Полный текст (979 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَلَقَدْ عَرَفَ طُلَّابُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (١) لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَدْرَهُ، فَأَجَلُّوهُ، وَعَظَّمُوهُ لِمَا وَقَرَ (٢) فِي صَدْرِهِ مِنَ الْعِلْمِ.
فَهَا هُوَ ذَا بَحْرُ الْعِلْم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ (٣) يَرَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَدْ هَمَّ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُمْسِكُ لَهُ بِرِكَابِهِ، وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ …
فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: دَعْ عَنْكَ يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا …
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ.
فَأَخْرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ لَهُ، فَمَالَ عَلَيْهَا زَيْدٌ وَقَبَّلَهَا، وَقَالَ:
هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِآلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا …
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِجِوَارِ رَبِّهِ؛ بَكَى الْمُسْلِمُونَ بِمَوْتِهِ الْعِلْمَ الَّذِي وُورِيَ مَعَهُ (٤)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْيَوْمَ مَاتَ حَبْرُ (٥) هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَعَسَى أَنْ يَجْعَلَ اللهُ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ خَلَفًا مِنْهُ.
وَرَثَاهُ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَثَى نَفْسَهُ مَعَهُ؛ فَقَالَ:
فَمَنْ لِلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمَنْ لِلْمَعَانِي بَعْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ؟! (*) стр. 352
رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ
"دَأبَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ فِي الْعِبَادَةِ لِيَحْظَى بِمُرَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ … كَمَا حَظِيَ بِخِدْمَتِهِ وَصُحْبَتِهِ فِي الدُّنْيَا"
قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ:
كُنْتُ فَتًى حَدِيثَ السِّنِّ لَمَّا أَشْرَقَتْ نَفْسِي بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَامْتَلأَ فُؤَادِي بِمَعَانِي الْإِسْلَامِ.
وَلَمَّا اكْتَحَلَتْ عَيْنَايَ بِمَرْأَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ أَحْبَبْتُهُ حُبًّا مَلَكَ عَلَيَّ كُلَّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِي (١) …
وَأُولِعْتُ (٢) بِهِ وَلَعًا صَرَفَنِي عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي ذَاتَ يَوْمٍ: وَيْحَكَ (٣) يَا رَبِيعَةُ، لِمَ لَا تُجَرِّدُ نَفْسَكَ: لِخِدْمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! …
اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَيْهِ … فَإِنْ رَضِيَ بِكَ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ وَفُزْتَ بِحُبِّهِ، وَحَظِيتَ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَوْتُهُ أَنْ يَقْبَلَنِي فِي خِدْمَتِهِ.
فَلَمْ يُخَيِّبْ رَجَائِي، وَرَضِيَ بِي أَنْ أَكُونَ خَادِمًا لَهُ.
فَصِرْتُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْزَمَ لِلنَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ مِنْ ظِلِّهِ: стр. 353
أَسِيرُ مَعَهُ أَيْنَمَا سَارَ، وَأَدُّورُ فِي فَلَكِهِ كَيْفَمَا دَارَ.
فَمَا رَمَى بِطَرْفِهِ (١) مَرَّةً نَحْوِي إِلَّا مَثُلْتُ (٢) وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَمَا تَشَوَّفَ (٣) لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ إِلَّا وَجَدَنِي مُسْرِعًا فِي قَضَائِهَا.
وَكُنْتُ أَخْدِمُهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا انْقَضَى النَّهَارُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ وَأَوَى إِلَى بَيْتِهِ؛ أَهِمُّ بِالانْصِرَافِ.
لَكِنِّي مَا أَلْبَثُ أَنْ أَقُولَ فِي نَفْسِي: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي يَا رَبِيعَةُ؟! …
فَلَعَلَّهَا تَعْرِضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةٌ فِي اللَّيْلِ.
فَأَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ وَلَا أَتَحَوَّلُ عَنْ عَتَبَةِ بَيْتِهِ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ لَيْلَهُ قَائِمًا يُصَلِّي؛ فَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٤)، فَمَا يَزَالُ يُكَرِّرُهَا هَزِيعًا (٥) مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى أَمَلَّ فَأَتْرُكَهُ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنَايَ فَأَنَامَ. وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فَمَا يَزَالُ يُرَدِّدُهَا زَمَنًا أَطْوَلَ مِنْ تَرْدِيدِهِ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
* * *
وقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَا صَنَعَ لَهُ أَحَدٌ مَعْرُوفًا إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ.
وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَنِي عَلَى خِدْمَتِي لَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ:
(يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ).
فَقُلْتُ: لَبَيَّكَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ (٧).
فَقَالَ: (سَلْنِي شَيْئًا أُعْطِهِ لَكَ).
فَرَوَّيْتُ (٨) قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ: стр. 354
أَمْهِلْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَنْظُرَ فِيمَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ، ثُمَّ أُعْلِمَكَ.
فَقَالَ: (لَا بَأْسَ عَلَيْكَ).
وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا فَقِيرًا لَا أَهْلَ لِي وَلَا مَالَ وَلَا سَكَنَ. وَإِنَّمَا كُنْتُ آوِي إِلَى صُفَّةِ (١) الْمَسْجِدِ مَعَ أَمْثَالِي مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ النَّاسُ يَدْعُونَنَا "بِضُيُوفِ الْإِسْلَامِ". فَإِذَا أَتَى أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِصَدَقَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَا كُلِّهَا إِلَيْنَا.
وَإِذَا أَهْدَى لَهُ أَحَدٌ هَدِيَّةً أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا، وَجَعَلَ بَاقِيَهَا لَنَا.
فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَطْلُبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، أَغْتَنِي بِهِ مِنْ فَقْرٍ، وَأَغْدُو كَالْآخَرِينَ ذَا مَالٍ وَزَوْجٍ وَوَلَدٍ.
لَكِنِّي مَا لَبِثْتُ أَنْ قُلْتُ: تَبًّا (٢) لَكَ يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ، إِنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَإِنَّ لَكَ فِيهَا رِزْقًا كَفَلَهُ اللَّهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَكَ.
وَالرَّسُولُ ﷺ فِي مَنْزِلَةٍ عِنْدَ رَبِّهِ لَا يُرَدُّ لَهُ مَعَهَا طَلَبٌ. فَاطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَسَأَلَ اللَّهَ لَكَ مِنْ فَضْلِ الْآخِرَةِ.
فَطَابَتْ نَفْسِي لِذَلِكَ، وَاسْتَرَاحَتْ لَهُ.
ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا تَقُولُ يَا رَبِيعَةُ؟!).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لِيَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنِي رَفِيقًا لَكَ فِي الْجَنَّةِ.
فَقَالَ ﷺ : (مَنْ أَوْصَاكَ بِذَلِكَ؟).
فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا أَوْصَانِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ حِينَ قُلْتَ لِي: سَلْنِي стр. 355
أُعْطِكَ حَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا …
ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ هُدِيتُ إِلَى إِيثَارِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْفَانِيَةِ (١)، فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لِي بِأَنْ أَكُونَ رَفِيقَكَ فِي الْجَنَّةِ.
فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: (أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا رَبِيعَةُ؟).
فَقُلْتُ: كَلَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا أَعْدِلُ (٢) بِمَا سَأَلْتُكَ شَيْئًا.
فَقَالَ: (إِذَنْ أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ).
فَجَعَلْتُ أَدْأَبُ (٣) فِي الْعِبَادَةِ لِأَحْظَى بِمُرَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ كَمَا حَظِيتُ بِخِدْمَتِهِ وَصُحْبَتِهِ فِي الدُّنْيَا.
* * *
ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (أَلَا تَتَزَوَّجُ يَا رَبِيعَةُ؟!).
فَقُلْتُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي شَيْءٌ عَنْ خِدْمَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ …
ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَمْهُرُ بِهِ الزَّوْجَةَ (٤)، وَلَا مَا أُقِيمُ حَيَاتَهَا بِهِ، فَسَكَتَ.
ثُمَّ رَآنِي ثَانِيَةً وَقَالَ: (أَلَا تَتَزَوَّجُ يَا رَبِيعَةُ؟!).
فَأَجَبْتُهُ بِمِثْل مَا قُلْتُ لَهُ فِي الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ.
لَكِنِّي مَا إِنْ خَلَوْتُ إِلَى نَفْسِي حَتَّى نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي، وَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا رَبِيعَةُ … وَاللَّهِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لأَعْلَمُ مِنْكَ بِمَا يَصْلُحُ لَكَ فِي دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، وَأَعْرَفُ مِنْكَ بِمَا عِنْدَكَ.
وَاللَّهِ لَئِنْ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إِلَى الزَّوَاجِ لأُجِيبَنَّهُ.
* * * стр. 356
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ حَتَّى قَالَ لِيَ الرَّسُولُ ﷺ :
(أَلَا تَتَزَوَّجُ يَا رَبِيعَةُ؟!).
فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ … وَلَكِنْ مَنْ يُزَوِّجُنِي، وَأَنَا كَمَا تَعْلَمُ؟!.
فقال ﷺ : (انْطَلِقُ إِلَى آلِ فُلَانٍ (١) وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فَتَاتَكُمْ فُلَانَةَ).
فَأَتَيْتُهُمْ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ وَقُلْتُ لَهُمْ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لِتُزَوِّجُونِي فَتَاتَكُمْ فَلَانَةَ.
فَقَالُوا: فُلَانَةَ؟!.
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ، وَمَرْحَبًا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ (٢) …
وَاللَّهِ لَا يَرْجِعُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا بِحَاجَتِهِ … وَعَقَدُوا لِي عَلَيْهَا.
فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ جِئْتُ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ بَيْتٍ … صَدَّقُونِي، وَرَحَّبُوا بِي، وَعَقَدُوا لِي عَلَى ابْنَتِهِمْ.
فَمِنْ أَيْنَ آتِيهِمْ بِالْمَهْرِ؟!.
فَاسْتَدْعَى الرَّسُولُ ﷺ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ - وَكَانَ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قَوْمِي [بَنِي أَسْلَمَ]- وَقَالَ لَهُ:
(يَا بُرَيْدَةُ، اجْمَعُوا لِرَبيعَةَ وَزْنَ نَوَاةٍ ذَهَبًا) … فَجَمَعَهَا لِي.
فَقَالَ لِي الرَّسُولُ ﷺ : (اذْهَبْ بِهَذَا إِلَيْهِمْ، وَقُلْ لَهُمْ: هَذَا صَدَاقُ (٣) ابْنَتِكُمْ)، فَأَتَيْتُهُمْ، وَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِمْ فَقَبِلُوهُ، وَرَضُوهُ، وَقَالُوا: كَثِيرٌ طَيِّبٌ … стр. 357
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ قَوْمًا قَطُّ أَكْرَمَ مِنْهُمْ؛ فَلَقَدْ رَضُوا مَا أَعْطَيْتُهُمْ - عَلَى قِلَّتِهِ - وَقَالُوا: كَثِيرٌ طَيِّبٌ.
فَمِنْ أَيْنَ لِي مَا أُولِمُ بِهِ (١) يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!.
فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِبُرَيْدَةَ: (اجْمَعُوا لِرَبيعَةَ ثَمَنَ كَبْشٍ)، فَابْتَاعُوا لِي كَبْشًا عَظِيمًا سَمِينًا.
فَقَالِ لِي الرَّسُولُ ﷺ : (اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ، وَقُلْ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ لَكَ مَا عِنْدَهَا مِنَ الشَّعِيرِ)، فَأَتَيْتُهَا فَقَالَتْ: إِلَيْكَ (٢) الْمِكْتَلَ (٣) فَفِيهِ سَبْعُ آصُعِ (٤) شَعِيرٍ، لَا وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ غَيْرُهُ.
فَانْطَلَقْتُ بِالْكَبْشِ وَالشَّعِيرِ إِلَى أَهْلِ زَوْجَتِي فَقَالُوا:
أَمَّا الشَّعِيرُ فَنَحْنُ نُعِدُّهُ.
وَأَمَّا الْكَبْشُ فَمُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ يُعِدُّوهُ لَكَ.
فَأَخَذْتُ الْكَبْشَ - أَنَا وَنَاسٌ مِنْ "أَسْلَمَ" - فَذَبَحْنَاهُ وَسَلَخْنَاهُ وَطَبَخْنَاهُ، فَأَصْبَحَ عِنْدَنَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ.
فَأَوْلَمْتُ وَدَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجَابَ دَعْوَتِي.
* * *
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَنَحَنِي أَرْضًا إِلَى جَانِبِ أَرْضِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ الدُّنْيَا، حَتَّى إِنِّي اخْتَلَفْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى نَخْلَةٍ فَقُلْتُ:
هِيَ فِي أَرْضِي. стр. 358
فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي أَرْضِي.
فَنَازَعْتُهُ، فَأَسْمَعَنِي كَلِمَةً كَرِهْتُهَا.
فَلَمَّا بَدَرَتْ (١) مِنْهُ الْكَلِمَةُ؛ نَدِمَ عَلَيْهَا وَقَالَ:
يَا رَبِيعَةُ رُدَّ عَلَيَّ مِثْلَهَا حَتَّى يَكُونَ قِصَاصًا (٢).
فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ.
فَقَالَ: إِذَنْ آتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَشْكُو إِلَيْهِ امْتِنَاعَكَ عَنِ الاقْتِصَاصِ مِنِّي …
وَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَضَيْتُ فِي إِثْرِهِ (٣).
فَتَبِعَنِي قَوْمِي بَنُو "أَسْلَمَ" وَقَالُوا:
هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِكَ فَشَتَمَكَ، ثُمَّ يَسْبِقُكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَشْكُوكَ؟!!.
فَالْتَفَتُ إِلَيْهِمْ وَقُلْتُ: وَيْحَكُمْ أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟! …
هَذَا الصِّدِّيقُ …
وَذُو شَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ (٤) …
ارْجِعُوا قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتَ فَيَرَاكُمْ، فَيَظُنَّ أَنَّكُمْ إِنَّمَا جِئْتُمْ لِتُعِينُونِي عَلَيْهِ فَيَغْضَبَ، فَيَأْتِي رَسُولَ اللهِ فَيَغْضَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِغَضَبِهِ، فَيَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِهِمَا فَيَهْلَكَ رَبيعَةُ؛ فَرَجَعُوا. стр. 359
ثُمَّ أَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ ، وَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ كَمَا كَانَ، فَرَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ:
(يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ وَلِلصِّدِّيقِ؟!).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَادَ مِنِّي أَنْ أَقُولَ لَهُ كَمَا قَالَ لِي، فَلَمْ أَفْعَلْ.
فَقَالَ ﷺ : (نَعَمْ لَا تَقُلْ لَهُ كَمَا قَالَ لَكَ …
وَلَكِنْ قُلْ: غَفَرَ اللهُ لِأَبِي بَكْرٍ).
فَقُلْتُ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.
فَمَضَى وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنَ الدَّمْعِ، وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ …
جَزَاكَ اللهُ عَنِّي خَيْرًا يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ … (*).
стр. 360
الكتاب السادس
ذُو البِجَادَيْنِ
عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ
"لَقَدْ نَادَتِ الدُّنْيَا ذَا الْبِجَادَيْنِ، فَأَصَمَّ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمَاعِ أَصْوَاتِهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ يَطْلُبُهَا مِنْ كُلِّ سَبِيلٍ"
عَلَى يَمِينِ الرَّاكِبِ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ جَبَلٌ أَخْضَرُ السُّفُوح …
نَضِيرُ الذُّرَى (١) …
وَارِفُ الظِّلَالِ (٢) ....
يُدْعَى جَبَلَ "وَرْقَانَ".
وَكَانَ يَسْكُنُ هَذَا الْجَبَلَ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قَبِيلَةِ "مُزَيْنَةَ".
* * *
فِي شِعْبٍ (٣) مِنْ شِعَابِ ذَلِكَ الْجَبَلِ الْقَرِيبِ مِنْ "يَثْرِبَ" وُلِدَ "عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ نَهَمٍ الْمُزَنِيِّ" لِأَبَوَيْنِ فَقِيرَيْنِ.
وَقَدْ كَانَ مِيلَادُهُ قُبَيْلَ مَطْلَعِ النُّورِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ.
غَيْرَ أَنَّ يَدَ الْمَنُونِ مَا لَبِثَتْ أَنِ اخْتَرَمَتْ (٤) وَالِدَ الطِّفْلِ "الْمُزَنِيِّ" وَهُوَ لَمْ يَدْرُجْ (٥) بَعْدُ، فَتَحَالَفَ (٦) عَلَيْهِ الْيُتْمُ وَالْفَقْرُ. стр. 361
لَكِنَّهُ كَانَ لِلطِّفْلِ الْيَتِيمِ الْفَقِيرِ عَمٌّ عَلَى حَظٍّ كَبِيرٍ مِنْ وَفْرَةِ (١) الْغِنَى، وَبَسْطَةِ الْعَيْشِ …
وَلَمْ يَكُنْ لِعَمِّهِ هَذَا وَلَدٌ يُزَيِّنُ حَيَاتَهُ … أَوْ عَقِبٌ يَرِثُ أَمْوَالَهُ …
فَأُولِعَ بِابْنِ أَخِيهِ الصَّغِيرِ، وَأَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ مَنْزِلَةَ الْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ.
* * *
شَبَّ الْغُلَامُ "الْمُزَنِيُّ" فِي أَحْضَانِ جَبَلِ "وَرْقَانَ" الْمُونِقَةِ (٢) الْمُورِقَةِ؛ فَخَلَعَ (٣) عَلَيْهِ الْجَبَلُ النَّضِيرُ رِقَّةً مِنْ رِقَّتِهِ …
وَأَسْبَغَ (٤) عَلَيْهِ صَفَاءً مِنْ صَفَائِهِ …
فَنَشَأَ مُرْهَفَ الْحِسِّ، صَافِيَ النَّفْسِ، نَقِيَّ الْفِطْرَةِ …
فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا آخَرَ لأَنْ يَزْدَادَ عَمُّهُ وَلَعًا (٥) بِهِ، وَإِيثَارًا لَهُ (٦).
* * *
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْفَتَى "الْمُزَنِيَّ" قَدْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ.
فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ صَاحِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اسْتَطَالَ ذَلِكَ حَتَّى سَعِدَتْ "يَثْرِبُ" بِيَوْمِهَا الْمُبَارَكِ الْأَغَرِّ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ عَلَيْهَا مُهَاجِرًا.
فَطَفِقَ (٧) الْفَتَى "الْمُزَنِيُّ" يَتَتَبَّعُ أَخْبَارَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَيَتَسَقَّطُ (٨) أَحْوَالَهُ؛ حَتَّى إِنَّهُ كَثِيرًا مَا كَانَ يَمْكُثُ (٩) سَحَابَةَ стр. 362
نَهَارِهِ (١) عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ (٢) إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَسْأَلَ الذَّاهِبِينَ إِلَيْهَا وَالْغَادِينَ (٣) مِنْهَا سُوَّالَ الْمَلْهُوفِ عَنِ الدِّينِ الْجَدِيدِ وَأَنْصَارِهِ …
وَالنَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَأَخْبَارِهِ، إِلَى أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ الطَّاهِرَ لِلْإِسْلَامِ …
وَفَتَحَ قَلْبَهُ الْغَضَّ لِأَنْوَارِ الْإِيمَانِ.
فَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَحِلَ عَيْنَاهُ بِمَرْأَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
أَوْ تَنْعَمَ أُذُنَاهُ بِسَمَاعِ حَدِيثِهِ …
فَكَانَ أَوَّلَ امْرِئٍ يُسْلِمُ مِنْ بَنِي قَوْمِهِ فِي جَبَلِ "وَرْقَانَ".
* * *
كَتَمَ الْفَتَى "الْمُزَنِيُّ" إِسْلَامَهُ عَنْ قَوْمِهِ عَامَّةً، وَعَنْ عَمِّهِ خَاصَّةً، وَجَعَلَ يَخْرُجُ إِلَى الشِّعَابِ النَّائِيَةِ (٤) لِيَعْبُدَ اللَّهَ فِي أَكْنَافِهَا (٥) بَعِيدًا عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ.
وَكَانَ يَتَرَقَّبُ بِلَهْفَةٍ وَشَوْقٍ الْيَوْمَ الَّذِي يُسْلِمُ فِيهِ عَمُّهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إِعْلَانِ إِسْلَامِهِ …
وَلِيَمْضِيَ بِصُحْبَتِهِ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ غَدَا (٦) الشَّوْقُ إِلَى لِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ يَمْلِكُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وَيَشْغَلُ مِنْهُ لُبَّهُ (٧).
* * *
وَلَمَّا وَجَدَ الْفَتَى الْمُؤْمِنُ أَنَّ صَبْرَهُ قَدْ طَالَ …
وَأَنَّ عَمَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْإِسْلَامِ … стр. 363
وَأَنَّ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، تَفُوتُهُ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، حَزَمَ أَمْرَهُ - غَيْرَ غَافِلٍ عَنْ عَوَاقِبِ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ وَقَالَ:
يَا عَمُّ، لَقَدِ انْتَظَرْتُ إِسْلَامَكَ طَوِيلًا حَتَّى نَفِدَ صَبْرِي، فَإِنْ كُنْتَ تَرْغَبُ أَنْ تُسْلِمَ وَيَكْتُبَ اللَّهُ لَكَ السَّعَادَةَ فَنِعْمَ مَا تَصْنَعُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى؛ فَأْذَنْ لِي بِأَنْ أُعْلِنَ إِسْلَامِي بَيْنَ النَّاسِ.
* * *
مَا كَادَتْ كَلِمَاتُ الْفَتَى تُلَامِسُ أُذُنَيْ عَمِّهِ حَتَّى اسْتَشَاطَ غَضَبًا وَقَالَ:
أُقْسِمُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى (١) لَئِنْ أَسْلَمْتَ لأَنْزَعَنَّ مِنْ يَدِكَ كُلَّ شَيْءٍ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ لَكَ، وَلأُسْلِمَنَّكَ لِلْفَاقَةِ (٢) …
وَلأَتْرُكَنَّكَ فَرِيسَةً لِلْعَوَزِ (٣) وَالْجُوعِ.
فَلَمْ يُحَرِّكْ هَذَا التَّهْدِيدُ فِي الْغُلَامِ الْمُؤْمِنِ سَاكِنًا …
وَلَمْ يَفْتُتْ (٤) مِنْ عَزْمِهِ شَيْئًا …
فَاسْتَعَانَ عَمُّهُ عَلَيْهِ بِقَوْمِهِ … فَهَبُّوا يُرْهِّبُونَهُ وَيُرَغِّبُونَهُ …
وَطَفِقُوا يُهَدِّدُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ (٥) فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ:
افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ … فَأَنَا وَاللَّهِ مُتَّبِعٌ مُحَمَّدًا، وَتَارِكٌ عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ.
وَمُنْصَرِفٌ إِلَى عِبَادَةِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ …
وَلْيَكُنْ مِنْكُمْ وَمِنْ عَمِّي مَا يَكُونُ …
فَمَا كَانَ مِنْ عَمِّهِ إِلَّا أَنْ جَرَّدَهُ مِنْ كُلِّ مَا أَعْطَاهُ … стр. 364
وَقَطَعَ عَنْهُ رِفْدَهُ (١)، وَحَرَمَهُ مِنْ جَدْوَاهُ (٢) …
وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ غَيْرَ بِجَادٍ (٣) يَسْتُرُ بِهِ جَسَدَهُ.
* * *
مَضَى الْفَتَى "الْمُزَنِيُّ" مُهَاجِرًا بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مُخَلِّفًا وَرَاءَهُ مَغَانِيَ (٤) الطُّفُولَةِ وَمَرَاتِعَ الصِّبَا (٥) …
مُعْرِضًا عَمَّا فِي يَدِ عَمِّهِ مِنَ الثَّرَاءِ وَالنِّعْمَةِ …
رَاغِبًا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالْمَثُوبَةِ.
وَجَعَلَ يَحُثُّ الْخُطَى (٦) نَحْوَ الْمَدِينَةِ تَحْدُوهُ (٧) إِلَيْهَا أَشْوَاقٌ بَاتَتْ تَفْرِي فُؤَادَهُ فَرْيًا (٨). فَلَمَّا غَدًا قَرِيبًا مِنْ "يَثْرِبَ" شَقَّ بِجَادَهُ شِقَّيْنِ …
فَاتَّزَرَ بِأَحَدِهِمَا … وَارْتَدَى بِالْآخَرِ.
ثُمَّ مَضَى إِلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَبَاتَ فِيهِ لَيْلَتَهُ تِلْكَ …
فَلَمَّا انْبَلَجَ (٩) الْفَجْرُ وَقَفَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﵊، وَجَعَلَ يَتَرَقَّبُ - فِي لَهْفَةٍ وَشَوْقٍ - طَلْعَةَ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ مِنْ حُجْرَتِهِ.
فَمَا إِنْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَهَلَّلَتْ (١٠) عَلَى خَدَّيْهُ دُمُوعُ الْفَرَحِ وَشَعَرَ كَأَنَّ قَلْبَهُ يُرِيدُ أَن يَقْفِرَ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ لِتَحِيَّتِهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ.
* * * стр. 365
وَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ، قَامَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى عَادَتِهِ - يَتَصَفَّحُ وُجُوهَ النَّاسِ فَنَظَرَ إِلَى الْفَتَى "الْمُزَنِيِّ"، وَقَالَ:
(مِمَّنْ أَنْتَ يَا فَتَى؟).
فَانْتَسَبَ لَهُ:
فَقَالَ لَهُ: (مَا اسْمُكَ؟).
فَقَالَ: عَبْدُ الْعُزَّى.
فَقَالَ لَهُ: (بَلْ عَبْدُ اللَّهِ).
ثُمَّ دَنَا (١) مِنْهُ وَقَالَ: (انْزِلْ قَرِيبًا مِنَّا، وَكُنْ فِي جُمْلَةِ أَضْيَافِنَا) …
فَصَارَ النَّاسُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ يُنَادُونَهُ عَبْدَ اللَّهِ.
وَلَقَّبَهُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ "بِذِي الْبِجَادَيْنِ" بَعْدَ أَنْ رَأَوْا بِجَادَيْهِ، وَوَقَفُوا عَلَى قِصَّتِهِ … فَعُرِفَ فِي التَّارِيخِ أَكْثَرَ مَا عُرِفَ بِهَذَا اللَّقَبِ.
* * *
لَا تَسَلْ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ - عَنْ سَعَادَةِ ذِي الْبِجَادَيْنِ حِينَ أَصْبَحَ يَعِيشُ فِي كَنَفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَشْهَدُ مَجَالِسَهُ …
وَيُصَلِّي خَلْفَهُ …
وَيَنْهَلُ (٢) مِنْ هَدْيِهِ …
وَيَتَمَلَّى مِنْ شَمَائِلِهِ (٣) …
* * * стр. 366
لَقَدْ نَادَتْهُ الدُّنْيَا فَأَصَمَّ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمَاعِ أَصْوَاتِهَا …
وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ يَطْلُبُهَا مِنْ كُلِّ سَبِيلٍ:
لَقَدْ طَلَبَهَا بِالدُّعَاءِ الَّذِي كَانَ يَجْأَرُ بِهِ فِي خَشْيَةٍ وَخُشُوعٍ …
حَتَّى سَمَّاهُ الصَّحَابَةُ "الْأَوَّاهَ" (١).
وَطَلَبَهَا بِالْقُرْآنِ …
فَكَانَ لَا يَفْتَأُ يُعَطِّرُ بِشَذَى (٢) آيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ أَرْجَاءَ (٣) مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ …
وَطَلَبَهَا بِالْجِهَادِ …
فَكَانَتْ لَا تَفُوتُهُ غَزْوَةٌ غَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
* * *
وَفِي غَزْوَةِ "تَبُوكَ"، سَأَلَ ذُو الْبِجَادَيْنِ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ.
فَدَعَا لَهُ بِأَنْ يَعْصِمَ دَمَهُ مِنْ سُيُوفِ الْكُفَّارِ.
فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي (٤) يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا أَرَدْتُ.
فَقَالَ لَهُ ﵊: (إِذَا خَرَجْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَرِضْتَ فَمُتَّ فَأَنْتَ شَهِيدٌ …
وَإِذَا جَمَحَتْ (٥) بِكَ دَابَّتُكَ فَسَقَطْتَ فَقُتِلْتَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ … ).
* * * стр. 367
لَمْ يَمْضِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى حُمَّ الْفَتَى "الْمُزَنِيُّ" وَمَاتَ …
لَقَدْ مَاتَ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ …
مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ …
بَعِيدًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرِ …
غَرِيبًا عَنِ الْوَطَنِ وَالدَّارِ …
فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَيْرَ الْعِوَضِ.
فَلَقَدْ خَطَّ لَهُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ قَبْرَهُ بِسَوَاعِدِهِمُ الطَّاهِرَةِ …
وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِنَفْسِهِ …
وَسَوَّاهُ لَهُ بِيَدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ.
وَلَقَدْ دَلَّاهُ إِلَى الْقَبْرِ الشَّيْخَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ حَيْثُ قَالَ لَهُمَا الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ:
(قَرَّبَا إِلَيَّ أَخَاكُمَا) فَأَنْزَلَاهُ إِلَيْهِ.
فَتَنَاوَلَهُ مِنْهُمَا، وَأَسْكَنَهُ فِي لَحْدِهِ …
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (١) وَاقِفًا يَشْهَدُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
فَقَالَ: "لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُفْرَةِ … وَاللَّهِ، وَدِدْتُ لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ وَقَدْ أَسْلَمْتُ قَبْلَهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً" (*). стр. 368
أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ
"حَدَّثَنِي أَبُو الْعَاصِ فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
كَانَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَبْشَمِيُّ (١) الْقُرَشِيُّ، شَابًّا مَوْفُورَ الشَّبَابِ، بَهِيَّ الرَّوْنَقِ، رَائِعَ الْمُجْتَلَى (٢)، بَسَطَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ ظِلَالَهَا، وَجَلَّلَهُ الْحَسَبُ بِرِدَائِهِ، فَغَدَا مَثَلًا لِلْفُرُوسِيِّةِ الْعَرَبِيَّةِ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ خَصَائِلِ الْأَنْفَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَمَخَايِلِ (٣) الْمُرُوءَةِ وَالْوَفَاءِ، وَمَآثِرِ الاعْتِزَازِ بِتُرَاثِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ.
* * *
وَقَدْ وَرِثَ أَبُو الْعَاصِ حُبَّ التِّجَارَةِ عَنْ قُرَيْشٍ صَاحِبَةِ الرِّحْلَتَيْنِ: رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةِ الصَّيْفِ (٤)؛ فَكَانَتْ رَكَائِبُهُ لَا تَفْتَأُ ذَاهِبَةً آيبَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالشَّامِ، وَكَانَتْ قَافِلَتُهُ تَضُمُّ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْمِائَتَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ، وَكَانَ النَّاسُ يَدْفَعُونَ إِلَيْهِ بِأَمْوَالِهِمْ لِيَتَّجِرَ لَهُمْ بِهَا فَوْقَ مَالِهِ؛ لِمَا بَلَوْا (٥) مِنْ حِذْقِهِ، وَصِدْقِهِ، وَأَمَانَتِهِ.
* * *
وَكَانَتْ خَالَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تُنْزِلُهُ مِنْ نَفْسِهَا مَنْزِلَةَ الْوَلَدِ مِنْ أُمِّهِ، وَتَفْسَحُ لَهُ فِي قَلْبِهَا وَبَيْتِهَا مَكَانًا مَرْمُوقًا يَنْزِلُ فِيهِ عَلَى الرَّحْبِ وَالْحُبِّ. стр. 369
وَلَمْ يَكُنْ حُبُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي الْعَاصِ بِأَقَلَّ مِنْ حُبِّ خَدِيجَةَ لَهُ وَلَا أَدْنَى.
* * *
وَمَرَّتِ الْأَعْوَامُ سِرَاعًا خِفَافًا عَلَى بَيْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَشَبَّتْ زَيْنَبُ كُبْرَى بَنَاتِهِ، وَتَفَتَّحَتْ كَمَا تَتَفَتَّحُ زَهْرَةٌ فَوَّاحَةُ الشَّذَى بَهِيَّةُ الرُّوَاءِ. فَطَمَحَتْ إِلَيْهَا نُفُوسُ أَبْنَاءِ السَّادَةِ الْبَهَالِيلِ (١) مِنْ أَشْرَافِ مَكَّةَ …
وَكَيْفَ لَا؟!! … وَهِيَ مِنْ أَعْرَقِ بَنَاتِ قُرَيْشٍ حَسَبًا وَنَسَبًا، وَأَكْرَمِهِنَّ أُمًّا وَأَبًا، وَأَزْكَاهُنَّ (٢) خُلُقًا وَأَدَبًا.
وَلَكِنْ أَنَّى (٣) لَهُمْ أَنْ يَظْفَرُوا بِهَا؟! …
وَقَدْ حَالَ دُونَهُمْ وَدُونَهَا ابْنُ خَالَتِهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ فَتَى فِتْيَانِ مَكَّةَ!!.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى اقْتِرَانِ زَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ بِأَبِي الْعَاصِ إِلَّا سَنَوَاتٌ مَعْدُودَاتٌ حَتَّى أَشْرَقَتْ بِطَاحُ مَكَّةَ بِالنُّورِ الْإِلَهِيِّ الْأَسْنَى، وَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ النِّسَاءِ زَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَبَنَاتُهُ زَيْنَبُ، وَرُقِيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُوم، وَفَاطِمَةُ (٤)، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً آنَذَاكَ.
غَيْرَ أَنَّ صِهْرَهُ أَبَا الْعَاصِ، كَرِهَ أَنْ يُفَارِقَ دِينَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، وَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَتْ فِيهِ زَوْجَتُهُ زَيْنَبُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُصْفِيهَا (٥) بِصَافِي стр. 370
الْحُبِّ، وَيَمْحَضُهَا (١) مِنْ مَحْضِ (٢) الْوِدَادِ.
* * *
وَلَمَّا اشْتَدَّ النِّزَاعُ بَيْنَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
وَيْحَكُمْ … إِنَّكُمْ قَدْ حَمَلْتُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ هُمُومَهُ بِتَزْوِيجِ فِتْيَانِكُمْ مِنْ بَنَاتِهِ، فَلَوْ رَدَدْتُمُوهُنَّ إِلَيْهِ لَانْشَغَلَ بِهِنَّ عَنْكُمْ …
فَقَالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ مَا رَأَيْتُمْ، وَمَشَوْا إِلَى أَبِي الْعَاصِ وَقَالُوا لَهُ:
فَارِقْ صَاحِبَتَكَ يَا أَبَا الْعَاصِ، وَرُدَّهَا إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، وَنَحْنُ نُزَوِّجُكَ أَيَّ امْرَأَةٍ تَشَاءُ مِنْ كَرَائِم عَقِيلَاتِ (٣) قُرَيْشٍ.
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا (٤) نِسَاءَ الدُّنْيَا جَمِيعًا …
أَمَّا ابْنَتَاهُ رُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ فَقَدْ طُلِّقَتَا وَحُمِلَنَا إِلَى بَيْتِهِ، فَسُرَّ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِرَدِّهِمَا إِلَيْهِ، وَتَمَنَّى أَنْ لَوْ فَعَلَ أَبُو الْعَاصِ كَمَا فَعَلَ صَاحِبَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ مَا كَانَ يَمْلِكُ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يُرْغِمُهُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ شُرِعَ - بَعْدُ - تَحْرِيمُ زَوَاجِ الْمُؤْمِنَةِ مِنَ الْمُشْرِكِ.
* * *
وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاشْتَدَّ أَمْرُهُ فِيهَا، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِقِتَالِهِ فِي "بَدْرٍ" اضْطُرَّ أَبُو الْعَاصِ لِلْحُرُوج مَعَهُمْ اضْطِرَارًا … стр. 371
إِذْ لَمْ تَكُنْ بِهِ رَغْبَةٌ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَرَبٌ (١) فِي النَّيْلِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ مَنْزِلَتَهُ فِي قَوْمِهِ حَمَلَتْهُ عَلَى مُسَايَرَتِهِمْ حَمْلًا … وَقَدِ انْجَلَتْ "بَدْرٌ" عَنْ هَزِيمَةٍ مُنْكَرَةٍ لِقُرَيْشٍ أَذَلَّتْ مَعَاطِسَ (٢) الشِّرْكِ، وَقَصَمَتْ ظُهُورَ طَوَاغِيتِهِ (٣)؛ فَفَرِيقٌ قُتِلَ، وَفَرِيقٌ أُسِرَ، وَفَرِيقٌ نَجَّاهُ الْفِرَارُ.
وَكَانَ فِي زُمْرَةِ الْأَسْرَى أَبُو الْعَاصِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
فَرَضَ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى الْأَسْرَى فِدْيَةً يَفْتَدُونَ بِهَا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْأَسْرِ، وَجَعَلَهَا تَتَرَاوَحُ بَيْنَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ حَسْبَ مَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ فِي قَوْمِهِ وَغِنَاهُ.
وَطَفِقَتِ (٤) الرُّسُلُ تَرُوحُ وَتَغْدُو بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ حَامِلَةً مِنَ الْأَمْوَالِ مَا تَفْتَدِي بِهِ أَسْرَاهَا.
فَبَعَثَتْ زَيْنَبُ رَسُولَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ يَحْمِلُ فِدْيَةَ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ، وَجَعَلَتْ فِيهَا قِلَادَةً كَانَتْ أَهْدَتْهَا لَهَا أُمُّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ يَوْمَ زَفَّتْهَا إِلَيْهِ … فَلَمَّا رَأَى الرَّسُولُ ﷺ الْقِلَادَةَ غَشِيَتْ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ غِلَالَةٌ (٥) شَفَّافَةٌ مِنَ الْحُزْنِ الْعَمِيقِ، وَرَقَّ لابْنَتِهِ أَشَدَّ الرِّقَةِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ:
(إِنَّ زَيْنَبَ بَعَثَتْ بِهَذَا الْمَالِ لافْتِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا مَالَهَا فَافْعَلُوا). стр. 372
فَقَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْمَةَ عَيْنٍ (١) يَا رَسُولَ اللَّهِ.
* * *
غَيْرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ اشْتَرَطَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ قَبْلَ إِطْلَاقِ سَرَاحِهِ أَنْ يُسَيِّرَ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ مِنْ غَيْرِ إِبْطَاءٍ …
فَمَا كَادَ أَبُو الْعَاصِ يَبْلُغُ مَكَّةَ حَتَّى بَادَرَ إِلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ …
فَأَمَرَ زَوْجَتَهُ بِالاسْتِعْدَادِ لِلرِّحِيلِ، وَأَخْبَرَهَا بِأَنَّ رُسُلَ أَبِيهَا يَنْتَظِرُونَهَا غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ مَكَّةَ، وَأَعَدَّ لَهَا زَادَهَا وَرَاحِلَتَهَا، وَنَدَبَ أَخَاهُ عَمْرَو بْنَ الرَّبِيعِ لِمُصَاحَبَتِهَا وَتَسْلِيمِهَا لِمُرَافِقِيهَا يَدًا بِيَدٍ.
* * *
تَنَكَّبَ (٢) عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ قَوْسَهُ، وَحَمَلَ كِنَانَتَهُ (٣)، وَجَعَلَ زَيْنَبَ فِي هَوْدَجِهَا (٤)، وَخَرَجَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ جِهَارًا نَهَارًا عَلَى مَرْأًى مِنْ قُرَيْشٍ، فَهَاجَ الْقَوْمُ وَمَاجُوا (٥)، وَلَحِقُوا بِهِمَا حَتَّى أَدْرَكُوهُمَا غَيْرَ بَعِيدٍ، وَرَوَّعُوا زَيْنَبَ وَأَفْزَعُوهَا …
عِنْدَ ذَلِكَ وَتَرَ عَمْرٌو قَوْسَهُ، وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَدْنُو رَجُلٌ مِنْهَا إِلَّا وَضَعْتُ سَهْمًا فِي نَحْرِهِ (٦)، وَكَانَ رَامِيًا لَا يُخْطِئُ لَهُ سَهْمٌ …
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ - وَكَانَ قَدْ لَحِقَ بِالْقَوْمِ - وَقَالَ لَهُ:
يَا بْنَ أَخِي، كُفَّ عَنَّا نَبْلَكَ حَتَّى نُكَلِّمَكَ؛ فَكَفَّ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ:
إِنَّكَ لَمْ تُصِبْ فِيمَا صَنَعْتَ … стр. 373
فَلَقَدْ خَرَجْتَ بِزَيْنَبَ عَلَانِيَةً عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، وَعُيُونُنَا تَرَى … وَقَدْ عَرَفَتِ الْعَرَبُ جَمِيعُهَا أَمْرَ نَكْبَتِنَا فِي "بَدْرٍ"، وَمَا أَصَابَنَا عَلَى يَدَيْ أَبِيهَا مُحَمَّدٍ.
فَإِذَا خَرَجْتَ بِابْنَتِهِ عَلَانِيَةً - كَمَا فَعَلْتَ - رَمَتْنَا الْقَبَائِلُ بِالْجُبْنِ وَوَصَفَتْنا بِالْهَوَانِ وَالذُّلِّ، فَارْجِعْ بِهَا، وَاسْتَبْقِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا أَيَّامًا حَتَّى إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِأَنَّنَا رَدَدْنَاهَا فَسُلَّهَا (١) مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا سِرًّا، وَأَلْحِقْهَا بِأَبِيهَا، فَمَا لَنَا بِحَبْسِهَا عَنْهُ حَاجَةٌ …
فَرَضِيَ عَمْرٌو بِذَلِكَ، وأَعَادَ زَيْنَبَ إِلَى مَكَّةَ …
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ أَخْرَجَهَا مِنْهَا لَيْلًا بَعْدَ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَأَسْلَمَهَا إِلَى رُسُلِ أَبِيهَا يَدًا بِيَدٍ كَمَا أَوْصَاهُ أَخُوهُ.
* * *
أَقَامَ أَبُو الْعَاصِ فِي مَكَّةَ بَعْدَ فِرَاقِ زَوْجَتِهِ زَمَنًا، حَتَّى إِذَا كَانَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ بِقَليلٍ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لَهُ، فَلَمَّا قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَمَعَهُ عِيرُهُ الَّتِي بَلَغَتْ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَرِجَالُهُ الَّذِينَ نَيَّفُوا (٢) عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعِينَ رَجُلًا، بَرَزَتْ لَهُ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ؛ فَأَخَذَتِ الْعِيرَ وَأَسَرَتِ الرِّجَالَ، لَكِنَّ أَبَا الْعَاصِ أَفْلَتَ مِنْهَا فَلَمْ تَظْفَرْ بِهِ.
فَلَمَّا أَرْحَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ اسْتَتَرَ أَبُو الْعَاصِ بِجُنْحِ الظَّلَامِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، وَمَضَى حَتَّى وَصَلَ إِلَى زَيْنَبَ، وَاسْتَجَارَ بِهَا فَأَجَارَتْهُ …
* * *
وَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَاسْتَوَى стр. 374
قَائِمًا فِي الْمِحْرَابِ، وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ وَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، صَرَخَتْ زَيْنَبُ مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ وَقَالَتْ:
أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا زَيْنَبُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ فَأَجِيرُوهُ. فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِي ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ؛ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ:
(هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ؟!).
قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمُوهُ، وَإِنَّهُ يُجِيرُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ)، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ وَقَالَ لابنَتِهِ:
(أَكْرِمِي مَثْوَى أَبِي الْعَاصِ، وَاعْلَمِي أَنَّكَ لَا تَحِلِّينَ لَهُ).
ثُمَّ دَعَا رِجَالَ السَّرِيَّةِ الَّتِي أَخَذَتِ الْعِيرَ وَأَسَرَتِ الرِّجَالَ وَقَالَ لَهُمْ:
(إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَخَذْتُمْ مَالَهُ، فَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ؛ كَانَ مَا نُحِبُّ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيءُ (١) اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ بِهِ أَحَقُّ).
فَقَالُوا: بَلْ نَرُدُّ عَلَيْهِ مَالَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَلَمَّا جَاءَ لِأَخْذِهِ قَالُوا لَهُ: "يَا أَبَا الْعَاصِ، إِنَّكَ فِي شَرَفٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَصِهْرُهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُسْلِمَ، وَنَحْنُ نَنْزِلُ لَكَ عَنْ هَذَا الْمَالِ كُلِّهِ فَتَنْعِمُ بِمَا مَعَكَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ مَكَّةَ وَتَبْقَى مَعَنَا الْمَدِينَةِ؟.
فَقَالَ: بِئْسَ مَا دَعَوْتُمُونِي أَنْ أَبْدَأَ ديني الْجَدِيدَ بِغَدْرَةٍ.
* * * стр. 375
مَضَى أَبُو الْعَاصِ بِالْعِيرِ وَمَا عَلَيْهَا إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا بَلَغَهَا أَدَّى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ثُمَّ قَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عِنْدِي مَالٌ لَمْ يَأْخُذْهُ؟.
قَالُوا: لَا … وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، فَقَدْ وَجَدْنَاكَ وَفَيًّا كَرِيمًا.
قَالَ: أَمَا وَإِنِّي قَدْ وَفَّيْتُ لَكُمْ حُقُوقَكُمْ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ …
وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا خَوْفِي أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا أَرَدْتُ أنْ آكُلَ أَمْوَالَكُمْ …
فَلَمَّا أَدَّاهَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَفَرَغْتُ ذِمَّتِي مِنْهَا أَسْلَمْتُ …
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكْرَمَ وفَادَتَهُ (١)، وَرَدَّ إِلَيْهِ زَوْجَتَهُ، وَكَانَ يَقُولُ عَنْهُ:
(حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي) (*). стр. 376
عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ
"مَنْ قَاتَلَ فَلْيُقَاتِلْ كَمَا يُقَاتِلُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ"
[مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ]
خَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا (١) وَسَادَتِهَا وَعَبِيدِهَا إِلَى لِقَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي "أُحُدٍ" …
فَقَدْ كَانَتِ الْأَضْغَانُ تَشْحَنُ (٢) صُدُورَهَا شَحْنًا، وَالثَّارَاتُ لِقَتْلَاهَا فِي "بَدْرٍ" تَسْتَعِرُ (٣) فِي دِمَائِهَا اسْتِعَارًا.
وَلَمْ يَكْفِهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَتْ مَعَهَا الْعَقَائِلَ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ؛ ليُحَرِّضْنَ الرِّجَالَ عَلَى الْقِتَالِ، وَيُضْرِمْنَ الْحَمِيَّةَ فِي نُفُوسِ الْأَبْطَالِ، وَيَشْدُدْنَ عَزَائِمَهُمْ كُلَّمَا وَنَوْا أَوْ ضَعُفُوا.
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ خَرَجَتْ مَعَهُنَّ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ، وَرَيْطَةُ بِنْتُ مُنَبِّهٍ زَوْجُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٤)، وَسُلَافَةُ بِنْتُ سَعْدٍ وَمَعَهَا زَوْجُهَا طَلْحَةُ وَأَوْلَادُهَا الثَّلَاثَةُ: مُسَافِعٌ، وَالْجُلاسُ وَكِلَابٌ، وَنِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ غَيْرُهُنَّ.
* * *
وَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ عِنْدَ "أُحُدٍ" وَأَخَذَتْ نَارُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ، قَامَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ النِّسْوَةِ، فَوَقَفْنَ خَلْفَ الصُّفُوفِ، وَأَخَذْنَ بِأَيْدِيهِنَّ الدُّفُوفَ، وَجَعَلْنَ يَضْرِبْنَ عَلَيْهَا مُنْشِدَاتٍ: стр. 377
إِنْ تُقْبِلُوا (١) نُعَانِقْ … وَنَفْرُشِ النَّمَارِقْ (٢)
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ … فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ (٣)
فَكَانَ نَشِيدُهُنَّ هَذَا يُضْرِمُ فِي صُدُورِ الْفُرْسَانِ الْحَمِيَّةَ، وَيَفْعَلُ فِي نُفُوسِ أَزْوَاجِهِنَ فِعْلَ السِّحْرِ …
ثُمَّ وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا … وَكُتِبَ فِيهَا النَّصْرُ لِقُرَيْشٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَامَتِ النِّسْوَةُ - وَقَدِ اسْتَفَزَّتْهُنَّ حُمَيَّا الظَّفَرِ (٤) ? وَطَفِقْنَ يَجُسْنَ (٥) خِلَالَ سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ مُزَغْرِدَاتٍ …
وَأَخَذْنَ يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى أَفْظعَ تَمَثِيلٍ: فَبَقَرْنَ الْبُطُونَ، وَسَمَلْنَ الْعُيُونَ، وَصَلَمْنَ الْآذَانَ، وَجَدَعْنَ الْأُنُوفَ.
بَلْ إِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَمْ يَشْفِ غَيْظَهَا إِلَّا أَنْ جَعَلَتْ مِنَ الْأُنُوفِ وَالْآذَانِ قَلَائِدَ وَخَلَالِيلَ (٦)، وَتَزَيَّنَتْ بِهَا انْتِقَامًا لِأَبِيهَا وَأَخِيهَا وَعَمِّهَا الَّذِينَ قُتِلُوا فِي "بَدْرٍ" …
* * *
لَكِنَّ سُلَافَةَ بِنْتَ سَعْدٍ كَانَ لَهَا شَأْنٌ غَيْرُ شَأْنِ أَتْرَابِهَا (٧) مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ …
فَقَدْ كَانَتْ قَلِقَةً مُضْطَربَةً، تَنْتَظِرُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا أَوْ أَحَدُ أَبْنَائِهَا الثَّلَاثَةِ؛ لِتَقِفَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ، وَتُشَارِكَ النِّسْوَةَ الْأُخْرَيَاتِ فَرْحَةَ النَّصْرِ. стр. 378
بَيْدَ (١) أَنَّ انْتِظَارَهَا قَدْ طَالَ عَبَثًا، فَأَوْغَلَتْ (٢) فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَجَعَلَتْ تَتَفَحَّصُ وُجُوهَ الْقَتْلَى، فَإِذَا بِهَا تَجِدُ زَوْجَهَا صَرِيعًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ (٣).
فَهَبَّتْ كَاللَّبُؤَةِ (٤) الْمَذْعُورَةِ، وَجَعَلَتْ تُطْلِقُ بَصَرَهَا فِي كُلِّ صَوْبٍ بَحْثًا عَنْ أَوْلَادِهَا: مُسَافِعٍ وَكِلَابٍ وَالْجُلَاسِ.
فَمَا لَبِثَتْ أَنْ رَأَتْهُمْ مُمَدَّدِينَ عَلَى سُفُوحٍ "أُحُدٍ" …
أَمَّا مُسَافِعٌ وَكِلَابٌ؛ فَكَانَا قَدْ فَارَقَا الْحَيَاةَ، وَأَمَّا الْجُلَاسُ فَوَجَدَتْهُ وَمَا تَزَالُ بِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ ذَمَاءٍ (٥).
* * *
أَكَبَّتْ سُلَافَةُ عَلَى ابْنِهَا الَّذِي يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَوَضَعَتْ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا، وَجَعَلَتْ تَمْسَحُ الدِّمَاءَ عَنْ جَبِينِهِ وَفَمِهِ، وَقَدْ يَبِسَ الدَّمْعُ فِي عَيْنَيْهَا مِنْ هَوْلِ الْكَارِثَةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ تَقُولُ: مَنْ صَرَعَكَ يَا بُنَيَّ؟ … فَهَمَّ أَنْ يُجِيبَهَا لَكِنَّ حَشْرَجَةَ الْمَوْتِ مَنَعَتْهُ، فَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ فَقَالَ: صَرَعَنِي عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَ … وَصَرَعَ أَخِي مُسَافِعًا، وَ … ثُمَّ لَفَظَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ …
* * *
جُنَّ جُنُونُ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَجَعَلَتْ تُعْوِلُ وَتَنْشِجُ (٦)، وَأَقْسَمَتْ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى أَلَّا تَهْدَأَ لَهَا لَوْعَةٌ أَوْ تَرْقَأَ (٧) لِعَيْنَيْهَا دَمْعَةٌ إِلَّا إِذَا ثَأَرَتْ لَهَا قُرَيْشٌ مِنْ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَعْطَتْهَا قِحْفَ (٨) رَأْسِهِ لِتَشْرَبَ فِيهِ الْخَمْرَ … стр. 379
ثُمَّ نَذَرَتْ لِمَنْ يَأْسِرُهُ أَوْ يَقْتُلُهُ وَيَأْتِيهَا بِرَأْسِهِ، أَنْ تُعْطِيَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مُنْفَسِ الْمَالِ.
فَشَاعَ خَبَرُ نَذْرِهَا فِي قُرَيْشٍ، وَجَعَلَ كُلُّ فَتًى مِنْ فِتْيَانِ مَكَّةَ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ ظَفِرَ بِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَدَّمَ رَأْسَهُ لِسُلَافَةَ لَعَلَّهُ يَكُونُ الْفَائِزَ بِجَائِزَتِهَا.
* * *
عَادَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ "أُحُدٍ"، وَجَعَلُوا يَتَذَاكَرُونَ الْمَعْرَكَةَ وَمَا كَانَ فِيهَا، فَيَتَرَحَّمُونَ عَلَى الْأَبْطَالِ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا، وَيُنَوِّهُونَ بِالْكُمَاةِ الَّذِينَ أَبْلَوْا وَجَالَدُوا … فَذَكَرُوا فِيمَنْ ذَكَرُوهُمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَجِبُوا كَيْفَ اتَّفَقَ لَهُ أَنْ يُرْدِيَ ثَلَاثَةَ إِخْوَةٍ مِنْ بَيْتٍ وَاحِدٍ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَرْدَاهُمْ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: وَهَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ عَجَبٍ؟!! …
أَفَلَا تَذْكُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ حِينَ سَأَلَنَا قُبَيْلَ "بَدْرٍ" كَيْفَ تُقَاتِلُونَ؟ … فَقَامَ لَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَخَذَ قَوْسَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ:
إِذَا كَانَ الْقَوْمُ قَرِيبًا مِنِّي مِائَةَ ذِرَاعٍ كَانَ الرَّمْيُ بِالسِّهَامِ …
فَإِذَا دَنَوْا حَتَّى تَنَالَهُمُ الرِّمَاحُ كَانَتِ الْمُدَاعَسَةُ (١) إِلَى أَنْ تَتَقَصَّفَ الرّماحُ …
فَإِذَا تَقَصَّفَتِ الرِّمَاحُ وَضَعْنَاهَا وَأَخَذْنَا السُّيُوفَ وَكَانَتِ الْمُجَالَدَةُ (٢) …
فَقَالَ ﵊: (هَكَذَا الْحَرْبُ …
مَنْ قَاتَلَ فَلْيُقَاتِلْ كَمَا يُقَاتِلُ عَاصِمٌ) …
* * * стр. 380
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى "أُحُدٍ" حَتَّى انْتَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّةً مِنْ كِرَامِ الصَّحَابَةِ لِبَعْثٍ مِنْ بُعُوثِهِ (١)، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ.
فَمَضَى النَّفَرُ الْأَخْيَارُ لإِنْفَاذِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﵊، وَفِيمَا هُمْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ بَيْنَ "عُسْفَانَ"، وَمَكَّةَ عَلِمَتْ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ "هُذَيْلٍ"؛ فَهَبُّوا نَحْوَهُمْ مُسْرِعِينَ، وَأَحَاطُوا بِهِمْ إِحَاطَةَ الْقَيْدِ بِالْعُنُقِ.
فَامْتَشَقَ عَاصِمٌ وَمَنْ مَعَهُ سُيُوفَهُمْ وَهَمُّوا بِمُنَازَلَةِ الْمُطْبِقِينَ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ لَهُمُ الْهُذَلِيُّونَ: إِنَّكُمْ لَا قِبَلَ (٢) لَكُمْ بِنَا، وَإِنَّنَا أَصْحَابُ هَذِهِ الدِّيَارِ، وَجَمْعُنَا كَثِيرٌ غَفِيرٌ، وَجَمْعُكُمْ قَلِيلٌ ضَئِيلٌ …
ثُمَّ إِنَّنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، لَا نُرِيدُ بِكُمْ شَرًّا إِذَا اسْتَسْلَمْتُمْ لَنَا، وَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ …
فَجَعَلَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَأَنَّهُمْ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ …
فَالْتَفَتَ عَاصِمٌ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ:
أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ مُشْرِكٍ … ثُمَّ تَذَكَّرَ نَذْرَ سُلَافَةَ الَّذِي نَذَرَتْهُ، وَجَرَّدَ سَيْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَى (٣) لِدِينِكَ وَأُدَافِعُ عَنْهُ …
فَاحْمِ لَحْمِي وَعَظْمِي وَلَا تُظْفِرْ بِهِمَا أَحَدًا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ … стр. 381
ثُمَّ كَرَّ عَلَى "الْهُذَلِيِّينَ"، وَتَبِعَهُ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ، هُمَا مَرْثَدٌ الْغَنَوِيُّ، وَخَالِدٌ اللَّيْثِيُّ … وَظَلُّوا يُقَاتِلُونَ حَتَّى صُرِعُوا وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ.
وَأَمَّا النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ الْآخَرُونَ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ ﵊ وَهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ، وَزَيْدُ بْنُ الدُّثُنَّةِ، وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَدِ اسْتَسْلَمُوا لِآسِرِيهِمْ، فَمَا لَبِثَ "الْهُذَلِيُّونَ" أَنْ غَدَرُوا بِهِمْ شَرَّ غَدْرَةٍ.
* * *
لَمْ يَكُنْ "الْهُذَلِيُّونَ" فِي بَادِئِ الْأَمْرِ يَعْلَمُونَ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ هُوَ أَحَدُ قَتْلَاهُمْ، فَلَمَّا عَرَفُوا ذَلِكَ فَرِحُوا بِهِ أَشَدَّ الْفَرَحِ، وَمَنَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِجَزِيلِ الْعَطَاءِ.
وَلَا غَرْوَ … أَلَمْ تَكُنْ سُلَافَةُ بِنْتُ سَعْدٍ قَدْ نَذَرَتْ إِنْ هِيَ ظَفِرَتْ بِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ أَنْ تَشْرَبَ فِي قِحْفِ رَأْسِهِ الْحَمْرَ؟.
أَلَمْ تَكُنْ قَدْ جَعَلَتْ لِمَنْ يَأْتِيهَا بِهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا مَا يَشَاءُ مِنَ الْمَالِ؟!.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى مَصْرَعِ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ بِضْعُ سَاعَاتٍ حَتَّى عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِمَقْتَلِهِ، فَقَدْ كَانَتْ "هُذَيْلٌ" تُقِيمُ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ.
فَأَرْسَلَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ رَسُولًا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى قَتَلَةِ عَاصِمٍ يَطْلِبُونَ مِنْهُمْ رَأْسَهُ؛ لِيُطْفِئُوا بِهَا غُلَّةَ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ وَيُبِرُّوا قَسَمَهَا، وَيُخَفِّفُوا بَعْضَ أَحْزَانِهَا عَلَى أَوْلَادِهَا الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ صَرَعَهُمْ عَاصِمٌ بِيَدِهِ …
وَحَمَّلُوا الرَّسُولَ مَالًا وَفِيرًا، وَأَمَرُوهُ أَنْ يَبْذُلَهُ لِلْهُذَلِيِّينَ بِسَخَاءٍ لِقَاءَ رَأْسِ عَاصِمٍ.
* * *
قامَ "الْهُذَلِيُّونَ" إِلَى جَسَدِ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ لِيَفْصِلُوا عَنْهُ رَأْسَهُ؛ فَفُوجِئُوا
стр. 382
بِأَسْرَابِ النَّحْلِ وَجَمَاعَاتِ الزَّنَابِيرِ (١) قَدْ حَطَّتْ عَلَيْهِ، وَأَحَاطَتْ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ …
فَكَانُوا كُلَّمَا رَامُوا (٢) الاقْتِرَابَ مِنْ جُثَّتِهِ طَارَتْ فِي وُجُوهِهِمْ، وَلَدَغَتْهُمْ فِي عُيُونِهِمْ وَجِبَاهِهِمْ وَكُلِّ مَوْضِعٍ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَذَادَتْهُمْ (٣) عَنْهُ …
فَلَمَّا يَئِسُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ حَاوَلُوا ذَلِكَ الْكَرَّةَ تِلْوَ الْكَرَّةِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
دَعُوهُ حَتَّى يَجِنَّ (٤) عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ فَإِنَّ الزَّنَابِيرَ إِذَا حَلَّ الظَّلَامُ؛ جَلَتْ عَنْهُ وَخَلَّتْهُ لَكُمْ.
ثُمَّ جَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَ بَعِيدٍ …
* * *
لَكِنَّهُ مَا كَادَ يَنْصَرِمُ النَّهَارُ (٥) وَيُقْبِلُ اللَّيْلُ حَتَّى تَلَبَّدَتِ السَّمَاءُ بِالْغُيُومِ الْكَثِيفَةِ الدُّكْنِ (٦) …
وَأَرْعَدَ الْجَوُّ وَأَزْبَدَ … وَانْهَمَرَ الْمَطَرُ انْهِمَارًا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْمُعَمَّرُونَ مَثِيلًا مُنْذُ وُجِدُوا عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ …
وَسَرْعَانَ مَا سَالَتِ الشِّعَابُ وَامْتَلَأتِ الْبِطَاحُ وَغُمِرَتِ الْأَوْدِيَةُ …
وَاكْتَسَحَ الْمِنْطَقَةَ سَيْلٌ كَسَيْلِ الْعَرِمِ …
فَلَمَّا انْبَلَجَ الصُّبْحُ قَامَتْ "هُذَيْلٌ"، تَبْحَثُ عَنْ جَسَدِ عَاصِمٍ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ فَلَمْ تَقِفْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ … стр. 383
ذَلِكَ أَنَّ السَّيْلَ أَخَذَهُ بَعِيدًا بَعِيدًا … وَمَضَى بِهِ إِلَى حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ …
فَلَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ دَعْوَةَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ؛ فَحَمَى جَسَدَهُ الطَّاهِرَ مِنْ أَنْ يُمَثَّلَ بِهِ (١) …
وَصَانَ رَأْسَهُ الْكَرِيمَةَ مِنْ أَنْ يُشْرَبَ فِي قِحَفِهَا الْخَمْرُ …
وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (*) … стр. 384
عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ
"إِنَّ لِعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ مَكَانًا"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
أَوَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى مَضْجَعِهِ؛ فَقَدْ كَانَ يُرِيدُ أنْ يُصِيبَ حَظًّا مِنَ الرَّاحَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الْعَسِّ (١) فِي اللَّيْلِ.
لَكِنَّ النَّوْمَ نَفَرَ عَنْ عَيْنَيِ الْخَلِيفَةِ، لِأَنَّ الْبَرِيدَ حَمَلَ إِلَيْهِ: أَنَّ جُيُوشَ الْفُرْسِ الْمُنْهَزِمَةَ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ كُلَّمَا أَوْشَكَ جُنْدُهُ عَلَى أَنْ يُجْهِزُوا (٢) عَلَيْهَا يَأْتِيهَا الْمَدَدُ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ، فَلَا تَلْبَثُ أَنْ تَسْتَعِيدَ قُوَّتَهَا وَتَسْتَأْنِفَ الْقِتَالَ.
وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَدِينَةَ "الْأُبُلَّةِ" (٣) تُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ الْمَصَادِرِ الَّتِي تُمِدُّ جُيُوشَ الْفُرْسِ الْمُنْهَزِمَةَ بِالْمَالِ وَالرِّجَالِ.
فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ جَيْشًا لِفَتْح "الأُبُلَّةِ"، وَقَطْعِ إِمْدَادَاتِهَا عَنِ الْفُرْسِ، لَكِنَّهُ اصْطَدَمَ بِقِلَّةِ الرِّجَالِ عِنْدَهُ.
ذَلِكَ لِأَنَّ شُبَّانَ الْمُسْلِمِينَ وَكُهُولَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ قَدْ خَرَجُوا يَضْرِبُونَ فِي فِجَاجِ (٤) الْأَرْضِ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَدَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا النَّزْرُ (٥) الْقَلِيلُ.
فَعَمَدَ إِلَى طَرِيقَتِهِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا … стр. 385
وَهِيَ التَّعْوِيضُ عَنْ قِلَّةِ الْجُنْدِ بِقُوَّةِ الْقَائِدِ …
فَنَثَرَ كِنَانَة (١) رِجَالِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَخَذَ يَعْجِمُ عِيدَانَهُمْ (٢) وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ فَمَا لَبِثَ أَنْ هَتَفَ: وَجَدْتُهُ … نَعَمْ وَجَدْتُهُ …
ثُمَّ مَضَى إِلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
إِنَّهُ مُجَاهِدٌ عَرَفَتْهُ بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، وَالْخَنْدَقُ وَأَخَوَاتُهَا …
وَشَهِدَتْ لَهُ "الْيَمَامَةُ" وَمَوَاقِفُهَا …
فَمَا نَبَا (٣) لَهُ سَيْفٌ، وَلَا أَخْطَأَتْ لَهُ رَمْيَةٌ …
ثُمَّ إِنَّهُ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ (٤)، وَكَانَ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَسْلَمُوا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ …
وَلَمَّا أَصْبَحَ الصُّبْحُ، قَالَ: ادْعُوا لِي عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ.
وَعَقَدَ لَهُ الرَّايَةَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ (٥) عَشَرَ رَجُلًا …
وَوَعَدَهُ بِأَنْ يُمِدَّهُ تِبَاعًا بِمَا يَتَوَافَرُ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ.
* * *
وَلَمَّا عَزَمَ الْجَيْشُ الصَّغِيرُ عَلَى الرَّحِيلِ؛ وَقَفَ الْفَارُوقُ يُوَدِّعُ قَائِدَهُ عُتْبَةَ وَيُوصِيهِ فَقَالَ لَهُ: يَا عُتْبَةُ إِنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى أَرْضِ "الْأُبُلَّةِ"، وَهِيَ حِصْنٌ مِنْ حُصُونِ الْأَعْدَاءِ فَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ يُعِينَكَ عَلَيْهَا.
فَإِذَا نَزَلْتَ بِهَا فَادْعُ قَوْمَهَا إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ أَجَابَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى فَخُذْ مِنْهُ الْجِزْيَةَ (٦) عَنْ صَغَارِ وَذِلَّةٍ … стр. 386
وَإِلَّا فَضَعْ فِي رِقَابِهِمُ السَّيْفَ (١) فِي غَيْرِ هَوَادَةٍ …
وَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُتْبَةُ فِيمَا وُلِّيتَ عَلَيْهِ …
وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ (٢) نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ يُفْسِدُ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَعَزَّكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقَوَّاكَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا، وَقَائِدًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ … فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ إِذَا هِيَ لَمْ تُبْطِرْكَ (٣) وَتَخْدَعْكَ وَتَهْوِ بِكَ إِلَى جَهَنَّمَ أَعَاذَكَ اللَّهُ وَأَعَاذَنِي مِنْهَا.
* * *
مَضَى عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بِرِجَالِهِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ أُخْرَيَاتٌ مِنْ زَوْجَاتِ الْجُنْدِ وَأَخَوَاتِهِمْ، حَتَّى نَزَلُوا فِي أَرْضِ قَصْبَاءَ (٤) لَا تَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ مَدِينَةِ "الْأُبْلَّةِ".
وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ شَيْءٌ يَأْكُلُونَهُ …
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْجُوعُ قَالَ عُتْبَةُ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ: الْتَمِسُوا (٥) لَنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ شَيْئًا نَأْكُلُهُ.
فَقَامُوا يَبْحَثُونَ عَمَّا يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ، فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الطَّعَامِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أَحَدُهُمْ فَقَالَ:
بَيْنَمَا كُنَا نَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ نَأْكُلُهُ؛ دَخَلْنَا أَجَمَةً (٦) فَإِذَا فِيهَا زِنْبِيلَانِ (٧) فِي أَحَدِهِمَا تَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ حَبٌّ أَبْيَضُ صَغِيرٌ مُغَطًّى بِقِشْرٍ أَصْفَرَ، فَجَذَبْنَاهُمَا حَتَّى أَدْنَيْنَاهُمَا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَنَظَرَ أَحَدُنَا إِلَى الزِّنْبِيلِ الَّذِي فِيهِ الْحَبُّ وَقَالَ: стр. 387
هَذَا سُمٌّ أَعَدَّهُ لَكُمُ الْعَدُوُّ، فَلَا تَقْرَبُنَّهُ.
فَمِلْنَا إِلَى التَّمْرِ، وَجَعَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ …
وَفِيمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بِفَرَسٍ قَدْ قَطَعَ قِيَادَهُ (١)، وَأَقْبَلَ عَلَى زِنْبِيلِ الْحَبِّ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِأَنْ نَذْبَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ لِنَنْتَفِعَ بِلَحْمِهِ.
فَقَامَ إِلَيْنَا صَاحِبُهُ وَقَالَ: دَعُوهُ، وَسَأَحْرُسُهُ اللَّيْلَةَ فَإِنْ أَحْسَسْتُ بِمَوْتِهِ ذَبَحْتُهُ … فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَجَدْنَا الْفَرَسَ مُعَافًى لَا ضَرَرَ فِيهِ.
فَقَالَتْ أُخْتِي:
يَا أَخِي، إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِنَّ السُّمَّ لَا يَضُرُّ إِذَا وُضِعَ عَلَى النَّارِ وَأُنْضِجَ.
ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنَ الْحَبِّ وَوَضَعَتْهُ فِي الْقِدْرِ، وَأَوْقَدَتْ تَحْتَهُ.
ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ قَالَتْ: تَعَالَوْا انْظُرُوا كَيْفَ احْمَرَّ لَوْنُهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَشَقَّقُ عَنْهُ قِشْرُهُ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ حُبُوبُهُ الْبِيضُ.
فَأَلْقَيْنَاهُ فِي الْجَفْنَةِ (٢) لِنَأْكُلَهُ، فَقَالَ لَنَا عُتْبَةُ:
اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ … فَأَكَلْنَاهُ فَإِذَا هُوَ غَايَةٌ فِي الطِّيبِ.
ثُمَّ عَرَفْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ الْأَرْزُّ.
* * *
كَانَتِ "الْأُبْلَّةُ" الَّتِي اتَّجَهَ إِلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بِجَيْشِهِ الصَّغِيرِ مَدِينَةً حَصِينَةً قَائِمَةً عَلَى شَاطِئِ "دِجْلَةَ" (٣) …
وَكَانَ الْفُرْسُ قَدِ اتَّخَذُوهَا مَخَازِنَ لِأَسْلِحَتِهِمْ. стр. 388
وَجَعَلُوا مِنْ أَبْرَاجِ حُصُونِهَا مَرَاصِدَ (١) لِمُرَاقَبَةِ أَعْدَائِهِمْ.
لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ عُتْبَةَ مِنْ غَزْوِهَا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِلَّةِ رِجَالِهِ وَضَآلَةِ سِلَاحِهِ … إِذْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ غَيْرُ سِتِّمِائَةِ مُقَاتِلٍ تَصْحَبُهُمْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ النِّسَاءِ.
وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ السِّلَاحِ غَيْرُ السُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ.
فَكَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَكَاءَهُ.
* * *
أَعَدَّ عُتْبَةُ لِلنِّسْوَةِ رَايَاتٍ رَفَعَهَا عَلَى أَعْوَادِ الرِّمَاحِ …
وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَمْشِينَ بِهَا خَلْفَ الْجَيْشِ، وَقَالَ لَهُنَّ:
إِذَا نَحْنُ اقْتَرَبْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَثِرْنَ التُّرَابَ وَرَاءَنَا حَتَّى تَمْلأْنَ بِهِ الْجَوَّ.
فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ "الْأُبُلَّةِ" خَرَجَ إِلَيْهِمْ جُنْدُ الْفُرْسِ، فَرَأَوْا إِقْدَامَهُمْ عَلَيْهِمْ.
وَنَظَرُوا إِلَى الرَّايَاتِ الَّتِي تَخْفِقُ وَرَاءَهُمْ.
وَوَجَدُوا الْغُبَارَ يَمْلأُ الْجَوَّ خَلْفَهُمْ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُمْ طَلِيعَةُ (٢) الْعَسْكَرِ، وَإِنَّ وَرَاءَهُمْ جَيْشًا: جَرَّارًا (٣) يُثِيرُ الْغُبَارَ، وَنَحْنُ قِلَةٌ …
ثُمَّ دَبَّ فِي قُلُوبِهِمُ الذُّعْرُ، وَسَيْطَرَ عَلَيْهِمُ الْجَزَعُ، فَطَفِقُوا يَحْمِلُونَ مَا خَفَّ وَزْنُهُ وَغَلَا ثَمَنُهُ، وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى رُكُوبِ السُّفُنِ الرَّاسِيَةِ فِي "دِجْلَةَ" وَيُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ (٤). стр. 389
فَدَخَلَ عُتْبَةُ "الْأُبُلَّةَ" دُونَ أَنْ يَفْقِدَ أَحَدًا مِنْ رِجَالِهِ …
ثُمَّ فَتَحَ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْمُدُنِ وَالْقُرَى.
وَغَنِمَ مِنْ ذَلِكَ غَنَائِمَ عَزَّتْ عَلَى الْحَصْرِ (١)، وَفَاقَتْ كُلَّ تَقْدِيرٍ؛ حَتَّى إِنَّ أَحَدَ رِجَالِهِ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ النَّاسُ:
كَيْفَ الْمُسْلِمُونَ فِي "الأُبُلَّةِ"؟
فَقَالَ: عَمَّ تَتَسَاءَلُونَ؟! …
وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُهُمْ وَهُمْ يَكْتَالُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اكْتِيَالًا … فَأَخَذَ النَّاسُ يَشُدُّونَ إِلَى "الْأُبُلَّةِ" الرِّحَالَ (٢).
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ رَأَى عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ أَنَّ إِقَامَةَ جُنُودِهِ فِي الْمُدُنِ الْمَفْتُوحَةِ سَوْفَ تُعَوِّدُهُمْ عَلَى لِينِ الْعَيشِ، وَتُخَلِّقُهُمْ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَتَفُلُّ (٣) مِنْ حِدَّةِ عَزَائِمِهِمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ؛ فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي بِنَاءِ "الْبَصْرَةِ" (٤) وَوَصَفَ لَهُ الْمَكَانَ الَّذِي اخْتَارَهُ لَهَا فَأَذِنَ لَهُ.
* * *
اخْتَطَّ (٥) عُتْبَةُ الْمَدِينَةَ الْجَدِيدَةَ …
وَكَانَ أَوَّلَ مَا بَنَاهُ مَسْجِدُهَا الْعَظِيمُ …
وَلَا عَجَبَ …
فَمِنْ أَجْلِ الْمَسْجِدِ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ …
وَبِالْمَسْجِدِ انْتَصَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ … стр. 390
ثُمَّ تَسَابَقَ الْجُنْدُ عَلَى اقْتِطَاعِ (١) الْأَرْضِ وَبَنَاءِ الْبُيُوتِ …
لَكِنَّ عُتْبَةَ لَمْ يَبْنِ لِنَفْسِهِ بَيْتًا، وَإِنَّمَا ظَلَّ يَسْكُنُ خَيْمَةً مِنَ الْأَكْسِيَةِ (٢) … ذلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ أَمْرًا …
* * *
فَلَقَدْ رَأَى عُتْبَةُ أَنَّ الدُّنْيَا أَقْبَلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي "الْبَصْرَةِ" إِقْبَالًا يُذْهِلُ الْمَرْءَ عَنْ نَفْسِهِ …
وَأَنَّ رِجَالَهُ الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ قَلِيلٍ لَا يَعْرِفُونَ طَعَامًا أَطْيَبَ مِنَ الْأَرُزِّ الْمَسْلُوقِ بِقِشْرِهِ قَدْ تَذَوَّقُوا مَآكِلَ الْفُرْسِ مِنَ الْفَالُوذَجِ (٣) وَاللَّوْزِينَجِ (٤) وَغَيْرِهِمَا وَاسْتَطَابُوهَا.
فَخَشِيَ عَلَى دِينِهِ مِنْ دُنْيَاهُ …
وَأَشْفَقَ عَلَى الْآجِلَةِ مِنَ الْعَاجِلَةِ (٥) …
فَجَمَعَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ "الْكُوفَةِ" وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ (٦) بِالانْقِضَاءِ، وَأَنْتُمْ مُنْتَقِلُونَ عَنْهَا إِلَى دَارٍ لا زَوَالَ فِيهَا، فَانْتَقِلُوا إِلَيْهَا بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ …
وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ (٧) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا لَنَا طَعَامٌ غَيْرُ وَرَقِ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ مِنْهُ أَشْدَاقْنَا (٨) … следующие страницы →