← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فَلَمَّا انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ عَادَ سَعْدٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، أَمَّا "عُمَيْرٌ" فَقَدْ خَلَّفَهُ شَهِيدًا عَلَى أَرْضِ "بَدْرٍ" وَاحْتَسَبَهُ عِنْدَ اللَّهِ (١). * * * وَفِي "أُحُدٍ" حِينَ زُلْزِلَتِ الْأَقْدَامُ (٢)، وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ لَا يُتِمُّونَ الْعَشَرَةَ؛ وَقَفَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُنَاضِلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْسِهِ، فَكَانَ لَا يَرْمِي رَمْيَةً إِلَّا أَصَابَتْ مِنْ مُشْرِكٍ مَقْتَلًا. وَلَمَّا رَآهُ الرَّسُولُ ﵇ يَرْمِي هَذَا الرَّمْيَ، جَعَلَ يَحُضُّهُ (٣) وَيَقُولُ لَهُ: (ارْمِ سَعْدُ … اِرْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) … فَظَلَّ سَعْدٌ يَفْتَخِرُ بِهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ وَيَقُولُ: مَا جَمَعَ الرَّسُولُ ﷺ لِأَحَدٍ أَبَوَيْهِ إِلَّا لِي … وَذَلِكَ حِينَ فَدَّاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَعًا. * * * وَلَكِنَّ سَعْدًا بَلَغَ ذُرْوَةَ مَجْدِهِ حِينَ عَزَمَ الْفَارُوقُ عَلَى أَنْ يَخُوضَ مَعَ "الْفُرْسِ" حَرْبًا تُدِيلُ دَوْلَتَهُمْ (٤) وَتَثُلُّ عَرْشَهُمْ (٥)، وَتَجْتَثُّ جُذُورَ (٦) الْوَثَنِيَّةِ مِنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، فَأَرْسَلَ كُتُبَهُ إِلَى عُمَّالِهِ فِي الْآفَاقِ … أَنْ أَرْسِلُوا إِلَيَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ سِلَاحٌ أَوْ فَرَسٌ، أَوْ نَجْدَةٌ أَوْ رَأْيٌ، أَوْ مَزِيَّةٌ مِنْ شِعْرٍ، أَوْ خَطَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُجْدِي عَلَى الْمَعْرَكَةِ. فَجَعَلَتْ وُفُودُ الْمُجَاهِدِينَ تَتَدَفَّقُ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ (٧)، فَلَمَّا

стр. 282

تَكَامَلَتْ، أَخَذَ الْفَارُوقُ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (١) فِي مَنْ يُوَلِّيهِ عَلَى الْجَيْش الْكَبِيرِ وَيُسْلِمُ إِلَيْهِ قِيَادَهُ، فَقَالُوا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ: الْأَسَدُ عَادِيًا … سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَاسْتَدْعَاهُ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءَ الْجَيْشِ (٢). * * * وَلَمَّا هَمَّ الْجَيْشُ الْكَبِيرُ بِأَنْ يَفْصِلَ (٣) عَنِ الْمَدِينَةِ وَقَفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوَدِّعُهُ وَيُوصِي قَائِدَهُ فَقَالَ: يَا سَعْدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ: خَالُ رَسُولِ اللَّهِ، وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ. يَا سَعْدُ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا الطَّاعَةَ، فَالنَّاسُ شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ (٤) سَوَاءٌ؛ اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ يَتَفَاضَلُونَ بِالتَّقْوَى وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَانْظُرِ الْأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ فَالْتَزِمْهُ فَإِنَّهُ الْأَمْرُ (٥). وَمَضَى الْجَيْشُ الْمُبَارَكُ وَفِيهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ بَدْرِيًا (٦)، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُمْ صُحْبَةٌ فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَثَلَاثُمِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدُوا فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ. * * * مَضَى سَعْدٌ وَعَسْكَرَ بِجَيْشِهِ فِي "الْقَادِسِيَّةِ" (٧)، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ

стр. 283

"الْهَرِيرِ" (١) عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهَا الْقَاضِيَةَ (٢)؛ فَأَحَاطُوا بِعَدُوِّهِمْ إِحَاطَةَ الْقَيْدِ بِالْمِعْصَمِ، وَنَفَذُوا إِلَى صُفُوفِهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ مُهَلِّلِينَ (٣) مُكَبِّرِينَ … فَإِذَا رَأْسُ "رُسْتُمَ" قَائِدِ جَيْشِ الْفُرْسِ مَرْفُوعٌ عَلَى رِمَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا بِالرُّعْبِ وَالْهَلَع يَدُبَّانِ فِي قُلُوبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ الْمُسْلِمُ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِسِيِّ فَيَأْتِيهِ فَيَقْتُلُهُ، وَرُبَّمَا قَتَلَهُ بِسِلَاحِهِ. أَمَّا الْغَنَائِمُ فَحَدِّثْ عَنْهَا وَلَا حَرَجَ، وَأَمَّا الْقَتْلَى فَيَكْفِيكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الَّذِينَ قَضَوْا غَرَقًا فَحَسْبُ قَدْ بَلَغُوا ثَلَاثِينَ أَلْفًا. * * * عُمِّرَ سَعْدٌ طَوِيلًا وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، لَكِنَّهُ حِينَ أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بِجُبَّةٍ مِنْ صُوفٍ بَالِيَةٍ وَقَالَ: كَفِّنُونِي بِهَا فَإِنِّي لَقِيتُ بِهَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ "بَدْرٍ" … وإنِّي أُرِيدُ أَنْ أَلْقَى بِهَا وجل أيضًا (*).

стр. 284

حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "ما حَدَّثَكُمْ حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ، وَمَا أَقْرَأَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَاقْرَؤُوهُ" [حَدِيثُ شَرِيفٌ] (إِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاخْتَرْ أَحَبَّ الْأَمْرَيْنِ إِلَى نَفْسِكَ). بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ خَاطَبَ الرَّسُولُ ﵊ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ حِينَ لَقِيَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي مَكَّةَ. وَلِتَخْيِيرِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي الانْتِمَاءِ إِلَى أَكْرَمِ فِئَتَيْنِ وَأَحَبِّهِمَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ قِصَّةٌ: فَالْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ مَكِّيٌّ مِنْ بَنِي "عَبْسٍ" لَكِنَّهُ أَصَابَ دَمًا (١) فِي قَوْمِهِ، فَاضْطُرَّ إِلَى النُّزُوحِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى "يَثْرِبَ"، وَهُنَاكَ حَالَفَ بَنِي "عَبْدِ الأَشْهَل" وَصَاهَرَهُمْ، وَوُلِدَ لَهُ ابْنُهُ حُذَيْفَةُ. ثُمَّ زَالَتِ الْمَوَانِعُ الَّتِي تَحُولُ دُونَ الْيَمَانِ وَدُونَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "يَثْرِبَ"، وَلَكِنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ أَكْثَرَ وَأَلْصَقَ. وَلَمَّا أَهَلَّ الْإِسْلَامُ بِنُورِهِ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَانَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ أَحَدَ عَشَرَةٍ مِنْ بَنِي "عَبْسٍ" وَفَدُوا عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَعْلَنُوا إِسْلَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ حُذَيْفَةُ مَكِّيَّ الْأَصْل مَدَنِيَّ النَّشْأَةِ. * * *

стр. 285

نَشَأَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي بَيْتٍ مُسْلِم، ورُبِّيَ فِي كَنَفِ أَبَوَيْنِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ اللَّهِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَحِلَ عَيْنَاهُ بِمَرْأَى رَسُولِ اللَّهِ صلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. * * * كَانَ شَوْقُ حُذَيْفَةَ إِلَى لِقَاءِ الرَّسُولِ ﷺ يَمْلأُ جَوَانِحَهُ، فَهُوَ مَا زَالَ مَنْذُ أَسْلَمَ يَتَسَقَّطُ (١) أَخْبَارَهُ، وَيُلِحُّ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَوْصَافِهِ، فَلَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِلَّا وَلَعًا بِهِ، وَحَنِينًا إِلَيْهِ. فَرَحَلَ إِلَى مَكَّةَ لِيَلْقَاهُ، فَمَا إِنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ: أَمُهَاجِرٌ أَنَا أم أَنْصَارِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. فَقَالَ ﵇: (إِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ شِئْتَ كُنْتَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا تُحِبُّ): فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَنْصَارِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. * * * وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ ﵊ إِلَى الْمَدِينَةِ لَازَمَهُ حُذَيْفَةُ مُلَازَمَةَ الْعَيْنِ لِأُخْتِهَا، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَوَاقِعَ كُلَّهَا إِلَّا "بَدْرًا". وَلِتَخَلُّفِ حُذَيْفَةَ عَنْ بَدْرٍ" قِصَّةٌ رَوَاهَا بِنَفْسِهِ فَقَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ "بَدْرًا" إِلَّا أَنِّي كُنْتُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ أَنَا وَأَبِي، فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَقَالُوا: أَيْنَ تَقْصِدُونَ؟ فَقُلْنَا: الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَبَوْا أَنْ يُطْلِقُونَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَخَذُوا الْعَهْدَ عَلَيْنَا أَلَّا نَنْصُرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِمْ، وَأَلَّا نُقَاتِلَ مَعَهُ، ثُمَّ أَطْلَقُوا سَرَاحَنَا. وَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا قَطَعْنَاهُ مِنْ عَهْدٍ لِقُرَيْشٍ، وَسَأَلْنَاهُ مَاذَا نَصْنَعُ؟.

стр. 286

فَقَالَ ﵊: (نَفِي بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ). * * * وَلَمَّا كَانَتْ "أُحُدٌ" خَاضَهَا حُذَيْفَةُ مَعَ أَبِيهِ الْيَمَانِ؛ أَمَّا حُذَيْفَةُ فَأَبْلَى فِيهَا أَعْظَمَ الْبَلَاءِ وَأَكْرَمَهُ، وَخَرَجَ مِنْهَا سَالِمًا، وَأَمَّا أَبُوهُ فَقَدِ اسْتُشْهِدَ فِيهَا، وَلَكِنَّ اسْتِشْهَادَهُ كَانَ بِسُيُوفِ الْمُسْلِمِينَ لَا بِسُيُوفِ الْمُشْرِكِينَ؛ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ نُورِدُهَا فيما يلي: لَمَّا كَانَ يَوْمُ "أُحُدٍ" وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْيَمَانَ، وَثَابِتَ بْنَ وَقْشٍ فِي الْحُصُونِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ طَاعِنَيْنِ فِي السِّنِّ (١)، فَلَمَّا حَمِيَ وَطِيسُ الْمَعْرَكَةِ (٢)، قَالَ الْيَمَانُ لِصَاحِبِهِ: لَا أَبَا لَكَ، مَا نَنْتَظِرُ؟! فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَ لِوَاحِدٍ مِنَّا مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَظْمَأُ الْحِمَارُ (٣)، إِنَّمَا نَحْنُ هَامَةُ الْيَوْم (٤) أَوْ غَدٍ، أَفَلَا نَأْخُذُ سَيْفَيْنَا وَنَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا الشَّهَادَةَ مَعَ نَبِيِّهِ … ثُمَّ أَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَدَخَلَا فِي النَّاسِ وَاقْتَحَمَا الْمَعْرَكَةَ … أَمَّا ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْيَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ فَتَعَاوَرَتْهُ (٥) سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَجَعَلَ حُذَيْفَةُ يُنَادِي: أَبِي … أَبِي … فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ، وَخَرَّ الشَّيْخُ صَرِيعًا بِأَسْيَافِ أَصْحَابِهِ، فَمَا زَادَ حُذَيْفَةُ عَلَى أَنْ قَالَ لَهُمْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. ثُمَّ أَرَادَ الرَّسُولُ ﵊ أَنْ يُعْطِيَ الابْنَ دِيَةَ (٦) أَبِيهِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إِنَّمَا هُوَ طَالِبُ شَهَادَةٍ وَقَدْ نَالَهَا، اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي تَصَدَّقْتُ بِدِيَتِهِ عَلَى

стр. 287

الْمُسْلِمِينَ، فَازْدَادَ بِذَلِكَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * * * سَبَرَ (١) الرَّسُولُ صَلَوَاتِ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ غَوْرَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَتَجَلَّتْ لَهُ فِيهِ خِلَالٌ ثَلَاثٌ: ذَكَاءٌ فَذٌّ يُسْعِفُهُ فِي حَلِّ الْمُعْضِلَاتِ … وَبَدِيهَةٌ (٢) مُطَاوِعَةٌ تُلَبِّيهِ كُلَّمَا دَعَاهَا … وَكِتْمَانٌ لِلسِّرِّ فَلَا يَنْفُذُ إِلَى غَيْرِهِ أَحَدٌ. وَكَانَتْ سِيَاسَةُ الرَّسُولِ ﵊ تَقُومُ عَلَى اكْتِشَافِ مَزَايَا أَصْحَابِهِ؛ وَالْإِفَادَةِ مِنْ طَاقَاتِهِمُ الْكَامِنَةِ فِي ذَوَاتِهِمْ، وَذَلِكَ بِوَضْعِ الرَّجُلِ الْمُنَاسِبِ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ. * * * وَكَانَتْ أَكْبَرُ مُشْكِلَةٍ تُوَاجِهُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ هِيَ وُجُودَ الْمُنَافِقِينَ (٣) مِنَ الْيَهُودِ وَأَشْيَاعِهِمْ (٤)، وَمَا يَحِيكُونَهُ لِلنَّبِيِّ ﵊ وَأَصْحَابِهِ مِنْ مَكَائِدَ وَدَسَائِسَ. فَأَفْضَى (٥) النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ - وَهُوَ سِرٌّ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ - وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِرَصْدِ حَرَكَاتِهِمْ، وَتَتَبُّعِ نَشَاطِهِمْ، وَدَرْءِ خَطَرِهِمْ (٦) عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ … وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ دُعِيَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ "بِصَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". * * * وَقَدِ اسْتَعَانَ الرَّسُولُ ﵊ بِمَوَاهِبِ حُذَيْفَةَ فِي مَوْقِفٍ مِنْ أَشَدِّ الْمَوَاقِفِ خَطَرًا، وَأَحْوَجِهَا إِلَى الذَّكَاءِ الْفَذِّ وَالْبَدِيهَةِ الْمُطَاوِعَةِ، وَذَلِكَ فِي ذُرْوَةِ غَزْوَةِ "الْخَنْدَقِ" (٧) … حَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ أَحَاطَ بِهِمُ الْعَدُوُّ مِنْ

стр. 288

فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَبَلَغَ مِنْهُمُ الْجَهْدُ وَالضَّنْكُ (١) كُلَّ مَبْلَغٍ، حَتَّى زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ (٢)، وَأَخَذَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ. وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ وَأَحْلَافُهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الْحَاسِمَاتِ بِأَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ صَبَّ عَلَيْهَا اللَّهُ مِنْ غَضَبِهِ مَا أَوْهَنَ قُوَاهَا وَزَلْزَلَ عَزَائِمَهَا، فَأَرْسَلَ عَلَيْهَا رِيحًا صَرْصَرًا (٣) تَقْلِبُ خِيَامَهَا، وَتَكْفَأُ (٤) قُدُورَهَا، وَتُطْفِئُ نِيرَانَهَا وَتَقْذِفُ وُجُوهَهَا بِالْحَصْبَاءِ، وَتَسُدُّ عُيُونَهَا وَخَيَاشِيمَهَا بِالتُّرَابِ. * * * فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ الْحَاسِمَةِ مِنْ تَارِيخ الْحُرُوبِ؛ يَكُونُ الْفَرِيقُ الْخَاسِرُ هُوَ الَّذِي يَئِنُّ أَوَّلًا، وَيَكُونُ الْفَرِيقُ الرَّابِحُ هُوَ الَّذِي يَضْبِطُ نَفْسَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ بَعْدَ صَاحِبِه. وَفِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا مَصَائِرُ الْمَعَارِكِ؛ يَكُونُ لاسْتِخْبَارَاتِ الْجُيُوشِ الْفَضْلُ الأَوَّلُ فِي تَقْدِيرِ الْمَوْقِفِ وَإِسْدَاءِ الْمَشُورَةِ. وَمِنْ هُنَا احْتَاجَ الرَّسُولُ ﵊ لِطَاقَاتِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَخِبْرَاتِهِ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إِلَى قَلْبِ جَيْشِ الْعَدُوِّ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ؛ لِيَأْتِيَهُ بِأَخْبَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْرِمَ (٥) أَمْرًا. فَلْتَترُك لِحُذَيْفَةَ الْكَلَامَ لِيُحَدِّثَنَا عَنْ رِحْلَةِ الْمَوْتِ هَذِهِ. قَالَ حُذَيْفَةُ: كُنَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ صَافِّينَ قُعُودًا، وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَوْقَنَا، وَبَنُو "قُرَيْظَةَ" مِنَ الْيَهُودِ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى نِسَائِنَا وَذَرَارِينَا،

стр. 289

وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا لَيْلَةٌ قَطُّ أَشَدُّ ظُلْمَةٌ، وَلَا أَقْوَى رِيحًا مِنْهَا، فَأَصْوَاتُ رِيحِهَا مِثْلُ الصَّوَاعِقِ، وَشِدَّةُ ظَلَامِهَا تَجْعَلُ أَحَدَنَا مَا يَرَى إِصْبَعَهُ .... فَأَخَذَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ ﵊، وَيَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا مَكْشُوفَةٌ لِلْعَدُوِّ - وَمَا هِيَ بِمَكْشُوفَةٍ - فَمَا يَسْتَأْذِنُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَذِنَ لَهُ وَهُمْ يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى بَقِينَا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ النَّبِيُّ ﵊، وَجَعَلَ يَمُرُّ بِنَا وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى أَتَى إِلَيَّ وَمَا عَلَيَّ شَيْءٍ يَقِينِي مِنَ الْبَرْدِ إِلَّا مِرْطٌ (١) لامْرَأَتِي مَا يُجَاوِزُ رُكْبَتَيَّ … فَاقْتَرَبَ مِنِّي وَأَنَا جَاثٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: (مَنْ هَذَا؟). فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قَالَ: (حُذَيْفَةُ؟) … فَتَقَاصَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَقُومَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ، وَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: (إِنَّهُ كَائِنْ فِي الْقَوْمِ خَبَرٌ فَتَسَلَّلْ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَأَتِنِي بِخَبَرِهِمْ) … فَخَرَجْتُ وَأَنَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فَزَعًا وَأَكْثَرِهِمْ بَرْدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ). فَوَاللَّهِ، مَا تَمَّتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﵇ حَتَّى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنْ جَوْفِي كُلَّ مَا أَوْدَعَهُ فِيهِ مِنْ خَوْفٍ، وَأَزَالَ عَنْ جَسَدِي كُلَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ بَرْدٍ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ نَادَانِي ﵊ وَقَالَ: (يَا حُذَيْفَةُ لَا تُحْدِثَنَّ (٢) فِي الْقَوْم شَيْئًا حَتَّى تَأْتِينِي)، فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَمَضَيْتُ أَتَسَلَّلُ فِي جُنْحِ الظَّلَامِ حَتَّى دَخَلْتُ فِي جُنْدِ الْمُشْرِكِينَ وَصِرْتُ كَأَنِّي وَاحِدٌ مِنْهُمْ.

стр. 290

وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى قَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِيهِمْ خَطِيبًا وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ قَوْلًا أَخْشَى أَنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا؛ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَنْ جَلِيسُهُ، فَمَا كَانَ مِنِّي إِلَّا أَنْ أَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إِلَى جَنْبِي وَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَهُنَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارٍ قَرَارٍ، لَقَدْ هَلَكَتْ رَوَاحِلُنَا (١)، وَتَخَلَّتْ عَنَّا بَنُو "قُرَيْظَةَ" (٢)، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ فَفَكَّ عِقَالَهُ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ قَائِمًا … وَلَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَلَّا أُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى آتِيَهُ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ. عِنْدَ ذَلِكَ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَوَجَدْتُهُ قَائِمًا يُصَلِّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ، فَلَمَّا رَآنِي أَدْنَانِي إِلَى رِجْلَيْهِ وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَسُرَّ بِهِ سُرُورًا شَدِيدًا وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. * * * ظَلَّ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مُؤْتَمَنًا عَلَى أَسْرَارِ الْمُنَافِقِينَ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ، وَظَلَّ الْخُلَفَاءُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِهِمْ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ يَسْأَلُ: أَحَضَرَ حُذَيْفَةُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ؟ … فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا، شَكَّ فِيهِ، وَأَمْسَكَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَأَلَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ: أَفِي عُمَّالي أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: وَاحِدٌ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ … قَالَ حُذَيْفَةُ: لَكِنَّ عُمَرَ مَا لَبِثَ أَنْ عَزَلَهُ كَأَنَّمَا هُدِيَ إِلَيْهِ. وَلَعَلَّ قَلِيلًا مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَتَحَ لِلْمُسْلِمِينَ

стр. 291

"نَهَاوَنْدَ" وَ "الدِّينَوَرَ"، وَ"هَمَذَانَ" وَ"الرَّيَّ" (١) … وَكَانَ سَبَبًا فِي جَمْعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ بَعْدَ أَنْ كَادُوا يَفْتَرِقُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ شَدِيدَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ اللَّهِ، عَظِيمَ الْخَشْيَةِ مِنْ عِقَابِهِ. فَهُوَ حِينَ ثَقُلَ عَلَيْهِ مَرَضُ الْمَوْتِ جَاءَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: أَيُّ سَاعَةٍ هَذِهِ؟. فَقَالُوا: نَحْنُ قَرِيبٌ مِنَ الصُّبْحِ. فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ صَبَاحٍ يُفْضِي (٢) بِي إِلَى النَّارِ … أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ صَبَاحٍ يُفْضِي بِي إِلَى النَّارِ … ثُمَّ قَالَ: أَجِئْتُمْ بِكَفَنٍ؟. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَا تُغَالُوا بِالْأَكْفَانِ؛ فَإِنْ يَكُنْ لِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ بُدِّلْتُ بِهِ خَيْرًا، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى سُلِبَ مِنِّي … ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَأُحِبُّ الذِّلَّةَ عَلَى الْعِزِّ، وَأُحِبُّ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ. ثُمَّ قَالَ وَرُوحُهُ تَفِيضُ: حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى شَوْقٍ، لَا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ … رَحِمَ الله حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَدْ كَانَ طِرَازًا فَرِيدًا مِنَ النَّاسِ (*).

стр. 292

عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ "لَقَدْ جَعَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ هَمَّهُ فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ" هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ يَبْلُغُ مَشَارِفَ "يَثْرِبَ" (١)، بَعْدَ طُولِ لَهْفَةٍ وَتَرَقُّبٍ … وَهَا هُمْ أَوْلَاءِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ الطَّيِّبَةِ؛ يَتَزَاحَمُونَ فِي الدُّرُوبِ مُهَلِّلِينَ (٢) مُكَبِّرِينَ فَرَحًا بِلِقَاءِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَصَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ … وَهَا هُنَّ نِسْوَةُ الْمَدِينَةِ الْمُخَدَّرَاتُ (٣) وَصَبَايَاهَا الصَّغِيرَاتُ عَلَوْنَ سُطُوحَ الْمَنَازِلِ، وَجَعَلْنَ يَتَرَاءَيْنَ (٤) الرَّسُولَ ﷺ وَيَقُلْنَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ … أَيُّهُمْ هُوَ؟ وَهَذَا مَوْكِبُ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ يَتَهَادَى (٥) بَيْنَ الصُّفُوفِ؛ تَحُفُّهُ الْمُهَجُ الْمُشْتَاقَةُ، وَتَحُوطُهُ الأَفْئِدَةُ التَّوَّاقَةُ، وَتُنْثَرُ حَوَالَيْهِ دُمُوعُ الفَرَحِ، وَبَسَمَاتُ السُّرُورِ. * * * لَكِنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ لَمْ يَشْهَدْ مَوْكِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْعَدْ بِاسْتِقْبَالِهِ مَعَ الْمُسْتَقْبِلِينَ. ذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَى الْبَوَادِي بِغُنَيْمَاتٍ لَهُ؛ لِيَرْعَاهَا هُنَاكَ، بَعْدَ

стр. 293

أَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهَا السَّغَبُ (١) وَخَافَ عَلَيْهَا الْهَلَاكَ، وَهِيَ كُلُّ مَا يَمْلِكُ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا (٢). لَكِنَّ الْفَرْحَةَ الَّتِي غَمَرَتِ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ مَا لَبِثَتْ أَنْ عَمَّتْ بَوَادِيَهَا الْقَرِيبَةَ وَالْبَعِيدَةَ، وَأَشْرَقَتْ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِهَا الطَّيِّبَةِ، وَبَلَغَتْ تَبَاشِيرُهَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ؛ وَهُوَ مَعَ غُنَيْمَاتِهِ بَعِيدًا فِي الْفَلَوَاتِ. فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّةَ لِقَائِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ عُقْبَةُ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا فِي غُنَيْمَةٍ لِي أَرْعَاهَا، فَمَا إِنْ تَنَاهَى إِلَيَّ (٣) خَبْرُ قُدُومِهِ حَتَّى تَرَكْتُهَا وَمَضَيْتُ إِلَيْهِ لَا أَلْوِي عَلَى شَيْءٍ (٤) فَلَمَّا لَقِيتُهُ قُلْتُ: تُبَايِعُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (فَمَنْ أَنْتَ؟) قُلْتُ: عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، قَالَ ﷺ : (أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: تُبَايِعُنِي بَيْعَةً أَعْرَابِيَّةً أَوْ بَيْعَةً هِجْرَةٍ؟). قُلْتُ: بَلْ بَيْعَةَ هِجْرَةٍ، فَبَايَعَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ لَيْلَةً ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى غَنَمِي. * * * وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِمَّنْ أَسْلَمُوا نُقِيمُ بَعِيدًا عَنِ الْمَدِينَةِ لِتَرْعَى أَغْنَامَنَا فِي بَوَادِيها. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَا خَيْرَ فِينَا إِذَا نَحْنُ لَمْ نَقْدَمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، لِيُفَقِّهَنَا فِي دِينِنَا، وَيُسْمِعَنَا مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِ السَّمَاءِ، فَلْيَمْضِ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدٌ مِنَّا إِلَى "يَثْرِبَ"، وَلْيَتْرُكُ غَنَمَهُ لَنَا فَتَرْعَاهَا لَهُ. فَقُلْتُ: اذْهَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ وَلْيَتْرُكُ لِيَ الذَّاهِبُ

стр. 294

غَنَمَهُ؛ لِأَنِّي كُنْتُ شَدِيدَ الْإِشْفَاقِ (١) عَلَى غُنَيْمَتِي مِنْ أَنْ أَتْرُكَهَا لِأَحَدٍ. * * * ثُمَّ طَفِقَ أَصْحَابِي يَغْدُو (٢) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْآخَرِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَتْرُكُ لِي غَنَمَهُ أَرْعَاهَا لَهُ، فَإِذَا جَاءَ، أَخَذْتُ مِنْهُ مَا سَمِعَ، وَتَلَقَّيْتُ عَنْهُ مَا فَقِهَ، لَكِنَّنِي مَا لَبِثْتُ أَنْ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي وَقُلْتُ: وَيْحَكَ!! … أَمِنْ أَجْلٍ غُنَيْمَاتٍ لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي تُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِكَ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَخْذَ عَنْهُ مُشَافَهَةً مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ؟! … ثُمَّ تَخَلَّيْتُ عَنْ غُنَيْمَاتِي، وَمَضَيْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأُقِيمَ فِي الْمَسْجِدِ بِجِوَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * لَمْ يَكُنْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ - حِينَ اتَّخَذَ هَذَا الْقَرَارَ الْحَاسِمَ الْحَازِمَ - أَنَّهُ سَيَعْدُو بَعْدَ عِقْدٍ مِنَ الزَّمَانِ عَالِمًا مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَقَارِئًا مِنْ شُيُوخِ الْقُرَّاءِ، وَقَائِدًا مِنْ قُوَّادِ الْفَتْحِ الْمَرْمُوقِينَ، وَوَالِيًا مِنْ وُلَاةِ الْإِسْلَام الْمَعْدُودِينَ. وَلَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ - مُجَرَّدَ تَخَيُّلٍ - وَهُوَ يَتَخَلَّى عَنْ غُنَيْمَاتِهِ، وَيَمْضِي إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ طَلِيعَةَ الْجَيْشِ الَّذِي يَفْتَحُ أُمُّ الدُّنْيَا "دِمَشْقَ" وَيَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ دَارًا بَيْنَ رِيَاضِهَا النَّضِرَةِ عِنْدَ "بَابِ تُومَا" (٣). وَلَمْ يَكُنْ يَتَصَوَّرُ - مُجَرَّدَ تَصَوُّرٍ - أَنَّهُ سَيَكُونُ أَحَدَ الْقَادَةِ الَّذِينَ سَيَفْتَحُونَ زُمُرُّدَةَ الْكَوْنِ الْحَضْرَاءَ "مِصْرَ"، وَأَنَّهُ سَيَغْدُو وَالِيًا عَلَيْهَا، وَيَخْتَطُّ لِنَفْسِهِ دَارًا فِي سَفْحِ جَبَلِهَا "الْمُقَطَّمِ" (٤)، فَتِلْكَ كُلُّهَا أُمُورٌ مُسْتَكِنَّةٌ (٥) فِي ضَمِيرِ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ. * * *

стр. 295

لَزِمَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لُزُومَ الظِّلِّ لِصَاحِبِهِ، فَكَانَ يَأْخُذُ لَهُ بِزِمَامِ بَغْلَتِهِ أَيْنَمَا سَارَ، وَيَمْضِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَنَّى اتَّجَهَ، وَكَثِيرًا مَا أَرْدَفَهُ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَاءَهُ، حَتَّى دُعِيَ "بِرَدِيفِ رَسُولِ اللَّهِ"، وَرُبَّمَا نَزَلَ لَهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ لِيَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْكَبُ، وَالنَّبِيُّ ﵊ هُوَ الَّذِي يَمْشِي. حَدَّثَ عُقْبَةُ قَالَ: كُنتُ آخُذُ بِزِمَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ غَابِ (٢) الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: لي: (يَا عُقْبَةُ، أَلَا تَرْكَبُ؟!) فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: لَا، لَكِنِّي أَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ في ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَنَزَلَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ وَرَكِبْتُ أَنَا امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ … وَجَعَلَ هُوَ يَمْشِي. ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ نَزَلْتُ عَنْهَا، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﵊، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُقْبَةُ أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟) فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْرَأَنِي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى بِهِمَا، وَقَالَ: (اقْرَأْهُمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ). قَالَ عُقْبَةُ: فَمَا زِلْتُ أَقْرَؤُهُمَا مَا امْتَدَّتْ بِيَ الْحَيَاةُ. * * * وَلَقَدْ جَعَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ هَمَّه (٣) فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمَا بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ، وَبَذَلَ لَهُمَا مِنْ ذَاتِهِ أَسْخَى الْبَذْلِ، وَأَكْرَمَهُ. أَمَّا فِي مَجَالِ الْعِلْمِ فَقَدْ جَعَلَ يَعُبُّ مِنْ مَنَاهِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّرَّةِ (٤)

стр. 296

الْعَذْبَةِ حَتَّى غَدا مُقْرِئًا، مُحَدِّثًا، فَقِيهًا، فَرَضِيًا (١)، أَدِيبًا، فَصِيحًا، شَاعِرًا. وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ إِذَا مَا سَجَا (٢) اللَّيْلُ وَهَدَأ الْكَوْنُ انْصَرَفَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ يَقْرَأُ مِنْ آيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ، فَتُصْغِي لِتَرْتِيلِهِ أَفْئِدَةُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَتَخْشَعُ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَتَفِيضُ عُيُونُهُمْ بِالدَّمْعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَقَدْ دَعَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا فَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَا عُقْبَةُ، فَقَالَ: سَمْعًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ لَهُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ آيِ الذِّكْرِ الْحَكِيم، وَعُمَرُ يَبْكِي حَتَّى بَلَّلَتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ. وَقَدْ تَرَكَ عُقْبَةُ مُصْحَفًا مَكْتُوبًا بِخَطِّ يَدِهِ، وَبَقِيَ مُصْحَفُهُ هَذَا إِلَى عَهْدٍ غَيْرِ بَعِيدٍ مَوْجُودًا في "مِصْرَ" فِي الْجَامِعِ الْمَعْرُوفِ بِجَامِعِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي آخِرِهِ: "كَتَبَهُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ". وَمُصْحَفُ عُقْبَةَ هَذَا مِنْ أَقْدَمِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي وُجِدَتْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَكِنَّهُ فُقِدَ فِي جُمْلَةِ مَا فُقِدَ مِنْ تُرَاثِنَا الثَّمِينِ، وَنَحْنُ عَنْهُ غَافِلُونَ. * * * وَأَمَّا فِي مَجَالِ الْجِهَادِ؛ فَحَسْبُنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "أُحُدًا" وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَغَازِي، وَأَنَّهُ كَانَ أَحَدَ الْكُمَاةِ الأَشَاوِسِ الْمَغَاوِيرِ، الَّذِينَ أَبْلَوْا يَوْمَ فَتْحِ "دِمَشْقَ" أَعَزَّ الْبَلَاءِ وَأَعْظَمَهُ، فَكَافَأَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَاحِ (٣) عَلَى حُسْنِ بَلَائِهِ بِأَنْ بَعَثَهُ بَشِيرًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْمَدِينَةِ لِيُبَشِّرَهُ بِالْفَتْحِ، فَظَلَّ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ يُغِذُّ السَّيْرَ دُونَ انْقِطَاعِ، حَتَّى بَشَّرَ الْفَارُوقَ بِالْفَتْحِ الْعَظِيمِ. ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ أَحَدَ قَادَةِ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي فَتَحَتْ "مِصْرَ"، فَكَافَأَهُ أَمِيرُ

стр. 297

الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ (١) بِأَنْ جَعَلَهُ وَالِيًا عَلَيْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَجَّهَهُ لِغَزْوِ جَزِيرَةِ "رُودُسَ" فِي الْبَحْرِ الأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ. وَقَدْ بَلَغَ مِنْ وَلَعِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ بِالْجِهَادِ، أَنَّهُ وَعَى أَحَادِيثَ الْجِهَادِ فِي صَدْرِهِ، وَاخْتَصَّ بِرِوَايَتِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ دَأَبَ عَلَى حِذْقِ الرِّمَايَةِ حَتَّى إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَلَهَّى تَلَهَّى بِالرَّمْيِ. * * * وَلَمَّا مَرِضَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ مَرَضَ الْمَوْتِ - وَهُوَ فِي "مِصْرَ" - جَمَعَ بَنِيهِ فَأَوْصَاهُمْ فَقَالَ: يَا بَنِيَّ أَنْهَاكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ فَاحْتَفِظُوا بِهِنَّ: لَا تَقْبَلُوا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ ثِقَةٍ، وَلَا تَسْتَدِينُوا وَلَوْ لَبِسْتُمُ الْعَبَاءَ (٢)، وَلَا تَكْتُبُوا شِعْرًا فَتَشْغَلُوا بِهِ قُلُوبَكُمْ عَنِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، دَفَنُوهُ فِي سَفْحِ "الْمُقَطَّمِ" ثُمَّ انْقَلَبُوا إِلَى تَرِكَتِهِ يُفَتِّشُونَهَا، فَإِذَا هُوَ قَدْ خَلَّفَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ قَوْسًا؛ مَعَ كُلِّ قَوْسٍ قَرْنٌ وَنِبَالٌ، وَقَدْ أَوْصَى بِهِنَّ أَنْ يُجْعَلْنَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَ الْقَارِئِ الْعَالِمِ الْغَازِي عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ (*).

стр. 298

الكتاب الخامس بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ "أَبُو بَكْرٍ سَيْدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا" [يَعْنِي بِلَالًا] [عُمَرُ الْفَارُوقُ ﵁] لِبِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ مُؤَذِّنِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، سِيرَةٌ مِنْ أَرْوَعِ سِيرِ النِّضَالِ فِي سَبِيلِ الْعَقِيدَةِ … وَقِصَّةٌ لَا يَمَلُّ الزَّمَانُ مِنْ تَرْدِيدِهَا … وَلَا تَشْبَعُ الْآذَانُ مِنْ سِحْرِ نَشِيدِهَا. وُلِدَ بِلَالٌ فِي "السَّرَاةِ" قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لِأَبٍ كَانَ يُدْعَى "رَبَاحًا"، أَمَّا أُمُّهُ فَكَانَتْ تُدْعَى "حَمَامَةَ" … وَهِيَ أَمَةٌ (١) سَوْدَاءُ مِنْ إِمَاءٍ مَكَّةَ … وَلِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَدْعُونَهُ بِابْنِ السَّوْدَاءِ. * * * نَشأَ بِلَالٌ في "أُمِّ القُرَى" (٢)، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِأَيْتَامٍ مِنْ بَنِي "عَبْدِ الدَّارِ" أَوْصَى بِهِمْ أَبُوهُمْ إِلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَحَدِ رُؤُوسِ الْكُفْرِ. وَلَمَّا أَشْرَقَتْ مَكَّةُ بِأَنْوَارِ الدِّينِ الْجَدِيدِ … وَهَتَفَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ …

стр. 299

كَانَ بِلَالٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ. فَقَدْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ مُسْلِمٍ إِلَّا هُوَ وَبِضْعَةٌ نَفَرٍ (١) مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ. عَلَى رَأْسِهِمْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ (٢). وَصُهَيْبٌ الرُّومِيُّ (٣)، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ (٤). وَقَدْ لَقِيَ بِلَالٌ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَلْقَهُ سِوَاهُ … وَعَانَى مِنْ قَسْوَتِهِمْ، وَبَطْشِهِمْ، وَغِلَظ قُلُوبِهِمْ مَا لَمْ يُغَانِهِ غَيْرُهُ … وَصَبَرَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى الابْتِلَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا لَمْ يَصْبِرْ أَحَدٌ. فَلَقَدْ كَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَصَبِيَّةٌ تَمْنَعُهُمَا، وَقَوْمٌ يَحْمُونَهُمَا، أَمَّا أُولَئِكَ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الْأَرِقَّاءِ وَالْإِمَاءِ (٥)؛ فَقَدْ نَكَّلَتْ (٦) بِهِمْ قُرَيْشٌ أَشَدَّ التَّنْكِيل … فَلَقَدْ أَرَادَتْ أَنْ تَجْعَلَهُمْ عِبْرَةً لِمَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِنَبْذِ آلِهَتِهِمْ وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ. وَقَدْ تَصَدَّى لِتَعْذِيبِ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْ أَغْلَظِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ كَبِدًا، وَأَقْسَاهُمْ قَلْبًا … فَلَقَدْ بَاءَ أَبُو جَهْلِ (٧) - أَخْزَاهُ اللَّهُ - بِإِثْم "سُمَيَّةَ" فَوَقَفَ عَلَيْهَا يَسُبُّ

стр. 300

وَيَرْفُثُ (١)، ثُمَّ طَعَنَهَا بِرُمْحِهِ طَعْنَةً دَخَلَتْ مِنْ أَسْفَلِ بَطْنِهَا وَخَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهَا … فَكَانَتْ أَوَّلَ شَهِيدَةٍ فِي الْإِسْلَامِ … وَأَمَّا الْآخَرُونَ مِنْ إِخْوَتِهَا فِي اللهِ وَعَلَى رَأْسِهِمْ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَقَدْ أَطَالَتْ قُرَيْشُ تَعْذِيبَهُمْ … كَانُوا إِذَا تَوَسَّطَتِ الشَّمْسُ كَبِدَ السَّمَاءِ، وَالْتَهَبَتْ رِمَالُ مَكَّةَ بِالرَّمْضَاءِ (٢) … يَنْزَعُونَ عَنْهُمْ ثِيَابَهُمْ، وَيُلْبِسُونَهُمْ دُرُوعَ (٣) الْحَدِيدِ، وَيَصْهَرُونَهُمْ (٤) بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ الْمُتَّقِدَةِ … وَيُلْهِبُونَ ظُهُورَهُمْ بِالسِّيَاطِ (٥)، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِأَنْ يَسُبُّوا مُحَمَّدًا. فَكَانُوا إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ التَّعْذِيبُ، وَعَجَزَتْ طَاقَاتُهُمْ عَنْ تَحَمُّلِهِ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ فِيمَا يُرِيدُونَهُ مِنْهُمْ، وَقُلُوبُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ إِلَّا بِلَالًا ﵁ وَأَرْضَاهُ؛ فَقَدْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَهُونُ عَلَيْهِ فِي اللهِ . وَكَانَ الَّذِي يَتَوَلَّى كِبْرَ تَعْذِيبِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَزَبَانِيَتُهُ (٦). لَقَدْ كَانُوا يُلْهِبُونَ ظَهْرَهُ بِالسِّيَاطِ؛ فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ … وَيُطْبِقُونَ عَلَى صَدْرِهِ الصُّخُورَ؛ فَيُنَادِي: أَحَدٌ أَحَدٌ … وَيَشْتَدُّونَ عَلَيْهِ فِي النَّكَالِ؛ فَيَهْتِفُ: أَحَدٌ أَحَدٌ … كَانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلَى ذِكْرِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى (٧)؛ فَيَذْكُرُ اللهَ وَرَسُولَهُ … وَيَقُولُونَ لَهُ: قُلْ كَمَا نَقُولُ … فَيُجِيبُهُمْ: إِنَّ لِسَانِي لَا يُحْسِنُهُ …

стр. 301

فَيَلِجُونَ (١) فِي إِيذَائِهِ، وَيُمْعِنُونَ فِي تَعْذِيبِهِ … وَكَانَ الطَّاغِيَةُ الْجَبَّارُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ إِذَا مَلَّ مِنْ تَعْذِيبِهِ طَوَّقَ عُنُقَهُ بِحَبْلٍ غَلِيظٍ، وَأَسْلَمَهُ إِلَى السُّفَهَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَأَنْ يَجُرُّوهُ فِي أَبَاطِحِهَا … فَكَانَ بِلَالٌ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ يَسْتَعْذِبُ (٢) الْعَذَابَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيُرَدِّدُ عَلَى الدَّوَامِ نَشِيدَهُ الْعُلْوِيَّ: أَحَدٌ أَحَدٌ … أَحَدٌ أَحَدٌ … فَلَا يَمَلُّ مِنْ تَرْدَادِهِ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْ إِنْشَادِهِ. * * * وَقَدْ عَرَضَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ فَأَغْلَى بِهِ الثَّمَنَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَأْخُذُهُ … فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِتِسْعِ أَوَاقٍ مِنَ الذَّهَبِ … فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ بَعْدَ أَنْ تَمَّتِ الصَّفْقَةُ: لَوْ أَبَيْتَ أَحْذَهُ إِلَّا بِأُوقِيَّةٍ لَبِعْتُهُ. فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: لَوْ أَبَيْتَ بَيْعَهُ إِلَّا بِمِائَةٍ لَاشْتَرَيْتُهُ … وَلَمَّا أَخْبَرَ الصِّدِّيقُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِاشْتِرَائِهِ بِلَالًا، وَإِنْقَاذِهِ مِنْ أَيْدِي مُعَذِّبِيهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: (الشَّرِكَةَ (٣) يَا أَبَا بَكْرٍ). فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: "لَقَدْ أَعْتَقْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ". * * * وَلَمَّا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ … هَاجَرَ بِلَالٌ رِضْوَانُ اللهِ

стр. 302

عَلَيْهِ فِي جُمْلَةٍ مَنْ هَاجَرَ … وَنَزَلَ هُوَ وَالصِّدِّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فِهْرٍ (١) فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، فَأُصِيبُوا بِالْحُمَّى جَمِيعًا فَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَتْ (٢) عَنْهُ الْحُمَّى رَفَعَ عَقِيرَتَهُ (٣)، وَجَعَلَ يَتَرَنَّمُ بِصَوْتِهِ الْعَذْبِ قَائِلًا: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … "بِفَخٍّ" (٤) وَحَوْلِي "إِذْخَرٌ" (٥) وَ "جَلِيلُ" وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ "مِجَنَّةٍ" (٦) … وَهَلْ يَبْدُونُ لِي "شَامَةٌ" وَ "طَفِيلُ" (٧) وَلَا عَجَبَ إِذَا حَنَّ بِلَالٌ إِلَى مَكَّةَ وَشِعَابِهَا، وَاشْتَاقَ وِدْيَانَهَا وَجِبَالَهَا … فَهُنَاكَ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ … وَهُنَاكَ اسْتَعْذَبَ الْعَذَابَ فِي جَنْبِ (٨) اللهِ … وَهُنَاكَ انْتَصَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الشَّيْطَانِ … * * * اسْتَقَرَّ بِلَالٌ فِي "يَثْرِبَ" بَعِيدًا عَنْ أَذَى قُرَيْشٍ، وَتَفَرَّغَ لِنَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَكَانَ يَغْدُو مَعَهُ إِذَا غَدًا، وَيَعُودُ مَعَهُ إِذَا عَادَ … وَيُصَلِّي مَعَهُ إِذَا صَلَّى، وَيَغْزُو مَعَهُ إِذَا غَزَا … حَتَّى أَصْبَحَ أَلْزَمَ لَهُ مِنْ ظِلِّهِ (٩).

стр. 303

وَلَمَّا شَيَّدَ الرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - مَسْجِدَهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَشُرِعَ الْأَذَانُ … كَانَ بِلَالٌ أَوَّلَ مُؤَذِّنٍ فِي الْإِسْلَامِ. وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ وَقَفَ عَلَى بَابِ بَيْتِ الرَّسُولِ ﵊ وَقَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ … فَإِذَا خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ حُجْرَتِهِ وَرَآهُ بِلَالٌ مُقْبِلًا ابْتَدَأَ بِالْإِقَامَةِ. * * * وَقَدْ أَهْدَى "النَّجَاشِيُّ" (١) مَلِكُ "الْحَبَشَةِ" الرَّسُولَ الْأَعْظَمَ ﷺ ثَلَاثَةَ رِمَاحٍ قَصِيرَةٍ مِنْ نَفَائِسِ مَا يَقْتَنِيهِ الْمُلُوكُ، فَاحْتَفَظَ لِنَفْسِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاحِدًا، وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَاحِدًا … ثُمَّ اخْتَصَّ بِرُمْحِهِ بِلالًا، فَجَعَلَ بِلَالٌ يَسْعَى بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ كُلَّهَا … فَكَانَ يَحْمِلُهُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي صَلَوَاتِ الاِسْتِسْقَاءِ، وَيَرْكُزُهُ أَمَامَهُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ. * * * وَلَقَدْ شَهِدَ بِلَالٌ مَعَ نَبِيِّهِ "بَدْرًا"، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ كَيْفَ أَنْجَزَ (٢) اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ جُنْدَهُ، وَشَهِدَ مَصَارِعَ الطُّغَاةِ الَّذِينَ كَانُوا يُعَذِّبُونَهُ سُوءَ الْعَذَابِ … وَأَبْصَرَ أَبَا جَهْلٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ صَرِيعَيْنِ تَنُوشُهُمَا (٣) سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَنْهَلُ مِنْ دِمَائِهِمَا رِمَاحُ الْمُعَذَّبِينَ. * * * وَلَمَّا دَخَلَ الرَّسُولُ ﷺ مَكَّةَ فَاتِحًا عَلَى? رَأْسِ كَتِيبَتِهِ الْحَضْرَاءِ كَانَ مَعَهُ دَاعِي السَّمَاءِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ.

стр. 304

وَحِينَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ الْمُعَظَّمَةَ لَمْ يَكُنْ فِي صُحْبَتِهِ إِلَّا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ هُمْ: عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ (١) حَامِلُ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ. وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ (٢) حِبُّ رَسُولِ اللهِ وَابْنُ حِبِّهِ. وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ. وَلَمَّا حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ كَانَتِ الْأُلُوفُ الْمُؤَلَّفَةُ تُحِيطُ بِالرَّسُولِ الْأَعْظَمِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. وَكَانَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ يَشْهَدُونَ ذَلِكَ الْمَشْهَدَ الْكَبِيرَ … عِنْدَ ذَلِكَ دَعَا الرَّسُولُ ﷺ بِلالَ بْنَ رَبَاحٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ … وَأَنْ يُعْلِنَ مِنْ فَوْقِهَا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، فَصَدَعَ بِلَالٌ بِالْأَمْرِ … وَأَرْسَلَ صَوْتَهُ الْجَهِيرَ بِالْأَذَانِ. فَامْتَدَّتْ آلَافُ الْأَعْنَاقِ نَحْوَهُ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَانْطَلَقَتْ آلَافُ الْأَلْسُنِ تُرَدِّدُ وَرَاءَهُ فِي خُشُوع. أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (٣) فَقَدْ أَخَذَ الْحَسَدُ يَنْهَشُ قُلُوبَهُمْ نَهْشًا، وَجَعَلَتِ الضَّغِينَةُ (٤) تُمَزِّقُ قُلُوبَهُمْ تَمْزِيقًا. فَمَا إِنْ وَصَلَ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ إِلَى قَوْلِهِ: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" حَتَّى قَالَتْ "جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ": لَعَمْرِي لَقَدْ رَفَعَ اللهُ لَكَ ذِكْرَكَ … أَمَّا الصَّلَاةُ فَنُصَلِّي وَلَكِنَّنَا - وَاللهِ - مَا نُحِبُّ مَنْ قَتَلَ الْأَحِبَّةَ.

стр. 305

وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ قُتِلَ فِي "بَدْرٍ". وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أُسَيْدٍ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْرَمَ أَبِي فَلَمْ يَشْهَدْ هَذَا الْيَوْمَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ … وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ: وَاثُكَلاهُ … لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ أَنْ أَرَى بِلَالًا فَوْقَ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: هَذَا - وَاللهِ - الْخَطْبُ الْجَلَلُ أَنْ يُصْبِحَ عَبْدُ بَنِي "جُمَحٍ" يَنْهِقُ عَلَى هَذِهِ الْبَنِيَّةِ (١). وَكَانَ مَعَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ شَيْئًا … فَإِنِّي لَوْ فُهْتُ (٢) بِكَلِمَةٍ؛ لَنَقَلَتْهَا هَذِهِ الْحَصَاةُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. * * * وَلَقَدْ ظَلَّ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ لِلرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ طُوَالَ حَيَاتِهِ. وَظَلَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ يَأْنَسُ إِلَى هَذَا الصَّوْتِ الَّذِي عُذِّبَ فِي اللهِ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَهُوَ يُردِّدُ: أَحَدٌ … أَحَدٌ. وَلَمَّا انْتَقَلَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ … قَامَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ - وَالنَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ مُسَجًّى (٣) لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ - فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" … خَنَقَتْهُ الْعَبَرَاتُ … وَاحْتُبِسَ (٤) صَوْتُهُ فِي حَلْقِهِ … وَأَجْهَشَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْبُكَاءِ، وَأَغْرَقُوا فِي النَّحِيبِ. ثُمَّ أَذَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

стр. 306

فَكَانَ كُلَّمَا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"؛ بَكَى وَأَبْكَى … عِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنَ الْأَذَانِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ لَا يَحْتَمِلُهُ (١). وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُرَابَطَةِ (٢) فِي بِلَادِ الشَّامِ … فَتَرَدَّدَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فِي الاسْتِجَابَةِ لِطَلَبِهِ، وَالْإِذْنِ لَهُ بِمُغَادَرَةِ الْمَدِينَةِ … فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ: إِنْ كُنْتَ اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي … وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَعْتَقْتَنِي للهِ فَخَلِّنِي لِمَنْ أَعْتَقْتَنِي لَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ مَا اشْتَرَيْتُكَ إِلَّا للهِ … وَمَا أَعْتَقْتُكَ إِلَّا فِي سَبِيلِهِ. فَقَالَ بِلَالٌ: إِنِّي لَا أُؤَذِّنُ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَكَ ذَلِكَ. * * * رَحَلَ بِلَالٌ عَنِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مَعَ أَوَّلِ بَعْثٍ مِنْ بُعُوثِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقَامَ فِي "دَارَيَّا" بِالْقُرْبِ مِنْ "دِمَشْقَ". وَلَقَدْ ظَلَّ مُمْسِكًا عَنِ الْأَذَانِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِلَادَ الشَّامِ … فَلَقِي بِلَالًا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ … وَكَانَ عُمَرُ شَدِيدَ الشَّوْقِ إِلَيْهِ، عَظِيمَ الْإِجْلَالِ لَهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ الصِّدِّيقُ أَمَامَهُ يَقُولُ: "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَهُوَ الَّذِي أَعْتَقَ سَيِّدَنَا" [يَعْنِي بِلَالًا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ].

стр. 307

وَهُنَاكَ عَزَمَ الصَّحَابَةُ عَلَى بِلَالٍ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي حَضْرَةِ الْفَارُوقِ … فَمَا إِنِ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ بِالْأَذَانِ حَتَّى بَكَى عُمَرُ، وَبَكَى مَعَهُ الصَّحَابَةُ حَتَّى اخْضَلَّتِ اللِّحَى (١) بِالدُّمُوعِ. فَلَقَدْ أَهَاجَ بِلَالٌ أَشْوَاقَهُمْ إِلَى عُهُودِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، سُقْيًا لَهَا مِنْ عُهُودٍ … * * * وَلَقَدْ ظَلَّ دَاعِي السَّمَاءِ يُقِيمُ فِي مِنْطَقَةِ "دِمَشْقَ" حَتَّى وَافَاهُ الْأَجَلُ الْمَحْتُومُ؛ فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ تُعْوِلُ إِلَى جَانِبِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَتَصِيحُ قَائِلَةً: وَاحَزَنَاهُ … وَكَانَ هُوَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَيُجِيبُهَا قَائِلًا: وَافَرَحَاهُ … ثُمَّ لَفَظَ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ وَهُوَ يُرَدِّدُ: غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهْ … مُحَمَّدًا وَصَحْبَه غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهُ … مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ (*).

стр. 308

حَبِيبُ بْنُ زَيْدِ الأَنْصَارِيُّ "بَارَكَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ، رَحِمَكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ" [مِنْ ثَنَاءِ الرَّسُولِ عَلَى حَبِيبٍ وَآلِ بَيْتِهِ] فِي بَيْتٍ تَتَضَوَّعُ (١) طُيُوبُ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ … وَتَلُوحُ صُوَرُ التَّضْحِيَةِ وَالْفِدَاءِ عَلَى جَبِينِ كُلِّ سَاكِنٍ مِنْ سُكَانِهِ … نَشَأَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَدَرَجَ. * * * فَأَبُوهُ هُوَ زَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ طَلِيعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي "يَثْرِبَ"، وَأَحَدُ السَّبْعِينَ الَّذِينَ شَهدُوا الْعَقَبَةَ (٢) وَشَدُّوا عَلَى يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُبَايِعِينَ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَوَلَدَاهُ. وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ عُمَارَةَ نَسِيبَةُ الْمَازِنِيَّةُ (٣) أَوَّلُ امْرَأَةٍ حَمَلَتِ السِّلَاحَ دِفَاعًا عَنْ دِينِ اللهِ، وَذِيَادًا (٤) عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ. وَأَخُوهُ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي جَعَلَ نَحْرَهُ دُونَ نَحْرِ (٥) النَّبِيِّ ﷺ وَصَدْرَهُ دُونَ صَدْرِهِ يَوْمَ "أُحُدٍ" … حَتَّى قَالَ فِيهِمُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: بَارَكَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ … رَحِمَكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ) … * * *

стр. 309

نَفَذَ النُّورُ الْإِلَهِيُّ (١) إِلَى قَلْبِ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ وَهْوَ غَضٌ طَرِيٌّ، فَاسْتَقَرَّ فِيهِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ. وَكُتِبَ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ مَعَ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَخَالَتِهِ وَأَخِيهِ إِلَى مَكَّةَ لِيُسْهِم مَعَ النَّفَرِ السَّبْعِينَ مِنَ الْغُرِّ (٢) الْمَيَامِينِ فِي صُنْع تَارِيخ الْإِسْلَامِ؛ حَيْثُ مَدَّ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم غَدَا رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ … وَأَصْبَحَ الْإِسْلَامُ أَغْلَى عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ … * * * لَمْ يَشْهَدْ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ "بَدْرًا"؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا جِدًّا. وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ شَرَفُ الْإِسْهَام فِي "أُحُدٍ"؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَا يَزَالُ دُونَ حَمْلٍ السِّلاح … لَكِنَّهُ شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ مِنْهَا رَايَةُ عِزٍّ … وَصَحِيفَةُ مَجْدٍ … وَمَوْقِفُ فِدَاءٍ … غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ عَلَى عَظَمَتِهَا وَرَوْعَتِهَا لَمْ تَكُنْ فِي حَقِيقَتِهَا سِوَى إِعْدَادٍ ضَخْمٍ لِلْمَوْقِفِ الْكَبِيرِ الَّذِي سَنَسُوقُ لَكَ حَدِيثَهُ، وَالَّذِي سَيَهُزُّ ضَمِيرَكَ فِي عُنْفٍ كَمَا هَزَّ ضَمَائِرَ مَلَايِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ مُنْذُ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وَإِلَى يَوْمِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ.

стр. 310

وَالَّذِي سَتَرُوعُكَ قِصَّتُهُ كَمَا رَاعَتْهُمْ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ. فَتَعَالَ نَسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَنِيفَةِ مِنْ بِدَايَتِهَا. * * * في السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ صَلُبَ (١) عُودُهُ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ (٢) وَرَسَخَتْ دَعَائِمُهُ، فَطَفِقَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ تَشُدُّ الرِّحَالَ مِنْ أَنْحَاءِ الْجَزِيرَةِ إِلَى "يَثْرِبَ" لِلقَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَإِعْلَانِ إِسْلَامِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمُبَايَعَتِهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْوُفُودِ وَفْدُ بَنِي "حَنِيفَةَ" الْقَادِمُ مِنْ أَعَالِي "نَجْدٍ". * * * أَنَاخَ الْوَفْدُ جِمَالَهُ فِي حَوَاشِي (٣)، مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَخَلَّفَ عَلَى رِحَالِهِ (٤) رَجُلًا مِنْهُ يُدْعَى "مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبِ الْحَنَفِيَّ"، وَمَضَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ وَإِسْلَامَ قَوْمِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَأَكْرَمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وِفَادَتَهُمْ (٥)، وَأَمَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِعَطِيَّةٍ وَأَمَرَ لِصَاحِبِهِمُ الَّذِي خَلَّفُوهُ فِي رِحَالِهِمْ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ لَهُمْ بِهِ. * * * لَمْ يَكَدْ يَبْلُغُ الْوَفْدُ مَنَازِلَهُ فِي "نَجْدٍ" حَتَّى ارْتَدَّ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ يُعْلِنُ لَهُمْ: أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى بَنِي "حَنِيفَةَ" كَمَا أَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ إِلَى قُرَيْشٍ …

стр. 311

فَطَفِقَ قَوْمُهُ يَلْتَفُونَ حَوْلَهُ مَدْفُوعِينَ إِلَى ذَلِكَ بِدَوَافِعَ شَتَّى كَانَ أَهَمُّهَا الْعَصَبِيَّة (١)، حَتَّى إِنَّ رَجُلًا مِنْ رِجَالَاتِهِمْ قَالَ: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَكَذَّابٌ؛ وَلَكِنَّ كَذَّابَ رَبِيعَةَ (٢) أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَادِقِ مُضَرَ (٣) ". * * * وَلَمَّا قَوِيَ سَاعِدُ مُسَيْلِمَةَ وَغَلُظَ (٤) أَمْرُهُ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كِتَابًا جَاءَ فِيهِ: "مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ … فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ". وَبَعَثَ الْكِتَابَ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ رِجَالِهِ؛ فَلَمَّا قُرِئَ الْكِتَابُ لِلنَّبِيِّ ﵊ قَالَ لِلرَّجُلَيْنِ: (وَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟!). فَأَجَابَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ. فَقَالَ لَهُمَا: (أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ عُنُقَيْكُمَا)، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ رِسَالَةً جَاءَ فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ … فَإِنَّ الْأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) … وَبَعَثَ الرِّسَالَةَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ. * * *

стр. 312

ازْدَادَ شَرُّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَاسْتَشْرَى (١) فَسَادُهُ، فَرَأَى الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِرِسَالَةٍ يَزْجُرُهُ فِيهَا عَنْ غَيِّهِ (٢)، وَنَدَبَ لِحَمْلِ الرِّسَالَةِ بَطَلَ قِصَّتِنَا حَبِيبَ بْنَ زَيْدٍ. وَكَانَ يَوْمَئِذٍ شَابًّا نَاضِرَ الشَّبَابِ مُكْتَمِلَ الْفَتَاءِ (٣) مُؤْمِنًا مِنْ قِمَّةِ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ. * * * مضَى حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى مَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرَ وَانٍ (٤) وَلَا مُتَرَيِّثٍ (٥) تَرْفَعُهُ النِّجَادُ (٦) وَتَحُطُهُ الْوِهَادُ (٧) حَتَّى بَلَغَ دِيَارَ بَنِي "حَنِيفَةَ" في أَعالي "نَجْدٍ"، وَدَفَعَ الرِّسَالَةَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ. فَمَا كَادَ مُسَيْلِمَةُ يَقِفُ عَلَى مَا جَاءَ فِيهَا حَتَّى انْتَفَخَ صَدْرُهُ ضَغِينَةً وَحِقْدًا، وَبَدَا الشَّرُّ وَالْغَدْرُ عَلَى قَسَمَاتِ (٨) وَجْهِهِ الدَّمِيمِ الْأَصْفَرِ، وَأَمَرَ بِحَبِيبِ ابْنِ زَيْدٍ أَنْ يُقَيَّدَ، وَأَنْ يُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ ضُحَى الْيَوْمِ التَّالِي. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَصَدَّرَ مُسَيْلِمَةُ مَجْلِسَهُ، وَجَعَلَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ الطَّوَاغِيتَ (٩) مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِهِ، وَأَذِنَ لِلْعَامَّةِ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ فَجِيءَ بِهِ إِلَيْهِ وَهْوَ يَرْسُفُ (١٠) في قُيُودِهِ. * * * وَقَفَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ وَسَطَ هَذِهِ الْجُمُوعِ الْحَاشِدَةِ الْحَاقِدَةِ مَشْدُودَ

стр. 313

الْقَامَةِ، مَرْفُوعَ الْهَامَةِ، شَامِخَ الْأَنْفِ، وَانْتَصَبَ بَيْنَهَا كَرُمْحٍ سَمْهَرِيٍّ (١) أَحْكَمَ الْمُتَقِّفُونَ (٢) تَقْوِيمَهُ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ مُسَيْلِمَةُ وَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟. فَقَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَتَمَيَّزَ (٣) مُسَيْلِمَةُ غَيْظًا وَقَالَ: وَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟. فَقَالَ حَبِيبٌ فِي سُخْرِيَةٍ لَاذِعَةٍ: إِنَّ فِي أُذُنَيَّ صَمَمًا عَنْ سَمَاعِ مَا تَقُولُ. فَامْتُقِعَ (٤) وَجْهُ مُسَيْلِمَةَ وَارْتَجَفَتْ شَفَتَاهُ حَنَقًا (٥) وَقَالَ لِجَلَّادِهِ: اقْطَعْ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِهِ. فَأَهْوَى الْجَلَّادُ عَلَى حَبِيبٍ بِسَيْفِهِ وَبَتَرَ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِهِ؛ فَتَدَحْرَجَتْ عَلَى الْأَرْضِ … ثُمَّ أَعَادَ مُسَيْلِمَةُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ نَفْسَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟. قَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: وَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟. قَالَ: قُلْتُ لَكَ: إِنَّ فِي أُذُنَيَّ صَمَمًا عَنْ سَمَاع مَا تَقُولُ. فَأَمَرَ بِأَنْ تُقْطَعَ مِنْ جَسَدِهِ قِطْعَةٌ أُخْرَى، فَقُطِعَتْ وَتَدَحْرَجَتْ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَوَتْ (٦) إِلَى جَانِبِ أُخْتِهَا، وَالنَّاسُ شَاخِصُونَ (٧) بِأَبْصَارِهِمْ إليْهِ، مَذْهُولُونَ مِنْ تَصْمِيمِهِ وَعِنَادِهِ.

стр. 314

وَمَضَى مُسَيْلِمَةُ يَسْأَلُ، وَالْجَلادُ يَقْطَعُ، وَحَبِيبٌ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. حَتَّى صَارَ نَحْوٌ مِنْ نِصْفِهِ بِضَعًا (١) مُقَطَّعَةً مَنْثُورَةً عَلَى الْأَرْضِ … وَنِصْفُهُ الْآخَرُ كُتْلَةً تَتَكَلَّمُ … ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ، وَعَلَى شَفَتَيْهِ الطَّاهِرَتَيْنِ اسْمُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بَايَعَهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ (٢) … اسْمُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ … * * * بَلَغَ مَصْرَعُ حَبِيبٍ أُمَّهُ نَسِيبَةَ الْمَازِنِيَّةَ؛ فَطَوَتْ جَوَانِحَهَا عَلَى أَحْزَانِهَا وَاحْتَسَبَتْهُ عِنْدَ اللهِ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ "الْيَمَامَةِ" جَهَّزَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ جَيْشًا لِحَرْبِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَعَقَدَ لِوَاءَهُ لِسَيْفِ الْإِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ وَأَرْضَاهُ. فَانْضَمَّتْ إِلَى الْجَيْشِ الْمُجَاهِدَةُ الْبَاسِلَةُ نَسِيبَةُ الْمَازِنِيَّةُ وَابْنُهَا عَبْدُ اللهِ … لَقَدْ كَانَا يُرِيدَانِ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ … وَكَانَا يُرِيدَانِ أَيْضًا أَنْ يَثْأَرَا لِحَبِيبٍ مِنْ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّ اللهِ. * * * وَفِي يَوْمِ "الْيَمَامَةِ" الْأَغَرِّ شُوهِدَتْ نَسِيبَةُ تَشُقُّ الصُّفُوفَ كَاللَّبُؤَةِ (٣) الثَّائِرَةِ وَهْيَ تُنَادِي: أَيْنَ عَدُوٌّ اللهِ؟ …

стр. 315

دُلُّونِي عَلَى عَدُوِّ اللهِ … فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ وَجَدَتْهُ مُجَدَّلًا (١) عَلَى الْأَرْضِ وَسُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ تَنْهَلُ مِنْ دِمَائِهِ؛ فَطَابَتْ نَفْسًا … وَقَرَّتْ عَيْنًا … وَلِمَ لا؟!! … أَلَمْ يَنْتَقِمِ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ لِفَتَاهَا الْبَرِّ التَّقِيِّ مِنْ قَاتِلِهِ الْبَاغِي الشَّقِيِّ؟! … بَلَى … لَقَدْ مَضَى كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى رَبِّهِ وَلَكِنْ … فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ … وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (*) …

стр. 316

أبو طلحة الأنصاريُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ "عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ حَيَاتَهُ صَائِمًا مُجَاهِدًا … وَمَاتَ كَذَلِكَ صَائِمًا مُجَاهِدًا … " عَرَفَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ النَّجَّارِيُّ الْمُكَنَّى بِأَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ "الرُّمَيْصَاءَ (١) بِنْتَ مِلْحَانَ النَّجَّارِيَّةَ" الْمُكَنَّاةَ بِأُمِّ سُلَيْمٍ قَدْ غَدَتْ أَيِّمًا (٢) بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا؛ فَاسْتَطَارَ فَرَحًا (٣) لِهَذَا الْخَبَرِ. وَلَا غَرْوَ (٤) فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ سَيِّدَةً حَصَانًا رَزَانًا (٥) رَاجِحَةَ الْعَقْلِ مُكْتَمِلَةَ الصِّفَاتِ. فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُبَادِرَ إِلَى خِطْبَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَطْمَحُونَ إِلَى أَمْثَالِهَا مِنَ النِّسَاءِ … وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَنْ تُؤْثِرَ (٦) عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ طَالِبيهَا … فَهُوَ رَجُلٌ مُكْتَمِلُ الرُّجُولَةِ مَرْمُوقُ الْمَنْزِلَةِ (٧) طَائِلُ الثَّرْوَةِ (٨) … وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ فَارِسُ بَنِي "النَّجَّارِ"، وَأَحَدُ رُمَاةِ "يَثْرِبَ" الْمَعْدُودِينَ. * * * مَضَى أَبُو طَلْحَةَ إِلَى? بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ …

стр. 317

وَفِيمَا هُوَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ تَذَكَّرَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ سَمِعَتْ مِنْ كَلَام هَذَا الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ (١)؛ فَآمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ وَاتَّبَعَتْ دِينَهُ. لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَمَا فِي ذَلِكَ؟ … أَلَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا الَّذِي تُوُفِّيَ عَنْهَا مُسْتَمْسِكًا بِدِينِ آبَائِهِ، نَائِيًا بِجَانِبِهِ (٢) عَنْ مُحَمَّدٍ وَدَعْوَةٍ مُحَمَّدٍ؟! * * * بَلَغَ أَبُو طَلْحَةَ مَنْزِلَ أُمّ سُلَيْمٍ، وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَكَانَ ابْنُهَا أَنَسٌ (٣) حَاضِرًا، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا … فَقَالَتْ: إِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ لَا يُرَدُّ، لَكِنِّي لَنْ أَتَزَوَّجَكَ فَأَنْتَ رَجُلٌ كَافِرٌ … فَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْم تَتَعَلَّلُ (٤) عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهَا قَدْ آثَرَتْ عَلَيْهِ رَجُلًا آخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ مَالًا، أَوْ أَعَزَّ (٥) نَفَرًا. فَقَالَ لَهَا: وَاللهِ مَا هَذَا الَّذِي يَمْنَعُكِ مِنِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ. قَالَتْ: وَمَا الَّذِي يَمْنَعُنِي إِذَنْ؟!. قَالَ: الْأَصْفَرُ وَالْأَبْيَضُ … الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ … قَالَتْ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؟!. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: بَلْ إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ وَأُشْهِدُ اللهَ وَرَسُولَهُ أَنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ رَضِيتُ بِكَ زَوْجًا مِنْ غَيْرِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَجَعَلْتُ إِسْلَامَكَ لي مَهْرًا … * * *

стр. 318

فَمَا إِنْ سَمِعَ أَبُو طَلْحَةَ كَلَامَ أُمِّ سُلَيْمٍ حَتَّى انْصَرَفَ ذِهْنُهُ إِلَى صَنَمِهِ الَّذِي اتَّخَذَهُ (١) مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ، وَخَصَّ بِهِ نَفْسَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ السَّادَةُ مِنْ قَوْمِهِ. لَكِنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ أَرَادَتْ أَنْ تَطْرُقَ الْحَدِيدَ وَهُوَ مَا زَالَ حَامِيًا (٢) فَأَتْبَعَتْ تَقُولُ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ يَا أَبَا طَلْحَةَ أَنَّ إِلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللهِ قَدْ نَبَتَ مِنَ الْأَرْضِ؟!. فَقَالَ: بَلَى. قَالَتْ: أَفَلَا تَشْعُرُ بِالْخَجَلِ وَأَنْتَ تَعْبُدُ جِزْعَ شَجَرَةٍ جَعَلْتَ بَعْضَهُ لَكَ إِلَيْهَا بَيْنَمَا جَعَلَ غَيْرُكَ بَعْضَهُ الْآخَرَ وَقُودًا لَهُ؛ يَصْطَلِي بِنَارِهِ (٣) أَوْ يَخْبِزُ عَلَيْهِ عَجِينَهُ … إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ - يَا أَبَا طَلْحَةَ - رَضِيتُ بِكَ زَوْجًا، وَلَا أُرِيدُ مِنْكَ صَدَاقًا (٤) غَيْرَ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَمَنْ لِي بِالْإِسْلَامِ؟. قَالَتْ: أَنَا لَكَ بِهِ. قَالَ: وَكَيْفَ؟. قَالَتْ: تَنْطِقُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ فَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ تَمْضِي إِلَى بَيْتِكَ فَتُحَطِّمُ صَنَمَكَ ثُمَّ تَرْمِي بِهِ. فَانْطَلَقَتْ أَسَارِيرُ (٥) أَبِي طَلْحَةَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ … ثُمَّ تَزَوَّجَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ …

стр. 319

فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: مَا سَمِعْنَا بِمَهْرٍ قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ مَهْرِ أُمّ سُلَيْمٍ … فَقَدْ جَعَلَتْ صَدَاقَهَا الْإِسْلَامَ … * * * مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْضَوَى (١) أَبُو طَلْحَةَ تَحْتَ لِوَاءِ الْإِسْلَامِ، وَوَضَعَ طَاقَاتِهِ الْفَذَّةَ (٢) كُلَّهَا فِي خِدْمَتِهِ … فَكَانَ أَحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ (٣) وَمَعَهُ زَوْجُهُ أُمُّ سُلَيْمٍ. وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ (٤) الاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ أَمَّرَهُمُ الرَّسُولُ ﵊ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى مُسْلِمِي "يَثْرِبَ". ثُمَّ إِنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَغَارِيَهُ كُلَّهَا، وَأَبْلَى فِيهَا أَشْرَفَ الْبَلَاءِ وَأَعَزَّهُ. لَكِنَّ أَعْظَمَ أَيَّامٍ أَبِي طَلْحَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ "أُحُدٍ". وَإِلَيْكَ (٥) خَبَرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * * أَحَبَّ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حُبًّا خَالَطَ شِغَافَ قَلْبِهِ (٦)، وَجَرَى مَجْرَى الدَّمِ مِنْ عُرُوقِهِ، فَكَانَ لَا يَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَا يَرْتَوِي مِنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى عَذْبِ حَدِيثِهِ … وَكَانَ إِذَا بَقِيَ مَعَهُ جَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: نَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ، وَوَجْهِي لِوَجْهِكَ الْوِقَاءُ.

стр. 320

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ "أُحُدٍ" انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَفَذَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَكَسَرُوا رَبَاعِيَّتَهُ (١)، وَشَجُّوا جَبِينَهُ، وَجَرَحُوا شَفَتَهُ، وَأَسَالُوا الدَّمَ عَلَى وَجْهِهِ … حَتَّى إِنَّ الْمُرْجِفِينَ أَرْجَفُوا (٢) بِأَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (٣)، وَأَعْطَوْا ظُهُورَهُمْ (٤) لِأَعْدَاءِ اللهِ. عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْرُ نَفَرٍ قَلِيلٍ فِي طَلِيعَتِهِمْ أَبُو طَلْحَةَ. * * * انْتَصَبَ أَبُو طَلْحَةَ أَمَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ كَالطَّوْدِ الرَّاسِخِ (٥) بَيْنَمَا وَقَفَ النَّبِيُّ ﵊ خَلْفَهُ يَتَتَرَّسُ (٦) بِهِ … ثُمَّ وَتَرَ (٧) أَبُو طَلْحَةَ قَوْسَهُ الَّتِي لَا تُفَلُّ (٨)، وَرَكَّبَ عَلَيْهَا سِهَامَهُ الَّتِي لَا تُخْطِيُّ، وَجَعَلَ يَذُودُ (٩) بِهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَرْمِي جُنُودَ الْمُشْرِكِينَ وَاحِدًا إِثْرَ وَاحِدٍ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَتَطَاوَلُ مِنْ خَلْفِ أَبِي طَلْحَةَ لِيَرَى مَوَاقِعَ سِهَامِهِ؛ فَكَانَ يَرُدُّهُ خَوْفًا عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ (١٠) عَلَيْهِمْ فَيُصِيبُوكَ … إِنَّ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ (١١) وَصَدْرِي دُونَ صَدْرِكَ، وَجُعِلْتُ فِدَاكَ …
следующие страницы →