← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا "بِنَصِيبِينَ" (١) وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ. فَلَمَّا غُيِّبَ الرَّجُلُ فِي لَحْدِهِ لَحِقْتُ بِصَاحِبٍ "نَصِيبِينَ" وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدَنَا … فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: لَقَدْ عَرَفْتَ مِنْ أَمْرِي مَا عَرَفْتَ؛ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ إِنِّي مَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا إِلَّا رَجُلًا "بِعَمُورِيَّةَ" (٢) هُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ، فَلَحِقْتُ بِهِ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي … فَأَقَمْتُ عِنْدَ رَجُلٍ كَانَ - وَاللَّهِ - عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ، وَقَدِ اكْتَسَبْتُ وَأَنَا عِنْدَهُ بَقَرَاتٍ وَغُنَيْمَةً. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ مَا نَزَلَ بِأَصْحَابِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِي مَا تَعْلَمُ؛ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ … وَمَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ - وَاللَّهِ - مَا أَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُسْتَمْسِكًا بِمَا كُنَّا عَلَيْهِ … وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ (٣) زَمَانٌ يَخْرُجُ فِيهِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ نَبِيٌّ يُبْعَثُ بِدِينِ

стр. 107

إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ يُهَاجِرُ مِنْ أَرْضِهِ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ (١)، وَلَهُ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى … فَهُوَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ … وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ. ثُمَّ وَافَاهُ الْأَجَلُ؛ فَمَكَثْتُ بَعْدَهُ "بِعَمُّورِيَّةَ" زَمَنًا إِلَى أَنْ مَرَّ بِهَا نَفَرٌ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ مِنْ قَبِيلَةِ" كَلْبٍ". فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَمَلْتُمُونِي مَعَكُمْ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ أَعْطَيْتُكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي، فَقَالُوا: نَعَمْ نَحْمِلُكَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا "وَادِي الْقُرَى" (٢) غَدَرُوا بِي وَبَاعُونِي لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَالْتَحَقْتُ بِخِدْمَتِهِ … ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ زَارَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي "قُرَيْظَةَ" فَاشْتَرَانِي مِنْهُ، وَنَقَلَنِي مَعَهُ إِلَى "يَثْرِبَ" فَرَأَيْتُ النَّخْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ لي صَاحِبِي "بِعَمُّورِيَّة"، وَعَرَفْتُ الْمَدِينَةَ بِالْوَصْفِ الَّذِي نَعَتَهَا بِهِ، فَأَقَمْتُ بِهَا مَعَهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ يَدْعُو قَوْمَهُ فِي مَكَّةَ، لَكِنّنِي لَمْ أَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ لانْشِغَالِي بِمَا يُوجِبُهُ عَلَيَّ الرِّقُّ. * * * ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ هَاجَرَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى "يَثْرِبَ"، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهَا بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتَهَا إِذْ أَقَبْلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ وَقَالَ لَهُ:

стр. 108

قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي "قَيْلَةَ" (١)، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ "بِقُبَاءَ" (٢)، عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْيَوْمَ مِنْ مَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَمَا إِنْ سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ حَتَّى مَسَّنِي مَا يُشْبِهُ الْحُمَّى، وَاضْطَرَبْتُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَسْقُطَ عَلَى سَيْدِي، وَبَادَرْتُ إِلَى النُّزُولِ عَنِ النَّخْلَةِ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لِلرَّجُلِ: مَاذَا تَقُولُ؟! أَعِدْ عَلَيَّ الْخَبَرَ … فَغَضِبَ سَيِّدِي وَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ لي: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟! عُدْ إِلَى مَا كُنْتَ فِيهِ مِنْ عَمَلِكَ. * * * وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ أَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ كُنْتُ جَمَعْتُهُ، وَتَوَجَّهْتُ بِهِ إِلَى حَيْثُ يَنْزِلُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (كُلُوا) … وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَأَخَذْتُ أَجْمَعُ بَعْضَ التَّمْرِ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ "قُبَاءَ" إِلَى الْمَدِينَةِ جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا … فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ.

стр. 109

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ الثَّانِيَةُ … ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ "بِيَقِيعِ الْغَرْقَدِ" (١) حَيْثُ كَانَ يُوَارِي أَحَدَ أَصْحَابِهِ، فَرَأَيْتُهُ جَالِسًا وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ (٢)، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ لَعَلِّي أَرَى الْخَاتِمَ الَّذِي وَصَفَهُ لِي صَاحِبِي فِي "عَمُورِيَّةَ". فَلَمَّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ عَرَفَ غَرَضِي؛ فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ الْخَاتِمَ، فَعَرَفْتُهُ فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (مَا خَبَرُكَ؟!). فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتي؛ فَأُعْجِبَ بِهَا، وَسَرَّهُ أَنْ يَسْمَعَهَا أَصْحَابُهُ مِنِّي، فَأَسْمَعْتُهُمْ إِيَّاهَا، فَعَجِبُوا مِنْهَا أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَسُرُّوا بِهَا أَعْظَمَ السُّرُورِ. * * * فَسَلَامٌ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ يَوْمَ قَامَ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِّ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَسَلَامٌ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ يَوْمَ عَرَفَ الْحَقَّ فَآمَنَ بِهِ الْإِيمَانِ. وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ مَاتَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (*).

стр. 110

عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ "سَيَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ؛ فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] "مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ" [مِنْ تَحِيَّةِ النَّبِيِّ لِعِكْرِمَةَ] كَانَ فِي أَوَاخِرِ الْعِقْدِ الثَّالِثِ مِنْ عُمُرِهِ، يَوْمَ صَدَعَ (١) نَبِيُّ الرَّحْمَةِ بِدَعْوَةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ. وَكَانَ مِنْ أَكْرَمِ قُرَيْشٍ حَسَبًا، وَأَكْثَرِهِمْ مَالًا وَأَعَزِّهِمْ نَسَبًا. وَكَانَ جَدِيرًا بِهِ أَنْ يُسْلِمَ كَمَا أَسْلَمَ نُظَرَاؤُهُ، مِنْ أَمْثَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٢)، وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْنَاءِ الْبُيُوتَاتِ الْمَرْمُوقَةِ فِي مَكَّةَ لَوْلَا أَبُوهُ. فَمَنْ يَكُونُ هَذَا الْأَبُ يَا تُرَى؟. إِنَّهُ جَبَّارُ مَكَّةَ الْأَكْبَرُ، وَزَعِيمُ الشِّرْكِ الْأَوَّلُ، وَصَاحِبُ النَّكَالِ (٣) الَّذِي امْتَحَنَ اللهُ بِبَطْشِهِ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَبَتُوا … وَاخْتَبَرَ بِكَيْدِهِ صِدْقَ الْمُوقِنِينَ فَصَدَقُوا … إِنَّهُ أَبُو جَهْلٍ (٤)، وَكَفَى …

стр. 111

هَذَا أَبُوهُ، أَمَّا هُوَ فَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ الْمَعْدُودِينَ وَأَبْرَزُ فُرْسَانِهَا الْمَرْمُوقِينَ. * * * وَجَدَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ نَفْسَهُ مَدْفُوعًا بِحُكْم زَعَامَةِ أَبِيهِ إِلَى مُنَاوَأَةِ (١) مُحَمَّدٍ ﵊؛ فَعَادَى الرَّسُولَ ﷺ أَشَدَّ الْعِدَاءِ، وَآذَى أَصْحَابَهُ أَفْدَحَ الْإِيذَاءِ، وَصَبَّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّكَالِ مَا قَرَّتْ بِهِ عَيْنُ أَبِيهِ (٢). وَلَمَّا قَادَ أَبُوهُ مَعْرَكَةَ الشِّرْكِ يَوْمَ "بَدْرٍ"، وَأَقْسَمَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى (٣) أَلَّا يَعُودَ إِلَى مَكَّةَ إِلَّا إِذَا هَزَمَ مُحَمَّدًا، نَزَلَ بِبَدْرٍ وَأَقَامَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا يَنْحَرُ الْجَزُورَ، وَيَشْرَبُ الْخُمُورَ، وَتَعْرِفُ لَهُ الْقِيَانُ بِالْمَعَازِفِ … لَمَّا قَادَ أَبُو جَهْلِ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ كَانَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَضُدَهُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا. وَلَكِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى لَمْ يُلَبِّيَا نِدَاءَ أَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْمَعَانِ … وَلَمْ يَنْصُرَاهُ فِي مَعْرَكَتِهِ لِأَنَّهُمَا عَاجِزَانِ … فَخَرَّ صَرِيعًا دُونَ "بَدْرٍ"، وَرَآهُ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ بِعَيْنَيْهِ، وَرِمَاحُ الْمُسْلِمِينَ تَنْهَلُ (٤) مِنْ دَمِهِ، وَسَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ وَهُوَ يُطْلِقُ آخِرَ صَرْخَةٍ انْفَرَجَتْ عَنْهَا شَفَتَاهُ. * * * عَادَ عِكْرِمَةُ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ خَلَّفَ جُثَّةَ سَيِّدِ قُرَيْشٍ فِي "بَدْرٍ"؛ فَقَدْ أَعْجَزَتْهُ الْهَزِيمَةُ عَنْ أَنْ يَظْفَرَ بِهَا لِيَدْفِنَهَا فِي مَكَّةَ، وَأَرْغَمَهُ الْفِرَارُ عَلَى تَرْكِهَا

стр. 112

لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَأَلْقَوْهَا فِي "الْقَلِيبِ" (١) مَعَ الْعَشَرَاتِ مِنْ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَهَالُوا عَلَيْهَا الرِّمَالَ. * * * وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَصْبَحَ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ مَعَ الْإِسْلَامِ شَأْنٌ آخَرُ … فَقَدْ كَانَ يُعَادِيهِ فِي بَادِي الْأَمْرِ حَمِيَّةً لِأَبِيهِ؛ فَأَصْبَحَ يُعَادِيهِ الْيَوْمَ ثَأْرًا لَهُ. وَمِنْ هُنَا انْبَرَى عِكْرِمَةُ وَنَفَرٌ مِمَّنْ قُتِلَ آبَاؤُهُمْ فِي "بَدْرٍ"، يُؤَرِّثُونَ (٢) نَارَ الْعَدَاوَةِ فِي صُدُورِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيُضْرِمُونَ جَزْوَةَ (٣) الثَّأرِ فِي قُلُوبِ الْمَوْتُورِينَ (٤) مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ (أُحُدٍ). * * * خَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ إِلَى "أُحُدٍ"، وَأَخْرَجَ مَعَهُ زَوْجَهُ أُمَّ حَكِيمٍ لِتَقِفَ مَعَ النِّسْوَةِ الْمَوْتُورَاتِ فِي "بَدْرٍ" وَرَاءَ الصُّفُوفِ، وَتَضْرِبَ مَعَهُنَّ عَلَى الدُّفُوفِ تَحْرِيضًا لِقُرَيْشٍ عَلَى الْقِتَالِ، وَتَثْبِيتًا لِفُرْسَانِهَا إِذَا حَدَّثَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ بِالْفِرَارِ. * * * وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَيْمَنَةِ فُرْسَانِهَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَأَبْلَى الْفَارِسَانِ الْمُشْرِكَانِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَلَاءٌ رَجَّحَ كَفَّةَ قُرَيْشٍ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَحَقَّقَ لِلْمُشْرِكِينَ النَّصْرَ الْكَبِيرَ؛ مِمَّا جَعَلَ أَبَا سُفْيَانَ يَقُولُ: هَذَا بِيَوْمِ بَدْرٍ. * * * وَفِي يَوْم "الْخَنْدَقِ"، حَاصَرَ الْمُشْرِكُونَ الْمَدِينَةَ أَيَّامًا طَوِيلَةً فَنَفِدَ صَبْرُ

стр. 113

عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَضَاقَ ذَرْعًا (١) بِالْحِصَارِ، فَنَظَرَ إِلَى مَكَانٍ ضَيْقٍ مِنَ الْخَنْدَقِ، وَأَقْحَمَ (٢) جَوَادَهُ فِيهِ فَاجْتَازَهُ، ثُمَّ اجْتَازَهُ وَرَاءَهُ بِضْعَةُ نَفَرٍ فِي أَجْرَإِ مُغَامَرَةٍ ذَهَبَ ضَحِيَّتَهَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ (٣) … أَمَّا هُوَ فَلَمْ يُنَجِّهِ إِلَّا الْفِرَارُ. * * * وَفِي يَوْمِ الْفَتْحِ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنْ لَا قِبَلَ لَهَا بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَأَزْمَعَتْ (٤) عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ أَعَانَهَا عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارِهَا هَذَا مَا عَرَفَتْهُ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَمَرَ قُوَّادَهُ أَلَّا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. * * * لَكِنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَنَفَرًا مَعَهُ خَرَجُوا عَلَى إِجْمَاعِ قُرَيْشٍ، وَتَصَدَّوْا لِلْجَيْشِ الْكَبِيرِ، فَهَزَمَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي مَعْرَكَةٍ صَغِيرةٍ قُتِلَ فِيهَا مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَلَاذَ بِالْفِرَار مَنْ أَمْكَنَهُ الْفِرَارُ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْفَارِّينَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ أُسْقِطَ (٥) فِي يَدِ عِكْرِمَةَ … فَمَكَّةُ نَبَتْ (٦) بِهِ بَعْدَ أَنْ خَضَعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَفَا عَمَّا سَلَفَ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَاهَهُ … لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ نَفَرًا سَمَّاهُمْ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ.

стр. 114

وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ؛ لِذَا تَسَلَّلَ مُتَخَفِّيًا مِنْ مَكَّةَ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ (١) "الْيَمَنِ"، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَلَاذٌ (٢) إِلَّا هُنَاكَ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ مَضَتْ أُمُّ حَكِيمٍ زَوْجُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ (٣) إِلَى مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَمَعَهُمَا عَشْرُ نِسْوَةٍ لِيُبَايِعْنَ النَّبِيَّ ﵇، فَدَخَلْنَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ اثْنَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَابْنَتُهُ فَاطِمَةُ (٤) وَنِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَتَكَلَّمَتْ هِنْدُ وَهْيَ مُتَنَقِّبَةٌ (٥) وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الدِّينَ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنِّي لأَسْأَلُكَ أَنْ تَمَسَّنِي رَحِمُكَ بِخَيْرٍ (٦)، فَإِنِّي امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ مُصَدِّقَةٌ … ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْ وَجْهِهَا وَقَالَتْ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ ﵊: (مَرْحَبًا بِكِ). فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَيْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلَّ منْ بَيْتِكَ، وَلَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا عَلَى وَجهِ الْأَرْضِ بَيْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزَّ مِنْ بيْتِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَزِيَادَةً أَيْضًا). ثُمَّ قَامَتْ أُمُّ حَكِيمٍ زَوْجُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَأَسْلَمَتْ وَقَالَتْ:

стр. 115

يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ هَرَبَ مِنْكَ عِكْرِمَةُ إِلَى "الْيَمَنِ" خَوْفًا مِنْ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَمِّنْهُ أَمَّنَكَ اللَّهُ، فَقَالَ ﵇: (هُوَ آمِنٌ). فَخَرَجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا فِي طَلَبِهِ، وَمَعَهَا غُلَامٌ لَهَا رُومِيٌّ، فَلَمَّا أَوْغَلَا فِي الطَّرِيقِ رَاوَدَهَا الْغُلَامُ عَنْ نَفْسِهَا، فَجَعَلَتْ تُمَنِّيهِ وَتُمَاطِلُهُ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ فَاسْتَعَانَتْهُمْ عَلَيْهِ فَأَوْثَقُوهُ وَتَرَكُوهُ عِنْدَهُمْ. وَمَضَتْ هِيَ إِلَى سَبِيلِهَا حَتَّى أَدْرَكَتْ عِكْرِمَةَ عِنْدَ سَاحِلِ الْبَحْرِ فِي مِنْطَقَةِ "تِهَامَةَ" (١)، وَهْوَ يُفَاوِضُ نُوتِيًّا (٢) مُسْلِمًا عَلَى نَقْلِهِ، وَالنُّوتِيُّ يَقُولُ لَهُ: أَخْلِصْ حَتَّى أَنْقُلَكَ. فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: وَكَيْف أُخْلِصُ؟. قَالَ: تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَا هَرَبْتُ إِلَّا مِنْ هَذَا. وَفِيمَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ عَلَى عِكْرِمَةَ وَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ، جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَوْصَلِ النَّاسِ، وَأَبَرِّ النَّاسِ، وَخَيْرِ النَّاسِ … مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ … وَقَدِ اسْتَأْمَنْتُ لَكَ مِنْهُ فَأَمَّنَكَ فَلَا تُهْلِكُ نَفْسَكَ، فَقَالَ: أَنْتِ كَلَّمْتِهِ؟. قَالَتْ: نَعَمْ، أَنَا كَلَّمْتُهُ فَأَمَّنَكَ …

стр. 116

وَمَا زَالَتْ بِهِ تُؤَمِّنُهُ وَتُطَمْئِنُهُ حَتَّى عَادَ مَعَهَا. ثُمَّ حَدَّثَتْهُ حَدِيثَ غُلَامِهِمَا الرُّومِيِّ فَمَرَّ بِهِ وَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. وَفِيمَا هُمَا فِي مَنْزِلٍ نَزَلَا بِهِ فِي الطَّرِيقِ أَرَادَ عِكْرِمَةُ أَن يَخْلُوَ بِزَوْجِهِ، فَأَبَتْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ وَقَالَتْ: إِنِّي مُسْلِمَةٌ وَأَنْتَ مُشْرِكٌ … فَتَمَلَّكَهُ الْعَجَبُ وَقَالَ: إِنَّ أَمْرًا يَحُولُ دُونَكِ وَدُونَ الْخَلْوَةِ بِي لأَمْرٌ كَبِيرٌ. فَلَمَّا دَنَا عِكْرِمَةُ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ الرَّسُولُ ﵊ لِأَصْحَابِهِ: (سَيَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ؛ فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ). وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى وَصَلَ عِكْرِمَةُ وَزَوْجُهُ إِلَى حَيْثُ يَجْلِسُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَثَبَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِدَاءٍ (١) فَرَحًا بِهِ … وَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عِكْرِمَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ أُمَّ حَكِيمٍ أَخْبَرَتْنِي أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي … فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: (صَدَقَتْ، فَأَنْتَ آمِنٌ). فَقَالَ عِكْرِمَةَ: إِلَامَ تَدْعُو يَا مُحَمَّدُ؟. قَالَ: (أَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ تُؤْتِي الزَّكَاةَ … ) حَتَّى عَدَّ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا. فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ مَا دَعَوْتَ إِلَّا إِلَى حَقٍّ، وَمَا أَمَرْتَ إِلَّا بِخَيْرٍ. ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ:

стр. 117

قَدْ كُنْتَ فِينَا - وَاللَّهِ - قَبْلَ أَنْ تَدْعُوَ إِلَى مَا دَعَوْتَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ أَصْدَقُنَا حَدِيثًا وَأَبَرُّنَا بِرًّا … ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي خَيْرَ شَيْءٍ أَقُولُهُ. فَقَالَ: (تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ). فَقَالَ عِكْرِمَةُ: ثُمَّ مَاذَا؟. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (تَقُولُ: أُشْهِدُ الله، وَأُشْهِدُ مَنْ حَضَرَ أَنِّي مُسْلِمٌ مُجَاهِدٌ مُهَاجِرٌ) … فَقَالَ عِكْرِمَةُ ذَلِكَ. عِنْدَ هَذَا قَالَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (الْيَوْمَ لَا تَسْأَلُنِي شَيْئًا أُعْطِيهِ أَحَدًا إِلَّا أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ)، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكَهَا، أَوْ مَسِيرٍ أَوْضَعْتُ فِيهِ، أَوْ مَقَامٍ لَقِيتُكَ فِيهِ، أَوْ كَلَامٍ قُلْتُهُ فِي وَجْهِكَ أَوْ غَيْبَتِكَ. فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا، وَكُلَّ مَسِيرٍ سَارَ فِيهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُرِيدُ بِهِ إِطْفَاءَ نُورِكَ، وَاغْفِرْ لَهُ مَا نَالَ مِنْ عِرْضِي فِي وَجْهِي أَوْ أَنَا غَائِبٌ عَنْهُ). فَتَهَلَّلَ وَجْهُ عِكْرِمَةَ بِشْرًا وَقَالَ: أَمَّا وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَدَعُ نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا قِتَالًا قَاتَلْتُهُ صَدًّا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا قَاتَلْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ. * * *

стр. 118

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْضَمَّ إِلَى مَوْكِب الدَّعْوَةِ فَارِسٌ بَاسِلٌ فِي سَاحَاتِ الْقِتَالِ، عَبَّادٌ قَوَّامٌ قَرَّاءٌ لِكِتَابِ اللَّهِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ فَقَدْ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كِتَابُ رَبِّي … كَلَامُ رَبِّي … وَهُوَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. * * * بَرَّ عِكْرِمَةُ بِمَا قَطَعَهُ لِلرَّسُولِ ﷺ مِنْ عَهْدٍ، فَمَا خَاضَ الْمُسْلِمُونَ مَعْرَكَةً بَعْدَ إِسْلَامِهِ إِلَّا وَخَاضَهَا مَعَهُمْ، وَلَا خَرَجُوا فِي بَعْثٍ إِلَّا كَانَ طَلِيعَتَهُمْ. وَفِي يَوْمِ "الْيَرْمُوكِ" أَقْبَلَ عِكْرِمَهُ عَلَى الْقِتَالِ إِقْبَالَ الظَّامِئُ عَلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ. وَلَمَّا اشْتَدَّ الْكَرْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَحَدِ الْمَوَاقِفِ، نَزَلَ عَنْ جَوَادِهِ وَكَسَرَ غِمَّدَ سَيْفِهِ، وَأَوْغَلَ (١) فِي صُفُوفِ الرُّومِ، فَبَادَرَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا عِكْرِمَةُ؛ فَإِنَّ قَتْلَكَ سَيَكُونُ شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي (٢) يَا خَالِدُ … فَلَقَدْ كَانَ لَكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَابِقَةٌ، أَمَّا أَنَا وَأَبِي فَقَدْ كُنَّا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَدَعْنِي أُكَفِّرْ عَمَّا سَلَفَ مِنِّي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَأَفِرُّ مِنَ الرُّومِ الْيَوْمَ؟! … إِنَّ هَذَا لَنْ يَكُونَ أَبَدًا. ثُمَّ نَادَى فِي الْمُسْلِمِينَ: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ

стр. 119

الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلُوا دُونَ فُسْطَاطِ (١) خَالِدٍ ﵁ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَذَادُوا عَنْهُ أَكْرَمَ الذَّوْدِ. وَلَمَّا انْجَلَتْ مَعْرَكَةُ الْيَرْمُوكِ عَنْ ذَلِكَ النَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ (٢) لِلْمُسْلِمِينَ؛ كَانَ يَتَمَدَّدُ عَلَى أَرْضِ "الْيَرْمُوكِ" ثَلَاثَةُ مُجَاهِدِينَ أَثْخَنَتْهُمُ (٣) الْجِرَاحُ هُمْ: الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ (٤)، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَدَعَا الْحَارِثُ بِمَاءٍ لِيَشْرَبَهُ فَلَمَّا قُدِّمَ لَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ … فَقَالَ: ادْفَعُوهُ إِلَيْهِ … فَلَمَّا قَرَّبُوهُ مِنْهُ نَظَرَ إِلَيْهِ عَيَّاشٌ … فَقَالَ: ادْفَعُوهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ عَيَّاشٍ وَجَدُوهُ قَدْ قَضَى نَحْبَهُ (٥) … فَلَمَّا عَادُوا إِلَى صَاحِبَيْهِ وَجَدُوهُمَا قَدْ لَحِقَا بِهِ. ﵃ أَجْمَعِينَ. وَسَقَاهُمْ مِنْ حَوْضِ الْكَوْثَرِ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُونَ بَعْدَهَا … وَحَبَاهُمْ خَضْرَاءَ الْفِرْدَوْسِ يَرْتَعُونَ فِيهَا أَبَدًا … (*).

стр. 120

زَيْدُ الخَيْرِ "لِلَّهِ دَرُّكَ يَا زَيْدُ … أَيُّ رَجُلٍ أَنْتَ؟! " [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] النَّاسُ مَعَادِنُ؛ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ. فَإِلَيْكَ (١) صُورَتَيْنِ لِصَحَابِيٍّ جَلِيلٍ خَطَّتْ أُولَاهُمَا يَدُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَبْدَعَتْ أُخْرَاهُمَا أَنَامِلُ الْإِسْلَامِ. ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ هُوَ "زَيْدُ الْخَيْلِ" (٢) كَمَا كَانَ يَدْعُوهُ النَّاسُ فِي جَاهِلِيَّتِهِ … وَ "زَيْدُ الْخَيْرِ" كَمَا دَعَاهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَتَرْوِيهَا كُتُبُ الْأَدَبِ فَتَقُولُ: حَكَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ شَيْخِ مِنْ بَنِي "عَامِرٍ" قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ (٣) هَلَكَ فِيهَا الزَّرْعُ وَالضَّرْعُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَّا بِعِيَالِهِ إِلَى "الْحِيرَةِ" (٤)، وَتَرَكَهُمْ فِيهَا، وَقَالَ لَهُمْ: انْتَظِرُونِي هُنَا حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكُمْ. ثُمَّ أَقْسَمَ أَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِذَا كَسَبَ لَهُمْ مَالًا، أَوْ يَمُوتَ. ثُمَّ تَزَوَّدَ زَادًا وَمَشَى يَوْمَهُ كُلَّهُ حَتَّى إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَجَدَ أَمَامَهُ خبَاءً (٥)، وَبِالْقُرْبِ مِنَ الْخِبَاءِ مُهْرٌ مُقَيَّدٌ؛ فَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْغَنِيمَةِ، وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يَحُلُّ قَيْدَهُ، فَمَا إِنْ هَمَّ بِرُكُوبِهِ حَتَّى سَمِعَ صَوْتًا يُنَادِيهِ: خَلِّ (٦) عَنْهُ وَاغْنَمْ نَفْسَكَ، فَتَرَكَهُ وَمَضَى.

стр. 121

ثُمَّ مَشَى سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى بَلَغَ مَكَانًا فِيهِ مَرَاحٌ لِلْإِبِلِ، وَبِجَانِبِهِ خِبَاءٌ عَظِيمٌ فِيهِ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ (١) تُشِيرُ إِلَى الثَّرَاءِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ: لَا بُدَّ لِهَذَا الْمَرَاحِ مِنْ إِبِلٍ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا الْخِبَاءِ مِنْ أَهْلٍ. ثُمَّ نَظَرَ فِي الْخِبَاءِ - وَكَانَتِ الشَّمْسُ تَدْنُو مِنَ الْمَغِيبِ - فَوَجَدَ شَيْخًا فَانِيًا فِي وَسَطِهِ، فَجَلَسَ خَلْفَهُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ. وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَأَقْبَلَ فَارِسٌ لَمْ يُرَ قَطُّ فَارِسٌ أَعْظَمُ مِنْهُ وَلَا أَجْسَمُ (٢)، قَدِ امْتَطَى صَهْوَة (٣) جَوَادٍ عَالٍ، وَحَوْلَهُ عَبْدَانِ يَمْشِيَانِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَمَعَهُ نَحْوُ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، أَمَامَها فَحْلٌ كَبِيرٌ، فَبَرَكَ الْفَحْلُ، فَبَرَكَتْ حَوْلَهُ النُّوقُ … وَهُنَا قَالَ الْفَارِسُ لِأَحَدٍ عَبْدَيْهِ: احْلِبْ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى نَاقَةٍ سَمِينَةٍ - وَاسْقِ الشَّيْخَ؛ فَحَلَبَ مِنْهَا حَتَّى مَلأَ الْإِنَاءَ، وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخ وَتَنَحَّى عَنْهُ، فَجَرَعَ الشَّيْخُ مِنْهُ جُرْعَةً أَوْ جُرْعَتَيْنِ وَتَرَكَهُ … قَالَ الرَّجُلُ: فَدَبَبْتُ نَحْوَهُ مُتَخَفِّيًا، وَأَخَذْتُ الْإِنَاءَ، وَشَرِبْتُ كُلَّ مَا فِيهِ، فَرَجَعَ الْعَبْدُ وَأَخَذَ الْإِنَاءَ، وَقَالَ: يَا مَوْلَايَ، لَقَدْ شَرِبَهُ كُلَّهُ، فَفَرِحَ الْفَارِسُ وَقَالَ: احْلِبْ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى نَاقَةٍ أُخْرَى - وَضَعِ الْإِنَاءَ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخِ، فَفَعَلَ الْعَبْدُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَجَرَعَ مِنْهُ الشَّيْخُ جُرْعَةً وَاحِدَةً وَتَرَكَهُ، فَأَخَذْتُهُ، وَشَرِبْتُ نِصْفَهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ آتِيَ عَلَيْهِ كُلِّهِ حَتَّى لَا أُثِيرَ الشَّكَّ فِي نَفْسِ الفَارِسِ. ثُمَّ أَمَرَ الْفَارِسُ عَبْدَهُ الثَّانِيَ بِأَنْ يَذْبَحَ شَاةً، فَذَبَحَهَا فَقَامَ إِلَيْهَا الْفَارِسُ

стр. 122

وَشَوَى لِلشَّيْخِ مِنْهَا، وَأَطْعَمَهُ بِيَدَيْهِ حَتَّى إِذَا شَبِعَ جَعَلَ يَأْكُلُ هُوَ وَعَبْدَاهُ. وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى أَخَذَ الْجَمِيعُ مَضَاجِعَهُمْ، وَنَامُوا نَوْمًا عَمِيقًا لَهُ غَطِيطٌ (١). عِنْدَ ذَلِكَ تَوَجَّهْتُ إِلَى الْفَحْلِ فَحَلَلْتُ عِقَالَهُ وَرَكِبْتُهُ، فَانْدَفَعَ، وَتَبِعَتْهُ الْإِبِلُ، وَمَشَيْتُ لَيْلَتِي. فَلَمَّا أَسْفَرَ النَّهَارُ نَظَرْتُ فِي كُلِّ جِهَةٍ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَتْبَعُنِي، فَانْدَفَعْتُ فِي السَّيْرِ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ. ثُمَّ الْتَفَتُّ الْتِفَاتَةً فَإِذَا أَنَا بِشَيْءٍ كَأَنَّهُ نَسْرٌ أَوْ طَائِرٌ كَبِيرٌ، فَمَا زَالَ يَدْنُو مِنِّي حَتَّى تَبَيَّنْتُهُ فَإِذَا هُوَ فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ، ثُمَّ مَا زَالَ يُقْبِلُ عَلَيَّ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّهُ صَاحِبِي جَاءَ يَنْشُدُ (٢) إِبِلَهُ. عِنْدَ ذَلِكَ عَقَلْتُ الْفَحْلَ (٣)، وَأَخْرَجْتُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي (٤) وَوَضَعْتُهُ فِي قَوْسِي، وَجَعَلْتُ الْإِبِلَ خَلْفِي، فَوَقَفَ الْفَارِسُ بَعِيدًا، وَقَالَ لِي: احْلُلْ عِقَالَ الْفَحْلِ … فَقُلْتُ: كَلَّا … لَقَدْ تَرَكْتُ وَرَائِي نِسْوَةً جَائِعَاتِ "بِالْحِيرَةِ" وَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَرْجِعَ إِلَيْهِنَّ إِلَّا وَمَعِي مَالٌ أَوْ أَمُوتَ. قَالَ: إِنَّكَ مَيِّتٌ … احْلُلْ عِقَالَ الْفَحْلِ - لَا أَبَا لَكَ (٥) -. فَقُلْتُ: لَنْ أَحُلَّهُ … فَقَالَ: وَيْحَكَ (٦)، إِنَّكَ لَمَغْرُورٌ …

стр. 123

ثُمَّ قَالَ: دَلِّ زِمَامَ (١) الْفَحْلِ - وَكَانَتْ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ - ثُمَّ سَأَلَنِي فِي أَيِّ عُقْدَةٍ مِنْهَا أُرِيدُ أَنْ يَضَعَ لِي السَّهْمَ، فَأَشَرْتُ إِلَى الْوُسْطَى فَرَمَى السَّهْمَ فَأَدْخَلَهُ فِيهَا حَتَّى لَكَأَنَّمَا وَضَعَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَصَابَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ … عِنْدَ ذَلِكَ، أَعَدْتُ سَهْمِي إِلَى الْكِنَانَةِ وَوَقَفْتُ مُسْتَسْلِمًا، فَدَنَا مِنِّي وَأَخَذَ سَيْفِي وَقَوْسِي، وَقَالَ: ارْكَبْ خَلْفِي، فَرَكِبْتُ خَلْفَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَظُنُّ أَنِّي فَاعِلٌ بِكَ؟. فَقُلْتُ: أَسْوَأَ الظَّنِّ. قَالَ: وَلِمَ؟!. قُلْتُ: لِمَا فَعَلْتُهُ بِكَ، وَمَا أَنْزَلْتُ بِكَ مِنْ عَنَاءٍ وَقَدْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ بي. فَقَالَ: أَوَتَظُنُّ أَنِّي أَفْعَلُ بِكَ سُوءًا وَقَدْ شَارَكْتَ مُهَلْهِلًا" [يَعْنِي أَبَاهُ] فِي شَرَابِهِ وَطَعَامِهِ، وَنَادَمْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؟!! فَلَمَّا سَمِعْتُ اسْمَ "مُهَلْهِلٍ" قُلْتُ: أَزَيْدُ الْخَيْلِ أَنْتَ؟. قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: كُنْ خَيْرَ آسِرٍ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَمَضَى بِي إِلَى مَوْضِعِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْإِبِلُ لِي لَسَلَّمْتُهَا إِلَيْكَ، وَلَكِنَّهَا لِأُخْتٍ مِنْ أَخَوَاتِي، فَأَقِمْ عِنْدَنَا أَيَّامًا فَإِنِّي عَلَى وَشْكِ (٢) غَارَةٍ قَدْ أَغْنَمُ مِنْهَا. وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ ثَلَاثَةٌ حَتَّى أَغَارَ عَلَى بَنِي "نُمَيْرٍ" فَغَنِمَ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ نَاقَةٍ

стр. 124

فَأَعْطَانِي إِيَّاهَا كُلَّهَا، وَبَعَثَ مَعِي رِجَالًا مِنْ عِنْدِهِ يَحْمُونَنِي حَتَّى وَصَلْتُ "الْحِيرَةَ". * * * تِلْكَ كَانَتْ صُورَةَ زَيْدِ الْخَيْلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَمَّا صُورَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ فَتَجْلُوهَا كُتُبُ السِّيرِ فَتَقُولُ: لَمَّا بَلَغَتْ أَخْبَارُ النَّبِيِّ ﵊ سَمْعَ زَيْدِ الْخَيْلِ، وَوَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ، أَعَدَّ رَاحِلَتَهُ، وَدَعَا السَّادَةَ الْكُبَرَاءَ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى زِيَارَةِ "يَثْرِبَ" (١) وَلِقَاءِ النَّبِيِّ ﵊، فَرَكِبَ مَعَهُ وَفْدٌ كَبِيرٌ مِنْ "طَيِّئ"، فِيهِمْ زُرُّ بْنُ سَدُوسٍ، وَمَالِكُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ جُوَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ وَغَيْرُهُمْ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْمَدِينَةَ تَوَجَّهُوا إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، وَأَنَاخُوا رَكَائِبَهُمْ بِبَابِهِ. وَصَادَفَ عِنْدَ دُخُولِهِمْ أَنْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يَخْطُبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فَوْقِ الْمِنْبَرِ، فَرَاعَهُمْ كَلَامُهُ، وَأَدْهَشَهُمْ تَعَلُّقُ الْمُسْلِمِينَ به، وَإِنْصَاتُهُمْ لَهُ، وَتَأَثُّرُهُمْ بِمَا يَقُولُ: وَلَمَّا أَبْصَرَهُمُ الرَّسُولُ ﵊ قَالَ يُخَاطِبُ الْمُسْلِمِينَ: (إِنِّي خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْعُزَّى (٢) وَمِنْ كُلِّ مَا تَعْبُدُونَ … إِنِّي خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْجَمَلِ الْأَسْوَدِ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ). * * * لَقَدْ وَقَعَ كَلَامُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ زَيْدِ الْخَيْلِ وَمَنْ مَعَهُ

стр. 125

مَوْقِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ فَبَعْضٌ اسْتَجَابَ لِلْحَقِّ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَبَعْضٌ تَوَلَّى عَنْهُ، وَاسْتَكْبَرَ عَلَيْهِ … فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. أَمَّا "زُرُّ بْنُ سَدُوسٍ" فَمَا كَادَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي مَوْقِفِهِ الرَّائِعِ تَحْفُّهُ الْقُلُوبُ الْمُؤْمِنَةُ، وَتَحُوطُهُ الْعُيُونُ الْحَانِيَةُ حَتَّى دَبَّ الْحَسَدُ فِي قَلْبِهِ وَمَلأَ الْخَوْفُ فُؤَادَهُ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إِنِّي لأَرَى رَجُلًا لَيَمْلِكُنَّ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَاللَّهِ لَا أَجْعَلَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتِي أَبَدًا … ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ (١) وَتَنَصَّرَ. وَأَمَّا زَيْدٌ وَالْآخَرُونَ فَقَدْ كَانَ لَهُمْ شَأْنٌ آخَرُ: فَمَا إِنِ انْتَهَى الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ خُطْبَتِهِ، حَتَّى وَقَفَ زَيْدُ الْخَيْلِ بَيْنَ جُمُوعَ الْمُسْلِمِينَ - وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ جَمَالًا، وَأَتَمِّهِمْ خِلْقَةً وَأَطْوَلِهِمْ قَامَةً - حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْفَرَسَ فَتَخِطُّ رِجْلَاهُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا لَوْ كَانَ رَاكِبًا حِمَارًا … وَقَفَ بِقَامَتِهِ الْمَمْشُوقَةِ، وَأَطْلَقَ صَوْتَهُ الْجَهِيرَ (٢) وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ وَقَالَ لَهُ: (مَنْ أَنْتَ؟). قَالَ: أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ بْنُ مُهَلْهِلٍ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (بَلْ أَنْتَ زَيْدُ الْخَيْرِ، لَا زَيْدُ الْخَيْلِ …

стр. 126

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ مِنْ سَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَرَقَّقَ قَلْبَكَ لِلْإِسْلَامِ). فَعُرِفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَيْدِ الْخَيْرِ … ثُمَّ مَضَى بِهِ الرَّسُولُ ﵊ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَفِيفٌ (١) مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْبَيْتَ طَرَحَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِزَيْدٍ مُتَّكَأً، فَعَظُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّكِئَ فِي حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَرَدَّ الْمُتَّكَأَ، وَمَا زَالَ يُعِيدُهُ الرَّسُولُ ﷺ لَهُ وَهُوَ يَرُدُّهُ ثَلَاثًا. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهِمُ الْمَجْلِسُ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدِ الْخَيْرِ: (يَا زَيْدُ، مَا وُصِفَ لِي رَجُلٌ قَطُّ ثُمَّ رَأَيْتُهُ إِلَّا كَانَ دُونَ مَا وُصِفَ بِهِ إِلَّا أَنْتَ) … ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا زَيْدُ)؟. قَالَ زَيْدٌ: أَصْبَحْتُ أُحِبُّ الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِ … فَإِنْ عَمِلْتُ بِهِ أَيْقَنْتُ بِثَوَابِهِ، وَإِنْ فَاتَنِي مِنْهُ شَيْءٌ حَنَنْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ ﵊: (هَذِهِ عَلَامَةُ اللَّهِ فِيمَنْ يُرِيدُ … ). فَقَالَ زَيْدٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي عَلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ، وَأَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِأَنْ أُغِيرَ بِهِمْ عَلَى بِلَادِ "الرُّومِ" وَأَنَالَ مِنْهُمْ. فَأَكْبَرَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ هِمَّتَهُ هَذِهِ، وَقَالَ لَهُ: (لِلَّهِ دَرُّكَ (٢) يَا زَيْدُ … أَيُّ رَجُلٍ أَنْتَ؟!).

стр. 127

ثُمَّ أَسْلَمَ مَعَ زَيْدٍ جَمِيعُ مَنْ صَحِبَهُ مِنْ قَوْمِهِ. وَلَمَّا هَمَّ زَيْدٌ بِالرُّجُوعِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى دِيَارِهِمْ فِي "نَجْدٍ"، وَدَّعَهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: (أَيُّ رَجُلٍ هَذَا؟! … كُمْ سَيَكُونُ لَهُ مِنَ الشَّأْنِ لَوْ سَلِمَ مِنْ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ!!). وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ آنَذَاكَ مَوْبُوءَةً بِالْحُمَّى، فَمَا إِنْ بَارَحَهَا زَيْدُ الْخَيْرِ، حَتَّى أَصَابَتْهُ، فَقَالَ لِمَن مَعَهُ: جَنِّبُونِي بِلَادَ "قَيْسٍ"، فَقَدْ كَانَتْ بَيْنَنَا حَمَاسَاتٌ (١) مِنْ حَمَاقَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُ مُسْلِمًا حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ . * * * تَابَعَ زَيْدُ الْخَيْرِ سَيْرَهُ نَحْوَ دِيَارِ أَهْلِهِ فِي "نَجْدٍ"؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ وَطْأَةَ الْحُمَّى كَانَتْ تَشْتَدُّ عَلَيْهِ سَاعَةً بَعْدَ أُخْرَى؛ فَقَدْ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَلْقَى قَوْمَهُ، وَأَنْ يَكْتُبَ اللَّهُ لَهُمُ الْإِسْلَامَ عَلَى يَدَيْهِ. وَطَفِقَ يُسَابِقُ الْمَنِيَّةَ وَالْمَنِيَّةُ تُسَابِقُهُ؛ لَكِنَّهَا مَا لَبِثَتْ أَنْ سَبَقَتْهُ، فَلَفَظَ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ فِي بَعْض طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ إِسْلَامِهِ وَمَوْتِهِ مُتَّسَعٌ لِأَنْ يَقَعَ فِي ذَنْبٍ (*).

стр. 128

عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ "أَنْتَ آمَنْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا، وَوَفَّيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا" [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] في السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ دَانَ (١) لِلْإِسْلَامِ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ بَعْدَ نُفُورٍ، وَلَانَ لِلْإِيمَانِ بَعْدَ إِعْرَاضٍ وَصَدٍّ، وَأَعْطَى الطَّاعَةَ لِلرَّسُولِ ﵊ بَعْدَ إِبَاءٍ. ذَلِكُمْ هُوَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ الَّذِي يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِجُودِ أَبِيهِ. * * * وَرِثَ عَدِيٌّ الرِّئَاسَةَ عَنْ أَبِيهِ فَمَلَكَتْهُ "طَيِّئٌ" عَلَيْهَا، وَفَرَضَتْ لَهُ الرُّبُعَ فِي غَنَائِمِهَا، وَأَسْلَمَتْ إِلَيْهِ الْقِيَادَ. وَلَمَّا صَدَعَ (٢) الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِدَعْوَةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَدَانَتْ لَهُ العرب حَيًّا بَعْدَ حَيٍّ؛ رَأَى عَدِيٌّ فِي دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﵊ زَعَامَةً تُوشِكُ أَنْ تَقْضِيَ عَلَى زَعَامَتِهِ، وَرِيَاسَةً سَتُفْضِي (٣) إِلَى إِزَالَةِ رِيَاسَتِهِ، فَعَادَى الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ - وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ - وَأَبْغَضَهُ أَعْظَمَ الْبُغْضِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ. وَظَلَّ عَلَى عَدَاوَتِهِ لِلْإِسْلَامِ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ عَامًا حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِدَعْوَةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ. * * *

стр. 129

وَلإِسْلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قِصَّةٌ لَا تُنْسَى … فَلْنَتْرُكُ لِلرَّجُلِ نَفْسِهِ الْحَدِيثَ عَنْ قِصَّتِهِ؛ فَهُوَ بِهَا أَوْلَى، وَبِرِوَايَتِهَا أَجْدَرُ (١). قَالَ عَدِيٌّ: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ مِنِّي كَرَاهَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعْتُ بِهِ؛ فَقَدْ كُنْتُ امْرَأً شَرِيفًا، وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا، وَكُنْتُ أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ؛ فَآخُذُ الرُّبُعَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ غَيْرِي مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ. فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَرِهْتُهُ. وَلَمَّا عَظُمَ أَمْرُهُ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ (٢)، وَجَعَلَتْ جُيُوشُهُ وَسَرَايَاهُ تُشَرِّقُ وَتُغَرِّبُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ؛ قُلْتُ لِغُلَامٍ لِي يَرْعَى إِبِلِي: لَا أَبَا لَكَ (٣)، أَعْدِدْ لِي مِنْ إِبِلِي نُوقًا سِمَانًا سَهْلَةَ الْقِيَادِ وَارْبِطْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِنْ سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ أَوْ بِسَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَاهُ قَدْ وَطِئَتْ هَذِهِ الْبِلَادَ فَأَعْلِمْنِي … وَفِي ذَاتِ غَدَاةٍ أَقْبَلَ عَلَيَّ غُلَامِي وَقَالَ: يَا مَوْلاي، مَا كُنْتَ تَنْوِي أَنْ تَصْنَعَهُ إِذَا وَطِئَتْ أَرْضَكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ. فَقُلْتُ: وَلِمَ؟! ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (٤). فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ تَجُوسُ (٥) خِلَالَ الدِّيَارِ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقِيلَ لي: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ … فَقُلْتُ لَهُ:

стр. 130

أَعْدِدْ لِيَ النُّوقَ الَّتِي أَمَرْتُكَ بِإِعْدَادِهَا وَقَرِّبْهَا مِنِّي. ثُمَّ نَهَضْتُ لِسَاعَتِي؛ فَدَعَوْتُ أَهْلِي وَأَوْلَادِي إِلَى الرَّحِيلِ عَنِ الْأَرْضِ الَّتِي أَحْبَبْنَاهَا، وَجَعَلْتُ أُغِذُّ (١) السَّيْرَ نَحْوَ بِلادِ الشَّامِ لِأَلْحَقَ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى وَأَنْزِلَ بَيْنَهُمْ. وَقَدْ أَعْجَلَنِي الْأَمْرُ عَنِ اسْتِقْصَاءِ (٢) أَهْلِي كُلِّهِمْ فَلَمَّا اجْتَزْتُ مَوَاضِعَ الْخَطَرِ، تَفَقَّدْتُ أَهْلِي، فَإِذَا بِي قَدْ تَرَكْتُ أُخْتًا لِي (٣) فِي مَوَاطِيْنَا فِي "نَجْدٍ" مَعَ مَنْ بَقِيَ هُنَاكَ مِنْ "طَيِّئٍ" … وَلَمْ يَكُنْ لِي مِنْ سَبِيلِ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهَا. فَمَضَيْتُ بِمَنْ مَعِي حَتَّى بَلَغْتُ "الشَّامَ"، وَأَقَمْتُ فِيهَا بَيْنَ أَبْنَاءِ دِينِي. أَمَّا أُخْتِي فَقَدْ نَزَلَ بِهَا مَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ وَأَخْشَاهُ. * * * لَقَدْ بَلَغَنِي وَأَنَا فِي دِيَارِ الشَّامِ أَنَّ خَيْلَ مُحَمَّدٍ أَغَارَتْ عَلَى دِيَارِنَا وَأَخَذَتْ أُخْتِي فِي جُمْلَةِ مَنْ أَخَذَتْهُ مِنَ السَّبَايَا وَسِيقَتْ إِلَى "يَثْرِبَ". وَهُنَاكَ وُضِعَتْ مَعَ السَّبَايَا فِي حَظِيرَةٍ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﵊ فَقَامَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ؛ فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: (وَمَنْ وَافِدُكِ؟). فَقَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.

стр. 131

فَقَالَ: (الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟!). ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَهَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مَرَّ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ قَوْلِهَا بِالْأَمْسِ، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ قَوْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرَّ بِهَا وَقَدْ يَئِسَتْ مِنْهُ فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، فَأَشَارَ لَهَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ قُومِي إِلَيْهِ وَكَلِّمِيهِ … فَقَامَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ). فَقَالَتْ: إِنِّي أُرِيدُ اللَّحَاقَ بِأَهْلِي فِي الشَّامِ. فقال ﷺ : (وَلَكِنْ لَا تَعْجَلِي بِالْخُرُوجِ حَتَّى تَجِدِي مَنْ تَثِقِينَ بِهِ مِنْ قَوْمِكِ لِيُبَلِّغَكِ بِلَادَ الشَّامِ، فَإِذَا وَجَدْتِ الثِّقَةَ فَأَعْلِمِينِي). وَلَمَّا انْصَرَفَ الرَّسُولُ ﵊ سَأَلَتْ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهَا أَنْ تُكَلِّمَهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَقَامَتْ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ فِيهِمْ مَنْ تَثِقُ بِهِ، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ قَدِمَ رَهْطٌ (١) مِنْ قَوْمِي لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ (٢)، فَكَسَاهَا الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، وَمَنَحَهَا نَاقَةً تَحْمِلُهَا، وَأَعْطَاهَا نَفَقَةً تَكْفِيهَا، فَخَرَجَتْ مَعَ الرَّكْبِ. * * *

стр. 132

قَالَ عَدِيٌّ: ثُمَّ جَعَلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ نَتَنَسَّمُ (١) أَخْبَارَهَا، وَنَتَرَقَّبُ قُدُومَهَا، وَنَحْنُ لَا نَكَادُ نُصَدِّقُ مَا رُوِيَ لَنَا مِنْ خَبَرِهَا مَعَ مُحَمَّدٍ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهَا كُلَّ ذَلِكَ الْإِحْسَانِ، مَعَ مَا كَانَ مِنِّي تِجَاهَهُ. فَوَاللَّهِ إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي إِذْ أَبْصَرْتُ امْرَأَةً فِي هَوْدَجِهَا (٢) تَتَّجِهُ نَحْوَنَا، فَقُلْتُ: ابْنَةُ حَاتِمٍ، فَإِذَا هِيَ هِيَ. فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْنَا بَادَرَتْنِي بِقَوْلِهَا: الْقَاطِعُ (٣) الظَّالِمُ … لَقَدِ احْتَمَلْتَ (٤) بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ وَتَرَكْتَ بَقِيَّةَ وَالِدِكَ وَعَوْرَتِكَ (٥). فَقُلْتُ: أَيْ أُخَيَّةُ، لَا تَقُولِي إِلَّا خَيْرًا … وَجَعَلْتُ أَسْتَرْضِيهَا حَتَّى رَضِيَتْ، وَقَصَّتْ عَلَيَّ خَبَرَهَا، فَإِذَا هُوَ كَمَا تَنَاهَى (٦) إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهَا - وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً عَاقِلَةً -: مَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ الرَّجُلِ؟ [يَعْنِي مُحَمَّدًا ﵇]، فَقَالَتْ: أَرَى - وَاللَّهِ - أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَلِلسَّابِقِ إِلَيْهِ فَضْلُهُ … وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تُذَلَّ عِنْدَهُ وَأَنْتَ أَنْتَ. * * *

стр. 133

قَالَ عَدِيٌّ: فَهَيَّأْتُ جَهَازِي (١) وَمَضَيْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ، مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ، وَكَانَ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ يَدَ عَدِيٍّ فِي يَدِي، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: (مَنِ الرَّجُلِ؟). فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَامَ إِلَيَّ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ. فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَاضٍ بِي إِلَى الْبَيْتِ إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ صَغِيرٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، وَجَعَلَتْ تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَةٍ لَهَا، فَظَلَّ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُمَا وَأَنَا وَاقِفٌ … فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَمَضَى بِي حَتَّى أَتَيْنَا مَنْزِلَهُ، فَتَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ (٢) مَحْشُوَّةً لِيفًا، فَأَلْقَاهَا إِلَيَّ وَقَالَ: (اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ). فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَقُلْتُ: بَلْ أَنْتَ تَجْلِسُ عَلَيْهَا. فَقَالَ ﷺ : (بَلْ أَنْتَ). فَامْتَثَلْتُ وَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْأَرْضِ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ سِوَاهَا. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ.

стр. 134

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: (إِيهِ يَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، أَلَمْ تَكُنْ رَكُوسِيًّا تَدِينُ بِدِينٍ بَيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ وَالصَّابِئَةِ؟)، قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ ﷺ : (أَلَمْ تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ فَتَأْخُذُ مِنْهُمْ مَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ؟!). فَقُلْتُ: بَلَى … وَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، يَعْلَمُ مَا يُجْهَلْ. ثُمَّ قَالَ لي: لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ، إِنَّمَّا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَاهُ مِنْ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفَقْرِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكُنَّ (١) الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدُ مَنْ يَأْخُذُهُ … وَلَعَلَّكَ - يَا عَدِيُّ - إِنَّمَّا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّين مَا تَرَى مِنْ قِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ "الْقَادِسِيَّةِ" عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ … وَلَعَلَّكَ إِنَّمَّا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ أَنَّكَ تَرَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَيْمُ اللَّهِ (٢) لِيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ "بَابِلَ" (٣) قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ كُنُوزَ "كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ" قَدْ صَارَتْ إِلَيْهِمْ). فَقُلْتُ: كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟!!. فَقَالَ: (نَعَمْ كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ). قَالَ عَدِيٌّ: عِنْدَ ذَلِكَ شَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ وَأَسْلَمْتُ. * * *

стр. 135

عُمِّرَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁ طَوِيلًا، وَكَانَ يَقُولُ: لَقَدْ تَحَقَّقَتِ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتِ الثَّالِثَةُ، وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا بُدَّ كَائِنَةٌ. فَقَدْ رَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ "الْقَادِسِيَّةِ" عَلَى بَعِيرِهَا لَا تَخَافُ شَيْئًا حَتَّى تَبْلُغَ هَذَا الْبَيْتَ … وَكُنْتُ فِي أَوَّلِ خَيْلٍ أَغَارَتْ عَلَى كُنُوزِ "كِسْرَى" وَأَخَذَتْهَا … وَأَحْلِفُ بِاللَّهِ لَتَجِيئَنَّ الثَّالِثَةُ. * * * وَقَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُحَقِّقَ قَوْلَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ؛ فَجَاءَتِ الثَّالِثَةُ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الزَّاهِدِ الْعَابِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١)، حَيْثُ فَاضَتِ الْأَمْوَالُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى جَعَلَ مُنَادِيهِ يُنَادِي عَلَى مَنْ يَأْخُذُ أَمْوَالَ الزَّكَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا. وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ. وَبَرَّ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ بِقَسَمِهِ (*).

стр. 136

أَبُو ذَرٍ الغِفَارِيُّ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ "مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] في وَادِي "وَدَّانَ" الَّذِي يَصِلُ مَكَّةَ بِالْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ كَانَتْ تَنْزِلُ قَبِيلَةُ "غِفَارٍ". وَكَانَتْ "غِفَارٌ" تَعِيشُ مِنْ ذَلِكَ النَّزْرِ الْيَسِيرِ (١) الَّذِي تَبْذُلُهُ لَهَا الْقَوَافِلُ الَّتِي تَسْعَى بِتِجَارَةِ قُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إِلَى بِلَادِ الشَّامِ أَوْ آيَبَةً (٢) مِنْهَا. وَرُبَّمَا عَاشَتْ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى هَذِهِ الْقَوَافِلِ إِذَا هِيَ لَمْ تُعْطِهَا مَا يُرْضِيهَا. وَكَانَ "جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ" الْمُكَنَّى بِأَبِي ذَرٍّ وَاحِدًا مِنْ أَبْنَاءِ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْتَازُ مِنْهُمْ بِجُرْأَةِ الْقَلْبِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَبُعْدِ النَّظَرِ … وَبِأَنَّهُ كَانَ يَضِيقُ أَشَدَّ الضِّيقِ بِهَذِهِ الْأَوْثَانِ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُهُ مِنْ دُونِ الله. وَيَسْتَنْكِرُ مَا وَجَدَ عَلَيْهِ الْعَرَبَ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ، وَتَفَاهَةِ الْمُعْتَقَدِ. وَيَتَطَلَّعُ إِلَى ظُهُورِ نَبِيٍّ جَدِيدٍ يَمْلأُ عَلَى النَّاسِ عُقُولَهُمْ وَأَفْئِدَتَهُمْ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. * * *

стр. 137

ثُمَّ تَنَاهَتْ (١) إِلَى أَبِي ذَرٍّ - وَهُوَ فِي بَادِيَتِهِ - أَخْبَارُ النَّبِيِّ الْجَدِيدِ الَّذِي ظَهَرَ في مَكَّةَ، فَقَالَ لِأَخِيهِ "أَنِيسٍ": انْطَلِقْ - لَا أَبَا لَكَ (٢) - إِلَى مَكَّةَ، وَقِف عَلَى أَخْبَارِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ يَأْتِيهِ وَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ شَيْئًا مِنْ قَوْلِهِ وَاحْمِلْهُ إِلَيَّ. * * * ذَهَبَ "أَنِيسٌ" إِلَى مَكَّةَ، وَالْتَقَى بِالرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْبَادِيَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو ذَرٍّ فِي لَهْفَةٍ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّ الْجَدِيدِ فِي شَغَفٍ (٣). فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ - وَاللَّهِ - رَجُلًا يَدْعُو إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَيَقُولُ كَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ لَهُ: وَمَاذَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ؟. فَقَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّهُ سَاحِرٌ، وَكَاهِنٌ، وَشَاعِرٌ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ مَا شَفَيْتَ لِي غَلِيلًا (٤)، وَلَا قَضَيْتَ لِي حَاجَةً، فَهَلْ أَنْتَ كَافٍ عِيَالِي حَتَّى أَنْطَلِقَ فَأَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ؟. فَقَالَ: نَعَمْ … وَلَكِنْ كُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى حَذَرٍ. * * * تَزَوَّدَ أَبُو ذَرٍّ لِنَفْسِهِ، وَحَمَلَ مَعَهُ قِرْبَةَ مَاءٍ صَغِيرَةً، وَاتَّجَهَ مِنْ غَدِهِ إِلَى مَكَّةَ يُرِيدُ لِقَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْوُقُوفَ عَلَى خَبَرِهِ بِنَفْسِهِ. * * *

стр. 138

بَلَغَ أَبُو ذَرٍّ مَكَّةَ وَهُوَ مُتَوَجِّسٌ (١) خِيفَةً مِنْ أَهْلِهَا، فَقَدْ تَنَاهَتْ إِلَيْهِ أَخْبَارُ غَضْبَةِ قُرَيْشٍ لِآلِهَتِهِمْ، وَتَنْكِيلِهِمْ (٢) بِكُلِّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ. لِذَا كَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَدْرِي أَيَكُونُ هَذَا الْمَسْؤُولُ مِنْ شِيعَتِهِ (٣) أم مِنْ عَدُوِّهِ؟. * * * وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ اضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ فَقَالَ: هَلُمَّ (٤) إِلَيْنَا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَمَضَى مَعَهُ وَبَاتَ لَيْلَتَهُ عِنْدَهُ، وَفِي الصَّبَاحِ حَمَلَ قِرْبَتَهُ وَمِرْوَدَهُ (٥) وَعَادَ إِلَى الْمَسْجِدِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ. ثمَّ قَضَى أَبُو ذَرٍّ يَوْمَهُ الثَّانِي دُونَ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَمْسَى أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ لَهُ: أَمَّا آنَ لِلرَّجُل أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلَهُ؟!. ثُمَّ اصْطَحَبَهُ مَعَهُ فَبَاتَ عِنْدَهُ لَيْلَتَهُ الثَّانِيَةَ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ عَلِيٌّ لِصَاحِبِهِ: أَلَا تُحَدِّثُنِي عَمَّا أَقْدَمَكَ إِلَى مَكَّةَ؟. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي مِيثَاقًا (٦) أَنْ تُرْشِدَنِي إِلَى مَا أَطْلُبُ فَعَلْتُ. فَأَعْطَاهُ عَلِيٌّ مَا أَرَادَ مِنْ مِيثَاقٍ.

стр. 139

فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَقَدْ قَصَدْتُ مَكَّةَ مِنْ أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ أَبْتَغِي لِقَاءَ النَّبِيِّ الْجَدِيدِ وَسَمَاع شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ. فَانْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ (١) عَلِيٍّ ﵁، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَإِنَّهُ … وَإِنَّهُ … فَإِذَا أَصْبَحْنَا فَاتَّبَعْنِي حَيْثُمَا سِرْتُ، فَإِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ وَقَفْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي. * * * لَمْ يَقَرَّ لِأَبِي ذَرٍّ مَضْجَعٌ طَوَالَ لَيْلَتِهِ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَهْفَةً إِلَى اسْتِمَاعِ شَيْءٍ مِمَّا يُوحَى بِهِ إِلَيْهِ. وَفِي الصَّبَاحِ مَضَى عَلِيٌّ بِضَيْفِهِ إِلَى بَيْتِ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ وَمَضَى أَبُو ذَرٍّ وَرَاءَهُ يَقْفُوهُ (٢) وَهُوَ لَا يَلْوِي (٣) عَلَى شَيْءٍ؛ حَتَّى دَخَلَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ الرَّسُولُ: (وَعَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ). فَكَانَ أَبُو ذَرٍّ أَوَّلَ مَنْ حَيَّا الرَّسُولَ ﷺ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ شَاعَتْ وَعَمَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ. * * * أَقْبَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى أَبِي ذَرٍّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَمَا لَبِثَ أَنْ أَعْلَنَ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَدَخَلَ فِي الدِّينِ الْجَدِيدِ قَبْلَ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ، فَكَانَ رَابِعَ ثَلَاثَةٍ أَسْلَمُوا أَوْ خَامِسَ أَرْبَعَةٍ.

стр. 140

وَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لِأَبِي ذَرٍّ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا بِنَفْسِهِ بَقِيَّةَ خَبَرِهِ، قَالَ: أَقَمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَكَّةَ فَعَلَّمَنِي الْإِسْلَامَ، وَأَقْرَأَنِي شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ لِي: (لَا تُخْبِرْ بِإِسْلَامِكَ أَحَدًا فِي مَكَّةَ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ يَقْتُلُوكَ). فَقُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَبْرَحُ مَكَّةَ حَتَّى آتِيَ الْمَسْجِدَ وَأَصْرُخَ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ بَيْنَ ظَهْرَانَي (١) قُرَيْشٍ؛ فَسَكَتَ الرَّسُولُ ﷺ … فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ وَقُرَيْشٌ جُلُوسٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَتَوَسَّطْتُهُمْ، وَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَمَا كَادَتْ كَلِمَاتِي تُلَامِسُ آذَانَ الْقَوْمِ حَتَّى ذُعِرُوا جَمِيعًا، وَهَبُّوا مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَقَالُوا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الصَّابِئ (٢) … وَقَامُوا إِلَيَّ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَنِي لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَكَبَّ عَلَيَّ لِيَحْمِيَنِي مِنْهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: وَيْلَكُمْ (٣)!! … أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ "غِفَارٍ"؛ وَمَمَرُّ قَوَافِلِكُمْ عَلَيْهِمْ؟! … فَأَقْلَعُوا (٤) عَنِّي. وَلَمَّا أَفَقْتُ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى مَا بِي قَالَ: (أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ إِعْلَانِ إِسْلَامِكَ؟). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ حَاجَةً فِي نَفْسِي فَقَضَيْتُهَا. فَقَالَ: (الْحَقْ بِقَوْمِكَ، وَخَبِّرْهُمْ بِمَا رَأَيْتَ وَمَا سَمِعْتَ، وَادْعُهُمْ إِلَى

стр. 141

اللهِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُهُمْ بِكَ وَيُؤْجِرُكَ فِيهِمْ … فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي ظَهَرْتُ فَتَعَالَ إِلَيَّ). قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنَازِلَ قَوْمِي فَلَقِيَنِي أَخِي أَنِيسٌ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟. قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ … فَمَا لَبِثَ (١) أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وَقَالَ: مَا لِيَ رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ أَيْضًا. ثُمَّ أَتَيْنَا أُمَّنَا فَدَعَوْنَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَتْ: مَا لِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، وَأَسْلَمَتْ أَيْضًا. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْطَلَقَتِ الأسْرَةُ الْمُؤْمِنَةُ تَدْعُو إِلَى فِي "غِفَارٍ" لَا تَكِلُّ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَمَلُّ مِنْهُ، حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ "غِفَارٍ" خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فِيهِمْ. وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: نَبْقَى عَلَى دِينِنَا حَتَّى إِذَا قَدِمَ الرَّسُولُ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمُوا، فَقَالَ ﵊: (غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ). * * * أَقَامَ أَبُو ذَرٍّ فِي بَادِيَتِهِ حَتَّى مَضَتْ "بَدْرٌ"، وَ أُحُدٌ"، وَ "الْخَنْدَقُ" … ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَانْقَطَعَ (٢) إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَنْ يَقُومَ عَلَى خِدْمَتِهِ؛ فَأَذِنَ لَهُ وَنَعِمَ بِصُحْبَتِهِ وَسَعِدَ بِخِدْمَتِهِ.

стр. 142

وَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُؤْثِرُهُ (١) وَيُكْرِمُهُ، فَمَا لَقِيَهُ مَرَّةً إِلَّا صَافَحَهُ، وَهَشَّ فِي وَجْهِهِ وَبَشَّ (٢). * * * وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ بالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (٣)؛ لَمْ يُطِقْ أَبُو ذَرٍّ صَبْرًا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بَعْدَ أَنْ خَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَأَقْفَرَتْ مِنْ هَدْيِ مَجَالِسِهِ، فَرَحَلَ إِلَى بَادِيَةِ الشَّامِ وَأَقَامَ فِيهَا مُدَّةَ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ ﵄ وَعَنْهُ. * * * وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (٤) نَزَلَ فِي "دِمَشْقَ" فَرَأَى مِنْ إِقْبَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الدُّنْيَا وَانْغِمَاسِهِمْ فِي التَّرْفِ (٥) مَا أَذْهَلَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى اسْتِنْكَارِ (٦) ذَلِكَ؛ فَاسْتَدْعَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمَ إِلَيْهَا، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ ضَاقَ بِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَضَاقَ النَّاسُ بِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَتَنْدِيدِهِ (٧) بِهِمْ، فَأَمَرَهُ عُثْمَانُ بِالانْتِقَالِ إِلَى "الرَّبَذَةِ" وَهِيَ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ، فَرَحَلَ إِلَيْهَا وَأَقَامَ فِيهَا بَعِيدًا عَنِ النَّاسِ، زَاهِدًا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ عَرَضَ الدُّنْيَا، مُسْتَمْسِكًا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ إِيثَارِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْفَانِيَةِ (٨). * * * دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَاتَ مَرَّةٍ فَجَعَلَ يُقَلِّبُ الطَّرْفَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مَتَاعًا. فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟!.

стр. 143

فَقَالَ: لَنَا بَيْتٌ هُنَاكَ [يَعْنِي الْآخِرَةَ] نُرْسِلُ إِلَيْهِ صَالِحَ مَتَاعِنَا. فَفَهمَ الرَّجُلُ مُرَادَهُ وَقَالَ لَهُ: وَلَكِنْ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ [يَعْنِي الدُّنْيَا] … فَأَجَابَ: وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لَا يَتْرُكُنَا فِيهِ. * * * وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الشَّامِ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِكَ، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَا وَجَدَ أَمِيرُ الشَّامِ عَبْدًا لِلَّهِ أَهْوَنَ (١) عَلَيْهِ مِنِّي؟ … * * * وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ اسْتَأْثَرَتْ يَدُ الْمَنُونِ بِالْعَابِدِ الرَّاهِدِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﵊: (مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ (٢) وَلَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ (٣) مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ) (*).

стр. 144

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ "رَجُلٌ أَعْمَى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً تُلِيَتْ وَسَتَظَلُّ تُتْلَى مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ" [الْمُفَسِّرُونَ] مَنْ هَذَا الَّذِي عُوتِبَ فِيهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ أَقْسَى عِتَابٍ وَأَوْجَعَهُ؟! … مَنْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ بِشَأْنِهِ جِبْرِيلُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟! … إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مُؤَذِّنُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. * * * وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَكِّيُّ قُرَشِيُّ تَرْبِطُهُ بِالرَّسُولِ ﵊ رحمٌ، فَقَدْ كانَ ابْنَ خَالِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا. أَمَّا أَبُوهُ فَقَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَعَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ دُعِيَتْ بِأُمِّ مَكْتُومٍ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ أَعْمَى مَكْتُومًا. * * * شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَطْلِعَ النُّورِ فِي مَكَّةَ، فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَان، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ. عَاشَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم مِحْنَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ بِكُلِّ مَا حَفَلَتْ بِهِ مِنْ تَضْحِيَةٍ وَثَبَاتٍ وَصُمُودٍ وَفِدَاءٍ … وَعَانَى مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَا عَانَاهُ أَصْحَابُهُ، وَبَلَا (١) مِنْ بَطْشِهِمْ وَقَسْوَتِهِمْ

стр. 145

مَا بَلَوْهُ؛ فَمَا لَانَتْ لَهُ قَناةٌ (١) وَلَا فَتَرَتْ لَهُ حَمَاسَةٌ، وَلَا ضَعُفَ لَهُ إِيمَانٌ … وَإِنَّمَا زَادَهُ ذَلِكَ اسْتِمْسَاكًا بِدِين اللَّهِ، وَتَعَلُّقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَتَفَقُّهًا بِشَرْعِ اللَّهِ، وَإِقْبَالًا عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. * * * وَقَدْ بَلَغَ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى النَّبِيِّ الكَرِيم ﷺ وَحِرْصِهِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُ فُرْصَةً إِلَّا اغْتَنَمَهَا، وَلَا سَانِحَةً إِلَّا ابْتَدَرَهَا (٢) … بَلْ كَانَ إِلْحَاحُهُ عَلَى ذَلِكَ يُغْرِيهِ - أَحْيَانًا - بِأَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَنَصِيبَ غَيْرِهِ … وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ كَثِيرَ التَّصَدِّي لِسَادَاتِ قُرَيْشٍ، شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى إِسْلَامِهِمْ، فَالْتَقَى ذَاتَ يَوْمٍ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ الْمُكَنَّى بِأَبِي جَهْلٍ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ (٣) وَالِدِ سَيْفِ اللَّهِ خَالِدٍ، وَطَفِقَ يُفَاوِضُهُمْ وَيُنَاجِيهِمْ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ يَطْمَعُ فِي أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، أَوْ يَكُفُّوا أَذَاهُمْ عَنْ أَصْحَابِهِ. * * * وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَسْتَقْرِئُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْني مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَنْهُ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى نَحْوَ أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ أَمَلًا فِي أَنْ يُسْلِمُوا فَيَكُونَ فِي إِسْلَامِهِمْ عِزٌّ لِدِينِ اللهِ، وَتَأْيِيدٌ لِدَعَوَةِ رَسُولِهِ. وَمَا إِنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَدِيثَهُ مَعَهُمْ وَفَرَغَ مِنْ نَجْوَاهُمْ، وَهَمَّ أَنْ يَنْقَلِبَ (٤) إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى أَمْسَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْضًا مِنْ بَصَرِهِ،
следующие страницы →