Полный текст (979 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
اللهِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُهُمْ بِكَ وَيُؤْجِرُكَ فِيهِمْ … فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي ظَهَرْتُ فَتَعَالَ إِلَيَّ).
قَالَ أَبُو ذَرٍّ:
فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنَازِلَ قَوْمِي فَلَقِيَنِي أَخِي أَنِيسٌ فَقَالَ:
مَا صَنَعْتَ؟.
قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ …
فَمَا لَبِثَ (١) أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وَقَالَ:
مَا لِيَ رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ أَيْضًا.
ثُمَّ أَتَيْنَا أُمَّنَا فَدَعَوْنَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَتْ:
مَا لِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، وَأَسْلَمَتْ أَيْضًا.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْطَلَقَتِ الأسْرَةُ الْمُؤْمِنَةُ تَدْعُو إِلَى فِي "غِفَارٍ" لَا تَكِلُّ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَمَلُّ مِنْهُ، حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ "غِفَارٍ" خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فِيهِمْ.
وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: نَبْقَى عَلَى دِينِنَا حَتَّى إِذَا قَدِمَ الرَّسُولُ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمُوا، فَقَالَ ﵊:
(غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ).
* * *
أَقَامَ أَبُو ذَرٍّ فِي بَادِيَتِهِ حَتَّى مَضَتْ "بَدْرٌ"، وَ أُحُدٌ"، وَ "الْخَنْدَقُ" … ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَانْقَطَعَ (٢) إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَنْ يَقُومَ عَلَى خِدْمَتِهِ؛ فَأَذِنَ لَهُ وَنَعِمَ بِصُحْبَتِهِ وَسَعِدَ بِخِدْمَتِهِ. стр. 142
وَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُؤْثِرُهُ (١) وَيُكْرِمُهُ، فَمَا لَقِيَهُ مَرَّةً إِلَّا صَافَحَهُ، وَهَشَّ فِي وَجْهِهِ وَبَشَّ (٢).
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ بالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (٣)؛ لَمْ يُطِقْ أَبُو ذَرٍّ صَبْرًا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بَعْدَ أَنْ خَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَأَقْفَرَتْ مِنْ هَدْيِ مَجَالِسِهِ، فَرَحَلَ إِلَى بَادِيَةِ الشَّامِ وَأَقَامَ فِيهَا مُدَّةَ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ ﵄ وَعَنْهُ.
* * *
وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (٤) نَزَلَ فِي "دِمَشْقَ" فَرَأَى مِنْ إِقْبَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الدُّنْيَا وَانْغِمَاسِهِمْ فِي التَّرْفِ (٥) مَا أَذْهَلَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى اسْتِنْكَارِ (٦) ذَلِكَ؛ فَاسْتَدْعَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمَ إِلَيْهَا، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ ضَاقَ بِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَضَاقَ النَّاسُ بِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَتَنْدِيدِهِ (٧) بِهِمْ، فَأَمَرَهُ عُثْمَانُ بِالانْتِقَالِ إِلَى "الرَّبَذَةِ" وَهِيَ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ، فَرَحَلَ إِلَيْهَا وَأَقَامَ فِيهَا بَعِيدًا عَنِ النَّاسِ، زَاهِدًا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ عَرَضَ الدُّنْيَا، مُسْتَمْسِكًا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ إِيثَارِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْفَانِيَةِ (٨).
* * *
دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَاتَ مَرَّةٍ فَجَعَلَ يُقَلِّبُ الطَّرْفَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مَتَاعًا.
فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟!. стр. 143
فَقَالَ: لَنَا بَيْتٌ هُنَاكَ [يَعْنِي الْآخِرَةَ] نُرْسِلُ إِلَيْهِ صَالِحَ مَتَاعِنَا.
فَفَهمَ الرَّجُلُ مُرَادَهُ وَقَالَ لَهُ:
وَلَكِنْ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ [يَعْنِي الدُّنْيَا] …
فَأَجَابَ: وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لَا يَتْرُكُنَا فِيهِ.
* * *
وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الشَّامِ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ:
اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِكَ، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ:
أَمَا وَجَدَ أَمِيرُ الشَّامِ عَبْدًا لِلَّهِ أَهْوَنَ (١) عَلَيْهِ مِنِّي؟ …
* * *
وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ اسْتَأْثَرَتْ يَدُ الْمَنُونِ بِالْعَابِدِ الرَّاهِدِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﵊:
(مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ (٢) وَلَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ (٣) مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ) (*). стр. 144
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ
"رَجُلٌ أَعْمَى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً تُلِيَتْ وَسَتَظَلُّ تُتْلَى مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ"
[الْمُفَسِّرُونَ]
مَنْ هَذَا الَّذِي عُوتِبَ فِيهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ أَقْسَى عِتَابٍ وَأَوْجَعَهُ؟! …
مَنْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ بِشَأْنِهِ جِبْرِيلُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟! …
إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مُؤَذِّنُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَكِّيُّ قُرَشِيُّ تَرْبِطُهُ بِالرَّسُولِ ﵊ رحمٌ، فَقَدْ كانَ ابْنَ خَالِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا.
أَمَّا أَبُوهُ فَقَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَعَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ دُعِيَتْ بِأُمِّ مَكْتُومٍ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ أَعْمَى مَكْتُومًا.
* * *
شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَطْلِعَ النُّورِ فِي مَكَّةَ، فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَان، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
عَاشَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم مِحْنَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ بِكُلِّ مَا حَفَلَتْ بِهِ مِنْ تَضْحِيَةٍ وَثَبَاتٍ وَصُمُودٍ وَفِدَاءٍ …
وَعَانَى مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَا عَانَاهُ أَصْحَابُهُ، وَبَلَا (١) مِنْ بَطْشِهِمْ وَقَسْوَتِهِمْ стр. 145
مَا بَلَوْهُ؛ فَمَا لَانَتْ لَهُ قَناةٌ (١) وَلَا فَتَرَتْ لَهُ حَمَاسَةٌ، وَلَا ضَعُفَ لَهُ إِيمَانٌ …
وَإِنَّمَا زَادَهُ ذَلِكَ اسْتِمْسَاكًا بِدِين اللَّهِ، وَتَعَلُّقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَتَفَقُّهًا بِشَرْعِ اللَّهِ، وَإِقْبَالًا عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى النَّبِيِّ الكَرِيم ﷺ وَحِرْصِهِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُ فُرْصَةً إِلَّا اغْتَنَمَهَا، وَلَا سَانِحَةً إِلَّا ابْتَدَرَهَا (٢) …
بَلْ كَانَ إِلْحَاحُهُ عَلَى ذَلِكَ يُغْرِيهِ - أَحْيَانًا - بِأَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَنَصِيبَ غَيْرِهِ …
وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ كَثِيرَ التَّصَدِّي لِسَادَاتِ قُرَيْشٍ، شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى إِسْلَامِهِمْ، فَالْتَقَى ذَاتَ يَوْمٍ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ الْمُكَنَّى بِأَبِي جَهْلٍ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ (٣) وَالِدِ سَيْفِ اللَّهِ خَالِدٍ، وَطَفِقَ يُفَاوِضُهُمْ وَيُنَاجِيهِمْ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ يَطْمَعُ فِي أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، أَوْ يَكُفُّوا أَذَاهُمْ عَنْ أَصْحَابِهِ.
* * *
وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَسْتَقْرِئُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْني مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ.
فَأَعْرَضَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَنْهُ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى نَحْوَ أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ أَمَلًا فِي أَنْ يُسْلِمُوا فَيَكُونَ فِي إِسْلَامِهِمْ عِزٌّ لِدِينِ اللهِ، وَتَأْيِيدٌ لِدَعَوَةِ رَسُولِهِ.
وَمَا إِنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَدِيثَهُ مَعَهُمْ وَفَرَغَ مِنْ نَجْوَاهُمْ، وَهَمَّ أَنْ يَنْقَلِبَ (٤) إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى أَمْسَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْضًا مِنْ بَصَرِهِ، стр. 146
وَأَحَسَّ كَأَنَّ شَيْئًا يَخْفِقُ (١) بِرَأْسِهِ … ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (٢).
سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ لَا تَزَالُ تُتْلَى مُنْذُ نَزَلَتْ إِلَى الْيَوْمِ، وَسَتَظَلُّ تُتْلَى حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا فَتِئَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُكْرِمُ مَنْزِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إِذَا نَزَلَ، وَيُدْنِي مَجْلِسَهُ إِذَا أَقْبَلَ، وَيَسْأَلُهُ عَنْ شَأْنِهِ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ.
وَلَا غَرْوَ (٣)، أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي عُوتِبَ فِيهِ مِنْ فَوقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ أَشَدَّ عِتَابٍ وَأَعْنَفَهُ؟!.
* * *
وَلَمَّا كَلِبَتْ (٤) قُرَيْشٌ عَلَى الرَّسُول ﷺ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وَاشْتَدَّ أَذَاهَا لَهُمْ أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُوم أَسْرَعَ الْقَوْمِ مُفَارَقَةً لِوَطَنِهِ، وَفِرَارًا بِدِينِهِ … فَقَدْ كَانَ هُوَ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ (٥) أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمَا إِنْ بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُوم "يَثْرِبَ" حَتَّى طَفِقَ هُوَ وَصَاحِبُهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَخْتَلِفَانِ (٦) إِلَى النَّاسِ وَيُقْرآنِهِمُ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهَانِهِمْ فِي دِينِ اللَّهِ.
* * * стр. 147
وَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﵊ إِلَى الْمَدِينَةِ اتَّخَذَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَبِلَالَ بْنَ رَبَاحٍ (١) مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ يَصْدَعَانِ (٢) بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَيَدْعُوَانِ النَّاسَ إِلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَحُضَّانِهِمْ عَلَى الْفَلَاحِ …
فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ؛ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَرُبَّمَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَقَامَ بِلَالٌ …
وَكَانَ لِبِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ شَأْنٌ آخَرُ فِي رَمَضَانَ، فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَدِينَةِ يَتَسَحَّرُونَ عَلَى أَذَانِ أَحَدِهِمَا وَيُمْسِكُونَ عِنْدَ أَذَانِ الْآخَرِ …
كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ وَيُوقِظُ النَّاسَ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَتَوَخَّى (٣) الْفَجْرَ فَلَا يُخْطِئُهُ.
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ إِكْرَامِ النَّبِيِّ ﵊ لابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ غِيَابِهِ عَنْهَا بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَانَتْ إِحْدَاهَا يَوْمَ غَادَرَهَا لِفَتْحِ مَكَّةَ.
* * *
وَفِي أَعْقَابِ غَزْوَةِ" بَدْرٍ" أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا يَرْفَعُ شَأْنَ الْمُجَاهِدِينَ، وَيُفَضِّلُهُمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ لِيَنْشَطَ الْمُجَاهِدُ إِلَى الْجِهَادِ، وَيَأْنَفَ الْقَاعِدُ مِنَ الْقُعُودِ؛ فَأَثْرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَعَزَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَمَ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ … ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ أَنْ يُنْزِلَ قُرْآنًا فِي شَأْنِهِ وَشَأْنِ أَمْثَالِهِ مِمَّنْ تَعُوقُهُمْ عَاهَاتُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ، وَجَعَل يَدْعُو فِي ضَرَاعَةٍ: "اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عُذْرِي … اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عُذْرِي" …
فَمَا أَسْرَعَ أَنِ اسْتَجَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِدُعَائِهِ.
* * *
حَدَّثَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٤) كَاتِبُ وَحْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: стр. 148
كُنْتُ إِلَى جَنْبِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَغَشِيَتْهُ (١) السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي؛ فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سُرِّيَ (٢) عَنْهُ فَقَالَ: (اكْتُبْ يَا زَيْدُ) … فَكَتَبْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾.
فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ؟! … فَمَا انْقَضَى كَلَامُهُ حَتَّى غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا مَا وَجَدْتُهُ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: (اقْرَأْ مَا كَتَبْتَهُ يَا زَيْدُ).
فَقَرَأْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ …
فَقَالَ: اكْتُبْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣).
فَنَزَلَ الاسْتِثْنَاءُ الَّذِي تَمَنَّاهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ …
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْفَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَمْثَالَهُ مِنَ الْجِهَادِ، فَقَدْ أَبَتْ نَفْسُهُ الطَّمُوحُ أَنْ يَقْعُدَ مَعَ الْقَاعِدِينَ، وَعَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ذَلِكَ لأنَّ النُّفُوسَ الْكَبِيرَةَ لَا تَقْنَعُ إِلَّا بِكِبَارِ الأُمُورِ.
فَحَرَصَ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم عَلَى أَلَّا تَفُوتَهُ غَزْوَةٌ، وَحَدَّدَ لِنَفْسِهِ وَظِيفَتَهَا فِي سَاحَاتِ الْقِتَالِ، فَكَانَ يَقُولُ: أَقِيمُونِي (٤) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَحَمِّلُونِي الوَاءَ أَحْمِلُهُ لَكُمْ وَأَحْفَظُهُ … فَأَنَا أَعْمَى لَا أَسْتَطِيعُ الْفِرَارَ …
* * *
وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ عَقَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَزْمَ عَلَى أَنْ يَخُوضُ مَعَ "الْفُرْسِ" مَعْرَكَةً فَاصِلَةً تُدِيلُ (٥) دَوْلَتَهُمْ، وَتُزِيلُ مُلْكَهُمْ، وَتَفْتَحُ الطَّرِيقَ أَمَامَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ يَقُولُ: стр. 149
لَا تَدَعُوا أَحَدًا لَهُ سِلَاحٌ، أَوْ فَرَسٌ، أَوْ نَجْدَةٌ، أَوْ رَأْيٌ؛ إِلَّا انْتَخَبْتُمُوهُ ثُمَّ وَجَّهْتُمُوهُ إِلَيَّ، وَالْعَجَلَ الْعَجَلَ.
وَطَفِقَتْ جُمُوعُ الْمُسْلِمِينَ تُلَبِّي نِدَاءَ الْفَارُوقِ، وَتَنْهَالُ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ (١)، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُ الْمَكْفُوفُ الْبَصَرِ عَبْدُ الله بنُ أمٍّ مكتُومٍ.
فَأَمَّرَ الْفَارُوقُ عَلَى الْجَيْشِ الْكَبِيرِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ (٢)، وَأَوْصَاهُ وَوَدَّعَهُ … وَلَمَّا بَلَغَ الْجَيْشُ "الْقَادِسِيَّةَ"، بَرَزَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لَابِسًا دِرْعَهُ، مُسْتَكْمِلًا عُدَّتَهُ، وَنَدَبَ نَفْسَهُ لِحَمْلِ رَايَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحِفَاظِ عَلَيْهَا، أَوِ الْمَوْتِ دُونَهَا.
* * *
وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ فِي أَيَّامٍ ثَلَاثَةٍ قَاسِيَةٍ عَابِسَةٍ … وَاحْتَرَبَ الْفَرِيقَانِ حَرْبًا لَمْ يَشْهَدْ لَهَا تَارِيخُ الْفُتُوحَ مَثِيلًا حَتَّى انْجَلَى الْيَوْمُ الثَّالِثُ عَنْ نَصْرٍ مُؤَزَّرٍ (٣) لِلْمُسْلِمِينَ، فَدَالَتْ دَوَّلَةٌ مِنْ أَعْظَم الدُّوَلِ …
وَزَالَ عَرْشٌ مِنْ أَعْرَقِ عُرُوشِ الدُّنْيَا …
وَرُفِعَتْ رَايَةُ التَّوْحِيدِ فِي أَرْضِ الْوَثَنِيَّةِ.
وَكَانَ ثَمَنَ هَذَا النَّصْرِ الْمُبِينِ مِئَاتُ الشُّهَدَاءِ …
وَكَانَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ …
فَقَدْ وُجِدَ صَرِيعًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ وَهُوَ يُعَانِقُ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ (*). стр. 150
الكتاب الثالث
مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ السَّدُوسِيُّ
"مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ كَمِيٌّ بَاسِلٌ قَتَلَ مِائَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُبَارَزَةً؛ فَمَا بَالُكَ بِمَنْ قَتَلَهُمْ فِي خِضَمِّ الْمَعَارِكِ!! "
[الْمُؤَرِّخُونَ]
هَا هُمْ أَوْلَاءِ الْأَبْطَالُ الْأَمْجَادُ مِنْ جُنْدِ اللَّهِ يَنْفُضُونَ عَنْهُمْ غُبَارَ "الْقَادِسِيَّةِ" جَذِلِينَ (١) بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ نَصْرٍ.
مُغْتَبِطِينَ بِمَا كُتِبَ لإِخْوَانِهِمُ الشُّهَدَاءِ مِنْ أَجْرٍ …
مُتَشَوِّقِينَ إِلَى مَعْرَكَةٍ أُخْرَى تَكُونُ صِنْوًا (٢) "لِلْقَادِسِيَّةِ" فِي رَوْعَتِهَا وَجَلَالِهَا
مُتَرَبِّصِينَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمُوَاصَلَةِ الْجِهَادِ، لاجْتِثَاثِ (٣) الْعَرْشِ الْكِسْرَوِيِّ مِنْ جُذُورِهِ.
* * *
لَمْ يَطُلْ تَشَوُّقُ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ وَتَشَرُّفُهُمْ (٤) كَثِيرًا.
فَهَا هُوَ ذَا رَسُولُ الْفَارُوقِ يَقْدُمُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى "الْكُوفَةِ"، وَمَعَهُ أَمْرٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِوَالِيهَا أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (٥) بِالْمُضِيِّ بِعَسْكَرِهِ وَالالْتِقَاءِ مَعَ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ الْقَادِمِينَ مِنَ "الْبَصْرَةِ"، وَالانْطِلَاقِ مَعًا إِلَى "الْأَهْوَازِ" (٦) لِتَتَبُّعِ стр. 151
"الْهُرْمُزَانِ" (١) وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَتَحْرِيرِ مَدِينَةِ "تُسْتَرَ" دُرَّةِ التَّاجِ الْكِسْرَوِيِّ، وَلُؤْلُوةِ بِلَادِ فَارِسَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي وَجَّهَهُ الْخَلِيفَةُ لِأَبِي مُوسَى أَنْ يَصْحَبَ مَعَهُ الْفَارِسَ الْبَاسِلَ "مَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ السَّدُوسِيَّ" سَيِّدَ بَنِي "بَكْرٍ" وَأَمِيرَهُمُ الْمُطَاعَ.
* * *
صَدَعَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِأَمْرِ خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَبَّأَ جَيْشَهُ؛ وَجَعَلَ عَلَى مَيْسَرَتِهِ مَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ السَّدُوسِيَّ، وَانْضَمَّ إِلَى جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ الْقَادِمَةِ مِنَ "الْبَصْرَةِ"، وَمَضَوْا مَعًا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَمَا زَالُوا يُحَرِّرُونَ الْمُدُنَ، وَيُطَهِّرُونَ الْمَعَاقِلَ، وَ "الْهُرْمُزَانُ" يَفِرُّ أَمَامَهُمْ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ "تُسْتَرَ"، وَاحْتَمَلَ بِحِمَاهَا.
* * *
كَانَتْ "تُسْتَرُ" الَّتِي انْحَازَ إِلَيْهَا "وَالْهُرْمُزَانُ" مِنْ أَجْمَلٍ مُدُنِ الْفُرْسِ جَمَالًا، وَأَبْهَاهَا طَبِيعَةً، وَأَقْوَاهَا تَحْصِينًا.
وَهِيَ إِلَى ذَلِكَ مَدِينَةٌ عَرِيقَةٌ (٢) ضَارِبَةٌ فِي أَغْوَارِ (٣) التَّارِيخِ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُرْتَفَعٍ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى شَكْلِ فَرَسٍ، يَسْقِيهَا نَهْرٌ كَبِيرٌ يُدْعَى بِنَهْرِ "دُجَيْلٍ".
وَفَوْقَهَا "شَاذَرْوَانُ" (٤) بَنَاهُ الْمَلِكُ "سَابُورُ"؛ لِيَرْفَعَ إِلَيْهَا مَاءَ النَّهْرِ مِنْ خِلَالِ أَنْفَاقٍ حَفَرَهَا تَحْتَ الْأَرْضِ.
وَشَاذَرْوَانُ تُسْتَرَ وَأَنْفَاقُهُ عَجِيبَةٌ مِنْ عَجَائِبِ الْبِنَاءِ، شُيِّدَ بِالْحِجَارَةِ стр. 152
الضَّخْمَةِ الْمُحْكَمَةِ، وَدُعِّمَ بِأَعْمِدَةِ الْحَدِيدِ الصُّلْبَةِ، وَبُلِّطَ هُوَ وَأَنْفَاقُهُ بِالرَّصَاصِ.
وَحَوْلَ "تُسْتَرَ" سُورٌ كَبِيرٌ سَامِقٌ (١) يُحِيطُ بِهَا إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالْمِعْصَمِ، قَالَ الْمُؤَرِّخُونَ عَنْهُ:
إِنَّهُ أَوَّلُ وَأَعْظَمُ سُورٍ بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
ثُمَّ حَفَرَ "الْهُرْمُزَانُ" حَوْلَ السُّورِ خَنْدَقًا عَظِيمًا يَتَعَذَّرُ اجْتِيَازُهُ، وَحَشَدَ وَرَاءَهُ خِيرَةَ جُنُودِ فَارِسَ.
* * *
عَسْكَرَتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ خَنْدَقِ "تُسْتَرَ" وَظَلَّتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا لَا تَسْتَطِيعُ اجْتِيَازَهُ.
وَخَاضَتْ مَعَ جُيُوشِ "الْفُرْسِ" خِلَالَ تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ثَمَانِينَ مَعْرَكَةً.
وَكَانَتْ كُلُّ مَعْرَكَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَارِكِ تَبْدَأُ بِالْمُبَارَزَةِ بَيْنَ فُرْسَانِ الْفَرِيقَيْنِ؛ ثُمَّ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَرْبٍ ضَارِيَةٍ ضَرُوسٍ (٢).
وَقَدْ أَبْلَى مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ فِي هَذِهِ الْمُبَارَزَاتِ بَلَاءً أَذْهَلَ الْعُقُولَ، وَأَدْهَشَ الْأَعْدَاءَ وَالْأَصْدِقَاءَ فِي وَقْتٍ مَعًا.
فَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِ مِائَةِ كَمِيٍّ (٣) مِنْ فُرْسَانِ الْأَعْدَاءِ مُبَارَزَةً؛ فَأَصْبَحَ اسْمُهُ يُثِيرُ الرُّعْبَ فِي صُفُوفِ "الْفُرْسِ"، وَيَبْعَثُ النَّخْوَةَ وَالْعِزَّةَ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا قَدْ عَرَفُوهُ مِنْ قَبْلُ لِمَ حَرَصَ أَمِيرُ стр. 153
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَطَلُ الْبَاسِلُ فِي عِدَادِ الْجَيْشِ الْغَازِي.
* * *
وَفِي آخِرِ مَعْرَكَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعَارِكِ الثَّمَانِينَ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ حَمْلَةً بَاسِلَةً صَادِقَةً فَأَخْلَى "الْفُرْسُ" لَهُمُ الْجُسُورَ الْمَنْصُوبَةَ فَوْقَ الْخَنْدَقِ، وَلَاذُوا بِالْمَدِينَةِ، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ حِصْنِهَا الْمَنِيعِ.
* * *
انْتَقَلَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ هَذَا الصَّبْرِ الطَّوِيل مِنْ حَالٍ سَيِّئَةٍ إِلَى أُخْرَى أَشَدَّ سُوءًا، فَقَدْ أَخَذَ "الْفُرْسُ" يُمْطِرُونَهُمْ مِنْ أَعَالِي الْأَبْرَاجِ بِسِهَامِهِمُ الصَّائِبَةِ …
وَجَعَلُوا يُدَلُّونَ مِنْ فَوْقِ الْأَسْوَارِ سَلَاسِلَ مِنَ الْحَدِيدِ، فِي نِهَايَةِ كُلِّ سِلْسِلَةٍ كَلَالِيبُ مُتَوَهِّجَةٌ مِنْ شِدَّةِ مَا حُمِّيَتْ بِالنَّارِ.
فَإِذَا رَامَ (١) أَحَدُ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ تَسَلُّقَ السُّورِ أَوِ الاقْتِرَابَ مِنْهُ، أَنْشَبُوهَا فِيهِ (٢) وَجَذَبُوهُ إِلَيْهِمْ، فَيَحْتَرِقُ جَسَدُهُ، وَيَتَسَاقَطُ لَحْمُهُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ.
* * *
اشْتَدَّ الْكَرْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ بِقُلُوبٍ ضَارِعَةٍ خَاشِعَةٍ أَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُمْ، وَيَنْصُرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ.
* **
وَبَيْنَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَتَأَمَّلُ سُورَ "تُسْتَرَ" الْعَظِيمَ، يَائِسًا مِنِ اقْتِحَامِهِ، سَقَطَ أَمَامَهُ سَهْمٌ قُذِفَ نَحْوَهُ مِنْ فَوْقِ السُّورِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ رِسَالَةٌ تَقُولُ: لَقَدْ وَثِقْتُ بِكُمْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي أَسْتَأْمِنُكُمْ عَلَى نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي وَمَنْ تَبِعَنِي، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْفَذٍ تَنْفُذُونَ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى أَمَانًا لِصَاحِبِ السَّهْمِ، وَقَذَفَهُ إِلَيْهِ بِالنُّشَّابَةِ (٣). стр. 154
فَاسْتَوْثَقَ الرَّجُلُ مِنْ أَمَانِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا عُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الصِّدْقِ بِالْوَعْدِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَتَسَلَّلَ إِلَيْهِمْ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ، وَأَفْضَى لِأَبِي مُوسَى بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ فَقَالَ:
نَحْنُ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ، وَقَدْ قَتَلَ "الْهُرْمُزَانُ" أَخِي الْأَكْبَرَ، وَعَدَا (١) عَلَى مَالِهِ وَأَهْلِهِ، وَأَضْمَرَ لِيَ الشَّرَّ فِي صَدْرِهِ حَتَّى مَا عُدْتُ آمَنُهُ عَلَى نَفْسِي وَأَوْلَادِي …
فَآثَرْتُ عَدْلَكُمْ عَلَى ظُلْمِهِ، وَوَفَاءَكُمْ عَلَى غَدْرِهِ، وَعَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْفَذٍ خَفِيٍّ تَنْفُذُونَ مِنْهُ إِلَى "تُسْتَرَ" …
فَأَعْطِنِي إِنْسَانًا يَتَحَلَّى بِالْجُرْأَةِ وَالْعَقْلِ، وَيَكُونُ مِمَّنْ يُتْقِنُونَ السِّبَاحَةَ حَتَّى أُرْشِدَهُ إِلَى الطَّرِيقِ.
* * *
اسْتَدْعَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ السَّدُوسِيَّ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ وَقَالَ: أَعِنِّي بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ لَهُ عَقْلٌ وَحَزْمٌ، وَقُدْرَةٌ عَلَى السِّبَاحَةِ.
فَقَالَ مَجْزَأَةُ: اجْعَلْنِي ذَلِكَ الرَّجُلَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: إِذَا كُنْتَ قَدْ شِئْتَ؛ فَعَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ أَوْصَاهُ أَنْ يَحْفَظَ الطَّرِيقَ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَوْضِعَ الْبَابِ، وَأَنْ يُحَدِّدَ مَكَانَ "الْهُرْمُزَانِ"، وَأَنْ يَتَثَبَّتَ مِنْ شَخْصِهِ، وَأَلَّا يُحْدِثَ أَمْرًا غَيْرَ ذَلِكَ.
* ** стр. 155
مَضَى مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ مَعَ دَلِيلِهِ الْفَارِسِيِّ، فَأَدْخَلَهُ فِي نَفَقٍ (١) تَحْتَ الْأَرْضِ يَصِلُ بَيْنَ النَّهْرِ وَالْمَدِينَةِ.
فَكَانَ النَّفَقُ يَتَّسِعُ تَارَةً حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنَ الْخَوْضِ فِي مَائِهِ وَهُوَ مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَيَضِيقُ تَارَةً أُخْرَى حَتَّى يَحْمِلَهُ عَلَى السِّبَاحَةِ حَمْلًا.
وَكَانَ يَتَشَعَّبُ وَيَتَعَرَّجُ مَرَّةً، وَيَسْتَقِيمُ مَرَّةً ثَانِيَةً …
وَهَكَذَا حَتَّى بَلَغَ بِهِ الْمَنْفَذَ الَّذِي يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرَاهُ "الْهُرْمُزَانَ" قَاتِلَ أَخِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ.
فَلَمَّا رَأَى مَجْزَأَةُ "الْهُرْمُزَانَ"، هَمَّ بِأَنْ يُرْدِيَهُ بِسَهْمٍ فِي نَحْرِهِ، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ تَذَكَّرَ وَصِيَّةَ أَبِي مُوسَى لَهُ بِأَلَّا يُحْدِثَ أَمْرًا، فَكَبَحَ جِمَاحَ (٢) هَذِهِ الرَّغْبَةِ فِي نَفْسِهِ، وَعَادَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ قَبْلَ بُزُوغِ الْفَجْرِ.
* * *
أَعَدَّ أَبُو مُوسَى ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَشْجَعِ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ قَلْبًا، وَأَشَدِّهِمْ جَلَدًا وَصَبْرًا، وَأَقْدَرِهِمْ عَلَى الْعَوْمِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرِ وَوَدَّعَهُمْ وَأَوْصَاهُمْ …
وَجَعَلَ التَّكْبِيرَ عَلَامَةً عَلَى دَعْوَةِ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ لاقْتِحَامِ الْمَدِينَةِ.
أَمَرَ مَجْزَأَةُ رِجَالَهُ أَنْ يَتَخَفَّفُوا مِنْ مَلَابِسِهِمْ مَا اسْتَطَاعُوا حَتَّى لَا تَحْمِلَ مِنَ الْمَاءِ مَا يُثْقِلُهُمْ.
وَحَذَّرَهُمْ مِنْ أَنْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ سُيُوفِهِمْ … وَأَوْصَاهُمْ أَنْ يَشُدُّوهَا عَلَى أَجْسَادِهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ. стр. 156
ومَضَى بِهِمْ فِي آخِرِ الْهَزِيعِ (١) الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ.
* * *
ظَلَّ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ وَجُنْدُهُ الْبَوَاسِلُ نَحْوًا مِنْ سَاعَتَيْنِ يُصَارِعُونَ عَقَبَاتِ هَذَا النَّفَقِ الْخَطِيرِ، فَيَصْرَعُونَهَا تَارَةً وتَصْرَعُهُمْ تَارَةً أُخْرَى.
وَلَمَّا بَلَغُوا الْمَنْفَذَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ وَجَدَ مَجْزَأَةُ أَنَّ النَّفَقَ قَدِ ابْتَلَعَ مِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ رِجَالِهِ، وَأَبْقَى لَهُ ثَمَانِينَ.
* * *
وَمَا إِنْ وَطِئَتْ أَقْدَامُ مَجْزَأَةَ وَصَحْبِهِ أَرْضَ الْمَدِينَةِ حَتَّى جَرَّدُوا سُيُوفَهُمْ، وَانْقَضُّوا عَلَى حُمَاةِ الْحِصْنِ، فَأَغْمَدُوهَا فِي صُدُورِهِمْ.
ثُمَّ وَثَبُوا إِلَى الْأَبْوَابِ وَفَتَحُوهَا وَهُمْ يُكَبِّرُونَ.
فَتَلَاقَى تَكْبِيرُهُمْ مِنَ الدَّاخِلِ مَعَ تَكْبِيرِ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْخَارِجِ …
وَتَدَفَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ الْفَجْرِ …
وَدَارَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَاءِ اللَّهِ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ قَلَّمَا شَهِدَ تَارِيحُ الْحُرُوبِ مِثْلَهَا هَوْلًا وَرَهْبَةً وَكَثْرَةً فِي الْقَتْلَى.
* * *
وَفِيمَا كَانَتِ الْمَعْرَكَةُ قَائِمَةً عَلَى قَدَمٍ وَسَاقٍ أَبْصَرَ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ "الْهُرْمُزَانَ" فِي سَاحِهَا، فَقَصَدَ قَصْدَهُ (٢)، وَسَاوَرَهُ (٣) بِالسَّيْفِ، فَمَا لَبِثَ أَنِ ابْتَلَعَهُ مَوْجُ الْمُتَقَاتِلِينَ وَأَخْفَاهُ عَنْ نَاظِريْهِ … ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَانْدَفَعَ نَحْوَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ … стр. 157
وَتَصَاوَلَ (١) مَجْزَأَةُ وَ "الْهُرْمُزَانُ" بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ضَرْبَةً قَاضِيَةً، فَنَبَا (٢) سَيْفُ مَجْزَأَةَ، وَأَصَابَ سَيْفُ "الْهُرْمُزَانِ" …
فَخَرَّ الْبَطَلُ الْكَمِيُّ الْبَاسِلُ صَرِيعًا عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَعَيْنُهُ قَرِيرَةٌ بِمَا حَقَّقَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ.
وَوَاصَلَ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ الْقِتَالَ، حَتَّى كَتَبَ اللَّهُ لَهُمُ النَّصْرَ، وَوَقَعَ "الْهُرْمُزَانُ" فِي أَيْدِيهِمْ أَسِيرًا.
* * *
انْطَلَقَ الْمُبَشِّرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ يَزُفُّونَ إِلَى الْفَارُوقِ بَشَائِرَ الْفَتْحِ.
وَيَسُوقُونَ أَمَامَهُمُ "الْهُرْمُزَانَ" وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجُهُ الْمُرَصَّعُ بِالْجَوْهَرِ، وَعَلَى كَتِفَيْهِ حُلَّتُهُ الْمُوَشَّاةُ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ لِيَرَاهُ الْخَلِيفَةُ (٣).
وَكَانَ الْمُبَشِّرُونَ يَحْمِلُونَ مَعَ ذَلِكَ تَعْزِيَةً حَارَّةً لِلْخَلِيفَةِ بِفَارِسِهِ الْبَاسِلِ مَجْزَأَةَ بْنِ ثَوْرٍ (*). стр. 158
أُسَيْدُ بْنُ الخُضَيْرِ
"تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يَا أُسَيْدُ … "
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
قَدِمَ الْفَتَى الْمَكِّيُّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ إِلَى "يَثْرِبَ" (١)، فِي أَوَّلِ بَعْثَةٍ تَبْشِيرِيَّةٍ عَرَفَهَا تَارِيخُ الْإِسْلَامِ.
فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ (٢) أَحَدِ أَشْرَافِ الْخَزْرَجِ، وَاتَّخَذَ مِنْ دَارِهِ مَقَامًا لِنَفْسِهِ، وَمُنْطَلَقًا لِبَثِّ دَعْوَتِهِ إِلَى اللَّهِ، وَالتَّبْشِيرِ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَأَخَذَ أَبْنَاءُ "يَثْرِبَ" يُقْبِلُونَ عَلَى مَجَالِسِ الدَّاعِيَةِ الشَّابِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِقْبَالًا كَبِيرًا.
وَكَانَ يُغْرِيهِمْ (٣) بِهِ عُذُوبَةُ حَدِيثِهِ، وَوُضُوحُ حُجَّتِهِ، وَرِقَّةُ شَمَائِلِهِ (٤)، وَوَضَاءَةُ الْإِيمَانِ الَّتِي تُشْرِقُ مِنْ وَجْهِهِ الْقَسِيمِ الْوَسِيم (٥).
وَكَانَ يَجْذِبُهُمْ إِلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ، هُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي كَانَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْفَيْنَةِ (٦) بَعْضًا مِنْ آيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ؛ بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ الرَّحِيمِ، وَنَبَرَاتِهِ الْحُلْوَةِ الْآسِرَةِ، فَيَسْتَلِينُ بِهِ الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ، وَيَسْتَدِرُّ الدُّمُوعَ الْعَاصِيَةَ، فَلَا يَنْفَضُّ (٧) الْمَجْلِسُ مِنْ مَجَالِسِهِ إِلَّا عَنْ أُنَاسٍ أَسْلَمُوا وَانْضَمُّوا إِلَى كَتَائِبِ الْإِيمَانِ.
* * * стр. 159
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، خَرَجَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بِضَيْفِهِ الدَّاعِيَةِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ لِيَلْقَى جَمَاعَةً مِنْ بَنِي "عَبْدِ الْأَشْهَلِ"، وَيَعْرِضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَا بُسْتَانًا مِنْ بَسَاتِينِ بَنِي "عَبْدِ الْأَشْهَلِ"، وَجَلَسَا عِنْدَ بِئْرِهَا الْعَذْبَةِ فِي ظِلَالِ النَّخِيلِ.
فَاجْتَمَعَ عَلَى مُصْعَبٍ جَمَاعَةٌ قَدْ أَسْلَمُوا وَآخَرُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوا، فَانْطَلَقَ يَدْعُو وَيُبَشِّرُ، وَالنَّاسُ إِلَيْهِ مُنْصِتُونَ، وَبِرَوْعَةِ حَدِيثِهِ مَأْخُوذُونَ.
* * *
فَجَاءَ مَنْ أَخْبَرَ أُسَيْدَ بْنَ الْحُضَيْرِ، وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (١) - وكَانَا سَيِّدَيِ "الْأَوْسِ" (٢) - بِأَنَّ الدَّاعِيَةَ الْمَكِّيَّ قَدْ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ دِيَارِهِمَا، وَأَنَّ الَّذِي جَرَّأَهُ عَلَى ذَلِكَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ.
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ:
لَا أَبَا لَكَ (٣) يَا أُسَيْدُ، انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الْفَتَى الْمَكِّيِّ الَّذِي جَاءَ إِلَى بُيُوتِنَا لِيُغْرِيَ (٤) ضُعَفَاءَنَا، وَيُسَفِّهَ آلِهَتَنَا، وَازْجُرْهُ (٥)، وَحَذِّرْهُ مِنْ أَنْ يَطَأَ دِيَارَنَا بَعْدَ الْيَوْمِ.
ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ: وَلَوْلَا أَنَّهُ فِي ضِيَافَةِ ابْنِ خَالَتِي أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَأَنَّهُ يَمْشِي فِي حِمَايَتِهِ لَكَفَيْتُكَ ذَلِكَ.
* * *
أَخَذَ أُسَيْدٌ حَرْبَتَهُ، وَمَضَى نَحْوَ الْبُسْتَانِ، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مُقْبِلًا قَالَ لِمُصْعَبٍ: стр. 160
وَيْحَكَ يَا مُصْعَبُ، هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَأَرْجَحُهُمْ عَقْلًا، وَأَكْمَلُهُمْ كَمَالًا: أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ.
فَإِنْ يُسْلِمْ تَبِعَهُ فِي إِسْلَامِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، وَأَحْسِنِ التَّأَتِّيَ (١) لَهُ.
* * *
وَقَفَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ عَلَى الْجَمْعِ، وَالْتَفَتَ إِلَى مُصْعَبٍ وَصَاحِبِهِ وَقَالَ:
مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَى دِيَارِنَا، وَأَغْرَاكُمَا بِضُعَفَائِنَا؟! … اعْتَزِلَا (٢) هَذَا الْحَيَّ إِنْ كَانَتْ لَكُمَا بِنَفْسَيْكُمَا حَاجَةٌ (٣).
فَالْتَفَتَ مُصْعَبٌ إِلَى أُسَيْدٍ بِوَجْهِهِ الْمُشْرِقِ بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَخَاطَبَهُ بِلَهْجَتِهِ الصَّادِقَةِ الْآسِرَةِ وَقَالَ لَهُ:
يَا سَيِّدَ قَوْمِهِ، هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟.
قَالَ: تَجْلِسُ إِلَيْنَا وَتَسْمَعُ مِنَّا، فَإِنْ رَضِيتَ مَا قُلْنَاهُ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَهُ تَحَوَّلْنَا عَنْكُمْ وَلَمْ نَعُدْ إِلَيْكُمْ.
فَقَالَ أُسَيْدٌ: لَقَدْ أَنْصَفْتَ، وَرَكَزَ رُمْحَهُ فِي الْأَرْضِ وَجَلَسَ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ يَذْكُرُ لَهُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ؛ فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُهُ وَأَشْرَقَ وَجْهُهُ وَقَالَ: стр. 161
مَا أَحْسَنَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ، وَمَا أَجَلَّ ذَلِكَ الَّذِي تَتْلُو!!!
كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ؟!.
فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ:
تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثِيَابَكَ، وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
فَقَامَ إِلَى الْبِئْرِ فَتَطَهَّرَ بِمَائِهَا، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
فَانْضَمَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى كَتَائِبِ الْإِسْلَامِ فَارِسٌ مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ الْمَرْمُوقِينَ (١)، وَسَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ "الْأَوْسِ" الْمَعْدُودِينَ.
كَانَ يُلَقِّبُهُ قَوْمُهُ بِالْكَامِلِ؛ لِرَجَاحَةِ عَقْلِهِ، وَنَبَالَةِ أَصْلِهِ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَ السَّيْفَ وَالْقَلَمَ، إِذْ كَانَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى فُرُوسِيَّتِهِ وَدِقَّةِ رَمْيِهِ، قَارِئًا كَاتِبًا فِي مُجْتَمَعٍ نَدَرَ فِيهِ مَنْ يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ.
وَقَدْ كَانَ إِسْلَامُهُ سَبَبًا فِي إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا مَعًا سَبَبًا فِي أَنْ تُسْلِمَ جُمُوعٌ غَفِيرَةٌ (٢) مِنَ "الْأَوْسِ".
وَأَنْ تُصْبِحَ الْمَدِينَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُهَاجَرًا (٣) لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَوْئِلًا (٤) وَقَاعِدَةً لِدَوْلَةِ الْإِسْلَامِ الْعُظْمَى.
* * *
أُولِعَ (٥) أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ بِالْقُرْآنِ - مُنْذُ سَمِعَهُ مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ - وَلَعَ стр. 162
الْمُحِبِّ بِحَبِيبِهِ، وَأَقَبْلَ عَلَيْهِ إِقْبَالَ الظَّامِئ عَلَى الْمَوْرِدِ الْعَذْبِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ، وَجَعَلَهُ شُغْلَهُ الشَّاغِلَ.
فَكَانَ لَا يُرَى إِلَّا مُجَاهِدًا غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ عَاكِفًا يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ.
وَكَانَ رَخِيمَ الصَّوْتِ، مُبِينَ النُّطْقِ، مُشْرِقَ الْأَدَاءِ، تَطِيبُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مَا تَطِيبُ إِذَا سَكَنَ اللَّيْلُ، وَنَامَتِ الْعُيُونُ، وَصَفَتِ النُّفُوسُ.
وَكَانَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ يَتَحَيَّنُونَ (١) أَوْقَاتَ قِرَاءَتِهِ، وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى سَمَا سَمَاعِ تِلَاوَتِه.
فَيَا سَعْدَ مَنْ يُتَاحُ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُ رَطْبًا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَقَدِ اسْتَعْذَبَ أَهْلُ السَّمَاءِ تِلَاوَتَهُ كَمَا اسْتَعْذَبَهَا أَهْلُ الْأَرْضِ.
فَفِي جَوْفِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي كَانَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ جَالِسًا فِي مِرْبَدِهِ (٢)، وَابْنُهُ "يَحْيَى" نَائِمٌ إِلَى جَانِبِهِ، وَفَرَسُهُ الَّتِي أَعَدَّهَا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُرْتَبِطَةٌ. غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهُ
وَكَانَ اللَّيْلُ وَادِعًا سَاجِيًا (٣)، وَأَدِيمُ السَّمَاءِ رَائِقًا صَافِيًا، وَعُيُونُ النُّجُومِ تَرْمُقُ الْأَرْضَ الْهَاجِعَةَ بِحَنَانٍ وَعَطْفٍ.
فَتَاقَتْ (٤) نَفْسُ أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ لِأَنْ يُعَطِّرَ هَذِهِ الْأَجْوَاءَ النَّدِيَّةَ بِطُيُوبِ الْقُرْآنِ، فَانْطَلَقَ يَتْلُو بِصَوْتِهِ الرَّخِيمِ الْحَنُونِ:
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ стр. 163
بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١).
فَإِذَا بِهِ يَسْمَعُ فَرَسَهُ وَقَدْ جَالَتْ (٢) جَوْلَةً كَادَتْ تَقْطَعُ بِسَبَبِهَا رِبَاطَهَا، فَسَكَتَ؛ فَسَكَنَتِ الْفَرَسُ وَقَرَّتْ.
فَعَادَ يَقْرَأُ:
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
فَجَالَتِ الْفَرَسُ جَوْلَةً أَشَدَّ مِنْ تِلْكَ وَأَقْوَى.
فَسَكَتَ …
فَسَكَنَتْ …
وَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ أَجْفَلَتِ (٤) الْفَرَسُ وَهَاجَتْ، وَإِذَا سَكَتَ سَكَنَتْ وَقَرَّتْ.
فَخَافَ عَلَى ابْنِهِ "يَحْيَى" أَنْ تَطَأَهُ، فَمَضَى إِلَيْهِ لِيُوقِظَهُ، وَهُنَا حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَأَى غَمَامَةً كَالْمَظَلَّةِ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ أَرْوَعَ وَلَا أَبْهَى مِنْهَا قَطُّ وَقَدْ عُلِّقَ بِهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَمَلأَتِ الْآفَاقَ ضِيَاءً وَسَنَاءً، وَهِيَ تَصْعَدُ إِلَى الْأَعْلَى حَتَّى غَابَتْ عَنْ نَاظِرَيْهِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ مَضَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ووَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ يَا أُسَيْدُ … стр. 164
وَلَوْ أَنَّكَ مَضَيْتَ فِي قِرَاءَتِكَ لَرَاهَا النَّاسُ وَلَمْ تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ) (١).
* * *
وَكَمَا أُولِعَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أُولِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ - كَمَا حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ - أَصْفَى مَا يَكُونُ صَفَاءً، وَأَشَدَّ مَا يَكُونُ شَفَافِيَةً وَإِيمَانًا حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعُهُ.
وَحِينَ يَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ أَوْ يُحَدِّثُ.
وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَنَّى أَنْ يَمَسَّ جَسَدُهُ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْ يُكِبَّ عَلَيْهِ لَاثِمًا مُقَبِّلًا.
وَقَدْ أُتِيحَ (٢) لَهُ ذِلَكَ ذَاتَ مَرَّةٍ.
فَفِي ذَاتِ يَوْمٍ كَانَ أُسَيْدٌ يُطْرِفُ الْقَوْمَ بِمُلَحِهِ (٣)، فَغَمَزَهُ (٤) رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي خَاصِرَتِهِ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَسْتَحْسِنُ مَا يَقُولُ.
فَقَالَ أُسَيْدٌ: أَوْجَعْتَنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ ﵊: (اقْتَصَّ مِنِّي يَا أُسَيْدُ).
فَقَالَ أُسَيْدٌ: إِنَّ عَلَيْكَ فَمِيصًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ قَمِيصٌ حِينَ غَمَرْتَنِي.
فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَهُ عَنْ جَسَدِهِ، فَاحْتَضَنَهُ أُسَيْدٌ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ مَا بَيْنَ إِبْطِهِ وَخَاصِرَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا لَبُغْيَةٌ كُنْتُ أَتَمَنَّاهَا مُنْذُ عَرَفْتُكَ، وَقَدْ بَلَغْتُهَا الآن.
* * * стр. 165
وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يُبَادِلُ أُسَيْدًا حُبًّا بِحُبٍّ، وَيَحْفَظُ لَهُ سَابِقَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَوْدَهُ (١) عَنْهُ يَوْمَ "أُحُدٍ" حَتَّى إِنَّهُ طُعِنَ سَبْعَ طَعَنَاتٍ مُمِيتَاتٍ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.
وَكَانَ يَعْرِفُ لَهُ قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ فِي قَوْمِهِ، فَإِذَا شَفَعَ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ شَفَّعَهُ فِيهِ …
حَدَّثَ أُسَيْدٌ قَالَ: جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ مَحَاوِيجُ (٢)، وَجُلُّ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ نِسْوَةٌ، فَقَالَ ﵊:
(لَقَدْ جِئْتَنَا يَا أُسَيْدُ بَعْدَ أَنْ أَنْفَقْنَا مَا بِأَيْدِينَا، فَإِذَا سَمِعْتَ بِشَيْءٍ قَدْ جَاءَنَا فَاذْكُرْ لَنَا أَهْلَ ذَلِكَ الْبَيْتِ).
فَجَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالٌ مِنْ "خَيْبَرَ" فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَعْطَى الْأَنْصَارَ وَأَجْزَلَ (٣)، وَأَعْطَى أَهْلَ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَأَجْزَلَ، فَقُلْتُ لَهُ:
جَزَاكَ اللهُ عَنْهُمْ - يَا نَبِيَّ اللَّهِ - خَيْرًا.
فَقَالَ ﵊: (وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ جَزَاكُمُ اللَّهُ أَطْيَبَ الْجَزَاءِ، فَإِنَّكُمْ - مَا عَلِمْتُ (٤) - أَعِفَّةٌ صُبُرٌ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ أَثَرَةً بَعْدِي (٥)، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، وَمَوْعِدُكُمُ الْحَوْضُ) (٦).
قَالَ أُسَيْدٌ: فَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَالًا وَمَتَاعًا، فَبَعَثَ إِلَيَّ بِحُلَّةٍ فَاسْتَصْغَرْتُهَا … стр. 166
فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ مَرَّ بِي شَابٌّ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ سَابِغَةٌ (١) مِنْ تِلْكَ الْحُلَلِ الَّتِي أَرْسَلَ إِلَيَّ مِنْهَا عُمَرُ، وَهُوَ يَجُرُّهَا عَلَى الْأَرْضِ جَرًّا؛ فَذَكَرْتُ لِمَنْ مَعِيَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
(إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ أَثَرَةً مِنْ بَعْدِي)، وَقُلْتُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قُلْتُ، فَجَاءَنِي مُسْرِعًا وَأَنَا أُصَلِّي فَقَالَ:
صَلِّ يَا أُسَيْدُ.
فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي أَقَبْلَ عَلَيَّ وَقَالَ: مَاذَا قُلْتَ؟.
فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ وَبِمَا قُلْتُ.
فَقَالَ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، تِلْكَ حُلَّةٌ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى فُلَانٍ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ أُحدِيٌّ (٢)، فَشَرَاهَا مِنْهُ هَذَا الْفَتَى الْقُرَشِيُّ وَلَبِسَهَا …
أَفَتَظُنُّ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ فِي زَمَانِي؟!!.
فَقَالَ أُسَيْدٌ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي زَمَانِكَ.
* * *
لَمْ يَعِشْ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ طَوِيلًا، فَقَدِ اخْتَارَهُ اللَّهُ إِلَى جِوَارِهِ فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَعَنْ عُمَرَ.
فَوُجِدَ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا مِقْدَارُهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهِمٍ، فَهَمَّ وَرَثَتُهُ بِبَيْعِ أَرْضٍ لَهُ لِوَفَاءِ دُيُونِهِ. стр. 167
فَلَمَّا عَرَفَ عُمَرُ ذَلِكَ قَالَ:
لَا أَتْرُكُ بَنِي أَخِي أُسَيْدٍ عَالَةً عَلَى النَّاسِ.
ثُمَّ كَلَّمَ الْغُرَمَاءَ (١) فَرَضُوا بِأَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ ثَمَرَ الْأَرْضِ أَرْبَعَ سِنِينَ، كُلُّ سَنَةٍ بِأَلْفٍ (٥). стр. 168
عَبد الله عبد اللهِ بن عَبَّاسٍ
حَبْرُ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ
"إِنَّهُ فَتَى الْكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ، وَقَلْبٌ عَقُولٌ"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ مَلَكَ الْمَجْدَ مِنْ أَطْرَافِهِ، فَمَا فَاتَهُ مِنْهُ شَيْءٌ:
فَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مَجْدُ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ مِيلَادُهُ قَلِيلًا لَمَا شَرْفَ بِصُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وَمَجْدُ الْقَرَابَةِ، فَهُوَ ابْنُ عَمِّ نَبِيٍّ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَمَجْدُ الْعِلْمِ، فَهُوَ حَبْرُ (١) أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وَبَحْرُ عِلْمِهَا الزَّاخِرُ.
وَمَجْدُ التُّقَى، فَقَدْ كَانَ صَوَّامًا بِالنَّهَارِ قَوَّامًا بِاللَّيْلِ، مُسْتَغْفِرًا بِالْأَسْحَارِ، بَكَّاءً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى خَدَّدَ (٢) الدَّمْعُ خَدَّيْهِ.
إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَبَّانِيُّ (٣) أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ، وَأَعْلَمُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَفْقَهُهَا بِتَأْوِيلِهِ، وَأَقْدَرُهَا عَلَى النُّفُوذِ إِلَى أَغْوَارِهِ، وَإِدْرَاكِ مَرَامِيهِ وَأَسْرَارِهِ.
* * *
وُلِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ … وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ حَفِظَ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا أَثْبَتَهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
* * * стр. 169
وَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ حَمَلَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَنَّكَهُ (١) بِرِيقِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ النَّبِيِّ الْمُبَارَكُ الطَّاهِرُ، وَدَخَلَتْ مَعَهُ التَّقْوَى وَالْحِكْمَةُ …
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).
* * *
وَمَا إِنْ حُلَّتْ عَنِ الْغُلَامِ "الْهَاشِمِيِّ" تَمَائِمُهُ، وَدَخَلَ سِنَّ التَّمْيِيزِ (٣) حَتَّى لَازَمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُلَازَمَةَ الْعَيْنِ لِأُخْتِهَا.
فَكَان يُعِدُّ لَهُ مَاءَ وُضُوئِهِ إِذَا هَمَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ.
وَيُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا وَقَفَ لِلصَّلَاةِ.
وَيَكُونُ رَدِيفَهُ (٤) إِذَا عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ.
حَتَّى غَدَا لَهُ كَظِلِّهِ يَسِيرُ مَعَهُ أَنَّى سَارَ، وَيَدُورُ فِي فَلَكِهِ كَيْفَمَا دَارَ.
وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْبًا وَاعِيًا، وَذِهْنًا صَافِيًا، وَحَافِظَةً دُونَهَا كُلُّ آلَاتِ التَّسْجِيلِ الَّتِي عَرَفَهَا الْعَصْرُ الْحَدِيثُ.
* * *
حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ:
هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ ذَاتَ مَرَّةٍ؛ فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَعْدَدْتُ لَهُ الْمَاءَ، فَسُرَّ بِمَا صَنَعْتُ …
وَلَمَّا هَمَّ بِالصَّلَاةِ أَشَارَ إِلَيَّ: أَنْ أَقِفَ بِإِزَائِهِ (٥)، فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ.
فَلَمَّا انْتَهَتِ الصَّلَاةُ مَالَ عَلَيَّ وَقَالَ:
(مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ بِإِزَائِي يَا عَبْدَ اللَّهِ؟!). стр. 170
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي وَأَعَزُّ مِنْ أَنْ أُوَازِيَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ) (١).
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ ﵊ فَآتَى الْغُلَامَ الْهَاشِمِيَّ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا فَاقَ بِهِ أَسَاطِينَ (٢) الْحُكَمَاءِ.
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّكَ تَوَدُّ أَنْ تَقِفَ عَلَى صُورَةٍ مِن صُوَرِ حِكْمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ … فَإِلَيْكَ (٣) هَذَا الْمَوْقِفَ، فَفِيهِ بَعْضٌ مِمَّا تُرِيدُ:
* * *
لَمَّا اعْتَزَلَ (٤) بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَخَذَلُوهُ فِي نِزَاعِهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ ﵄، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِعَلِيٍّ ﵁:
ائْذَنْ لِي، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ آتِيَ الْقَوْمَ وَأُكَلِّمَهُمْ.
فَقَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ مِنْهُمْ.
فَقَالَ: كَلَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا (٥) مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ.
فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ … مَا جَاءَ بِكَ؟!
فَقَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُحَدِّثُوهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُلْ نَسْمَعْ مِنْكَ. стр. 171
فَقَالَ: أَخْبِرُونِي مَا تَنْقِمُونَ (١) عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَزَوْجِ ابْنَتِهِ، وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ؟!.
قَالُوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟!
قَالُوا: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ حَكَمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ (٢) …
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَاتَلَ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ غَنَائِمَ وَلَا سَبَايَا …
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَحَا عَنْ نَفْسِهِ لَقَبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ بَايَعُوهُ وَأَمَّرُوهُ.
فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْمَعْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَا تُنْكِرُونَهُ، أَفَتَرْجِعُونَ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ؟.
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ (٤)، أَفَحُكُمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ (٥) دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ، أم حُكْمُهُمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟!.
فَقَالُوا: بَلْ فِي حَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ. стр. 172
فَقَالَ: أَخَرَجْنَا (١) مِنْ هَذِهِ؟
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ عَلِيًّا قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ (٢) كَمَا سَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . أَفَكُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْبُوا أُمَّكُمْ عَائِشَةَ وَتَسْتَحِلُّونَهَا كَمَا تُسْتَحَلُّ السَّبَايَا؟! … فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ؛ فَقَدْ كَفَرْتُمْ … وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّكُمْ كَفَرْتُمْ أَيْضًا؛ فَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣).
فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ مَا شِئْتُمْ.
ثُمَّ قَالَ: أَخَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ أَيْضًا؟
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ مَحَا عَنْ نَفْسِهِ لَقَبَ إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ "الْحُدَيْبِيَّةِ" أَنْ يَكْتُبُوا فِي الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ مَعَهُمْ "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" قَالُوا: لَوْ كُنَّا نُؤْمِنَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَن الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"، فَنَزَلَ عِنْدَ طَلَبِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:
(وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي). فَهَلْ خَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ؟
فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وَكَانَ مِنْ ثَمَرَةٍ هَذَا اللِّقَاءِ، وَمَا أَظْهَرَهُ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مِنْ حِكْمَةٍ стр. 173
بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ دَامِغَةٍ أَنْ عَادَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا إِلَى صُفُوفِ عَلِيٍّ، وَأَصَرَّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ عَلَى خُصُومَتِهِمْ لَهُ عِنَادًا وَإِعْرَاضًا عَنِ الْحَقِّ.
* * *
وَقَدْ سَلَكَ الْفَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الْعِلْمِ كُلَّ سَبِيلٍ، وَبَذَلَ مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِهِ كُلَّ جُهْدٍ.
فَقَدْ ظَلَّ يَنْهَلُ (١) مِنْ مَعِينِ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِجِوَارِ رَبِّهِ اتَّجَهَ إِلَى الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَطَفِقَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَيَتَلَقَّى عَنْهُمْ. حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ:
كَانَ إِذَا بَلَغَنِي الْحَدِيثُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَتَيْتُ بَابَ بَيْتِهِ فِي وَقْتِ قَيْلُولَتِهِ (٣) وَتَوَسَّدْتُ رِدَائِي عِنْدَ عَتَبَةِ دَارِهِ، فَيَسْفِي (٤) عَلَيَّ الرِّيحُ مِنَ التُّرَابِ مَا يَسْفِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ لأَذِنَ لِي …
وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ لِأُطَيِّبَ نَفْسَهُ.
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ رَآنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَالَ:
يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟! … هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟.
فَأَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ بِالْمَجِيءٍ إِلَيْكَ، فَالْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، ثُمَّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ.
* * *
وَكَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُذِلُّ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَقَدْ كَانَ يُعْلِي مِنْ قَدْرِ الْعُلَمَاءِ. فَهَا هُوَ ذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٥) كَاتِبُ الْوَحْيَ وَرَأْسُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ (٦) يَهِمُّ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَيَقِفُ الْفَتَى стр. 174
"الْهَاشِمِيُّ" عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وِقْفَةَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ، وَيُمْسِكُ لَهُ رِكَابَهُ، وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: دَعْ عَنْكَ يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ …
فَأَخْرَجَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ، فَمَالَ عَلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَقَالَ:
هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا.
* * *
وَقَدْ دَأَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَا أَدْهَشَ الْفُحُولَ … فَقَالَ فِيهِ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ (١):
كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ ..
فَإِذَا نَطَقَ قُلْتُ: أَفْصَحُ النَّاسِ …
فَإِذَا تَحَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ.
* **
وَلَمَّا اكْتَمَلَ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا طَمَحَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ تَحَوَّلَ إِلَى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَأَصَبَحَ بَيْتُهُ جَامِعَةً لِلْمُسْلِمِينَ …
نَعَمْ أَصْبَحَ جَامِعَةً بِكُلِّ مَا تَعْنِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ …
وَكُلُّ مَا بَيْنَ جَامِعَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَامِعَاتِنَا مِنْ فَرْقٍ، هُوَ أَنَّ جَامِعَاتِ الْيَوْمِ يُحْشَدُ فِيهَا عَشَرَاتُ الأَسَاتِذَةِ، وَأَحْيَانًا الْمِئَاتُ … أمَّا جَامِعَة ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ стр. 175
قَامَتْ عَلَى أَكْتَافِ أُسْتَاذٍ وَاحِدٍ، هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَفْسُهُ.
رَوَى أَحَدُ أَصْحَابِهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجْلِسًا لَوْ أَنَّ جَمِيعَ قُرَيْشٍ افْتَخَرَتْ بِهِ لَكَانَ لَهَا مَفْخَرَةً … فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فِي الطُّرْقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِمْ، وَسَدُّوهَا فِي وُجُوهِ النَّاسِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِاحْتِشَادِ النَّاسِ عَلَى بَابِهِ، فَقَالَ: ضَعْ لِي وَضُوءًا (١) … فَتَوَضَّأَ وَجَلَسَ، وَقَالَ:
اُخْرُجْ وَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ وَحُرُوفِهِ فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: أُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلِهِ فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ.
فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: أُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفِقْهِ فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: اُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ وَمَا أَشْبَهَهَا стр. 176
فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: اُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَغَرِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ فَلْيَدْخُلْ … فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ.
قَالَ رَاوِي الْخَبَرِ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ لَهَا فَخْرًا.
* * *
وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ رَأَى أَنْ يُوَزِّعَ الْعُلُومَ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى لَا يَحْدُتَ عَلَى بَابِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الزِّحَامِ …
فَصَارَ يَجْلِسُ فِي الْأَسْبُوعِ يَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا التَّفْسِيرُ.
وَيَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهُ.
ويَوْمًا لَا تُذكَرُ فِيهِ إِلَّا الْمَغَازِي (١).
وَيَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الشِّعْرُ.
وَيَوْمًا لَا تُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَيَّامُ الْعَرَبِ.
وَمَا جَلَسَ إِلَيْهِ عَالِمٌ قَطُّ إِلَّا خَضَعَ لَهُ ..
وَمَا سَأَلَهُ سَائِلٌ قَطُّ إِلَّا وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا.
* * *
وَقَدْ غَدًا ابْنُ عَبَّاسٍ، بِفَضْلِ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ، مُسْتَشَارًا لِلْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى الرَّغْم مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ. стр. 177
فَكَانَ إِذَا عَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْرٌ أَوْ وَاجَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ (١) دَعَا جِلَّةَ (٢) الصَّحَابَةِ وَدَعَا مَعَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَإِذَا حَضَرَ رَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ وَقَالَ لَهُ:
لَقَدْ أَعْضَلَ عَلَيْنَا أَمْرٌ أَنْتَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ.
وَقَدْ عُوتِبَ مَرَّةً فِي تَقْدِيمِهِ لَهُ وَجَعْلِهِ مَعَ الشُّيُوخِ، وَهُوَ مَا زَالَ فَتًى، فَقَالَ:
إِنَّهُ فَتَى الْكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ وَقَلْبٌ عَقُولٌ.
* * *
عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ انْصَرَفَ إِلَى الْخَاصَّةِ لِيُعَلِّمَهُمْ وَيُفَقِّهَهُمْ، لَمْ يَنْسَ حَقَّ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَعْقِدُ لَهُمْ مَجَالِسَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ.
فَمِنْ مَوَاعِظِهِ قَوْلُهُ مُخَاطِبًا أَصْحَابَ الذُّنُوبِ:
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لَا تَأْمَنْ عَاقِبَةَ ذَنْبِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ نَفْسِهِ.
فَإِنَّ عَدَمَ اسْتِحْيَائِكَ مِمَّنْ عَلَى يَمِينِكَ وَعَلَى شِمَالِكَ وَأَنْتَ تَقْتَرِفُ (٣) الذَّنْبَ لَا يَقِلُّ عَن الذَّنْبِ.
وَإِنَّ ضَحِكَكَ عِنْدَ الذَّنْبِ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
وَإِنَّ فَرَحَكَ بِالذَّنْبِ إِذَا ظَفِرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ. стр. 178
وَإِنَّ حُزْنَكَ عَلَى الذَّنْبِ إِذَا فَاتَكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
وَإِنَّ خَوْفَكَ مِنَ الرِّيحِ إِذَا حَرَّكَتْ سِتْرَكَ، وَأَنْتَ تَرْتَكِبُ الذَّنْبَ مَعَ كَوْنِكَ لَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ: أَتَدْرِي مَا كَانَ ذَنْبُ أَيُّوبَ ﵇ حِينَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِجَسَدِهِ وَمَالِهِ؟ …
إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ مِسْكِينٌ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فَلَمْ يُعِنْهُ.
* * *
وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَنْهَوْنَ النَّاسَ وَلَا يَنْتَهُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ صَوَّامَ نَهَارٍ قَوَّامَ لَيْلٍ.
أَخْبَرَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:
صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ.
وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَقْرَأُ:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١).
فَظَلَّ يُكَرِّرُهَا وَيَنْشِجُ (٢) حَتَّى طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ.
وَحَسْبُنَا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ جَمَالًا، وَأَصْبَحِهِمْ وَجْهًا، فَمَا زَالَ يَبْكِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى خَدَّدَ الدَّمْعُ الْهَتُونُ (٣) خَدَّيْهِ الْأَسِيلَيْنِ (٤).
* * * стр. 179
وَقَدْ بَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ مَجْدِ الْعِلْمِ غَايَتَهُ.
ذَلِكَ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانٍ خَرَجَ ذَاتَ سَنَةٍ حَاجًّا …
وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حَاجًا أَيْضًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْلَةٌ وَلَا إِمَارَةٌ.
فَكَانَ لِمُعَاوِيَةَ مَوْكِبٌ مِنْ رِجَالِ دَوْلَتِهِ.
وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَوْكِبٌ يَفُوقُ مَوْكِبَ الْخَلِيفَةِ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ.
* **
عُمِّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً مَلأَ فِيهَا الدُّنْيَا عِلْمًا وَفَهُمًا وَحِكْمَةً وَتُقًى.
فَلَمَّا أَتَاهُ الْيَقِينُ (١) صَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّة (٢).
وَالْبَقِيَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِلَّةُ التَّابِعِينَ …
وَفِيمَا كَانُوا يُوَارُونَهُ تُرَابَهُ، سَمِعُوا قَارئًا يَقْرَأُ:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣) (*). стр. 180
النُّعْمَانُ بْنُ مُقّرِّنٍ الْمَزَنِيُّ
"إِنَّ لِلْإِيمَانِ بُيُوتًا، وَلِلنِّفَاقِ بُيُوتًا، وَإِنَّ بَيْتَ بَنِي مُقَرِّنٍ مِنْ بُيُوتِ الْإِيمَانِ"
[عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ]
كَانَتْ قَبِيلَةُ "مُزَيْنَةَ" تَتَّخِذُ مَنَازِلَهَا قَرِيبًا مِنْ "يَثْرِبَ" عَلَى الطَّرِيقِ الْمُمْتَدَّةِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ.
وَكَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَدْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَتْ أَخْبَارُهُ تَصِلُ تِبَاعًا إِلَى "مُزَيْنَةَ" مَعَ الْغَادِينَ وَالرَّائِحِينَ، فَلَا تَسْمَعُ عَنْهُ إِلَّا خَيْرًا.
وَفِي ذَاتِ عَشِيَّةٍ، جَلَسَ سَيِّدُ الْقَوْم، النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ، فِي نَادِيهِ مَعَ إِخْوَتِهِ وَمَشْيَخَةِ قَبِيلَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ:
يَا قَوْم، وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا خَيْرًا، وَلَا سَمِعْنَا مِنْ دَعْوَتِهِ إِلَّا مَرْحَمَةً وَإِحْسَانًا وَعَدْلًا، فَمَا بَالُنَا (١) نُبْطِيءُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ إِلَيْهِ يُسْرِعُونَ؟!.
ثُمَّ أَتْبَعَ يَقُولُ:
أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَغْدُوَ (٢) عَلَيْهِ، إِذَا أَصْبَحْتُ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مَعِي فَلْيَتَجَهَّزْ.
وَكَأَنَّمَا مَسَّتْ كَلِمَاتُ النُّعْمَانِ وَتَرًا مُرْهَفًا فِي نُفُوسِ الْقَوْمِ، فَمَا إِنْ طَلَعَ الصَّبَاحُ حَتَّى وَجَدَ إِخْوَتَهُ الْعَشَرَةَ، وَأَرْبَعَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ "مُزَيْنَةَ" قَدْ جَهَّزُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْمُضِيِّ مَعَهُ إِلَى "يَثْرِبَ" لِلقَاءِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالدُّخُولِ فِي دِينِ اللهِ. следующие страницы →