← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لَتَوَقَّعْتُ أَنْ أَجِدَ تَحْتَهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. * * * وَفِي يَوْم "بَدْرٍ" جَاهَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ فَأَرْدَى (١) عَدُوٌّ اللهِ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ كَعْبٍ التَّيْمِيَّ. وَفِي يَوْمِ "أُحُدٍ" ثَبَتَ حِينَ زُلْزِلَتِ الْأَقْدَامُ، وَصَمَدَ حِينَ فَرَّ الْمُنْهَزِمُونَ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَفِيهِ بِضْعَةٌ (٢) وَعِشْرُونَ جُرْحًا، بَعْضُهَا عَمِيقٌ تَدْخُلُ فِيهِ يَدُ الرَّجُل. وَلَكِنَّ جِهَادَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِنَفْسِهِ أَصْبَحَ يُعَدُّ قَلِيلًا إِذَا قِيسَ بِجِهَادِهِ بِمَالِهِ … فَهَا هُوَ ذَا رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يُجَهِّزَ سَرِيَّةً، فَوَقَفَ فِي أَصْحَابِهِ وَقَالَ: (تَصَدَّقُوا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا). فَبَادَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِلَى مَنْزِلِهِ وَعَادَ مُسْرِعًا وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي أَرْبَعَةُ آلَافٍ: أَلْفَانِ مِنْهَا أَقْرَضْتُهُمَا رَبِّي، وَأَلْفَانِ تَرَكْتُهُمَا لِعِيَالِي. فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ … وَبَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ … ) * * * وَلَمَّا عَزَمَ الرَّسُولُ ﵊ عَلَى غَزْوَةِ "تَبُوكَ" (٣) - وَهِيَ آخِرُ

стр. 247

غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي حَيَاتِهِ - كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَالِ لَا تَقِلُّ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّجَالِ؛ فَجَيْشُ "الرُّومِ" وَافِرُ الْعَدَدِ كَثِيرُ الْعُدَدِ، وَالْعَامُ فِي الْمَدِينَةِ عَامُ جَدْبٍ، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ، وَالْمَؤُونَةُ قَلِيلَةٌ، وَالرَّوَاحِلُ أَقَلُّ حَتَّى إِنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَاؤُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ فِي حُرْقَةٍ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مَعَهُ فَرَدَّهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ. فَسُمُّوا بِالْبَكَّائِينَ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْجَيْشِ اسْمُ "جَيْشِ الْعُسْرَةِ". عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الرَّسُولُ ﵊ أَصْحَابَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاحْتِسَابِ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ، فَهَبَّ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﵊، وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُتَصَدِّقِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَقَدْ تَصَدَّقَ بِمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيِّ ﵇: إِنِّي لَا أَرَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَّا مُرْتَكِبًا إِثْمًا؛ فَمَا تَرَكَ لِأَهْلِهِ شَيْئًا … فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: (هَلْ تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ شَيْئًا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟). فَقَالَ: نَعَمْ … تَرَكْتُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْفَقْتُ وَأَطْيَبَ. قال ﷺ : (كُمْ؟!). قَالَ: مَا وَعَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الرِّزْقِ وَالْخَيْرِ وَالْأَجْرِ. * * * وَمَضَى الْجَيْشُ إِلَى "تَبُوكَ" … وَهُنَاكَ أَكْرَمَ اللهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بِمَا لَمْ يُكْرِمْ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ غَائِبٌ؛ فَأَمَّ الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمَا كَادَتْ تَتِمُّ الرَّكْعَةُ الْأُولَى حَتَّى لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُصَلِّينَ، وَاقْتَدَى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَصَلَّى خَلْفَهُ …

стр. 248

فَهَلْ هُنَالِكَ أَكْرَمُ كَرَامَةً وَأَفْضَلُ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَغْدُوَ أَحَدٌ إِمَامًا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ، وَإِمَامِ الْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؟!!. * * * وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ ﵊ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (١) جَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُومُ بِمَصَالِحِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ يَنْهَضُ بِحَاجَاتِهِنَّ … فَيَخْرُجُ مَعَهُنَّ إِذَا خَرَجْنَ، وَيَحُجُّ مَعَهُنَّ إِذَا حَجَجْنَ وَيَجْعَلُ عَلَى هَوَادِجِهِنَّ (٢) الطَّيَالِسَةَ (٣)، وَيَنْزِلُ بِهِنَّ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي تَسُرُّهُنَّ، وَتِلْكَ مَنْقَبَةٌ (٤) مِنْ مَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَثِقَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَعْتَزَّ بِهَا وَيَفْخَرَ. * * * وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ بِرِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِالْمُسْلِمِينَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ بَاعَ أَرْضًا لَهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ؛ فَقَسَمَهَا كُلَّهَا فِي بَنِي "زُهْرَةَ" (٥) وَفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵊، فَلَمَّا بَعَثَ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا بِمَا خَصَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ؛ قَالَتْ: مَنْ بَعَثَ هَذَا الْمَالَ؟. فَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ مِنْ بَعْدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ). * * * وَقَدِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﵊ وَبُورِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي مَالِهِ، فَقَدْ أَخَذَتْ تِجَارَتُهُ تَنْمُو وَتَزْدَادُ، وَطَفِقَتْ عِيرُهُ (٦) تَتَرَدَّدُ ذَاهِبَةً

стр. 249

مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ آيبَةً (١) إِلَيْهَا تَحْمِلُ لِأَهْلِهَا الْبُرَّ (٢)، وَالدَّقِيقَ، وَالدُّهْنَ، وَالثِّيَابَ وَالْآنِيَةَ، وَالطِّيبَ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ … وَتَنْقُلُ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِمْ مِمَّا يُنْتِجُونَهُ. * * * وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ قَدِمَتْ عِيرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ مُؤَلَّفَةً مِنْ سَبْعِمِائَةِ رَاحِلَةٍ … نَعَمْ سَبْعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ … وَهِيَ تَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِهَا الْمِيرَةَ (٣)، وَالْمَتَاعَ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ. فَمَا إِنْ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ حَتَّى رُجَّتِ الْأَرْضُ بِهَا رَجًّا، وَسُمِعَ لَهَا دَوِيٌّ وَضَجَّةٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: مَا هَذِهِ الرَّجَّةُ؟ فَقِيلَ لَهَا: عِيرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ … سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ، وَالدَّقيقَ، وَالطَّعَامَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيمَا أَعْطَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَثَوَابُ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ. * * * وَقَبْلَ أَنْ تَبْرُكَ النُّوقُ، كَانَ الْخَبَرُ قَدْ نُقِلَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَمَا إِنْ لَامَسَتْ مَقَالَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ سَمْعَهُ حَتَّى طَارَ مُسْرِعًا إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: أُشْهِدُكِ يَا أَمَّهْ أَنَّ هَذِهِ الْعِيرَ جَمِيعَهَا بِأَحْمَالِهَا وَأَقْتَابِهَا (٤) وَأَحْلَاسِهَا (٥) في سَبيلِ الله. * * * بَقِيَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﵊ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِأَنْ يُبَارِكَ اللهُ لَهُ تُظَلِّلُهُ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ، حَتَّى غَدًا أَغْنَى الصَّحَابَةِ غِنًى وَأَكْثَرَهُمْ

стр. 250

ثَرَاءً … لَكِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَالَ كُلَّهُ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَكَانَ يُنْفِقُهُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَسِرًّا وَإِعْلَانًا … حَيْثُ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَم مِنَ الْفِضَّةِ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا … ثُمَّ تَصَدَّقَ بِمِائَتَي أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ .... ثُمَّ حَمَلَ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَرَسٍ، ثُمَّ حَمَلَ مُجَاهِدِينَ آخَرِينَ عَلَى أَلْفِ وَخَمْسِمِائَةِ رَاحِلَةٍ. وَلَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الْوَفَاةُ أَعْتَقَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِ. وَأَوْصَى لِكُلِّ رَجُلٍ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ "بَدْرٍ" بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبًا، فَأَخَذُوهَا جَمِيعًا، وَكَانَ عَدَدُهُمْ مِائَةٌ. وَأَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَالٍ جَزِيلٍ؛ حَتَّى إِنَّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا - كَثِيرًا مَا كَانَتْ تَدْعُو لَهُ فَتَقُولُ: سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ مَاءِ السَّلْسَبِيلِ (١). ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ خَلَّفَ لِوَرَثَتِهِ مَالًا لَا يَكَادُ يُحْصِيهِ الْعَدُّ … حَيْثُ تَرَكَ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَمِائَةَ فَرَسٍ، وَثَلَاثَةَ آلَافِ شَاةٍ، وَكَانَتْ نِسَاؤُهُ أَرْبَعًا فَبَلَغَ رُبُعُ الثُّمُنِ الَّذِي خَصَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَمَانِينَ أَلْفًا. وَتَرَكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا قُسْمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بِالْفُؤُوسِ حَتَّى تَأَثَّرَتْ أَيْدِي الرِّجَالِ مِنْ تَقْطِيعِهِ. كُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي مَالِهِ. * * *

стр. 251

لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَالَ كُلَّهُ لَمْ يَفْتِنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَلَمْ يُغَيِّرُهُ؛ فَكَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْهُ بَيْنَ مَمَالِيكِهِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ. وَقَدْ أُتِيَ ذَاتَ يَوْمٍ بِطَعَامٍ - وَهُوَ صَائِمٌ - فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي - فَمَا وَجَدْنَا لَهُ إِلَّا كَفَنًا إِنْ غَطَّى رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غَطَّى رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ. ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بَسَطَ … وَإِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَكُونَ ثَوَابُنَا قَدْ عُجِّلَ لَنَا … ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي وَيَنْشِجُ حَتَّى عَافَ الطَّعَامَ. * * * طُوبَى (١) لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَلْفُ غِبْطَةٍ … فَقَدْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَحَمَلَ جِنَازَتَهُ إِلَى مَثْوَاهُ الْأَخِيرِ حَالُ رَسُولِ اللَّهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ذُو النُّورَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٢). وَشَيَّعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَرَّمُ الْوَجْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ يَقُولُ: اذْهَبْ فَقَدْ أَدْرَكْتَ صَفْوَهَا، وَسَبَقْتَ زَيْفَهَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ (*).

стр. 252

جعفر بْنُ أَبِي طَالِبِ "لَقَدْ رَأَيْتُ جَعْفَرًا فِي الْجَنَّةِ لَهُ جَنَاحَانِ مُضَرَّجَانِ بِالدِّمَاءِ وَهُوَ مَصْبُوغُ الْقَوَادِمِ" [حَدِيثُ شَرِيفٌ] كَانَ فِي بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ (١) خَمْسَةُ رِجَالٍ يُشْبِهُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ الشَّبَهِ حَتَّى إِنَّ ضِعَافَ الْبَصَرِ كَثِيرًا مَا كَانُوا يَخْلِطُونَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَبَيْنَهُمْ. وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّكَ تَوَدُّ أَنْ تَعْرِفَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ يُشْبِهُونَ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ. فَتَعَالَ نَتَعَرَّفْ عَلَيْهِمْ. إِنَّهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢)، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعِ. وقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ النَّبِي ﷺ أَيْضًا. وَالسَّائِبُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمٍ جَدُّ الْإِمَامِ الشَّافِعِي ﵁. وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ سِبْطُ (٣) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَشَدَّ الْخَمْسَةِ شَبَهًا بِالنَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَخُو أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

стр. 253

فَتَعَالَ نَقُصَّ عَلَيْكَ صُوَرًا مِنْ حَيَاةِ جَعْفَرٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ … * * * كَانَ أَبُو طَالِبٍ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سُمُوِّ شَرَفِهِ فِي قُرَيْشٍ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي قَوْمِهِ - رَقِيقَ الْحَالِ كَثِيرَ الْعِيَالِ. وَقَدِ ازْدَادَتْ حَالُهُ سُوَءًا عَلَى سُوءٍ بِسَبَبِ تِلْكَ السَّنَةِ الْمُجْدِبَةِ (١) الَّتِي نَزَلَتْ بِقُرَيْشٍ فَأَهْلَكَتِ الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ (٢)، وَحَمَلَتِ النَّاسَ عَلَى أَنْ يَأْكُلُوا الْعِظَامَ الْبَالِيَةَ. وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي "هَاشِمٍ" - يَوْمَئِذٍ - أَيْسَرُ (٣) مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلْعَبَّاسٍ: يَا عَمُّ، إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ شِدَّةِ الْقَحْطِ (٤) وَمَضَضِ (٥) الْجُوعِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَحْمِلَ عَنْهُ بَعْضَ عِيَالِهِ؛ فَآخُذَ أَنَا فَتى مِنْ بَنِيهِ، وَتَأْخَذَ أَنْتَ فَتًى آخَرَ فَتَكْفِيَهُمَا عَنْهُ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: لَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى خَيْرٍ، وَحَضَضْتَ عَلَى بِرٍّ. ثُمَّ انْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عَنْكَ بَعْضَ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ عِبْءٍ عِيَالِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ هَذَا الضُّرُّ الَّذِي مَسَّ النَّاسَ. فَقَالَ لَهُمَا: إِذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا (٦) فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا … فَأَخَذَ مُحَمَّدٌ عَلِيًّا وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا وَجَعَلَهُ فِي عِيَالِهِ.

стр. 254

فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ مُحَمَّدٍ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنَ الْفِتْيَانِ. وَظَلَّ جَعْفَرٌ مَعَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ حَتَّى شَبَّ وَأَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ. * * * انْضَمَّ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَكْبِ النُّورِ هُوَ وَزَوْجُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ عند أَوَّلِ الطَّريق. فَقَدْ أَسْلَمَا عَلَى يَدَيِ الصِّدِّيقِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الرَّسُولُ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ (١). وَلَقِيَ الْفَتَى "الْهَاشِمِيُّ" وَزَوْجُهُ الشَّابَّةُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ وَنَكَالِهَا مَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ، فَصَبَرًا عَلَى الْأَذَى لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ طَرِيقَ الْجَنَّةِ مَفْرُوشٌ بِالْأَشْوَاكِ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ (٢) وَلَكِنَّ الَّذِي كَانَ يُنَغِّصُهُمَا (٣) وَيُنَغِّصُ إِخْوَتَهُمَا فِي اللَّهِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَحُولُ دُونَهُمْ وُدُونَ أَدَاءِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَتَحْرِمُهُمْ مِنْ أَنْ يَتَذَوَّقُوا لَذَّةَ الْعِبَادَةِ؛ فَقَدْ كَانَتْ تَقِفُ لَهُمْ فِي كُلِّ مَرْصَدٍ (٤)، وَتُحْصِي عَلَيْهِمُ الْأَنْفَاسَ. عِنْدَ ذَلِكَ اسْتَأْذَنَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُهَاجِرَ مَعَ زَوْجِهِ وَنَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ"، فَأَذِنَ لَهُمْ وَهُوَ أَسْوَانُ (٥) حَزِينٌ. فَقَدْ كَانَ يَعِزُّ عَلَيْهِ أَنْ يُرْغَمَ هَؤُلَاءِ الْأَطْهَارُ الْأَبْرَارُ عَلَى مُفَارَقَةِ دِيَارِهِمْ،

стр. 255

وَمُبَارَحَةِ (١) مَرَاتِع (٢) طُفُولَتِهِمْ وَمَعَانِي (٣) شَبَابِهِمْ دُونَ ذَنْبٍ جَنَوْهُ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحَوْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُمْ أَذَى قُرَيْشٍ. * * * مَضَى رَكْبُ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى أَرْضِ "الْحَبَشَةِ"، وَعَلَى رَأْسِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَاسْتَقَرُّوا فِي كَنَفِ "النَّجَاشِيِّ" (٤) مَلِكِهَا الْعَادِلِ الصَّالِحِ. فَتَذَوَّقُوا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ - مُنْذُ أَسْلَمُوا - طَعْمَ الْأَمْنِ، وَاسْتَمْتَعُوا بِحَلَاوَةِ الْعِبَادَةِ دُونَ أَنْ يُعَكِّرَ مُتْعَةً عِبَادَتِهِمْ مُعَكِّرٌ، أَوْ يُكَدِّرَ صَفْوَ سَعَادَتِهِمْ مُكَدِّرٌ. لَكِنَّ قُرَيْشًا مَا كَادَتْ تَعْلَمُ بِرَحِيلِ هَذَا النَّفَرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ "الْحَبَشَةِ"، وَتَقِفُ عَلَى مَا نَالُوهُ فِي حِمَى مَلِيكِهَا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ عَلَى دِينِهِمْ، وَالْأَمْنِ عَلَى عَقِيدَتِهِمْ، حَتَّى هَبَّتْ تَأْتَمِرُ (٥) بِهِمْ لِتَقْتُلَهُمْ أَوْ تَسْتَرْجِعَهُمْ إِلَى السِّجْنِ الْكَبِيرِ. فَلْنَتْرُكِ الْحَدِيثَ لِأُمِّ سَلَمَةَ (٦) ﵂ لِتَرْوِيَ لَنَا الْخَبَرَ كَمَا رَأَتْهُ عَيْنَاهَا وَسَمِعَتْهُ أُذُنَاهَا. * * * قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ "الْحَبَشَةِ" لَقِينَا فِيهَا خَيْرَ جِوَارٍ، فَأَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا

стр. 256

اللَّهَ تَعَالَى رَبَّنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نُؤْذَى أَوْ نَسْمَعَ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرَتْ بِنَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى "النَّجَاشِيِّ" رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ (١) مِنْ رِجَالِهَا، هُمَا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (٢) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَبَعَثَتْ مَعَهُمَا بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ لِلنَّجَاشِيِّ وَلِبَطَارِقَتِهِ (٣) مِمَّا كَانُوا يَسْتَطْرِفُونَهُ (٤) مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ. ثُمَّ أَوَصَتْهُمَا بِأَنْ يَدْفَعَا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا مَلِكَ "الْحَبَشَةِ" فِي أَمْرِنَا. * * * فَلَمَّا قَدِمَا "الْحَبَشَةَ" لَقِيَا بَطَارِقَةَ النَّجَاشِيِّ، وَدَفَعَا إِلَى كُلِّ بِطَرِيقٍ هَدِيَّتَهُ؛ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَهْدَيَا إِلَيْهِ وَقَالَا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ حَلَّ فِي أَرْضِ الْمَلِكِ غِلْمَانٌ مِنْ سُفَهَائِنَا، صَبَؤُوا (٥) عَنْ دِينِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَفَرَّقُوا كَلِمَةَ قَوْمِهِمْ؛ فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِي أَمْرِهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا دُونَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ؛ فَإِنَّ أَشْرَافَ قَوْمِهِمْ أَبْصَرُ بِهِمْ، وَأَعْلَمُ بِمَا يَعْتَقِدُونَ. فَقَالَ الْبَطَارِقَةُ: نَعَمْ … قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ أَكْرَهُ لِعَمْرٍو وَصَاحِبِهِ مِنْ يَسْتَدْعِيَ "النَّجَاشِيُّ" أَحَدًا مِنَّا وَيَسْمَعَ كَلَامَهُ. * * * ثُمَّ أَتَيَا "النَّجَاشِيَّ" وَقَدَّمَا إِلَيْهِ الْهَدَايَا، فَاسْتَطْرَفَهَا وَأُعْجِبَ بِهَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالا: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ قَدْ أَوَى إِلَى مَمْلَكَتِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَشْرَارِ غِلْمَانِنَا، قَدْ جَاؤُوا بِدِينٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ؛ فَفَارَقُوا دِينَنَا وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ …

стр. 257

وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ فِتْنَةٍ. فَنَظَرَ "النَّجَاشِيُّ" إِلَى بَطَارِقَتِهِ، فَقَالَ الْبَطَارِقَةُ: صَدَقَا - أَيُّهَا الْمَلِكُ - .... فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَبْصَرُ بِهِمْ وَأَعْلَمُ بِمَا صَنَعُوا، فَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ لِيَرَوْا رَأْيَهُمْ فِيهِمْ. فَغَضِبَ الْمَلِكُ غَضَبًا شَدِيدًا مِنْ كَلَامِ بَطَارِقَتِهِ وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُسْلِمُهُمْ لِأَحَدٍ حَتَّى أَدْعُوهُمْ، وَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولُ هَذَانِ الرَّجُلَانِ أَسْلَمْتُهُمْ لَهُمَا، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَمَيْتُهُمْ وَأَحْسَنْتُ حِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي (١). * * * قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ثُمَّ أَرْسَلَ "النَّجَاشِيُّ" يَدْعُونَا لِلِقَائِهِ. فَاجْتَمَعْنَا قَبْلَ الذَّهَابِ إِلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنَّ الْمَلِكَ سَيَسْأَلُكُمْ عَنْ دِينِكُمْ فَاصْدَعُوا (٢) بِمَا تُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلْيَتَكَلَّمْ عَنْكُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ غَيْرُهُ. قَالَتْ أُم سَلَمَةَ: ثُمَّ ذَهَبْنَا إِلَى "النَّجَاشِيِّ" فَوَجَدْنَاهُ قَدْ دَعَا بَطَارِقَتَهُ، فَجَلَسُوا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَدْ لَبِسُوا طَيَالِسَتَهُمْ (٣)، وَاعْتَمَرُوا (٤) قَلَانِسَهُمْ، وَنَشَرُوا كُتُبَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .... وَوَجَدْنَا عِنْدَهُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِنَا الْمَجْلِسُ الْتَفَتَ إِلَيْنَا "النَّجَاشِيُّ" وَقَالَ:

стр. 258

مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي اسْتَحْدَثْتُمُوهُ لِأَنْفُسِكُمْ وَفَارَقْتُمْ بِسَبَبِهِ دِينَ قَوْمِكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي، وَلَا فِي دِينِ أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الْمِلَلِ؟ فَتَقَدَّمَ مِنْهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَبَقِينَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ … فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ؛ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ .... وَقَدْ أَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَحَقْنِ الدِّمَاءِ (١)، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ (٢). وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَنَصُومَ رَمَضَانَ … فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَحَلَّلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا. فَمَا كَانَ مِنْ قَوْمِنَا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِلَّا أَنْ عَدَوْا عَلَيْنَا؛ فَعَذَّبُونَا أَشَدَّ الْعَذَابِ لِيَفْتِنُونَا عَنْ دِينِنَا (٣) وَيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ … فَلَمَّا ظَلَمُونَا وَقَهَرُونَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى

стр. 259

بِلَادِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي حِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَلَّا نُظْلَمَ عِنْدَكَ. * * * قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَالْتَفَتَ "النَّجَاشِيُّ" إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ: هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ عَنِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ؛ فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا … ﴾ (١). حَتَّى أَتَمَّ صَدْرًا مِنَ السُّورَةِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَبَكَى "النَّجَاشِيُّ" حَتَّى اخْضَلَّتْ (٢) لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ، وَبَكَى أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى بَلَّلُوا كُتُبَهُمْ؛ لِمَا سَمِعُوهُ مِنْ كَلامِ اللهِ .. وَهُنَا قَالَ لَنَا النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ (٣) وَاحِدَةٍ … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَمْرٍو وَصَاحِبِهِ وَقَالَ لَهُمَا: انْطَلِقا، فَلَا وَاللَّهِ لَا أُسَلِمُهُمْ إِلَيْكُمَا أَبَدًا. * * * قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ "النَّجَاشِيِّ" تَوَعَّدَنَا (٤) عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَقَالَ لِصَاحِبِهِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ الْمَلِكَ غَدًا، وَلأَذْكُرَنَّ لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا يَمْلأُ صَدْرَهُ غَيْظًا مِنْهُمْ وَيَشْحَنُ (٥) فُؤَادَهُ كُرْهًا لَهُمْ، وَلأَحْمِلَنَّهُ عَلَى أَنْ يَسْتَأْصِلَهُمْ (٦) مِنْ جُذُورِهِمْ.

стр. 260

فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَفْعَلْ يَا عَمْرُو، فَإِنَّهُمْ مِنْ ذَوِي قُرْبَانَا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: دَعْ عَنْكَ هَذَا … وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّهُ بِمَا يُزَلْزِلُ أَقَدَامَهُمْ … وَاللَّهِ لأَقُولَنَّ لَهُ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ … * * * فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَخَلَ عَمْرُو عَلَى "النَّجَاشِيِّ" وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آوَيْتَهُمْ وَحَمَيْتَهُمْ، يَقُولُونَ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا … فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ، وَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَهُ فِيهِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا عَرَفْنَا ذَلِكَ، نَزَلَ بِنَا مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ مَا لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمِثْلِهِ قَطُّ … وَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ الْمَلِكُ؟. فَقُلْنَا: وَاللَّهِ لَا نَقُولُ فِيهِ إِلَّا مَا قَالَ اللَّهُ، وَلَا نَخْرُجُ فِي أَمْرِهِ قِيدَ أُنْمُلَةٍ (١) عَمَّا جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا، وَلْيَكُنْ بِسَبَبٍ ذَلِكَ مَا يَكُونُ. ثُمَّ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الْكَلَامَ عَنَّا جَعْفَرُ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا. فَلَمَّا دَعَانَا "النَّجَاشِيُّ" دَخَلْنَا عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا عِنْدَهُ بَطَارِقَتَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي رَأَيْنَاهُمْ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ. وَوَجَدْنَا عِنْدَهُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَصَاحِبَهُ. فَلَمَّا صِرْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ بَادَرَنَا بِقَوْلِهِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟.

стр. 261

فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّمَا نَقُولُ فِيهِ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ . فَقَالَ "النَّجَاشِيُّ": وَمَا الَّذِي يَقُولُهُ فِيهِ؟. فَأَجَابَ جَعْفَرٌ: يَقُولُ عَنْهُ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. فَمَا إِنْ سَمِعَ "النَّجَاشِيُّ" قَوْلَ جَعْفَرٍ حَتَّى ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ وَقَالَ: وَاللَّهِ، مَا خَرَجَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ مِقْدَارَ شَعْرَةٍ … فَتَنَاخَرَتِ (١) الْبَطَارِقَةُ مِنْ حَوْلِ "النَّجَاشِيِّ" اسْتِنْكَارًا لِمَا سَمِعُوا مِنْهُ … فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ … ثُمَّ الْتَفَتَ وَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ آمِنُونَ … مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، وَمَنْ تَعَرَّضَ لَكُمْ عُوقِبَ .. وَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي جَبَلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنْ يُصَابَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِسُوءٍ … ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَمْرٍو وَصَاحِبِهِ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ هَدَايَاهُمَا؛ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَخَرَجَ عَمْرٌو وَصَاحِبُهُ مَكْسُورَيْنِ مَقْهُورَيْنِ يَجُرَّانِ أَذْيَالَ الْخَيْبَةِ … أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ أَقَمْنَا عِنْدَ "النَّجَاشِيِّ" بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ أَكْرَمِ جَارٍ. * * * قَضَى جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ هُوَ وَزَوْجَتُهُ فِي رِحَابِ "النَّجَاشِيِّ" عَشْرَ سَنَوَاتٍ آمِنَيْنِ مُطْمَئِنَّيْنِ.

стр. 262

وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ غَادَرَا بِلَادَ "الْحَبَشَةِ" مَعَ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّجِهِينَ إِلَى "يَثْرِبَ"، فَلَمَّا بَلَغُوهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِدًا لِتَوِّهِ مِنْ "خَيْبَرَ" (١)، بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا اللَّهُ لَهُ. فَفَرِحَ بِلِقَاءِ جَعْفَرٍ فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى قَالَ: (مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحًا!! … أَبِفَتْحِ خَيْبَرَ أم بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ؟). وَلَمْ تَكُنْ فَرْحَةُ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ خَاصَّةٌ بِعَوْدَةِ جَعْفَرٍ بِأَقَلَّ مِنْ فَرْحَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ شَدِيدَ الْحَدْبِ (٢) عَلَى الضُّعَفَاءِ كَثِيرَ الْبِرِّ بِهِمْ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُلَقَّبُ "بِأَبِي الْمَسَاكِينِ". أَخْبَرَ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ (٣) فَقَالَ: كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لَنَا - مَعْشَرَ الْمَسَاكِينِ - جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ كَانَ يَمْضِي بِنَا إِلَى بَيْتِهِ فَيُطْعِمُنَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ طَعَامُهُ أَخْرَجَ لَنَا الْعُكَّةَ (٤) الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا السَّمْنُ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا وَنَلْعَقُ مَا عَلِقَ بِدَاخِلِهَا … * * * لَمْ يَطُلْ مُكْثُ (٥) جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَدِينَةِ. فَفِي أَوَائِلِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ جَهَّزَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ جَيْشًا لِمُنَازَلَةِ الرُّومِ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَيْشِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (٦) وَقَالَ:

стр. 263

(إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ أَوْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَوْ أُصِيبَ فَلْيَخْتَرِ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَمِيرًا مِنْهُمْ). فَلَمَّا وَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى "مُؤْتَةَ" وَهِيَ قَرْيَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى مَشَارِفِ الشَّامِ في "الْأَرْدُنِّ"؛ وَجَدُوا أَنَّ الرُّومَ قَدْ أَعَدُّوا لَهُمْ مِائَةَ أَلْفٍ تُظَاهِرُهُمْ (١) مِائَةُ أَلْفٍ أُخْرَى مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ قَبَائِلِ "لَخْمٍ، وَجُذَامٍ، وَقُضَاعَةَ" وَغَيْرِهَا. أَمَّا جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ … وَمَا إِنِ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَدَارَتْ رَحَى الْمَعْرَكَةِ حَتَّى خَرَّ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ صَرِيعًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ. فَمَا أَسْرَعَ أَنْ وَثَبَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ظَهْرِ فَرَسٍ كَانَتْ لَهُ شَفْرَاءَ، ثم عَقَرَهَا (٢) بِسَيْفِهِ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ بِهَا الْأَعْدَاءُ مِنْ بَعْدِهِ. وَحَمَلَ الرَّايَةَ وَأَوْغَلَ (٣) فِي صُفُوفِ الرُّومِ وَهُوَ يُنْشِدُ: يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا … طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا … كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا عَلَيَّ إِذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا وَظَلَّ يَجُولُ فِي صُفُوفِ الْأَعْدَاءِ بِسَيْفِهِ وَيَصُولُ حَتَّى أَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ قَطَعَتْ يَمِينَهُ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ أَصَابَتْهُ أُخْرَى قَطَعَتْ شِمَالَهُ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِصَدْرِهِ وَعَضُدَيْهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ أَصَابَتْهُ ثَالِثَةٌ شَطَرَتْهُ شَطْرَيْنِ (٤)،

стр. 264

فَأَخَذَ الرَّايَةَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى لَحِقَ بِصَاحِبَيْهِ. * * * بَلَغَ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَصْرَعُ قُوَّادِهِ الثَّلَاثَةِ فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الْحُزْنِ وَأَمَضَّهُ (١) وَانْطَلَقَ إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّهِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَلْفَى (٢) زَوْجَتَهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ تَتَأَهَّبُ لاسْتِقْبَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ. فَهِيَ قَدْ عَجَنَتْ عَجِينَهَا، وَغَسَلَتْ بَنِيهَا وَدَهَنَتْهُمْ وَأَلْبَسَتْهُمْ … * * * قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأَيْتُ غُلَالَةً (٣) مِنَ الْحُزْنِ تُوَشِّحُ (٤) وَجْهَهُ الْكَرِيمَ، فَسَرَتِ الْمَخَاوِفُ فِي نَفْسِي، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَشَأْ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ جَعْفَرٍ مَخَافَةَ أَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ مَا أَكْرَهُ. فَحَيَّا وَقَالَ: (ائْتِينِي بِأَوْلَادِ جَعْفَرٍ) … فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ. فَهَبُّوا نَحْوَهُ فَرِحِينَ مُزَغْرِدِينَ، وَأَخَذُوا يَتَزَاحَمُونَ عَلَيْهِ؛ كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ تسْتَأْثِرَ بِهِ. فَأَكَبَّ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ يَتَشَمَّمُهُمْ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ مِنَ الدَّمْعِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي - مَا يُبْكِيكَ؟! … أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ وَصَاحِبَيْهِ شَيْءٌ؟!. قَالَ: (نَعَمْ … لَقَدِ اسْتُشْهِدُوا هَذَا الْيَوْمَ) …

стр. 265

عِنْدَ ذَلِكَ غَاضَتِ الْبَسْمَةُ مِنْ وُجُوهِ الصِّغَارِ لَمَّا سَمِعُوا أُمَّهُمْ تَبْكِي وَتَنْشِجُ، وَجَمَدُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ (١) الطَّيْرَ. أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَضَى وَهُوَ يُكَفْكِفُ (٢) عَبَرَاتِهِ وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي وَلَدِهِ … اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ .... ). ثُمَّ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ جَعْفَرًا فِي الْجَنَّةِ، لَهُ جَنَاحَانِ مُضَرَّجَانِ بِالدِّمَاءِ، وَهُوَ مَصْبُوغُ الْقَوَادِمِ) (*).

стр. 266

أَبُو سُفْيَانَ بْن الْحَارِثِ "أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ سَيِّدُ فِتْيَانِ الْجَنَّةِ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] قَلَّ أَنِ اتَّصَلَتِ الْأَسْبَابُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، وَتَوَثَّقَتِ الْعُرَى (١) بَيْنَ اثْنَيْنِ كَمَا اتَّصَلَتْ وَتَوَثَّقَتْ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ … فَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ لِدَةً (٢) مِنْ لِدَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتِرْبًا مِنْ أَتْرَابِهِ، فَقَدْ وُلِدَا فِي زَمَنٍ مُتَقَارِبٍ، وَنَشَآ فِي أُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ … وَكَانَ ابْنَ عَمِّ النَّبِيِّ اللَّصِيقَ، فَأَبُوهُ الْحَارِثُ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ أَخَوَانِ يَنْحَدِرَانِ مِنْ صُلْبِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ … ثمَّ إِنَّهُ كَانَ أَخًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعِ، فَقَدْ غَذَّتْهُمَا السَّيِّدَةُ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ (٣) مِنْ ثَدْيَيْهَا مَعًا … وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ صَدِيقًا حَمِيمًا لِلرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَأَشَدَّ النَّاسِ شَبَهًا بِهِ. * * * فَهَلْ رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ قَرَابَةً أَقْرَبَ أَوْ أَوَاصِرَ أَمْتَنَ (٤) مِنْ هَذَا الَّذِي كَانَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ؟ …

стр. 267

لِذَا فَقَدْ كَانَ الْمَظْنُونُ بِأَبِي سُفْيَانَ أَنْ يَكُونَ أَسْبَقَ النَّاسِ إِلَى تَلْبِيَةِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَسْرَعَهُمْ مُبَادَرَةً إِلَى اتِّبَاعِهِ. لَكِنَّ الْأَمْرَ جَاءَ عَلَى خِلَافِ كُلِّ مَا يَتَوَقَّعُهُ الْمُتَوَقِّعُونَ. إذ مَا كَادَ الرَّسُولُ ﵊ يُظْهِرُ دَعْوَتَهُ، وَيُنْذِرُ عَشِيرَتَهُ حَتَّى شَبَّتْ نَارُ الضَّغِينَةِ (١) فِي نَفْسٍ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ … فَاسْتَحَالَتِ الصَّدَاقَةُ إِلَى عَدَاوَةٍ … وَالرَّحِمُ إِلَى قَطِيعَةٍ، وَالْأُخُوَّةُ إِلَى صَدٍّ وَإِعْرَاضٍ. * * * وَلَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ صَدَعَ الرَّسُولُ ﷺ بِأَمْرِ رَبِّهِ فَارِسًا مِنْ أَنْبَهِ (٢) فُرْسَانِ قُرَيْشٍ ذِكْرًا، وَشَاعِرًا مِنْ أَعْلَى شُعَرَائِهِمْ كَعْبًا (٣) … فَوَضَعَ سِنَانَهُ وَلِسَانَهُ فِي مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَمُعَادَاةِ دَعْوَتِهِ … وَجَنَّدَ طَاقَاتِهِ كُلَّهَا لِلنِّكَايَةِ (٤) بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. فَمَا خَاضَتْ قُرَيْشٌ حَرْبًا ضِدَّ النَّبِيِّ لا إِلَّا كَانَ مِسْعَرَهَا (٥) … وَلَا أَوْقَعَتْ بِالْمُسْلِمِينَ أَذًى إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ كَبِيرٌ. * * * وَلَقَدْ أَيْقَظَ أَبُو سُفْيَانَ شَيْطَانَ شِعْرِهِ، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي هِجَاءِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، فَقَالَ فِيهِ كَلَامًا مُقْذِعًا (٦) فَاحِشًا مُوجِعًا. * * * وَطَالَتْ عَدَاوَةُ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّبِيِّ ﵊ حَتَّى قَارَبَتْ عِشْرِينَ

стр. 268

عَامًا، لَمْ يَتْرُكْ خِلَالَهَا ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الْكَيْدِ لِلرَّسُول ﷺ إِلَّا فَعَلَهُ، وَلَا صِنْفًا مِنْ صُنُوفِ الْأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا اجْتَرَحَهُ (١) وَبَاءَ بِإِثْمِهِ (٢). * * * وَقُبَيْلَ فَتْح مَكَّةَ بِقَلِيلٍ كُتِبَ لِأَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُسْلِمَ، وَكَانَ لإِسْلَامِهِ قِصَّةٌ مُثِيرَةٌ وَعَنْهَا كُتُبُ السِّيرِ، وَتَنَاقَلَتْهَا أَسْفَارُ التَّارِيخِ. فَلْنَتْرُكُ لِلرَّجُلِ نَفْسِهِ الْحَدِيثَ عَنْ قِصَّةِ إِسْلَامِهِ … فَشُعُورُهُ بِهَا أَعْمَقُ، وَوَصْفُهُ لَهَا أَدَقُّ وَأَصْدَقُ. قَالَ: لَمَّا اسْتَقَامَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ وَقَرَّ قَرَارُهُ، وَشَاعَتْ أَخْبَارُ تَوَجُّهِ الرسول ﷺ إِلَى مَكَّةَ لِيَفْتَحَهَا ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ (٣) وَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ؟! وَمَنْ أَصْحَبُ؟! وَمَعَ مَنْ أَكُونُ؟!. ثُمَّ جِئْتُ زَوْجَتِي وَأَوْلَادِي وَقُلْتُ: تَهَيَّؤُوا لِلْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ فَقَدْ أَوْشَكَ وُصُولُ مُحَمَّدٍ (٤)، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ إِنْ أَدْرَكَنِي الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا لِي: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ أَنَّ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ قَدْ دَانَتْ (٥) لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالطَّاعَةِ، وَاعْتَنَقَتْ دِينَهُ، وَأَنْتَ مَا تَزَالُ مُصِرًّا عَلَى عَدَاوَتِهِ، وَكُنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِتَأْبِيدِهِ وَنَصْرِهِ؟! … وَمَا زَالُوا بِي يَعْطِفُونَنِي عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ، وَيُرَغِّبُونَنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلْإِسْلَامِ. * * *

стр. 269

قُمْتُ مِنْ تَوِّي، وَقُلْتُ لِغُلَامِي "مَذْكُورٍ": هَيِّئْ لَنَا نُوقًا وَفَرَسًا، وأَخَذْتُ مَعِي ابْنِي جَعْفَرًا، وَجَعَلْنَا نُغِذُّ السَّيْرَ (١) نَحْوَ "الْأَبْوَاءِ" بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا نَزَلَ فِيهَا. وَلَمَّا اقْتَرَبْتُ مِنْهَا تَنَكَّرْتُ حَتَّى لَا يَعْرِفَنِي أَحَدٌ فَأُقْتَلَ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأُعْلِنَ إِسْلَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ. وَمَضَيْتُ أَمْشِي عَلَى قَدَمَيَّ نَحْوًا مِنْ مِيلٍ، وَطَلَائِعُ الْمُسْلِمِينَ تَمْضِي مُتمِّمَةً شَطْرَ مَكَّةَ (٢) جَمَاعَةً إِثْرَ جَمَاعَةٍ، فَكُنْتُ أَتَنَحَّى عَنْ طَرِيقِهِمْ فَرَقًا (٣) مِنْهُمْ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَعْرِفَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ. * * * وَفِيمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ الرَّسُولُ ﷺ فِي مَوْكِبِهِ، فَتَصَدَّيْتُ (٤) لَهُ وَوَقَفْتُ تِلْقَاءَهُ (٥) وَحَسَرْتُ عَنْ وَجْهِي، فَمَا إِنْ مَلأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي، وَعَرَفَنِي حَتَّى أَعْرَضَ عَنِّي إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى نَاحِيَةِ وَجْهِهِ، فَأَعْرَضَ عَنِّي وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى نَاحِيَةِ وَجْهِهِ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا. * * * كُنْتُ لَا أَشُكُّ - وَأَنَا مُقْبِلٌ عَلَى النَّبِيِّ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَفْرَحُ بِإِسْلَامِي، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ سَيَفْرَحُونَ لِفَرَحِهِ. لَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ رَأَوْا إِعْرَاضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِّي تَجَهَّمُوا لي (٦)، وَأَعْرَضُوا عَنِّي جَمِيعًا: لَقَدْ لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ؛ فَأَعْرَضَ عَنِّي أَشَدَّ الْإِعْرَاضِ، وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَظْرَةً أَسْتَلِينُ بِهَا قَلْبَهُ؛ فَوَجَدْتُهُ أَشَدَّ إِعْرَاضًا مِنْ صَاحِبِهِ …

стр. 270

بَلْ إِنَّهُ أَغْرَى بِي (١) أَحَدَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لِي الْأَنْصَارِيُّ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتُؤْذِي أَصْحَابَهُ، وَقَدْ بَلَغْتَ فِي عَدَاوَةِ النَّبِيِّ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا … وَمَا زَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَسْتَطِيلُ (٢) عَلَيَّ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ وَالْمُسْلِمُونَ يَقْتَحِمُونَنِي (٣) بِعُيُونِهِمْ، وَيُسَرُّونَ مِمَّا أُلاقي. عِنْدَ ذَلِكَ أَبْصَرْتُ عَمِّيَ الْعَبَّاسَ فَلُذْتُ (٤) بِهِ، وَقُلْتُ: يَا عَمِّ، قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَفْرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِي لِقَرَابَتِي مِنْهُ، وَشَرَفِي فِي قَوْمِي، وَقَدْ كَانَ مِنْهُ مَا تَعْلَمُ، فَكَلِّمْهُ فِي لِيَرْضَى عَنِّي. فَقَالَ عَمِّي: لَا وَاللَّهِ … لَا أُكَلِّمُهُ كَلِمَةً أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُهُ مِنْ إِعْرَاضِهِ عَنْكَ إِلَّا إِنْ سَنَحَتْ فُرْصَةٌ؛ فَإِنِّي أُجِلُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَهَابُهُ. فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِذَنْ (٥)؟!. فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عِنْدِي غَيْرُ مَا سَمِعْتَ … فَتَمَلَّكَنِي الْهَمُّ وَرَكِبَنِي الْحُزْنُ، وَلَمْ أَلْبَتْ أَنْ رَأَيْتُ ابْنَ عَمِّي عَلِيَّ بْنَ أَبِي، طَالِبٍ، فَكَلَّمْتُهُ فِي أَمْرِي، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَةِ عَمِّنَا الْعَبَّاسِ. عِنْدَ ذَلِكَ رَجَعْتُ إِلَى عَمِّي الْعَبَّاسِ وَقُلْتُ: يَا عَمِّ، إِذَا كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْطِفَ عَلَيَّ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ ؛ فَكُفَّ عَنِّي ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي يَشْتِمُني وَيُغْرِي (٦) النَّاسَ بِشَتْمِي، فَقَالَ: صِفْهُ لي؛ فَوَصَفْتُهُ لَهُ، فَقَالَ:

стр. 271

ذَلِكَ نُعَيْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ النَّجَّارِيُّ … فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا نُعَيْمَانُ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَابْنُ أَخِي، وَإِنْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ سَاخِطًا عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَسَيَرْضَى عَنْهُ يَوْمًا، فَكُفَّ عَنْهُ … وَمَا زَالَ بِهِ (١) حَتَّى رَضِيَ بِأَنْ يَكُفَّ عَنِّي، وَقَالَ: لَا أَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ السَّاعَةِ. * * * وَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بِالْجُحْفَة" (٢) جَلَسْتُ عَلَى بَابِ مَنْزِلِهِ، وَمَعِي ابْنِي جَعْفَرٌ قَائِمًا، فَلَمَّا رَآنِي - وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَنْزِلِهِ - أَشَاحَ (٣) عَنِّي بِوَجْهِهِ، فَلَمْ أَيَّأَسْ مِنِ اسْتِرْضَائِهِ، وَجَعَلْتُ كُلَّمَا نَزَلَ فِي مَنْزِلٍ أَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَأُقِيمُ ابْنِي جَعْفَرًا وَاقِفًا بِإِزَائِي (٤)، فَكَانَ إِذَا أَبْصَرَنِي الرَّسُولُ ﷺ أَعْرَضَ عَنِّي. وَبَقِيتُ عَلَى ذَلِكَ زَمَانًا، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيَّ الأَمْرُ وَضَاقَ؛ قُلْتُ لِزَوْجَتِي: وَاللَّهِ لَيَرْضَيَنَّ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدَيِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ هَائِمَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ جُوعًا وَعَطَشًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُول الله ﷺ رَقَّ لي … وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ قُبَّتِهِ نَظَرَ إِلَيَّ نَظَرًا أَلْيَنَ مِنَ النَّظَرِ الْأَوَّلِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَبْتَسِمَ. * * * ثُمَّ دَخَلَ الرَّسُولُ ﵊ مَكَّةَ فَدَخَلْتُ فِي رِكَابِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَخَرَجْتُ أَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ لَا أُفَارِقُهُ عَلَى حَالٍ.

стр. 272

وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ "حُنَيْنٍ" جَمَعَتِ الْعَرَبُ لِحَرْبِ النَّبِيِّ ﵊ مَا لَمْ تَجْمَعْ قَطُّ، وَأَعَدَّتْ لِلِقَائِهِ مَا لَمْ تُعِدَّ مِنْ قَبْلُ، وَعَزَمَتْ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهَا الْقَاضِيَةَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَخَرَجَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلقَائِهِمْ فِي جُمُوعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، وَلَمَّا رَأَيْتُ جُمُوعَ الْمُشْرِكِينَ الْكَبِيرَةَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لأُكَفِّرَنَّ الْيَوْمَ عَنْ كُلِّ مَا سَلَفَ مِنِّي مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيَرَيَنَّ النَّبِيُّ مِنْ أَثَرِي مَا يُرْضِي اللَّهَ وَيُرْضِيهِ. وَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ اشْتَدَّتْ وَطْأَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَدَبَّ فِيهِمُ الْوَهَنُ وَالْفَشَلُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَتَفَرَّقُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَادَتْ تَحُلُّ بِنَا الْهَزِيمَةُ الْمُنْكَرَةُ. فَإِذَا بِالرَّسُولِ - فِدَاهُ أَبِي وَأُمِّي - يَثْبُتُ فِي قَلْبِ الْمَعْرَكَةِ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ كَأَنَّهُ الطَّوْدُ (١) الرَّاسِخُ، وَيُجَرِّدُ سَيْفَهُ، وَيُجَالِدُ (٢) عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ حَوْلَهُ كَأَنَّهُ اللَّيْثُ عَادِيًا. عِنْدَ ذَلِكَ وَثَبْتُ عَنْ فَرَسِي، وَكَسَرْتُ غِمْدَ سَيْفِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُرِيدُ الْمَوْتَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَخَذَ عَمِّي الْعَبَّاسُ بِلِجَامِ بَغْلَةِ النَّبِي ﷺ ، وَوَقَفَ بِجَانِبِهِ … وَأَخَذْتُ أَنَا مَكَانِي مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَفِي يَمِينِي سَيْفِي أَذُودُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَمَّا شِمَالِي فَكَانَتْ مُمْسِكَةً بِرِكَابِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى حُسْنِ بَلائي (٣) قَالَ لِعَمِّيَ الْعَبَّاسٍ:

стр. 273

(مَنْ هَذَا؟)، فَقَالَ: هَذَا أَخُوكَ وَابْنُ عَمِّكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، فَارْضَ عَنْهُ أَيْ (١) رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ؛ وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا). فَاسْتَطَارَ فُؤَادِي فَرَحًا بِرِضَى رَسُولِ اللَّهِ عَنِّي، وَقَبَّلْتُ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: (أَخِي لَعَمْرِي، تَقَدَّمْ فَضَارِبْ). أَلْهَبَت كَلِمَاتُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ حَمَاسَتِي، فَحَمَلْتُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَمْلَةً أَزَالَتْهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، وَحَمَلَ مَعِي الْمُسْلِمُونَ حَتَّى طَرَدْنَاهُمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ (٢)، وَفَرَّقْنَاهُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ. * * * ظَلَّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ مُنْذُ "حُنَيْنٍ" يَنْعُمُ بِجَمِيلِ رِضَى النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَيَسْعَدُ بِكَرِيم صُحْبَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَلَمْ يُثَبِّتْ بَصَرَهُ فِي وَجْهِهِ حَيَاءً مِنْهُ، وَخَجَلًا مِنْ مَاضِيهِ مَعَهُ. * * * وَقَدْ جَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ عَلَى الْأَيَّامِ السُّودِ الَّتِي قَضَاهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَحْجُوبًا عَنْ نُورِ اللَّهِ، مَحْرُومًا مِنْ كِتَابِهِ، فَأَكَبَّ عَلَى الْقُرْآنِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ يَتْلُو آيَاتِهِ، وَيَتَفَقَّهُ فِي أَحْكَامِهِ، وَيَتَمَلَّى مِنْ عِظَاتِهِ. وَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ بِكُلِّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ رَآهُ ذَاتَ مَرَّةٍ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لعَائِشَةَ ﵂: (أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا يَا عَائِشَةُ؟!).

стр. 274

قالتْ: لا يَا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: (إِنَّهُ ابْنُ عَمِّي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، انْظُرِي إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَآخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا يُفَارِقُ بَصَرُهُ شِرَاكَ نَعْلِهِ (١)). * * * وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (٢) حَزِنَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ حُزْنَ الْأُمِّ عَلَى وَحِيدِهَا، وَبَكَاهُ بُكَاءَ الْحَبِيبِ عَلَى حَبِيبِهِ، وَرَثَاهُ بِقَصِيدَةٍ مِنْ غُرَرِ الْمَرَاثِي تَفِيضُ لَوْعَةً وَشُجُونًا، وَتَذُوبُ حَسْرَةً وَأَنِينًا … فَقَالَ: أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ … وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَأَسْعَدَنِي (٣) الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا … أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيلُ لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ … عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَّا عَرَاهَا (٤) … تَكَادُ بِهَا جَوَانِبُهَا تَمِيلُ فَقَدْنَا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ فِينَا … يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُو جِبْرَئِيلُ وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيْهِ … نُفُوسُ النَّاسِ أَوْ كَرِبَتْ (٥) تَسِيلُ نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكُ عَنَّا … بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَمَا يَقُولُ وَيَهْدِينَا فَلَا نَخْشَى ضَلَالًا … عَلَيْنَا وَالرَّسُولُ لَنَا دَلِيلُ أَفَاطِمُ إِنْ جَزِعْتِ فَذَاكَ عُذْرٌ … وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي ذَاكَ السَّبِيلُ

стр. 275

فَقَبْرُ أَبِيكِ سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ … وَفِيهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسُولُ * * * وَفِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ ﵁ أَحَسَّ أَبُو سُفْيَانَ بِدُنُو أَجَلِهِ؛ فَحَفَرَ لِنَفْسِهِ قَبْرَهُ بِيَدَيْهِ. وَلَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ كَأَنَّهُ مَعَ الْمَوْتِ عَلَى مِيعَادٍ؛ فَالْتَفَتَ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ وَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَيَّ فَوَاللَّهِ مَا تَعَلَّقْتُ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ … ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهَرَةُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْفَارُوقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَحَزِنَ لِفَقْدِهِ هُوَ وَالصَّحَابَةُ الْكِرَامُ. وَعَدُّوا مَوْتَهُ رُزْءًا (١) جَلَلًا حَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ (*).

стр. 276

سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ "ارْمِ سَعْدُ … فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ يُحَرِّضُ سَعْدًا يَوْمَ أُحُدٍ] أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا (١) عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ (٢) فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ (٣) عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ (٤) إِلَيَّ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥). لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ قِصَّةٌ فَذَّةٌ (٦) رَائِعَةٌ، اصْطَرَعَتْ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعَوَاطِفِ الْمُتَنَاقِضَةِ، فِي نَفْسِ فَتًى طَرِيِّ الْعُودِ؛ فَكَانَ النَّصْرُ لِلْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ، وَلِلْإِيمَانِ عَلَى الْكُفْرِ. أَمَّا بَطَلُ الْقِصَّةِ فَفَتًى مِنْ أَكْرَمِ فِتْيَانِ مَكَّةَ نَسَبًا، وَأَعَزِّهِمْ أُمًّا وَأَبًا. ذَلِكَ الْفَتَى هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ. * * * كَانَ سَعْدٌ حِينَ أَشْرَقَ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي مَكَّةَ شَابًّا رَيَّانَ الشَّبَابِ (٧) غَضَّ الْإِهَابِ (٨) رَقِيقَ الْعَاطِفَةِ كَثِيرَ الْبِرِّ بِوَالِدَيْهِ شَدِيدَ الْحُبِّ لِأُمِّهِ خَاصَّةً.

стр. 277

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ سَعْدًا كَانَ يَوْمَئِذٍ يَسْتَقْبِلُ رَبِيعَهُ السَّابِعَ عَشَرَ؛ فَقَدْ كَانَ يَضُمُّ بَيْنَ بُرْدَيْهِ (١) كَثِيرًا مِنْ رَجَاحَةِ الْكُهُولِ (٢)، وَحِكْمَةِ الشُّيُوخِ. فَلَمْ يَكُنْ - مَثَلًا - يَرْتَاحُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِدَاتُهُ (٣) مِنْ أَلْوَانِ اللَّهْوِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَصْرِفُ هَمَّهُ إِلَى بَرْيِ (٤) السِّهَامِ، وَإِصْلَاحِ الْقِسِيِّ (٥)، وَالتَّمَرُّسِ بِالرِّمَايَةِ حَتَّى لَكَأَنَّهُ كَانَ يُعِدُّ نَفْسَهُ لِأَمْرٍ كَبِيرٍ. وَلَمْ يَكُنْ - أَيْضًا - يَطْمَئِنُّ إِلَى مَا وَجَدَ عَلَيْهِ قَوْمَهُ مِنْ فَسَادِ الْعَقِيدَةِ وَسُوءِ الْحَالِ، حَتَّى لَكَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهِمْ يَدٌ قَوِيَّةٌ حَازِمَةٌ حَانِيَةٌ؛ لِتَنْتَشِلَهُمْ مِمَّا يَتَخَبَّطُونَ فِيهِ مِنْ ظُلُمَاتٍ. * * * وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ شَاءَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يُكْرِمَ الْإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا بِهَذِهِ الْيَدِ الْحَانِيَةِ الْبَانِيَة. فَإِذَا هِيَ يَدُ سَيِّدِ الْخَلْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ … وَفِي قَبْضَتِهَا الْكَوْكَبُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي لَا يَخْبُو: كِتَابُ اللَّهِ الْكَرِيمُ … فَمَا أَسْرَعَ أَنِ اسْتَجَابَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاص لِدَعْوَةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ؛ حَتَّى كَانَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ أَسْلَمُوا مِنَ الرِّجَالِ أَوْ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ. وَلِذَا كَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ مُفْتَخِرًا: لَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ. * * *

стр. 278

كَانَتْ فَرْحَةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِ سَعْدٍ كَبِيرَةً؛ فَفِي سَعْدِ مِنْ مَخَايِلٍ (١) النَّجَابَةِ، وَبَوَاكِيرِ الرُّجُولَةِ (٢) مَا يُبَشِّرُ بِأَنَّ هَذَا الْهِلَالَ سَيَكُونُ بَدْرًا كَامِلًا فِي يَوْمٍ قَرِيبٍ. وَلِسَعْدٍ مِنْ كَرَمِ النَّسَبِ، وَعِزَّةِ الْحَسَبِ مَا قَدْ يُغْرِي (٣) فِتْيَانَ مَكَّةَ بِأَنْ يَسْلُكُوا سَبِيلَهُ، وَيَنْسِجُوا عَلَى مِنْوَالِهِ (٤). ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﵊؛ فَهُوَ مِنْ بَنِي "زُهْرَةَ"، وَبَنُو "زُهْرَةَ" أَهْلُ "آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ"، أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَعْتَزُّ بِهَذِهِ الْخُؤُولَةِ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ ﷺ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ مُقْبِلًا فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: (هَذَا خَالِي … فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ). * * * لَكِنَّ إِسْلَامَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمْ يَمُرَّ سَهْلًا هَيِّنًا، وَإِنَّمَا عَرَّضَ الْفَتَى الْمُؤْمِنَ لِتَجْرِبَةٍ مِنْ أَقْسَى التَّجَارِبِ قَسْوَةً وَأَعْنَفِهَا عُنْفًا؛ حَتَّى إِنَّهُ بَلَغَ مِنْ قَسْوَتِهَا وَعُنْفِهَا أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي شَأْنِهَا قُرْآنًا .... فَلْتَتْرُكْ لِسَعْدٍ الْكَلَامَ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا خَبَرَ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ الْفَذَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ كَأَنِّي غَارِقٌ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَتَخَبَّطُ فِي لُجَجِهَا (٥) إِذْ أَضَاءَ لِي قَمَرٌ

стр. 279

فَاتَّبَعْتُهُ فَرَأَيْتُ نَفَرًا أَمَامِي قَدْ سَبَقُونِي إِلَى ذَلِكَ الْقَمَرِ … رَأَيْتُ: زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (١)، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ … فَقُلْتُ لَهُمْ: مُنْذُ مَتَى أَنْتُمْ هَا هُنَا؟! فَقَالُوا: السَّاعَةَ. ثُمَّ إِنِّي لَمَّا طَلَعَ عَلَيَّ النَّهَارُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ مسْتَخْفِيًا، فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِي خَيْرًا، وَشَاءَ أَنْ يُخْرِجَنِي بِسَبَبِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ مُسْرِعًا، حَتَّى لَقِيتُهُ فِي شِعْبِ "جِيَادٍ" (٢)، وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ، فَأَسْلَمْتُ، فَمَا تَقَدَّمَنِي أَحَدٌ سِوَى هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ فِي الْحُلُم. ثُمَّ تَابَعَ سَعْدٌ رِوَايَةَ قِصَّةِ إِسْلَامِهِ فَقَالَ: وَمَا إِنْ سَمِعَتْ أُمِّي بِخَبَرِ إِسْلَامِي حَتَّى ثَارَتْ ثَائِرَتُهَا (٣) وَكُنْتُ فَتًى بَرًّا بِهَا مُحِبًّا لَهَا، فَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ تَقُولُ: يَا سَعْدُ مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي اعْتَنَقْتَهُ فَصَرَفَكَ عَنْ دِينِ أُمِّكَ وَأَبِيكَ … وَاللَّهِ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ الْجَدِيدَ أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ … فَيَتَفَطَّرَ (٤) فُؤَادُكَ حُزْنًا عَلَيَّ، وَيَأْكُلَكَ النَّدَمُ عَلَى فَعْلَتِكَ الَّتِي فَعَلْتَ، وَتُعَيِّرَكَ النَّاسُ بِهَا أَبَدَ الدَّهْرِ. فَقُلْتُ: لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّاهُ، فَأَنَا لَا أَدَعُ دِينِي لِأَيِّ شَيْءٍ. لَكِنَّهَا مَضَتْ فِي وَعِيدِهَا، فَاجْتَنَبَتِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَمَكَثَتْ أَيَّامًا عَلَى ذَلِكَ لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ، فَهَزَلَ جِسْمُهَا وَوَهَنَ عَظْمُهَا وَخَارَتْ قُوَاهَا. فَجَعَلْتُ آتِيهَا سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ أَسْأَلُهَا أَنْ تَتَبَلَّغَ (٥) بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ قَلِيلٍ

стр. 280

مِنْ شَرَابٍ؛ فَتَأْبِى ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، وَتُقْسِمُ أَلَّا تَأْكُلَ أَوْ تَشْرَبَ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ أَدَعَ دِينِي. عِنْدَ ذَلِكَ قُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهُ إِنِّي عَلَى شَدِيدِ حُبِّي لَكِ لأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ … وَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكِ أَلْفُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ مِنْكِ نَفْسًا بَعْدَ نَفْسٍ مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ. فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنِّي أَذْعَنَتْ لِلْأَمْرِ، وَأَكْلَتْ وَشَرِبَتْ عَلَى كُرْهِ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا قَوْلَهُ : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١). * * * لَقَدْ كَانَ يَوْمُ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ مِنْ أَكْثَرِ الْأَيَّامِ بِرًّا بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَجْزَلِهَا خَيْرًا عَلَى الْإِسْلَامِ: فَفِي يَوْمِ "بَدْرٍ" كَانَ لِسَعْدٍ وَأَخِيهِ "عُمَيْرٍ" مَوْقِفٌ مَشْهُودٌ؛ فَقَدْ كَانَ "عُمَيْرٌ" يَوْمَئِذٍ فَتًى حَدَثًا لَمْ يُجَاوِزِ الْحُلُمَ إِلَّا قَلِيلًا، فَلَمَّا أَخَذَ الرَّسُولُ ﵊ يَعْرِضُ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْمَعْرَكَةِ تَوَارَى "عُمَيْرٌ" أَخُو سَعْدٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرَاهُ الرَّسُولُ ﷺ فَيَرُدَّهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ، لَكِنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَبْصَرَهُ وَرَدَّهُ؛ فَجَعَلَ عُمَيْرٌ يَبْكِي حَتَّى رَقَّ لَهُ قَلْبُ النَّبِيِّ اللهِ وَأَجَازَهُ. عِنْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ فَرِحًا، وَعَقَدَ عَلَيْهِ حِمَالَةَ سَيْفِهِ (٢) عَقْدًا لِصِغَرِهِ، وَانْطَلَقَ الْأَخَوَانِ يُجَاهِدَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ الْجِهَادِ.

стр. 281

فَلَمَّا انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ عَادَ سَعْدٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، أَمَّا "عُمَيْرٌ" فَقَدْ خَلَّفَهُ شَهِيدًا عَلَى أَرْضِ "بَدْرٍ" وَاحْتَسَبَهُ عِنْدَ اللَّهِ (١). * * * وَفِي "أُحُدٍ" حِينَ زُلْزِلَتِ الْأَقْدَامُ (٢)، وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ لَا يُتِمُّونَ الْعَشَرَةَ؛ وَقَفَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُنَاضِلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْسِهِ، فَكَانَ لَا يَرْمِي رَمْيَةً إِلَّا أَصَابَتْ مِنْ مُشْرِكٍ مَقْتَلًا. وَلَمَّا رَآهُ الرَّسُولُ ﵇ يَرْمِي هَذَا الرَّمْيَ، جَعَلَ يَحُضُّهُ (٣) وَيَقُولُ لَهُ: (ارْمِ سَعْدُ … اِرْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) … فَظَلَّ سَعْدٌ يَفْتَخِرُ بِهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ وَيَقُولُ: مَا جَمَعَ الرَّسُولُ ﷺ لِأَحَدٍ أَبَوَيْهِ إِلَّا لِي … وَذَلِكَ حِينَ فَدَّاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَعًا. * * * وَلَكِنَّ سَعْدًا بَلَغَ ذُرْوَةَ مَجْدِهِ حِينَ عَزَمَ الْفَارُوقُ عَلَى أَنْ يَخُوضَ مَعَ "الْفُرْسِ" حَرْبًا تُدِيلُ دَوْلَتَهُمْ (٤) وَتَثُلُّ عَرْشَهُمْ (٥)، وَتَجْتَثُّ جُذُورَ (٦) الْوَثَنِيَّةِ مِنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، فَأَرْسَلَ كُتُبَهُ إِلَى عُمَّالِهِ فِي الْآفَاقِ … أَنْ أَرْسِلُوا إِلَيَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ سِلَاحٌ أَوْ فَرَسٌ، أَوْ نَجْدَةٌ أَوْ رَأْيٌ، أَوْ مَزِيَّةٌ مِنْ شِعْرٍ، أَوْ خَطَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُجْدِي عَلَى الْمَعْرَكَةِ. فَجَعَلَتْ وُفُودُ الْمُجَاهِدِينَ تَتَدَفَّقُ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ (٧)، فَلَمَّا

стр. 282

تَكَامَلَتْ، أَخَذَ الْفَارُوقُ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (١) فِي مَنْ يُوَلِّيهِ عَلَى الْجَيْش الْكَبِيرِ وَيُسْلِمُ إِلَيْهِ قِيَادَهُ، فَقَالُوا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ: الْأَسَدُ عَادِيًا … سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَاسْتَدْعَاهُ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءَ الْجَيْشِ (٢). * * * وَلَمَّا هَمَّ الْجَيْشُ الْكَبِيرُ بِأَنْ يَفْصِلَ (٣) عَنِ الْمَدِينَةِ وَقَفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوَدِّعُهُ وَيُوصِي قَائِدَهُ فَقَالَ: يَا سَعْدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ: خَالُ رَسُولِ اللَّهِ، وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ. يَا سَعْدُ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا الطَّاعَةَ، فَالنَّاسُ شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ (٤) سَوَاءٌ؛ اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ يَتَفَاضَلُونَ بِالتَّقْوَى وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَانْظُرِ الْأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ فَالْتَزِمْهُ فَإِنَّهُ الْأَمْرُ (٥). وَمَضَى الْجَيْشُ الْمُبَارَكُ وَفِيهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ بَدْرِيًا (٦)، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُمْ صُحْبَةٌ فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَثَلَاثُمِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدُوا فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ. * * * مَضَى سَعْدٌ وَعَسْكَرَ بِجَيْشِهِ فِي "الْقَادِسِيَّةِ" (٧)، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ

стр. 283

"الْهَرِيرِ" (١) عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهَا الْقَاضِيَةَ (٢)؛ فَأَحَاطُوا بِعَدُوِّهِمْ إِحَاطَةَ الْقَيْدِ بِالْمِعْصَمِ، وَنَفَذُوا إِلَى صُفُوفِهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ مُهَلِّلِينَ (٣) مُكَبِّرِينَ … فَإِذَا رَأْسُ "رُسْتُمَ" قَائِدِ جَيْشِ الْفُرْسِ مَرْفُوعٌ عَلَى رِمَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا بِالرُّعْبِ وَالْهَلَع يَدُبَّانِ فِي قُلُوبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ الْمُسْلِمُ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِسِيِّ فَيَأْتِيهِ فَيَقْتُلُهُ، وَرُبَّمَا قَتَلَهُ بِسِلَاحِهِ. أَمَّا الْغَنَائِمُ فَحَدِّثْ عَنْهَا وَلَا حَرَجَ، وَأَمَّا الْقَتْلَى فَيَكْفِيكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الَّذِينَ قَضَوْا غَرَقًا فَحَسْبُ قَدْ بَلَغُوا ثَلَاثِينَ أَلْفًا. * * * عُمِّرَ سَعْدٌ طَوِيلًا وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، لَكِنَّهُ حِينَ أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بِجُبَّةٍ مِنْ صُوفٍ بَالِيَةٍ وَقَالَ: كَفِّنُونِي بِهَا فَإِنِّي لَقِيتُ بِهَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ "بَدْرٍ" … وإنِّي أُرِيدُ أَنْ أَلْقَى بِهَا وجل أيضًا (*).

стр. 284

حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "ما حَدَّثَكُمْ حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ، وَمَا أَقْرَأَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَاقْرَؤُوهُ" [حَدِيثُ شَرِيفٌ] (إِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاخْتَرْ أَحَبَّ الْأَمْرَيْنِ إِلَى نَفْسِكَ). بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ خَاطَبَ الرَّسُولُ ﵊ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ حِينَ لَقِيَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي مَكَّةَ. وَلِتَخْيِيرِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي الانْتِمَاءِ إِلَى أَكْرَمِ فِئَتَيْنِ وَأَحَبِّهِمَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ قِصَّةٌ: فَالْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ مَكِّيٌّ مِنْ بَنِي "عَبْسٍ" لَكِنَّهُ أَصَابَ دَمًا (١) فِي قَوْمِهِ، فَاضْطُرَّ إِلَى النُّزُوحِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى "يَثْرِبَ"، وَهُنَاكَ حَالَفَ بَنِي "عَبْدِ الأَشْهَل" وَصَاهَرَهُمْ، وَوُلِدَ لَهُ ابْنُهُ حُذَيْفَةُ. ثُمَّ زَالَتِ الْمَوَانِعُ الَّتِي تَحُولُ دُونَ الْيَمَانِ وَدُونَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "يَثْرِبَ"، وَلَكِنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ أَكْثَرَ وَأَلْصَقَ. وَلَمَّا أَهَلَّ الْإِسْلَامُ بِنُورِهِ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَانَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ أَحَدَ عَشَرَةٍ مِنْ بَنِي "عَبْسٍ" وَفَدُوا عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَعْلَنُوا إِسْلَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ حُذَيْفَةُ مَكِّيَّ الْأَصْل مَدَنِيَّ النَّشْأَةِ. * * *

стр. 285

نَشَأَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي بَيْتٍ مُسْلِم، ورُبِّيَ فِي كَنَفِ أَبَوَيْنِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ اللَّهِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَحِلَ عَيْنَاهُ بِمَرْأَى رَسُولِ اللَّهِ صلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. * * * كَانَ شَوْقُ حُذَيْفَةَ إِلَى لِقَاءِ الرَّسُولِ ﷺ يَمْلأُ جَوَانِحَهُ، فَهُوَ مَا زَالَ مَنْذُ أَسْلَمَ يَتَسَقَّطُ (١) أَخْبَارَهُ، وَيُلِحُّ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَوْصَافِهِ، فَلَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِلَّا وَلَعًا بِهِ، وَحَنِينًا إِلَيْهِ. فَرَحَلَ إِلَى مَكَّةَ لِيَلْقَاهُ، فَمَا إِنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ: أَمُهَاجِرٌ أَنَا أم أَنْصَارِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. فَقَالَ ﵇: (إِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا تُحِبُّ): فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَنْصَارِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. * * * وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ ﵊ إِلَى الْمَدِينَةِ لَازَمَهُ حُذَيْفَةُ مُلَازَمَةَ الْعَيْنِ لِأُخْتِهَا، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَوَاقِعَ كُلَّهَا إِلَّا "بَدْرًا". وَلِتَخَلُّفِ حُذَيْفَةَ عَنْ بَدْرٍ" قِصَّةٌ رَوَاهَا بِنَفْسِهِ فَقَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ "بَدْرًا" إِلَّا أَنِّي كُنْتُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ أَنَا وَأَبِي، فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَقَالُوا: أَيْنَ تَقْصِدُونَ؟ فَقُلْنَا: الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَبَوْا أَنْ يُطْلِقُونَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَخَذُوا الْعَهْدَ عَلَيْنَا أَلَّا نَنْصُرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِمْ، وَأَلَّا نُقَاتِلَ مَعَهُ، ثُمَّ أَطْلَقُوا سَرَاحَنَا. وَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا قَطَعْنَاهُ مِنْ عَهْدٍ لِقُرَيْشٍ، وَسَأَلْنَاهُ مَاذَا نَصْنَعُ؟.
следующие страницы →