ببغداد على حلقة الشبلي فنظر إلي ومعي محبرة، فأنشأ يقول:
стр. 367
تسربلت للحرب ثوب الغرق … وجبت البلاد لوجد القلق
ففيك هتكت قناع الغوى (١) … وعنك نطقت لدى من نطق
إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
قال المصنف ﵀: قلت: من أكبر المعاندة لله الصد عن سبيل الله، وأوضح سبيل الله العلم، لأنه دليل على الله وبيان لأحكام الله وشرعه، وإيضاح لما يحبه ويكرهه، فالمنع منه معاداة لله ولشرعه، ولكن الناهين عن ذلك ما تفطنوا لما فعلوا.
أخبرنا ابن حبيب، قال: نا ابن اب صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أبا عبد الله بن خفيف: يقول: اشتغلوا بتعلم العلم ولا يغرنكم كلام الصوفية، فاني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعتي، والكاغد (٢) في حزة (٣) سراويلي، وكنت أذهب خفية إلى أهل العلم، فإذا علموا بي خاصموني، وقالوا: لا تفلح، ثم احتاجوا إلي بعد ذلك.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول: هذه سرج الإسلام. وكان هو يحمل المحبرة على كبر سنه، فقال له رجل: الى متى يا أبا عبد الله؟! فقال: المحبرة إلى المقبرة، وقال في قوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» (٤)، فقال أحمد: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم. وقال أيضا: إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال (٥) فمن يكون؟ وقيل له: أن رجلا قال في أصحاب الحديث: أنهم كانوا قوم سوء، فقال أحمد: هو زندق زندق.
وقد قال الإمام الشافعي ﵀: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 368
وقال يوسف بن أسباط: بطلبة الحديث يدفع الله البلاء عن أهل الأرض
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، ثنا عبد العزيز بن علي، ثنا ابن جهضم، ثنا محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن محمد بن مسروق، قال: رأيت كأن القيامة قد قامت والخلق مجتمعون، اذ نادى مناد: الصلاة جامعة، فاصطف الناس صفوفا، فأتاني ملك فتأملته، فإذا بين عينيه مكتوب: جبريل أمين الله، فقلت أين النبي ﷺ ؟ فقال: مشغول بنصب الموائد لإخوانه الصوفية فقلت: وأنا من الصوفية، فقيل: نعم، ولكن شغلك كثرة الحديث.
قال المصنف ﵀: معاذ الله أن ينكر جبريل التشاغل بالعلم وفي استناد هذه الحكاية ابن جهضم، وكان كذابا ولعلها عمله وأما ابن مسروق فأخبرني القزاز، نا أبو بكر الخطيب، حدثني علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف، قال: سمعت الدار قطني يقول: أبو العباس بن مسروق ليس بالقوي يأتي بالمعضلات
ذكر تلبس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم
قال المصنف ﵀: اعلم أن هؤلاء القوم لما تركوا العلم وانفردوا بالرياضات على مقتضى آرائهم لم يصبروا عن الكلام في العلوم، فتكلموا بواقعاتهم فوقعت الأغاليط القبيحة منهم، فتارة يتكلمون في تفسير القرآن وتارة في الحديث وتارة في الفقه وغير ذلك ويسوقون العلوم إلى مقتضى علمهم الذي انفردوا به، والله سبحانه لا يخلي الزمان من أقوام قوام بشرعه يردون على المتخرصين ويبينون غلط الغالطين.
ذكر نبذة من كلامهم في القرآن
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عثمان البجلي، قال: سمعت جعفر بن محمد الخلدي، قال: حضرت شيخنا الجنيد وقد سأله ابن كيسان عن قوله : ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (الاعلى: ٦) فقال الجنيد: لا تنس العمل به، قال: وسأله عن قوله تعالى: ودرسوا ما فيه ﴿الاعراف: ١٦٩﴾ فال له الجنيد: تركوا العمل به، فقال: لا يفضض الله فاك.
стр. 369
قلت: أما قوله - لا تنس العمل به - فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر، لأنه فسره على أنه نهي وليس كذلك، انما هو خبر لا نهي، وتقديره: فما تنسى، إذ لو كان نهيا كان مجزوما فتفسيره على خلاف إجماع العلماء، وكذلك قوله: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ إنما هو من الدرس الذي هو التلاوة من قوله : ﴿وبما كنتم تدرسون﴾ (ال عمران: ٧٩). لا من دروس الشيء الذي هو هلاكه.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا حمد بن أحمد، ثنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول: حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله : ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ (ق: ٣٧) فقال: لمن كان الله قلبه.
وأخبرنا عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن علي، نا ابن جهضم، ثنا محمد بن جرير، قال: سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن قوله: ﴿فنجيناك من الغم﴾ (طه: ٤٠). قال: نجيناك من الغم بقومك، وفتناك بنا عمن سوانا.
قال المصنف ﵀: وهذه جرأة عظيمة على كتاب الله ، ونسبة الكليم إلى الافتتان بمحبة الله سبحانه. وجعل محبته تفتن غاية في القباحة.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أحمد بن علي الحافظ، نا أبو حازم عمر ابن إبراهيم العبدري، قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول في قوله : ﴿وأما ان كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم﴾ (الواقعة: ٨٩) فقال: الروح: النظر إلى وجه الله والريحان: الاستماع لكلامه، وجنة نعيم، هو أن لا يحجب فيها عن الله .
قلت: هذا كلام بالواقع على خلاف أقوال المفسرين. وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها «حقائق التفسير». فقال في فاتحة الكتاب عنهم: انهم قالوا: إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد.
قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول ما نزل، وقال في قول الإنسان: آمين، أي قاصدون نحوك.
стр. 370
قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه ليس من أم، لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة. وقال في قوله: ﴿وإن يأتوكم أسارى﴾ (البقرة: ٨٥). قال: قال: قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب. وقال الواسطي: غرقى في رؤية أفعالهم. وقال الجنيد: أسارى في أسباب الدنيا تفدوهم إلى قطع العلائق.
قلت: وإنما الآية على وجه الإنكار ومعناها: إذا أسرتموهم فديتموهم، وإذا حاربتموهم قبلتموهم، وهؤلاء قد فسروها على ما يدجب المدح.
وقال محمد بن علي ﴿يحب التوابين﴾ (البقرة: ٢٢٢) من توبتهم. وقال النوري: ﴿يقبض ويبسط﴾ (البقرة: ٢٤٥) أى يقبضك باياه ويبسطك لا ياه. وقال في قوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (آل عمران: ٩٧) أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان. وهذا غاية في القبح، لأن لفظ الآية لفظ الخبر، ومعناه الأمر، وتقديرها: من دخل الحرم فأمنوه. وهؤلاء قد فسروها على الخبر، ثم لا يصح لهم لأنه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس، وذكر في قوله ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ (النساء: ٣١). قال أبو تراب: هي الدعاوي الفاسدة ﴿والجار ذي القربي﴾ (النساء: ٣٦). قال سهل: هو القلب ﴿والجار الجنب﴾ النفس ﴿وابن السبيل﴾ الجوارح. وقال في قوله ﴿وهم بها﴾ (النساء: ٢٤). قال أبو بكر الوراق: الهمان لها ويوسف ما هم بها.
قلت: هذا خلاف لصريح القرآن وقوله: ﴿ما هذا بشرا﴾ (يوسف: ٣١) قال محمد ابن علي: ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة. وقال الزنجاني: الرعد: صعقات الملائكة، والبرق: زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم. وقال في قوله: ﴿ولله المكر جميعا﴾ (الرعد: ٤٢) قال الحسين: لا مكر أبين فيه من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال، أو للحدث اقتران مع القدم.
قال المصنف ﵀: ومن تأمل معنى هذا علم أنه كفر محض، لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب. ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك. وقال في قوله: ﴿لعمرك﴾ (الحجر: ٧٢) أي بعمارتك سرك بمشاهدتنا.
стр. 371
قلت: وجميع الكتاب من هذا الجنس، ولقد هممت أن أثبت منه ها هنا كثيرا، فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان، وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية، فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه، ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب.
وذكر أبو نصر السراج في كتاب «اللمع»، قال: للصوفية استنباط منها قوله: ﴿أدعوا الى الله على بصيرة﴾ (يوسف: ١٠٨/ ١٢). قال الواسطي: معناه: لا أرى نفسي. وقال الشبلي: لو اطلعت على الكل مما سوانا لوليت منهم فرارا إلينا.
قلت: هذا لا يحل لأن الله تعالى إنما أراد أهل الكهف. وهذا السراج يسمي هذه الأقوال في كتابه مستنبطات. وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب ذم المال في قوله ﴿واجنبني وبني أن نعبد الاصنام﴾ (ابراهيم: ٣٥) قال: إنما عنى الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام، وإنما عنى بعبادته حبه والاغترار به.
قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين وقد قال شعيب: «وما يكون لنا أن نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا ﴿الاعراف: ٨٩﴾».
ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة لا أنه مستحيل. ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر فجاز أن يدخل نفسه معهم، فقال: «واجنبني وبني» ومعلوم أن العرب أولاده، وقد عبد أكثرهم الأصنام.
أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، نا المبارك بن عبد الجبار، نا الحسين بن علي الطناجيري، نا أبو حفص بن شاهين، قال: وقد تكلمت طائفة من الصوفية في نفس القرآن بما لا يجوز، فقالت في قوله: «إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب» (آل عمران: ١٩٠) فقال: هم لآيات لي، فأضافوا إلى الله تعالى ما جعله لأولي الألباب، وهذا تبديل للقرآن، وقالوا: «ولسليمان الريح» (سبأ: ١٢) قالوا: ولي سليمان.
وأخبرنا ابن ناصر، نا أحمد بن علي بن خلف، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: قال أبو حمزة الخراساني: قد يقطع
стр. 372
بأقوام في الجنة فيقال: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ (الحاقة: ٢٤) فشغلهم عنه بالأكل والشرب، ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه.
قال المصنف ﵀: أنظروا وفقكم الله إلى هذه الحماقة وتسمية المنعم به مكرا، وإضافة المكر بهذا إلى الله ، وعلى مقتضى قول هذا أن الأنبياء لا يأكلون ولا يشربون بل يكونون مشغولين بالله ، فما أجرأ هذا القائل على مثل هذه الألفاظ القباح. وهل يجوز أن يوصف الله بالمكر على ما نعقله من معنى المكر. وإنما معنى مكره وخداعه أنه مجازي الماكرين والخادعين. وانى لا تعجب من هؤلاء وقد كانوا يتورعون من اللقمة والكلمة كيف انبسطوا في تفسير القرآن إلى ما هذا حده.
وقد أخبرنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد، قالوا: حدثنا عبد الصمد بن المأمون، نا علي بن عمر الحربي، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، ثنا بشر بن الوليد، ثنا سهيل أخو حزم، ثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (١).
أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنى أبى، ثنا وكيع عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رض الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فلتبوأ مقعده من النار» (٢).
قال المصنف ﵀: وقد رويت لنا حكاية عن بعضهم فيما يتعلق بالمكر، إني لأقشعر من ذكرها، لكني أنبه بذكرها على قبح ما يتخايله هؤلاء الجهلة.
стр. 373
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه، قال: خبرنا أبو عبد الله بن خفيف، قال: سمعت رويما يقول: اجتمع ليلة بالشام جماعة من المشايخ، فقالوا: ما شهدنا مثل هذه الليلة وطيبها، فتعالوا نتذاكر مسألة لئلا تذهب ليلتنا، فقالوا: نتكلم في المحبة فإنها عمدة القوم، فتكلم كل واحد من حيث هو، وكان في القوم عمرو بن عثمان المكي فوقع عليه البول ولم يكن من عادته، فقام وخرج إلى صحن الدار، فإذا ليلة مقمرة فوجد قطعة رق (١) مكتوب فأخذه وحمله اليهم، وقال: يا قوم اسكنوا فإن هذا جوابكم، أنظروا ما في هذه الرسالة فإذا فيها مكتوب: مكارمكار وكلكم تدعون حبه، وأحرم (٢) البعض وافترقوا فما جمعهم إلا الموسم
قال المصنف ﵀: قلت: هذه بعيدة الصحة، وابن خفيف لا يوثق به، وإن صحت فإن شيطانا ألقى ذلك الرق. وإن كانوا قد ظنوا أنها رسالة من الله بظنونهم الفاسدة. وقد بينا أن معنى المكر منه المجازاة على المكر، فأما أن يقال عنه: مكار ففوق الجهل وفوق الحماقة
وقد أخبرنا ابن ظفر، نا ابن السراج، نا الأزجي، ثنا ابن جهضم، ثنا الخلدي قال: سمعت رويما يقول: إن الله غيب أشياء في أشياء، غيب مكره في علمه، وغيب خداعه في لطفه، وغيب عقوباته في باب كراماته. قلت: وهذا تخليط من ذلك الجنس وجرأة
أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو الفضل السهلكي، قال: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت خالي يقول: قال الحسن بن علويه: خرج أبو يزيد لزيارة أخ له، فلما وصل إلى نهر جيحون التقى له حافتا النهر، فقال: سد، اش هذا المكر الخفي، وعزتك ما عبدتك لهذا، ثم رجع ولم يعبر
قال السهلكي: وسمعت محمد بن أحمد المذكر يذكران أبا يزيد، قال: من عرف الله صار للجنة بوابا وصارت الجنة عليه وبالا قلت: وهذه جرأة عظيمة في إضافة المكر إلى الله وجعل الجنة التي هي نهاية المطالب وبالا، وإذا كانت وبالا للعارفين فكيف تكون لغيرهم
стр. 374
وكل هذا منبعه من قلة العلم وسوء الفهم
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثنا أبو الفرج الورياني، ثنا أحمد بن الحسن بن محمد، ثني محمد بن جعفر الوراق، ثنا أحمد ابن العباس المهلبي، قال: سمعت طيفور - وهو أبو يزيد يقول: العارفون في زيارة الله تعالى في الآخرة على طبقتين: طبقة تزوره متى شاءت وأنى شاءت، وطبقة تزوره مرة واحدة ثم لا تزوره بعدها أبدا، فقيل له كيف ذلك؟ قال: إذا رآه العارفون أول مرة جعل لهم سوقا ما فيه شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة الله أبدا، قال: وقال أبو يزيد: في الدنيا يخدعك بالسوق وفي الآخرة يخدعك بالسوق، فأنت أبدا عبد السوق.
قال المصنف ﵀: تسمية ثواب الجنة خديعة وسببا للانقطاع عن الله جهل قبيح، وإنما يجعل لهم السوق ثوابا لا خديعة، فإذا أذن لهم في أخذ ما في السوق ثم عوقبوا بمنع الزيارة فقد صارت المثوبة عقوبة. ومن أين له أن من أختار شيئا من ذلك السوق لم يعد إلى زيارة الله ﵎ ولا يراه أبدا، نعوذ بالله من هذا التخليط والتحكم في العلم والأخبار عن هذه المغيبات التي لا يعلمها إلا نبي، فمن اين له علمها وكيف يكون، كما قال أبو هريرة راوي الحديث لسعيد بن المسيب: «جمعني الله وأياك في سوق الجنة» (١) أفتراه طلب ترك العقوبة بالبعد عن الله ، لكن بعد هؤلاء عن العلم واقتناعهم بواقعاتهم الفاسدة أوجب هذا التخليط، وليعلم أن الخواطر والواقعات إنما هي ثمرات علمه، فمن كان عالما كانت خواطره صحيحة لانها تمرات علمه، ومن كان جاهلا فثمرات الجهل كلها حظه
ورأيت بخط ابن عقيل: جاز (٢) أبو يزيد على مقابر اليهود، فقال: ما هؤلاء حتى تعذبهم كف عظام … جرت عليهم القضايا (٣) أعف عنهم
قال المصنف ﵀: وهذا قلة علم وهوان قوله: كف عظام، احتقار للآدمي، فإن المؤمن إذا مات كان كف عظام. وقوله: جرت عليهم القضايا، فكذلك جرى على فرعون. وقوله: أعف عنهم، جهل بالشريعة لأن الله أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا، فلو قبلت شفاعته في كافر لقبل سؤال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في أبيه، ومحمد
стр. 375
ﷺ في أمه، فنعوذ بالله من قلة العلم، نبيذ ثلاث خمسا
أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى، نا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني، ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن قورى الحوبياني، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بالسراج، قال: كان ابن سالم يقول: عبر أبو يزيد على مقبرة اليهود فقال معذورين. ومر بمقبرة المسلمين، فقال: مغرورين.
قال المصنف ﵀: وفسره السراج، فقال: كأنه لما نظر إلى ما سبق لهم من الشقاوة، من غير فعل كان موجودا في الأزل، وأن الله جعل نصيبهم السخط فذلك عذر.
قال المصنف ﵀: وتفسير السراج قبيح لأنه يوجب أن لا يعاقب فرعون ولا غيره.
ومن كلامهم في الحديث وغيره:
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر الخطيب، نا الأزهري، نا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف وفلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ لا تغتب العلماء، فالتفت أبي إليه وقال له: ويحك هذه نصيحة ليست هذه غيبة.
أنبأنا يحيى بن على المدبر، نا احمد بن عل بن ثابت، نا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول: سمعت أبا الحسن علي بن محمد البخاري يقول: سمعت محمد بن الفضل العباسي يقول: كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب «الجرح والتعديل» فقال: أظهر أحوال اهل العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة، فقال له يوسف بن الحسين: استحييت إليك يا أبا محمد كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض. فبكى عبد الرحمن وقال: يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أصنفه.
قلت: عفا الله عن ابن اب حاتم فإنه لو كان فقيها لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب، ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل. ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم،
стр. 376
وتسمية ذلك غيبة حديث سوء. ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه. وينبغي ليوسف أن يشتغل بالعجائب التي تحكي عن مثل هذا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأردبيلي يقول: سمعت أبا العباس ابن عطاء يقول: من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله.
قلت: هذا سد لباب السؤال والدعاء وهو جهل بالعلم.
أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون، نا أحمد بن الحسن الشاهد. قال: قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع، سمعت أبا بكر الديف الصوفي وقال: سمعت الشبلي وقد سأله شاب: يا أبا بكر لم تقول: الله ولا تقول لا إله إلا الله؟! فقال الشبلي: استحي أن أوجه إثباتا بعد نفي فقال الشاب: أريد حجة أقوى من هذه، فقال: أخشى أني أوخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار.
قال المصنف ﵀: أنظروا إلى هذا العلم الدقيق، فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بقول: لا إله إلا الله ويحث عليها (١). وفي «الصحيحين» عنه أنه كان يقول في كل دبر صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكان يقول إذا قام لصلاة الليل: لا إله إلا أنت. وذكر الثواب العظيم لمن يقول: لا إله إلا الله، فانظروا إلى هذه التعاطي على الشريعة واختيار ما لم يختره رسول الله ﷺ .
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، ثنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل، نا سهل بن على الحساب، نا عبد الله بن علي السراج، قال: بلغني أن أبا الحسن النوري شهدوا عليه أنه سمع أذان المؤذن، فقال: طعنه سم الموت وسمع نباح كلب، فقال: لبيك وسعديك فقيل له في ذلك، فقال: أن
стр. 377
الرجل المؤذن أغار عليه أن يذكر الله وهو غافل ويأخذ عليه الأجرة، ولولاها ما أذن فلذلك قلت: طعنه (١). والكلب يذكر الله بلا رياء فإنه قد قال: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ (الاسراء: ٤٤).
قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من الزلل إلى هذا الفقه الدقيق والاستنباط الطريف.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن اب صادق، نا ابن باكوبه، ثنا أبو يعقوب الخراط، نا النوري أنه رأى رجلا قابضا على لحية نفسه، قال: فقلت له: نحى يدك عن لحية الله، فرفع ذلك إلى الخليفة، فطلبت وأخذت، فلما دخلت عليه، فقال: بلغني أنه نبح كلب فقلت: لبيك ونادى المؤذن فقلت: طعنه (١)، قال: نعم، قال الله : ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾، فقلت: لبيك لأنه ذكر الله. فأما المؤذن فإنه يذكر الله وهو متلوث بالمعاصي غافل عن الله تعالى، قال: وقولك للرجل: نح يدك عن لحية الله؟! قلت: نعم، أليس العبد لله ولحيته لله وكل ما في الدنيا والآخرة له؟
قلت: عدم العلم أوقع هؤلاء في هذا التخبيط وما الذي أحوجه إلى أن يوهم أن صفة الملك صفة الذات.
أخبرنا ابن حبيب، قال: نا ابن اب صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت أحمد بن محمد بن عبد العزيز، قال: سمعت الشبلي يقول وقد سئل عن المعرفة فقال: ويحك ما عرف الله من قال: الله، والله لو عرفوه ما قالوه. قال ابن باكويه: وسمعت أبا القاسم أحمد بن يوسف البرداني يقول: سمعت الشبلي يقول يوما لرجل يسأله: ما اسمك؟ قال: آدم، قال: ويلك أتدري ما صنع آدم؟ باع ربه بلقمة، ثم كان يقول: سبحان من عذرني (٢) بالسوداء.
قال ابن باكويه وسمعت بكران بن أحمد الجيلي يقول: كان للشبلي جليس فأعلمه أنه يريد التوبة، فقال: بع مالك، واقض دينك، وطلق امرأتك ففعل، فقال: أيتم أولادك بأن تؤيسهم (٣) من التعلق بك.
стр. 378
فقال: قد فعلت، فجاء بكسر قد جمعها، فقال: اطرحها بين يدي الفقراء وكل معهم.
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم، نا أبي قال: سمعت بعض الفقراء يقول: سمعت أبا الحسن الحرفاني يقول: لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من القرط (١).
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، ثنا ابن باكويه، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الحلفاوى، قال: رأى الشبلي في الحمام غلاما شابا بلا مئزر، فقال له: يا غلام ألا تغطي عورتك، فقال له: اسكت يا بطال (٢) إن كنت على الحق فلا تشهد إلا الحق، وإن كنت على الباطل فلا تشهد إلا الباطل. لأن الحق مشتغل بالحق، والباطل مشتغل بالباطل.
أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي طاهر، نا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، ثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي الفقيه. قال: حضرت بشيراز عند قاضيها أبي سعيد بشر بن الحسن الداودي وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية - قال: وأمر الصوفية هناك مفرط جدا حتى يقال: أن عددهم ألوف. فاستعدت (٣) الصوفية على زوجها إلى القاضي، فلما حضرا قالت له: أيها القاضي إن هذا زوجي ويريد أن يطلقني وليس له ذلك، فإن رأيت أن تمنعه، قال: فأخذ القاضي أبو سعيد يتعجب - وحنق على مذاهب الصوفية ثم قال لها: وكيف ليس له ذلك، قالت لانه تزوج بي، ومعناه قائم بي، والآن هو يذكر أن معناه قد انقضى مني وأنا معناي قائم فيه ما انقضى، فيجب عليه أن يصبر حتى ينقضي معناي منه كما انقضى معناه من، فقال لي أبو سعيد: كيف ترى هذا الفقه. ثم أصلح بينهما وخرجا من غير طلاق.
وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب «الأحياء» أن بعضهم قال: للربوبية سر لو أظهر بطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الاحكام.
قلت: فانظروا إخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة.
стр. 379
أن ظاهرها يخالف باطنها.
قال أبو حامد: ضاع لبعض الصوفية ولد صغير، فقيل له: لو سألت الله أن يرده عليك، فقال: اعتراضي عليه فيما يقضي أشد على من ذهاب ولدى.
قلت: لقد طال تعجبي من أبي حامد كيف يحكي هذه الأشياء في معرض الاستحسان والرضى عن قائلها، وهو يدري أن الدعاء والسؤال ليس باعتراض.
وقال أحمد الغزالي: دخل يهودي إلى أبي سعيد بن أبي الخير الصوفي، فقال له: أريد أن أسلم على يديك، فقال: لا ترد، فاجتمع الناس، وقالوا: يا شيخ تمنعه من الإسلام، فقال له: تريد بلا، بد، قال: نعم، قال له: برئت من نفسك ومالك؟ قال: نعم، قال: هذا الإسلام عندي احملوه الاز الى الشيخ أبى حامد يعلمه لا لا المنافقين. يعني لا إله إلا الله.
قلت: وهذا الكلام أظهر عيبا من أن يعاب فإنه في غاية القبح.
ومما يقارب هذه الحكاية في دفع من أراد الإسلام ما أخبرنا به أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، نا محمد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن احمد الماسرجس يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال: كان الحسن والحسين ابنا عس بن ماسرجس أخوين يركبان فيتحير الناس من حسنهما وزيهما، فاتفقا على أن يسلما، فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده، فقال لهما حفص: أنتما من أجل النصارى وعبد الله بن المبارك خارج فى هذه السنة للحج، وإذا اسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين، فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب، فان رفا، فمرض الحسين ومات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك، فلما قدم أسلم الحسن.
قلت: وهذه المحنة إنما جلبها الجهل فليعرف قدر العلم، لأنه لو كان عنده حظ من علم لقال أسلما الآن، ولا يجوز تأخير ذلك لحظة. وأعجب من هذا أبو سعيد الذي قال لليهودي ما قال لأنه يريد الإسلام.
وذكر أبو نصر السراج في كتاب «اللمع» لمع المتصوفة، قال: كان سهل بن عبد الله إذا مرض أحد من أصحابه يقول له: إذا أردت أن تشتكي فقل: أوه، فهو اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه المؤمن، ولا تقل: افرج (١) فإنه اسم من أسماء الشيطان.
стр. 380
فهذه نبذة من كلام القوم وفقههم نبهت على قلة علمهم وسوء فهمهم وكثرة خطئهم. وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول: سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول: سمعت علي بن محمد المصري، يقول: سمعت أيوب بن سليمان، يقول: سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمعت أبي يقول: صحبت الصوفية عشرة سنين ما استفدت منهم إلا هذين الحرفين: الوقت سيف، وأفضل العصمة أن لا تقدر.
ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى
قال المصنف ﵀: اعلم أن العلم يورث الخوف واحتقار النفس وطول الصمت، وإذا اعتبرت علماء السلف رأيت الخوف غالبا عليهم والدعاوى بعيدة عنهم، كما قال أبو بكر: ليتني كنت شعره في صدر مؤمن. وقال عمر عند موته: الويل لعمر إن لم يغفر له. وقال ابن مسعود: ليتني إذا مت لا أبعث. وقالت عائشة ﵂: ليتني كنت نسيا منسيا. وقال سفيان الثوري لحماد بن سلمة عند الموت: ترجو أن يغفر لمثلي؟ قال المصنف ﵀: وإنما صدر مثل هذا عن هؤلاء السادة لقوة علمهم بالله وقوة العلم به تورث الخوف والخشية. قال الله : ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨) وقال ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (١). ولما بعد عن العلم أقوام من الصوفية لاحظوا أعمالهم (٢)، واتفق لبعضهم من اللطف ما يشبه الكرامات فانبسطوا (٣) بالدعاوى.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي يقول: ثنا أبو بكر عمر بن يمن، ثنا أبو عمر الرهاوي، ثنا أحمد بن محمد الجزري، قال: سمعت أبا موسى الدئيلي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: وددت
стр. 381
أن قد قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم، فسأله رجل ولم ذاك يا أبا يزيد؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعد بن أبي صادق، ثنا ابن باكويه، ثنى إبراهيم بن محمد، ثنى حسن بن علويه، ثنى طيفور بن عيسى، ثنى أبو موسى الشبلي، قال: سمعت أبا يزيد يقول: إذا كان يوم القيامة وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فاسأله أن يدخلني النار، فقيل له: لم؟ قال: حتى تعلم الخلائق أن بره ولطفه في النار مع أوليائه.
قال المصنف ﵀: هذا الكلام من أقبح الأقوال لأنه يتضمن تحقير ما عظم الله أمره من النار، فإنه بالغ في وصفها فقال: ﴿واتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة﴾ (التحريم: ٦) وقال: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾ (الفرقان: ١٢) إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أخبرنا عبد الأول، نا ابن المظفر، نا ابن أعين، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا إسماعيل، ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم». قال له الصحابة: والله إن كانت لكافية يا رسول الله!! قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» أخرجاه في» الصحيحين». وفي أفراد مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام (١) مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها».
أخبرنا محمد بن ناصر، نا جعفر بن أحمد، نا أبو علي التميمي، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنى ابى، ثنا بهز بن أسد، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا علي بن زيد عن مطرف عن كعب، قال: قال عمر بن الخطاب: يا كعب خوفنا، فقال: يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت (٢) القيامة بعمل سبعين نبيا لازدرأت عملك مما ترى، فأطرق عمر ﵁ مليا ثم أفاق، قال: زدنا يا كعب قلت: يا أمير المؤمنين
стр. 382
لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلي دماغه حتى يستيل من حرها. فأطرق عمر مليا ثم أفاق فقال: زدنا يا كعب، قلت: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مصطفى الاخر جاثيا على ركبتيه ويقول: رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم غير نفسي (١).
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، نا حمد بن أحمد الحداد، ثنا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبي، ثنا أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي، ثنا إبراهيم بن عبد الله الجنيد، ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة، ثنا سالم الخواص عن فرات بن السائب عن زاذان قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ونزلت الملائكة وصارت صفوفا، فيقول: يا جبرائل ائتني بجهنم، فيأتي بها جبريل فتقاد بسبعين ألف زمام، حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا حتى على ركبتيه، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول، فيفزع كل أمرئ إلى عمله، حتى أن إبراهيم الخليل يقول: بخلتي (٢) لا أسألك إلا نفسي. ويقول موسى: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي. وإن عيسى ليقول: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني (٣).
قلت: وقد روينا أن النبي ﷺ قال: «يا جبرائيل مالي أرى ميكائيل لا يضحك؟!» فقال: ما ضحك ميكائيل من خلقت النار، وما جفت لى عين من خلقت جهنم مخافة أن أعصى الله فيجعلني فيها (٤). وبكى عبد الله بن رواحة يوما فقالت، امرأته: مالك تبكي؟! قال: أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر.
قال المصنف ﵀: فإذا كانت هذه حالة الملائكة والأنبياء والصحابة وهم المطهرون من الأدناس، وهذا انزعاجهم لأجل النار، فكيف هانت عند هذا المدعى؟! ثم انه يقطع لنفسه بما لا يدري به من الولاية
стр. 383
والنجاة، وهل قطع بالنجاة إلا لقوم مخصوصين من الصحابة. وقد قال ﷺ : «من قال: إني في الجنة فهو في النار» (١). وهذا محمد بن واسع يقول عند موته: يا أخوتاه أتدرون أين يذهب بي؟ أتدرون أين يذهب بي؟ والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني.
قلت: وهذا إن صح عن هذا المدعى فهذا غاية من تلبيس إبليس.
وقد كان ابن عقيل يقول: قد حكى عن أبي يزيد أنه قال: وما النار؟! والله لئن رأيتها لاطفئها بطرف مرقعتي، أو نحو هذا قال: ومن قال هذا كائن من كان فهو زنديق يجب قتله، فإن الأهوان (٢) للشيء ثمرة الجحد، لأن من يؤمن بالجن يقشعر في الظلمة، ومن لا يؤمن لا ينزعج، وربما قال: يا جن خذوني. ومثل هذا القائل ينبغي أن يقرب إلى وجهه شمعة، فإذا انزعج قيل له: هذه جذوة من نار.
أنبأنا محمد بن ناصر، نا ابو الفضل الستهلكي، قال: سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، قال: سمعت الحسن بن علوية، يقول: سمعت طيفور الصغير، يقول: سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول: سمعت أبا يزيد، يقول: سبحاني سبحاني ما أعظم شأني. ثم قال: حسبي من نفسي حسبي.
قلت: هذا إن صح عنه فربما يكون الراوي لم يفهم، لأنه يحتمل أن يكون قد ذكر تمجيد الحق نفسه، فقال فيه سبحاني حكاية عن الله لا عن نفسه. وقد تأوله له الجنيد بشيء (٣) إن لم يرجع إلى ما قلته فليس بشيء.
فأنبأنا ابن ناصر، نا السهلكي، نا محمد بن القاسم الفارسي سمعت الحسن بن على المذكر، سمعت جعفرا الخلدي يقول: قيل للجنيد: إن أبا يزيد يقول: سبحاني سبحاني أنا ربي الأعلى، فقال الجنيد: إن الرجل مستهلك في شهود الجلال فنطق بما استهلكه (٤)، أذهله الحق عن رؤيته اياه فلم يشهد الا الحق فنعته.
стр. 384
قلت: وهذا من الخرافات.
أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن على الخشاب، وأنبأنا أبو الوقت عبد الأول، نا أحمد بن أبي نصر الكوفاني، نا الحسن بن محمد بن فورى، نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أحمد بن سالم البصري بالبصرة يقول في مجلسه يوما: فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد، لأن فرعون قال: «أنا ربكم الأعلى» والرب يسمى به المخلوق يقال: رب الدار. وقال أبو يزيد: سبحاني سبحاني، وهذا لا يجوز الا لله، فقلت: قد صح عندك هذا عن أبي يزيد، فقال: قد قال ذلك، فقلت: يحتمل أن يكون لهذا الكلام مقدمات يحكى بأن الله يقول: سبحاني لأنا لو سمعنا. رجلا يقول: «لا إله إلا أنا» علمنا أنه يقرأ.
وقد سألت جماعة من أهل بسطام من بيت أبي يزيد عن هذا، فقالوا: لا نعرف هذا.
أنبأنا ابن ناصر، نا أبو الفضل السهلكي، قال: سمعت أبا عبد الله الشيرازي، يقول: سمعت عامر بن أحمد، قال: سمعت الك الكتاني، يقول: حدثني أبو موسى الدئيلي، قال: سمعت أبا يزيد يقول: كنت أطوف حول البيت أطلبه، فلما وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي.
قال الشيرازي: وحدثنا إبراهيم بن محمد، قال: سمعت الحسن بن علوية، يقول: سمعت طيفور الصغير، يقول: سمعت أبا يزيد يقول: حججت أول حجة فرأيت البيت، وحججت الثانية فرأيت صاحب البيت ولم أر البيت، وحججت الثالثة فلم أر البيت ولا صاحب البيت.
قال الشيرازي: وسمعت محمد بن دادويه يقول: سمعت عبد الله بن سهل، يقول: سمعت أبا موسى الدئيلي يقول: سمعت أبا يزيد وسئل عن اللوح المحفوظ قال: أنا اللوح المحفوظ.
قال الشيرازي: وسمعت المظفر بن عيسى المراغي، يقول: سمعت سيرين، يقول: سمعت أبا موسى الدئيلى، يقول: قلت لاب زد: بلغني أن ثلاثة قلوبهم على قلب جبريل، قال: أنا أولئك الثلاثة، فقلت: كيف؟! قال: قلبي واحد وهمي واحد وروحي واحد، قلت: وبلغني أن واحدا قلبه على قلب إسرافيل، قال: وأنا ذلك الواحد، ومثلي مثل بحر مصطلم (١)
стр. 385
لا أول له ولا آخر.
قال السهلكي: وقرأ رجل عند أبي يزيد ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ (البروج: ٢١) فقال أبو يزيد: وحياته أن بطشي أشد من بطشه. وقيل لأبي يزيد: بلغنا أنك من السبعة، قال: أنا كل السبعة. وقيل له: إن الخلق كلهم تحت لواء سيدنا محمد ﷺ ، فقال: والله إن لوائي أعظم من لواء محمد، لوائي من نور تحته الجن والإنس كلهم مع النبيين. وقال أبو يزيد: سبحاني سبحاني ما أعظم سلطاني ليس مثلي في السماء يوجد ولا مثلي صفة في الأرض تعرف، أنا هو وهو أنا وهو هو.
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا أحمد بن أبي عمران، ثنا منصور بن عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: قيل لأبي يزيد: إنك من الإبدال (١) السبعة الذين هم أوتاد الأرض، فقال: أنا كل السبعة.
أنبأنا ابن ناصر، نا أبو الفضل السهلكي، قال: سمعت أبا الحسين محمد بن القاسم الفارسي، قال: سمعت أبا نصر بن محمد بن إسماعيل البخاري يقول: سمعت أبا الحسين علي بن محمد الجرجاني، يقول: سمعت الحسين بن علي بن سلام، يقول: دخل أبو يزيد مدينة فتبعه منها خلق كثير، فالتفت إليهم فقال: «إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني»، فقالوا: جن أبو يزيد فتركوه.
قال الفارسي: وسمعت أبا بكر أحمد بن محمد النيسابوري، قال: سمعت أبا بكر أحمد بن إسرائيل، قال: سمعت خالي علي بن الحسين، يقول: سمعت الحسن بن علي بن حياة، يقول: سمعت عمي - وهو أبو عمران موسى بن عيسى بن أخي أبي يزيد - قال: سمعت أبي يقول: قال أبو يزيد: رفع بي مرة حتى قمت بين يديه، فقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، قلت: يا عزيزي وأنا أحب أن يروني، فقال: يا أبا يزيد إني أريد أريكهم، فقلت: يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يروني وأنت تريد ذلك وأنا لا أقدر على مخالفتك، قربني بوحدانيتك، وألبسني ربانيتك، وأرفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فيكون أنت ذاك ولا.
стр. 386
أكون أنا هناك. ففعل بي ذلك وأقامني وزيني (١) ورفعني. ثم قال:
أخرج إلى خلقي فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق خارجا فلما كان من الخطوة الثانية غشي علي فنادى: ردوا حبيبي فإنه لا يصبر عني ساعة.
أنبأنا ابن ناصر، نا السهلكي، قال: سمعت محمد بن إبراهيم الواعظ، يقول: سمعت محمد بن محمد الفقيه، يقول: سمعت أحمد بن محمد الصوفي، يقول: سمعت أبا موسى يقول: حكي عن أبي يزيد أنه قال:
أراد موسى ﵊ أن يرى الله تعالى، وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى، هو أراد أن يراني.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق الحيري، ثنا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا أبو الطيب بن الفرغاني، قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: دخل علي أمس رجل من أهل بسطام، فذكر أنه سمع أبا يزيد البسطامي يقول: اللهم إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري.
قال المصنف ﵀: أما ما تقدم من دعاويه فما يخفى قبحها. وأما هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه:
أحدها - أنه قال: إن كان في سابق علمك وقد علمنا قطعا أنه لا بد من تعذيب خلق بالنار، وقد سمى الله منهم خلقا، كفرعون وأبي لهب، فكيف يجوز أن يقال بعد القطع واليقين: إن كان.
والثاني - قوله: فعظم خلقي، فلو قال: لأدفع عن المؤمنين ولكنه قال: حتى لا تسع غيري، فاشفق على الكفار أيضا، وهذا تعاط على رحمة الله .
والثالث - أن يكون جاهلا بقدر هذه النار أو واثقا من نفسه بالصبر، وكلا الأمرين معدوم عنده.
قلت: ثم قال: والله لقد تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة، وكانت الملائكة يستحسنون قولي، والله يسمع كلامي فلم يعب علي ولو عاب لاخرسني.
стр. 387
عبات القلت: لولا أن هذا الرجل قد نسب إلى التغير (١) لكان ينبغي أن يرد عليه. وأين الخضر، ومن أين له أن الملائكة تستحسن قوله. وكم من قول معيب لم يعاجل صاحبه بالعقوبة. وقد بلغني عن ميمون عبده، قال: بلغني عن سمنون المحب أنه كان يسمي نفسه الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها:
وليس لى في سواك حظ … فكيفما شئت فامتحني
فابتلي بحبس البول فلم يقر له قرار (٢)، فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب وبيده قارورة يقطر منها بوله، ويقول للصبيان: ادعو لعمكم الكذاب
قال المصنف ﵀: إنه ليقشعر جلدى من هذه، أتراه علام يتقاوى؟ وإنما هذه ثمرة الجهل بالله ولو عرفه لم يسأله إلا العافية. وقد قال: من عرف الله كل لسانه.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن داود الجوزجاني يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء، يقول: كنت أرد هذه الكرامات، حتى حدثني الثقة عن أبي الحسين النوري وسألته فقال: كذا كان. قال: كنا في سميرية (٣) في دجلة، فقالوا لأبي الحسين: أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي، فحرك شفتيه، فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي ظهرت من الماء حتى وقعت في السميرية، فقيل لأبي الحسين: سألناك بالله إلا أخبرتنا بماذا دعوت؟ فقال: قلت: وعزتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي لأغرقن نفسي في دجلة.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب، ثنا الحسن بن الحسين الهمداني، قال: سمعت جعفرا الخلدى، يقول: سمعت الجنيد، يقول: سمعت النوري يقول: كنت بالرقة فجاءني المريدون الذين كانوا بها، وقالوا: نخرج ونصطاد السمك، فقالوا لي: يا أبا الحسين هات من عبادتك واجتهادك وما أنت
стр. 388
عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص، فقلت لمولاي: إن لم تخرج إلى الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات، فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة ولا نقصان. قال الجنيد: فقلت له: يا أبا الحسين لو لم تخرج كنت ترم بنفسك؟ قال: نعم.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، نا أبو يعقوب الخراط، قال: قال لي أبو الحسين النوري: كان في نفسي من هذه الكرامات شيء، وأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين، وقلت: وعزتك لئن لم تخرج لى سمكة فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص لا آكل شيئا، قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه.
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول: سمعت الرقي، يقول: سمعت علي بن محمد بن أبان، قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: أكبر ذنبي إليه معرفتي إياه.
قال المصنف ﵀: هذا إن حمل على معنى أني لما عرفته لم أعمل بمقتضى معرفته، فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصى وإلا فهو قبيح
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثني أحمد الحلفاوى، قال: سمعت الشبلي يقول: أحبك الخلق لنعمائك وأنا … أحبك لبلائك.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، وأخبرنا أبو الوقت، نا احمد بن اب نصر، نا الحسن بن محمد بن فوري، قالا: نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد الهمداني، يقول: دخلت على الشبلي فلما قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معى إلى أن خرجنا من الدار: مروا أنا معكم حيث ما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي.
نا محمد بن ناصر، نا أبو عبد الله الحميدي، نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن
стр. 389
عبد الله، يقول: دخل قوم على الشبلي في مرض موته الذي مات فيه، فقالوا له: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول:
إن سلطان حبه … قال: لا أقبل الرشا
فسلوه فديته … ما لقتلي تحرشا
قال ابن عقيل: وقد حكي عن الشبلي أنه قال: أن الله ، قال ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (الضحى: ٥)، والله لارضى محمد ﷺ وفي النار من أمته أحد. ثم قال: إن محمدا يشفع في امته وانا أشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد.
قال ابن عقيل: والدعوى الأولى على النبي ﷺ كاذبة، فإن النبي ﷺ يرضى بعذاب الفجار، كيف وقد لعن في الخمر عشرة (١). فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع. ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد ﷺ كفر، لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل الجنة، كان من أهل النار، فكيف وهو يشهد لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة بل يزيد على المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى.
قال ابن عقيل: والذي يمكنني في حق أهل البدع لساني وقلبي، ولو اتسعت قدرتي في السيف لرويت الثرى من دماء خلق.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد، ثنا أبو طاهر محمد بن على العلاف، سمعت أبا الحسن بن سمعون، سمعت أبأاأ أعبد الله العلقي صاحب أبي العباس بن عطاء، سمعت أبا العباس بن عطاء، يقول: قرأت القرآن فما رأيت الله ذكر عبدا فأثنى عليه حتى أبتلاه، فسألت الله تعالى أن يبتليني، فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ميتا ما رجع منهم أحد. قال: وذهب ماله، وذهب.
стр. 390
عقله، وذهب ولده وأهله، فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها، وكان أول شيء قاله بعد صحوه من غلبته:
حقا أقول لقد كلفتني شططا (١) … حملي هواك وصبري إن ذا عجب
قلت: قلة علم هذا الرجل أثمر أن سأل البلاء وفي سؤال البلاء معنى التقاوى (٢) من أقبح القبيح. و - الشطط - الجور ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وأحسن ما حمل عليه حاله أن يكون قال هذا البيت في زمان التغير
أخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، نا محمد بن الحسين السلمي، سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصري، يقول: دعوني وبلائي، ألستم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأمره بأمره فخالفه، اذا كان أول الدن درد (٣) كف يكون آخره قال: وقال الحصري: كنت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ من الشيطان وأقول من الشيطان حتى يحضر كلام الحق.
قال المصنف ﵀: قلت: أما القول الأول بأنه يتسلط على الأنبياء جرأة قبيحة وسوء أدب. وأما الثاني فمخالف لما أمر الله به فإنه قال: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (النحل: ٩٨).
أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، نا عباد بن إبراهيم النسفي، ثنا محمد بن الحسين السلمي، قال: وجدت في كتاب أبي بخطة سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري يقول: قد نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها، سموا الطبع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عن الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، وسوء الخلق صولة (٤)، والبخل جلادة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع إلى الدنيا وصولا، والسؤال عملا، وبذاء (٥) اللسان ملامة، وما هذا طريق القوم