← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أبو طلحة الأنصاريُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ "عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ حَيَاتَهُ صَائِمًا مُجَاهِدًا … وَمَاتَ كَذَلِكَ صَائِمًا مُجَاهِدًا … " عَرَفَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ النَّجَّارِيُّ الْمُكَنَّى بِأَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ "الرُّمَيْصَاءَ (١) بِنْتَ مِلْحَانَ النَّجَّارِيَّةَ" الْمُكَنَّاةَ بِأُمِّ سُلَيْمٍ قَدْ غَدَتْ أَيِّمًا (٢) بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا؛ فَاسْتَطَارَ فَرَحًا (٣) لِهَذَا الْخَبَرِ. وَلَا غَرْوَ (٤) فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ سَيِّدَةً حَصَانًا رَزَانًا (٥) رَاجِحَةَ الْعَقْلِ مُكْتَمِلَةَ الصِّفَاتِ. فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُبَادِرَ إِلَى خِطْبَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَطْمَحُونَ إِلَى أَمْثَالِهَا مِنَ النِّسَاءِ … وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَنْ تُؤْثِرَ (٦) عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ طَالِبيهَا … فَهُوَ رَجُلٌ مُكْتَمِلُ الرُّجُولَةِ مَرْمُوقُ الْمَنْزِلَةِ (٧) طَائِلُ الثَّرْوَةِ (٨) … وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ فَارِسُ بَنِي "النَّجَّارِ"، وَأَحَدُ رُمَاةِ "يَثْرِبَ" الْمَعْدُودِينَ. * * * مَضَى أَبُو طَلْحَةَ إِلَى? بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ …

стр. 317

وَفِيمَا هُوَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ تَذَكَّرَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ سَمِعَتْ مِنْ كَلَام هَذَا الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ (١)؛ فَآمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ وَاتَّبَعَتْ دِينَهُ. لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَمَا فِي ذَلِكَ؟ … أَلَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا الَّذِي تُوُفِّيَ عَنْهَا مُسْتَمْسِكًا بِدِينِ آبَائِهِ، نَائِيًا بِجَانِبِهِ (٢) عَنْ مُحَمَّدٍ وَدَعْوَةٍ مُحَمَّدٍ؟! * * * بَلَغَ أَبُو طَلْحَةَ مَنْزِلَ أُمّ سُلَيْمٍ، وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَكَانَ ابْنُهَا أَنَسٌ (٣) حَاضِرًا، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا … فَقَالَتْ: إِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ لَا يُرَدُّ، لَكِنِّي لَنْ أَتَزَوَّجَكَ فَأَنْتَ رَجُلٌ كَافِرٌ … فَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْم تَتَعَلَّلُ (٤) عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهَا قَدْ آثَرَتْ عَلَيْهِ رَجُلًا آخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ مَالًا، أَوْ أَعَزَّ (٥) نَفَرًا. فَقَالَ لَهَا: وَاللهِ مَا هَذَا الَّذِي يَمْنَعُكِ مِنِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ. قَالَتْ: وَمَا الَّذِي يَمْنَعُنِي إِذَنْ؟!. قَالَ: الْأَصْفَرُ وَالْأَبْيَضُ … الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ … قَالَتْ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؟!. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: بَلْ إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ وَأُشْهِدُ اللهَ وَرَسُولَهُ أَنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ رَضِيتُ بِكَ زَوْجًا مِنْ غَيْرِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَجَعَلْتُ إِسْلَامَكَ لي مَهْرًا … * * *

стр. 318

فَمَا إِنْ سَمِعَ أَبُو طَلْحَةَ كَلَامَ أُمِّ سُلَيْمٍ حَتَّى انْصَرَفَ ذِهْنُهُ إِلَى صَنَمِهِ الَّذِي اتَّخَذَهُ (١) مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ، وَخَصَّ بِهِ نَفْسَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ السَّادَةُ مِنْ قَوْمِهِ. لَكِنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ أَرَادَتْ أَنْ تَطْرُقَ الْحَدِيدَ وَهُوَ مَا زَالَ حَامِيًا (٢) فَأَتْبَعَتْ تَقُولُ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ يَا أَبَا طَلْحَةَ أَنَّ إِلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللهِ قَدْ نَبَتَ مِنَ الْأَرْضِ؟!. فَقَالَ: بَلَى. قَالَتْ: أَفَلَا تَشْعُرُ بِالْخَجَلِ وَأَنْتَ تَعْبُدُ جِزْعَ شَجَرَةٍ جَعَلْتَ بَعْضَهُ لَكَ إِلَيْهَا بَيْنَمَا جَعَلَ غَيْرُكَ بَعْضَهُ الْآخَرَ وَقُودًا لَهُ؛ يَصْطَلِي بِنَارِهِ (٣) أَوْ يَخْبِزُ عَلَيْهِ عَجِينَهُ … إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ - يَا أَبَا طَلْحَةَ - رَضِيتُ بِكَ زَوْجًا، وَلَا أُرِيدُ مِنْكَ صَدَاقًا (٤) غَيْرَ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَمَنْ لِي بِالْإِسْلَامِ؟. قَالَتْ: أَنَا لَكَ بِهِ. قَالَ: وَكَيْفَ؟. قَالَتْ: تَنْطِقُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ فَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ تَمْضِي إِلَى بَيْتِكَ فَتُحَطِّمُ صَنَمَكَ ثُمَّ تَرْمِي بِهِ. فَانْطَلَقَتْ أَسَارِيرُ (٥) أَبِي طَلْحَةَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ … ثُمَّ تَزَوَّجَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ …

стр. 319

فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: مَا سَمِعْنَا بِمَهْرٍ قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ مَهْرِ أُمّ سُلَيْمٍ … فَقَدْ جَعَلَتْ صَدَاقَهَا الْإِسْلَامَ … * * * مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْضَوَى (١) أَبُو طَلْحَةَ تَحْتَ لِوَاءِ الْإِسْلَامِ، وَوَضَعَ طَاقَاتِهِ الْفَذَّةَ (٢) كُلَّهَا فِي خِدْمَتِهِ … فَكَانَ أَحَدَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ (٣) وَمَعَهُ زَوْجُهُ أُمُّ سُلَيْمٍ. وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ (٤) الاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ أَمَّرَهُمُ الرَّسُولُ ﵊ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى مُسْلِمِي "يَثْرِبَ". ثُمَّ إِنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَغَارِيَهُ كُلَّهَا، وَأَبْلَى فِيهَا أَشْرَفَ الْبَلَاءِ وَأَعَزَّهُ. لَكِنَّ أَعْظَمَ أَيَّامٍ أَبِي طَلْحَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ "أُحُدٍ". وَإِلَيْكَ (٥) خَبَرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * * أَحَبَّ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حُبًّا خَالَطَ شِغَافَ قَلْبِهِ (٦)، وَجَرَى مَجْرَى الدَّمِ مِنْ عُرُوقِهِ، فَكَانَ لَا يَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَا يَرْتَوِي مِنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى عَذْبِ حَدِيثِهِ … وَكَانَ إِذَا بَقِيَ مَعَهُ جَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: نَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ، وَوَجْهِي لِوَجْهِكَ الْوِقَاءُ.

стр. 320

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ "أُحُدٍ" انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَفَذَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَكَسَرُوا رَبَاعِيَّتَهُ (١)، وَشَجُّوا جَبِينَهُ، وَجَرَحُوا شَفَتَهُ، وَأَسَالُوا الدَّمَ عَلَى وَجْهِهِ … حَتَّى إِنَّ الْمُرْجِفِينَ أَرْجَفُوا (٢) بِأَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (٣)، وَأَعْطَوْا ظُهُورَهُمْ (٤) لِأَعْدَاءِ اللهِ. عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْرُ نَفَرٍ قَلِيلٍ فِي طَلِيعَتِهِمْ أَبُو طَلْحَةَ. * * * انْتَصَبَ أَبُو طَلْحَةَ أَمَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ كَالطَّوْدِ الرَّاسِخِ (٥) بَيْنَمَا وَقَفَ النَّبِيُّ ﵊ خَلْفَهُ يَتَتَرَّسُ (٦) بِهِ … ثُمَّ وَتَرَ (٧) أَبُو طَلْحَةَ قَوْسَهُ الَّتِي لَا تُفَلُّ (٨)، وَرَكَّبَ عَلَيْهَا سِهَامَهُ الَّتِي لَا تُخْطِيُّ، وَجَعَلَ يَذُودُ (٩) بِهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَرْمِي جُنُودَ الْمُشْرِكِينَ وَاحِدًا إِثْرَ وَاحِدٍ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَتَطَاوَلُ مِنْ خَلْفِ أَبِي طَلْحَةَ لِيَرَى مَوَاقِعَ سِهَامِهِ؛ فَكَانَ يَرُدُّهُ خَوْفًا عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ (١٠) عَلَيْهِمْ فَيُصِيبُوكَ … إِنَّ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ (١١) وَصَدْرِي دُونَ صَدْرِكَ، وَجُعِلْتُ فِدَاكَ …

стр. 321

وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ يَمُرُّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ هَارِبًا وَمَعَهُ الْجَعْبَةُ (١) مِنَ السِّهَامِ، فَيُنَادِي عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَقُولُ لَهُ: (انْثُرْ سِهَامَكَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ وَلَا تَمْضِ بِهَا هَارِبًا). وَمَا زَالَ أَبُو طَلْحَةَ يُنَافِحُ (٢) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى كَسَرَ ثَلَاثَ أَقْوَاسٍ، وَقَتَلَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ جُنُودِ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ انْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ، وَسَلَّمَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَصَانَهُ بِصَوْنِهِ. * * * وَكَمَا كَانَ أَبُو طَلْحَةَ جَوَادًا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي سَاعَاتِ الْبَأْسِ (٣)، فَقَدْ كَانَ أَكْثَرَ جُودًا بِمَالِهِ فِي مَوَاقِفِ الْبَذْلِ (٤) … مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَمْ تَعْرِفُ "يَثْرِبُ" (٥) بُسْتَانًا أَعْظَمَ مِنْهُ شَجَرًا، وَلَا أَطْيَبَ ثَمَرًا، وَلَا أَعْذَبَ مَاءً. وَفِيمَا كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُصَلِّي تَحْتَ أَفْيَائِهِ الظَّلِيلَةِ؛ أَثَارَ انْتِبَاهَهُ طَائِرٌ غَرِدٌ أَخْضَرُ اللَّوْنِ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ، مُخَضَّبُ (٦) الرِّجُلَيْنِ … وَقَدْ جَعَلَ يَتَوَاثَبُ عَلَى أَفْنَانِ الْأَشْجَارِ طَربًا مُغَرِّدًا مُتَرَاقِصًا … فَأَعْجَبَهُ مَنْظَرُهُ، وَسَبَحَ بِفِكْرِهِ مَعَهُ … ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ؛ فَإِذَا هُوَ لَا يَذْكُرُ كَمْ صَلَّى؟! … رَكْعَتَيْنِ … ثَلَاثًا … لَا يَدْرِي … فَمَا إِنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى غَدًا (٧) عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَشَكَا لَهُ نَفْسَهُ

стр. 322

الَّتِي صَرَفَهَا الْبُسْتَانُ، وَشَجَرُهُ الْوَارِفُ، وَطَيْرُهُ الْغَرِدُ عَنِ الصَّلَاةِ … ثُمَّ قَالَ لَهُ: اشْهَدْ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي جَعَلْتُ هَذَا الْبُسْتَانَ صَدَقَةً للهِ تَعَالَى … فَضَعْهُ (١) حَيْثُ يُحِبُّ اللهُ وَرَسُولُهُ … * * * عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ حَيَاتَهُ صَائِمًا مُجَاهِدًا … وَمَاتَ كَذَلِكَ صَائِمًا مُجَاهِدًا … فَقَدْ أُثِرَ عَنْهُ أَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَحْوُا مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا صَائِمًا لَمْ يُفْطِرْ إِلَّا فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ حَيْثُ يَحْرُمُ الصِّيَامُ … وَأَنَّهُ امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ حَتَّى غَدًا شَيْخًا فَانِيَا، لَكِنَّ شَيْخُوخَتَهُ لَمْ تَحُلْ دُونَهُ وَدُونَ مُوَاصَلَةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالضَّرْبِ (٢) فِي فِجَاجِ الْأَرْضِ إِعْلَاءً لِكَلِمَتِهِ، وَإِعْزَازًا لِدِينِهِ. مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَزَمُوا عَلَى غَزْوَةِ فِي الْبَحْرِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ يُعِدُّ نَفْسَهُ لِلْخُرُوج مَعَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَبْنَاؤُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ يَا أَبَانَا، لَقَدْ صِرْتَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَقَدْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَهَلَّا رَكَنْتَ (٣) إِلَى الرَّاحَةِ، وَتَرَكْتَنَا نَغْزُو عَنْكَ. فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٤) فَهُوَ قَدِ اسْتَنْفَرَنَا جَمِيعًا … شُيُوخًا وَشُبَّانًا، وَلَمْ يُحَدِّدْ لَنَا سِنًّا.

стр. 323

ثُمَّ أَبى إِلَّا الْخُرُوجَ … * * * وَبَيْنَمَا كَانَ الشَّيْخُ الْمُعَمَّرُ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ مَعَ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ، مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَارَقَ عَلَى إِثْرِهِ الْحَيَاةَ. فَطَفِقَ الْمُسْلِمُونَ يَبْحَثُونَ لَهُ عَنْ جَزِيرَةٍ لِيَدْفِنُوهُ فِيهَا؛ فَلَمْ يَعْثُرُوا عَلَى مُبْتَغَاهُمْ إِلَّا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ مُسَجًّى (١) بَيْنَهُمْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ نَائِمٌ. وَفِي عُرْضِ (٢) الْبَحْرِ … بَعِيدًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ … نَائِيًا عَنِ الْعَشِيرِ (٣) وَالسَّكَن … دُفِنَ أَبُو طَلْحَةَ … وَمَاذَا يَضِيرُهُ (٤) بُعْدُهُ عَنِ النَّاسِ، مَا دَامَ قَرِيبًا مِنَ اللهِ (*) …

стр. 324

وَحْشِيُّ بنُ حَرْبٍ "قَتَلَ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ … وَقَتَلَ شَرَّ النَّاسِ أَيْضًا" [الْمُؤَرِّخُونَ] مَنْ هَذَا الَّذِي أَدْمَى فُؤَادَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ حِينَ قَتَلَ عَمَّهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ "أُحُدٍ"؟!. ثُمَّ شَفَى قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ؛ حِينَ قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ يَوْمَ "الْيَمَامَةِ"؟. إِنَّهُ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْحَبَشِيُّ، الْمُكَنَّى "بِأَبِي دَسْمَةَ" … وَإِنَّ لَهُ قِصَّةً عَنِيفَةً حَزِينَةً دَامِيَةً … فَأَعِرْهُ سَمْعَكَ لِيَرْوِيَ لَكَ مَأْسَاتَهُ بِنَفْسِهِ … قَالَ وَحْشِيٌّ: كُنْتُ غُلَامًا رَقِيقًا (١) "لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ" (٢) أَحَدِ سَادَةِ قُرَيْشٍ. وَكَانَ عَمُّهُ "طُعَيْمَةُ"، قَدْ قُتِلَ يَوْمَ "بَدْرٍ" عَلَى يَدِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَحَزِنَ عَلَيْهِ أَشَدَّ الْحُزْنِ، وَأَقْسَمَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى (٣) لَيَثْأَرَنَّ لِعَمِّهِ، وَلَيَقْتُلَنَّ قَاتِلَهُ … وَجَعَلَ يَتَرَبَّصُ (٤) بِحَمْزَةَ الْفُرَصَ. * * * لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ حَتَّى عَقَدَتْ قُرَيْشُ الْعَزْمَ عَلَى الْخُرُوجِ

стр. 325

إلَى "أُحُدٍ" لِلْقَضَاءِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَالثَّأْرِ لِقَتْلَاهَا فِي "بَدْرٍ" … فَكَتَّبَتْ كَتَائِبَهَا (١)، وَجَمَّعَتْ أَحْلَافَهَا، وَأَعَدَّتْ عُدَّتَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ قِيَادَهَا إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ. فَرَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ الْجَيْشِ طَائِفَةً مِنْ عَقِيلَاتِ (٢) قُرَيْشٍ مِمَّنْ قُتِلَ آبَاؤُهُنَّ أَوْ أَبْنَاؤُهُنَّ أَوْ إِخْوَتُهُنَّ أَوْ أَحَدٌ مِنْ ذَوِيهِنَّ فِي "بَدْرٍ"، لِيُحَمِّسْنَ الْجَيْشَ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحُلْنَ دُونَ الرِّجَالِ وَدُونَ الْفِرَارِ؛ فَكَانَ فِي طَلِيعَةِ مَنْ خَرَجَ مَعَهُ مِنَ النِّسَاءِ زَوجُهُ "هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ" … وَكَانَ أَبُوهَا وَعَمُّهَا وَأَخُوهَا قَدْ قُتِلُوا جَمِيعًا فِي "بَدْرٍ" … وَلَمَّا أَوْشَكَ الْجَيْشُ عَلَى الرَّحِيلِ، الْتَفَتَ إِلَيَّ "جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ"، وَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا دَسْمَةَ فِي أَنْ تُنْقِذَ نَفْسَكَ مِنَ الرِّقِّ؟. قُلْتُ: وَمَنْ لِي بِذَلِكَ؟!. قَالَ: أَنَا لَكَ بِهِ. قُلْتُ: وَكَيْفَ؟!. قَالَ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي "طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ" فَأَنْتَ عَتِيقٌ (٣). قُلْتُ: وَمَنْ يَضْمَنُ لِيَ الْوَفَاءَ بِذَلِكَ؟. قَالَ: مَنْ تَشَاءُ، وَلَأُشْهِدَنَّ عَلَى ذَلِكَ النَّاسَ جَمِيعًا. قُلْتُ: أَفْعَلُ، وَأَنَا لَهَا …

стр. 326

قَالَ وَحْشِيٌّ: وَكُنْتُ رَجُلًا حَبَشِيًّا أَقْذِفُ بِالْحَرْبَةِ قَذْفَ الْحَبَشَةِ؛ فَلَا أُخْطِئُ شَيْئًا أَرْمِيهِ بِهَا. فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي وَمَضَيْتُ مَعَ الْجَيْشِ، وَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي مُؤَخِّرَتِهِ قَرِيبًا مِنَ النِّسَاءِ؛ فَمَا كَانَ لِي أَرَبٌ (١) بِقِتَالٍ … وَكُنْتُ كُلَّمَا مَرَرْتُ "بِهِنْدَ" زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ أَوْ مَرَّتْ بِي وَرَأَتِ الْحَرْبَةَ تَلْتَمِعُ فِي يَدِي تَحْتَ وَهْجِ الشَّمْسِ تَقُولُ: أَبَا دَسْمَةَ … اشْفِ وَاسْتَشْفِ (٢) … فَلَمَّا بَلَغْنَا "أُحُدًا"، وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ؛ خَرَجْتُ أَلْتَمِسُ (٣) حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُنْ حَمْزَةُ يَحْفَى عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَضَعُ عَلَى رَأْسِهِ رِيشَةَ نَعَامَةٍ لِيَدُلَّ الْأَقْرَانَ (٤) عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَوُو الْبَأْسِ مِنْ شُجْعَانِ الْعَرَبِ. وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى رَأَيْتُ حَمْزَةَ يَهْدِرُ بَيْنَ الْجُمُوعِ كَالْجَمَلِ الْأَوْرَقِ (٥)، وَهُوَ يَهِدُ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا (٦) فَمَا يَصْمُدُ أَمَامَهُ أَحَدٌ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ شَيْءٌ … وَفِيمَا كُنْتُ أَتَهَيَّأُ لَهُ، وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ مُتَرَبِّصًا أَنْ يَدْنُوَ مِنِّي، إِذْ تَقَدَّمَنِي إِلَيْهِ فَارِسٌ مِنْ قُرَيْشِ يُدْعَى "سِبَاعَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى" وَهُوَ يَقُولُ: بَارِزْنِي يَا حَمْزَةُ … بَارِزْني …

стр. 327

فَبَرَزَ لَهُ حَمْزَةُ وَهُوَ يَقُولُ: هَلُمَّ إِلَيَّ (١) يَا بْنَ الْمُشْرِكَةِ … هَلُمَّ إِلَيَّ … ثُمَّ مَا أَسْرَعَ أَنْ بَادَرَهُ حَمْزَةُ بِضَرْبَةٍ مِنْ سَيْفِهِ، فَخَرَّ صَرِيعًا يَتَخَبَّطُ بِدِمَائِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ … عِنْدَ ذَلِكَ وَقَفْتُ مِنْ حَمْزَةَ مَوْقِفًا أَرْضَاهُ، وَجَعَلْتُ أَهُزُّ حَرْبَتِي حَتَّى إِذَا اطْمَأْنَنْتُ إِلَيْهَا، دَفَعْتُ بِهَا نَحْوَهُ، فَوَقَعَتْ فِي أَسْفَلِ بَطْنِهِ، وَخَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ. فَخَطَا مُتَثَاقِلًا نَحْوِي خُطْوَتَيْنِ، ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ سَقَطَ، وَالْحَرْبَةُ فِي جَسَدِهِ؛ فَتَرَكْتُهَا فِيهِ حَتَّى أَيْقَنْتُ أَنَّهُ مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَانْتَزَعْتُهَا مِنْهُ وَرَجَعْتُ إِلَى الْخِيَامِ، وَقَعَدْتُ فِيهَا؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ لي حَاجَةٌ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ … * * * ثُمَّ حَمِيَ وَطِيسُ (٢) الْمَعْرَكَةِ وَكَثُرَ فِيهَا الْكَرُ وَالْفَرُّ، غَيْرَ أَنَّ الدَّائِرَةَ مَا لَبِثَتْ أَنْ دَارَتْ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ. عِنْدَ ذَلِكَ غَدَتْ "هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ" عَلَى قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ وَرَائِهَا طَائِفَةٌ مِنَ النِّسَاءِ، فَجَعَلَتْ تُمَثِّلُ بِهِمْ: فَتَبْقَرُ (٣) بُطُونَهُمْ، وَتَفْقَأُ عُيُونَهُمْ، وَتَجْدَعُ أُنُوفَهُمْ (٤)، وَتَصْلِمُ آذَانَهُمْ (٥) … ثُمَّ صَنَعَتْ مِنَ الْآنَافِ (٦) وَالْآذَانِ قِلَادَةً (٧) وَأَقْرَاطًا (٨)، فَتَحَلَّتْ بِهَا، وَدَفَعَتْ قِلَادَتَهَا وَقُرْطَيْهَا الذَّهَبِيَّيْنِ إِلَيَّ وَقَالَتْ:

стр. 328

هُمَا لَكَ يَا أَبَا دَسْمَةَ … هُمَا لَكَ … احْتَفِظُ بِهِمَا فَإِنَّهُمَا ثَمِينَانِ. وَلَمَّا وَضَعَتْ "أُحُدٌ" أَوْزَارَهَا (١)، عُدْتُ مَعَ الْجَيْشِ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَّ لِي "جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ" بِمَا وَعَدَنِي بِهِ وَأَعْتَقَ رَقَبَتِي، فَغَدَوْتُ حُرًا … * * * لَكِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ جَعَلَ يَنْمُو يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ يَزْدَادُونَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، فَكُنْتُ كُلَّمَا عَظُمَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ عَظُمَ عَلَيَّ الْكَرْبُ، وَتَمَكَّنَ الْجَزَعُ وَالْخَوْفُ مِنْ نَفْسِي. وَمَا زِلْتُ عَلَى حَالِي هَذِهِ، حَتَّى دَخَلَ مُحَمَّدٌ مَكَّةَ بِجَيْشِهِ الْجَرَّارِ فَاتِحًا. عِنْدَ ذَلِكَ وَلَّيْتُ هَارِبًا إِلَى "الطَّائِفِ" أَلْتَمِسُ فِيهَا الْأَمْنَ. لَكِنَّ أَهْلَ "الطَّائِفِ" مَا لَبِثُوا (٢) كَثِيرًا حَتَّى لَانُوا لِلْإِسْلَامِ، وَأَعَدُّوا وَفْدًا مِنْهُمْ لِلقَاءِ مُحَمَّدٍ وَإِعْلَانِ دُخُولِهِمْ فِي دِينِهِ (٣). عِنْدَ ذَلِكَ سُقِطَ فِي يَدِي (٤)، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَأَعْيَتْنِي الْمَذَاهِبُ (٥)، فَقُلْتُ: أَلْحَقُ بِالشَّامِ، أَوْ بِالْيَمَنِ، أَوْ بِبَعْضِ الْبِلَادِ الْأُخْرَى. فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي غَمْرَةِ هَمِّي (٦) هَذِهِ؛ إِذْ رَقَّ لِي رَجُلٌ نَاصِحٌ وَقَالَ:

стр. 329

وَيْحَكَ (١) يَا وَحْشِيُّ، إِنَّ مُحَمَّدًا - وَاللهِ - مَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ إِذَا دَخَلَ فِي دِينِهِ، وَتَشَهَّدَ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ (٢). فَمَا إِنْ سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مُيَمِّمًا وَجْهِي شَطْرَ (٣) "يَثْرِبَ" أَبْتَغِي مُحَمَّدًا، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا تَحَسَّسْتُ أَمْرَهُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ … فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ في خِفَّةٍ وَحَذَرٍ، وَمَضَيْتُ نَحْوَهُ حَتَّى صِرْتُ وَاقِفًا فَوْقَ رَأْسِهِ وَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الشَّهَادَتَيْنِ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَلَمَّا عَرَفَنِي رَدَّ بَصَرَهُ عَنِّي وَقَالَ: (أوَحْشِيٌّ أَنْتَ؟!!). قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: (اقْعُدْ وَحَدِّثْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ) … فَقَعَدْتُ فَحَدَّثْتُهُ خَبَرَهُ. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَدِيثِي، أَشَاحَ (٤) عَنِّي بِوَجْهِهِ وَقَالَ: (وَيْحَكَ يَا وَحْشِيُّ، غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي فَلَا أَرَيَنَّكَ بَعْدَ الْيَوْمِ) … فَكُنْتُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَتَجَنَّبُ أَنْ يَقَعَ بَصَرُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ عَلَيَّ؛ فَإِذَا جَلَسَ الصَّحَابَةُ قُبَالَتَهُ (٥) أَخَذْتُ مَكاني خَلْفَهُ. وَبَقِيتُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ. * * * ثُمَّ أَرْدَفَ (٦) وَحْشِيٌّ يَقُولُ:

стр. 330

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنِّي عَرَفْتُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ (١) مَا قَبْلَهُ، فَقَدْ ظَلَلْتُ أَسْتَشْعِرُ فَدَاحَةَ الْفَعْلَةِ الَّتِي اجْتَرَحْتُهَا (٢)، وَأَسْتَفْظِعُ الرُّزْءَ (٣) الْجَلِيلَ الَّذِي رَزَأْتُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَطَفِقْتُ أَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ الَّتِي أُكَفِّرُ بِهَا عَمَّا سَلَفَ مِنِّي. * * * فَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ ﵊ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَآلَتْ خِلَافَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ، وَارْتَدَّتْ بَنُو "حَنِيفَةَ" أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ، جَهَّزَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَيْشًا لِحَرْبِ مُسَيْلِمَةَ، وَإِعَادَةِ قَوْمِهِ بَنِي "حَنِيفَةَ" إِلَى دِينِ اللهِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذِهِ - وَاللهِ - فُرْصَتُكَ يَا وَحْشِيُّ فَاغْتَنِمْهَا، وَلَا تَدَعْهَا تُفْلِتُ مِنْ يَدَيْكَ. ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذْتُ مَعِي حَرْبَتِي الَّتِي قَتَلْتُ بِهَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَقْتُلَ بِهَا مُسَيْلِمَةَ أَوْ أَظْفَرَ بِالشَّهَادَةِ. فَلَمَّا اقْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ وَجَيْشِهِ "حَدِيقَةَ الْمَوْتِ" (٤)، وَالْتَحَمُوا بِأَعْدَاءِ اللهِ، جَعَلْتُ أَتَرَصَّدُ مُسَيْلِمَةَ، فَرَأَيْتُهُ قَائِمًا وَالسَّيْفُ فِي يَدِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَتَرَبَّصُ بِهِ مِثْلَمَا أَتَرَبَّصُ أَنَا بِهِ: كِلَانَا يُرِيدُ قَتْلَهُ … فَلَمَّا وَقَفْتُ مِنْهُ مَوْقِفًا أَرْضَاهُ، هَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتَّى? إِذَا اسْتَقَامَتْ فِي يَدِي دَفَعْتُ بِهَا نَحْوَهُ، فَوَقَعَتْ فِيهِ …

стр. 331

وَفِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ الَّتِي أَطْلَقْتُ بِهَا حَرْبَتِي عَلَى مُسَيْلِمَةَ كَانَ الْأَنْصَارِيُّ (١) يَثِبُ عَلَيْهِ وَيَكِيلُ لَهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ … فَرَبُّكَ يَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا الَّذِي قَتَلْتُهُ؛ أَكُنْ قَدْ قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ … وَقَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ أَيْضًا … (*).

стр. 332

حكيمُ بْنُ حَزَامٍ "إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ أَرْبَأُ بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وَأَرْغَبُ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ … أَحَدُهُمْ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ] هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ هَذَا الصَّحَابِيِّ؟!. لَقَدْ سَجَّلَ التَّارِيخُ أَنَّهُ الْمَوْلُودُ الْوَحِيدُ الَّذِي وُلِدَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ … أَمَّا قِصَّةُ وِلَادَتِهِ هَذِهِ، فَخُلَاصَتُهَا أَنَّ أُمَّهُ دَخَلَتْ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَتْرَابِهَا (١) إِلَى جَوْفِ الْكَعْبَةِ لِلتَّفَرُّجِ عَلَيْهَا … وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَفْتُوحَةً لِمُنَاسَبَةٍ مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ. وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ آنَذَاكَ حَامِلًا بِهِ، فَفَجَأَهَا الْمَخَاضُ (٢) وَهِيَ فِي دَاخِلِ الكَعْبَةِ؛ فَلَمْ تَسْتَطِعْ مُغَادَرَتَهَا … فَجِيءَ لَهَا بِنِطْعِ (٣) فَوَضَعَتْ مَوْلُودَهَا عَلَيْهِ … وَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْلُودُ حَكِيمَ بْنَ حَزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ … وَهُوَ ابْنُ أَخِي أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ وَأَرْضَاهَا. * * *

стр. 333

نَشَأَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ فِي أُسْرَةٍ عَرِيقَةِ النَّسَبِ (١)، عَرِيضَةِ الْجَاهِ، وَاسِعَةِ الثَّرَاءِ. وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ عَاقِلًا سَرِيًّا (٢) فَاضِلًا؛ فَسَوَّدَهُ قَوْمُهُ (٣)، وَأَنَاطُوا بِهِ (٤) مَنْصِبَ الرِّفَادَةِ (٥). فَكَانَ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ مَا يُرْفِدُ بِهِ الْمُنْقَطِعِينَ مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ … وَقَدْ كَانَ حَكِيمٌ صَدِيقًا حَمِيمًا (٦) لِرَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. هُوَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَأْلْفُهُ، وَيَأْنَسُ بِهِ، وَيَرْتَاحُ إِلَى صُحْبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُبَادِلُهُ وُدًّا بِوُدٍّ، وَصَدَاقَةً بِصَدَاقَةٍ. ثُمَّ جَاءَتْ آصِرَةُ الْقُرْبَى (٧) فَوَثَّقَتْ (٨) مَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَلَاقَةٍ، وَذَلِكَ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂. * * * وَقَدْ تَعْجَبُ بَعْدَ كُلِّ الَّذِي بَسَطْنَاهُ لَكَ مِنْ عَلَاقَةِ حَكِيم بِالرَّسُولِ ﵊ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ حَكِيمًا لَمْ يُسْلِمُ إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ (٩)، حَيْثُ كَانَ قَدْ مَضَى عَلَى بَعْثَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ عَامًا!!.

стр. 334

فَقَدْ كَانَ الْمَظْنُونُ بِرَجُلٍ مِثْلِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامِ حَبَاهُ اللهُ (١) ذَلِكَ الْعَقْلَ الرَّاجِحَ، وَيَسَّرَ لَهُ تِلْكَ الْقُرْبَى الْقَرِيبَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ لِدَعْوَتِهِ، الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ. وَلَكِنَّهَا مَشِيئَةُ اللهِ … وَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ … * * * وَكَمَا نَعْجَبُ نَحْنُ مِنْ تَأَخُّرِ إِسْلَامِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ، فَقَدْ كَانَ يَعْجَبُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ. فَهُوَ مَا كَادَ يَدْخُلُ الْإِسْلَامَ وَيَتَذَوَّقُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، حَتَّى جَعَلَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ (٢) عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَاهَا مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللهِ مُكَذِّبٌ لِنَبِيِّهِ. فَلَقَدْ رَآهُ ابْنُهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَنَاهُ؟!. قَالَ: أُمُورٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا أَبْكَانِي يَا بُنَيَّ: أَوَّلُهَا بُطْءُ إِسْلَامِي مِمَّا جَعَلَنِي أُسْبَقُ إِلَى مَوَاطِنَ (٣) كَثِيرَةٍ صَالِحَةٍ حَتَّى لَوْ أَنَّنِي أَنْفَقْتُ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمَا بَلَغْتُ شَيْئًا مِنْهَا. ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَنْجَانِي يَوْمَ "بَدْرٍ" وَ "أُحُدٍ" فَقُلْتُ يَوْمَئِذٍ فِي نَفْسِي: لَا أَنْصُرُ بَعْدَ ذَلِكَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ جُرِرْتُ إِلَى نُصْرَةِ "قُرَيْشٍ" جَرًّا. ثُمَّ إِنَّني كُنْتُ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِالْإِسْلَامِ، نَظَرْتُ إِلَى بَقَايَا مِنْ رِجَالَاتِ

стр. 335

قُرَيْشٍ لَهُمْ أَسْنَانٌ (١) وَأَقْدَارٌ مُتَمَسِّكِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَقْتَدِي بِهِمْ وَأُجَارِيهِمْ … وَيَا لَيْتَ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ … فَمَا أَهْلَكَنَا إِلَّا الْاِقْتِدَاءُ بِآبَائِنَا وَكُبَرَائِنَا … فَلِمَ لَا أَبْكِي يَا بُنَيَّ؟!!. * * * وَكَمَا عَجِبْنَا نَحْنُ مِنْ تَأَخُرِ إِسْلَامِ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ، وَكَمَا كَانَ يَعْجَبُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَانَ يَعْجَبُ مِنْ رَجُلٍ لَهُ مِثْلُ حِلْمِ (٢) حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ وَفَهْمِهِ، كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَكَانَ يَتَمَنَّى لَهُ وَلِلنَّفَر (٣) الَّذِينَ هُمْ عَلَى شَاكِلَتِهِ (٤) أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الله. فَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ ﵊ لِأَصْحَابِهِ: (إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ أَرْبَأ (٥) بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَأَرْغَبُ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ) قِيلَ: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: (عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو (٦)). وَمِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا جَمِيعًا … * * *

стр. 336

وَحِينَ دَخَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ فَاتِحًا؛ أَتَى إِلَّا أَنْ يُكَرِّمَ حَكِيمَ بْنَ حَزَامٍ فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ آمِنٌ … وَمَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَوَضَعَ سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ .. وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ … وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ … وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ … وَكَانَتْ دَارُ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ فِي أَعْلَاهَا. * * * أَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ إِسْلَامًا مَلَكَ عَلَيْهِ لُبَّهُ، وَآمَنَ إِيمَانًا خَالَطَ دَمَهُ وَمَازَجَ قَلْبَهُ … والى (١) عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ كُلِّ مَوْقِفٍ وَقَفَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ نَفَقَةٍ أَنْفَقَهَا فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأَمْثَالِ أَمْثَالِهَا. وَقَدْ بَرَّ بِقَسَمِهِ … مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ آلَتْ إِلَيْهِ (٢) دَارُ النَّدْوَةِ وَهِيَ دَارٌ عَرِيقَةٌ ذَاتُ تَارِيخ … فَفِيهَا كَانَتْ تَعْقِدُ قُرَيْشُ مُؤْتَمَرَاتِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِيهَا اجْتَمَعَ سَادَتْهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ لِيَأْتَمِرُوا بِرَسُولِ اللهِ (٣) ﷺ .

стр. 337

فَأَرَادَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا - وَكَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُسْدِلَ سِتَارًا مِنَ النِّسْيَانِ عَلَى ذَلِكَ الْمَاضِي الْبَغِيضُ - فَبَاعَهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ: لَقَدْ بِعْتَ مَكْرُمَةَ (١) قُرَيْشٍ يَا عَمِّ. فَقَالَ لَهُ حَكِيمٌ: هَيْهَاتَ (٢) يَا بُنَيَّ، ذَهَبَتِ الْمَكَارِمُ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّقْوَى، وَإِنِّي مَا بِعْتُهَا إِلَّا لِأَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ … وإنِّي أُشْهَدُكُمْ أَنَّنِي جَعَلْتُ ثَمَنَهَا في سَبِيل الله . * * * وَحَجَّ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَسَاقَ أَمَامَهُ مِائَةَ نَاقَةٍ مُجَلَّلَةٍ بِالْأَثْوَابِ الزَّاهِيَةِ ثُمَّ نَحَرَهَا جَمِيعَهَا تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ … وَفِي حَجَّةٍ أُخْرَى وَقَفَ فِي عَرَفَاتٍ، وَمَعَهُ مِائَةٌ مِنْ عَبِيدِهِ وَقَدْ جَعَلَ فِي عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَوْقًا مِنَ الْفِضَّةِ، نَقَشَ عَلَيْهِ: عُتَقَاءُ للهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَزَامٍ. ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا … وَفِي حَجَّةٍ ثَالِثَةٍ سَاقَ أَمَامَهُ أَلْفَ شَاةٍ - نَعَمْ أَلْفَ شَاةٍ - وَأَرَاقَ دَمَهَا كُلِّهَا فِي "مِنًى"، وَأَطْعَمَ بِلُحُومِهَا فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ تَقَرُّبًا للهِ . * * * وَبَعْدَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ" سَأَلَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا أَخَذَهُ مِائَةَ بَعِيرٍ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ حَدِيثَ

стр. 338

إِسْلَامِ - فَقَالَ لَهُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: يَا حَكِيمُ: (إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ (١) … فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ (٢) بُورِكَ لَهُ فِيهِ … وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ (٣) لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ … واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى). فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حَزَامٍ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ ﵊ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا … وَلَا أخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا … وَبَرَّ حَكِيمٌ بِقَسَمِهِ أَصْدَقَ الْبِرِّ. فَفِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ دَعَاهُ الصِّدِّيقُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لِأَخْذِ عَطَائِهِ (٤) مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ … وَلَمَا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْفَارُوقِ دَعَاهُ إِلَى أَخْذِ عَطَائِهِ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا أَيْضًا … فَقَامَ عُمَرُ فِي النَّاسِ وَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي أَدْعُو حَكِيمًا إِلَى أَخْذِ عَطَائِهِ فَيَأْبَي.

стр. 339

وَظَلَّ حَكِيمٌ كَذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ (*) …

стр. 340

عَبَادُ بْنُ بِشْرٍ "ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَسْمُو عَلَيْهِمْ فَضْلًا … سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ" [عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ] عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ اسْمٌ وَضِيءٌ مُشْرِقٌ فِي تَارِيحَ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ … إِنْ نَشَدْتَهُ (١) بَيْنَ الْعُبَّادِ؛ وَجَدْتَهُ التَّقِيَّ النَّقِيَّ قَوَّامَ اللَّيْلِ بِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ … وَإِنْ طَلَبْتَهُ بَيْنَ الْأَبْطَالِ؛ أَلْفَيْتَهُ (٢) الْكَمِيُّ الْحَمِيَّ (٣) خَوَّاضَ الْمَعَارِكِ إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللهِ … وَإِنْ بَحَثْتَ عَنْهُ بَيْنَ الْوُلَاةِ رَأَيْتَهُ الْقَوِيُّ الْمُؤْتَمَنَ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ … حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ فِيهِ وَفِي اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْ بَنِي قَوْمِهِ: ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَسْمُو عَلَيْهِمْ فَضْلًا كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ (٤)، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ. * * * كَانَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ الْأَشْهَلِيُّ حِينَ لَاحَ (٥) فِي آفَاقِ "يَثْرِبَ" أَوَّلُ شُعَاعٍ مِنْ أَشِعَّةِ الهِدَايَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَتًى مَوْفُورَ الشَّبَابِ، غَضَّ الْإِهَابِ، تَعْرِفُ فِي وَجْهِهِ نُضْرَةَ الْعَفَافِ وَالطُّهْرِ، وَتَلَمَحُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ رَزَانَةَ (٦) الْكُهُولِ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ قَدْ جَاوَزَ الْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ السَّعِيدِ. * * *

стр. 341

وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَى الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ الشَّابِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ فَسَرْعَانَ مَا أَلَّفَتْ بَيْنَ قَلْبَيْهِمَا أَوَاصِرُ (١) الْإِيمَانِ، وَوَحَّدَتْ بَيْنَ نَفْسَيْهِمَا كَرِيمُ الشَّمَائِلِ وَنَبِيلُ الْخَصَائِلِ. وَقَدِ اسْتَمَعَ إِلَى مُصْعَبٍ وَهُوَ يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ بِصَوْتِهِ الْفِضِّيِّ الدَّافِيءِ، وَنَبْرَتِهِ الشَّجِيَّةِ الأسِرَةِ؛ فَشُغِفَ بِكَلامِ اللهِ حُبًّا (٢)، وَأَفْسَحَ لَهُ فِي سُوَيْدَاءِ فُؤَادِهِ مَكَانًا رَحْبًا، وَجَعَلَهُ شُغْلَهُ الشَّاغِلَ فَكَانَ يُرَدِّدُهُ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَحِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، حَتَّى عُرِفَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بِالْإِمَامِ، وَصَدِيقِ الْقُرْآنِ. * * * وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَتَهَجَّدُ (٣) ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ الْمُلَاصِقِ لِلْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ رَطْبًا نَدِيَّا كَمَا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى قَلْبِهِ فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ: هَذَا صَوْتُ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ؟!). قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ). * * * شَهِدَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مَشَاهِدَهُ كُلَّهَا، وَكَانَ لَهُ في كُلِّ مِنْهَا مَوْقِفٌ يَلِيقُ بِحَامِل الْقُرْآنِ … مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ لَمَّا قَفَلَ عَائِدًا مِنْ غَزْوَةِ "ذَاتِ الرِّقَاعِ" نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي شِعْبِ مِنَ الشِّعَابِ لِيَقْضُوا لَيْلَتَهُمْ فِيهِ. وَكَانَ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ سَبَى - فِي أَثْنَاءِ الْغَزْوَةِ - امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ

стр. 342

الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْبَةٍ مِنْ زَوْجِهَا، فَلَمَّا حَضَرَ الزَّوْجُ - وَلَمْ يَجِدِ امْرَأَتَهُ - أَقْسَمَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَيَلْحَقَنَّ بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَلَّا يَعُودَ إِلَّا إِذَا أَرَاقَ مِنْهُمْ دَمًا. * * * مَا كَادَ الْمُسْلِمُونَ يُنِيخُونَ رَوَاحِلَهُمْ فِي الشِّعْبِ حَتَّى قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: (مَنْ يَحْرُسُنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟). فَقَامَ إِلَيْهِ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِر (١) وَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ آخَى بَيْنَهُمَا حِينَ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا خَرَجًا إِلَى فَمِ الشِّعْبِ قَالَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ لِأَخِيهِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَيُّ شَطْرَيِ اللَّيْلِ تُؤْثِرُ أَنْ تَنَامَ فِيهِ: أَوَّلِهِ أَمْ آخِرِهِ؟. فَقَالَ عَمَّارٌ: بَلْ أَنَامُ فِي أَوَّلِهِ. وَاضْطَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهُ. * * * كَانَ اللَّيْلُ سَاجِيًا هَادِئًا وَادِعًا، وَكَانَ النَّجْمُ وَالشَّجَرُ وَالْحَجَرُ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهَا وَتُقَدِّسُ لَهُ، فَتَاقَتْ نَفْسُ عَبَّادِ بْن بِشْرِ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَاشْتَاقَ قَلْبُهُ إِلَى الْقُرْآنِ. وَكَانَ أَحْلَى مَا يَحْلُو لَهُ الْقُرْآنُ إِذَا رَتَّلَهُ مُصَلِّيًا؛ فَيَجْمَعُ مُنْعَةَ الصَّلَاةِ إِلَى مُتْعَةِ التِّلَاوَةِ. فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ؛ وَطَفِقَ يَقْرَأُ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ النَّدِيِّ الْعَذْبِ. وَفِيمَا هُوَ سَابِحٌ فِي هَذَا النُّورِ الْإِلَيْهِيِّ الْأَسْنَى، غَارِقٌ فِي لَأَلَاءِ ضِيَائِهِ؛

стр. 343

أَقْبَلَ الرَّجُلُ يَحُثُّ الْخُطَى (١) فَلَمَّا رَأَى عَبَّادًا مِنْ بَعِيدٍ مُنْتَصِبًا عَلَى فَمِ الشِّعْبِ عَرَفَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَحْبَهُ بِدَاخِلِهِ وَأَنَّهُ حَارِسُ الْقَوْمِ؛ فَوَتَرَ قَوْسَهُ، وَتَنَاوَلَ سَهُمًا مِنْ كِنَانَتِهِ وَرَمَاهُ بِهِ فَوَضَعَهُ فِيهِ. فَانْتَزَعَهُ عَبَّادٌ مِنْ جَسَدِهِ وَمَضَى مُتَدَفِّقًا فِي تِلَاوَتِهِ غَارِقًا فِي صَلَاتِهِ … فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِآخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ؛ فَانْتَزَعَهُ كَمَا انْتَزَعَ سَابِقَهُ، فَرَمَاهُ بِثَالِثٍ، فَانْتَزَعَهُ كَمَا انْتَزَعَ سَابِقَيْهِ، وَزَحَفَ حَتَّى غَدًا قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ وَأَيْقَظَهُ قَائِلًا: انْهَضْ فَقَدْ أَثْخَنَتْنِي (٢) الْجِرَاحُ. فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ وَلَّى هَارِبًا. * * * وَحَانَتِ الْتِفَاتَةٌ مِنْ عَمَّارٍ إِلَى عَبَّادٍ فَرَأَى الدِّمَاءَ تَنْزِفُ غَزِيرَةً مِنْ جِرَاحِهِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَهُ: يَا سُبْحَانَ اللهِ، هَلَّا أَيْقَظْتَنِي عِنْدَ أَوَّلِ سَهُم رَمَاكَ بِهِ؟!. فَقَالَ عَبَّادٌ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَأُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أَفْرَغَ مِنْهَا. وَأَيْمُ اللهِ لَوْلَا خَوْفِي مِنْ أَنْ أُضَيْعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ لَكَانَ قَطْعُ نَفْسِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ قَطْعِهَا. * * * وَلَمَّا نَشِبَتْ (٣) حُرُوبُ الرِّدَّةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، جَهَّزَ الصِّدِّيقُ جَيْشًا كَثِيفًا لِلْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَةِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَإِخْضَاعِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُ (٤)، وَإِعَادَتِهِمْ إِلَى حَظِيرَةِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ عَبَّادُ بْنُ بِشَرِ فِي طَلِيعَةِ ذَلِكَ الْجَيْش.

стр. 344

وَقَدْ رَأَى عَبَّادٌ - خِلَالَ الْمَعَارِكِ الَّتِي لَمْ يُحَقِّقِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا نَصْرًا يُذْكَرُ - مِنْ تَوَاكُلِ الْأَنْصَارِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، وَتَوَاكُلِ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ مَا شَحْنَ (١) صَدْرَهُ أَسًى وَغَيْظًا، وَسَمِعَ مِنْ تَنَابُزِهِمْ (٢) مَا حَشَا سَمْعَهُ جَمْرًا وَشَوْكًا، فَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَا نَجَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَعَارِكِ الطَّاحِنَةِ إِلَّا إِذَا تَمَيَّزَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنِ الْآخَرِ لِيَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّتَهُ وَحْدَهُ … وَلِيُعْلَمَ الْمُجَاهِدُونَ الصَّابِرُونَ حَقًّا. * * * وَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتِ الْمَعْرَكَةَ الْحَاسِمَةَ رَأَى عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِيمَا يَرَاهُ النَّائِمُ أَنَّ السَّمَاءَ انْفَرَجَتْ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ فِيهَا ضَمَّتْهُ إِلَيْهَا وَأَغْلَقَتْ عَلَيْهِ بَابَهَا … فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ بِرُؤْيَاهُ، وَقَالَ: وَاللهِ إِنَّهَا الشَّهَادَةُ يَا أَبَا سَعِيدٍ. * * * فَلَمَّا طَلَعَ النَّهَارُ وَاسْتُؤْنِفَ الْقِتَالُ، عَلَا عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ نَشَزًا (٣) مِنَ الْأَرْضِ وَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ تَمَيَّزُوا مِنَ النَّاسِ … وَاحْطِمُوا جُفُونَ (٤) السُّيُوفِ … وَلَا تَتْرُكُوا الْإِسْلَامَ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِكُمْ (٥) … وَمَا زَالَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ النِّدَاءَ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْهُمْ عَلَى

стр. 345

رَأْسِهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ (١)، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ (٢)، وَأَبُو دُجَانَةَ صَاحِبُ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ . وَمَضَى عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ بِمَنْ مَعَهُ يَشُقُّ الصُّفُوفَ بِسَيْفِهِ، وَيَلْقَى الْحُتُوفَ (٣) بِصَدْرِهِ، حَتَّى كُسِرَتْ شَوْكَةُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَمَنْ مَعَهُ وَأُلْجِئُوا إِلَى حَدِيقَةِ الْمَوْتِ. وَهُنَاكَ عِنْدَ أَسْوَارِ الْحَدِيقَةِ سَقَطَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ شَهِيدًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ … وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ ضَرَبَاتِ السُّيُوفِ، وَطَعَنَاتِ الرِّمَاحِ، وَوَقْعِ السِّهَامِ. حَتَّى إِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ إِلَّا بِعَلَامَةٍ كَانَتْ فِي جَسَدِهِ (*).

стр. 346

زيدُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ تَرْجُمَانُ رَسُولِ اللهِ "فَمَنْ لِلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمَنْ لِلْمَعَانِي بَعْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ" [حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ] نَحْنُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ … وَمَدِينَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ يَمُوجُ بَعْضُهَا يَوْمَئِذٍ فِي بَعْضٍ (١) اسْتِعْدَادًا لِبَدْرٍ. وَالنَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ يُلْقِي النَّظَرَاتِ الْأَخِيرَةَ عَلَى أَوَّلِ جَيْشٍ يَتَحَرَّكُ تَحْتَ قِيَادَتِهِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَتَثْبِيتِ كَلِمَتِهِ فِي الْأَرْضِ. وَهُنَا أَقْبَلَ عَلَى الصُّفُوفِ غُلَامٌ صَغِيرٌ لَمْ يُتِمَّ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، يَتَوَهَّجُ ذَكَاءً وَفِطْنَةً … وَيَتَأَلَّقُ نَجَابَةً (٢) وَحَمِيَّةً … وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ يُسَاوِيهِ فِي الطُّولِ أَوْ يَزِيدُ عَنْهُ قَلِيلًا، وَدَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ وَأُجَاهِدَ أَعْدَاءَ اللهِ تَحْتَ رَايَتِكَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ نَظْرَةَ سُرُورٍ وَإِعْجَابٍ، وَرَبَّتَ (٣) عَلَى كَتِفِهِ بِرِفْقٍ وَوُدٍّ، وَطَيَّبَ خَاطِرَهُ، وَصَرَفَهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ. * * *

стр. 347

عَادَ الْغُلَامُ الصَّغِيرُ يُجَرْجِرُ سَيْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَسْوَانَ (١) حَزِينًا؛ لِأَنَّهُ حُرِمَ مِنْ شَرَفِ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَوَّلِ غَزْوَةٍ يَغْزُوهَا. وَعَادَتْ مِنْ وَرَائِهِ أُمُّهُ "النَّوَارُ بِنْتُ مَالِكٍ" وَهِيَ لَا تَقِلُّ عَنْهُ أَسًى وَحُزْنًا. فَقَدْ كَانَتْ تَتَمَنَّى أَنْ تَكْتَحِلَ عَيْنَاهَا بِرُؤْيَةِ غُلَامِهَا، وَهُوَ يَمْضِي مَعَ الرِّجَالِ مُجَاهِدًا تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ … وَكَانَتْ تَأْمُلُ فِي أَنْ يَحْتَلَّ الْمَكَانَةَ الَّتِي كَانَ مِنَ الْمُنْتَظَرِ أَنْ يَحْظَى بِهَا أَبُوهُ لَدَى الرَّسُول ﷺ لَوْ أَنَّهُ ظَلَّ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. * * * لَكِنَّ الْغُلَامَ الْأَنْصَارِيُّ حِينَ وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ أَخْفَقَ (٢) فِي أَنْ يَحْظَى بِالتَّقَرُبِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَجَالِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، تَفَتَّقَتْ فِطْنَتُهُ عَنْ مَجَالٍ آخَرَ - لا عَلَاقَةَ لَهُ بِالسِّنِّ - يُقَرِّبُهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَيُدْنِيهِ إِلَيْهِ. ذَلِكَ الْمَجَالُ: هُوَ مَجَالُ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ … فَذَكَرَ الْغُلَامُ الْفِكْرَةَ لِأُمِّهِ؛ فَهَشَّتْ لَهَا وَبَشَّتْ (٣) وَنَشِطَتْ لِتَحْقِيقِهَا. * * * حَدَّثَتِ "النَّوَارُ" رِجَالًا مِنْ قَوْمِهِمْ بِرَغْبَةِ الْغُلَامِ؛ وَذَكَرَتْ لَهُمْ فِكْرَتَهُ … فَمَضَوْا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذَا ابْنُنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحْفَظُ سَبْعَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَيَتْلُوهَا صَحِيحَةً كَمَا أُنْزِلَتْ عَلَى قَلْبِكَ. وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ حَاذِقٌ يُجِيدُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِذَلِكَ إِلَيْكَ وَأَنْ يَلْزَمَكَ … فَاسْمَعْ مِنْهُ إِذَا شِئْتَ. * * *

стр. 348

سَمِعَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مِنَ الْغُلَامِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بَعْضًا مِمَّا يَحْفَظُ، فَإِذَا هُوَ مُشْرِقُ (١) الْأَدَاءِ، مُبِينُ (٢) النُّطْقِ … تَتَلَألَأُ كَلِمَاتُ الْقُرْآنِ عَلَى شَفَتَيْهِ كَمَا تَتَلَأْلأُ الْكَوَاكِبُ عَلَى صَفْحَةِ السَّمَاءِ … ثُمَّ إِنَّ تِلَاوَتَهُ تَنُمُّ عَلَى تَأَثْرٍ بِمَا يَتْلُو … وَوَقَفَاتُهُ تَدُلُّ عَلَى وَعْيِ لِمَا يَقْرَأُ وَحُسْنِ فَهُمٍ … فَسُرَّ بِهِ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ إِذْ وَجَدَهُ فَوْقَ مَا وَصَفُوهُ، وَزَادَهُ سُرُورًا بِهِ إِتْقَانُهُ لِلْكِتَابَةِ … فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ وَقَالَ: (يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَةَ الْيَهُودِ (٣)، فَإِنِّي لَا آمَنْهُمْ عَلَى مَا أَقُولُ). فَقَالَ: لَبَّيْكَ (٤) يَا رَسُولَ اللهِ. وَأَكَبَّ (٥) مِنْ تَوِّهِ (٦) عَلَى "الْعِبْرِيَّةِ" حَتَّى حَذَقَهَا (٧) فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ، وَجَعَلَ يَكْتُبُهَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لِلْيَهُودِ، وَيَقْرَؤُهَا لَهُ إِذَا هُمْ كَتَبُوا إِلَيْهِ. ثُمَّ تَعَلَّمَ "السُّرْيَانِيَّةَ" (٨) بِأَمْرِ مِنْهُ ﵊ كَمَا تَعَلَّمَ "الْعِبْرِيَّةَ". فَأَصْبَحَ الْفَتَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ تَرْجُمَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * وَلَمَّا اسْتَوْثَقَ (٩) النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ رَصَانَةِ زَيْدٍ وَأَمَانَتِهِ، وَدِقَّتِهِ وَفَهْمِهِ؛ ائْتَمَنَهُ عَلَى رِسَالَةِ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَجَعَلَهُ كَاتِبًا لِوَحْيِ اللهِ … فَكَانَ إِذَا نَزَلَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ وَقَالَ:

стр. 349

(اكْتُبْ يَا زَيْدُ)، فَيَكْتُبُ. فَإِذَا بِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَتَلَقَّى الْقُرْآنَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، آنًا فَآنًا (١) فَيَنْمُو مَعَ آيَاتِهِ … وَيَأْخُذُهُ رَطْبًا طَرِيًّا مِنْ فَمِهِ مَوْصُولًا بِأَسْبَابِ نُزُولِهِ، فَتُشْرِقُ نَفْسُهُ بِأَنْوَارِ هِدَايَتِهِ … وَيَسْتَنِيرُ عَقْلُهُ بِأَسْرَارِ شَرِيعَتِهِ … وَإِذَا بِالْفَتَى الْمَحْفُوظٍ يَتَخَصَّصُ بِالْقُرْآنِ، وَيَغْدُو الْمَرْجِعَ الْأَوَّلَ فِيهِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَكَانَ رَأْسَ مَنْ جَمَعُوا كِتَابَ اللهِ فِي عَهْدِ الصِّدِّيقِ … وَطَلِيعَةً مَنْ وَعَدُوا مَصَاحِفَهُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ (٢). أَفَبَعْدَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مَنْزِلَةٌ تَسْمُو إِلَيْهَا الْهِمَمُ؟! … وَهَلْ فَوْقَ هَذَا الْمَجْدِ مَجْدٌ تَطْمَحُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ؟!. * * * وقَدْ كَانَ مِنْ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنْ أَنَارَ لَهُ سُبُلَ الصَّوَابِ فِي الْمَوَاقِفِ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا أُولُو الْأَلْبَابِ (٣) … فَفِي يَوْمِ السَّقِيفَةِ (٤) اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيمَنْ يَخْلِفُ رَسُولَ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ … فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: فِينَا خِلَافَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ بِهَا أَوْلَى. وَقَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: بَلْ تَكُونُ الْخِلَافَةُ فِينَا وَنَحْنُ بِهَا أَجْدَرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْآخَرُ: بَلْ تَكُونُ الْخِلَافَةُ فِينَا وَفِيكُمْ مَعًا … فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ إِذَا اسْتَعْمَلَ وَاحِدًا مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ قَرَنَ مَعَهُ (٥) وَاحِدًا مِنَّا. وَكَادَتْ تَحْدُثُ الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى، وَنَبِيُّ اللهِ ﷺ مَا زَالَ مُسَجًّى بَيْنَ

стр. 350

ظَهْرَانَيْهِمْ (١) لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ. وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ كَلِمَةٍ حَاسِمَةٍ رَشِيدَةٍ مُشْرِقَةٍ بِهَدْيِ الْقُرْآنِ تَئِدُ الْفِتْنَةَ فِي مَهْدِهَا (٢)، وَتُنِيرُ لِلْحَائِرِينَ الطَّرِيقَ. فَانْطَلَقَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ فَمِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ. إِذِ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ … إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَيَكُونُ خَلِيفَتُهُ مُهَاجِرًا مِثْلَهُ … وَإِنَّا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَكُونُ أَنْصَارًا لِخَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَعْوَانًا لَهُ عَلَى الْحَقِّ. ثُمَّ بَسَطَ (٣) يَدَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقَالَ: هَذَا خَلِيفَتُكُمْ فَبَايِعُوهُ. * * * وَقَدْ غَدَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِفَضْلِ الْقُرْآنِ وَتَفَقُّهِهِ فِيهِ وَطُولِ مُلَازَمَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنَارَةً (٤) لِلْمُسْلِمِينَ … يَسْتَشِيرُهُ خُلَفَاؤُهُمْ فِي الْمُعْضِلَاتِ (٥)، وَيَسْتَفْتِيهِ عَامَّتُهُمْ فِي الْمُشْكِلَاتِ، وَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمَوَارِيثِ خَاصَّةً؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ - إِذْ ذَاكَ - مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَحْكَامِهَا وَأَحْذَقُ مِنْهُ فِي قِسْمَتِهَا؛ فَقَدْ خَطَبَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ "الْجَابِيَةِ" (٦) فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ … وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفِقْهِ فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ (٧) … وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْمَالِ فَلْيَأْتِ إِلَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَلَيْهِ وَالِيًا، وَلَهُ قَاسِمًا … * * *

стр. 351

وَلَقَدْ عَرَفَ طُلَّابُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (١) لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَدْرَهُ، فَأَجَلُّوهُ، وَعَظَّمُوهُ لِمَا وَقَرَ (٢) فِي صَدْرِهِ مِنَ الْعِلْمِ. فَهَا هُوَ ذَا بَحْرُ الْعِلْم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ (٣) يَرَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَدْ هَمَّ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُمْسِكُ لَهُ بِرِكَابِهِ، وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ … فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: دَعْ عَنْكَ يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا … فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ. فَأَخْرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ لَهُ، فَمَالَ عَلَيْهَا زَيْدٌ وَقَبَّلَهَا، وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِآلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا … * * * وَلَمَّا لَحِقَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِجِوَارِ رَبِّهِ؛ بَكَى الْمُسْلِمُونَ بِمَوْتِهِ الْعِلْمَ الَّذِي وُورِيَ مَعَهُ (٤)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْيَوْمَ مَاتَ حَبْرُ (٥) هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَعَسَى أَنْ يَجْعَلَ اللهُ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ خَلَفًا مِنْهُ. وَرَثَاهُ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَثَى نَفْسَهُ مَعَهُ؛ فَقَالَ: فَمَنْ لِلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمَنْ لِلْمَعَانِي بَعْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ؟! (*)

стр. 352

رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ "دَأبَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ فِي الْعِبَادَةِ لِيَحْظَى بِمُرَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ … كَمَا حَظِيَ بِخِدْمَتِهِ وَصُحْبَتِهِ فِي الدُّنْيَا" قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ: كُنْتُ فَتًى حَدِيثَ السِّنِّ لَمَّا أَشْرَقَتْ نَفْسِي بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَامْتَلأَ فُؤَادِي بِمَعَانِي الْإِسْلَامِ. وَلَمَّا اكْتَحَلَتْ عَيْنَايَ بِمَرْأَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ أَحْبَبْتُهُ حُبًّا مَلَكَ عَلَيَّ كُلَّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِي (١) … وَأُولِعْتُ (٢) بِهِ وَلَعًا صَرَفَنِي عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي ذَاتَ يَوْمٍ: وَيْحَكَ (٣) يَا رَبِيعَةُ، لِمَ لَا تُجَرِّدُ نَفْسَكَ: لِخِدْمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! … اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَيْهِ … فَإِنْ رَضِيَ بِكَ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ وَفُزْتَ بِحُبِّهِ، وَحَظِيتَ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَوْتُهُ أَنْ يَقْبَلَنِي فِي خِدْمَتِهِ. فَلَمْ يُخَيِّبْ رَجَائِي، وَرَضِيَ بِي أَنْ أَكُونَ خَادِمًا لَهُ. فَصِرْتُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْزَمَ لِلنَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ مِنْ ظِلِّهِ:

стр. 353

أَسِيرُ مَعَهُ أَيْنَمَا سَارَ، وَأَدُّورُ فِي فَلَكِهِ كَيْفَمَا دَارَ. فَمَا رَمَى بِطَرْفِهِ (١) مَرَّةً نَحْوِي إِلَّا مَثُلْتُ (٢) وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَمَا تَشَوَّفَ (٣) لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ إِلَّا وَجَدَنِي مُسْرِعًا فِي قَضَائِهَا. وَكُنْتُ أَخْدِمُهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا انْقَضَى النَّهَارُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ وَأَوَى إِلَى بَيْتِهِ؛ أَهِمُّ بِالانْصِرَافِ. لَكِنِّي مَا أَلْبَثُ أَنْ أَقُولَ فِي نَفْسِي: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي يَا رَبِيعَةُ؟! … فَلَعَلَّهَا تَعْرِضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةٌ فِي اللَّيْلِ. فَأَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ وَلَا أَتَحَوَّلُ عَنْ عَتَبَةِ بَيْتِهِ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ لَيْلَهُ قَائِمًا يُصَلِّي؛ فَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٤)، فَمَا يَزَالُ يُكَرِّرُهَا هَزِيعًا (٥) مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى أَمَلَّ فَأَتْرُكَهُ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنَايَ فَأَنَامَ. وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فَمَا يَزَالُ يُرَدِّدُهَا زَمَنًا أَطْوَلَ مِنْ تَرْدِيدِهِ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. * * * وقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَا صَنَعَ لَهُ أَحَدٌ مَعْرُوفًا إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ. وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَنِي عَلَى خِدْمَتِي لَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: (يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ). فَقُلْتُ: لَبَيَّكَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ (٧). فَقَالَ: (سَلْنِي شَيْئًا أُعْطِهِ لَكَ). فَرَوَّيْتُ (٨) قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ:

стр. 354

أَمْهِلْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَنْظُرَ فِيمَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ، ثُمَّ أُعْلِمَكَ. فَقَالَ: (لَا بَأْسَ عَلَيْكَ). وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا فَقِيرًا لَا أَهْلَ لِي وَلَا مَالَ وَلَا سَكَنَ. وَإِنَّمَا كُنْتُ آوِي إِلَى صُفَّةِ (١) الْمَسْجِدِ مَعَ أَمْثَالِي مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ النَّاسُ يَدْعُونَنَا "بِضُيُوفِ الْإِسْلَامِ". فَإِذَا أَتَى أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِصَدَقَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَا كُلِّهَا إِلَيْنَا. وَإِذَا أَهْدَى لَهُ أَحَدٌ هَدِيَّةً أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا، وَجَعَلَ بَاقِيَهَا لَنَا. فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَطْلُبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، أَغْتَنِي بِهِ مِنْ فَقْرٍ، وَأَغْدُو كَالْآخَرِينَ ذَا مَالٍ وَزَوْجٍ وَوَلَدٍ. لَكِنِّي مَا لَبِثْتُ أَنْ قُلْتُ: تَبًّا (٢) لَكَ يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ، إِنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَإِنَّ لَكَ فِيهَا رِزْقًا كَفَلَهُ اللَّهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَكَ. وَالرَّسُولُ ﷺ فِي مَنْزِلَةٍ عِنْدَ رَبِّهِ لَا يُرَدُّ لَهُ مَعَهَا طَلَبٌ. فَاطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَسَأَلَ اللَّهَ لَكَ مِنْ فَضْلِ الْآخِرَةِ. فَطَابَتْ نَفْسِي لِذَلِكَ، وَاسْتَرَاحَتْ لَهُ. ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا تَقُولُ يَا رَبِيعَةُ؟!). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لِيَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنِي رَفِيقًا لَكَ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ ﷺ : (مَنْ أَوْصَاكَ بِذَلِكَ؟). فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا أَوْصَانِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ حِينَ قُلْتَ لِي: سَلْنِي

стр. 355

أُعْطِكَ حَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا … ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ هُدِيتُ إِلَى إِيثَارِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْفَانِيَةِ (١)، فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لِي بِأَنْ أَكُونَ رَفِيقَكَ فِي الْجَنَّةِ. فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: (أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا رَبِيعَةُ؟). فَقُلْتُ: كَلَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا أَعْدِلُ (٢) بِمَا سَأَلْتُكَ شَيْئًا. فَقَالَ: (إِذَنْ أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ). فَجَعَلْتُ أَدْأَبُ (٣) فِي الْعِبَادَةِ لِأَحْظَى بِمُرَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ كَمَا حَظِيتُ بِخِدْمَتِهِ وَصُحْبَتِهِ فِي الدُّنْيَا. * * * ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (أَلَا تَتَزَوَّجُ يَا رَبِيعَةُ؟!). فَقُلْتُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي شَيْءٌ عَنْ خِدْمَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ … ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَمْهُرُ بِهِ الزَّوْجَةَ (٤)، وَلَا مَا أُقِيمُ حَيَاتَهَا بِهِ، فَسَكَتَ. ثُمَّ رَآنِي ثَانِيَةً وَقَالَ: (أَلَا تَتَزَوَّجُ يَا رَبِيعَةُ؟!). فَأَجَبْتُهُ بِمِثْل مَا قُلْتُ لَهُ فِي الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ. لَكِنِّي مَا إِنْ خَلَوْتُ إِلَى نَفْسِي حَتَّى نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي، وَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا رَبِيعَةُ … وَاللَّهِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لأَعْلَمُ مِنْكَ بِمَا يَصْلُحُ لَكَ فِي دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، وَأَعْرَفُ مِنْكَ بِمَا عِنْدَكَ. وَاللَّهِ لَئِنْ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إِلَى الزَّوَاجِ لأُجِيبَنَّهُ. * * *
следующие страницы →