Полный текст (979 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فَلْيَدْخُلْ … فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَفْسِحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكُمْ، فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لِي: اُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَغَرِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ فَلْيَدْخُلْ … فَدَخَلُوا حَتَّى مَلأُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ.
قَالَ رَاوِي الْخَبَرِ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ لَهَا فَخْرًا.
* * *
وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ رَأَى أَنْ يُوَزِّعَ الْعُلُومَ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى لَا يَحْدُتَ عَلَى بَابِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الزِّحَامِ …
فَصَارَ يَجْلِسُ فِي الْأَسْبُوعِ يَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا التَّفْسِيرُ.
وَيَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهُ.
ويَوْمًا لَا تُذكَرُ فِيهِ إِلَّا الْمَغَازِي (١).
وَيَوْمًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا الشِّعْرُ.
وَيَوْمًا لَا تُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَيَّامُ الْعَرَبِ.
وَمَا جَلَسَ إِلَيْهِ عَالِمٌ قَطُّ إِلَّا خَضَعَ لَهُ ..
وَمَا سَأَلَهُ سَائِلٌ قَطُّ إِلَّا وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا.
* * *
وَقَدْ غَدًا ابْنُ عَبَّاسٍ، بِفَضْلِ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ، مُسْتَشَارًا لِلْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى الرَّغْم مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ. стр. 177
فَكَانَ إِذَا عَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْرٌ أَوْ وَاجَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ (١) دَعَا جِلَّةَ (٢) الصَّحَابَةِ وَدَعَا مَعَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَإِذَا حَضَرَ رَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ وَقَالَ لَهُ:
لَقَدْ أَعْضَلَ عَلَيْنَا أَمْرٌ أَنْتَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ.
وَقَدْ عُوتِبَ مَرَّةً فِي تَقْدِيمِهِ لَهُ وَجَعْلِهِ مَعَ الشُّيُوخِ، وَهُوَ مَا زَالَ فَتًى، فَقَالَ:
إِنَّهُ فَتَى الْكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ وَقَلْبٌ عَقُولٌ.
* * *
عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ انْصَرَفَ إِلَى الْخَاصَّةِ لِيُعَلِّمَهُمْ وَيُفَقِّهَهُمْ، لَمْ يَنْسَ حَقَّ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَعْقِدُ لَهُمْ مَجَالِسَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ.
فَمِنْ مَوَاعِظِهِ قَوْلُهُ مُخَاطِبًا أَصْحَابَ الذُّنُوبِ:
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لَا تَأْمَنْ عَاقِبَةَ ذَنْبِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ نَفْسِهِ.
فَإِنَّ عَدَمَ اسْتِحْيَائِكَ مِمَّنْ عَلَى يَمِينِكَ وَعَلَى شِمَالِكَ وَأَنْتَ تَقْتَرِفُ (٣) الذَّنْبَ لَا يَقِلُّ عَن الذَّنْبِ.
وَإِنَّ ضَحِكَكَ عِنْدَ الذَّنْبِ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
وَإِنَّ فَرَحَكَ بِالذَّنْبِ إِذَا ظَفِرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ. стр. 178
وَإِنَّ حُزْنَكَ عَلَى الذَّنْبِ إِذَا فَاتَكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
وَإِنَّ خَوْفَكَ مِنَ الرِّيحِ إِذَا حَرَّكَتْ سِتْرَكَ، وَأَنْتَ تَرْتَكِبُ الذَّنْبَ مَعَ كَوْنِكَ لَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ.
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ: أَتَدْرِي مَا كَانَ ذَنْبُ أَيُّوبَ ﵇ حِينَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِجَسَدِهِ وَمَالِهِ؟ …
إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ مِسْكِينٌ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فَلَمْ يُعِنْهُ.
* * *
وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَنْهَوْنَ النَّاسَ وَلَا يَنْتَهُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ صَوَّامَ نَهَارٍ قَوَّامَ لَيْلٍ.
أَخْبَرَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:
صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ.
وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَقْرَأُ:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١).
فَظَلَّ يُكَرِّرُهَا وَيَنْشِجُ (٢) حَتَّى طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ.
وَحَسْبُنَا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ جَمَالًا، وَأَصْبَحِهِمْ وَجْهًا، فَمَا زَالَ يَبْكِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى خَدَّدَ الدَّمْعُ الْهَتُونُ (٣) خَدَّيْهِ الْأَسِيلَيْنِ (٤).
* * * стр. 179
وَقَدْ بَلَغَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ مَجْدِ الْعِلْمِ غَايَتَهُ.
ذَلِكَ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانٍ خَرَجَ ذَاتَ سَنَةٍ حَاجًّا …
وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حَاجًا أَيْضًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْلَةٌ وَلَا إِمَارَةٌ.
فَكَانَ لِمُعَاوِيَةَ مَوْكِبٌ مِنْ رِجَالِ دَوْلَتِهِ.
وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَوْكِبٌ يَفُوقُ مَوْكِبَ الْخَلِيفَةِ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ.
* **
عُمِّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً مَلأَ فِيهَا الدُّنْيَا عِلْمًا وَفَهُمًا وَحِكْمَةً وَتُقًى.
فَلَمَّا أَتَاهُ الْيَقِينُ (١) صَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّة (٢).
وَالْبَقِيَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِلَّةُ التَّابِعِينَ …
وَفِيمَا كَانُوا يُوَارُونَهُ تُرَابَهُ، سَمِعُوا قَارئًا يَقْرَأُ:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣) (*). стр. 180
النُّعْمَانُ بْنُ مُقّرِّنٍ الْمَزَنِيُّ
"إِنَّ لِلْإِيمَانِ بُيُوتًا، وَلِلنِّفَاقِ بُيُوتًا، وَإِنَّ بَيْتَ بَنِي مُقَرِّنٍ مِنْ بُيُوتِ الْإِيمَانِ"
[عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ]
كَانَتْ قَبِيلَةُ "مُزَيْنَةَ" تَتَّخِذُ مَنَازِلَهَا قَرِيبًا مِنْ "يَثْرِبَ" عَلَى الطَّرِيقِ الْمُمْتَدَّةِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ.
وَكَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَدْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَتْ أَخْبَارُهُ تَصِلُ تِبَاعًا إِلَى "مُزَيْنَةَ" مَعَ الْغَادِينَ وَالرَّائِحِينَ، فَلَا تَسْمَعُ عَنْهُ إِلَّا خَيْرًا.
وَفِي ذَاتِ عَشِيَّةٍ، جَلَسَ سَيِّدُ الْقَوْم، النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ، فِي نَادِيهِ مَعَ إِخْوَتِهِ وَمَشْيَخَةِ قَبِيلَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ:
يَا قَوْم، وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا خَيْرًا، وَلَا سَمِعْنَا مِنْ دَعْوَتِهِ إِلَّا مَرْحَمَةً وَإِحْسَانًا وَعَدْلًا، فَمَا بَالُنَا (١) نُبْطِيءُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ إِلَيْهِ يُسْرِعُونَ؟!.
ثُمَّ أَتْبَعَ يَقُولُ:
أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَغْدُوَ (٢) عَلَيْهِ، إِذَا أَصْبَحْتُ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مَعِي فَلْيَتَجَهَّزْ.
وَكَأَنَّمَا مَسَّتْ كَلِمَاتُ النُّعْمَانِ وَتَرًا مُرْهَفًا فِي نُفُوسِ الْقَوْمِ، فَمَا إِنْ طَلَعَ الصَّبَاحُ حَتَّى وَجَدَ إِخْوَتَهُ الْعَشَرَةَ، وَأَرْبَعَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ "مُزَيْنَةَ" قَدْ جَهَّزُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْمُضِيِّ مَعَهُ إِلَى "يَثْرِبَ" لِلقَاءِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالدُّخُولِ فِي دِينِ اللهِ. стр. 181
بَيْدَ أَنَّ (١) النُّعْمَانَ اسْتَحَى أَنْ يَفِدَ مَعَ هَذَا الْجَمْعِ الْحَاشِدِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فِي يَدِهِ.
لَكِنَّ السَّنَةَ الشَّهْبَاءَ (٢) الْمُجْدِبَةَ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا "مُزَيْنَةُ" لَمْ تَتْرُكُ لَهَا ضَرْعًا (٣) وَلَا زَرْعًا ..
فَطَافَ النُّعْمَانُ بِبَيْتِهِ وَبُيُوتِ إِخْوَتِهِ، وَجَمَعَ كُلَّ مَا أَبْقَاهُ لَهُمُ الْقَحْطُ مِنْ غُنَيْمَاتٍ، وَسَاقَهَا أَمَامَهُ، وَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْلَنَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِسْلَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
* * *
اهْتَزَّتْ "يَثْرِبُ" مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا فَرَحًا بِالنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرْنٍ وَصَحْبِهِ، إِذْ لَمْ يَسْبِقُ لِبَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْعَرَبِ أَنْ أَسْلَمَ مِنْهُ أَحَدَ عَشَرَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَمَعَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ فَارِسٍ.
وَسُرَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِإِسْلَامِ النُّعْمَانِ أَبْلَغَ السُّرُورِ.
وَتَقَبَّلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ غُنَيْمَاتِهِ، وَأَنْزَلَ فِيهِ قُرْآنًا فَقَالَ:
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
* *
انْضَوَى (٥) النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَهِدَ مَعَهُ غَزَوَاتِهِ كُلَّهَا غَيْرَ وَانٍ (٦) وَلَا مُقَصِّرٍ. стр. 182
وَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ وَقَفَ مَعَهُ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنَ بَنِي "مُزَيْنَةَ" وَقْفَةً حَازِمَةً كَانَ لَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَةِ الرِّدَّةِ.
* * *
وَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْفَارُوقِ كَانَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ فِي عَهْدِهِ شَأْنٌ مَا يَزَالُ التَّارِيخُ يَذْكُرُهُ بِلِسَانٍ نَدِيٍّ بِالْحَمْدِ، رَطِيبٍ بِالثَّنَاءِ.
* * *
فَقُبَيْلَ "الْقَادِسِيَّةِ" (١)، أَرْسَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (٢) قَائِدُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ وَفَدًا إِلَى "كِسْرَى يَزْدَجُرْدَ" بِرِئَاسَةِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ لِيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَلَمَّا بَلَغُوا عَاصِمَةَ "كِسْرَى" فِي "الْمَدَائِنِ" (٣) اسْتَأْذَنُوا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُمْ، ثُمَّ دَعَا التَّرْجُمَانَ فَقَالَ لَهُ:
سَلْهُمْ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ إِلَى دِيَارِنَا وَأَغْرَاكُمْ (٤) بِغَزْوِنَا؟! … لَعَلَّكُمْ طَمِعْتُمْ بِنَا وَاجْتَرَأَتُمْ عَلَيْنَا لِأَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمْ، وَلَمْ نَشَأْ أَنْ نَبْطِشَ بِكُمْ.
فَالْتَفَتَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ إِلَى مَنْ مَعَهُ وَقَالَ:
إِنْ شِئْتُمْ أَجَبْتُهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ آثَرْتُهُ (٥) بِالْكَلَامِ، فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ.
ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى "كِسْرَى" وَقَالُوا:
هَذَا الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِنَا فَاسْتَمِعْ إِلَى مَا يَقُولُ.
فَحَمِدَ النُّعْمَانُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: стр. 183
إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَدُلُّنَا عَلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُنَا بِهِ، وَيُعَرِّفُنَا الشَّرَّ وَيَنْهَانَا عَنْهُ.
وَوَعَدَنَا - إِنْ أَجَبْنَاهُ إِلَى مَا دَعَانَا إِلَيْهِ - أَنْ يُعْطِينَا اللَّهُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى بَدَّلَ اللَّهُ ضِيقَنَا سَعَةً، وَذِلَّتَنَا عِزَّةً، وَعَدَاوَاتِنَا إِخَاءً وَمَرْحَمَةً ....
وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَأَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يُجَاوِرُنَا.
فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ كُلَّهُ وَحَضُّ (١) عَلَيْهِ، وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ وَحَذَّرَ مِنْهُ …
وَهُوَ يَنْقُلُ مُعْتَنِقِيهِ (٢) مِنْ ظَلَامِ الْكُفْرِ وَجَوْرِهِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَعَدْلِهِ.
فَإِنْ أَجَبْتُمُونَا إِلَى الْإِسْلَامِ خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَمْنَاكُمْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَرَجَعْنَا عَنْكُمْ وَتَرَكْنَاكُمْ وَشَأْنَكُمْ …
فَإِنْ أَبَيْتُمُ الدُّخُولَ فِي دِينِ اللَّهِ أَخَذْنَا مِنْكُمُ الْجِزْيَةَ وَحَمَيْنَاكُمْ، فَإِنْ أَتَيْتُمْ إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ حَارَبْنَاكُمْ.
فَاسْتَشَاطَ (٣) "يَزْدَجُوْدُ" غَضَبًا وَغَيْظًا مِمَّا سَمِعَ، وَقَالَ:
إِنِّي لَا أَعْلَمُ أُمَّةً فِي الْأَرْضِ كَانَتْ أَشْقَى مِنْكُمْ وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا، وَلَا أَشَدَّ فُرْقَةً، وَلَا أَسْوَأَ حَالًا …
وَقَدْ كُنَّا نَكِلُ أَمْرَكُمْ إِلَى وَلَاةِ الضَّوَاحِي فَيَأْخُذُونَ لَنَا الطَّاعَةَ مِنْكُمْ …
ثُمَّ خَفَّفَ شَيْئًا مِنْ حِدَّتِهِ وَقَالَ: стр. 184
فَإِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ هِيَ الَّتِي دَفَعَتْكُمْ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْنَا أَمَرْنَا لَكُمْ بِقُوتٍ إِلَى أَنْ تُخْصِبَ دِيَارُكُمْ، وَكَسَوْنَا سَادَتَكُمْ وَوُجُوهَ قَوْمِكُمْ، وَمَلَّكْنَا (١) عَلَيْكُمْ مَلِكًا مِنْ قِبَلِنَا يَرْفُقُ بِكُمْ.
فَرَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْوَفْدِ رَدًّا أَشْعَلَ نَارَ غَضَبِهِ مِنْ جَدِيدٍ فَقَالَ:
لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ …
قُومُوا فَلَيْسَ لَكُمْ شَيْءٌ عِنْدِي، وَأَخْبِرُوا قَائِدَكُمْ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ "رُسْتُمَ" (٢) حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعًا فِي خَنْدَقِ "الْقَادِسِيَّةِ".
ثُمَّ أَمَرَ فَأُتِيَ لَهُ بِحِمْلِ تُرَابٍ، وَقَالَ لِرِجَالِهِ: حَمِّلُوهُ عَلَى أَشْرَفِ هَؤُلَاءِ وَسُوقُوهُ أَمَامَكُمْ عَلَى مَرْأَى مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَبْوَابِ عَاصِمَةِ مُلْكِنَا.
فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: مَنْ أَشْرَفُكُمْ؟ …
فَبَادَرَ إِلَيْهِمْ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ: أَنَا.
فَحَمَّلُوهُ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَدَائِنِ، ثُمَّ حَمَّلَهُ عَلَى نَاقَتِهِ وَأَخَذَهُ مَعَهُ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِيَارَ الْفُرْسِ وَيُمَلِّكُهُمْ تُرَابَ أَرْضِهِمْ.
ثُمَّ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ "الْقَادِسِيَّةِ"، وَاكْتَظَّ (٣) خَنْدَقُهَا بِجُثَثِ آلَافِ الْقَتْلَى، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانُوا مِنْ جُنُودِ "كِسْرَى".
* * *
لَمْ يَسْتَكِنِ الْفُرْسُ لِهَزِيمَةِ "الْقَادِسِيَّةِ"، فَجَمَعُوا جُمُوعَهُمْ، وَجَيَّشُوا جُيُوشَهُمْ حَتَّى اكْتَمَلَ لَهُمْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا مِنْ أَشِدَّاءِ الْمُقَاتِلِينَ. стр. 185
فَلَمَّا وَقَفَ الْفَارُوقُ عَلَى أَخْبَارِ هَذَا الْحَشْدِ الْعَظِيمِ، عَزَمَ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ إِلَى مُوَاجَهَةِ هَذَا الْخَطَرِ الْكَبِيرِ بِنَفْسِهِ.
وَلَكِنَّ وُجُوهَ الْمُسْلِمِينَ ثَنَوْهُ (١) عَنْ ذَلِكَ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ قَائِدًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْجَلِيلِ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ لِأُوَلِّيَهُ ذَلِكَ التَّغْرَ.
فَقَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ بِجُنْدِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لأُوَلِّيَنَّ عَلَى جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا يَكُونُ - إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ - أَسْبَقَ مِنَ الْأَسِنَّةِ، هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ.
فَقَالُوا: هُوَ لَهَا.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ:
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ.
أَمَّا بَعْدُ … فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ جُمُوعًا مِنَ الْأَعَاجِمِ كَثِيرَةً قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ بِمَدِينَةِ" نَهَاوَنْدَ"، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَسِرْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَبِعَوْنِ اللَّهِ، وَبِنَصْرِ اللَّهِ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُوطِئْهُمْ وَعْرًا فَتُؤْذِيَهُمْ.
فَإِنَّ رَجُلًا وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ.
* * *
هَبَّ النُّعْمَانُ بِجَيْشِهِ لِلقَاءِ الْعَدُوِّ، وَأَرْسَلَ أَمَامَهُ طَلَائِعَ مِنْ فُرْسَانِهِ لِتَكْشِفَ لَهُ الطَّرِيقَ … فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْفُرْسَانُ مِنْ "نَهَاوَنْدَ"، تَوَقَّفَتْ خُيُولُهُمْ، стр. 186
فَدَفَعُوهَا فَلَمْ تَنْدَفِعْ، فَتَزَلُوا عَنْ ظُهُورِهَا لِيَعْرِفُوا الْخَبَرَ فَوَجَدُوا فِي حَوَافِرِ الْخَيْلِ شَظَايَا مِنَ الْحَدِيدِ تُشْبِهُ رُؤُوسَ الْمَسَامِيرِ، فَنَظَرُوا فِي الْأَرْضِ فَإِذَا الْعَجَمُ قَدْ نَثَرُوا فِي الدُّرُوبِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى "نَهَاوَنْدَ" حَسَكَ الْحَدِيدِ؛ لِيَعُوقُوا الْفُرْسَانَ وَالْمُشَاةَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا.
* * *
أَخْبَرَ الْفُرْسَانُ النُّعْمَانَ بِمَا رَأَوْا، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِرَأْيِهِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَقِفُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَأَنْ يُوقِدُوا النِّيرَانَ فِي اللَّيْلِ لِيَرَاهُمُ الْعَدُوُّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَظَاهَرُونَ بِالْخَوْفِ مِنْهُ وَالْهَزِيمَةِ أَمَامَهُ لِيُغْرُوهُ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ، وَإِزَالَةِ مَا زَرَعَهُ مِنْ حَسَكِ الْحَدِيدِ.
وَجَازَتِ الْحِيلَةُ عَلَى الْفُرْسِ، فَمَا إِنْ رَأَوْا طَلِيعَةَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ تَمْضِي مُنْهَزِمَةً أَمَامَهُمْ حَتَّى أَرْسَلُوا عُمَّالَهُمْ، فَكَنَسُوا الطُّرُقَ مِنَ الْحَسَكِ، فَكَرَّ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَاحْتَلُّوا تِلْكَ الدُّرُوبَ.
* * *
عَسْكَرَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ بِجَيْشِهِ عَلَى مَشَارِفِ "نَهَاوَنْدَ" وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُبَاغِتَ (١) عَدُوَّهُ بِالْهُجُومِ، فَقَالَ لِجُنُودِهِ:
إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثًا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الْأُولَى فَلْيَتَهَيَّأْ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَهَيَّأَ، وَإِذَا كَبَّرْتُ الثَّانِيَةَ فَلْيَشْدُدْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ سِلَاحَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ، فَإِنِّي حَامِلٌ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ فَاحْمِلُوا مَعِي.
* * *
كَبَّرَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ تَكْبِيرَاتِهِ الثَّلَاثَ، وَانْدَفَعَ فِي صُفُوفِ الْعَدُوِّ كَأَنَّهُ стр. 187
اللَّيْثُ عَادِيًا، وَتَدَفَّقَ وَرَاءَهُ جُنُودُ الْمُسْلِمِينَ تَدَفُّقَ السَّيْلِ، وَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ قَلَّمَا شَهِدَ تَارِيخُ الْحُرُوبِ لَهَا نَظِيرًا.
فَتَمَزَّقَ جَيْشُ الْفُرْسِ شَرَّ مُمَزِّقٍ، وَمَلأَتْ قَتْلَاهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، وَسَالَتْ دِمَاؤُهُ فِي الْمَمَرَّاتِ وَالدُّرُوبِ، فَزَلِقَ جَوَادُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ بِالدِّمَاءِ فَصُرِعَ، وَأُصِيبَ النُّعْمَانُ نَفْسُهُ إِصَابَةً قَاتِلَةً، فَأَخَذَ أَخُوهُ اللِّوَاءَ مِنْ يَدِهِ، وَسَجَّاهُ (١) بِبُرْدَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، وَكَتَمَ أَمْرَ مَصْرَعِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَمَّا تَمَّ النَّصْرُ الْكَبِيرُ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُسْلِمُونَ "فَتْحَ الْفُتُوحِ" …
سَأَلَ الْجُنُودُ الْمُنْتَصِرُونَ عَنْ قَائِدِهِمُ الْبَاسِلِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ..
فَرَفَعَ أَخُوهُ الْبُرْدَةَ عَنْهُ وَقَالَ:
هَذَا أَمِيرُكُمْ، قَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بِالْفَتْحِ، وَخَتَمَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ (٥). стр. 188
صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ
"رَبِحَ الْبَيْعُ يَا أَبَا يَحْيَى … رَبِحَ الْبَيْعُ … "
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ]
صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ …
وَمَنْ مِنَّا - مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ - لَا يَعْرِفُ صُهَيْبًا الرُّومِيَّ، وَلَا يُلِمُّ بِطَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِهِ وَنُتَفٍ مِنْ سِيرَتِهِ؟!.
وَلَكِنَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ الْكَثِيرُ مِنَّا هُوَ أَنَّ صُهَيْبًا لَمْ يَكُنْ رُومِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ عَرَبِيًّا خَالِصًا، نُمَيْرِيَّ (١) الْأَبِ تَمِيمِيُّ (٢) الْأُمِّ.
وَلانْتِسَابِ صُهَيْبٍ إِلى "الرُّومِ" قِصَّةٌ مَا تَزَالُ تَعِيهَا ذَاكِرَةُ التَّارِيخِ، وَتَرْوِيهَا أَسْفَارُهُ.
فَقَبْلَ الْبَعْثَةِ بِحَوَالَيْ عِقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَانِ كَانَ يَتَوَلَّى "الْأُبُلَّةَ" (٣) سِنَانُ بْنُ مَالِكٍ النُّمَيْرِيُّ، من قِبَلِ "كِسْرَى" مَلِكِ الْفُرْسِ …
وَكَانَ أَحَبُّ أَوْلَادِهِ إِلَيْهِ طِفْلٌ لَمْ يُجَاوِزِ الْخَامِسَةَ مِنْ عُمُرِهِ، دَعَاهُ صُهَيْبًا.
* * *
كَانَ صُهَيْبٌ أَزْهَرَ الْوَجْهٍ، أَحْمَرَ الشَّعْرِ، مُتَدَفِّقَ النَّشَاطِ ذَا عَيْنَيْنِ تَتَّقِدَانِ فِطْنَةً وَنَجَابَةً …
وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ مِمْرَاحًا، عَذْبَ الرُّوحِ، يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِ أَبِيهِ، وَيَنْتَزِعُ مِنْهُ هُمُومَ الْمُلْكِ انْتِزَاعًا.
* * * стр. 189
مَضَتْ أُمُّ صُهَيْبٍ مَعَ ابْنِهَا الصَّغِيرِ وَطَائِفَةٍ مِنْ حَشَمِهَا وَخَدَمِهَا إِلَى قَرْيَةِ "الثَّنِيِّ" مِنْ أَرْضِ "الْعِرَاقِ" طَلَبًا لِلرَّاحَةِ وَالاسْتِجْمَامِ، فَأَغَارَتْ عَلَى الْقَرْيَةِ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا جَيْشِ "الرُّومِ"، فَقَتَلَتْ حُرَّاسَهَا، وَنَهَبَتْ أَمْوَالَهَا، وَأَسَرَتْ ذَرَارِيَهَا …
فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَتْهُمْ صُهَيْبٌ.
* * *
بِيعَ صُهَيْبٌ فِي أَسْوَاقِ الرَّقِيقِ بِبِلَادِ "الرُّومِ"، وَجَعَلَتْ تَتَدَاوَلُهُ الْأَيْدِي فَيَنْتَقِلُ مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدِ إِلَى خِدْمَةِ آخَرَ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ كَشَأْنِ الْآلَافِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الْأَرِقَّاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَمْلأُونَ قُصُورَ بِلَادِ "الرُّومِ".
* * *
وَقَدْ أَتَاحَ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى أَعْمَاقِ الْمُجْتَمَعِ الرُّومِيِّ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مِنْ دَاخِلِهِ، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ مَا يُعَشِّشُ فِي قُصُورِهِ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالْمُوبِقَاتِ (١)، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ مَا يُرْتَكَبُ فِيهَا مِنَ الْمَظَالِمِ وَالْمَآثِم. فَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعَ وَازْدَرَاهُ (٢).
وَكَانَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إِنَّ مُجْتَمَعًا كَهَذَا لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الطُّوفَانُ.
* * *
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ صُهَيْبًا قَدْ نَشَأَ فِي بِلَادِ "الرُّومِ"، وَشَبَّ عَلَى أَرْضِهَا وَبَيْنَ أَهْلِيهَا.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ نَسِيَ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ كَادَ يَنْسَاهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ بَالِهِ قَطُّ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحْرَاءِ .. стр. 190
وَلَمْ تَفْتُرْ أَشْوَاقُهُ لَحْظَةً إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَتَحَرَّرُ فِيهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَيَلْحَقُ يبَنِي قَوْمِهِ.
وَقَدْ زَادَهُ حَنِينًا إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ فَوْقَ حَنِينِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ كَاهِنًا (١) مِنْ كَهَنَةِ النَّصَارَى يَقُولُ لِسَيِّدٍ مِنْ أَسْيَادِهِ:
لَقَدْ أَطَلَّ (٢) زَمَانٌ يَخْرُجُ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ نَبِيٌّ يُصَدِّقُ رِسَالَةَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَيُخْرِجُ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
* * *
ثُمَّ أُتِيحَتِ الْفُرْصَةُ لِصُهَيْبٍ فَوَلَّى هَارِبًا مِنْ رِقِّ أَسْيَادِهِ، وَيَمَّمَ (٣) وَجْهَهُ شَطْرَ مَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى وَمَوْئِلِ الْعَرَبِ، وَمَبْعَثِ النَّبِيِّ الْمُرْتَقَبِ.
وَلَمَّا أَلْقَى عَصَاهُ (٤) فِيهَا أَطْلَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ اسْمَ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ لِلُكْنَةِ (٥) لِسَانِهِ وَحُمْرَةِ شَعْرِهِ.
* * *
وَقَدْ حَالَفَ صُهَيْبٌ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ مَكَّةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَطَفِقَ يَعْمَلُ فِي التِّجَارَةِ، فَدَرَّتْ عَلَيْهِ الْخَيْرَ الْوَفِيرَ وَالْمَالَ الْكَثِيرَ.
غَيْرَ أَنَّ صُهَيْبًا لَمْ تُنْسِهِ تِجَارَتُهُ وَمَكَاسِبُهُ حَدِيثَ الْكَاهِنِ النَّصْرَانِيِّ، فَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ كَلَامُهُ بِخَاطِرِهِ يُسَائِلُ نَفْسَهُ فِي لَهْفَةٍ:
مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟!.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى جَاءَهُ الْجَوَابُ.
* * * стр. 191
فَفِي ذَاتِ يَوْمٍ عَادَ صُهَيْبٌ إِلَى مَكَّةَ مِنْ إِحْدَى رِحْلَاتِهِ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ بُعِثَ، وَقَامَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
فَقَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يُلَقِّبُونَهُ بِالْأَمِينِ؟!.
فَقِيلَ لَهُ: بَلَى.
فَقَالَ: وَأَيْنَ مَكَانُهُ؟
فَقِيلَ لَهُ: فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ (١) عِنْدَ الصَّفَا …
وَلَكِنْ حَذَارٍ مِنْ أَنْ يَرَاكَ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ؛ فَإِنْ رَأَوْكَ فَعَلُوا بِكَ … وَفَعَلُوا، وَأَنْتَ رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا عَصَبِيَّةَ لَكَ تَحْمِيكَ، وَلَا عَشِيرَةَ عِنْدَكَ تَنْصُرُكَ.
* * *
مَضَى صُهَيْبٌ إِلَى دَارِ الْأَرْقَمَ حَذِرًا يَتَلَفَّتُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا وَجَدَ عِنْدَ الْبَابِ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ (٢)، وَكَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ، فَتَرَدَّدَ لَحْظَةً ثُمَّ دَنَا مِنْهُ وَقَالَ:
مَا تُرِيدُ يَا عَمَّارُ؟.
فَقَالَ عَمَّارٌ: بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ؟.
فَقَالَ صُهَيْبٌ: أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَأَسْمَعَ مِنْهُ مَا يَقُولُ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: وَأَنَا أُرِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا.
فَقَالَ صُهَيْبٌ: إِذَنْ نَدْخُلَ مَعًا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
* * * стр. 192
دَخَلَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَمَعَا إِلَى مَا يَقُولُ، فَأَشْرَقَ نُورُ الْإِيمَانِ فِي صَدْرَيْهِمَا، وَتَسَابَقَا فِي مَدِّ أَيْدِيهِمَا إِلَيْهِ، وَشَهِدَا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمْضَيَا سَحَابَةَ (١) يَوْمِهِمَا عِنْدَهُ يَنْهَلَانِ مِنْ هَدْيِهِ وَيَنْعُمَانِ بِصُحْبَتِهِ.
وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَهَدَأَتِ الْحَرَكَةُ، خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظُّلَامِ، وَقَدْ حَمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ النُّورِ فِي صَدْرِهِ مَا يَكْفِي لإِضَاءَةِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.
* * *
تَحَمَّلَ صُهَيْبٌ نَصِيبَهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَعَ بِلَالٍ (٢) وَعَمَّارٍ وَسُمَيَّةَ وَخَبَّابٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عَشَرَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَاسَى مِنْ نَكَالِ قُرَيْشٍ مَا لَوْ نَزَلَ بِجَبَلٍ لَهَدَّهُ، فَتَلَقَّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ صَابِرَةٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ الْجَنَّةِ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ.
* * *
وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، عَزَمَ صُهَيْبٌ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فِي صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ؛ لَكِنَّ قُرَيْشًا شَعَرَتْ بِعَزْمِهِ عَلَى الْهِجْرَةِ فَصَدَّتْهُ (٣) عَنْ غَايَتِهِ، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ الرُّقَبَاءَ حَتَّى لَا يَفْلِتَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَيَحْمِلَ مَعَهُ مَا دَرَّتْهُ عَلَيْهِ التِّجَارَةُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ.
* * *
ظَلَّ صُهَيْبٌ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَصَاحِبِهِ يَتَحَيَّنُ (٤) الْفُرَصَ لِلَّحَاقِ بِهِمَا فَلَمْ يُفْلِحُ؛ إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُ الرُّقَبَاءِ سَاهِرَةً عَلَيْهِ مُتَيَقِّظَةً لَهُ؛ فَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا غَيْرَ النُّجُوءِ إِلَى الْحِيلَةِ. стр. 193
فَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ أَكْثَرَ صُهَيْبٌ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْخَلَاءِ كَأَنَّهُ يَقْضِي الْحَاجَةَ، فَكَانَ لَا يَرْجِعُ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا.
فَقَالَ بَعْضُ رُقَبَائِهِ لِبَعْضٍ: طِيبُوا نَفْسًا فَإِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى شَغَلَاهُ بِبَطْنِهِ …
ثُمَّ أَوَوْا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَأَسْلَمُوا عُيُونَهُمْ إِلَى الْكَرَى (١).
فَتَسَلَّلَ صُهَيْبٌ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَدِينَةِ.
* * *
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى رَحِيلِ صُهَيْبٍ حَتَّى فَطِنَ لَهُ رُقَبَاؤُهُ، فَهَبُّوا مِنْ نَوْمِهِمْ مَذعُورِينَ، وَامْتَطَوْا خُيُولَهُمُ السَّوَابِقَ، وَأَطْلَقُوا أَعِنَّتَهَا (٢) خَلْفَهُ حَتَّى أَدْرَكُوهُ.
فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ، وَقَفَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ وَأَخْرَجَ سِهَامَهُ مِنْ كِنَانَتِهِ (٣) وَوَتَرَ (٤) قَوْسَهُ وَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ - وَاللَّهِ - أَنِّي مِنْ أَرْمَى النَّاسِ وَأَحْكَمِهِمْ إِصَابَةً …
وَوَاللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي رَجُلًا مِنْكُمْ.
ثُمَّ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي شَيْءٌ مِنْهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَا نَدَعُكَ تَفُوزُ مِنَّا بِنَفْسِكَ وَبِمَالِكَ …
لَقَدْ أَتَيْتَ مَكَّةَ صُعْلُوكًا (٥) فَقِيرًا فَاغْتَنَيْتَ وَبَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ.
فَقَالَ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ تَرَكْتُ لَكُمْ مَالِي، أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟. стр. 194
قَالُوا: نَعَمْ.
فَدَلَّهُمْ عَلَى مَوْضِعِ مَالِهِ فِي بَيْتِهِ فِي مَكَّةَ، فَمَضَوْا إِلَيْهِ وَأَخَذُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَطْلَقُوا سَرَاحَهُ.
* * *
أَخَذَ صُهَيْبٌ يُغِذُّ السَّيْرَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَارًّا بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ؛ غَيْرَ آسِفٍ عَلَى الْمَالِ الَّذِي أَنْفَقَ فِي جَنْبِهِ زَهْرَةَ الْعُمُرِ.
وَكَانَ كُلَّمَا أَدْرَكَهُ الْوَنَى (١) وَأَصَابَهُ التَّعَبُ، اسْتَفَزَّهُ الشَّوْقُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَعُودُ إِلَيْهِ نَشَاطُهُ، وَيُوَاصِلُ سَيْرَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ "قُبَاءَ" (٢) رَآهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُقْبِلًا، فَهَشَّ لَهُ وَبَشَّ وَقَالَ:
(رَبِحَ الْبَيْعُ يَا أَبَا يَحْيَى …
رَبِحَ الْبَيْعُ) … وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا.
فَعَلَتِ الْفَرْحَةُ وَجْهَ صُهَيْبٍ وَقَالَ:
وَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَمَا أَخْبَرَكَ بِهِ إِلَّا جِبْرِيلُ.
* * *
حَقًّا لَقَدْ رَبِحَ الْبَيْعُ.
وَصَدَّقَ ذَلِكَ وَحْيُ السَّمَاءِ … стр. 195
وَشَهِدَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ … حَيْثُ نَزَلَ فِي صُهَيْبٍ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
فَطُوبَى لِصُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ، وَحُسْنُ مَآبٍ (*). стр. 196
أَبُو الدَّرْدَاءِ
عُوَيْمِرُ بْنُ مَالِكٍ الْخَزْرَجِيُّ
"كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَدْفَعُ عَنْهُ الدُّنْيَا بِالرَّاحَتَيْنِ وَالصَّدْرِ"
[عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ]
نَهَضَ عُوَيْمِرُ بْنُ مَالِكٍ الْخَزْرَجِيُّ (١) الْمُكَنَّى بِأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ نَوْمِهِ مُبَكِّرًا، وَمَضَى إِلَى صَنَمِهِ الَّذِي نَصَبَهُ فِي أَشْرَفِ مَكَانٍ مِنْ بَيْتِهِ، فَحَيَّاهُ وَضَمَّخَهُ (٢) بِأَنْفَسِ مَا حَوَاهُ مَتْجَرُهُ الْكَبِيرُ مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ ثَوْبًا جَدِيدًا مِنْ فَاخِرِ الْحَرِيرِ، أَهْدَاهُ إِلَيْهِ بِالْأَمْسِ أَحَدُ التُّجَّارِ الْقَادِمِينَ عَلَيْهِ مِنَ "الْيَمَنِ".
وَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ غَادَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْزِلَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَتْجَرِهِ.
فَإِذَا شَوَارِعُ "يَثْرِبَ" وَطُرُقَاتُهَا تَضِيقُ بِأَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ، وَهُمْ عَائِدُونَ مِنْ "بَدْرٍ"، وَأَمَامَهُمْ أَفْوَاجُ الْأَسْرَى مِنْ قُرَيْشٍ، فَازْوَرَّ (٣) عَنْهُمْ؛ لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ أَقْبَلَ عَلَى فَتًى مِنْهُمْ يَنْتَمِيْ إِلَى الْخَزْرَجِ وَسَأَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ (٤)، فَقَالَ لَهُ الْفَتَى الْخَزْرَجِيُّ: لَقَدْ أَبْلَى فِي الْمَعْرَكَةِ أَكْرَمَ الْبَلَاءِ وَعَادَ سَالِمًا غَائِمًا، وَطَمْأَنَهُ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَسْتَغْرِبِ الْفَتَى سُؤَالَ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةً؛ لِمَا كَانَ يَعْلَمُ النَّاسُ جَمِيعًا مِنْ أَوَاصِرِ (٥) الْأُخُوَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْبِطُ بَيْنَهُمَا؛ ذَلِكَ لِأَنَّ стр. 197
أَبَا الدَّرْدَاءِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَانَا مُتَآخِيَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ اعْتَنَقَهُ ابْنُ رَوَاحَةَ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ.
لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ مَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ وَثِيقِ الْأَوَاصِرِ (١)؛ إِذْ ظَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَتَعَهَّدُ أَبَا الدَّرْدَاءِ بِالزِّيَارَةِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُرَغِّبُهُ فِيهِ، وَيَأْسَفُ عَلَى كُلِّ يَوْمٍ يَمْضِي مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ.
* * *
وَصَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى مَتْجَرِهِ، وَتَرَبَّعَ عَلَى كُرْسِيِّهِ الْعَالِي، وَجَعَلَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَيَأْمُرُ غِلْمَانَهُ وَيَنْهَاهُمْ … وَهُوَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا يَجْرِي فِي مَنْزِلِهِ …
ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَمْضِي إِلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ … فَلَمَّا بَلَغَ الْبَيْتَ رَأَى بَابَهُ مَفْتُوحًا وَأَبْصَرَ أُمّ الدَّرْدَاءِ فِي فِنَائِهِ (٢)، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أَمَةَ اللَّهِ.
فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا أَبِي الدَّرْدَاءِ.
فَقَالَ: أَيْنَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟.
فَقَالَتْ: ذَهَبَ إِلَى مَتْجَرِهِ، وَلَا يَلْبَثُ أَنْ يَعُودَ.
فَقَالَ: أَتَأْذَنِينَ؟.
فَقَالَتْ: عَلَى الرَّحْبِ وَالسَّعَةِ، وَأَفْسَحَتْ لَهُ الطَّرِيقَ، وَمَضَتْ إِلَى حُجْرَتِهَا، وَانْشَغَلَتْ عَنْهُ بِإِصْلَاح شَأْنِ بَيْتِهَا وَرِعَايَةِ أَطْفَالِهَا.
* * *
دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِلَى الْحُجْرَةِ الَّتِي وَضَعَ فِيهَا أَبُو الدَّرْدَاءِ صَنَمَهُ، وَأَخْرَجَ قَدُّومًا أَحْضَرَهُ مَعَهُ، وَمَالَ عَلَى الصَّنَمِ وَجَعَلَ يُقَطِّعَهُ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ: стр. 198
أَلَا كُلُّ مَا يُدْعَى مَعَ اللَّهِ بَاطِلٌ … أَلَا كُلُّ مَا يُدْعَى مَعَ اللَّهِ بَاطِلٌ …
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تَقْطِيعِهِ غَادَرَ الْبَيْتَ.
* * *
دَخَلَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ إِلَى الْحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا الصَّنَمُ، فَصُعِقَتْ حِينَ رَأَتُهُ قَدْ غَدَا أَجْذَاذًا (١) … وَوَجَدَتْ أَشْلَاءَهُ (٢) مُبَعْثَرَةً عَلَى الأَرْضِ … وَجَعَلَتْ تَلْطِمُ خَدَّيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: أَهْلَكْتَنِي يَا ابْنَ رَوَاحَةَ … أَهْلَكْتَنِي يَا ابْنَ رَوَاحَةَ …
* * *
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى عَادَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى مَنْزِلِهِ؛ فَرَأَى امْرَأَتَهُ جَالِسَةً عِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا الصَّنَمُ وَهِيَ تَبْكِي وَتَنْشِجُ (٣)، وَعَلَامَاتُ الْخَوْفِ مِنْهُ بَادِيَةٌ عَلَى وَجْهِهَا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ (٤)؟ … قَالَتْ:
أَخُوكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةً جَاءَنَا فِي غَيْبَتِكَ، وَصَنَعَ بِصَنَمِكَ مَا تَرَى.
فَنَظَرَ إِلَى الصَّنَم فَوَجَدَهُ حُطَامًا، فَاسْتَشَاطَ (٥) غَضَبًا، وَهَمَّ أَنْ يَثْأَرَ لَهُ، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ قَلِيلًا حَتَّى هَدَأَتْ ثَائِرَتُهُ، وَسَكَتَ عَنْهُ غَضَبُهُ؛ فَفَكَّرَ فِيمَا حَدَثَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ فِي هَذَا الصَّنَمِ خَيْرٌ لَدَفَعَ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ.
ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْ تَوِّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَمَضَيَا مَعًا إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْلَنَ دُخُولَهُ فِي دِينِ اللَّهِ، فَكَانَ آخِرَ أَهْلِ حَيِّهِ إِسْلَامًا.
* * *
آمَنَ أَبُو الدَّرْدَاءِ - مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى - بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِيمَانًا خَالَطَ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي كِيَانِهِ.
وَنَدِمَ نَدَمًا كَبِيرًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَأَدْرَكَ إِدْرَاكًا عَمِيقًا مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ стр. 199
أَصْحَابُهُ مِنْ فِقْهٍ لِدِينِ اللَّهِ، وَحِفْظٍ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَعِبَادَةٍ وَتَقْوَى ادَّخَرُوهُمَا لِأَنْفُسِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ.
فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَهُ بِالْجُهْدِ الْجَاهِدِ، وَأَنْ يُوَاصِلَ كَلَالَ اللَّيْلِ (١) بِكَلَالِ النَّهَارِ حَتَّى يَلْحَقَ بِالرَّكْبِ وَيَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
فَانْصَرَفَ إِلَى الْعِبَادَةِ انْصِرَافَ مُتَبَتِّلٍ (٢)، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ إِقْبَالَ ظَمْآنَ، وَأَكَبَّ (٣) عَلَى كِتَابِ اللَّهِ يَحْفَظُ كَلِمَاتِهِ، وَيَتَعَمَّقُ فَهُمَ آيَاتِهِ.
وَلَمَّا رَأَى التِّجَارَةَ تُنَغِّصُ (٤) عَلَيْهِ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ، وَتُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَجَالِسَ الْعِلْمِ تَرَكَهَا غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ وَلَا آسِفٍ.
وَقَدْ سَأَلَهُ فِي ذَلِكَ سَائِلٌ فَأَجَابَ: لَقَدْ كُنْتُ تَاجِرًا قَبْلَ عَهْدِي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَ التِّجَارَةِ وَالْعِبَادَةِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ لِي مَا أَرَدْتُ، فَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْعِبَادَةِ …
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِيَدِهِ، مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِيَ الْيَوْمَ حَانُوتٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلَا تَفُوتُنِي صَلَاةٌ مَعَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ أَبِيعُ وَأَشْتَرِي فَأَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَائِلِهِ وَقَالَ:
إِنِّي لا أَقُولُ: إِنَّ الله حَرَّمَ الْبَيْعَ … وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِن الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
* * *
لَمْ يَتْرُكْ أَبُو الدَّرْدَاءِ التِّجَارَةَ فَحَسْبُ وَإِنَّمَا تَرَكَ الدُّنْيَا، وَأَعْرَضَ عَنْ زِينَتِهَا وَزُخْرُفِهَا، وَاكْتَفَى مِنْهَا بِلُقْمَةٍ خَشِنَةٍ تُقِيمُ صُلْبَهُ (٥) وَثَوْبٍ صَفِيقٍ (٦) يَسْتُرُ جَسَدُهُ. стр. 200
فَقَدْ نَزَلَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الْقَرِّ (١) قَاسِيَةِ الْبَرْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ طَعَامًا سَاخِنًا، وَلَمْ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بِاللُّحُفِ، فَلَمَّا هَمُّوا بِالنَّوْمِ جَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرِ اللُّحُفِ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ وَأُكَلِّمُهُ …
فَقَالَ لَهُ آخَرُ: دَعْهُ، فَأَبَى، وَمَضَى حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهِ فَرَآهُ قَدِ اضْطَجَعَ، وَامْرَأَتُهُ جَالِسَةٌ قَرِيبًا مِنْهُ لَيْسَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ خَفِيفٌ لَا يَقِي مِنْ حَرٍّ وَلَا يَصُونُ مِنْ بَرْدٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ:
مَا أَرَاكَ بِتَّ إِلَّا كَمَا نَبِيتُ نَحْنُ!! … أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟!.
فَقَالَ: لَنَا دَارٌ هُنَاكَ نُرْسِلُ إِلَيْهَا تِبَاعًا كُلَّ مَا نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَتَاعٍ، وَلَوْ كُنَّا اسْتَبْقَيْنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ شَيْئًا مِنْهُ لَبَعَثْنَا بِهِ إِلَيْكُمْ …
ثُمَّ إِنَّ فِي طَرِيقِنَا الَّذِي سَنَسْلُكُهُ إِلَى تِلْكَ الدَّارِ عَقَبَةً كَؤُودًا (٢) الْمُخِفُّ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمُثْقَل، فَأَرَدْنَا أَنْ نَتَخَفَّفَ مِنْ أَثْقَالِنَا عَلَّنَا نَجْتَازُ.
ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: أَفَهِمْتَ؟.
فَقَالَ: نَعَمْ فَهِمْتُ، وَجُزِيْتَ خَيْرًا.
* * *
وَفِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ أَرَادَ مِنْ أبي الدَّرْدَاءِ أَنْ يَلِيَ (٣) لَهُ عَمَلًا فِي الشَّامِ فَأَبَى، فَأَصَرَّ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:
إِذَا رَضِيتَ مِنِّي أَنْ أَذْهَبَ إِلَيْهِمْ لِأُعَلِّمَهُمْ كِتَابَ رَبِّهِمْ، وَسُنَّةَ نَبِيَّهِمْ وَأُصَلِّيَ بِهِمْ ذَهَبْتُ، فَرَضِيَ مِنْهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَمَضَى هُوَ إِلَى "دِمَشْقَ"، فَلَمَّا بَلَغَهَا وَجَدَ النَّاسَ قَدْ أُولِعُوا بِالتَّرفِ، وَانْغَمَسُوا فِي النَّعِيمِ، فَهَالَهُ ذَلِكَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَوَقَفَ فِيهِمْ وَقَالَ: стр. 201
يَا أَهْلَ "دِمَشْقَ" أَنْتُمُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْجِيرَانُ فِي الدَّارِ، وَالْأَنْصَارُ عَلَى الْأَعْدَاءِ …
يَا أَهْلَ "دِمَشْقَ"، مَا الَّذِي يَمْنَعُكُمْ مِنْ مَوَدَّتِي وَالاسْتِجَابَةِ لِنَصِيحَتِي وَأَنَا لَا أَبْتَغِي مِنْكُم شَيْئًا؛ فَنَصِيحَتِي لَكُمْ، وَمُؤْنَتِي (١) عَلَى غَيْرِكُمْ.
مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ (٢)، وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ؟! … وَأَرَاكُمْ قَدْ أَقْبَلْتُمْ عَلَى مَا تَكَفَّلَ لَكُمْ بِهِ اللهُ ، وَتَرَكْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ؟! …
مَا لِي أَرَاكُمْ تَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ!! …
وَتَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ!! …
وَتُؤَمِّلُونَ مَا لَا تَبْلُغُونَ!! …
لَقَدْ جَمَعَتِ الْأَقْوَامُ الَّتِي قَبْلَكُمْ وَأَمَّلَتْ …
فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى أَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا (٣) …
وَأَمَلُهُمْ غُرُروًا …
وبُيُوتُهُمْ قُبُورًا …
هَذِهِ "عَادٌ" (٤) - يَا أَهْلَ "دِمَشْقَ" - قَدْ مَلَدَّتِ الْأَرْضَ مَالًا وَوَلَدًا …
فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَرِكَةَ "عَادٍ" الْيَوْمَ بِدِرْهَمَيْنِ؟.
فَجَعَلَ النَّاسُ يَبْكُونَ حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُمْ (٥) مِنْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ.
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم طَفِقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَؤُمُّ (٦) مَجَالِسَ النَّاسِ فِي "دِمَشْقَ" стр. 202
وَيَطُوفُ بِأَسْوَاقِهِمْ، فَيُجِيبُ السَّائِلَ، وَيُعَلِّمُ الْجَاهِلَ، وَيُنَبِّهُ الْغَافِلَ، مُغْتَنِمًا كُلَّ فُرْصَةٍ مُسْتَفِيدًا مِنْ كُلِّ مُنَاسَبَةٍ.
* * *
فَهَا هُوَ ذَا يَمُرُّ بِجَمَاعَةٍ قَدْ تَجَمْهَرُوا عَلَى رَجُلٍ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: مَا الْخَبَرُ؟!.
قَالُوا: رَجُلٌ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ كَبِيرٍ.
قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْهُ؟.
قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: لَا تَسُبُّوهُ وَلَا تَضْرِبُوهُ وَإِنَّمَا عِظُوهُ وَبَصِّرُوهُ، وَاحْمَدُو الله الَّذِي عَافَاكُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي ذَنْبِهِ.
قَالُوا: أَفَلَا تُبْغِضُهُ؟!.
قَالَ: إِنَّمَا أُبْغِضُ فِعْلَهُ؛ فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ أَخِي.
فَأَخَذَ الرَّجُلُ يَنْتَحِبُ وَيُعْلِنُ تَوْبَتَهُ.
* * *
وَهَذَا شَابٌّ يُقْبِلُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَيَقُولُ: أَوْصِنِي يَا صَاحِبَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، اذْكُرِ الله فِي السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ فِي الضَّرَّاءِ …
يَا بُنَيَّ، كُنْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ (١) فَتَهْلَكَ.
يَا بُنَيَّ، لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (الْمَسَاجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ)، وَقَدْ ضَمِنَ اللهُ لِمَنْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُمُ الرَّوْحَ (٢)، وَالرَّحْمَةَ، وَالْجَوَاز (٣) عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ .
* * * стр. 203
وَهَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّبَّانِ جَلَسُوا عَلَى الطَّرِيقِ يَتَحَدَّثُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَى الْمَارِّينَ، فَيُقْبِلُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: يَا بَنِيَّ، صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِم بَيْتُهُ، يَكُفُّ فِيهِ نَفْسَهُ وَبَصَرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ يُلْهِي وَيُلْغِي.
* * *
وَفِي أَثْنَاءِ إِقَامَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ "بِدِمَشْقَ" بَعَثَ إِلَيْهِ وَالِيهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ ابْنَتَهُ "الدَّرْدَاءَ" لابْنِهِ يَزِيدَ، فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا لَهُ، وَأَعْطَاهَا لِشَابٍّ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ.
فَسَارَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: خَطَبَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِنْتَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَرَدَّهُ أَبُوهَا، وَزَوَّجَهَا لِرَجُلٍ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَسَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ سَبَبٍ ذَلِكَ؟!
فَقَالَ: إِنَّمَا تَحَرَّيْتُ فِيمَا صَنَعْتُهُ صَلَاحَ أَمْرِ الدَّرْدَاءِ.
فَقَالَ: وَكَيْفَ؟
فَقَالَ: مَا ظَنُّكُمْ بِالدَّرْدَاءِ إِذَا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهَا الْعَبِيدُ يَخْدِمُونَهَا، وَوَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي قُصُورٍ يَخْطَفُ لأَلَاؤُهَا الْبَصَرَ … أَيْنَ يُصْبِحُ دِينُهَا يَوْمَئِذٍ؟!.
* * *
وَفِي خِلَالِ وُجُودِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي بِلَادِ الشَّامِ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَفَقِّدًا أَحْوَالَهَا، فَزَارَ صَاحِبَهُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ لَيْلًا، فَدَفَعَ الْبَابَ، فَإِذَا هُوَ بِغَيْرِ غَلَقٍ، فَدَخَلَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ لَا ضَوْءَ فِيهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ حِسَّهُ قَامَ إِلَيْهِ، وَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلَسَهُ.
وَأَخَذَ الرَّجُلَانِ يَتَفَاوَضَانِ (١) الْأَحَادِيثَ، وَالظَّلَامُ يَحْجُبُ كُلًّا مِنْهُمَا عَنْ عَيْنَيْ صَاحِبِهِ. стр. 204
فَجَسَّ عُمَرُ وِسَادَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَإِذَا هُوَ بَرْذَعَةٌ (١) … وَجَسَّ فِرَاشَهُ فَإِذَا هُوَ حَصًى … وَجَسَّ دِثَارَهُ (٢) فَإِذَا هُوَ كِسَاءُ رَقِيقٌ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فِي بَرْدِ "دِمَشْقَ".
فَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ؟! أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ؟!.
فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَتَذْكُرُ - يَا عُمَرُ - حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟.
قَالَ: أَلَمْ يَقُلْ: (لِيَكُنْ بَلَاغُ (٣) أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ رَاكِبٍ)؟.
قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَمَاذَا فَعَلْنَا بَعْدَهُ يَا عُمَرُ؟!! …
فَبَكَى عُمَرُ وَبَكَى أَبُو الدَّرْدَاءِ.
وَمَا زَالَا يَتَجَاوَبَانِ (٤) بِالْبُكَاءِ حَتَّى طَلَعَ عَلَيْهِمَا الصُّبْحُ.
* * *
ظَلَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي "دِمَشْقَ" يَعِظُ أَهْلَهَا وَيُذَكِّرْهُمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ (٥) …
فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: مَا تَشْتَكِي؟.
قَالَ: ذُنُوبِي.
قَالُوا: وَمَا تَشْتَهِي؟.
قَالَ: عَفْوَ رَبِّي. стр. 205
ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: لَقِّنُونِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ.
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِجِوَارِ رَبِّهِ رَأَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ (١) فِيمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مَرْجًا أَخْضَرَ فَسِيحَ الْأَرْجَاءِ وَارِفَ الْأَفْيَاءِ فِيهِ قُبَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أَدَمٍ (٢)، حَوْلَهَا غَنَمٌ رَابِضَةٌ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ مِثْلَهَا قَطُّ، فَقَالَ:
لِمَنْ هَذَا؟!
فَقِيلَ لَهُ: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (٣).
فَطَلَعَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنَ الْقُبَّةِ، وَقَالَ لَهُ: يَا بْنَ مَالِكٍ، هَذَا مَا أَعْطَانَا اللهُ بِالْقُرْآنِ. وَلَوْ أَشْرَفْتَ عَلَى هَذِهِ الثَّنِيَّةِ (٤) لَرَأَيْتَ مَا لَمْ تَرَ عَيْنُكَ، وَسَمِعْتَ مَا لَمْ تَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَوَجَدْتَ مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِكَ.
فَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَلِمَنْ ذَلِكَ كُلُّهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟!
فَقَالَ: أَعَدَّهُ اللهُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُ عَنْهُ الدُّنْيَا بِالرَّاحَتَيْنِ وَالصَّدْرِ (*). стр. 206
زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ
"وَأَيْمُ اللهِ لَقَدْ كَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ خَلِيقًا بِالْإِمْرَةِ، وَلَقَدْ كَانَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ]
مَضَتْ سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَبْتَغِي زِيَارَةَ قَوْمِهَا بَنِي "مَعْنٍ"، وَكَانَتْ تَصْحَبُ مَعَهَا غُلَامَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ الْكَعْبِيَّ.
فَمَا كَادَتْ تَحُلُّ فِي دِيَارِ قَوْمِهَا حَتَّى أَغَارَتْ عَلَيْهِمْ خَيْلٌ لِبَنِي "الْقَيْنِ" فَأَخَذُوا الْمَالَ، وَاسْتَاقُوا الْإِبلَ، وَسَبَوْا الذَّرَارِيَ …
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنِ احْتَمَلُوهُ مَعَهُمْ وَلَدُهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
وَكَانَ زَيْدٌ - إِذْ ذَاكَ - غُلَامًا صَغِيرًا يَدْرُجُ نَحْوَ الثَّامِنَةِ مِنْ عُمُرِهِ، فَأَتَوْا بِهِ سُوقَ عُكَاظٍ (١) وَعَرَضُوهُ لِلْبَيْعِ؛ فَاشْتَرَاهُ ثَرِيٌّ مِنْ سَادَةِ قُرَيْشٍ هُوَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ (٢) بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ …
وَاشْتَرَى مَعَهُ طَائِفَةً مِنَ الْغِلْمَانِ، وَعَادَ بِهِمْ إِلَى مَكَّةَ.
* * *
فَلَمَّا عَرَفَتْ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ بِمَقْدَمِهِ، زَارَتْهُ مُسَلِّمَةً عَلَيْهِ، مُرَحِّبَةً بِهِ، فَقَالَ لَهَا:
يَا عَمَّةُ، لَقَدِ ابْتَعْتُ مِنْ سُوقٍ عُكَاظٍ طَائِفَةً مِنَ الْغِلْمَانِ، فَاخْتَارِي أَيًّا مِنْهُمْ تَشَائِينَهُ، فَهُوَ هَدِيَّةٌ لَكِ.
فَتَفَرَّسَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ وُجُوهَ الْغِلْمَانِ … стр. 207
وَاخْتَارَتْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، لِمَا بَدَا لَهَا مِنْ عَلَامَاتِ نَجَابَتِهِ (١)، وَمَضَتْ بِهِ.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى تَزَوَّجَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْرِفَهُ (٢) وَتُهْدِي لَهُ، فَلَمْ تَجِدْ خَيْرًا مِنْ غُلَامِهَا الْأَثِيرِ (٣) زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَأَهْدَتْهُ إِلَيْهِ.
* * *
وَفِيمَا كَانَ الْغُلَامُ الْمَحْظُوظُ يَتَقَلَّبُ في رِعَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَيَحْظَى بِكَرِيم صُحْبَتِهِ، وَيَنْعَمُ بِجَمِيلِ خِلَالِهِ (٤).
كَانَتْ أُمُّهُ الْمَفْجُوعَةُ بِفَقْدِهِ لَا تَرْقَأُ (٥) لَهَا عَبْرَةٌ، وَلَا تَهْدَأُ لَهَا لَوْعَةٌ، وَلَا يَطْمَئِنُ لَهَا جَنْبٌ …
وَكَانَ يَزِيدُهَا أَسًى عَلَى أَسَاهَا أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ أَحَيٌّ هُوَ فَتَرْجُوَهُ أم مَيِّتٌ فَتَيْأَسَ مِنْهُ …
أَمَّا أَبُوهُ فَأَخَذَ يَتَحَرَّاهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ، وَيُسَائِلُ عَنْهُ كُلَّ رَكْبٍ، وَيَصُوغُ حَنِينَهُ إِلَيْهِ شِعْرًا حَزِينًا تَتَفَطَّرُ (٦) لَهُ الأَكْبَادُ حَيْثُ يَقُولُ:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ … أَحَيٌّ فَيُرْجَى أم أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ؟
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ … أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أم غَالَكَ الْجَبَلْ (٧)
تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا … وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ (٨)
سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا … وَلَا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمَ الْإِبِلْ (٩) стр. 208
حَيَاتِي، أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … فَكُلُّ امْرِيءٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلْ
* * *
وَفِي مَوْسِمٍ مِنْ مَوَاسِمِ الْحَجِّ (١) قَصَدَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِ زَيْدٍ، وَفِيمَا كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، إِذَا هُمْ بِزَيْدٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ، فَعَرَفُوهُ وَعَرَفَهُمْ وَسَأَلُوهُ وَسَأَلَهُمْ، وَلَمَّا قَضَوْا مَنَاسِكَهُمْ وَعَادُوا إِلَى دِيَارِهِمْ أَخْبَرُوا حَارِثَةَ بِمَا رَأَوْا وَحَدَّثُوهُ بِمَا سَمِعُوا.
* * *
فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَعَدَّ حَارِثَةُ رَاحِلَتَهُ، وَحَمَلَ مِنَ الْمَالِ مَا يَفْدِي بِهِ فَلِذَةَ الكَبِدِ، وَقُرَّةَ الْعَيْنِ، وَصَحِبَ مَعَهُ أَخَاهُ كَعْبًا، وَانْطَلَقَا مَعًا يُغِذَّانِ (٢) السَّيْرَ نَحْوَ مَكَّةَ … فَلَمَّا بَلَغَاهَا دَخَلَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَقَالَا لَهُ:
يَا بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْتُمْ جِيرَانُ اللهِ، تَفُكُّونَ الْعَانِيَ (٣)، وَتُطْعِمُونَ الْجَائِعَ، وَتُغِيثُونَ الْمَلْهُوفَ …
وَقَدْ جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا الَّذِي عِنْدَكَ، وَحَمَلْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْمَالِ مَا يَفِي بِهِ …
فَامْنُنْ عَلَيْنَا، وَفَادِهِ لَنَا بِمَا تَشَاءُ.
فَقَالَ مُحَمَّدٌ: (وَمَنِ ابْنُكُمَا الَّذِي تَعْنِيَانِ؟).
فَقَالا: غُلَامُكَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
فَقَالَ: (وَهَلْ لَكُمَا فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْفِدَاءِ؟).
فَقَالَا: وَمَا هُوَ؟!
فَقَالَ: (أَدْعُوهُ لَكُمْ، فَخَيِّرُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛ فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِغَيْرِ مَالٍ، وَإِنِ اخْتَارَنِي فَمَا أَنَا - وَاللهِ - بِالَّذِي يَرْغَبُ عَمَّنْ يَخْتَارُهُ). стр. 209
فَقَالَا: لَقَدْ أَنْصَفْتَ وَبَالَغْتَ فِي الْإِنْصَافِ.
فَدَعَا مُحَمَّدٌ زَيْدًا وَقَالَ: (مَنْ هَذَانِ؟).
قَالَ: هَذَا أَبِي حَارِثَةُ بْنُ شُرَاحِيلَ، وَهَذَا عَمِّي كَعْبٌ.
فَقَالَ: (قَدْ خَيَّرْتُكَ: إِنْ شِئْتَ مَضَيْتَ مَعَهُمَا، وَإِنْ شِئْتَ أَقَمْتَ مَعِي).
فَقَالَ - فِي غَيْرِ إِبْطَاءٍ وَلَا تَرَدُّدٍ -:
بَلْ أُقِيمُ مَعَكَ.
فَقَالَ أَبُوهُ: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى أَبِيكَ وَأُمِّكَ؟!.
فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، وَمَا أَنَا بِالَّذِي يُفَارِقُهُ أَبَدًا.
* * *
فَلَمَّا رَأَى مُحَمَّدٌ مِنْ زَيْدٍ مَا رَأَى، أَخَذَ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَوَقَفَ بِهِ بِالْحِجْرِ عَلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَالَ:
(يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْهَدُوا أَنَّ هَذَا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ) ....
فَطَابَتْ نَفْسُ أَبِيهِ وَعَمِّهِ، وَخَلَّفَاهُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَادَا إِلَى قَوْمِهِمَا مُطْمَئِنَّي النَّفْسِ مُوْتَاحَيِ الْبَالِ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم أَصْبَحَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يُدْعَى بِزَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَظَلَّ يُدْعَى كَذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَبْطَلَ الْإِسْلَامُ التَّبَنِّي حَيْثُ نَزَلَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ:
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) فَأَصْبَحَ يُدْعَى: زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ.
* * * стр. 210
لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ زَيْدٌ - حِينَ اخْتَارَ مُحَمَّدًا عَلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ - أَيَّ غُنْمٍ غَنِمَهُ …
وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي أَنَّ سَيِّدَهُ الَّذِي آثَرَهُ عَلَى أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ هُوَ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَرَسُولُ اللهِ إِلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ …
وَمَا خَطَرَ لَهُ بِبَالٍ أَنَّ دَوْلَةً لِلسَّمَاءِ سَتَقُومُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ؛ فَتَمْلأُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ بِرًّا وَعَدْلًا، وَأَنَّهُ هُوَ نَفْسَهُ سَيَكُونُ اللَّبِنَةَ الْأُولَى فِي بِنَاءِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ الْعُظْمَى …
لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَدُورُ فِي خَلَدِ زَيْدٍ …
وَإِنَّمَا هُوَ فَصْلٌ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ …
وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَى حَادِثَةِ التَّخْيِيرِ هَذِهِ إِلَّا بِضْعُ سِنِينَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الرِّجَالِ.
وَهَلْ فَوْقَ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةِ أَوَّلِيَّةٌ يَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ؟! ..
لَقَدْ أَصْبَحَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَمِينًا لِسِرِّ رَسُولِ اللهِ، وَقَائِدًا لِبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ، وَأَحَدَ خُلَفَائِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ إِذَا غَادَرَهَا النَّبِيُّ ﵊.
* * *
وَكَمَا أَحَبَّ زَيْدٌ النَّبِيَّ ﷺ وَآثَرَهُ عَلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ، فَقَدْ أَحَبَّهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَخَلَطَهُ بِأَهْلِهِ وَبَنِيهِ، فَكَانَ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، وَيَفْرَحُ بِقُدُومِهِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ، وَيَلْقَاهُ لِقَاءً لَا يَحْظَى بِمِثْلِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ.
فَهَا هِيَ ذِي عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا تُصَوِّرُ لَنَا مَشْهَدًا مِنْ مَشَاهِدِ فَرْحَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِلِقَاءِ زَيْدٍ فَتَقُولُ:
стр. 211
"قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي، فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ عُرْيَانًا - لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا مَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ - وَمَضَى إِلَى الْبَابِ يَجُرُّ ثَوْبَهُ؛ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ …
وَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ" (١).
وَقَدْ شَاعَ أَمْرُ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَفَاضَ (٢)، فَدَعَوْهُ "بِزَيْدِ الْحُبِّ"، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقَبَ "حِبِّ" (٣) رَسُولِ اللهِ؛ وَلَقَبُوا ابْنَهُ أُسَامَةَ (٤) مِنْ بَعْدِهِ بِحِبِّ رَسُولِ اللهِ وَابْنِ حِبِّهِ.
* * *
وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ شَاءَ اللهُ - تَبَارَكَتْ حِكْمَتُهُ - أَنْ يَمْتَحِنَ الْحَبِيبَ بِفِرَاقِ حَبِيبِهِ.
ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَعَثَ الْحَارِثُ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَزْدِيَّ بِكِتَابٍ إِلَى مَلِكِ "بُصْرَى" يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَارِثُ "مُؤْتَةَ" بِشَرْقِيِّ الْأَرْدُنِّ، عَرَضَ لَهُ أَحَدُ أُمَرَاءِ "الْغَسَاسِنَةِ" شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو فَأَخَذَهُ، وَشَدَّ عَلَيْهِ وثَاقَهُ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يُقْتَلْ لَهُ رَسُولٌ غَيْرُهُ.
فَجَهَّزَ جَيْشًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مُقَاتِلٍ لِغَزْوِ "مُؤْتَةَ"، وَوَلَّى عَلَى الْجَيْشِ حَبِيبَهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: (إِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَتَكُونُ الْقِيَادَةُ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٥)، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرُ كَانَتْ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ عَبْدُ стр. 212
اللهِ؛ فَلْيَخْتَرِ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ).
* * *
مَضَى الْجَيْشُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى "مَعَانَ" بِشَرْقِيِّ الْأُرْدُنِّ …
فَهَبَّ "هِرَقْلُ" مَلِكُ الرُّومِ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ لِلدِّفَاعِ عَنِ "الْغَسَاسِنَةِ"، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مِائَةُ أَلْفٍ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَنَزَلَ هَذَا الْجَيْشُ الْجَرَّارُ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ مَوَاقِعِ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
بَاتَ الْمُسْلِمُونَ في "مَعَانَ" لَيْلَتَيْنِ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ.
فَقَالَ قَائِلٌ: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا وَنَنْتَظِرُ أَمْرَهُ.
وَقَالَ آخَرُ: وَاللهِ - يَا قَوْمُ - إِنَّنَا لَا نُقَاتِلُ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، وَإِنَّمَا نُقَاتِلُ بِهَذَا الدِّينِ …
فَانْطَلِقُوا إِلَى مَا خَرَجْتُمْ لَهُ …
وَقَدْ ضَمِنَ اللهُ لَكُمُ الْفَوْزَ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ:
إِمَّا الظَّفَرُ … وَإِمَّا الشَّهَادَةُ.
* * *
ثُمَّ الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى أَرْضِ "مُؤْتَةَ"، فَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ قِتَالًا أَذْهَلَ الرُّومَ وَمَلأَ قُلُوبَهُمْ هَيْبَةً لِهَذِهِ الْآلَافِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَصَدَّتْ لِجَيْشِهِمُ الْبَالِغِ مِائَتَيْ أَلْفٍ.
وَجَالَدَ (١) زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جِلادًا لَمْ يَعْرِفُ لَهُ تَارِيحُ الْبُطُولَاتِ مَثِيلًا، حَتَّى خَرَّقَتْ جَسَدَهُ مِئَاتُ الرِّمَاحِ؛ فَخَرَّ صَرِيعًا يَسْبَحُ فِي دِمَائِهِ. стр. 213
فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَطَفِقَ يَذُودُ عَنْهَا أَكْرَمَ الذَّوْدِ حَتَّى لَحِقَ بِصَاحِبِهِ.
فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الرَّايَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَنَاضَلَ عَنْهَا أَبْسَلَ النِّضَالِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ صَاحِبَاهُ.
فَأَمَّرَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - وَكَانَ حَدِيثَ إِسْلَامِ - فَانْحَازَ بِالْجَيْشِ، وَأَنْقَذَهُ مِنَ الْفَنَاءِ الْمُحَتَّمِ.
* * *
بَلَغَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْبَاءُ "مُؤْتَةَ"، وَمَصْرَعُ قَادَتِهِ الثَّلَاثَةِ فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا لَمْ يَحْزَنْ مِثْلَهُ قَطُّ، وَمَضَى إِلَى أَهْلِيهِمْ يُعَزِّيِهِمْ بِهِمْ.
فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لَاذَتْ بِهِ ابْنَتُهُ الصَّغِيرَةُ وَهِيَ مُجْهِشَةٌ بِالْبُكَاءِ، فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَحَبَ (١).
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟!.
فَقَالَ ﵊:
(هَذَا بُكَاءُ الْحَبِيبِ عَلَى حَبِيبِهِ) (*). стр. 214
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ
"إِنَّ أَبَا أُسَامَةَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ هُوَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْكَ"
[مِنْ كَلَامِ الْفَارُوقِ لابْنِهِ]
نَحْنُ الْآنَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي مَكَّةَ.
وَرَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُكَابِدُ (١) مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ مَا يُكَابِدُ …
وَيَحْمِلُ مِنْ هُمُومِ الدَّعْوَةِ وَأَعْبَائِهَا مَا أَحَالَ حَيَاتَهُ إِلَى سِلْسِلَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ مِنَ الْأَحْزَانِ وَالنَّوَائِبِ (٢).
وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ أَشْرَقَتْ فِي حَيَاتِهِ بَارِقَةُ سُرُورٍ.
فَلَقَدْ جَاءَهُ الْبَشِيرُ يُبَشِّرُهُ أَنَّ "أُمَّ أَيْمَنَ" وَضَعَتْ غُلَامًا.
فَأَضَاءَتْ أَسَارِيرُهُ (٣) ﵊ بِالْفَرْحَةِ، وَأَشْرَقَ وَجْهُهُ الْكَرِيمُ بِالْبَهْجَةِ.
فَمَنْ يَكُونُ هَذَا الْغُلَامُ السَّعِيدُ الَّذِي أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلَّ هَذَا السُّرُورِ؟!.
إنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.
وَلَمْ يَسْتَغْرِبْ أَحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَهْجَتَهُ بِالْمَوْلُودِ الْجَدِيدِ، وَذَلِكَ لِمَوْضِعِ أَبَوَيْهِ مِنْهُ (٤)، وَمَنْزِلَتِهِمَا عِنْدَهُ. стр. 215
فَأُمُّ الْغُلَامِ هِيَ "بَرَكَةُ الْحَبَشِيَّةُ" الْمُكَنَّاةُ بِأُمِّ أَيْمَنَ.
وَقَدْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِآمِنَةَ بِنْتِ وَهَبٍ أُمِّ الرَّسُولِ ﵊، فَرَبَّتْهُ فِي حَيَاتِهَا، وَحَضَنَتْهُ بَعْدَ وَفَاتِهَا، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ عَلَى الدُّنْيَا؛ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ أَمَّا غَيْرَهَا …
فَأَحَبَّهَا أَعْمَقَ الْحُبِّ وَأَصْدَقَهُ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ:
هي أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وَبَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْتِي.
هَذِهِ أُمُّ الْغُلَامِ الْمَحْظُوظ، أَمَّا أَبُوهُ فَهُوَ "حِبُّ" رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ (١)، وَابْنُهُ بِالتَّبَنِّي قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَصَاحِبُهُ وَمَوْضِعُ سِرِّهِ، وَأَحَدُ أَهْلِهِ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِمَوْلِدِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كَمَا لَمْ يَفْرَحُوا بِمَوْلُودٍ سِوَاهُ؛ ذَلِكَ لأَنَّ كُلَّ مَا يُفْرِحُ النَّبِيَّ ﷺ يُفْرِحُهُمْ، وَكُلُّ مَا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِهِ يَسُرُّهُمْ.
فَأَطْلَقُوا عَلَى الْغُلَامِ الْمَحْظُوظِ لَقَبَ: "الْحِبُّ وَابْنُ الْحِبِّ".
* * *
وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ مُبَالِغِينَ حِينَ أَطْلَقُوا هَذَا اللَّقَبَ عَلَى الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ أُسَامَةَ؛ فَقَدْ أَحَبَّهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حُبًّا تَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا كُلُّهَا، فَقَدْ كَانَ أُسَامَةُ مُقَارِبًا فِي السِّنِّ لِسِبْطِهِ (٢) الْحَسَنِ بْنِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ (٣).
وَكَانَ الْحَسَنُ أَبْيَضَ أَزْهَرَ رَائِعَ الْحُسْنِ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِجَدِّهِ رَسُولِ الله ﷺ . следующие страницы →