Полный текст (979 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
"قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي، فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ عُرْيَانًا - لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا مَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ - وَمَضَى إِلَى الْبَابِ يَجُرُّ ثَوْبَهُ؛ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ …
وَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ" (١).
وَقَدْ شَاعَ أَمْرُ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَفَاضَ (٢)، فَدَعَوْهُ "بِزَيْدِ الْحُبِّ"، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقَبَ "حِبِّ" (٣) رَسُولِ اللهِ؛ وَلَقَبُوا ابْنَهُ أُسَامَةَ (٤) مِنْ بَعْدِهِ بِحِبِّ رَسُولِ اللهِ وَابْنِ حِبِّهِ.
* * *
وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ شَاءَ اللهُ - تَبَارَكَتْ حِكْمَتُهُ - أَنْ يَمْتَحِنَ الْحَبِيبَ بِفِرَاقِ حَبِيبِهِ.
ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَعَثَ الْحَارِثُ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَزْدِيَّ بِكِتَابٍ إِلَى مَلِكِ "بُصْرَى" يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَارِثُ "مُؤْتَةَ" بِشَرْقِيِّ الْأَرْدُنِّ، عَرَضَ لَهُ أَحَدُ أُمَرَاءِ "الْغَسَاسِنَةِ" شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو فَأَخَذَهُ، وَشَدَّ عَلَيْهِ وثَاقَهُ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يُقْتَلْ لَهُ رَسُولٌ غَيْرُهُ.
فَجَهَّزَ جَيْشًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مُقَاتِلٍ لِغَزْوِ "مُؤْتَةَ"، وَوَلَّى عَلَى الْجَيْشِ حَبِيبَهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: (إِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَتَكُونُ الْقِيَادَةُ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٥)، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرُ كَانَتْ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ عَبْدُ стр. 212
اللهِ؛ فَلْيَخْتَرِ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ).
* * *
مَضَى الْجَيْشُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى "مَعَانَ" بِشَرْقِيِّ الْأُرْدُنِّ …
فَهَبَّ "هِرَقْلُ" مَلِكُ الرُّومِ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ لِلدِّفَاعِ عَنِ "الْغَسَاسِنَةِ"، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مِائَةُ أَلْفٍ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَنَزَلَ هَذَا الْجَيْشُ الْجَرَّارُ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ مَوَاقِعِ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
بَاتَ الْمُسْلِمُونَ في "مَعَانَ" لَيْلَتَيْنِ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ.
فَقَالَ قَائِلٌ: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا وَنَنْتَظِرُ أَمْرَهُ.
وَقَالَ آخَرُ: وَاللهِ - يَا قَوْمُ - إِنَّنَا لَا نُقَاتِلُ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، وَإِنَّمَا نُقَاتِلُ بِهَذَا الدِّينِ …
فَانْطَلِقُوا إِلَى مَا خَرَجْتُمْ لَهُ …
وَقَدْ ضَمِنَ اللهُ لَكُمُ الْفَوْزَ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ:
إِمَّا الظَّفَرُ … وَإِمَّا الشَّهَادَةُ.
* * *
ثُمَّ الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى أَرْضِ "مُؤْتَةَ"، فَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ قِتَالًا أَذْهَلَ الرُّومَ وَمَلأَ قُلُوبَهُمْ هَيْبَةً لِهَذِهِ الْآلَافِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَصَدَّتْ لِجَيْشِهِمُ الْبَالِغِ مِائَتَيْ أَلْفٍ.
وَجَالَدَ (١) زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جِلادًا لَمْ يَعْرِفُ لَهُ تَارِيحُ الْبُطُولَاتِ مَثِيلًا، حَتَّى خَرَّقَتْ جَسَدَهُ مِئَاتُ الرِّمَاحِ؛ فَخَرَّ صَرِيعًا يَسْبَحُ فِي دِمَائِهِ. стр. 213
فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَطَفِقَ يَذُودُ عَنْهَا أَكْرَمَ الذَّوْدِ حَتَّى لَحِقَ بِصَاحِبِهِ.
فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الرَّايَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَنَاضَلَ عَنْهَا أَبْسَلَ النِّضَالِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ صَاحِبَاهُ.
فَأَمَّرَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - وَكَانَ حَدِيثَ إِسْلَامِ - فَانْحَازَ بِالْجَيْشِ، وَأَنْقَذَهُ مِنَ الْفَنَاءِ الْمُحَتَّمِ.
* * *
بَلَغَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْبَاءُ "مُؤْتَةَ"، وَمَصْرَعُ قَادَتِهِ الثَّلَاثَةِ فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا لَمْ يَحْزَنْ مِثْلَهُ قَطُّ، وَمَضَى إِلَى أَهْلِيهِمْ يُعَزِّيِهِمْ بِهِمْ.
فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لَاذَتْ بِهِ ابْنَتُهُ الصَّغِيرَةُ وَهِيَ مُجْهِشَةٌ بِالْبُكَاءِ، فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَحَبَ (١).
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟!.
فَقَالَ ﵊:
(هَذَا بُكَاءُ الْحَبِيبِ عَلَى حَبِيبِهِ) (*). стр. 214
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ
"إِنَّ أَبَا أُسَامَةَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ هُوَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْكَ"
[مِنْ كَلَامِ الْفَارُوقِ لابْنِهِ]
نَحْنُ الْآنَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي مَكَّةَ.
وَرَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُكَابِدُ (١) مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ مَا يُكَابِدُ …
وَيَحْمِلُ مِنْ هُمُومِ الدَّعْوَةِ وَأَعْبَائِهَا مَا أَحَالَ حَيَاتَهُ إِلَى سِلْسِلَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ مِنَ الْأَحْزَانِ وَالنَّوَائِبِ (٢).
وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ أَشْرَقَتْ فِي حَيَاتِهِ بَارِقَةُ سُرُورٍ.
فَلَقَدْ جَاءَهُ الْبَشِيرُ يُبَشِّرُهُ أَنَّ "أُمَّ أَيْمَنَ" وَضَعَتْ غُلَامًا.
فَأَضَاءَتْ أَسَارِيرُهُ (٣) ﵊ بِالْفَرْحَةِ، وَأَشْرَقَ وَجْهُهُ الْكَرِيمُ بِالْبَهْجَةِ.
فَمَنْ يَكُونُ هَذَا الْغُلَامُ السَّعِيدُ الَّذِي أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلَّ هَذَا السُّرُورِ؟!.
إنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.
وَلَمْ يَسْتَغْرِبْ أَحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَهْجَتَهُ بِالْمَوْلُودِ الْجَدِيدِ، وَذَلِكَ لِمَوْضِعِ أَبَوَيْهِ مِنْهُ (٤)، وَمَنْزِلَتِهِمَا عِنْدَهُ. стр. 215
فَأُمُّ الْغُلَامِ هِيَ "بَرَكَةُ الْحَبَشِيَّةُ" الْمُكَنَّاةُ بِأُمِّ أَيْمَنَ.
وَقَدْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِآمِنَةَ بِنْتِ وَهَبٍ أُمِّ الرَّسُولِ ﵊، فَرَبَّتْهُ فِي حَيَاتِهَا، وَحَضَنَتْهُ بَعْدَ وَفَاتِهَا، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ عَلَى الدُّنْيَا؛ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ أَمَّا غَيْرَهَا …
فَأَحَبَّهَا أَعْمَقَ الْحُبِّ وَأَصْدَقَهُ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ:
هي أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وَبَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْتِي.
هَذِهِ أُمُّ الْغُلَامِ الْمَحْظُوظ، أَمَّا أَبُوهُ فَهُوَ "حِبُّ" رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ (١)، وَابْنُهُ بِالتَّبَنِّي قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَصَاحِبُهُ وَمَوْضِعُ سِرِّهِ، وَأَحَدُ أَهْلِهِ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِمَوْلِدِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كَمَا لَمْ يَفْرَحُوا بِمَوْلُودٍ سِوَاهُ؛ ذَلِكَ لأَنَّ كُلَّ مَا يُفْرِحُ النَّبِيَّ ﷺ يُفْرِحُهُمْ، وَكُلُّ مَا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِهِ يَسُرُّهُمْ.
فَأَطْلَقُوا عَلَى الْغُلَامِ الْمَحْظُوظِ لَقَبَ: "الْحِبُّ وَابْنُ الْحِبِّ".
* * *
وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ مُبَالِغِينَ حِينَ أَطْلَقُوا هَذَا اللَّقَبَ عَلَى الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ أُسَامَةَ؛ فَقَدْ أَحَبَّهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حُبًّا تَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا كُلُّهَا، فَقَدْ كَانَ أُسَامَةُ مُقَارِبًا فِي السِّنِّ لِسِبْطِهِ (٢) الْحَسَنِ بْنِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ (٣).
وَكَانَ الْحَسَنُ أَبْيَضَ أَزْهَرَ رَائِعَ الْحُسْنِ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِجَدِّهِ رَسُولِ الله ﷺ . стр. 216
وَكَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ الْبَشَرَةِ أَفْطَسَ الْأَنْفِ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِأُمِّهِ الْحَبَشِيَّةِ.
لَكِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مَا كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُبِّ، فَكَانَ يَأْخُذُ أُسَامَةَ فَيَضَعُهُ عَلَى إِحْدَى فَخِذَيْهِ، وَيَأْخُذُ الْحَسَنَ فَيَضَعُهُ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا مَعًا إِلَى صَدْرِهِ وَيَقُولُ:
(اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا).
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ حُبِّ الرَّسُولِ ﷺ لأُسَامَةَ أَنَّهُ عَثَرَ ذَاتَ مَرَّةٍ بِعَتَبَةِ الْبَابِ فَشُجَّتْ جَبْهَتُهُ، وَسَالَ الدَّمُ مِنْ جُرْحِهِ؛ فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا أَنْ تُزِيلَ الدَّمَ عَنْ جُرْحِهِ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهَا لِذَلِكَ.
فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَمُصُّ شَجَّتَهُ، وَيَمُجُ الدَّمَ وَهُوَ يُطَيِّبُ خَاطِرَهُ بِكَلِمَاتٍ تَفِيضُ عُذُوبَةً وَحَنَانًا.
* * *
وَكَمَا أَحَبَّ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أُسَامَةَ فِي صِغَرِهِ فَقَدْ أَحَبَّهُ فِي شَبَابِهِ، فَلَقَدْ أَهْدَى حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ (١) أَحَدُ سَرَاةِ (٢) قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حُلَّةً ثَمِينَةً شَرَاهَا مِنَ "الْيَمَنِ" بِخَمْسِينَ دِينَارًا ذَهَبًا كَانَتْ "لِذِي يَزَنٍ" أَحَدِ مُلُوكِهِمْ.
فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، وَأَخَذَهَا مِنْهُ بِالثَّمَنِ …
وَقَدْ لَبِسَهَا النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثُمَّ خَلَعَهَا عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو بَيْنَ أَتْرَابِهِ مِنْ شُبَّانِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
* * * стр. 217
وَلَمَّا بَلَغَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَشُدَّهُ (١)، بَدَا عَلَيْهِ مِنْ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ وَجَلِيلِ الْخَصَائِل مَا يَجْعَلُهُ جَدِيرًا بِحُبِّ رَسُولِ الله ﷺ .
فَقَدْ كَانَ ذَكِيًا حَادَّ الذَّكَاءِ، شُجَاعًا خَارِقَ الشَّجَاعَةِ، حَكِيمًا يَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا، عَفِيفًا يَأْنفُ الدُّنَايَا، آلِفًا مَأْلُوفًا يُحِبُّهُ النَّاسُ، تَقِيًّا وَرِعًا يُحِبُّهُ الله.
فَفِي يَوْمِ "أُحُدٍ" جَاءَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَعَ نَفَرٍ مِنْ صِبْيَانِ الصَّحَابَةِ يُرِيدُونَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَخَذَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ، وَرَدَّ مِنْهُمْ مَنْ رَدَّ لِصِغَرِ أَعْمَارِهِمْ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْمَرْدُودِينَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَوَلَّى (٢) وَعَيْنَاهُ الصَّغِيرَتَانِ تَفِيضَانِ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يُجَاهِدَ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
* * *
وَفِي غَزْوَةِ "الْخَنْدَقِ"، جَاءَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ فِتْيَانِ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَ يَشُدُّ قَامَتَهُ إِلَى أَعْلَى لِيُجِيزَهُ (٣) رَسُولُ اللهِ، فَرَقَّ لَهُ النَّبِيُّ ﵊ وَأَجَازَهُ، فَحَمَلَ السَّيْفَ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
* * *
وَفِي يَوْمِ "حُنَيْنٍ" حِينَ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، ثَبَتَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَعَ الْعَبَّاسِ عَمِّ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ (٤) ابْنِ عَمِّهِ، وَسِتَّةِ نَفَرٍ آخَرِينَ مِنْ كِرَامِ الصَّحَابَةِ، فَاسْتَطَاعَ الرَّسُولُ ﵊ بِهَذِهِ الْفِئَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُؤْمِنَةِ الْبَاسِلَةِ، أَنْ يُحَوِّلَ هَزِيمَةَ أَصْحَابِهِ إِلَى نَصْرٍ، وَأَنْ يَحْمِيَ الْمُسْلِمِينَ الْفَارِّينَ مِنْ أَنْ يَفْتِكَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ.
* * * стр. 218
وَفِي يَوْمِ "مُؤْتَةَ" جَاهَدَ أُسَامَةُ تَحْتَ لِوَاءِ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَسِنُّهُ دُونَ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ، فَرَأَى بِعَيْنِيهِ مَصْرَعَ أَبِيهِ، فَلَمْ يَهِنْ (١) وَلَمْ يَتَضَعْضَعْ، وَإِنَّمَا ظَلَّ يُقَاتِلُ تَحْتَ لِوَاءِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٢) حَتَّى صُرِعَ عَلَى مَرْأَى مِنْهُ وَمَشْهَدٍ، ثُمَّ تَحْتَ لِوَاءِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ حَتَّى لَحِقَ بِصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ تَحْتَ لِوَاءِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَتَّى اسْتَنْقَذَ الْجَيْشَ الصَّغِيرَ مِنْ بَرَاثِنِ (٣) الروم.
* * *
ثُمَّ عَادَ أُسَامَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا أَبَاهُ عِنْدَ اللهِ، تَارِكًا جَسَدَهُ الطَّاهِرَ عَلَى تُخُومِ الشَّامِ، وَرَاكِبًا جَوَادَهُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ.
* * *
وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، أَمَرَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِتَجْهِيزِ جَيْشِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَجَعَلَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ (٤)، وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ (٥) وَغَيْرَهُمْ مِنْ جِلَّةِ (٦) الصَّحَابَةِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَيْشِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَهُوَ لَمْ يُجَاوِزِ الْعِشْرِينَ بَعْدُ … وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ تُخُومَ "الْبَلْقَاءِ" وَ "قَلْعَةَ الدَّارُوم"، الْقَرِيبَةَ مِنْ "غَزَّةَ" مِنْ بِلَادِ الرُّومِ.
وَفِيمَا كَانَ الْجَيْشُ يَتَجَهَّزُ، مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْمَرَضُ، تَوَقَّفَ الْجَيْشُ عَنِ الْمَسِيرِ انْتِظَارًا لِمَا تُسْفِرُ عَنْهُ حَالُ رَسُولِ الله ﷺ .
قَالَ أُسَامَةُ: "وَلَمَّا ثَقُلَ عَلَى نَبِيِّ اللهِ الْمَرَضُ، أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَقْبَلَ النَّاسُ معي، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَمَتَ فَمَا يَتَكَلَّمُ مِنْ وَطْأَةِ (٧) الدَّاءِ، فَجَعَلَ стр. 219
يَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَيَّ؛ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي".
* * *
ثُمَّ ما لَبِثَ أنْ فَارَقَ الرَّسُولُ ﷺ الحَيَاةَ، وتَمَّتِ الْبَيْعَةُ لأبي بَكْرٍ، فَأمَرَ بِإِنْفَاذِ بَعْثِ أُسَامَةَ.
لَكِنَّ فِئَةً مِنَ الْأَنْصَارِ رَأَتْ أَنْ يُؤَخَّرَ الْبَعْثُ، وَطَلَبَتْ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يُكَلِّمَ فِي ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، وَقَالَتْ لَهُ:
فَإِنْ أَبَى إِلَّا الْمُضِيَّ، فَأَبْلِغْهُ عَنَّا أَنْ يُوَلِّيَ أَمْرَنَا رَجُلًا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ.
وَمَا إِنْ سَمِعَ الصِّدِّيقُ مِنْ عُمَرَ رِسَالَةَ الْأَنْصَارِ، حَتَّى وَثَبَ لَهَا - وَكَانَ جَالِسًا - وَأَخَذَ بِلِحْيَةِ الْفَارُوقِ وَقَالَ مُغْضَبًا:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَعَدِمَتْكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ … اسْتَعْمَلَهُ (١) رَسُولُ الله ﷺ وَتَأْمُرُنِي أَنْ أَنْزِعَهُ؟! وَاللهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ.
وَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ إِلَى النَّاسِ، سَأَلُوهُ عَمَّا صَنَعَ، فَقَالَ:
امْضُوا ثَكِلَتْكُمْ (٢) أُمَّهَاتُكُمْ، فَقَدْ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ فِي سَبِيلِكُمْ مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ.
* * *
وَلَمَّا انْطَلَقَ الْجَيْشُ بِقِيَادَةِ قَائِدِهِ الشَّابِّ، شَيَّعَهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ مَاشِيًا وَأُسَامَهُ رَاكِبٌ، فَقَالَ أُسَامَةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ:
واللهِ لَتَرْكَبَنَّ أَوْ لأَنزِلَنَّ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَا تَنْزِلُ، وَوَاللهِ لَا أَرْكَبُ … وَمَا عَلَيَّ أَن أُغَبِّرَ قَدَمَيَّ فِي سَبِيلِ اللهِ سَاعَةً؟! … стр. 220
ثُمَّ قَالَ لِأُسَامَةَ:
أَسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، وَأُوصِيكَ بِإِنْفَاذِ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ مَالَ عَلَيْهِ وَقَالَ:
إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعِينَنِي بِعُمَرَ فَائْذَنْ لَهُ بِالْبَقَاءِ مَعِي، فَأَذِنَ أُسَامَةُ لِعُمَرَ بِالْبَقَاءِ.
* * *
مَضَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بِالْجَيْشِ، وَأَنْفَذَ كُلَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَوْطَأَ خَيْلَ الْمُسْلِمِينَ تُخُومَ "الْبَلْقَاءِ" وَ "قَلْعَةَ الدَّارُوم" مِنْ أَرْضِ "فِلَسْطِينَ"، وَنَزَعَ هَيْبَةَ الرُّومِ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَهَّدَ الطَّرِيقَ أَمَامَهُمْ لِفَتْحِ دِيَارِ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالشِّمَالِ الْإِفْرِيقِيِّ كُلِّهِ حَتَّى بَحْرِ الظُّلُمَاتِ …
ثُمَّ عَادَ أُسَامَةُ مُمْتَطِيًا صَهْوَةَ (١) الْجَوَادِ الَّذِي اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ أَبُوهُ، حَامِلًا مِنَ الْغَنَائِمِ مَا زَادَ عَنْ تَقْدِيرِ الْمُقَدِّرِينَ، حَتَّى قِيلَ:
"إِنَّهُ مَا رُئِيَ جَيْشٌ أَسْلَمُ وَأَغْنَمُ مِنْ جَيْشِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ".
* * *
ظَلَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ - مَوْضِعَ إِجْلَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحُبِّهِمْ، وَفَاءً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِجْلَالًا لِشَخْصِهِ.
فَقَدْ فَرَضَ لَهُ الْفَارُوقُ عَطَاءً (٢) أَكْثَرَ مِمَّا فَرَضَهُ لابْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِأَبِيهِ:
"يَا أَبَتِ، فَرَضْتَ لِأُسَامَةَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَفَرَضْتَ لِي ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَمَا كَانَ لِأَبِيهِ مِنَ الْفَضْلِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لَكَ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ أَكْثَرُ مِمَّا لِي". стр. 221
فَقَالَ الْفَارُوقُ: هَيْهَاتَ (١) …
إِنَّ أَبَاهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِن أَبِيكَ، وَكَانَ هُوَ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ الله مِنْكَ …
فَرَضِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بِمَا فُرِضَ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا لَقِيَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ:
مَرْحَبًا بِأَمِيرِي … فَإِذَا رَأَى أَحَدًا يَعْجَبُ مِنْهُ قَالَ:
لَقَدْ أَمَّرَهُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
* * *
رَحِمَ اللهُ هَذِهِ النُّفُوسَ الْكَبِيرَةَ، فَمَا عَرَفَ التَّارِيخُ أَعْظَمَ وَلَا أَكْمَلَ وَلَا أَنْبَلَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (*). стр. 222
سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ
"اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ حَرَمْتَنِي مِنْ هَذَا الْخَيْرِ فَلَا تَحْرِمْ مِنْهُ ابْنِي سَعِيدًا"
[زَيْدُ وَالِدُ سَعِيدٍ]
وَقَفَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بَعِيدًا عَنْ زَحْمَةِ النَّاسِ يَشْهَدُ قُرَيْشًا وَهِيَ تَحْتَفِلُ بِعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهَا، فَرَأَى الرِّجَالَ يَعْتَجِرُونَ (١) الْعَمَائِمَ السُّنْدُسِيَّةَ الْغَالِيَةَ، وَيَخْتَالُونَ بِالْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ الثَّمِينَةِ، وَأَبْصَرَ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ وَقَدْ لَبِسُوا زَاهِيَ الثِّيَابِ وَبَدِيعَ الْحُلَلِ، وَنَظَرَ إِلَى الأَنْعَامِ يَقُودُهَا الْمُوسِرُونَ، بَعْدَ أَنْ حَلَّوْهَا بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ، لِيَذْبَحُوهَا بَيْنَ أَيْدِي الْأَوْثَانِ.
فَوَقَفَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ … الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ لَهَا الْمَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَرَوِيَتْ، وَأَنْبَتَ لَهَا الْعُشْبَ مِنَ الْأَرْضِ فَشَبِعَتْ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ، إِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ!!.
فَقَامَ إِلَيْهِ عَمُهُ الْخَطَّابُ وَالِدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَطَمَهُ، وَقَالَ:
تَبًّا لَكَ (٢)، مَا زِلْنَا نَسْمَعُ مِنْكَ هَذَا الْبَذَاءَ (٣) وَنَحْتَمِلُهُ، حَتَّى نَفِدَ صَبْرُنَا، ثُمَّ أَغْرَى بِهِ سُفَهَاءَ قَوْمِهِ فَآذَوْهُ، وَلَجُّوا فِي إِيذَائِهِ، حَتَّى نَزَحَ عَنْ مَكَّةَ وَالْتَجَأَ إِلَى جَبَلِ "حِرَاءَ"، فَوَكَلَ بِهِ الْخَطَّابُ طَائِفَةً مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ، لِيَحُولُوا دُونَهُ وَدُونَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا سِرًّا.
* * * стр. 223
ثُمَّ إِنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ اجْتَمَعَ - فِي غَفْلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ - إِلَى كُلِّ مِنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ (١)، وَعَبْدِ اللهِ بْن جَحْشٍ (٢)، وَعُثْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَجَعَلُوا يَتَذَاكَرُونَ مَا غَرِقَتْ فِيهِ الْعَرَبُ مِنَ الضَّلَالِ؛ فَقَالَ زَيْدٌ لِأَصْحَابِهِ:
إِنَّكُمْ - وَاللهِ - لَتَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْمَكُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَخَالَفُوهُ، فَابْتَغُوا لِأَنْفُسِكُمْ دِينًا تَدِينُونَ بِهِ، إِنْ كُنْتُمْ تَرُومُونَ النَّجَاةَ.
فَهَبَّ الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ إِلَى الْأَحْبَارِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْمِلَلِ، يَلْتَمِسُونَ عِنْدَهُمُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ.
أَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَنَصَّرَ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمْ يَصِلَا إِلَى شَيْءٍ.
وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ فَكَانَتْ لَهُ قِصَّةٌ، فَلْنَدَعْ لَهُ الْكَلَامَ لِيَرْوِيَهَا لَنَا …
* * *
قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو: وَقَفْتُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، فَأَعْرَضْتُ عَنْهُمَا إِذْ لَمْ أَجِدْ فِيهِمَا مَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَجَعَلْتُ أَضْرِبُ فِي الْآفَاقِ بَحْثًا عن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى صِرْتُ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَذُكِرَ لِي رَاهِبٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ، فَأَتَيْتُهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي، فَقَالَ: أَرَاكَ تُرِيدُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ يَا أَخَا مَكَّةَ.
قُلْتُ: نَعَمْ، ذَلِكَ مَا أَبْغِي، فَقَالَ:
إِنَّكَ تَطْلُبُ دِينًا لَا يُوجَدُ الْيَوْمَ، وَلَكِنِ الْحَقِّ بِبَلَدِكَ فَإِنَّ الله يَبْعَثُ مِنْ قَوْمِكَ مَنْ يُجَدِّدُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَهُ فَالْتَزِمْهُ. стр. 224
فَقَفَلَ (١) زَيْدٌ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ يَحُثُّ الْخُطَى الْتِمَاسًا لِلنَّبِيِّ الْمَوْعُودِ.
وَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ؛ لَكِنَّ زَيْدًا لَمْ يُدْرِكْهُ إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَتَلَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَكَّةَ، وَتَكْتَحِلَ عَيْنَاهُ بِرُؤْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَفِيمَا كَانَ زَيْدٌ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ:
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ حَرَمْتَنِي مِنْ هَذَا الْخَيْرِ فَلَا تَحْرِمْ مِنْهُ ابْنِي "سَعِيدًا".
* * *
وَشَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ دَعْوَةَ زَيْدٍ، فَمَا إِنْ قَامَ الرَّسُولُ ﵊ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي طَلِيعَةٍ مَنْ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا رِسَالَةَ نَبِيِّهِ.
وَلَا غَرْوَ (٢)، فَقَدْ نَشَأَ سَعِيدٌ فِي بَيْتٍ يَسْتَنْكِرُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنَ الضَّلَالِ، وَرُبِّيَ فِي حِجْرِ أَبٍ عَاشَ حَيَاتَهُ وَهُوَ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِّ …
وَمَاتَ وَهُوَ يَرْكُضُ لَاهِثًا وَرَاءَ الْحَقِّ …
وَلَمْ يُسْلِمُ سَعِيدٌ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَتْ مَعَهُ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ أُخْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَقَدْ لَقِيَ الْفَتَى الْقُرَشِيُّ مِنْ أَذَى قَوْمِهِ مَا كَانَ خَلِيقًا (٣) أَنْ يَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ؛ وَلَكِنَّ قُرَيْشًا بَدَلًا مِنْ أَنْ تَصْرِفَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ اسْتَطَاعَ هُوَ وَزَوْجُهُ أَنْ يَنْتَزِعَا مِنْهَا رَجُلًا مِنْ أَثْقَل رِجَالِهَا وَزْنًا، وَأَجَلِّهِمْ خَطَرًا …
حَيْثُ كَانَا سَبَبًا فِي إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
* * *
وَضَعَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ طَافَاتِهِ الْفَتِيَّةَ الشَّابَّةَ كُلَّهَا فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ، إِذْ إِنَّهُ стр. 225
أَسْلَمَ وَسِنُّهُ لَمْ تُجَاوِزِ الْعِشْرِينَ بَعْدُ، فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا إِلَّا "بَدْرًا"، فَقَدْ غَابَ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مُهِمَّةٍ كَلَّفَهُ إِيَّاهَا النَّبِيُّ ﵊.
وَأَسْهَمَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِلَالِ عَرْشِ "كِسْرَى" وَتَقْوِيضِ مُلْكِ "قَيْصَرَ"، وَكَانَتْ لَهُ في كُلِّ مَوْقِعَةٍ خَاضَ غِمَارَهَا الْمُسْلِمُونَ مَوَاقِفُ غُرٌّ مَشْهُودَةٌ، وَأَيَّادٍ بِيضٌ مَحْمُودَةٌ. وَلَعَلَّ أَرْوَعَ بُطُولَاتِهِ، تِلْكَ الَّتِي سَجَّلَهَا يَوْمَ "الْيَرْمُوكِ"، فَلْنتْرُكْ لَهُ الْكَلَامَ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا طَرَفًا مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
* * *
قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ "الْيَرْمُوكِ" كُنَّا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَتْ لَنَا "الرُّومُ" بِعِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَقْبِلُوا عَلَيْنَا بِخُطى ثَقِيلَةٍ كَأَنَّهُمُ الْجِبَالُ تُحَرِّكُهَا أَيْدٍ خَفِيَّةٌ، وَسَارَ أَمَامَهُمْ الْأَسَاقِفَةُ وَالْبَطَارِقَةُ وَالْقِسِّيسُونَ يَحْمِلُونَ الصُّلْبَانَ وَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالصَّلَوَاتِ؛ فَيُرَدِّدُهَا الْجَيْشُ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَهُ هَزِيمٌ (١) كَهَزِيمِ الرَّعْدِ.
فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حَالِهُمْ هَذِهِ، هَالَتْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَخَالَطَ قُلُوبَهُمْ شَيْءٌ مِنْ خَوْفِهِمْ.
عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (٢) يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ، انْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ …
عِبَادَ اللهِ، اصْبِرُوا فَإِنَّ الصَّبْرَ مَنْجَاةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَدْحَضَةٌ (٣) لِلْعَارِ، وَأَشْرِعُوا (٤) الرِّمَاحَ، وَاسْتَتِرُوا بِالتُّرُوسِ، وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللهِ فِي أَنْفُسِكُمْ، حَتَّى آمُرَكُمْ إِنْ شَاءَ الله. стр. 226
قَالَ سَعِيدٌ:
عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ:
إِنِّي أَزْمَعْتُ (١) عَلَى أَنْ أَقْضِيَ أَمْرِيَ السَّاعَةَ (٢)، فَهَلْ لَكَ مِنْ رِسَالَةٍ تَبْعَثُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟!. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
نَعَمْ، تُقْرِئُهُ مِنِّي وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا.
قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا إِنْ سَمِعْتُ كَلَامَهُ، وَرَأَيْتُهُ يَمْتَشِقُ حُسَامَهُ (٣)، وَيَمْضِي إِلَى لِقَاءِ أَعْدَاءِ اللهِ، حَتَّى اقْتَحَمْتُ (٤) إِلَى الْأَرْضِ، وَجَثَوْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأَشْرَعْتُ رُمْحِيَ وَطَعَنْتُ أَوَّلَ فَارِسٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثُمَّ وَثَبْتُ عَلَى الْعَدُوِّ وَقَدِ انْتَزَعَ اللهُ كُلَّ مَا فِي قَلْبِي مِنَ الْخَوْفِ؛ فَثَارَ النَّاسُ فِي وُجُوهِ "الرُّومِ"، وَمَا زَالُوا يُقَاتِلُونَهُمْ حَتَّى كَتَبَ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ النَّصْرَ.
* * *
شَهِدَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَتْحَ "دِمَشْقَ"، فَلَمَّا دَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالطَّاعَةِ، جَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَ إِمْرَةَ "دِمَشْقَ" مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
وَفِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَعَتْ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ حَادِثَةٌ ظَلَّ أَهْلُ "يَثْرِبَ" يَتَحَدَّثُونَ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا.
ذَلِكَ أَنَّ "أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ" زَعَمَتْ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَدْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا وَضَمَّهَا إِلَى أَرْضِهِ، وَجَعَلَتْ تَلُوكُ (٥) ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَتَحَدَّثُ بِهِ، ثُمَّ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى "مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ" وَالِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ стр. 227
مَرْوَانُ أُنَاسًا يُكَلِّمُونَهُ فِي ذَلِكَ، فَصَعُبَ الأَمْرُ عَلَى صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ وَقَالَ:
يَرَوْنَنِي أَظْلِمُهَا!! كَيْفَ أَظْلِمُهَا؟! وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْع أَرْضِينَ) … اللَّهُمَّ إِنَّهَا قَدْ زَعَمَتْ أَنِّي ظَلَمْتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَأَلْقِهَا فِي بِئْرِهَا الَّذِي تُنَازِعُنِي فِيهِ، وَأَظْهِرْ مِنْ حَقِّي نُورًا يُبَيِّنُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنِّي لَمْ أَظْلِمْهَا.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ قَلِيلٍ، حَتَّى سَالَ "الْعَقِيقُ" (١) بِسَيْلٍ لَمْ يَسِلْ مِثْلَهُ قَطُّ، فَكَشَفَ عَنِ الْحَدِّ الَّذِي كَانَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ، وَظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّ سَعِيدًا كَانَ صَادِقًا.
وَلَمْ تَلْبَثِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا شَهْرًا حَتَّى عَمِيَتْ، وَبَيْنَا (٢) هِيَ تَطُوفُ فِي أَرْضِهَا تِلْكَ، سَقَطَتْ فِي بِئْرِهَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:
فَكُنَّا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ نَسْمَعُ الْإِنْسَانَ يَقُولُ لِلْإِنْسَانِ:
"أَعْمَاكَ اللهُ كَمَا أَعْمَى الْأَرْوَى".
وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، فَالرَّسُولُ ﵊ يَقُولُ:
(اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ).
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْمَظْلُومُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، أَحَدَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشِّرِينَ بالْجَنَّةِ؟! (*). стр. 228
الكتاب الرابع
عُمَير بن سَعْدٍ
"في صِغَرِهِ"
"عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ نَسِيجُ وَحْدِهِ"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
تَجَرَّعَ الْغُلَامُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ كَأْسَ الْيُتْمِ وَالْفَاقَةِ (١) مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ …
فَقَدْ مَضَى أَبُوهُ إِلَى رَبِّهِ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مَالًا أَوْ مُعِيلًا.
لَكِنَّ أُمَّهُ مَا لَبِثَتْ أَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ ثَرِيٍّ مِنْ أَثْرِيَاءِ "الْأَوْسِ" (٢)، يُدْعَى "الْجُلَاسَ بْنَ سُوَيْدٍ"، فَكَفَلَ ابْنَهَا عُمَيْرًا، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ.
وَقَدْ لَقِيَ عُمَيْرٌ مِنْ بِرِّ الْجُلَاسِ وَحُسْنِ رِعَايَتِهِ وَجَمِيلٍ عَطْفِهِ مَا جَعَلَهُ يَنْسَى أَنَّهُ يَتِيمٌ.
فَأَحَبَّ عُمَيْرٌ الْجُلَاسَ حُبَّ الابْنِ لِأَبِيهِ، كَمَا أُولِعَ الْجُلَاسُ بِعُمَيْرٍ وَلَعَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ.
وَكَانَ كُلَّمَا نَمَا عُمَيْرٌ وَشَبَّ، يَزْدَادُ الْجُلَاسُ لَهُ حُبًّا، وَبِهِ إِعْجَابًا؛ لِمَا كَانَ يَرَى فِيهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْفِطْنَةِ (٣) وَالنَّجَابَةِ الَّتِي تَبْدُو فِي كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، وَشَمَائِلِ (٤) الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ.
* * *
وَقَدْ أَسْلَمَ الْفَتَى عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ صَغِيرٌ لَمْ يُجَاوِزِ الْعَاشِرَةَ مِنْ عُمُرِهِ стр. 229
إِلَّا قَلِيلًا، فَوَجَدَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ الْغَضِّ مَكَانًا خَالِيًا فَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَأَلْفَى (١) الْإِسْلَامُ في نَفْسِهِ الصَّافِيَةِ الشَّفَّافَةِ تُرْبَةً خَصْبَةً فَتَغَلْغَلَ فِي ثَنَايَاهَا؛ فَكَانَ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةٍ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَغْمُرُهَا الْفَرْحَةُ كُلَّمَا رَأَتْهُ ذَاهِبًا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ آيَبًا مِنْهُ، تَارَةً مَعَ زَوْجِهَا وَتَارَةً وَحَدَهُ.
* * *
وَسَارَتْ حَيَاةُ الْغُلَامِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ: هَانِئَةً وَادِعَةً لَا يُعَكِّرُ صَفْوَهَا مُعَكِّرٌ، وَلَا يُكَدِّرُ هَنَاءَتَهَا مُكَدِّرٌ، حَتَّى شَاءَ اللهُ أَنْ يُعَرِّضَ الْغُلَامَ الْيَافِعَ (٢) لِتَجْرِبَةٍ مِنْ أَشَدِّ التَّجَارِبِ عُنْفًا وَأَقْسَاهَا قَسْوَةً، وَأَنْ يَمْتَحِنَهُ امْتِحَانًا قَلَّمَا مَرَّ بِمِثْلِهِ فَتًى فِي سِنِّهِ.
فَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ أَعْلَنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَزْمَهُ عَلَى غَزْوِ الرُّومِ فِي "تَبُوكَ" (٣) وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَسْتَعِدُّوا وَيَتَجَهَّزُوا لِذَلِكَ.
وَكَانَ ﵊ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ غَزْوَةً لَمْ يُصَرِّحَ بِهَا، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةً غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي يَقْصِدُ إِلَيْهَا، إِلَّا فِي غَزْوَةِ "تَبُوكَ"، فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ، لِبُعْدِ الشُّقَّة (٤)، وَعِظَمِ الْمَشَقَّةِ، وَقُوَّةِ الْعَدُوِّ؛ لِيَكُونَ النَّاسُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَيَأْخُذُوا لِلْأَمْرِ أُهْبَتَهُ (٥) وَيُعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الصَّيْفَ كَانَ قَدْ دَخَلَ، وَالْحَرَّ قَدِ اشْتَدَّ، وَالثِّمَارَ قَدْ أَيْنَعَتْ، وَالظِّلالَ قَدْ طَابَتْ، وَالنُّفُوسَ قَدْ رَكَنَتْ إِلَى التَّرَاخِي وَالتَّكَاسُلِ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ لَبَّى الْمُسْلِمُونَ دَعْوَةَ نَبِيِّهِمْ ﵊ وَأَخَذُوا يَتَجَهَّزُونَ ويَسْتَعِدُّونَ. стр. 230
غَيْرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ (١) أَخَذُوا يُثَبِّطُونَ (٢) الْعَزَائِمَ، وَيُوهِنُونَ (٣) الْهِمَمَ، وَيُثِيرُونَ الشُّكُوكَ، وَيَغْمِزُونَ (٤) الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَيُطْلِقُونَ فِي مَجَالِسِهِمُ الْخَاصَّةِ مِنَ الْكَلِمَاتِ مَا يَدْمَغُهُمْ بِالْكُفْرِ دَمْغًا (٥).
* * *
وَفِي يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الَّتِي سَبَقَتْ رَحِيلَ الْجَيْشِ، عَادَ الْغُلَامُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى بَيْتِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدِ امْتَلأَتْ نَفْسُهُ بِطَائِفَةٍ مُشْرِقَةٍ مِنْ صُوَرِ بَذْلِ الْمُسْلِمِينَ وَتَضْحِيَتِهِمْ رَآهَا بِعَيْنَيْهِ، وَسَمِعَهَا بِأُذُنَيْهِ.
فَقَدْ رَأَى نِسَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُقْبِلْنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَنْزَعْنَ حُلِيَّهُنَّ وَيُلْقِينَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُجَهِّزَ بِثَمَنِهِ الْجَيْشَ الْغَازِيَ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَأَبْصَرَ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (٦) يَأْتِي بِجِرَابٍ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ ذَهَبًا، وَيُقَدِّمُهُ لِلنَّبِيِّ ﵊.
وَشَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (٧) يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ وَيُلْقِيهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ .
بَلْ إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَعْرِضُ فِرَاشَهُ لِلْبَيْعِ؛ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ سَيْفًا يُقَاتِلُ بِهِ فِي سَبيل الله.
فَأَخَذَ عُمَيْرٌ يَسْتَعِيدُ هَذِهِ الصُّوَرَ الْفَذَّةَ (٨) الرَّائِعَةَ، وَيَعْجَبُ مِنْ تَبَاطُؤِ الْجُلاسِ عَنِ الاسْتِعْدَادِ لِلرَّحِيلِ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالتَّأَخُّرِ عَنِ الْبَذْلِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قُدْرَتِهِ وَيَسَارِهِ (٩). стр. 231
وَكَأَنَّمَا أَرَادَ عُمَيْرٌ أَنْ يَسْتَثِيرَ هِمَّةَ الْجُلَاسِ وَيَبْعَثَ الْحَمِيَّةَ (١) فِي نَفْسِهِ؛ فَأَخَذَ يَقُصُّ عَلَيْهِ أَخْبَارَ مَا سَمِعَ وَرَأَى، وَخَاصَّةً خَبَرَ أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَأَلُوهُ فِي لَوْعَةٍ أَنْ يَضُمَّهُمْ إِلَى الْجَيْشِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَرَدَّهُمُ النَّبِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مِنَ الرَّكَائِبِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلَّوْا (٢) وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُبَلِّغُهُمْ أُمْنِيَّتَهُمْ فِي الْجِهَادِ، وَيُحَقِّقُ لَهُمْ أَشْوَاقَهُمْ إِلَى الاسْتِشْهَادِ.
لَكِنَّ الْجُلَاسَ مَا كَادَ يَسْمَعُ مِنْ عُمَيْرٍ مَا سَمِعَ حَتَّى انْطَلَقَتْ مِنْ فَمِهِ كَلِمَةٌ أَطَارَتْ صَوَابَ (٣) الْفَتَى الْمُؤْمِنِ …
إِذْ سَمِعَهُ يَقُولُ:
"إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ".
* * *
لَقَدْ شُدِهَ (٤) عُمَيْرٌ مِمَّا سَمِعَ؛ فَمَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّ رَجُلًا لَهُ عَقْلُ الْجُلَاسِ وَسِنُّهُ، تَنِدُّ (٥) مِنْ فَمِهِ مِثْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الْإِيمَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَتُدْخِلُهُ فِي الْكُفْرِ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهِ.
وَكَمَا تَنْطَلِقُ الْآلَاتُ الْحَاسِبَةُ الدَّقِيقَةُ فِي حِسَابِ مَا يُلْقَى إِلَيْهَا مِنَ الْمَسَائِلِ، انْطَلَقَ عَقْلُ الْفَتَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ يُفَكِّرُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْنَعَهُ:
لَقَدْ رَأَى أَنَّ فِي السُّكُوتِ عَنِ الْجُلَاسِ وَالتَّسَتُّرِ عَلَيْهِ خِيَانَةً للهِ وَرَسُولِهِ، وَإِضْرَارًا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي يَكِيدُ لَهُ الْمُنَافِقُونَ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ (٦). стр. 232
وَأَنَّ فِي إِذَاعَةِ مَا سَمِعَهُ عُقُوقًا بِالرَّجُلِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْ نَفْسِهِ مَنْزِلَةَ الْوَالِدِ، وَمُجَازَاةً لإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِالْإِسَاءَةِ …
فَهُوَ الَّذِي آوَاهُ مِنْ يُتْمٍ وَأَغْنَاهُ مِنْ فَقْرٍ وَعَوَّضَهُ عَنْ فَقْدِ أَبِيهِ.
وَكَانَ عَلَى الْفَتَى أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحْلَاهُمَا مُرٌّ. وَسَرْعَانَ مَا اخْتَارَ …
فَالْتَفَتَ إِلَى الْجُلاسِ وَقَالَ: وَاللهِ يَا جُلَاسُ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ …
فَأَنْتَ آثَرُ (١) النَّاسِ عِنْدِي، وَأَجَلُّهُمْ يَدًا (٢) عَلَيَّ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً إِنْ ذَكَرْتُهَا فَضَحْتُكَ، وَإِنْ أَخْفَيْتُهَا خُنْتُ أَمَانَتِي وَأَهْلَكْتُ نَفْسِي وَدِينِي، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَمْضِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأُخْبِرَهُ بِمَا قُلْتَ، فَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِكَ.
* * *
مَضَى الْفَتَى عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﵊ بِمَا سَمِعَ مِنَ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدٍ.
فَاسْتَبْقَاهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، وَأَرْسَلَ أَحَدَ أَصْحَابِهِ لِيَدْعُوَ لَهُ الْجُلاس.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى جَاءَ الْجُلَاسُ فَحَيَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(مَا مَقَالَةٌ سَمِعَهَا مِنْكَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ؟!) … وَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ.
فَقَالَ الْجُلَاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ وَافْتَرَى، فَمَا تَفَوَّهْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. стр. 233
وَأَخَذَ الصَّحَابَةُ يُنَقِّلُونَ أَبْصَارَهُمْ بَيْنَ الْجُلَاسِ وَفَتَاهُ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْرَؤُوا عَلَى صَفْحَتَيْ وَجْهَيْهِمَا (١) مَا يُكنُّهُ (٢) صَدْرَاهُمَا.
وجَعَلُوا يَتَهَامَسُونَ … فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (٣): فَتًى عَاقٌّ أَبَى إِلَّا أَنْ يُسِيءَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُ: بَلْ إِنَّهُ غُلَامٌ نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَإِنَّ قَسَمَاتِ (٤) وَجْهِهِ لَتَنْطِقُ بِصِدْقِهِ.
وَالْتَفَتَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى عُمَيْرٍ فَرَأَى وَجْهَهُ قَدِ احْتَقَنَ (٥) بِالدَّم، وَالدُّمُوعُ تَتَحَدَّرُ مِدْرَارًا مِنْ عَيْنَيْهِ؛ فَتَتَسَاقَطُ عَلَى خَدَّيْهِ وَصَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ بَيَانَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ …
اللَّهُمَّ أُنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ بَيَانَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ …
فَانْبَرَى (٦) الْجُلَاسُ وَقَالَ: إِنَّ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ الْحَقُّ، وَإِنْ شِئْتَ تَحَالَفْنَا (٧) بَيْنَ يَدَيْكَ.
وَإِنِّي أَحْلِفُ بِاللهِ أَنِّي مَا قُلْتُ شَيْئًا مِمَّا نَقَلَهُ لَكَ عُمَيْرٌ.
فَمَا إِنِ انْتَهَى مِنْ حَلْفِهِ وَأَخَذَتْ عُيُونُ النَّاسِ تَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ حَتَّى غَشِيَتْ (٨) رَسُولَ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَعَرَفَ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ стр. 234
الْوَحْيُ، فَلَزِمُوا أَمَاكِنَهُمْ، وَسَكَنَتْ جَوَارِحُهُمْ، وَلَاذُوا بِالصَّمْتِ (١) وَتَعَلَّقَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالنَّبِيِّ ﵊.
وَهُنَا ظَهَرَ الْخَوْفُ وَالْوَجَلُ عَلَى الْجُلَاسِ …
وَبَدَا التَّلَهُّفُ وَالتَّشَوُّفُ (٢) عَلَى عُمَيْرٍ …
وَظَلَّ الْجَمِيعُ كَذَلِكَ حَتَّى سُرِّيَ (٣) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَلَا قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ (٤) خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ (٥).
فَارْتَعَدَ الْجُلَاسُ مِنْ هَوْلِ مَا سَمِعَ، وَكَادَ يَنْعَقِدُ لِسَانُهُ مِنَ الْجَزَعِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ:
بَلْ أَتُوبُ يَا رَسُولَ اللهِ …
بَلْ أَتُوبُ …
صَدَقَ عُمَيْرٌ - يَا رَسُولَ اللهِ - وَكُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
اسْأَلِ الله أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتي، جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. стр. 235
وَهُنَا تَوَجَّهَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى الْفَتَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، فَإِذَا دُمُوعُ الْفَرَحِ تُبَلِّلُ وَجْهَهُ الْمُشْرِقَ بِنُورِ الْإِيمَانِ.
فَمَدَّ الرَّسُولُ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ إِلَى أُذُنِهِ وَأَمْسَكَهَا بِرِفْقٍ وَقَالَ:
(وَفَّتْ أُذُنُكَ - يَا غُلَامُ - مَا سَمِعَتْ، وَصَدَّقَكَ رَبُّكَ).
* * *
عَادَ الْجُلَاسُ إِلَى حَظِيرَةِ الْإِسْلَامِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
وَقَدْ عَرَفَ الصَّحَابَةُ صَلَاحَ حَالِهِ مِمَّا كَانَ يُغْدِقُهُ (١) عَلَى عُمَيْرٍ مِنْ بِرٍّ.
وَقَدْ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا ذُكِرَ عُمَيْرٌ:
جَزَاهُ اللهُ عَنِّي خَيْرًا، فَقَدْ أَنْقَذَنِي مِنَ الْكُفْرِ، وَأَعْتَقَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ.
وَبَعْدُ … فَلَيْسَتْ هَذِهِ أَوْضَأَ (٢) صُورَةٍ فِي حَيَاةِ الْغُلَامِ الصَّحَابِيِّ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَا أَشَدَّهَا تَألُّقًا.
وَإِنَّمَا فِي حَيَاتِهِ مِنَ الصُّوَرِ مَا هُوَ أَزْهَى وَأَجْمَلُ.
فَإِلَى لِقَاءٍ آخَرَ مَعَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ فِي كِبَرِهِ. стр. 236
عُمَير بن سَعْدٍ
"في كِبَرِهِ"
"لَكُمْ وَدِدْتُ أَنَّ لِي رِجَالًا مِثْلَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ لِأسْتَعِينَ بِهِمْ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
وَقَفْنَا آنِفًا (١) عَلَى صُورَةٍ فَذَّةٍ (٢) وَضِيئَةٍ مِنْ حَيَاةِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ فِي صِغَرِهِ، فَتَعَالَوْا نَقِفِ الْآنَ عَلَى صُورَةٍ رَائِعَةٍ مُشْرِقَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ فِي كِبَرِهِ، وَسَتَجِدُونَ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ لَنْ تَقِلَّ عَنِ الْأُولَى جَلَالًا وَبَهَاءً.
* * *
كَانَ أَهْلُ "حِمْصَ" (٣) شَدِيدِي التَّذَمُّرِ مِنْ وَلَاتِهِمْ، كَثِيرِي الشَّكْوَى مِنْهُمْ، فَمَا جَاءَهُمْ مِنْ وَالٍ إِلَّا وَجَدُوا فِيهِ عُيُوبًا، وَأَحْصَوْا لَهُ ذُنُوبًا، وَرَفَعُوا أَمْرَهُ إِلَى خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَمَنَّوْا عَلَيْهِ أَنْ يُبْدِلَهُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
فَعَزَمَ الْفَارُوقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بِوَالٍ لَا يَجِدُونَ فِيهِ مَطْعَنًا وَلَا يَرَوْنَ فِي سِيرَتِهِ مَغْمَزًا (٤).
فَنَثَرَ كِنَانَةَ (٥) رِجَالِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَجَمَ (٦) عِيدَانَهَا عُودًا عُودًا، فَلَمْ يَجِدْ خَيْرًا مِنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ عُمَيْرًا كَانَ إِذْ ذَاكَ يَضْرِبُ (٧) فِي أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مِنْ стр. 237
بِلَادِ الشَّامِ عَلَى رَأْسِ جَيْشِهِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُحَرِّرُ الْمُدُنَ وَيَدُلُّ الْمَعَاقِلَ (١)، وَيُخْضِعُ الْقَبَائِلَ، وَيُقِيمُ الْمَسَاجِدَ فِي كُلِّ أَرْضٍ وَطِئَتْهَا قَدَمَاهُ …
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ دَعَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِوِلَايَةِ "حِمْصَ" وَأَمَرَهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، فَأَذْعَنَ لِلْأَمْرِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْثِرُ (٢) شَيْئًا عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
* * *
بَلَغَ عُمَيْرٌ "حِمْصَ" فَدَعَا النَّاسَ إِلَى صَلَاةٍ جَامِعَةٍ.
وَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قَالَ:
"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْإِسْلَامَ حِصْنٌ مَنِيعٌ، وَبَابٌ وَثِيقٌ (٣)، وَحِصْنُ الْإِسْلَامِ الْعَدْلُ وَبَابُهُ الْحَقُّ …
فَإِذَا دُكَّ الْحِصْنُ وَحُطِّمَ الْبَابُ اسْتُبِيحَ حِمَى هَذَا الدِّينِ …
وَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَا يَزَالُ مَنِيعًا مَا اشْتَدَّ السُّلْطَانُ …
وَلَيْسَتْ شِدَّةُ السُّلْطَانِ ضَرْبًا بِالسَّوْطِ (٤) وَلَا قَتْلًا بِالسَّيْفِ، وَلَكِنْ قَضَاءً بِالْعَدْلِ وَأَخَذًا بِالْحَقِّ".
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى عَمَلِهِ لِيُنَفِّذَ مَا اخْتَطَّهُ لَهُمْ مِنْ دُسْتُورٍ فِي خُطْبَتِهِ الْقَصِيرَةِ.
* * *
قَضَى عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ حَوْلًا (٥) كَامِلًا فِي "حِمْصَ" لَمْ يَكْتُبْ خِلَالَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا، وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفَيْءِ (٦) دِرْهَمًا стр. 238
وَلَا دِينَارًا، فَأَخَذَتِ الشُّكُوكُ تُسَاوِرُ (١) عُمَرَ إِذْ كَانَ شَدِيدَ الْخَشْيَةِ عَلَى وَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْإِمَارَةِ، فَلَا مَعْصُومَ عِنْدَهُ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وَقُلْ لَهُ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَدَعْ "حِمْصَ" وَأَقْبِلْ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ مَعَكَ مَا جَبَيْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
تَلَقَّى عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ كِتَابَ عُمَرَ ﵁ وَعَنْ عُمَيْرٍ؛ فَأَخَذَ جِرَابَ زَادِهِ (٢) وَحَمَلَ عَلَى عَاتِقِهِ (٣) قَصْعَتَهُ (٤) وَوِعَاءَ وَضُوئِهِ، وَأَمْسَكَ بِيَدِهِ حَرْبَتَهُ، وَخَلَّفَ "حِمْصَ" وَإِمَارَتَهَا وَرَاءَهُ، وَانْطَلَقَ يَحُثُّ الْخُطَا - مَشْيًا عَلَى قَدَمَيْهِ - إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَمَا كَادَ يَبْلُغُ عُمَيْرٌ الْمَدِينَةَ حَتَّى كَانَ قَدْ شَحَبَ لَوْنُهُ، وَهَزُلَ جِسْمُهُ وَطَالَ شَعْرُهُ، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ وَعْثَاءُ (٥) السَّفَرِ.
* * *
دَخَلَ عُمَيْرٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدُهِشَ الْفَارُوقُ مِنْ حَالَتِهِ وَقَالَ: مَا بِكَ يَا عُمَيْرُ؟!.
فَقَالَ: مَا بِي مِنْ شَيْءٍ - يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - فَأَنَا صَحِيحٌ مُعَافًى - بِحَمْدِ اللهِ - أَحْمِلُ مَعِي الدُّنْيَا كُلَّهَا وَأَجُرُّهَا مِنْ قَرْنَيْهَا.
فَقَالَ: وَمَا مَعَكَ مِنَ الدُّنْيَا؟ [وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُ مَالًا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ].
فَقَالَ: مَعِي جِرَابِي وَقَدْ وَضَعْتُ فِيهِ زَادِي … стр. 239
وَمَعِي قَصْعَتِي آكُلُ فِيهَا وَأَغْسِلُ عَلَيْهَا رَأْسِي وَثِيَابِي ..
وَمَعِي قِرْبَةٌ لِوُضُوئِي وَشَرَابِي …
ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا - يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - تَبَعٌ لِمَتَاعِي هَذَا، وَفَضْلَةٌ لَا حَاجَةَ لِي وَلَا لِأَحَدٍ غَيْرِي فِيهَا.
فَقَالَ عُمَرُ: وَهَلْ جِئْتَ مَاشِيًا؟!.
قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا أُعْطِيتَ مِنَ الْإِمَارَةِ دَابَّةً تَرْكَبُهَا؟!.
فَقَالَ: هُمْ لَمْ يُعْطُونِي، وَأَنَا لَمْ أَطْلُبْ مِنْهُمْ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَأَيْنَ مَا أَتَيْتَ بِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ؟.
فَقَالَ: لَمْ آتِ بِشَيْءٍ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ؟!.
فَقَالَ: لَمَّا وَصَلْتُ إِلَى "حِمْصَ"؛ جَمَعْتُ صُلَحَاءَ أَهْلِهَا، وَوَلَّيْتُهُمْ جَمْعَ فَيْئِهِمْ، فَكَانُوا كُلَّمَا جَمَعُوا شَيْئًا مِنْهُ؛ اسْتَشَرْتُهُمْ فِي أَمْرِهِ وَوَضَعْتُهُ فِي مَوَاضِعِهِ، وَأَنْفَقْتُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْهُمْ.
فَقَالَ عُمَرُ لِكَاتِبِهِ: جَدِّدْ عَهْدًا لِعُمَيْرٍ عَلَى وِلَايَةِ "حِمْصَ".
فَقَالَ عُمَيْرٌ: هَيْهَاتَ (١) … فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا أُرِيدُهُ، وَلَنْ أَعْمَلَ لَكَ وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى قَرْيَةٍ فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ يُقِيمُ بِهَا أَهْلُهُ، فَأَذِنَ لَهُ.
* * * стр. 240
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَهَابِ عُمَيْرٍ إِلَى قَرْيَتِهِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَخْتَبِرَ صَاحِبَهُ، وَأَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْ أَمْرِهِ؛ فَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْ ثِقَاتِهِ يُدْعَى الْحَارِثَ:
انْطَلِقْ يَا حَارِثُ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، وَانْزِلْ بِهِ كَأَنَّكَ ضَيْفٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ عَلَيْهِ آثَارَ نِعْمَةٍ؛ فَعُدْ كَمَا أَتَيْتَ.
وَإِنْ وَجَدْتَ حَالًا شَدِيدَةً فَأَعْطِهِ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ …
وَنَاوَلَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ.
* * *
انْطَلَقَ الْحَارِثُ حَتَّى بَلَغَ قَرْيَةَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَدُلَّ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا لَقِيَهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، مِنْ أَيْنَ قَدِمْتَ؟.
فَقَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: كَيْفَ تَرَكْتَ الْمُسْلِمِينَ؟.
فَقَالَ: بِخَيْرٍ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟.
فَقَالَ: صَحِيحٌ صَالِحٌ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَلَيْسَ يُقِيمُ الْحُدُودَ؟!.
قَالَ: بَلَى، وَلَقَدْ ضَرَبَ ابْنًا لَهُ لِفَاحِشَةٍ أَتَاهَا.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: اللَّهُمَّ أَعِنْ عُمَرَ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا شَدِيدَ الْحُبِّ لَكَ.
* * *
стр. 241
أَقَامَ الْحَارِثُ فِي ضِيَافَةِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَكَانَ يُخْرِجُ لَهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قُرْصًا مِنَ الشَّعِيرِ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ؛ قَالَ لِلْحَارِثِ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ:
لَقَدْ أَجْهَدْتَ (١) عُمَيْرًا وَأَهْلَهُ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا هَذَا الْقُرْصُ الَّذِي يُؤْثِرُونَكَ (٢) بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَضَرَّ بِهِمُ الْجُوعُ وَالْجَهْدُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَحَوَّلَ عَنْهُمْ إِلَيَّ فَافْعَلْ …
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ الْحَارِثُ الدَّنَانِيرَ، وَدَفَعَهَا إِلَى عُمَيْرٍ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: مَا هَذِهِ؟!!.
فَقَالَ الْحَارِثُ: بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: رُدَّهَا إِلَيْهِ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: لَا حَاجَةَ لِعُمَيْرٍ بِهَا.
فَصَاحَتْ امْرَأَتُهُ - وَكَانَتْ تَسْمَعُ مَا يَدُورُ بَيْنَ زَوْجِهَا وَضَيْفِهِ - وَقَالَتْ:
خُذْهَا - يَا عُمَيْرُ - فَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهَا أَنْفَقْتَهَا، وَإِلَّا وَضَعْتَهَا فِي مَوَاضِعِهَا (٣)، فَالْمُحْتَاجُونَ هُنَا كَثِيرٌ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْحَارِثُ قَوْلَهَا؛ أَلْقَى الدَّنَانِيرَ بَيْنَ يَدَيْ عُمَيْرٍ وَانْصَرَفَ، فَأَخَذَهَا عُمَيْرٌ وَجَعَلَهَا فِي صُرَرٍ صَغِيرَةٍ وَلَمْ يَبِتْ لَيْلَتَهُ تِلْكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ وَزَّعَهَا بَيْنَ ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَخَصَّ مِنْهُمْ أَبْنَاءَ الشُّهَدَاءِ.
* * *
عَادَ الْحَارِثُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا رَأَيْتَ يَا حَارِثُ؟. стр. 242
فَقَالَ: حَالًا شَدِيدَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَدَفَعْتَ إِلَيْهِ الدَّنَانِيرَ؟.
فَقَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَمَا صَنَعَ بِهَا؟!
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَمَا أَظُنُّهُ يُبْقِي لِنَفْسِهِ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا.
فَكَتَبَ الْفَارُوقُ إِلَى عُمَيْرٍ يَقُولُ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَضَعْهُ مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ عَلَيَّ.
* * *
تَوَجَّهَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَيَّاهُ عُمَرُ وَرَحَّبَ بِهِ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ (١) ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا صَنَعْتَ بِالدَّنَانِيرِ يَا عُمَيْرُ؟!.
فَقَالَ: وَمَا عَلَيْكَ مِنْهَا يَا عُمَرُ بَعْدَ أَنْ خَرَجْتَ لِي عَنْهَا؟!!!.
فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِمَا صَنَعْتَ بِهَا.
فَقَالَ: ادَّخَرْتُهَا لِنَفْسِي لِأَنْتَفِعَ بِهَا فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ …
فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٢) … ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ (٣) مِنْ طَعَامٍ وَثَوْبَيْنِ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ تَرَكْتُ عِنْدَ أَهْلِي صَاعَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، وَإِلَى أَنْ نَأْكُلَهُمَا يَكُونُ اللهُ قَدْ جَاءَنَا بالرِّزْقِ … стр. 243
وَأَمَّا الثَّوْبَانِ فَآخُذُهُمَا لِأُمِّ فُلَانٍ [يَعْنِي زَوْجَتَهُ]، فَقَدْ بَلِيَ ثَوْبُهَا وَكَادَتْ تَعْرَى.
* * *
لَمْ يَمْضِ طَوِيلُ وَقْتٍ عَلَى ذَلِكَ اللِّقَاءِ بَيْنَ الْفَارُوقِ وَصَاحِبِهِ حَتَّى أَذِنَ اللهُ لِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ بِأَنْ يَلْحَقَ بِنَبِيِّهِ وَقُرَّةِ عَيْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ طَالَتْ أَشْوَاقُهُ إِلَى لِقَائِهِ.
فَمَضَى عُمَيْرٌ فِي طَرِيقِ الْآخِرَةِ وَادِعَ النَّفْسِ، وَاثِقَ الْخَطْوِ، لَا يُثْقِلُ كَاهِلَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْمَالِ الدُّنْيَا، وَلَا يَؤُودُ (١) ظَهْرَهُ عِبْءٌ مِنْ أَثْقَالِهَا …
مَضَى لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا نُورُهُ وَهُدَاهُ، وَوَرَعُهُ وَتُقَاهُ …
فَلَمَّا بَلَغَ الْفَارُوقَ نَعْيُهُ، وَشَّحَ الْحُزْنُ وَجْهَهُ، وَاعْتَصَرَ الْأَسَى فُؤَادَهُ وَقَالَ:
"وَدِدْتُ أَنَّ لِي رِجَالًا مِثْلَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ أَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ".
* * *
رَضِيَ الله عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وَأَرْضَاهُ …
فَقَدْ كَانَ نَمَطًا فَريدًا بَيْنَ الرِّجَالِ …
وَتِلْمِيذًا مُتَفَوِّقًا فِي مَدْرَسَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ … (*). стр. 244
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ
"بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ"
[مِنْ دُعَاءِ الرَّسُولِ ﷺ لَهُ]
هُوَ أَحَدُ الثَّمَانِيَةِ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام …
وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ …
وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى يَوْمَ اخْتِيَارِ الْخَلِيفَةِ بَعْدَ الْفَارُوقِ …
وَأَحَدُ النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي الْمَدِينَةِ وَرَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حَيٌّ قَائِمٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ …
كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا أَسْلَمَ دَعَاهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ذَلِكُمْ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
أَسْلَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ دَارَ "الْأَرْقَمِ" (١) وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ الصِّدِّيقِ بِيَوْمَيْنِ اثْنَيْنِ.
وَلَقِيَ مِنَ الْعَذَابِ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ فَصَبَرَ وَصَبَرُوا، وَثَبَتَ وَثَبَتُوا، وَصَدَقَ وَصَدَقُوا، وَفَرَّ بِدِينِهِ إِلَى "الْحَبَشَةِ" كَمَا فَرَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِدِينِهِ. стр. 245
وَلَمَّا أُذِنَ لِلرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا للهِ وَرَسُولِهِ.
وَلَمَّا أَخَذَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يُؤَاخِي بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ (١) ﵁، فَقَالَ سَعْدٌ لِأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَيْ أُخَيَّ … أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، وَعِنْدِي بُسْتَانَانِ، وَلِي امْرَأَتَانِ؛ فَانْظُرْ أَيُّ بُسْتَانَيَّ أَحَبُّ إِلَيْكَ حَتَّى أَخْرُجَ لَكَ عَنْهُ، وَأَيُّ امْرَأَتَيَّ أَرْضَى عِنْدَكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا لَكَ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِأَخِيهِ الْأَنْصَارِيِّ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ …
وَلَكِنْ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ …
فَدَلَّهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يَتَّجِرُ، وَطَفِقَ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ، وَيَرْبَحُ وَيَدَّخِرُ.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى اجْتَمَعَ لَدَيْهِ مَهْرُ امْرَأَةٍ فَتَزَوَّجَ، وَجَاءَ الرَّسُولَ ﵊ وَعَلَيْهِ طِيبٌ …
فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: (مَهْيَمْ (٢) يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ).
فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ …
فَقَالَ: (وَمَا أَعْطَيْتَ زَوْجَتَكَ مِنَ الْمَهْرِ؟!).
قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ …
قَالَ ﷺ : (أَوْلِمْ (٣)، وَلَوْ بِشَاةٍ، بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي مَالِكَ) …
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيَّ حَتَّى رَأَيْتُنِي لَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا стр. 246
لَتَوَقَّعْتُ أَنْ أَجِدَ تَحْتَهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً.
* * *
وَفِي يَوْم "بَدْرٍ" جَاهَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ فَأَرْدَى (١) عَدُوٌّ اللهِ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ كَعْبٍ التَّيْمِيَّ.
وَفِي يَوْمِ "أُحُدٍ" ثَبَتَ حِينَ زُلْزِلَتِ الْأَقْدَامُ، وَصَمَدَ حِينَ فَرَّ الْمُنْهَزِمُونَ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَفِيهِ بِضْعَةٌ (٢) وَعِشْرُونَ جُرْحًا، بَعْضُهَا عَمِيقٌ تَدْخُلُ فِيهِ يَدُ الرَّجُل.
وَلَكِنَّ جِهَادَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِنَفْسِهِ أَصْبَحَ يُعَدُّ قَلِيلًا إِذَا قِيسَ بِجِهَادِهِ بِمَالِهِ … فَهَا هُوَ ذَا رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يُجَهِّزَ سَرِيَّةً، فَوَقَفَ فِي أَصْحَابِهِ وَقَالَ: (تَصَدَّقُوا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا).
فَبَادَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِلَى مَنْزِلِهِ وَعَادَ مُسْرِعًا وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي أَرْبَعَةُ آلَافٍ:
أَلْفَانِ مِنْهَا أَقْرَضْتُهُمَا رَبِّي، وَأَلْفَانِ تَرَكْتُهُمَا لِعِيَالِي.
فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ:
(بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ …
وَبَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ … )
* * *
وَلَمَّا عَزَمَ الرَّسُولُ ﵊ عَلَى غَزْوَةِ "تَبُوكَ" (٣) - وَهِيَ آخِرُ стр. 247
غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي حَيَاتِهِ - كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَالِ لَا تَقِلُّ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّجَالِ؛ فَجَيْشُ "الرُّومِ" وَافِرُ الْعَدَدِ كَثِيرُ الْعُدَدِ، وَالْعَامُ فِي الْمَدِينَةِ عَامُ جَدْبٍ، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ، وَالْمَؤُونَةُ قَلِيلَةٌ، وَالرَّوَاحِلُ أَقَلُّ حَتَّى إِنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَاؤُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ فِي حُرْقَةٍ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مَعَهُ فَرَدَّهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ. فَسُمُّوا بِالْبَكَّائِينَ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْجَيْشِ اسْمُ "جَيْشِ الْعُسْرَةِ".
عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الرَّسُولُ ﵊ أَصْحَابَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاحْتِسَابِ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ، فَهَبَّ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﵊، وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُتَصَدِّقِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَقَدْ تَصَدَّقَ بِمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيِّ ﵇:
إِنِّي لَا أَرَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَّا مُرْتَكِبًا إِثْمًا؛ فَمَا تَرَكَ لِأَهْلِهِ شَيْئًا …
فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊:
(هَلْ تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ شَيْئًا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟).
فَقَالَ: نَعَمْ … تَرَكْتُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْفَقْتُ وَأَطْيَبَ.
قال ﷺ : (كُمْ؟!).
قَالَ: مَا وَعَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الرِّزْقِ وَالْخَيْرِ وَالْأَجْرِ.
* * *
وَمَضَى الْجَيْشُ إِلَى "تَبُوكَ" … وَهُنَاكَ أَكْرَمَ اللهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بِمَا لَمْ يُكْرِمْ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ غَائِبٌ؛ فَأَمَّ الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمَا كَادَتْ تَتِمُّ الرَّكْعَةُ الْأُولَى حَتَّى لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُصَلِّينَ، وَاقْتَدَى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَصَلَّى خَلْفَهُ …
стр. 248
فَهَلْ هُنَالِكَ أَكْرَمُ كَرَامَةً وَأَفْضَلُ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَغْدُوَ أَحَدٌ إِمَامًا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ، وَإِمَامِ الْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؟!!.
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ ﵊ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (١) جَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُومُ بِمَصَالِحِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ يَنْهَضُ بِحَاجَاتِهِنَّ … فَيَخْرُجُ مَعَهُنَّ إِذَا خَرَجْنَ، وَيَحُجُّ مَعَهُنَّ إِذَا حَجَجْنَ وَيَجْعَلُ عَلَى هَوَادِجِهِنَّ (٢) الطَّيَالِسَةَ (٣)، وَيَنْزِلُ بِهِنَّ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي تَسُرُّهُنَّ، وَتِلْكَ مَنْقَبَةٌ (٤) مِنْ مَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَثِقَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَعْتَزَّ بِهَا وَيَفْخَرَ.
* * *
وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ بِرِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِالْمُسْلِمِينَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ بَاعَ أَرْضًا لَهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ؛ فَقَسَمَهَا كُلَّهَا فِي بَنِي "زُهْرَةَ" (٥) وَفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵊، فَلَمَّا بَعَثَ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا بِمَا خَصَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ؛ قَالَتْ:
مَنْ بَعَثَ هَذَا الْمَالَ؟. فَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
(لَا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ مِنْ بَعْدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ).
* * *
وَقَدِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﵊ وَبُورِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي مَالِهِ، فَقَدْ أَخَذَتْ تِجَارَتُهُ تَنْمُو وَتَزْدَادُ، وَطَفِقَتْ عِيرُهُ (٦) تَتَرَدَّدُ ذَاهِبَةً стр. 249
مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ آيبَةً (١) إِلَيْهَا تَحْمِلُ لِأَهْلِهَا الْبُرَّ (٢)، وَالدَّقِيقَ، وَالدُّهْنَ، وَالثِّيَابَ وَالْآنِيَةَ، وَالطِّيبَ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ …
وَتَنْقُلُ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِمْ مِمَّا يُنْتِجُونَهُ.
* * *
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ قَدِمَتْ عِيرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ مُؤَلَّفَةً مِنْ سَبْعِمِائَةِ رَاحِلَةٍ … نَعَمْ سَبْعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ … وَهِيَ تَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِهَا الْمِيرَةَ (٣)، وَالْمَتَاعَ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ.
فَمَا إِنْ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ حَتَّى رُجَّتِ الْأَرْضُ بِهَا رَجًّا، وَسُمِعَ لَهَا دَوِيٌّ وَضَجَّةٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: مَا هَذِهِ الرَّجَّةُ؟ فَقِيلَ لَهَا: عِيرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ … سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ، وَالدَّقيقَ، وَالطَّعَامَ.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا:
بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيمَا أَعْطَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَثَوَابُ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ.
* * *
وَقَبْلَ أَنْ تَبْرُكَ النُّوقُ، كَانَ الْخَبَرُ قَدْ نُقِلَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَمَا إِنْ لَامَسَتْ مَقَالَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ سَمْعَهُ حَتَّى طَارَ مُسْرِعًا إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ:
أُشْهِدُكِ يَا أَمَّهْ أَنَّ هَذِهِ الْعِيرَ جَمِيعَهَا بِأَحْمَالِهَا وَأَقْتَابِهَا (٤) وَأَحْلَاسِهَا (٥) في سَبيلِ الله.
* * *
بَقِيَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﵊ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِأَنْ يُبَارِكَ اللهُ لَهُ تُظَلِّلُهُ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ، حَتَّى غَدًا أَغْنَى الصَّحَابَةِ غِنًى وَأَكْثَرَهُمْ стр. 250
ثَرَاءً … لَكِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَالَ كُلَّهُ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَكَانَ يُنْفِقُهُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَسِرًّا وَإِعْلَانًا …
حَيْثُ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَم مِنَ الْفِضَّةِ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا … ثُمَّ تَصَدَّقَ بِمِائَتَي أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ ....
ثُمَّ حَمَلَ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَرَسٍ، ثُمَّ حَمَلَ مُجَاهِدِينَ آخَرِينَ عَلَى أَلْفِ وَخَمْسِمِائَةِ رَاحِلَةٍ.
وَلَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الْوَفَاةُ أَعْتَقَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِ.
وَأَوْصَى لِكُلِّ رَجُلٍ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ "بَدْرٍ" بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبًا، فَأَخَذُوهَا جَمِيعًا، وَكَانَ عَدَدُهُمْ مِائَةٌ.
وَأَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَالٍ جَزِيلٍ؛ حَتَّى إِنَّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا - كَثِيرًا مَا كَانَتْ تَدْعُو لَهُ فَتَقُولُ:
سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ مَاءِ السَّلْسَبِيلِ (١).
ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ خَلَّفَ لِوَرَثَتِهِ مَالًا لَا يَكَادُ يُحْصِيهِ الْعَدُّ …
حَيْثُ تَرَكَ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَمِائَةَ فَرَسٍ، وَثَلَاثَةَ آلَافِ شَاةٍ، وَكَانَتْ نِسَاؤُهُ أَرْبَعًا فَبَلَغَ رُبُعُ الثُّمُنِ الَّذِي خَصَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَمَانِينَ أَلْفًا.
وَتَرَكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا قُسْمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بِالْفُؤُوسِ حَتَّى تَأَثَّرَتْ أَيْدِي الرِّجَالِ مِنْ تَقْطِيعِهِ.
كُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي مَالِهِ.
* * * следующие страницы →