Полный текст (979 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَإِلَّا فَضَعْ فِي رِقَابِهِمُ السَّيْفَ (١) فِي غَيْرِ هَوَادَةٍ …
وَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُتْبَةُ فِيمَا وُلِّيتَ عَلَيْهِ …
وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ (٢) نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ يُفْسِدُ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَعَزَّكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقَوَّاكَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا، وَقَائِدًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ … فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ إِذَا هِيَ لَمْ تُبْطِرْكَ (٣) وَتَخْدَعْكَ وَتَهْوِ بِكَ إِلَى جَهَنَّمَ أَعَاذَكَ اللَّهُ وَأَعَاذَنِي مِنْهَا.
* * *
مَضَى عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بِرِجَالِهِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ أُخْرَيَاتٌ مِنْ زَوْجَاتِ الْجُنْدِ وَأَخَوَاتِهِمْ، حَتَّى نَزَلُوا فِي أَرْضِ قَصْبَاءَ (٤) لَا تَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ مَدِينَةِ "الْأُبْلَّةِ".
وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ شَيْءٌ يَأْكُلُونَهُ …
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْجُوعُ قَالَ عُتْبَةُ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ: الْتَمِسُوا (٥) لَنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ شَيْئًا نَأْكُلُهُ.
فَقَامُوا يَبْحَثُونَ عَمَّا يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ، فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الطَّعَامِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أَحَدُهُمْ فَقَالَ:
بَيْنَمَا كُنَا نَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ نَأْكُلُهُ؛ دَخَلْنَا أَجَمَةً (٦) فَإِذَا فِيهَا زِنْبِيلَانِ (٧) فِي أَحَدِهِمَا تَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ حَبٌّ أَبْيَضُ صَغِيرٌ مُغَطًّى بِقِشْرٍ أَصْفَرَ، فَجَذَبْنَاهُمَا حَتَّى أَدْنَيْنَاهُمَا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَنَظَرَ أَحَدُنَا إِلَى الزِّنْبِيلِ الَّذِي فِيهِ الْحَبُّ وَقَالَ: стр. 387
هَذَا سُمٌّ أَعَدَّهُ لَكُمُ الْعَدُوُّ، فَلَا تَقْرَبُنَّهُ.
فَمِلْنَا إِلَى التَّمْرِ، وَجَعَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهُ …
وَفِيمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بِفَرَسٍ قَدْ قَطَعَ قِيَادَهُ (١)، وَأَقْبَلَ عَلَى زِنْبِيلِ الْحَبِّ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِأَنْ نَذْبَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ لِنَنْتَفِعَ بِلَحْمِهِ.
فَقَامَ إِلَيْنَا صَاحِبُهُ وَقَالَ: دَعُوهُ، وَسَأَحْرُسُهُ اللَّيْلَةَ فَإِنْ أَحْسَسْتُ بِمَوْتِهِ ذَبَحْتُهُ … فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَجَدْنَا الْفَرَسَ مُعَافًى لَا ضَرَرَ فِيهِ.
فَقَالَتْ أُخْتِي:
يَا أَخِي، إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِنَّ السُّمَّ لَا يَضُرُّ إِذَا وُضِعَ عَلَى النَّارِ وَأُنْضِجَ.
ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنَ الْحَبِّ وَوَضَعَتْهُ فِي الْقِدْرِ، وَأَوْقَدَتْ تَحْتَهُ.
ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ قَالَتْ: تَعَالَوْا انْظُرُوا كَيْفَ احْمَرَّ لَوْنُهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَشَقَّقُ عَنْهُ قِشْرُهُ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ حُبُوبُهُ الْبِيضُ.
فَأَلْقَيْنَاهُ فِي الْجَفْنَةِ (٢) لِنَأْكُلَهُ، فَقَالَ لَنَا عُتْبَةُ:
اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ … فَأَكَلْنَاهُ فَإِذَا هُوَ غَايَةٌ فِي الطِّيبِ.
ثُمَّ عَرَفْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ الْأَرْزُّ.
* * *
كَانَتِ "الْأُبْلَّةُ" الَّتِي اتَّجَهَ إِلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بِجَيْشِهِ الصَّغِيرِ مَدِينَةً حَصِينَةً قَائِمَةً عَلَى شَاطِئِ "دِجْلَةَ" (٣) …
وَكَانَ الْفُرْسُ قَدِ اتَّخَذُوهَا مَخَازِنَ لِأَسْلِحَتِهِمْ. стр. 388
وَجَعَلُوا مِنْ أَبْرَاجِ حُصُونِهَا مَرَاصِدَ (١) لِمُرَاقَبَةِ أَعْدَائِهِمْ.
لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ عُتْبَةَ مِنْ غَزْوِهَا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِلَّةِ رِجَالِهِ وَضَآلَةِ سِلَاحِهِ … إِذْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ غَيْرُ سِتِّمِائَةِ مُقَاتِلٍ تَصْحَبُهُمْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ النِّسَاءِ.
وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ السِّلَاحِ غَيْرُ السُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ.
فَكَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَكَاءَهُ.
* * *
أَعَدَّ عُتْبَةُ لِلنِّسْوَةِ رَايَاتٍ رَفَعَهَا عَلَى أَعْوَادِ الرِّمَاحِ …
وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَمْشِينَ بِهَا خَلْفَ الْجَيْشِ، وَقَالَ لَهُنَّ:
إِذَا نَحْنُ اقْتَرَبْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَثِرْنَ التُّرَابَ وَرَاءَنَا حَتَّى تَمْلأْنَ بِهِ الْجَوَّ.
فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ "الْأُبُلَّةِ" خَرَجَ إِلَيْهِمْ جُنْدُ الْفُرْسِ، فَرَأَوْا إِقْدَامَهُمْ عَلَيْهِمْ.
وَنَظَرُوا إِلَى الرَّايَاتِ الَّتِي تَخْفِقُ وَرَاءَهُمْ.
وَوَجَدُوا الْغُبَارَ يَمْلأُ الْجَوَّ خَلْفَهُمْ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُمْ طَلِيعَةُ (٢) الْعَسْكَرِ، وَإِنَّ وَرَاءَهُمْ جَيْشًا: جَرَّارًا (٣) يُثِيرُ الْغُبَارَ، وَنَحْنُ قِلَةٌ …
ثُمَّ دَبَّ فِي قُلُوبِهِمُ الذُّعْرُ، وَسَيْطَرَ عَلَيْهِمُ الْجَزَعُ، فَطَفِقُوا يَحْمِلُونَ مَا خَفَّ وَزْنُهُ وَغَلَا ثَمَنُهُ، وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى رُكُوبِ السُّفُنِ الرَّاسِيَةِ فِي "دِجْلَةَ" وَيُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ (٤). стр. 389
فَدَخَلَ عُتْبَةُ "الْأُبُلَّةَ" دُونَ أَنْ يَفْقِدَ أَحَدًا مِنْ رِجَالِهِ …
ثُمَّ فَتَحَ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْمُدُنِ وَالْقُرَى.
وَغَنِمَ مِنْ ذَلِكَ غَنَائِمَ عَزَّتْ عَلَى الْحَصْرِ (١)، وَفَاقَتْ كُلَّ تَقْدِيرٍ؛ حَتَّى إِنَّ أَحَدَ رِجَالِهِ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ النَّاسُ:
كَيْفَ الْمُسْلِمُونَ فِي "الأُبُلَّةِ"؟
فَقَالَ: عَمَّ تَتَسَاءَلُونَ؟! …
وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُهُمْ وَهُمْ يَكْتَالُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اكْتِيَالًا … فَأَخَذَ النَّاسُ يَشُدُّونَ إِلَى "الْأُبُلَّةِ" الرِّحَالَ (٢).
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ رَأَى عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ أَنَّ إِقَامَةَ جُنُودِهِ فِي الْمُدُنِ الْمَفْتُوحَةِ سَوْفَ تُعَوِّدُهُمْ عَلَى لِينِ الْعَيشِ، وَتُخَلِّقُهُمْ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَتَفُلُّ (٣) مِنْ حِدَّةِ عَزَائِمِهِمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ؛ فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي بِنَاءِ "الْبَصْرَةِ" (٤) وَوَصَفَ لَهُ الْمَكَانَ الَّذِي اخْتَارَهُ لَهَا فَأَذِنَ لَهُ.
* * *
اخْتَطَّ (٥) عُتْبَةُ الْمَدِينَةَ الْجَدِيدَةَ …
وَكَانَ أَوَّلَ مَا بَنَاهُ مَسْجِدُهَا الْعَظِيمُ …
وَلَا عَجَبَ …
فَمِنْ أَجْلِ الْمَسْجِدِ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ …
وَبِالْمَسْجِدِ انْتَصَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ … стр. 390
ثُمَّ تَسَابَقَ الْجُنْدُ عَلَى اقْتِطَاعِ (١) الْأَرْضِ وَبَنَاءِ الْبُيُوتِ …
لَكِنَّ عُتْبَةَ لَمْ يَبْنِ لِنَفْسِهِ بَيْتًا، وَإِنَّمَا ظَلَّ يَسْكُنُ خَيْمَةً مِنَ الْأَكْسِيَةِ (٢) … ذلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ أَمْرًا …
* * *
فَلَقَدْ رَأَى عُتْبَةُ أَنَّ الدُّنْيَا أَقْبَلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي "الْبَصْرَةِ" إِقْبَالًا يُذْهِلُ الْمَرْءَ عَنْ نَفْسِهِ …
وَأَنَّ رِجَالَهُ الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ قَلِيلٍ لَا يَعْرِفُونَ طَعَامًا أَطْيَبَ مِنَ الْأَرُزِّ الْمَسْلُوقِ بِقِشْرِهِ قَدْ تَذَوَّقُوا مَآكِلَ الْفُرْسِ مِنَ الْفَالُوذَجِ (٣) وَاللَّوْزِينَجِ (٤) وَغَيْرِهِمَا وَاسْتَطَابُوهَا.
فَخَشِيَ عَلَى دِينِهِ مِنْ دُنْيَاهُ …
وَأَشْفَقَ عَلَى الْآجِلَةِ مِنَ الْعَاجِلَةِ (٥) …
فَجَمَعَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ "الْكُوفَةِ" وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ (٦) بِالانْقِضَاءِ، وَأَنْتُمْ مُنْتَقِلُونَ عَنْهَا إِلَى دَارٍ لا زَوَالَ فِيهَا، فَانْتَقِلُوا إِلَيْهَا بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ …
وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ (٧) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا لَنَا طَعَامٌ غَيْرُ وَرَقِ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ مِنْهُ أَشْدَاقْنَا (٨) … стр. 391
وَلَقَدِ الْتَقَطْتُ (١) بُرْدَةً - ذَاتَ يَوْمٍ - فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٢) فَاتَّزَرْتُ (٣) بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا الْآخَرِ.
فَإِذَا نَحْنُ الْيَوْمَ لَمْ يَبْقَ مِنَّا وَاحَدٌ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ …
وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ عَظِيمًا عِنْدَ نَفْسِي صَغِيرًا عِنْدَ اللَّهِ …
ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَوَدَّعَهُمْ وَمَضَى إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الْفَارُوقِ اسْتَعْفَاهُ (٤) مِنَ الْوِلَايَةِ فَلَمْ يُعْفِهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَأَصَرَّ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَأَمَرَهُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى "الْبَصْرَةِ" … فَأَذْعَنَ (٥) لِأَمْرِ عُمَرَ كَارِهًا، وَرَكِبَ نَاقَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إِلَيْهَا … اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إِلَيْهَا …
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ إِذْ لَمْ يَبْعُدْ عَنِ الْمَدِينَةِ كَثِيرًا حَتَّى عَثَرَتْ نَاقَتُهُ، فَخَرَّ عَنْهَا صَرِيعًا … وَفَارَقَ الْحَيَاةَ (*) … стр. 392
نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ
"نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ رَجُلٌ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ"
نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فَتًى يَقِظُ الْفُؤَادِ أَلْمَعِيُّ الذَّكَاءِ خَرَّاجٌ وَلَّاجٌ (١)، لَا تَعُوقُهُ مُعْضِلَةٌ، وَلَا تُعْجِزُهُ مُشْكِلَةٌ.
يُمَثِّلُ ابْنَ الصَّحْرَاءِ بِكُلِّ مَا حَبَاهُ (٢) اللَّهُ مِنْ صِحَّةِ الْحَدْسِ (٣) وَسُرْعَةِ الْبَدِيهَةِ وَشِدَّةِ الدَّهَاءِ … وَلَكِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ صَبْوَةٍ (٤)، وَخَدِينَ (٥) مُتْعَةٍ كَانَ يَنْشُدُهُمَا أَكْثَرَ مَا يَنْشُدُهُمَا عِنْدَ يَهُودِ "يَثْرِبَ".
فَكَانَ كُلَّمَا تَاقَتْ نَفْسُهُ لِقَيْنَةٍ (٦)، أَوْ هَفَا سَمْعُهُ لِوَتَرٍ شَدَّ رِحَالَهُ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِهِ فِي "نَجْدٍ"، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَدِينَةِ حَيْثُ يَبْذُلُ الْمَالَ لِيَهُودِهَا بِسَخَاءٍ لِيَبْذُلُوا لَهُ الْمِتْعَةَ بِسَخَاءٍ أَكْثَرَ …
وَمِنْ هُنَا فَقَدْ كَانَ نُعَيْمٌ كَثِيرَ التَّرَدُّدِ عَلَى "يَثْرِبَ"، وَثِيقَ الصِّلَةِ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْيَهُودِ، وَخَاصَّةً بَنِي "قُرَيْظَةَ".
* * *
وَلَمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ الْإِنْسَانِيَّةَ بِإِرْسَالِ رَسُولِهِ ﷺ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَسَطَعَتْ شِعَابُ مَكَّةَ بِنُورِ الْإِسْلَامِ؛ كَانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ مَا يَزَالُ مُرْخِيًا لِلنَّفْسِ عِنَانَهَا (٧) … стр. 393
فَأَعْرَضَ عَنِ الدِّينِ الْجَدِيدِ أَشَدَّ الْإِعْرَاضِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحُولَ دُونَهُ وَدُونَ مُتَعِهِ وَلَذَّاتِهِ.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ مَسُوقًا إِلَى الانْضِمَامِ إِلَى خُصُومِ الْإِسْلَامِ الْأَلِدَّاءِ، مَدْفُوعًا دَفْعًا إِلَى إِشْهَارِ السَّيْفِ فِي وَجْهِهِ.
* * *
لَكِنَّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ فَتَحَ لِنَفْسِهِ يَوْمَ غَزْوَةِ "الْأَحْزَابِ" (١) صَفْحَةً جَدِيدَةً فِي تَارِيخ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَخَطَّ فِي هَذِهِ الصَّفْحَةِ قِصَّةً مِنْ رَوَائِعِ قِصَصِ مَكَايِدِ الْحُرُوبِ … قِصَّةً مَا يَزَالُ يَرْوِيهَا التَّارِيخُ بِكَثِيرٍ مِنَ الانْبِهَارِ (٢) بِفُصُولِهَا الْمُحْكَمَةِ، وَالْإِعْجَابِ بِبَطَلِهَا الْأَرِيبِ اللَّبِيبِ (٣).
* * *
وَلِتَقِفَ عَلَى قِصَّةِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ لَا بُدَّ لَكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَرَاءِ قَلِيلًا.
فَقُبَيْلَ غَزْوَةِ "الأَحْزَابِ" بِقَلِيلٍ هَبَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي "النُّضَيْرِ" فِي "يَثْرِبَ"، وَطَفِقَ زُعَمَاؤُهُمْ يُحَزِّبُونَ الأَحْزَابَ (٤) لِحَرْبِ الرَّسُولِ ﵊ وَالْقَضَاءِ عَلَى دِينِهِ … فَقَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَكَّةَ، وَحَرَّضُوهُمْ (٥) عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَاهَدُوهُمْ عَلَى الانْضِمَامِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مَوْعِدًا لَا يُخْلِفُونَهُ.
ثُمَّ تَرَكُوهُمْ وَانْطَلَقُوا إِلَى "غَطَفَانَ" فِي "نَجْدٍ" فَأَثَارُوهُمْ ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَنَبِيَّهِ ﷺ ، وَدَعَوْهُمْ إِلَى اسْتِئْصَالِ (٦) الدِّينِ الْجَدِيدِ مِنْ جُذُورِهِ، وَأَسَرُّوا إِلَيْهِمْ стр. 394
بِمَا تَمَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، وَعَاهَدُوهُمْ عَلَى مَا عَاهَدُوهَا عَلَيْهِ، وَآذَنُوهُمْ (١) بِالْمَوْعِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
* * *
خَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا (٢)، وَخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا (٣) بِقِيَادَةِ زَعِيمِهَا أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مُتَّجِهَةً شَطْرَ الْمَدِينَةِ.
كَمَا خَرَجَتْ "غَطَفَانُ" مِنْ "نَجْدٍ" بِعُدَّتِهَا وَعَدِيدِهَا بِقِيَادَةِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْغَطَفَانِي (٤).
وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ رِجَالِ "غَطَفَانَ" بَطَلُ قِصَّتِنَا نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ …
فَلَمَّا بَلَغَ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ نَبَأُ خُرُوجِهِمْ، جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَشَاوَرَهُمْ فِي الأمْرِ، فَقَرَّ قَرَارُهُمْ عَلَى أَنْ يَحْفِرُوا خَنْدَقًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَصُدُّوا عَنْهَا هَذَا الزَّحْفَ الْكَبِيرَ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَهَا بِهِ، وَلِيَقِفَ الْخَنْدَقُ فِي وَجْهِ الْجَيْشِ الْكَثِيفِ الْغَازِي.
* * *
مَا كَادَ الْجَيْشَانِ الزَّاحِفَانِ مِنْ مَكَّةَ وَنَجْدٍ يَقْتَرِبَانِ مِنْ مَشَارِفِ (٥) الْمَدِينَةِ حَتَّى مَضَى زُعَمَاءُ يَهُودِ بَنِي "النُّضَيْرِ" إِلَى زُعَمَاءِ يَهُودِ بَنِي "قُرَيْظَةَ" الْقَاطِنِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَجَعَلُوا يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الدُّخُولِ فِي حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَحُضُونَهُمْ عَلَى مُؤَازَرَةِ الْجَيْشَيْنِ الْقَادِمَيْنِ مِنْ مَكَّةَ وَنَجْدٍ.
فَقَالَ لَهُمْ زُعَمَاءُ بَنِي "قُرَيْظَةَ": стр. 395
لَقَدْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا نُحِبُّ وَنَبْغِي، وَلَكِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ مِيثَاقًا عَلَى أَنْ نُسَالِمَهُ وَنَوَادِعَهُ لِقَاءَ أَنْ نَعِيشَ فِي الْمَدِينَةِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، وَأَنْتُمْ تَدْرُونَ أَنَّ مِدَادَ (١) مِيثَاقِنَا مَعَهُ لَمْ يَجِفَّ بَعْدُ …
وَنَحْنُ نَخْشَى إِذَا انْتَصَرَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ أَنْ يَبْطِشَ بِنَا بَطْشَةً جَبَّارَةً، وَأَنْ يَسْتَأْصِلَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتِئْصَالًا جَزَاءَ غَدْرِنَا بِهِ …
لَكِنَّ زُعَمَاءَ بَنِي "النُّضَيْرِ" مَا زَالُوا يُغْرُونَهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَيُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْغَدْرَ بِمُحَمَّدٍ، وَيُؤَكِّدُونَ لَهُمْ بِأَنَّ الدَّائِرَة (٢) سَتَدُورُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ لَا مَحَالَة (٣) … وَيَشُدُّونَ عَزْمَهُمْ بِقُدُومِ الْجَيْشَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ.
فَمَا لَبِثَ يَهُودُ بَنِي "قُرَيْظَةَ" أَنْ لَانُوا لَهُمْ وَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ مَعَ الرَّسُولِ صلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَمَزَّقُوا الصَّحِيفَةَ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ … وَأَعْلَنُوا انْضِمَامَهُمْ إِلَى الْأَحْزَابِ فِي حَرْبِهِ … فَوَقَعَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ …
* * *
حَاصَرَتْ جُيُوشُ الْأَحْزَابِ الْمَدِينَةَ، وَقَطَعَتْ عَنْ أَهْلِهَا الْمِيرَة (٤) وَالْقُوتَ؛ فَعَظُمَ الْكَرْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدَّ.
وَشَعَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَ فَكَّيِ الْعَدُوِّ …
فَقُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ مُعَسْكِرُونَ قُبَالَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَارِجِ الْمَدِينَةِ …
وَبَنُو "قُرَيْظَةَ" مُتَرَبِّصُونَ مُتَأَهِّبُونَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَاخِلَ الْمَدِينَةِ …
ثُمَّ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَخَذُوا يَكْشِفُونَ عَنْ مُخَبَّآتِ نُفُوسِهِمْ وَيَقُولُونَ: стр. 396
كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا بِأَنْ نَمْلِكَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ الْوَاحِدُ مِنَّا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ الْخَلَاءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ!!.
ثُمَّ طَفِقُوا يَنْفَضُّونَ (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةً إِثْرَ جَمَاعَةٍ بِحُجَّةِ الْخَوْفِ عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ هَجْمَةٍ يَشُنُّهَا عَلَيْهِمْ بَنُو "قُرَيْظَةَ" إِذَا نَشِبَ الْقِتَالُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ سِوَى بِضْعِ (٢) مِئَاتٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ.
وَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْحِصَارِ الَّذِي دَامَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا لَجَأَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى رَبِّهِ، وَجَعَلَ يَدْعُوهُ دُعَاءَ الْمُضْطَرِّ (٣)، وَيُكَرِّرُ فِي دُعَائِهِ قَوْلَهُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ (٤) عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ … اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ … ).
* * *
كَانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَتَقَلَّبُ عَلَى مِهَادِهِ (٥) أَرِقًا كَأَنَّمَا سُمِّرَ (٦) جَفْنَاهُ فَمَا يَنْطَبِقَانِ لِنَوْمٍ، فَجَعَلَ يَسْرَحُ بِبَصَرِهِ وَرَاءَ النُّجُومِ السَّابِحَةِ عَلَى صَفْحَةِ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ … وَيُطِيلُ التَّفْكِيرَ … وَفَجْأَةً وَجَدَ نَفْسَهُ تُسَائِلُهُ قائِلَةً: وَيْحَكَ يَا نُعَيْمُ!! …
مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ فِي "نَجْدٍ" لِحَرْبِ هَذَا الرَّجُلِ وَمَنْ مَعَهُ؟!! …
إِنَّكَ لَا تُحَارِبُهُ انْتِصَارًا لِحَقِّ مَسْلُوبٍ، أَوْ حَمِيَّةً لِعِرْضٍ مَغْصُوبٍ، وَإِنَّمَا جِئْتَ تُحَارِبُهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ مَعْرُوفٍ … стр. 397
أَيَلِيقُ بِرَجُلٍ لَهُ عَقْلٌ مِثْلُ عَقْلِكَ أَنْ يُقَاتِلَ فَيَقْتُلَ، أَوْ يُقْتَلَ لِغَيْرِ سَبَبٍ؟!!.
وَيْحَكَ يَا نُعَيْمُ!! …
مَا الَّذِي يَجْعَلُكَ تُشْهِرُ سَيْفَكَ فِي وَجْهِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَأْمُرُ أَتْبَاعَهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى؟!! …
وَمَا الَّذِي يَحْمِلُكَ عَلَى أَنْ تَغْمِسَ رُمْحَكَ فِي دِمَاءِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ؟!!
وَلَمْ يَحْسِمْ هَذَا الْحِوَارَ الْعَنِيفَ بَيْنَ نُعَيْمٍ وَنَفْسِهِ إِلَّا الْقَرَارُ الْحَازِمُ الَّذِي نَهَضَ مِنْ تَوِّهِ (١) لِتَنْفِيذِهِ.
* * *
تَسَلَّلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ مُعَسْكَرِ قَوْمِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ، وَمَضَى يَحُثُّ الْخُطَا (٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ …
فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﵊ مَاثِلًا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ:
(نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ؟!).
قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: (مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟!!).
قَالَ: جِئْتُ لِأَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ … ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ:
لَقَدْ أَسْلَمْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي …
فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ.
فَقَالَ ﵊: стр. 398
(إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ … فَاذْهَبْ إِلَى قَوْمِكَ وَخَذِّلْ (١) عَنَّا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ) …
فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ …
وَسَتَرَى مَا يَسُرُّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
* * *
مَضَى نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ تَوِّهِ إِلَى بَنِي "قُرَيْظَةَ"، وَكَانَ لَهُمْ - مِنْ قَبْلُ - صَاحِبًا وَنَدِيمًا (٢) … وَقَالَ لَهُمْ:
يَا بَنِي "قُرَيْظَةَ"، لَقَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَصِدْقِي فِي نُصْحِكُمْ.
فَقَالُوا: نَعَمْ، فَمَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ …
فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ شَأْنٌ (٣) غَيْرُ شَأْنِكُمْ.
فَقَالُوا: وَكَيْفَ؟!.
فَقَالَ: أَنْتُمْ هَذَا الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، وَفِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، وَلَيْسَ بِوُسْعِكُمْ (٤) أَنْ تَهْجُرُوهُ إِلَى غَيْرِهِ …
أَمَّا قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ؛ فَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَلَدِ … وَقَدْ جَاءُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ، وَدَعَوْكُمْ لِنَقْضِ عَهْدِهِ وَمُنَاصَرَتِهِمْ عَلَيْهِ فَأَجَبْتُمُوهُمْ.
فَإِنْ أَصَابُوا نَجَاحًا فِي قِتَالِهِ اغْتَنَمُوهُ، وَإِنْ أَخْفَقُوا (٥) فِي قَهْرِهِ عَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ آمِنِينَ، وَتَرَكُوكُمْ لَهُ؛ فَيَنْتَقِمُ مِنْكُمْ شَرَّ انْتِقَامٍ …
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ لا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إِذَا خَلَا بِكُمْ … стр. 399
فَقَالُوا: صَدَقْتَ، فَمَا الرَّأْيُ عِنْدَكَ؟!.
فَقَالَ: الرَّأْيُ عِنْدِي أَلَّا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا طَائِفَةً مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَتَجْعَلُوهُمْ رَهَائِنَ عِنْدَكُمْ، وَبِذَلِكَ تَحْمِلُونَهُمْ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ مَعَكُمْ إِلَى أَنْ تَنْتَصِرُوا عَلَيْهِ، أَوْ يَفْنَى آخِرُ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ …
فَقَالُوا: أَشَرْتَ … وَنَصَحْتَ …
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَأَتَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ قَائِدَ قُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ، وَعَدَاوَتِي لِمُحَمَّدٍ …
وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ فَرَأَيْتُ حَقًّا عَلَى أَنْ أُفْضِيَ بِهِ (١) إِلَيْكُمْ؛ نُصْحًا لَكُمْ عَلَى أَنْ تَكْتُمُوهُ، وَلَا تُذِيعُوهُ عَنِّي …
فَقَالُوا: لَكَ عَلَيْنَا ذَلِكَ …
فَقَالَ: إِنَّ بَنِي "قُرَيْظَةَ" قَدْ نَدِمُوا عَلَى مُخَاصَمَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَقُولُونَ: إِنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا … وَعَزَمْنَا أَنْ نَعُودَ إِلَى مُعَاهَدَتِكَ وَمُسَالَمَتِكَ …
فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا كَثِيرًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَنُسْلِمَهُمْ إِلَيْكَ لِتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ …
ثُمَّ نَنْضَمَّ إِلَيْكَ فِي مُحَارَبَتِهِمْ حَتَّى تَقْضِيَ عَلَيْهِمْ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: نَعَمْ …
فَإِنْ بَعَثَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُ مِنْكُمْ رَهَائِنَ مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَحَدًا …
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نِعْمَ الْحَلِيفُ أَنْتَ … وَجُزِيتَ خَيْرًا … стр. 400
ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي سُفْيَانَ وَمَضَى حَتَّى أَتَى قَوْمَهُ غَطَفَانَ، فَحَدَّثَهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ بِهِ أَبَا سُفْيَانَ، وَحَذَّرَهُمْ مِمَّا حَذَّرَهُ مِنْهُ.
* * *
أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَحْتَبِرَ بَنِي "قُرَيْظَةَ" فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ فَقَالَ لَهُمْ:
إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ قَدْ طَالَ حِصَارُنَا لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى مَلِلْنَا …
وَإِنَّنَا قَدْ عَزَمْنَا عَلَى أَنْ تُقَاتِلَ مُحَمَّدًا وَنَفْرَغَ مِنْهُ … وَقَدْ بَعَثَنِي أَبِي إِلَيْكُمْ لِيَدْعُوكُمْ إِلَى مُنَازَلَتِهِ غَدًا.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ سَبْتٍ، وَنَحْنُ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّنَا لَا تُقَاتِلُ مَعَكُمْ حَتَّى تُعْطُونَا سَبْعِينَ مِنْ أَشْرَافِكُمْ وَأَشْرَافِ غَطَفَانَ لِيَكُونُوا رَهَائِنَ عِنْدَنَا.
فَإِنَّنَا نَخْشَى إِنِ اشْتَدَّ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَنْ تُسْرِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا لِمُحَمَّدٍ وَحْدَنَا … وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَنَا به …
فَلَمَّا عَادَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى قَوْمِهِ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ بَنِي "قُرَيْظَةَ" قَالُوا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ: خَسِئ أَبْنَاءُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ …
وَاللَّهِ لَوْ طَلَبُوا مِنَّا شَاةً رَهِينَةً مَا دَفَعْنَاهَا إِلَيْهِمْ …
* * *
نَجَحَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فِي تَمْزِيقِ صُفُوفِ الْأَحْزَابِ، وَتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ …
وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ وَأَحْلَافِهَا رِيحًا صَرْصَرًا عَاتِيَةً جَعَلَتْ تَقْتَلِعُ خِيَامَهُمْ، وَتَكْفَأُ (١) قُدُورَهُمْ، وَتُطْفِئُ نِيرَانَهُمْ، وَتَصْفَعُ وُجُوهَهُمْ، وَتَمْلَأُ عيونَهُمْ تُرَابًا … стр. 401
فَلَمْ يَجِدُوا مَفَرًّا مِنَ الرَّحِيلِ … فَرَحَلُوا تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ …
وَلَمَّا أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ؛ وَوَجَدُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ قَدْ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ جَعَلُوا يَهْتِفُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ عَبْدَهُ …
وَأَعَزَّ جُنْدَهُ …
وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ …
* * *
ظلَّ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْم مَوْضِعَ ثِقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَوَلِيَ لَهُ الْأَعْمَالَ، وَنَهَضَ لَهُ بِالْأَعْبَاءِ، وَحَمَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّايَاتِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْح مَكَّةَ، وَقَفَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَسْتَعْرِضُ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَرَأَى رَجُلًا يَحْمِلُ رَايَةَ "غَطَفَانَ"، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ:
مَنْ هَذَا؟!.
فَقَالُوا: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ …
فَقَالَ: بِئْسَ مَا صَنَعَ بِنَا يَوْمَ "الْخَنْدَقِ" …
وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِمُحَمَّدٍ …
وَهَا هُوَ ذَا يَحْمِلُ رَايَةَ قَوْمِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ …
وَيَمْضِي لِحَرْبِنَا تَحْتَ لِوَائِهِ (*).
стр. 402
خبّابُ بن الأرَتِّ
"رَحِمَ اللَّهُ خَبَّابًا فَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِبًا، وَهَاجَرَ طَائِعًا، وَعَاشَ مُجَاهِدًا" [عَلِيُّ بْن أَبِي طَالِبِ]
مَضَتْ أُمُّ أَنْمَارِ الْجُزَاعِيَّةُ إِلَى سُوقِ النَّخَّاسِينَ (١) فِي مَكَّةَ.
فَقَدْ كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَبْتَاعَ لِنَفْسِهَا غُلَامًا تَنْتَفِعُ بِخِدْمَتِهِ، وَتَسْتَثْمِرُ عَمَلَ يَدِهِ. وَطَفِقَتْ تَتَفَرَّسُ فِي وُجُوهِ (٢) الْعَبِيدِ الْمَعْرُوضِينَ لِلْبَيْعِ، فَوَقَعَ اخْتِيَارُهَا عَلَى صَبِيّ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ؛ رَأَتْ فِي صِحَّةِ جَسَدِهِ، وَمَخَايِلِ النَّجَابَةِ (٣) الْبَادِيَةِ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَغْرَاهَا بِشِرَائِهِ، فَدَفَعَتْ ثَمَنَهُ وَانْطَلَقَتْ بِهِ …
وَفِيمَا هُمَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ الْتَفَتَتْ أُمُّ أَنْمَارِ إِلَى الصَّبِيِّ وَقَالَتْ: مَا اسْمُكَ يَا غُلَامُ؟.
قَالَ: خَبَّابٌ.
فَقَالَتْ: وَمَا اسْمُ أَبِيكَ؟.
قَالَ: الْأَرَتُّ.
فَقَالَتْ: وَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟.
قَالَ: مِنْ نَجْدٍ.
فَقَالَتْ: إِذَنْ أَنْتَ عَرَبِيٌّ!!.
قَالَ: نَعَمْ، وَمِنْ بَنِي تَمِيمٍ. стр. 403
قَالَتْ: وَمَا الَّذِي أَوْصَلَكَ إِلَى أَيْدِي النَّخَّاسِينَ فِي مَكَّةَ؟!!.
قَالَ: أَغَارَتْ عَلَى حَيِّنَا قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَاسْتَاقَتِ الْأَنْعَامَ وَسَبَتِ النِّسَاءَ، وَأَخَذَتِ الذَّرَارِيَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أُخِذَ مِنَ الْغِلْمَانِ، ثُمَّ مَا زَالَتْ تَتَدَاوَلُنِي (١) الْأَيْدِي حَتَّى جِيءَ بِي إِلَى مَكَّةَ، وَصِرْتُ فِي يَدِكِ.
* * *
دَفَعَتْ أُمُّ أَنْمَارٍ غُلَامَهَا إِلَى قَيْنٍ (٢) مِنْ قُيُونِ مَكَّةَ لِيُعَلِّمَهُ صِنَاعَةَ السُّيُوفِ، فَمَا أَسْرَعَ أَنْ حَذَقَ (٣) الْغُلَامُ الصَّنْعَةَ وَتَمَكَّنَ مِنْهَا أَحْسَنَ تَمَكُّنٍ.
وَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُ خَبَّابٍ وَصَلُبَ عُودُهُ (٤)؛ اسْتَأْجَرَتْ لَهُ أُمُّ أَنْمَارٍ دُكَّانًا، وَاشْتَرَتْ لَهُ عُدَّةٌ، وَجَعَلَتْ تَسْتَثْمِرُ مَهَارَتَهُ فِي صُنْعِ السُّيُوفِ.
* * *
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى خَبَّابٍ حَتَّى شُهِرَ فِي مَكَّةَ، وَجَعَلَ النَّاسُ يُقْبِلُونَ عَلَى شِرَاءِ سُيُوفِهِ، لِمَا كَانَ يَتَحَلَّى بِهِ مِنَ الأمَانَةِ وَالصِّدْقِ، وَإِتْقَانِ الصَّنْعَةِ.
* * *
وَقَدْ كَانَ خَبَّابٌ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فَتَائِهِ (٥) يَتَحَلَّى بِعَقْلِ الْكَمَلَةِ (٦)، وَحِكْمَةِ الشُّيُوخِ ..
وَكَانَ إِذَا مَا فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَخَلَا إِلَى نَفْسِهِ كَثِيرًا مَا يُفَكِّرُ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ الَّذِي غَرِقَ فِي الْفَسَادِ مِنْ أَخْمَصِ (٧) قَدَمَيْهِ إِلَى قِمَّةِ رَأْسِهِ.
وَيَهُولُهُ مَا رَانَ (٨) عَلَى حَيَاةِ الْعَرَبِ مِنْ جَهَالَةٍ جَهْلَاءَ، وَضَلَالَةٍ عَمْيَاءَ، كَانَ هُوَ نَفْسُهُ أَحَدَ ضَحَايَاهَا … стр. 404
وَكَانَ يَقُولُ: لَا بُدَّ لِهَذَا اللَّيْلِ مِنْ آخِرٍ …
وَكَانَ يَتَمَنَّى أَنْ تَمْتَدَّ بِهِ الْحَيَاةُ لِيَرَى بِعَيْنَيْهِ مَصْرَعَ الظَّلَامِ وَمَوْلِدَ النُّورِ.
* * *
لَمْ يَطُلِ انْتِظَارُ خَبَّابٍ كَثِيرًا، فَقَدْ تَرَامَى (١) إِلَيْهِ أَنَّ خَيْطًا مِنْ نُورٍ قَدْ تَأَلَّقَ مِنْ فَمِ فَتًى مِنْ فِتْيَانِ بَنِي "هَاشِمِ" يُدْعَى مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.
فَمَضَى إِلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ؛ فَبَهَرَهُ لَأُلَاؤُهُ، وَغَمَرَهُ سَنَاهُ.
فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
فَكَانَ سَادِسَ سِتَّةِ أَسْلَمُوا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ حَتَّى قِيلَ: مَضَى عَلَى خَبَّابِ وَقْتُ وَهُوَ سُدُسُ الْإِسْلَامِ …
* * *
لَمْ يَكْتُمْ خَبَّابٌ إِسْلَامَهُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَا لَبِثَ أَنْ بَلَغَ خَبَرُهُ أُمَّ أَنْمَارٍ، فَاسْتَشَاطَتْ (٢) غَضَبًا وَتَمَيَّزَتْ غَيْظًا، وَصَحِبَتْ أَخَاهَا "سِبَاعَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى"، وَلَحِقَ بِهِمَا جَمَاعَةٌ مِنْ فِتْيَانِ "خُزَاعَة" وَمَضَوْا جَمِيعًا إِلَى خَبَّابٍ، فَوَجَدُوهُ مُنْهَمِكًا فِي عَمَلِهِ … فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ "سِبَاعٌ" وَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَنَا عَنْكَ نَبَأُ لَمْ نُصَدِّقْهُ.
فَقَالَ خَبَّابٌ: وَمَا هُوَ؟.
فَقَالَ "سِبَاعٌ": يُشَاعُ أَنَّكَ صَبَأْتَ (٣) وَتَبِعْتَ غُلَامَ بَنِي هَاشِمٍ.
فَقَالَ خَبَّابٌ -فِي هُدُوءٍ-: مَا صَبَأْتُ، وَإِنَّمَا آمَنَتُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ … وَنَبَذْتُ أَصْنَامَكُمْ (٤)، وَشَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ …
فَمَا إِنْ لَامَسَتْ كَلِمَاتُ حَبَّابٍ مَسَامِعَ "سِبَاعِ" وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى انْهَالُوا стр. 405
عَلَيْهِ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَرْكُلُونَهُ بِأَقْدَامِهِمْ، وَيَقْذِفُونَهُ بِمَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَطَارِقِ وَقِطَعِ الْحَدِيدِ …
حَتَّى هَوَى إِلَى الْأَرْضِ فَاقِدَ الْوَعْيِ وَالدِّمَاءُ تَنْزِفُ مِنْهُ …
* * *
سَرَى فِي مَكَّةَ خَبَرُ مَا جَرَى بَيْنَ خَبَّابِ وَسَيِّدَتِهِ سَرَيَانَ النَّارِ فِي الْهَشِيم (١)!!! ..
وَذَهِلَ النَّاسُ مِنْ جَرَاءَةِ خَبَّابٍ؛ إِذْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ سَمِعُوا -مِنْ قَبْلُ- أَنَّ أَحَدًا اتَّبَعَ مُحَمَّدًا وَوَقَفَ بَيْنَ النَّاسِ يُعْلِنُ إِسْلَامَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصَّرَاحَةِ وَالتَّحَدِّي.
وَاهْتَزَّ شُيُوخُ قُرَيْشٍ لِأَمْرِ خَبَّابٍ … فَمَا كَانَ يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِمْ أَنَّ قَيْنًا كَقَيْنِ أُمِّ أَنْمَارٍ لَا عَشِيرَةَ لَهُ تَحْمِيهِ، وَلَا عَصَبِيَّةَ عِنْدَهُ تَمْنَعُهُ وَتُؤْوِيهِ، تَصِلُ بِهِ الْجُرْأَةُ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ عَلَى سُلْطَانِهَا، وَيَجْهَرَ بِسَبِّ آلِهَتِهَا، وَيُسَفِّهَ دِينَ آبَائِهَا وَأَجْدَادِهَا … وَأَيْقَنَتْ أَنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ …
وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ عَلَى خَطَإٍ فِيمَا تَوَقَّعَتْهُ، فَلَقَدْ أَغْرَتْ جُرْأَةُ خَبَّابٍ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يُعْلِنُوا إِسْلَامَهُمْ، فَطَفِقُوا يَصْدَعُونَ (٢) بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ ..
* * *
اجْتَمَعَ سَادَةُ قُرَيْشٍ عَنْدَ الْكَعْبَةِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَتَذَاكَرُوا فِي شَأْنٍ مُحَمَّدٍ؛ فَرَأَوْا أَنَّ أَمْرَهُ أَخَذَ يَزْدَادُ وَيَتَفَاقَمُ (٣) يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسَاعَةً إِثْرَ سَاعَةٍ …
فَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَحْسِمُوا الدَّاءَ قَبْلَ اسْتِفْحَالِهِ (٤)، وَقَرَّرُوا أَنْ تَثِبَ كُلُّ قَبِيلَةٍ стр. 406
عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَأَنْ تُنَكِّل (١) بِهِمْ حَتَّى يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ أَوْ يَمُوتُوا …
* * *
وَقَدْ وَقَعَ عَلَى "سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى" وَقَوْمِهِ عِبْءُ تَعْذِيبِ خَبَّابٍ …
فَكَانُوا إِذَا اشْتَدَّتِ الْهَاجِرَةُ (٢)، وَغَدَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ تُلْهِبُ الْأَرْضَ إِلْهَابًا، أَخْرَجُوهُ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ، وَنَزَعُوا عَنْهُ ثِيَابَهُ، وَأَلْبَسُوهُ دُرُوعَ الْحَدِيدِ، وَمَنَعُوا عَنْهُ الْمَاءَ حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مِنْهُ الْجُهْدُ كُلَّ مَبْلَغٍ؛ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا:
مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ؟.
فَيَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، جَاءَنَا بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، لِيُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ …
فَيُوسِعُونَهُ ضَرْبًا وَلَكُمًا، ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُ:
وَمَا تَقُولُ فِي اللَّاتِ وَالْعُزَّى؟!.
فَيَقُولُ: صَنَمَانِ أَصَمَّانِ أَبْكَمَانِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ …
فَيَأْتُونَ بِالْحِجَارَةِ الْمَحْمِيَّةِ، وَيُلْصِقُونَهَا بِظَهْرِهِ، وَيُبْقُونَهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ دُهْنُ كَتِفَيْهِ …
* * *
وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ أَنْمَارٍ أَقَلَّ قَسْوَةً عَلَى خَبَّابٍ مِنْ أَخِيهَا "سِبَاعِ" فَقَدْ رَأَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمُرُّ بِدُكَّانِهِ وَيُكَلِّمُهُ، فَجُنَّ جُنُونُهَا (٣) لِمَا رَأَتْ.
وَأَخَذَتْ تَجِيءُ إِلَى خَبَّابٍ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَتَأْخُذُ حَدِيدَةً مَحْمِيَّةً مِنْ كِيرِهِ (٤)، وَتَضَعُهَا عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى يُدَخِّنَ رَأْسُهُ، وَيُغْمَى عَلَيْهِ … стр. 407
وَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهَا وَعَلَى أَخِيهَا "سِبَاعٍ".
* * *
وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ تَهَيَّأَ خَبَّابٌ لِلْخُرُوجِ.
غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِحْ (١) مَكَّةَ إِلَّا بَعْدَ أَنِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ عَلَى أُمِّ أَنْمَارٍ …
فَقَدْ أُصِيبَتْ بِصُدَاعٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ آلَامِهِ قَطُّ؛ فَكَانَتْ تَعْوِي مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ كَمَا تَعْوِي الْكِلَابُ …
وَقَامَ أَبْنَاؤُهَا يَسْتَطِبُّونَ (٢) لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا شِفَاءَ لَهَا مِنْ أَوْجَاعِهَا إِلَّا إِذَا دَأَبَتْ عَلَى كَيِّ رَأْسِهَا بِالنَّارِ …
فَجَعَلَتْ تَكْوِي رَأْسَهَا بِالْحَدِيدِ الْمَحْمِيَّ؛ فَتَلْقَى مِنْ أَوْجَاعِ الْكَيِّ مَا يُنْسِيهَا آلَامَ الصُّدَاعِ …
* * *
ذَاقَ خَبَّابٌ فِي كَنَفِ (٣) الْأَنْصَارِ فِي الْمَدِينَةِ طَعْمَ الرَّاحَةِ الَّتِي حُرِمَ مِنْهَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِقُرْبِ نَبِيِّهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُكَدِّرَهُ مُكَدِّرٌ أَوْ يُعَكِّرَ صَفْوَهُ مُعَكِّرٌ …
وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ "بَدْرًا"، وَقَاتَلَ تَحْتَ رَايَتِهِ …
وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى "أُحُدٍ"، فَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بِرُؤْيَةِ "سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى" أَخِي أُمِّ أَنْمَارٍ وَهُوَ يَلْقَى مَصْرَعَهُ عَلَى يَدِ أَسَدِ اللَّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ … стр. 408
وَامْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ حَتَّى أَدْرَكَ خُلَفَاءَ رَسُولِ اللَّهِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةَ، وَعَاشَ فِي رِعَايَتِهِمْ جَلِيلَ الْقَدْرِ نَبِيةَ الذِّكْرِ …
* * *
دَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ، فَأَعْلَى عُمَرُ مَجْلِسَهُ، وَبَالَغَ فِي تَقْرِيبِهِ وَقَالَ لَهُ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ مِنْكَ بِهَذَا الْمَجْلِسِ غَيْرُ بِلَالٍ (١).
ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَشَدِّ مَا لَقِيَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ، فَاسْتَحْيَا أَنْ يُجِيبَهُ …
فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ أَزَاحَ رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَجَفِلَ (٢) عُمَرُ مِمَّا رَأَى، وَقَالَ:
كَيْفَ صَارَ ذَلِكَ؟!.
فَقَالَ خَبَّابٌ: أَوْقَدَ الْمُشْرِكُونَ لِي حَطَبًا حَتَّى أَصْبَحَ جَمْرًا …
ثُمَّ نَزَعُوا عَنِّي ثِيَابِي، وَجَعَلُوا يَجُرُّونَنِي عَلَيْهِ، حَتَّى سَقَطَ لَحْمِي عَنْ عِظَامِ ظَهْرِي، وَلَمْ يُطْفِئ النَّارَ إِلَّا الْمَاءُ الَّذِي نَزَّ (٣) مِنْ جَسَدِي …
* * *
اغْتَنَى خَبَّابٌ فِي الشَّطْرِ الْأَخِيرِ مِنْ حَيَاتِهِ بَعْدَ فَقْرٍ، وَمَلَكَ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْلُمُ بِهِ مِنَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةِ …
غَيْرَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ لَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ …
فَقَدْ وَضَعَ دَرَاهِمَهُ وَدَنَانِيرَهُ فِي مَوْضِعِ مِنْ بَيْتِهِ يَعْرِفُهُ ذَوُو الْحَاجَاتِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَلَمْ يَشْدُدْ عَلَيْهِ رِبَاطًا (٤)، وَلَمْ يُحْكِمْ عَلَيْهِ قُفْلا، فَكَانُوا يَأْتُونَ دَارَهُ وَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مَا يَشَاؤُونَ دُونَ سُؤَالِ أَوِ اسْتِئذَانٍ … стр. 409
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ يَخْشَى أَنْ يُحَاسَبَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، وَأَنْ يُعَذِّبَ بِسَبَبِه.
* * *
حَدَّثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالُوا:
دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقَالَ:
إِنَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَاللَّهِ مَا شَدَدْتُ عَلَيْهَا رِبَاطًا قَطُّ، وَلَا مَنَعْتُ مِنْهَا سَائِلًا قَطُّ، ثُمَّ بَكَى …
فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟!.
فَقَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ أَصْحَابِي مَضَوْا وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ أُجُورِهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا شَيْئًا، وَأَنَّنِي بَقِيتُ فَنِلْتُ مِنْ هَذَا الْمَالِ مَا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَوَابًا لِتِلْكَ الْأَعْمَالِ …
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ خَبَّابٌ بِجِوَارِ رَبِّهِ وَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ:
رحم اللَّهُ خَبَّابًا، فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِبًا، وَهَاجَرَ طَائِعًا، وَعَاشَ مُجَاهِدًا …
وَلَنْ يُضَيَّعَ اللَّهُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (*).
стр. 410
الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الحَارِثيُّ
"مَا صَدَقَنِي أَحَدٌ مُنْذُ اسْتُخْلِفْتُ كَمَا صَدَقَنِي الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ" [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
هَذِهِ مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا تَزَالُ تُكَفْكِفُ أَحْزَانَهَا (١) عَلَى فَقْدِ الصِّدِّيقِ …
وَهَا هِيَ ذِي وُفُودُ الْأَمْصَارِ تَقْدَمُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى "يَثْرِبَ" مُبَايِعَةٌ خَلِيفَتَهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَه (٢) …
وَفِي ذَاتِ صَبَاحٍ قَدِمَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَفْدُ "الْبَحْرَيْنِ" مَعَ طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنَ الْوُفُودِ.
وَكَانَ الْفَارُوقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْوَافِدِينَ عَلَيْهِ؛ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيمَا يَقُولُونَهُ مَوْعِظَةً بَالِغَةً، أَوْ فِكْرَةً نَافِعَةً، أَوْ نَصِيحَةً لِلّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَنَدَبَ عَدَدًا مِنَ الْحَاضِرِينَ لِلْكَلَامِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا ذَا بَالٍ.
فَالْتَفَتَ إِلَى رَجُلٍ تَوَسَّمَ (٣) فِيهِ الْخَيْرَ، وَأَوْمَأ إِلَيْهِ وَقَالَ: هَاتِ مَا عِنْدَكَ.
فَحَمِدَ الرَّجُلُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا وُلِّيتَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ ابْتَلَاكَ بِهِ … فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وُلِّيتَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ ضَلَّتْ شَاةٌ بِشَاطِئ الْفُرَاتِ لَسُئِلْتَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. стр. 411
فَأَجْهَشَ (١) عُمَرُ بِالْبُكَاءِ وَقَالَ:
مَا صَدَقَنِي أَحَدٌ مُنْذُ اسْتُخْلِفْتُ كَمَا صَدَقْتَنِي، فَمَنْ أَنْتَ؟!.
فَقَالَ: الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الحَارِثِيُّ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَخُو "الْمُهَاجِرِ بْنِ زِيَادٍ"؟.
فَقَالَ الرَّبِيعُ: نَعَمْ.
فَلَمَّا انْفَضَّ الْمَجْلِسُ دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَقَالَ:
تَحَرَّ (٢) أَمْرَ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا فَإِنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَعَوْنًا لَنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ … وَاسْتَعْمِلْهُ وَاكْتُبْ لِي بِخَبَرِهِ.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى أَعَدَّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ جَيْشًا لِفَتْح "مَنَاذِرَ" مِنْ أَرْضِ "الْأَهْوَازِ" بِنَاءً عَلَى أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، وَجَعَلَ فِي الْجَيْشِ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ وَأَخَاهُ "الْمُهَاجِرَ".
* * *
حَاصَرَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ "مَنَاذِرَ" وَخَاضَ مَعَ أَهْلِهَا مَعَارِكَ طَاحِنَةٌ قَلَّمَا شَهِدَتْ لَهَا الْحُرُوبُ نَظِيرًا.
فَقَدْ أَبْدَى الْمُشْرِكُونَ مِنْ شِدَّةِ الْبَأْسِ وَقُوَّةِ الشَّكِيمَةِ (٣) مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ كَثرَةً فَاقَتْ كُلَّ تَقْدِيرِ.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ يُقَاتِلُونَ وَهُمْ صَائِمُونَ رَمَضَانَ.
فَلَمَّا رَأَى "الْمُهَاجِرُ" أَخُو الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ كَثُرَ فِي صُفُوفِ стр. 412
الْمُسْلِمِينَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَشْرِيَ (١) نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَتَحَنَّطَ (٢) وَتَكَفَّنَ وَأَوْصَى أَخَاهُ …
فَمَضَى الرَّبِيعُ إِلَى أَبِي مُوسَى وَقَالَ: إِنَّ "الْمُهَاجِرَ" قَدْ أَزْمَعَ أَنْ يَشْرِيَ نَفْسَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَطْأَةِ الْحَرْبِ، وَشِدَّةِ الصَّوْمِ مَا أَوْهَنَ (٣) عَزَائِمَهُمْ، وَهُمْ يَأْبَوْنَ الْإِفْطَارَ فَافْعَلْ مَا تَرَى.
فَوَقَفَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَنَادَى فِي الْجَيْشِ:
يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، عَزَمْتُ (٤) عَلَى كُلِّ صَائِمٍ أَنْ يُفْطِرَ؛ أَوْ يَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ … وَشَرِبَ مِنْ إِبْرِيقِ كَانَ مَعَهُ لِيَشْرَبَ النَّاسُ بِشُرْبِهِ.
فَلَمَّا سَمِعَ "الْمُهَاجِرُ" مَقَالَتَهُ جَرَعَ جُرْعَةٌ مِنَ الْمَاءِ وَقَالَ:
وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهَا مِنْ عَطَشِ وَلَكِنَّنِي أَبْرَرْتُ عَزْمَةَ أَمِيرِي (٥) …
ثُمَّ امْتَشَقَ حُسَامَهُ وَطَفِقَ يَشُقُ بِهِ الصُّفُوفَ، وَيُجَنْدِلُ (٦) الرِّجَالَ غَيْرَ وَجِلٍ وَلَا هَيَّابٍ … فَلَمَّا أَوْغَلَ فِي جَيْشِ الْأَعْدَاءِ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتَعَاوَرَتْهُ (٧) سُيُوفُهُمْ مِنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا …
ثُمَّ إِنَّهُمُ احْتَزُوا رَأْسَهُ وَنَصَبُوهُ عَلَى شُرْفَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى سَاحَةِ الْقِتَالِ.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّبِيعُ، وَقَالَ: طُوبَى (٨) لَكَ، وَحُسْنُ مَآبٍ …
وَاللَّهِ لَأَنْتَقِمَنَّ لَكَ وَلِقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَمَّا رَأَى أَبُو مُوسَى مَا نَزَلَ بِالرَّبِيعِ مِنَ الْجَزَعِ عَلَى أَخِيهِ، وَأَدْرَكَ مَا ثَارَ стр. 413
مِنَ الْحَفِيظَةِ فِي صَدْرِهِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ، تَخَلَّى لَهُ عَنْ قِيَادَةِ الْجَيْشِ، وَمَضَى إِلَى "السُّوسِ" لِفَتْحِهَا.
* * *
هَبَّ الرَّبِيعُ وَجُنْدُهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ هُبُوبَ الْإِعْصَارِ (١)، وَانْصَبُّوا عَلَى مَعَاقِلِهِمُ انْصِبَابَ الصُّخُورِ إِذَا حَطَّهَا السَّيْلُ مِنْ عَل؛ فَمَزَّقُوا صُفُوفَهُمْ وَأَوْهَنُوا بَأْسَهُمْ (٢)، فَفَتَحَ اللَّهُ "مَنَاذِرَ" لِلرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ عَنْوَةٌ …
فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَغَنِمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْنَمَ.
* * *
لَمَعَ نَجْمُ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ بَعْدَ مَعْرَكَةِ "مَنَاذِرَ" وَذَاعَ اسْمُهُ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ. وَأَصْبَحَ أَحَدَ الْقَادَةِ الْمَرْمُوقِينَ (٣) الَّذِينَ يُرَجُوْنَ لِجَلَائِلِ الْأَعْمَالِ …
فَلَمَّا عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى فَتْح "سِجِسْتَانَ" عَهِدُوا إِلَيْهِ بِقَيَادَةِ الْجَيْشِ، وَأَمَّلُوا عَلَى يَدَيْهِ النَّصْرَ بِإِذْنِ اللَّهِ.
* * *
مَضَى الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ بِجَيْشِهِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى "سِجِسْتَانَ" عَبْرَ مَفَازَةٍ طُولُهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ فَرْسَخًا، تَعْيَا (٤) عَنْ قَطْعِهَا الْوُحُوشُ الْكَاسِرَةُ مِنْ بَنَاتِ الصَّحْرَاءِ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ "رُسْتَاقُ زَالِقَ" (٥) عَلَى حُدُودِ "سِجِسْتَانَ" وَهُوَ رُسْتَاقٌ عَامِرٌ بِالْقُصُورِ الْفَحْمَةِ، مَحُوطٌ بِالْحُصُونِ الشَّامِخَةِ، وَافِرُ الْخَيْرَاتِ كَثِيرُ الثِّمَارِ.
* * * стр. 414
بَثَّ الْقَائِدُ الْأَرِيبُ (١) عُيُونَهُ فِي "رُسْتَاقِ زَالِقَ" قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ … فَعَلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَحْتَفِلُونَ قَرِيبًا بِمِهْرَجَانٍ لَهُمْ، فَتَرَبَّصَ (٢) بِهِمْ حَتَّى بَغَتَهُمْ (٣) فِي لَيْلَةِ الْمِهْرَجَانِ عَلَى حِينٍ غِرَّةٍ (٤) وَأَعْمَلَ فِي رِقَابِهِمُ السَّيْفَ وَأَخَذَهُمْ عَنْوَةً.
فَسَبَى (٥) مِنْهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَوَقَعَ "دُهْقَانُهُمْ" (٦) فِي يَدِهِ أَسِيرًا …
وَكَانَ بَيْنَ السَّبْيِ مَمْلُوكٌ "لِلدُّهْقَانِ"، فَوَجَدُوهُ قَدْ جَمَعَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ لِيَحْمِلَهَا إِلَى سَيِّدِهِ.
فَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ: مِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْأَمْوَالُ؟!
فَقَالَ: مِنْ إِحْدَى قُرَى مَوْلَايَ.
فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ تُعْطِيهِ قَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ مِثْلَ هَذَا الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ؟!.
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ الرَّبِيعُ: وَكَيْفَ؟!!.
قَالَ: بِفُؤُوسِنَا، وَمَنَاجِلِنَا، وَعَرَقِنَا.
* * *
وَلَمَّا وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا (٧) تَقَدَّمَ "الدُّهْقَانُ" إِلَى الرَّبِيعِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ افْتِدَاءَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ..
فَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ: أَفْدِيكَ إِذَا أَجْزَلْتَ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِدْيَةَ …
فَقَالَ: وَكَمْ تَبْغِي؟.
فَقَالَ الرَّبِيعُ: أَرْكُزُ (٨) هَذَا الرُّمْحَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ حَتَّى تَغْمُرَهُ غَمْرًا. стр. 415
فَقَالَ: رَضِيتُ، وَاسْتَخْرَجَ مَا فِي كُنُوزِهِ مِنَ الْأَصْفَرِ وَالْأَيْبَضِ وَطَفِقَ يَصُبُّهَا عَلَى الرُّمْحِ حَتَّى غَطَّاهُ …
* * *
تَوَغَلَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ بِجَيْشِهِ الْمُنْتَصِرِ فِي أَرْضِ "سِجِسْتَانَ"، فَطَفِقَتْ تَتَسَاقَطُ الْحُصُونُ تَحْتَ سَنَابِكِ (١) خَيْلِهِ كَمَا تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ تَحْتَ عَصْفِ رِيَاحِ الْخَرِيفِ.
وَهَبَّ أَهْلُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى يَسْتَقْبِلُونَهُ مُسْتَأْمِنِينَ (٢) خَاضِعِينَ قَبْلَ أَنْ يُشْهِرَ فِي وُجُوهِهِمُ السَّيْفَ؛ حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ "زَرَنْجَ" عَاصِمَةً "سِجِسْتَانَ".
فَإِذَا بِالْعَدُوِّ قَدْ أَعَدَّ لِحَرْبِهِ الْعُدَّةَ، وَكَتَبَ لِلقَائِهِ الْكَتَائِبَ (٣)، وَاسْتَقْدَمَ لِمُوَاجَهَتِهِ النَّجَدَاتِ، وَعَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى أَنْ يَذُودَهُ (٤) عَن الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ، وَأَنْ يُوقِفَ زَحْفَهُ عَلَى "سِجِسْتَانَ" مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا.
ثُمَّ دَارَتْ بَيْنَ الرَّبِيعِ وَأَعْدَائِهِ رَحَى حَرْبٍ طَحُونٍ (٥) لَمْ يَضِنَّ عَلَيْهَا أَيٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِمَا تَطَلَّبَتْهُ مِنَ الضَّحَايَا.
فَلَمَّا بَدَرَتْ أَوَّلُ بَادِرَةٍ مِنْ بَوَادِرِ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ رَأَى "مَرْزَبَانُ" (٦) الْقَوْمِ الْمَدْعُوُّ"بَرْوِيزَ" أَنْ يَسْعَى لِمُصَالَحَةِ الرَّبيع، وَهُوَ مَا تَزَالُ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ قُوَّةٍ، لَعَلَّةَ يَحْظَى لِنَفْسِهِ وَلِقَوْمِهِ بِشُرُوطٍ أَفْضَلَ …
فَبَعَثَ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ رَسُولًا مِنْ عِنْدِهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ مَوْعِدًا لِلقائِهِ؛ لِيُفَاوِضَهُ عَلَى الصُّلْحِ فَأَجَابَهُ إِلَى طَلَبِهِ.
* * * стр. 416
أَمَرَ الرَّبِيعُ رِجَالَهُ أَنْ يُعِدُّوا الْمَكَانَ لِاسْتِقْبَالِ "بَرْوِيزَ"، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُكَدِّسُوا حَوْلَ الْمَجْلِس أَكْوَامًا مِنْ جُتَثِ قَتْلَى الْفُرْسِ …
وَأَنْ يَطْرَحُوا عَلَى جَانِتِي الطَّرِيقِ الَّذِي سَيَمُرُّ بِهِ "بَرْوِيزُ"، جُثَثَّا أُخْرَى? مَنْثُورَةٌ فِي غَيْرِ نِظَامٍ.
وَكَانَ الرَّبِيعُ طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، شَدِيدَ السُّمْرَةِ، ضَخْمَ الْجُثَّةِ يَبْعَثُ الرَّوْعَ فِي نَفْسِ مَنْ يَرَاهُ.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ "بَرْوِيزُ" ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ جَزَعًا مِنْهُ، وَانْخَلَعَ فُؤَادُهُ هَلَعًا مِنْ مَنْظَرِ الْقَتْلَى فَلَمْ يَجْرُؤُ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ، وَخَافَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِمُصَافَحَتِهِ …
وَكَلَّمَهُ بِلِسَانٍ مُتَلَجْلِج مُلْتَاثٍ، وَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ لَهُ أَلْفَ وَصِيفٍ (١) وَعَلَى رَأْسِ كُلِّ وَصِيفٍ جَامٌ (٢) مِنَ الذَّهَبِ؛ فَقَبِلَ الرَّبِيعُ وَصَالَحَ "بَرْوِيزَ" عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي دَخَلَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْمَدِينَةَ يَحُفُّ بِهِ هَذَا الْمَوْكِبُ مِنَ الْوُصَفَاءِ بَيْنَ تَهْلِيلِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكْبِيرِهِمْ …
فَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ.
* * *
ظَلَّ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ سَيْفًا مُصْلَتًا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ يَصُولُونَ بِهِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ؛ فَفَتَحَ لَهُمُ الْمُدُنَ، وَوَلِيَ لَهُمُ الْوِلَايَاتِ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى بَنِي "أُمَيَّة"، فَوَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ "خُرَاسَانَ" …
بَيْدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ لِهَذِهِ الْوِلَايَةِ …
وَقَدْ زَادَهُ انْقِبَاضًا مِنْهَا وَكُرْهًا لَهَا أَنَّ "زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ" أَحَدَ كِبَارِ وَلَاةٍ بَنِي "أُمَيَّةَ" بَعَثَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَقُولُ فِيهِ: стр. 417
"إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَسْتَبْقِيَ الْأَصْفَرَ وَالْأَبْيَضَ (١) مِنْ غَنَائِمِ الْحَرْبِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْسِمَ مَا سِوَى ذَلِكَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ" … فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ:
"إِنِّي وَجَدْتُ كِتَابَ اللَّهِ (٢) يَأْمُرُ بِغَيْرِ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ عَلَى لِسَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ".
ثُمَّ نَادَى فِي النَّاسِ: أَنِ اغْدُوا عَلَى غَنَائِمِكُمْ فَخُذُوهَا …
ثُمَّ أَرْسَلَ الْخُمُسَ (٣) إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فِي "دِمَشْقَ" …
* * *
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي تَلَا وُصُولَ هَذَا الْكِتَابِ؛ خَرَجَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ثِيَابٍ بيض، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُ الْحَيَاةَ، وَإِنِّي دَاعِ بِدَعْوَةٍ، فَأَمِّنُوا عَلَى دُعَائِي.
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِي خَيْرًا فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ عَاجِلا غَيْرَ آجِلٍ …
فَأَمَّنَ النَّاسُ عَلَى دُعَائِهِ ..
فَلَمْ تَغِبْ شَمْسُ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى لَحِقَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ بِجِوَارِ رَبِّهِ (*). стр. 418
عَبدُ اللَّهِ بن سَلَامٍ
"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ"
كَانَ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ حَبْرًا (١) مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فِي "يَثْرِبَ".
وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ (٢) يُجِلُّونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ.
فَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ النَّاسِ بِالتُّقَى وَالصَّلَاح مَوْصُوفًا بِالاِسْتِقَامَةِ وَالصِّدْقِ.
* * *
وَكَانَ الْحُصَيْنُ يَحْيَا حَيَاةً هَادِئَةً وَادِعةً؛ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ جَادَّةٌ نَافِعَةٌ … فَقَدْ قَسَّمَ وَقْتَهُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً:
فَشَطْرٌ فِي الْكَنِيسِ (٣) لِلْوَعْظِ وَالْعِبَادَةِ …
وَشَطْرٌ فِي بُسْتَانٍ لَهُ يَتَعَهَّدُ نَخْلَهُ بِالتَّشْذِيبِ وَالتَّأْبِيرِ (٤) …
وَشَطْرٌ مَعَ التَّوْرَاةِ (٥) لِلتَّفَقُهِ فِي الدِّينِ …
* * *
وَكَانَ كُلَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَقَفَ طَوِيلًا عِنْدَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تُبَشِّرُ بِظُهُورٍ نَبِيٍّ فِي مَكَّةَ يُتَمِّمُ رِسَالَاتِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ وَيَخْتُمُهَا.
وَكَانَ يَسْتَقْصِي أَوْصَافَ هَذَا النَّبِيِّ الْمُرْتَقَبِ وَعَلَامَاتِهِ، وَيَهْتَزُّ فَرَحًا لِأَنَّهُ سَيَهْجُرُ بَلَدَهُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ وَسَيَتَّخِذُ مِنْ "يَثْرِبَ" مُهَاجَرًا لَهُ (٦) وَمُقَامًا. стр. 419
وَكَانَ كُلَّمَا قَرَأَ هَذِهِ الْأَحْبَارَ أَوْ مَرَّتْ بِخَاطِرِهِ يَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ أَنْ يَفْسَحَ لَهُ فِي عُمُرِهِ حَتَّى يَشْهَدَ ظُهُورَ هَذَا النَّبِيِّ الْمُرْتَقَبِ، وَيَسْعَدَ بِلِقَائِهِ، وَيَكُونَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ.
* * *
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ دُعَاءَ الْحُصَيْنِ بْنِ سَلَامٍ فَنَسَأَ لَهُ (١) فِي أَجَلِهِ حَتَّى بُعِثَ نَبِيُّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ …
وَكُتِبَ لَهُ أَنْ يَحْظَى بِلِقَائِهِ وَصُحْبَتِهِ، وَأَنْ يُؤْمِنَ بِالْحَقِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ..
فَلْنَتْرُكُ لِلْحُصَيْنِ الْكَلَامَ لِيَسُوقَ لَنَا قِصَّةَ إِسْلَامِهِ فَهُوَ لَهَا أَرْوَى (٢)، وَعَلَى حُسْنِ عَرْضِهَا أَقْدَرُ … قَالَ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ:
لَمَّا سَمِعْتُ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَذْتُ أَتَحَرَّى عَنِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَاتِهِ وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، وَأَطَابِقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا هُوَ مَسْطُورٌ (٣) عِنْدَنَا فِي الْكُتُبِ حَتَّى اسْتَيْقَنْتُ مِنْ نُبُوَّتِهِ، وَتَثَبَّتُ مِنْ صِدْقِ دَعْوَتِهِ، ثُمَّ كَتَمْتُ ذَلِكَ عن الْيَهُودِ، وَعَقَلْتُ (٤) لِسَانِي عَنِ التَّكَلُّمِ فِيهِ …
إِلَى أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ الرَّسُولُ ﵊ مِنْ مَكَّةَ قَاصِدًا الْمَدِينَةَ.
فَلَمَّا بَلَغَ "يَثْرِبَ"، وَنَزَلَ "بِقُبَاءَ" (٥) أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْنَا وَجَعَلَ يُنَادِي فِي النَّاسِ مُعْلِنَا قُدُومَهُ … وَكُنْتُ سَاعَتَئِذٍ فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا، وَكَانَتْ عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ جَالِسَةً تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَمَا إِنْ سَمِعْتُ الْخَبَرَ حَتَّى هَتَفْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ … اللَّهُ أَكْبَرُ. стр. 420
فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: خَيَّبَكَ اللَّهُ …
وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ قَادِمًا مَا فَعَلْتَ شَيْئًا فَوْقَ ذَلِكَ …
فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ عَمَّةٍ (١)، إِنَّهُ - وَاللَّهِ - أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعَلَى دينه …
وَقَدْ بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ …
فَسَكَتَتْ وَقَالَتْ: أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنْتُمْ تُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ يُبْعَثُ مُصَدِّقًا لِمَنْ قَبْلَهُ، وَمُتَمِّمًا لِرِسَالَاتِ رَبِّهِ؟!.
فَقُلْتُ: نَعَمْ …
قَالَتْ: فَذَاكَ إِذَنْ …
ثُمَّ مَضَيْتُ مِنْ تَوّي (٢) إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ بِبَابِهِ، فَزَاحَمْتُهُمْ حَتَّى صِرْتُ قَرِيبًا مِنْهُ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ قَوْلُهُ: (أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ … وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ … وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ … تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ … ).
فَجَعَلْتُ أَتَفَرَّسُ فِيهِ، وَأَتَمَلَّى (٣) مِنْهُ؛ فَأَيْقَنْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ.
ثُمَّ دَنَوْتُ مِنْهُ، وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: (مَا اسْمُكَ؟). стр. 421
فَقُلْتُ: الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ.
فَقَالَ: (بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ).
فَقُلْتُ: نَعَمْ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ … وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي به اسْمًا آخَرَ بَعْدَ الْيَوْم.
ثُمَّ انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِي وَدَعَوْتُ زَوْجَتِي وَأَوْلَادِي وَأَهْلِي إِلَى الْإِسْلَام؛ فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا وَأَسْلَمَتْ مَعَهُمْ عَمَّتِي خَالِدَةُ، وَكَانَتْ شَيْخَةٌ كَبِيرَةً … ثُمَّ إِنِّي قُلْتُ لَهُمْ:
اكْتُمُوا إِسْلَامِي وَإِسْلَامَكُمْ عَنِ الْيَهُودِ حَتَّى? آذَنَ لَكُمْ!!.
فَقَالُوا: نَعَمْ.
ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُلْتُ لَهُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ بُهْتَانِ وَبَاطِل ..
وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَ وُجُوهَهُمْ (١) إِلَيْكَ.
وَأَنْ تَسْتُرَنِي عَنْهُمْ فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجُرَاتِكَ ثُمَّ تَسْأَلَهُمْ عَنْ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي ثُمَّ تَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا أَنَّنِي أَسْلَمْتُ عَابُونِي، وَرَمَوْنِي بِكُلِّ نَاقِصَةٍ وَبَهَتُونِي (٢) …
فَأَدْخَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ حُجُرَاتِهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَأَخَذَ يَحُضُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَا عَرَفُوهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ … стр. 422
فَجَعَلُوا يُجَادِلُونَهُ بِالْبَاطِلِ، وَيُمَارُونَهُ (١) فِي الْحَقِّ، وَأَنَا أَسْمَعُ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ قَالَ لَهُمْ: (مَا مَنْزِلَةُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَلَامٍ فِيكُمْ؟).
فَقَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا وَابْنُ حَبْرِنَا وَعَالِمِنَا.
فَقَالَ: (أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ أَفَتُسْلِمُونَ؟).
قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ، مَا كَانَ لِيُسْلِمَ … أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ.
فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ وَقُلْتُ:
يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ …
فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَتَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ …
وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأُومِنُ بِهِ، وَأُصَدِّقُهُ، وَأَعْرِفُهُ …
فَقَالُوا: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَشَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَجَاهِلُنَا وَابْنُ جَاهِلِنَا، وَلَمْ يَتْرُكُوا عَيْبًا إِلَّا عَابُونِي بِهِ.
فَقُلْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ .
أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ بُهْتَانِ وَبَاطِلِ، وَإِنَّهُمْ أَهْلُ غَدْرٍ وَفُجُورٍ؟.
* * *
أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ عَلَى الْإِسْلَامِ إِقْبَالَ الظَّامِئ الَّذِي شَاقَهُ الْمَوْرِدُ (٢) …
وَأُولِعَ بِالْقُرْآنِ؛ فَكَانَ لِسَانُهُ لَا يَفْتَأُ رَطْبًا بِآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ …
وَتَعَلَّقَ بِالنَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حَتَّى غَدًا أَلْزَمَ لَهُ مِنْ ظِلِّهِ … стр. 423
وَنَذَرَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلْجَنَّةِ حَتَّى بَشَّرَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِشَارَةٌ ذَاعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ وَشَاعَتْ …
وَكَانَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ قِصَّةٌ رَوَاهَا قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الرَّاوي:
كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ مِنْ حَلْقَاتِ الْعِلْمِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ فِي الْحَلْقَةِ شَيْخٌ تَأنَسُ بِهِ النَّفْسُ، وَيَسْتَرْوحُ بِهِ الْقَلْبُ.
فَجَعَلَ يُحَدِّثُ النَّاسَ حَدِيثًا حُلْوا مُؤَثِّرًا …
فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ:
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟!.
فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَام.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ لَأَتْبَعَنَّهُ؛ فَتَبِعْتُهُ … فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ … فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ؛ فَأَذِنَ لِي.
فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا بْنَ أَخِي؟
فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ عَنْكَ - لَمَّا خَرَجْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ -:
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا.
فَمَضَيْتُ فِي إِثْرِكَ، لِأَقِفَ عَلَى خَبَرِكَ، وَلِأَعْلَمَ كَيْفَ عَرَفَ النَّاسُ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
стр. 424
فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا بُنَيَّ.
فَقُلْتُ: نَعَمْ … وَلَكِنْ لَا بُدَّ لِمَا قَالُوهُ مِنْ سَبَبٍ.
فَقَالَ: سَأُحَدِّثُكَ عَنْ سَبَبِهِ.
فَقُلْتُ: هَاتِ … وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا.
فَقَالَ: بَيْنَا (١) أَنَا نَائِمٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُمْ، فَقُمْتُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَإِذَا أَنَا بِطَرِيقٍ عَنْ شِمَالِي فَهَمَمْتُ أَنْ أسْلُكَ فِيهَا …
فَقَالَ لِي: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ …
فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِطَرِيقٍ وَاضِحَةٍ عَنْ يَمِينِي فَقَالَ لِي:
اسْلُكْهَا …
فَسَلَكْتُهَا حَتَّى أَتَيْتُ رَوْضَةً غَنَّاءَ وَاسِعَةَ الْأَرْجَاءِ (٢)، كَثِيرَةَ الْحُضْرَةِ رَائِعَةَ النُّضْرَةِ.
وَفِي وَسَطِهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَصْلُهُ فِي الْأَرْضِ وَنِهَايَتُهُ فِي السَّمَاءِ.
وَفِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ..
فَقَالَ لِي: اِرْقَ عَلَيْهِ.
فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ (٣).
فَجَاءَنِي وَصِيفٌ (٤) فَرَفَعَنِي، فَرَقَيْتُ (٥) حَتَّى صِرْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، وَأَخَذْتُ بِالْحَلْقَةِ بِيَدَيِّ كِلْتَيْهِمَا. стр. 425
وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِهَا حَتَّى أَصْبَحْتُ.
فَلَمَّا كَانَتِ الْغَدَاةُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ رُؤْيَايَ فَقَالَ:
(أَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي رَأَيْتَهَا عَنْ شِمَالِكَ؛ فَهِيَ طَرِيقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ …
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي رَأَيْتَهَا عَنْ يَمِينِكَ؛ فَهِيَ طَرِيقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ …
وَأَمَّا الرَّوْضَةُ الَّتِي شَاقَتْكَ بِحُضْرَتِهَا وَنُضْرَتِهَا؛ فَهِيَ الْإِسْلَامُ …
وَأَمَّا الْعَمُودُ الَّذِي فِي وَسَطِهَا؛ فَهُوَ عَمُودُ الدِّينِ …
وَأَمَّا الْحَلْقَةُ؛ فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى …
وَلَنْ تَزَالَ مُسْتَمْسِكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ) … (*).
следующие страницы →