← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فَقُلْتُ: الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ. فَقَالَ: (بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ). فَقُلْتُ: نَعَمْ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ … وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي به اسْمًا آخَرَ بَعْدَ الْيَوْم. ثُمَّ انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِي وَدَعَوْتُ زَوْجَتِي وَأَوْلَادِي وَأَهْلِي إِلَى الْإِسْلَام؛ فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا وَأَسْلَمَتْ مَعَهُمْ عَمَّتِي خَالِدَةُ، وَكَانَتْ شَيْخَةٌ كَبِيرَةً … ثُمَّ إِنِّي قُلْتُ لَهُمْ: اكْتُمُوا إِسْلَامِي وَإِسْلَامَكُمْ عَنِ الْيَهُودِ حَتَّى? آذَنَ لَكُمْ!!. فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ بُهْتَانِ وَبَاطِل .. وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَ وُجُوهَهُمْ (١) إِلَيْكَ. وَأَنْ تَسْتُرَنِي عَنْهُمْ فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجُرَاتِكَ ثُمَّ تَسْأَلَهُمْ عَنْ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي ثُمَّ تَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا أَنَّنِي أَسْلَمْتُ عَابُونِي، وَرَمَوْنِي بِكُلِّ نَاقِصَةٍ وَبَهَتُونِي (٢) … فَأَدْخَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ حُجُرَاتِهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَأَخَذَ يَحُضُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَا عَرَفُوهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ …

стр. 422

فَجَعَلُوا يُجَادِلُونَهُ بِالْبَاطِلِ، وَيُمَارُونَهُ (١) فِي الْحَقِّ، وَأَنَا أَسْمَعُ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ قَالَ لَهُمْ: (مَا مَنْزِلَةُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَلَامٍ فِيكُمْ؟). فَقَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا وَابْنُ حَبْرِنَا وَعَالِمِنَا. فَقَالَ: (أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ أَفَتُسْلِمُونَ؟). قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ، مَا كَانَ لِيُسْلِمَ … أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ. فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ وَقُلْتُ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ … فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَتَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ … وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأُومِنُ بِهِ، وَأُصَدِّقُهُ، وَأَعْرِفُهُ … فَقَالُوا: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَشَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَجَاهِلُنَا وَابْنُ جَاهِلِنَا، وَلَمْ يَتْرُكُوا عَيْبًا إِلَّا عَابُونِي بِهِ. فَقُلْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ . أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ بُهْتَانِ وَبَاطِلِ، وَإِنَّهُمْ أَهْلُ غَدْرٍ وَفُجُورٍ؟. * * * أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ عَلَى الْإِسْلَامِ إِقْبَالَ الظَّامِئ الَّذِي شَاقَهُ الْمَوْرِدُ (٢) … وَأُولِعَ بِالْقُرْآنِ؛ فَكَانَ لِسَانُهُ لَا يَفْتَأُ رَطْبًا بِآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ … وَتَعَلَّقَ بِالنَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حَتَّى غَدًا أَلْزَمَ لَهُ مِنْ ظِلِّهِ …

стр. 423

وَنَذَرَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلْجَنَّةِ حَتَّى بَشَّرَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِشَارَةٌ ذَاعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ وَشَاعَتْ … وَكَانَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ قِصَّةٌ رَوَاهَا قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ الرَّاوي: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ مِنْ حَلْقَاتِ الْعِلْمِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ. وَكَانَ فِي الْحَلْقَةِ شَيْخٌ تَأنَسُ بِهِ النَّفْسُ، وَيَسْتَرْوحُ بِهِ الْقَلْبُ. فَجَعَلَ يُحَدِّثُ النَّاسَ حَدِيثًا حُلْوا مُؤَثِّرًا … فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟!. فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَام. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ لَأَتْبَعَنَّهُ؛ فَتَبِعْتُهُ … فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ … فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ؛ فَأَذِنَ لِي. فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا بْنَ أَخِي؟ فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ عَنْكَ - لَمَّا خَرَجْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ -: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. فَمَضَيْتُ فِي إِثْرِكَ، لِأَقِفَ عَلَى خَبَرِكَ، وَلِأَعْلَمَ كَيْفَ عَرَفَ النَّاسُ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

стр. 424

فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا بُنَيَّ. فَقُلْتُ: نَعَمْ … وَلَكِنْ لَا بُدَّ لِمَا قَالُوهُ مِنْ سَبَبٍ. فَقَالَ: سَأُحَدِّثُكَ عَنْ سَبَبِهِ. فَقُلْتُ: هَاتِ … وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَقَالَ: بَيْنَا (١) أَنَا نَائِمٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُمْ، فَقُمْتُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَإِذَا أَنَا بِطَرِيقٍ عَنْ شِمَالِي فَهَمَمْتُ أَنْ أسْلُكَ فِيهَا … فَقَالَ لِي: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ … فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِطَرِيقٍ وَاضِحَةٍ عَنْ يَمِينِي فَقَالَ لِي: اسْلُكْهَا … فَسَلَكْتُهَا حَتَّى أَتَيْتُ رَوْضَةً غَنَّاءَ وَاسِعَةَ الْأَرْجَاءِ (٢)، كَثِيرَةَ الْحُضْرَةِ رَائِعَةَ النُّضْرَةِ. وَفِي وَسَطِهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَصْلُهُ فِي الْأَرْضِ وَنِهَايَتُهُ فِي السَّمَاءِ. وَفِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ .. فَقَالَ لِي: اِرْقَ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ (٣). فَجَاءَنِي وَصِيفٌ (٤) فَرَفَعَنِي، فَرَقَيْتُ (٥) حَتَّى صِرْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، وَأَخَذْتُ بِالْحَلْقَةِ بِيَدَيِّ كِلْتَيْهِمَا.

стр. 425

وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِهَا حَتَّى أَصْبَحْتُ. فَلَمَّا كَانَتِ الْغَدَاةُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ رُؤْيَايَ فَقَالَ: (أَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي رَأَيْتَهَا عَنْ شِمَالِكَ؛ فَهِيَ طَرِيقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ … وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي رَأَيْتَهَا عَنْ يَمِينِكَ؛ فَهِيَ طَرِيقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ … وَأَمَّا الرَّوْضَةُ الَّتِي شَاقَتْكَ بِحُضْرَتِهَا وَنُضْرَتِهَا؛ فَهِيَ الْإِسْلَامُ … وَأَمَّا الْعَمُودُ الَّذِي فِي وَسَطِهَا؛ فَهُوَ عَمُودُ الدِّينِ … وَأَمَّا الْحَلْقَةُ؛ فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى … وَلَنْ تَزَالَ مُسْتَمْسِكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ) … (*).

стр. 426

الكتاب السابع خالد بن سعيد بن العَاصِ "كَانَ أَبِي خَامِسًا … وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" [بِنْتُ خَالِدٍ] في ذَاتِ مَسَاءٍ مِنْ أَمَاسِيِّ مَكَّةَ الْهَادِئَةِ الْهَائِنَةِ الْوَادِعَةِ … خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْمُكَنَّى "بِأَبِي أُحَيْحَةَ" مِنْ دَارَتِهِ فِي أَعْلَى "الْحَجُونِ" (١) يُرِيدُ الْحَرَمَ … وَقَدِ اعْتَمَّ بِعِمَامَتِهِ الْحَمْرَاءِ التَّمِينَةِ الزَّاهِيَةِ … وَخَلَعَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ بُرْدًا (٢) مِنْ حُلَلٍ مُلُوكِ "الْيَمَنِ" مُوَشَّى بِخُيُوطِ الذَّهَبِ … وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ غِلْمَانِهِ الْمُقَلَّدِينَ بِالسُّيُوفِ، وَكَانَ عَنْ يَمِينِهِ بَعْضُ أَوْلَادِهِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ ابْنُهُ خَالِدٌ. وَكَانَ عَنْ شِمَالِهِ طَائِفَةٌ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ بَنِي "عَبْدِ شَمْسٍ" وَهُمْ يَخْطُرُونَ (٣) في حُلَلِ الدِّيبَاجِ وَالسُّنْدُسِ. فَلَمَّا أَطَلَّ "أَبُو أُحَيْحَةَ" عَلَى الْحَرَمِ قَالَ النَّاسُ: لَقَدْ أَقْبَلَ "ذُو التَّاجِ" … وَكَانُوا يُلَقَّبُونَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَّجَ رَأْسَهُ بِعِمَامَةٍ فَلَا يَعْتَمُّ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِعِمَامَةٍ مِنْ لَوْنِهَا حَتَّى يَنْزِعَهَا. فَأَوْسَعَ النَّاسُ الطَّرِيقَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَخَذَ مَجْلِسَهُ تَحْتَ الْكَعْبَةِ. وَهُنَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَادَةِ قُرَيْشِ يُحَيُّونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ:

стр. 427

مَا خَبَرٌ سَمِعْتُهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ (١) تَبِعَ مُحَمَّدًا؟! .. وَأَنَّهُ اجْتَرَأَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ؛ فَشَجَّ رَأْسَهُ، وَأَسَالَ دَمَهُ، لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ آلِهَتِنَا … ثُمَّ قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى (٢) إِنْ ظَلَلْتُمْ عَلَى تَهَاوُنِكُمْ هَذَا مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مُدَارَاةٌ لِبَنِي "هَاشِمٍ" لَأَنْهَضَنَّ لَهُ وَحْدِي … ولأمنعنَّ إله ابْن أبي كبشة (٣) أَنْ يُعْبد فِي مَكَّةَ … ثُمَّ عَادَ فِي مِثْلِ الْمَوْكِبِ الَّذِي جَاءَ بِهِ؛ فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ ابْنِهِ خَالِدٍ. * * * لَقَدْ ظَلَّ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فِي الْحَرَمِ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ مَجَالِسِ الْقَوْمِ لِيَتَنَسَّمَ (٤) أَخْبَارَ مُحَمَّدٍ، وَيَتَسَمَّعَ لِمَا يُقَالُ عَنْ دَعْوَتِهِ. فَلَمْ يَجِدْ فِي كُلِّ مَا سَمِعَهُ عَنِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا يُبَرِّرُ ذَلِكَ الْحِقْدَ الَّذِي رَآهُ مِنْ أَبِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ … أَوْ مَا يُسَوِّغُ تِلْكَ الضَّغِينَةَ (٥) الَّتِي كَانَتْ تَتَنَزَّى فِي نَفْسِهِ وَنُفُوسِ سَادَةِ قُرَيْشٍ. * * * وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ عَادَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى دَارَتِهِمْ، وَمَضَى إِلَى مَخْدَعِهِ دُونَ أَنْ يَمُرَّ بِحُجْرَةِ أَبِيهِ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ تَحِيَّةَ الْمَسَاءِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ … ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى فِرَاشِهِ الْوَثِيرِ (٦) يُرِيدُ النَّوْمَ. لَكِنَّ النَّوْمَ لَمْ يُوَاتِ (٧) خَالِدًا وَلَمْ تَكْتَحِلْ بِهِ عَيْنَاهُ؛ فَقَدِ اسْتَبَدَّ بِهِ أَرَقٌ أَطَارَ الرُّقَادَ مِنْ عَيْنَيْهِ.

стр. 428

وَكَانَ الَّذِي يَشْغَلُ بَالَهُ أَمْرَ مُحَمَّدٍ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ؛ وَخَوْفَهُ مِنْ أَنْ يَبْطِشَ أَبُوهُ بِهِ بَطْشَةَ الْجَبَّارِينَ. * * * وَفِي الْهَزِيعِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ نَهَكَهُ النَّعَاسُ فَأَسْلَمَ جَفْنَيْهِ لِلْكَرَى (١). وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى هَبَّ مَذْعُورًا مُمْتَقِعَ (٢) الْوَجْهِ؛ يَرْتَجِفُ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَى … وَيَهْتَرُّ مِنْ فَرْطِ مَا عَانَى وَهُوَ يَقُولُ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا لَرُؤْيَا حَقٌّ … وَإِنِّي مَا رَأَيْتُ كَذِبًا. * * * لَقَدْ رَأَى خَالِدٌ نَفْسَهُ وَاقِفًا عَلَى شَفِيرِ (٣) وَادٍ سَحِيقٍ (٤) مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ لا يُدْرِكُ الطَّرْفُ مَدَاهُ، وَلَا يَعْرِفُ الْمَرْءُ قَرَارَهُ … وَكَانَتْ تَتَلَظَّى (٥) فِى هَذَا الْوَادِي نَارٌ لَهَا شَهِيقٌ وَزَفِيرٌ يَخْلَعَانِ الْقُلُوبَ خَلْعًا … وَيَهْصِرَانِ النُّفُوسَ هَصْرًا (٦). فَلَمَّا هَمَّ بِالِابْتِعَادِ عَنْ شَفِيرِ الْوَادِي بَرَزَ لَهُ أَبُوهُ، وَأَخَذَ يَشُدُّهُ إِلَى النَّارِ بِعُنْفٍ؛ فَجَعَلَ يُقَاوِمُ أَبَاهُ أَشَدَّ الْمُقَاوَمَةِ … وَيُصَارِعُهُ أَقْسَى الْمُصَارَعَةِ حَتَّى إِذَا فُلَّ (٧) عَزْمُهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ يَهْوِيَ إِلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ … فَإِذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُ بِحِزَامِهِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَيَجْذِبُهُ إِلَيْهِ جَذَّبًا، وَيُنْقِذُهُ مِنَ السُّقُوطِ فِي شَفِيرِ وَادِي جَهَنَّمَ. * * * ما كَادَ يَنْبَلِجُ (٨) الصُّبْحُ حَتَّى مَضَى خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ … ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْنَسُ بِهِ وَيَطْمَئِنُ لَهُ.

стр. 429

فَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا يَا خَالِدُ … فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ .... وَسَيَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ … فَاتَّبِعْهُ يَا خَالِدُ. فَإِنِ اتَّبَعْتَهُ فُتِحَتْ لَكَ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَحِيلَ دُونَكَ وَدُونَ النَّارِ … أَمَّا أَبُوكَ فَوَاقِعٌ فِي جَهَنَّمَ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُوقِعَكَ فِيهَا … * * * انْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ … وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَتَعَبَّدُ اللَّهَ سِرًّا فِي "أَجْيَادَ" (١)، فَحَيَّاهُ وَقَالَ: إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَدْعُونَا يَا مُحَمَّدُ؟. فَقَالَ: (أَدْعُوكُمْ: إِلَى أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنِّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ … وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ حَجَرٍ لَا يَرَى، وَلَا يَسْمَعُ … وَلَا يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ … وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ عَبَدَهُ، وَبَيْنَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ). فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ (٢) خَالِدٍ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ خَامِسَ خَمْسَةٍ أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ أَسْلَمُوا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ … إِذْ لَمْ يَسْبِقُهُ إِلَى هَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ غَيْرُ خَدِيجَةَ بِنْتِ

стр. 430

خُوَيْلِدٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةٍ (١)، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَسَعْدِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃ أَجْمَعِينَ. * * * تَرَكَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَصْرَ أَبِيهِ الْمُنِيفَ (٢) فِي أَعْلَى "الْحَجُونِ" وَأَعْرَضَ عَنْ حَيَاتِهِ الْغَضَّةِ (٣) الْمُتْرَفَةِ، وَعَيْشِهِ الرَّغِيدِ (٤) النَّاعِمِ. وَلَحِقَ بِالرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يَتَنَقَّلُ مَعَهُ وَمَعَ أَصْحَابِهِ بَيْنَ شِعَابٍ مَكَّةَ، فَيَتَمَلَّى مِنْ مَشَاعِرِ الْإِيمَانِ … وَيَحْفَظُ مَا يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، وَيَعْبُدُ اللَّهَ سِرًّا خَوْفًا مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ … فَلَمَّا طَالَتْ غَيْبَةُ خَالِدٍ عَنِ الْبَيْتِ افْتَقَدَهُ أَبُوهُ فَلَمْ يَجِدْهُ؛ فَبَعَثَ الْعُيُونَ (٥) وَرَاءَهُ … فَجَاءَتْهُ الْأَخْبَارُ تَقُولُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ وَتَبِعَ مُحَمَّدًا. * * * جنَّ جُنُونُ سَيِّدِ مَكَّةَ؛ فَمَا كَانَ يَظُنُّ ظَنَّا أَنَّ أَحَدَ أَوْلَادِهِ تَبْلُغُ بِهِ الْجُرْأَةُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى سُلْطَانِهِ، وَيَكْفُرَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَيَلْحَقَ بِمُحَمَّدٍ. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَوْلَاهُ "رَافِعًا" وَأَخَوَيْهِ "أَبَانَ" وَ "عُمَرَ"؛ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي فِي بَعْضِ الشُّعَابِ (٦) صَلَاةً هَزَّتْ قُلُوبَهُمْ هَزًّا .... وَأَترَعَتْ (٧) أَفْئِدَتَهُمْ رَاحَةً وَاطْمِئنَانًا … وَمَلَاتْ نُفُوسَهُمْ سَلَامًا وَأَمَانًا.

стр. 431

فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ يَدْعُوكَ لِلقَائِهِ، وَقَدِ اسْتَشَاطَ (١) غَضَبًا لِتَرْكِكَ الْمَنْزِلَ دُونَ إِذْنِ مِنْهُ. فَمَضَى خَالِدٌ مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا صَارَ عِنْدَ أَبِيهِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: تَبًّا لَكَ، أَصَبَأْتَ (٢) عَنْ دِينِكَ وَدِينِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ، وَتَبِعْتَ مُحَمَّدًا؟!. فَقَالَ خَالِدٌ: لَمْ أَصْبَأْ، وَإِنَّمَا آمَنْتُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَصَدَّقْتُ بِنُبُوَّةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ … وَنَبَذْتُ (٣) هَذِهِ الْأَصْنَامَ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُوهُ: وَيْحَكَ، أَتَقُولُ: إِنَّكَ صَدَّقْتَ هَذَا الْمُدَّعِي؟. فَقَالَ خَالِدٌ: مَا هُوَ بِمُدَّعٍ … وَإِنَّمَا هُوَ صَادِقٌ يُبَلِّغُ رِسَالَاتِ رَبِّهِ … وَيَنْصَحُ لِي وَلَكَ وَلِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَقَالَ أَبُوهُ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُعْرِضَ عَنْهُ وَتُكَذِّبَهُ. فَقَالَ خَالِدٌ: لَا أَفْعَلُ مَا دَامَ فِيَّ عِرْقٌ يَنْبِضُ. فَقَالَ أَبُوهُ: إِذَنْ أَحْرِمَكَ مِنْ رِزْقِي. فَقَالَ خَالِدٌ: ذَلِكَ أَهْوَنُ مَا انْتَظَرْتُهُ مِنْكَ، وَأَقَلُّ مَا تَوَقَّعْتُهُ … فَاللَّهُ الَّذِي رَزَقَكَ يَرْزُقُنِي. فَتَمَيَّزَ (٤) سَيِّدُ بَنِي "عَبْدِ شَمْسٍ" غَيْظًا مِنْهُ … وَانْهَالَ (٥) عَلَيْهِ بِعَصا

стр. 432

غَلِيظَةٍ أَعَدَّهَا لَهُ؛ فَشَجَّ رَأْسَهُ، وَأَسَالَ دَمَهُ … وَمَا زَالَ يَضْرِبُهُ حَتَّى جَعَلَ الدَّمُ يَنْبَثِقُ مِنْ رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ انْبِثَاقًا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَشُدَّ عَلَيْهِ وِثَاقُهُ (١)، وَحُبِسَ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ … وَمُنِعَ عَنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ … ثُمَّ جَاءَهُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِهِ وَقَالُوا: كَيْفَ أَنْتَ يَا خَالِدُ؟. فَقَالَ: إِنِّي أَتَقَلَّبُ فِي نِعَمِ اللَّهِ . فَقَالُوا: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَثُوبَ إِلَى رُشْدِكَ (٢)، وَتُطِيعَ أَبَاكَ؟!. فَقَالَ: أَمَّا رُشْدِي فَمَا فَارَقَنِي وَمَا فَارَقْتُهُ … وَأَمَّا أَبِي فَلَا أُطِيعُهُ فِيمَا يُعْصَى بِهِ اللهُ … فَقَالُوا: قُلْ لِأَبِيكَ كَلِمَةً تُرْضِيهِ فِي اللَّاَتِ وَالْعُزَّى يُفَرِّجْ عَنْكَ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى حَجَرَانِ أَصَمَّانِ أَبْكَمَانِ … وَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ … وَلْيَفْعَلْ بِي مَا يَشَاءُ. * * * شَدَّ "أَبُو أُحَيْحَةً" وِثَاقَ خَالِدٍ، وَأَمَرَ أَتْبَاعَهُ أَنْ يَخْرُجُوا بِهِ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ الْهَاجِرَةِ (٣) إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ … وَأَنْ يُلْقُوهُ بَيْنَ الْحِجَارَةِ حَتَّى تَصْهَرَهُ الشَّمْسُ. فَكَانَ كُلَّمَا أَخْرَجُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي الْهَاجِرَةِ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِالْإِيمَانِ، وَأَعَزَّنِي بِالْإِسْلَامِ …

стр. 433

إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ لَحْظَةِ عَذَابٍ فِي جَهَنَّمَ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَنِي فِيهَا "أَبُو أُحَيْحَةَ" … وَجَزَى اللَّهُ نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ عَنِّي وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ أَكْرَمَ الْجَزَاءِ. ثُمَّ حَانَتْ لِخَالِدٍ فُرْصَةٌ؛ فَتَفَلَّتَ مِنْ سِجْنِ أَبِيهِ، وَمَضَى إِلَى نَبِيِّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ … ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ لَحِقَ بِهِ أَخَوَاهُ عُمَرُ وَأَبَانُ، وَانْضَمَّا مَعَهُ إِلَى مَوْكِبِ الْخَيْرِ وَالنُّورِ … عِنْدَ ذَلِكَ أُسْقِطَ (١) فِي يَدَيْ "أَبِي أُحَيْحَةَ" وَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَأَعْزِلَنَّ بِمَالِي بَعِيدًا عَنْ مَكَّةَ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لِي … وَلَأَهْجُرَنَّ أُولَئِكَ الصُّبَاةَ (٢) الَّذِينَ يَعِيبُونَ آلِهَتِي وَأَرْبَابِي. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ "الطَّائِفِ"، وَظَلَّ فِيهَا حَتَّى مَاتَ كَمَدًا (٣) وَهُوَ عَلَى الشِّرْكِ. * * * وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى "الْحَبَشَةِ"، نَزَحَ إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفٍ الْخُزَاعِيَّةُ … وَقَدْ أَقَامَ فِيهَا بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ دَاعِيَّا إِلَى اللَّهِ، وَلَمْ يُغَادِرْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ "خَيْبَرَ". فَسُرَّ الرَّسُولُ ﵊ بِمَقْدَمِهِ أَبْلَغَ السُّرُورِ، وَقَسَمَ لَهُ مِنْ غَنَائِم "خَيْبَرَ" كَمَا قَسَمَ لِلْمُحَارِبِينَ …

стр. 434

ثُمَّ وَلاهُ "الْيَمَنَ"، فَظَلَّ وَالِيَّا عَلَيْهَا إِلَى أَنْ لَحِقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بجوَارِ رَبِّهِ. * * * وَفِي عَهْدِ الصِّدِّيقِ ﵁ انْضَوَى (١) خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ تَحْتَ لِوَاءِ الْجَيْشِ الْمُتَّجِهِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِحَرْبِ الرُّومِ، فَأَبْلَى (٢) فِي مَيَادِينِ الْقِتَالِ بَلَاءً يَلِيقُ بِفَارِسٍ كَمِيٍّ (٣) مِثْلِهِ. وَقُبَيْلَ مَعْرَكَةِ "مَرْجِ الصُّفَّرِ" الَّتِي وَقَعَتْ بِالْقُرْبِ مِنْ "دِمَشْقَ"، خَطَبَ خَالِدٌ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ (٤) وَعَقَدَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْرِسَ بِهَا قَالَتْ: يَا خَالِدُ حَبَّذَا لَوْ أَخَّرْتَ إِلَى أَنْ يَنْفَضُّ النَّاسُ مِنْ تِلْكَ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي أَرَانَا مُقْدِمِينَ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِأَنِّي سَأُصَابُ فِيهَا. ثُمَّ أَعْرَسَ بِهَا … وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الَّذِي تَلَا زِفَافَهُ أَوْلَمَ (٥) لِأَصْحَابِهِ، فَمَا كَادُوا يَفْرَغُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ حَتَّى صَفَّتِ الرُّومُ جُنُودَهَا صَفًّا وَرَاءَ صَفٍّ … وَخَرَجَ وَاحِدٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ يَطْلُبُ مُبَارِزا (٦)، فَبَرَزَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَتَلَهُ … فَخَرَجَ فَارِسٌ آخَرُ وَطَلَبَ مُبَارِزًا، فَبَرَزَ لَهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ … وَتَصَاوَلَ (٧) الْفَارِسَانِ وَتَجَاوَلَا … ثُمَّ سَدَّدَ (٨) كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ضَرْبَةً قَاتِلَةً.

стр. 435

فَأَصَابَ سَيْفُ الرُّومِيِّ، وَأَخْطَأَ سَيْفُ خَالِدٍ فَخَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا … ثُمَّ الْتَحَمَ الْجَيْشَانِ، وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا رَحَى مَعْرَكَةٍ طَحُونٍ (١) كَانَ لا يُسْمَعُ فِيهَا إِلَّا وَقْعُ السُّيُوفِ عَلَى هَام (٢) الرِّجَالِ. عِنْدَ ذَلِكَ هَبَّتْ أُمُّ حَكِيمٍ كَاللَّبُؤَّةِ (٣) الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا أَشْبَالُهَا (٤) … فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَ عُرْسِهَا … وَاقْتَلَعَتْ عَمُودَ الْفُسْطَاطِ (٥) الَّذِي شَهِدَ لَيْلَةَ زِفَافِهَا، وَخَاضَتِ الْمَعْرَكَةَ مَعَ الْخَائِضِينَ … فَأَرْدَتْ (٦) سَبْعَةٌ مِنْ فُرْسَانِ الرُّومِ. ثُمَّ ظَلَّتْ تُقَاتِلُ حَتَّى انْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنْ نَصْرٍ مُؤَزَّرٍ (٧) لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. * * * لَقَدْ كَانَ ثَمَنَ هَذَا النَّصْرِ أَرْوَاحٌ طَاهِرَةٌ زَكِيَّةٌ مَضَتْ إِلَى رَبِّهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. وَكَانَتْ رُوحُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ تُرَفْرِفُ بَيْنَهَا فِي حُبُورٍ (٨). وَلَقَدْ رَأَى قَاتِلُهُ بِأُمِّ عَيْنَيْهِ نُورًا يَسْطَعُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَتَلَألَأُ فَوْقَ خَالِدٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ … فَنَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ أَشَدَّ النَّدَمِ … وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي دُخُولِهِ فِي دِينِ اللَّهِ مَعَ الدَّاخِلِينَ (*).

стр. 436

سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ "كَيْفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟! " [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ] هَبَّتْ قُرَيْشٌ ذَاتَ صَبَاحٍ وَجِلَةً مَذْعُورَةً، فَقَدْ سَرَى فِي أَنْدِيَتِهَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ بَارَحَ مَكَّةَ مُسْتَتِرًا بِجُنْحِ الظَّلامِ؛ فَلَمْ يُصَدِّقْ زُعَمَاءُ قُرَيْشِ النَّبَأَ … وَانْدَفَعُوا يَبْحَثُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ دَارٍ مِنْ دُورِ بَنِي "هَاشِمٍ" … وَيَنْشُدُونَهُ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ، حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمُ ابْنَتُهُ أَسْمَاءُ (١). فَقَالَ لَهَا أَبُو جَهْلٍ: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتُ؟. فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ الْآنَ. فَرَفَعَ يَدَهُ وَلَطَمَ خَدَّهَا لَطْمَةً أَهْوَتْ بِقِرْطِهَا (٢) عَلَى الْأَرْضِ. * * * جُنَّ جُنُونُ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ حِينَ أَيْقَنُوا أَنَّ مُحَمَّدًا غَادَرَ مَكَّةَ، وَجَنَّدُوا كُلَّ مَنْ لَدَيْهِمْ مِنْ قُفَاةِ الْأَثَرِ (٣) لِتَحْدِيدِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ، وَمَضَوْا مَعَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْهُ … فَلَمَّا بَلَغُوا غَارَ "ثَوْرِ" قَالَ لَهُمْ قُفَاةُ الْأَثَرِ: وَاللَّهِ مَا جَاوَزَ صَاحِبُكُمْ هَذَا الْغَارَ. وَلَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مُخْطِئِينَ فِيمَا قَالُوهُ لِقُرَيْشٍ، فَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ وَصَاحِبُهُ فِي دَاخِلِ الْغَارِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ فَوْقَ رَأْسَيْهِمَا، حَتَّى أَنَّ الصِّدِّيقَ رَأَى أَقْدَامَ

стр. 437

الْقَوْمِ تَتَحَرَّكُ فَوْقَ الْغَارِ؛ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ … فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ نَظْرَةَ حُبٍّ وَرِفْقٍ وَعِتَابٍ. فَهَمَسَ الصِّدِّيقُ قَائِلًا: وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي … وَلَكِنْ مَخَافَةَ أَنْ أَرَى فِيكَ مَكْرُوها (١) يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مُطَمْئِنًا: (لَا تَحْزَنُ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَنا). فَأَنْزَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ عَلَى قَلْبِ الصِّدِّيقِ، وَرَاحَ يَنْظُرُ إِلَى أَقْدَامِ الْقَوْمِ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى مَوْطِئ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ : (مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ، اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟!!). وَهُنَا سَمِعَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يَقُولُ لِلْقَوْمِ: هَلُمُّوا (٢) إِلَى الْغَارِ نَنْظُرْ فِيهِ. فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ سَاخِرًا: أَلَمْ تَرَ إِلَى هَذَا الْعَنْكَبُوتِ الَّذِي عَشَّشَ عَلَى بَابِهِ؟!! وَاللَّهِ إِنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ مِيلادِ مُحَمَّدٍ .. غَيْرَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى … إِنِّي لَأَحْسَبُهُ قَرِيبًا مِنَّا يَسْمَعُ مَا نَقُولُ، وَيَرَى مَا نَصْنَعُ. وَلَكِنَّ سِحْرَهُ رَانَ (٣) عَلَى أَبْصَارِنَا … * * *

стр. 438

بَيْدَ (١) أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَنْفُضْ يَدَهَا مِنْ أَمْرِ الْعُثُورِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَنثَنِ (٢) عَزْمُهَا عَنْ مُلَاحَقِّتِهِ؛ فَأَعْلَنَتْ فِي الْقَبَائِلِ الْمُنْتَشِرَةِ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ: أَنَّ مَنْ يَأْتِهَا بِمُحَمَّدٍ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَلَهُ مِائَةٌ مِنْ كَرَائِمِ الْإِبِلِ. * * * كَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدْلَجِيُّ فِي نَدِيٍّ (٣) مِنْ أَنْدِيَةِ قَوْمِهِ فِي "قُدَيْدٍ" قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ. فَإِذَا بِرَسُولٍ مِنْ رُسُلِ قُرَيْشٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وَيُذِيعُ فِيهِمْ نَبَأَ الْجَائِزَةِ الْكُبْرَى الَّتِي بَذَلَتْهَا قُرَيْشٌ لِمَنْ يَأْتِيهَا بِمُحَمَّدٍ حَيًّا أَوْ مَيْتًا. فَمَا كَادَ سُرَاقَةُ يَسْمَعُ بِالنُّوقِ الْمِائَةِ حَتَّى اشْرَأَبَّتْ (٤) إِلَيْهَا أَطْمَاعُهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا حِرْصُهُ … وَلَكِنَّهُ ضَبَطَ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَفُهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ أَطْمَاعُ الْآخَرِينَ. وَقَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ سُرَاقَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ دَخَلَ عَلَى النَّدِيِّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ مَرَّ بِيَ الْآنَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُمْ مُحَمَّدًا وَأَبَا بَكْرٍ وَدَلِيلَهُمَا. فَقَالَ سُرَاقَةُ: بَلْ هُمْ بَنُو فُلَانٍ مَضَوْا يَبْحَثُونَ عَنْ نَاقَةٍ لَهُمْ أَضَلُّوهَا (٥). فَقَالَ الرَّجُلُ: لَعَلَّهُمْ كَذَلِكَ، وَسَكَتَ … ثُمَّ مَكَثَ سُرَاقَةُ قَلِيلًا حَتَّى لَا يُثِيرَ قِيَامُهُ أَحَدًا مِمَّنْ فِي النَّدِيِّ … فَلَمَّا دَخَلَ الْقَوْمُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ انْسَلَّ (٦) مِنْ بَيْنِهِمْ، وَمَضَى خَفِيفًا

стр. 439

مُسْرِعًا إِلَى بَيْتِهِ، وَأَسَرَّ (١) لِجَارِيَتِهِ بِأَنْ تُخْرِجَ لَهُ فَرَسَهُ فِي غَفْلَةٍ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَأَنْ تَرْتَبِطَهُ لَهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي. وَأَمَرَ غُلَامَهُ بِأَنْ يُعِدَّ لَهُ سِلَاحَهُ، وَأَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ خَلْفِ الْبُيُوتِ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ … وَأَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْفَرَسِ … * * * لَبِسَ سُرَاقَةُ لَأُمَتَهُ (٢)، وَتَقَلَّدَ سِلَاحَهُ، وَامْتَطَى صَهْوَة (٣) فَرَسِهِ، وَطَفِقَ يُغذُ (٤) السَّيْرَ لِيُدْرِكَ مُحَمَّدًا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، وَيَظْفَرَ بِجَائِزَةِ قُرَيْشٍ. * * * كَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ فَارِسًا مِنْ فُرْسَانِ قَوْمِهِ الْمَعْدُودِينَ، طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، بَصِيرًا بِاقْتِفَاءِ الأَثَرِ، صَبُورًا عَلَى أَهْوَالِ الطُّرْقِ … وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَرِيبًا لَبِيبًا شَاعِرًا … وَكَانَتْ فَرَسُهُ مِنْ عِتَاقِ (٥) الْخَيْلِ. * * * مَضَى سُرَاقَةُ يَطْوِي الْأَرْضَ طَيًّا، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ عَثَرَتْ بِهِ فَرَسُهُ وَسَقَطَ عَنْ صَهْوَتِهَا، فَتَشَاءَمَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟! … تَبًّا (٦) لَكِ مِنْ فَرَسٍ، وَعَلَا ظَهْرَهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْض بَعِيدًا حَتَّى عَثَرَتْ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَازْدَادَ تَشَاؤُمًا، وَهَمَّ بِالرُّجُوعِ؛ فَمَا رَدَّهُ عَنْ هَمِّهِ إِلَّا طَمَعُهُ بِالنُّوقِ الْمِائَةِ. * * * لَمْ يَبْتَعِدْ سُرَاقَةُ كَثِيرًا عَنْ مَكَانِ عُثُورِ فَرَسِهِ حَتَّى أَبْصَرَ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَيْهِ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى قَوْسِهِ، لَكِنَّ يَدَهُ جَمَدَتْ فِي مَكَانِهَا …

стр. 440

ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى قَوَائِمَ فَرَسِهِ تَسِيخُ (١) فِي الْأَرْضِ، وَالدُّخَانُ يَتَصَاعَدُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا، وَيُغَطّي عَيْنَيْهِ وَعَيْنَيْهَا … فَدَفَعَ الْفَرَسَ فَإِذَا هِيَ قَدْ رَسَخَتْ (٢) فِي الْأَرْضِ كَأَنَّمَا سُمِّرَتْ فِيهَا بِمَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ. فَالْتَفَتَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَصَاحِبِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ ضَارِعٍ: يَا هَذَانِ ادْعُوَا لِي رَبَّكُمَا أَنْ يُطْلِقَ قَوَائِمَ فَرَسِي … وَلَكُما عَلَى أَنْ أَكُفَّ عَنْكُما. فَدَعَا لَهُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَأَطْلَقَ اللَّهُ لَهُ قَوَائِمَ فَرَسِهِ … لَكِنَّ أَطْمَاعَهُ مَا لَبِثَتْ أَنْ تَحَرَّكَتْ مِنْ جَدِيدٍ، فَدَفَعَ فَرَسَهُ نَحْوَهُمَا فَسَاخَتْ قَوَائِمُهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ أَكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْلُ. فَاسْتَغَاثَ بِهِمَا، وَقَالَ: إِلَيْكُمَا زَادِي وَمَتَاعِي وَسِلَاحِي فَخُذَاهُ، وَلَكُمَا عَلَى عَهْدُ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا مَنْ وَرَائِي مِنَ النَّاسِ … فَقَالَا لَهُ: لَا حَاجَةَ لَنَا بِزَادِكَ وَمَتَاعِكَ، وَلَكِنْ رُدَّ عَنَّا النَّاسَ … ثُمَّ دَعَا لَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَانْطَلَقَتْ فَرَسُهُ. فَلَمَّا هَمَّ بِالْعَوْدَةِ، نَادَاهُمْ قَائِلًا: تَرَيّثَّوا أُكَلِّمْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَا لَهُ: مَا تَبْتَغِي مِنَّا؟!. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ دِينُكَ، وَيَعْلُو أَمْرُكَ فَعَاهِدْنِي

стр. 441

إِذَا أَتَيْتُكَ فِي مُلْكِكَ أَنْ تُكْرِمَنِي، وَاكْتُبْ لِي بِذَلِكَ … فَأَمَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصِّدِّيقَ فَكَتَبَ لَهُ عَلَى لَوْحٍ مِنْ عَظْمٍ، وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ … وَلَمَّا هَمَّ بِالِانْصِرَافِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: (وَكَيْفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟!). فَقَالَ سُرَاقَةُ فِي دَهْشَةٍ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟!. فَقَالَ ﷺ : (نَعَمْ … كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ). * * * عَادَ سُرَاقَةُ أَدْرَاجَهُ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ أَقْبَلُوا يَنْشُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا، فَقَدْ نَفَضْتُ الْأَرْضَ نَفْضًا (١) بَحْثًا عَنْهُ … وَأَنْتُمْ لَا تَجْهَلُونَ مَبْلَغَ بَصَرِي بِالْأَثَرِ (٢)، فَرَجَعُوا. ثم كَتَم خَبَرَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ حَتَّى أَيْقَنَ أَنَّهُمَا بَلَغَا الْمَدِينَةَ وَأَصْبَحَا فِي مَأْمَنٍ مِنْ عُدْوَانِ قُرَيْشٍ، عِنْدَ ذَلِكَ أَذَاعَهُ … فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو جَهْلٍ بِخَبَرِ سُرَاقَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﵊ وَمَوْقِفِهِ مِنْهُ؛ لَامَهُ عَلَى تَخَاذُلِهِ وَجُبْنِهِ وتَفْوِيتِهِ الْفُرْصَةَ … فَقَالَ سُرَاقَةُ يُجِيبُهُ عَلَى مَلَامَتِهِ: أبا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لِأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوحُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ، فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهُ؟! * * * دَارَتِ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا … فَإِذَا بِمُحَمَّدٍ الَّذِي خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ طَرِيدًا شَرِيدًا مُسْتَتِرًا بِجُنْحِ الظَّلَامِ يَعُودُ

стр. 442

إِلَيْهَا سَيّدًا فَاتِحًا تَحْفُّ بِهِ الْأُلُوفُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنْ بِيضِ السُّيُوفِ وَسُمْرِ الرِّمَاحِ … وَإِذَا بِزُعَمَاءِ قُرَيْشِ الَّذِينَ مَلَأُوا الْأَرْضَ عُنْجُهِيَّةً وَغَطْرَسَةً (١) يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ خَائِفِينَ وَاجِفِينَ؛ يَسْأَلُونَهُ الرَّأْفَةَ وَيَقُولُونَ: مَاذَا عَسَاكَ تَصْنَعُ بِنَا؟!. فَيَقُولُ لَهُمْ فِي سَمَاحَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ) … عِنْدَ ذَلِكَ أَعَدَّ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ رَاحِلَتَهُ، وَمَضَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَمَعَهُ الْعَهْدُ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ. قَالَ سُرَاقَةُ: لَقَدْ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ "بِالْجِعْرَانَةِ" (٢)، فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي (٣) بِكُعُوبِ (٤) الرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إِلَيْكَ، إِلَيْكَ (٥)، مَاذَا تُرِيدُ؟! … فَمَا زِلْتُ أَشُقُّ صُفُوفَهُمْ حَتَّى غَدَوْتُ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ … وَهَذَا كِتَابُكَ لي … فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: (أُدْنُ مِنِّي يَا سُرَاقَةٌ أُدْنُ … هَذَا يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ). فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَعْلَنْتُ إِسْلَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ. وَنِلْتُ مِنْ خَيْرِهِ وَبِرِّهِ … * * *

стр. 443

لَمْ يَمْضِ عَلَى لِقَاءِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى اخْتَارَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِلَى جِوَارِهِ … فَحَزِنَ عَلَيْهِ سُرَاقَةُ أَشَدَّ الْحُزْنِ، وَجَعَلَ يَتَرَاءَى لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي هَمَّ فِيهِ بِقَتْلِهِ مِنْ أَجْلِ مِائَةِ نَاقَةٍ، وَكَيْفَ أَنَّ نُوقَ الدُّنْيَا كُلَّهَا قَدْ أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ لَا تُسَاوِي عِنْدَهُ قُلَامَةً (١) مِنْ ظُفْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَجَعَلَ يُرَدِّدُ قَوْلَتَهُ لَهُ: (كَيفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟!) دُونَ أَنْ يُخَامِرَهُ شَكٌّ فِي أَنَّهُ سَيَلْبَسُهُمَا. * * * ثُمَّ دَارَتِ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا كَرَّةً أُخْرَى وَآلَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْفَارُوقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَهَبَّتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِهِ الْمُبَارَكِ عَلَى مَمْلَكَةِ فَارِسَ كَمَا يَهُبُّ الْإِعْصَارُ … فَطَفِقَتْ تَدُكُّ الْحُصُونَ، وَتَهْزِمُ الْجُيُوشَ، وَتَهُزُ الْعُرُوشَ، وَتُحْرِزُ الْغَنَائِمَ حَتَّى أَدَالَ (٢) اللَّهُ عَلَى يَدَيْهَا دَوْلَةَ الأَكَاسِرَةِ … وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ مِنْ أَوَاخِرِ أَيَّامٍ خِلَافَةِ عُمَرَ، قَدِمَ عَلَى الْمَدِينَةِ رُسُلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٣) يُبَشِّرُونَ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَتْحِ … وَيَحْمِلُونَ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ خُمُسَ الْفَيْءِ الَّذِي غَيْمَهُ الْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَلَمَّا وُضِعَتِ الْغَنَائِمُ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ؛ نَظَرَ إِلَيْهَا فِي دَهْشَةٍ …

стр. 444

فَقَدْ كَانَ فِيهَا تَاجُ كِسْرَى الْمُرَصَّعُ بِالدُّرِّ … وَثِيَابُهُ الْمَنْسُوجَةُ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ … وَوِشَاحُهُ (١) الْمَنْظُومُ بِالْجَوْهَرِ .. وَسِوَارَاهُ اللَّذَانِ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ مِثْلَهُمَا قَطُّ … وَمَا لَا حَصْرَ لَهُ مِنَ النَّفَائِسِ الْأُخْرَى .... فَجَعَلَ عُمَرُ يُقَلِّبُ هَذَا الْكَنْزَ الثَّمِينَ بِقَضِيبٍ كَانَ في يده … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ: إِنَّ قَوْمًا أَدَّوْا هَذَا لَأُمَنَاءُ … فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ حِينَئِذٍ حَاضِرًا: "إِنَّكَ عَفَفْتَ؛ فَعَفَّتْ رَعِيَّتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ … وَلَوْ رَتَعْتَ لَرَتَعُوا (٢) … ". وَهُنَا دَعَا الْفَارُوقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ، فَأَلْبَسَهُ قَمِيصَ كسْرَى وَسَرَاوِيلَهُ، وَقِبَاءَهُ (٣) وَخُفَّيْهِ … وَقَلَّدَهُ سَيْفَهُ وَمِنْطَقَتَهُ (٤) … وَوَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجَهُ … وَأَلْبَسَهُ سِوَارَيْهِ … نَعَمْ سِوَارَيْهِ … عِنْدَ ذَلِكَ هَتَفَ الْمُسْلِمُونَ:

стр. 445

اللَّهُ أَكْبَرُ … اللَّهُ أَكْبَرُ … اللَّهُ أَكْبَرُ … ثُمَّ الْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى سُرَاقَةً وَقَالَ: بَخٍ بَخٍ (١) … أُعَيْرَابِيٌّ (٢) مِنْ بَنِي "مَدْلَجٍ" عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ كِسْرَى … وَفِي يَدِيْهِ سِوَارَاهُ!! … ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ مَنَعْتَ هَذَا الْمَالَ رَسُولَكَ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنِّي وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ … وَمَنَعْتَهُ أَبَا بَكْرٍ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنِّي وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ … وَأَعْطَيْتَنِيهِ، فَأَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَعْطَيْتَنِيهِ لِتَمْكُرَ بِي (٣) … ثُمَّ لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى قَسَّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (*).

стр. 446

فَيرُوزُ الديلميُ "فَيْرُوزُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ] لَمَّا اشْتَكَى (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَطَارَتِ "الْأَخْبَارُ فِي أَرْجَاءٍ (٢) الْجَزِيرَةِ بِمَرَضِهِ، ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ فِي "الْيَمَنِ"، وَمُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ فِي "الْيَمَامَةِ"، وَطُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ فِي بِلَادِ بَنِي "أَسَدٍ"، وَزَعَمَ الثَّلَاثَةُ الْكَذَّابُونَ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءٌ أُرْسِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى قَوْمِهِ؛ كَمَا أُرْسِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قُرَيْشٍ. * * * كَانَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ كَاهِنًا مُشَعْبِذًا (٣) أَسْوَدَ النَّفْسِ مُسْتَطِيرَ الشَّرِّ، شَدِيدَ الْقُوَّةِ، ضَخْمَ الْهَيْكَلِ. وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ فَصِيحًا يَخْلُبُ الْأَلْبَابَ بِبَيَانِهِ، دَاهِيَةً قَادِرًا عَلَى اللَّعِبِ بِعُقُولِ الْعَامَّةِ بِأَبَاطِيلِهِ، وَإِغْرَاءِ الْخَاصَّةِ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْمَنَاصِبِ. وَكَانَ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ إِلَّا مُقَنَّعًا (٤) لإحَاطَةِ نَفْسِهِ بِهَالَةٍ مِنَ الْغُمُوضِ وَالْهَيْبَةِ. * * * وَكَانَ النَّفُوذُ فِي "الْيَمَنِ" إِذْ ذَاكَ "لِلْأَبْنَاءِ"، وَعَلَى رَأْسِهِمْ فَيَرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .

стр. 447

وَ "الْأَبْنَاءُ" اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ آبَاؤُهُمْ مِنَ "الْفُرْسِ" الَّذِينَ نَزَحُوا مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَى "الْيَمَنِ"، وَأُمَّهَاتُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ. وَقَدْ كَانَ كَبِيرُهُمْ "بَاذَانُ" (١) عِنْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ مَلِكًا عَلَى "الْيَمَنِ" مِنْ قِبَلِ" كِسْرَى" عَظِيمِ الْفُرْسِ، فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُ صِدْقُ الرَّسُولِ ﷺ وَسُمُوُّ دَعْوَتِهِ؛ خَلَعَ طَاعَةَ "كِسْرَى"، وَدَخَلَ هُوَ وَقَوْمُهُ فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُلْكِهِ، وَظَلَّ فِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ قُبَيْلَ ظُهُورِ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِزَمَنِ يَسِيرٍ. * * * وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ لِدَعْوَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ قَوْمُهُ بَنُو "مَذْحِجِ" (٢)، فَوَثَبَ بِهِمْ عَلَى "صَنْعَاءَ"، وَقَتَلَ وَالِيَهَا "شَهْرَ بْنَ بَاذَانَ"، وَتَزَوَّجَ مِنِ امْرَأَتِهِ "آذَادَ". ثُمَّ وَثَبَ مِنْ "صَنْعَاءَ" عَلَى الْمَنَاطِقِ الْأُخْرَى، فَجَعَلَتْ تَتَهَاوَى تَحْتَ ضَرَبَاتِهِ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ حَتَّى دَانَتْ لَهُ الْبِلَادُ الْوَاقِعَةُ مَا بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ إِلَى الطَّائِفِ، وَمَا بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ وَالْأَحْسَاءِ إِلَى عَدَنَ … * * * وَكَانَ مِمَّا سَاعَدَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ عَلَى خِدَاعِ النَّاسِ وَاسْتِمَالَتِهِمْ إِلَيْهِ؛ دَهَاؤُهُ الَّذِي لَا حُدُودَ لَهُ، فَقَدْ زَعَمَ لِأَتْبَاعِهِ أَنَّ لَهُ مَلَكًا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ وَيُنَبِّئُهُ بِالْمُغَيَّبَاتِ … وَكَانَ يُؤَكِّدُ هَذَا الزَّعْمَ بِعُيُونِهِ (٣) الَّذِينَ بَثَّهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لِيَقِفُوا لَهُ عَلَى أَخْبَارِ النَّاسِ، وَيَنْفُذُوا إِلَى أَسْرَارِهِمْ، وَيَتَعَرَّفُوا إِلَى مُشْكِلَاتِهِمْ وَيَكْشِفُوا

стр. 448

عَمَّا يَتَلَجْلَجُ (١) فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْأَمَانِيِّ وَالْآمَالِ، ثُمَّ يَأْتُوهُ بِهَا سِرًّا. فَكَانَ يُوَاجِهُ كُلَّ ذِي حَاجَةٍ بِحَاجَتِهِ، وَيَبْدَأُ كُلَّ صَاحِبِ مُشْكِلَةٍ بِمُشْكِلَتِهِ، وَيَأْتِي لِأَنْبَاعِهِ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ مَا يُذْهِلُ عُقُولَهُمْ وَيُحَيِّرُ أَفْهَامَهُمْ … حَتَّى غَلُظَ (٢) أَمْرُهُ، وَاسْتَطَارَتْ (٣) دَعْوَتُهُ كَمَا تَسْتَطِيرُ النَّارُ الْمُسْتَعِرَةُ فِي الْهَشِيمِ الْيَابِسِ. * * * مَا كَادَتْ تَبْلُغُ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْبَاءُ رِدَّةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَوُثُوبِهِ عَلَى "الْيَمَنِ"؛ حَتَّى سَيَّرَ نَحْوَ عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَسَائِلَ إِلَى مَنْ يَتَوَسَّمُ (٤) فِيهِمُ الْخَيْرَ مِنْ أَصْحَابِ السَّابِقَةِ (٥) فِي "الْيَمَنِ" يَحُضُّهُمْ فِيهَا عَلَى مُوَاجَهَةِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ بِالْإِيمَانِ وَالْحَزْمِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّخَلُّصِ مِنَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ … فَمَا مِنْ أَحَدٍ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا لَبَّى دَعْوَتَهُ، وَهَبْ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ. وَكَانَ أَسْبَقَ النَّاسِ اسْتِجَابَةً لِنِدَائِهِ بَطَلُ قِصَّتِنَا فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ "الْأَبْنَاءِ". فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لَهُ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُ الْفَذَّةَ الرَّائِعَةَ … قَالَ فَيْرُوزُ: لَمْ نَرْتَبْ (٦) أَنَا وَمَنْ مَعِي مِنَ "الْأَبْناءِ"، لَحْظَةً فِي دِينِ اللهِ، وَلَا وَقَعَ فِي قَلْبِ أَيٍّ مِنَّا تَصْدِيقٌ لِعَدُوِّ اللَّهِ.

стр. 449

وَكُنَّا نَتَحَيَّنُ الْفُرَصَ لِلْوُثُوبِ عَلَيْهِ وَالتَّخَلُصِ مِنْهُ بِكُلِّ سَبِيلٍ … فَلَمَّا وَرَدَتْ عَلَيْنَا وَعَلَى أَصْحَابِ السَّابِقَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كُتُبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ تَقَوَّى بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، وَهَبَّ كُلٌّ مِنَّا يَعْمَلُ فِي جِهَتِهِ … * * * وَكَانَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ قَدْ دَاخَلَهُ الْغُرُورُ وَالْكِبْرُ لِمَا أَصَابَ مِنْ نَجَاحٍ، فَتَاهَ (١) عَلَى قَائِدِ جَيْشِهِ "قَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ"، وَتَجَبَّرَ، وَتَغَيَّرَ فِي مُعَامَلَتِهِ لَهُ حَتَّى صَارَ "قَيْسٌ" لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ بَطْشِهِ. فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ أَنَا وَابْنُ عَمِّي "دَاذَوَيْهِ"، وَأَبْلَغْنَاهُ رِسَالَةَ النَّبِيِّ ﵊، وَدَعَوْنَاهُ لِأَنْ يَتَغَدَّى بِالرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى بِهِ. فَانْشَرَحَ لِدَعْوَتِنَا صَدْرُهُ، وَكَشَفَ لَنَا عَنْ سِرِّهِ، وَرَآنَا كَأَنَّنَا هَبَطْنَا عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ. فَتَعَاهَدْنَا نَحْنُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنْ نَتَصَدَّى (٢) لِلْمُرْتَدُ الْكَذَّابِ مِنَ الدَّاخِلِ بَيْنَمَا يَتَصَدَّى لَهُ إِخْوَانُنَا الْآخَرُونَ مِنَ الْخَارِجِ. وَاسْتَقَرَّ رَأْيُّنَا عَلَى أَنْ نُشْرِكَ مَعَنَا ابْنَةَ عَمِّي "آذَادَ" الَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِهَا "شَهْرَ بْنِ بَاذَانَ". * * * مَضَيْتُ إِلَى قَصْرِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَالْتَقَيْتُ بِابْنَةِ عَمِّي "آذَادَ" وَقُلْتُ لَهَا: يَا بْنَةَ الْعَمِّ، لَقَدْ عَرَفْتِ مَا أَنْزَلَهُ هَذَا الرَّجُلُ بِكِ وَبِنَا مِنَ الشَّرِّ وَالضُّرِّ … فَلَقَدْ قَتَلَ زَوْجَكِ، وَفَضَحَ نِسَاءَ قَوْمِكِ، وَأَهْلَكَ كَثِيرًا مِنْ رِجَالِهِمْ، وانتَزَعَ الْأَمْرُ (٣) مِنْ أَيْدِيهِمْ.

стр. 450

وَهَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْنَا خَاصَّةً وَإِلَى أَهْلِ "الْيَمَنِ" عَامَّةً يَدْعُونَا فِيهِ إِلَى الْقَضَاءِ عَلَى هَذِهِ الْفِتْنَةِ. فَهَلْ لَكِ أَنْ تُعِينِينَا عَلَيْهِ؟!. فَقَالَتْ: أُعِينُكُمْ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟. فَقُلْتُ: عَلَى إِخْرَاجِهِ .. فَقَالَتْ: بَلْ عَلَى قَتْلِهِ … فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا قَصَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ أُوَاجِهَكِ بِهِ. فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا مَا ارْتَبْتُ فِي دِينِي طَرْفَةَ عَيْنٍ (١)، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ رَجُلًا أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا الشَّيْطَانِ .. وَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُهُ إِلَّا فَاجِرًا، أَثِيمًا، لَا يَرْعَى حَقًّا، وَلَا يَنْتَهِي عَنْ مُنْكَرٍ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ لَنَا بِقَتْلِهِ؟!. فَقَالَتْ: إِنَّهُ مُتَحَرِّزُ مُتَحَرِّسٌ (٢) لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِي الْقَصْرِ مَكَانٌ إِلَّا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ غَيْرَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ النَّائِيَةِ الْمَهْجُورَةِ؛ فَإِنَّ ظَهْرَهَا إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا عَلَى الْبَرِّيَّةِ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوهَا فِي عَتْمَةِ اللَّيْلِ، وَسَتَجِدُونَ فِي دَاخِلِهَا السِّلَاحَ وَالْمِصْبَاحَ … وَسَتَجِدُونَنِي فِي انْتِظَارِكُمْ، ثُمَّ ادْخُلُوا عَلَيْهِ وَاقْتُلُوهُ … فَقُلْتُ: وَلَكِنَّ نَقْبَ (٣) حُجْرَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَصْرِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْهَيِّنِ …

стр. 451

فَقَدْ يَمُرُّ بِنَا إِنْسَانٌ فَيَهْتِفُ وَيَسْتَصْرِخُ (١) الْحَرَسَ … فَيَكُونُ مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ … فَقَالَتْ: مَا عَدَوْتَ الْحَقَّ (٢) … وَلَكُمْ عِنْدِي رَأْيٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟!. قَالَتْ: تُرْسِلُ غَدًا رَجُلًا تَأْتَمِنُهُ عَلَى هَيْئَةِ عَامِلٍ، فَآمُرُهُ أَنَا بِنَقْبِ الْحُجْرَةِ مِنَ الدَّاخِلِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ النَّقْبِ إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ … ثُمَّ تُتِمُّونَهُ أَنتُمْ فِي اللَّيْلِ مِنَ الْخَارِجِ بِأَيْسَرِ الْجُهْدِ. فَقُلْتُ: نِعْمَ الرَّأْيُ مَا رَأَيْتِ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَأَخْبَرْتُ صَاحِبَيَّ بِمَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ فَبَارَكُوهُ، وَمَضَيْنَا مِنْ سَاعَتِنَا نُعِدُّ لِلْأَمْرِ عُدَّتَهُ. ثُمَّ أَفْضَيْنَا (٣) إِلَى خَاصَّةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْصَارِنَا بِكَلِمَةِ السِّرِّ، وَدَعَوْنَاهُمْ لِلتَّأَهُّبِ، وَجَعَلْنَا مَوْعِدَنَا مَعَهُمْ فَجْرَ الْيَوْمِ التَّالِي. وَلَمَّا جَنَّ (٤) عَلَيْنَا اللَّيْلُ، وَأَزِفَ (٥) الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ؛ مَضَيْتُ مَعَ صَاحِبَيَّ إِلَى مَكَانِ النَّقْبِ؛ فَكَشَفْنَا عَنْهُ، وَوَلَجْنَا (٦) إِلَى دَاخِلِ الْحُجْرَةِ وَتَنَاوَلْنَا السِّلَاحَ وَأَضَأْنَا الْمِصْبَاحَ، وَمَضَيْنَا نَحْوَ مَقْصُورَةِ عَدُوِّ اللَّهِ؛ فَإِذَا ابْنَةُ عَمِّي وَاقِفَةٌ بِبَابِهَا، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ؛ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ يَغُطُّ (٧) فِي نَوْمِهِ. فَأَهْوَيْتُ بِالشَّفْرَةِ عَلَى عُنُقِهِ؛ فَخَارَ خُوَارَ الثَّوْرِ (٨)، وَاضْطَرَبَ اضْطِرَابَ الْبَعِيرِ الْمَذْبُوحِ …

стр. 452

فَلَمَّا سَمِعَ الْحَرَسُ خُوَارَهُ؛ أَقْبَلُوا عَلَى الْمَقْصُورَةِ وَقَالُوا: مَا هَذَا؟!!. فَقَالَتْ لَهُمُ ابْنَةُ عَمِّي: انْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُوحَى إِلَيْهِ … فَانْصَرَفُوا … * * * بَقِينَا فِي الْقَصْرِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَوَقَفْتُ عَلَى سُورٍ مِنْ أَسْوَارِهِ وَهَتَفْتُ: اللَّهُ أَكَبْرُ، اللَّهُ أَكَبْرُ، وَمَضَيْتُ فِي الْأَذَانِ حَتَّى قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ كَذَّابٌ … وَكَانَتْ هَذِهِ كَلِمَةَ السِّرِّ. فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْقَصْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهَبَّ الْحَرَسُ مَذْعُورِينَ لَمَّا سَمِعُوا الْأَذَانَ، وَتَلَاحَمَ الْفَرِيقَانِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. فَأَلْقَيْتُ إِلَيْهِمْ بِرَأْسِ الْأَسْوَدِ مِنْ فَوْقِ أَسْوَارِ الْقَصْرِ … فَلَمَّا رَآهُ أَنْصَارُهُ وَهَنُوا (١) وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ (٢)، وَلَمَّا أَبْصَرَهُ الْمُؤْمِنُونَ كَبَّرُوا وَكَرُّوا عَلَى عَدُوِّهِمْ … وَقُضِيَ الْأَمْرُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. * * * وَلَمَّا أَسْفَرَ (٣) النَّهَارُ بَعَثْنَا بِكِتَابِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ نُبَشِّرُهُ بِمَصْرَع عَدُوِّ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُبَشِّرُونَ الْمَدِينَةَ وَجَدُوا النَّبِيَّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ فَارَقَ الْحَيَاةَ لِلَيْلَتِهِ (٤). غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا لَبِثُوا أَنْ عَلِمُوا أَنَّ الْوَحْيَ بَشَّرَهُ بِمَقْتَلِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا …

стр. 453

فَقَالَ ﵊ لِأَصْحَابِهِ: (قُتِلَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الْبَارِحَةَ … قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ) … فَقِيلَ لَهُ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولُ اللَّهِ؟. فَقَالَ: (فَيْرُوزُ … فَازَ فَيْرُوزُ) (*) …

стр. 454

ثَابِتُ بْن قَيسٍ الأَنْصَارِيُّ "مَا أُجِيزَتْ وَصِيَّةُ امْرِئٍ أَوْصَى بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ سِوَى وَصِيَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ". ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ الْأَنْصَارِيُّ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ الْخَزْرَجِ (١) الْمَرْمُوقِينَ، وَوَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ "يَثْرِبَ" الْمَعْدُودِينَ. وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ ذَكِيَّ الْفُؤَادِ، حَاضِرَ الْبَدِيهَةِ، رَائِعَ الْبَيَانِ، جَهِيرَ الصَّوْتِ، إِذَا نَطَقَ بَزَّ (٢) الْقَائِلِينَ، وَإِذَا خَطَبَ أَسَرَ السَّامِعِينَ. وَهُوَ أَحَدُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي "يَثْرِبَ"؛ إِذْ مَا كَادَ يَسْتَمِعُ إِلَى آيِ الذِّكْرِ الْحَكِيم يُرَتِّلُهَا الدَّاعِيَةُ الْمَكِّيُّ الشَّابُّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ وَجَرْسِهِ (٣) النَّدِيِّ حَتَّى أَسَرَ الْقُرْآنُ سَمْعَهُ بِحَلَاوَةِ وَقْعِهِ، وَمَلَكَ قَلْبَهُ بِرَائِعِ بَيَانِهِ، وَخَلَبَ لُبَّهُ بِمَا حَفَلَ بِهِ مِنْ هَدْيِ وَتَشْرِيعٍ. فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ، وَأَعْلَى قَدْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ بِالانْضِوَاءِ تَحْتَ لِوَاءِ نَبِيِّ الْإِسْلَامِ. * * * وَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا اسْتَقْبَلَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي كَوْكَبَةٍ (٤) كَبِيرَةٍ مِنْ فُرْسَانِ قَوْمِهِ أَكْرَمَ اسْتِقْبَالِ، وَرَحَّبَ بِهِ

стр. 455

وَبِصَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ أَجْمَلَ تَرْحِيبٍ، وَخَطَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ خُطْبَةً بَلِيغَةً افْتَتَحَهَا بِحَمْدِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ .. وَاخْتَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: "وَإِنَّا نُعَاهِدُكَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - عَلَى أَنْ نَمْنَعَكَ (١) مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَوْلَادَنَا وَنِسَاءَنَا؛ فَمَا لَنَا لِقَاءَ ذَلِكَ؟ ". فَقَالَ ﵊: (الْجَنَّةُ) … فَمَا كَادَتْ كَلِمَةُ "الْجَنَّةِ" تُصَافِحُ آذَانَ الْقَوْمِ حَتَّى أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْفَرْحَةِ وَزَهَتْ قَسَمَاتُهُمْ بِالْبَهْجَةِ، وَقَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ … رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم جَعَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ خَطِيبَهُ، كَمَا كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ شَاعِرَهُ. فَصَارَ إِذَا جَاءَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ لِتُفَاخِرَهُ أَوْ تُنَاظِرَهُ بِأَلْسِنَةِ الْفُصَحَاءِ الْمَقَاوِلِ (٢) مِنْ خُطَبَائِهَا وَشُعَرَائِهَا، نَدَبَ لَهُمْ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ لِمُصَاوَلَةِ (٣) الْخُطَبَاءِ، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ لِمُفَاخَرَةِ الشُّعَرَاءِ (٤). * * * وَلَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مُؤْمِنًا عَمِيقَ الْإِيمَانَ، تَقِيًّا صَادِقَ التَّقْوَى، شَدِيدَ الْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، عَظِيمَ الْحَذَرِ مِنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ.

стр. 456

فَلَقَدْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ هَلِعًا جَزِعًا (١) تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ (٢) خَوْفًا وَخَشْيَةً فَقَالَ: (مَا بِكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟!). فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: (وَلِمَ؟!). قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَنْ نُحِبُّ أَنْ نُحْمَدَ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْحَمْدَ … وَنَهَانَا عَنِ الْخُيَلَاءِ (٣)، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الزَّهْوَ (٤). فَمَا زَالَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُهَدِّئ مِنْ رَوْعِهِ (٥) حَتَّى قَالَ: (يَا ثَابِتُ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا .. وَتُقْتَلَ شَهِيدًا. وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟) … فَأَشْرَقَ وَجْهُ ثَابِتٍ بِهَذِهِ الْبُشْرَى، وَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ … بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ … فَقَالَ ﵊: (إِنَّ لَكَ ذَلِكَ). * * *

стр. 457

وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ (١) وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢). تَجَنَّبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَجَالِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ، وَفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ - وَلَزِمَ بَيْتَهُ حَتَّى لَا يَكَادَ يَبْرَحُهُ إِلَّا لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ (٣). فَافْتَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: (مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِهِ؟). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ. وَذَهَبَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي مَنْزِلِهِ مَحْزُونًا مُنَكِّسًا رَأْسَهُ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟. قَالَ: شَرٌّ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟!. قَالَ: إِنَّكَ تَعْرِفُ أَنِّي رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّ صَوْتِي كَثِيرًا مَا يَعْلُو عَلَى صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا تَعْلَمُ … وَمَا أَحْسَبُنِي إِلَّا قَدْ حَبِطَ (٤) عَمَلِي وَأَنَّنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ … فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى وَمَا سَمِعَ فَقَالَ:

стр. 458

(اذْهَبْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). فَكَانَتْ هَذِهِ بِشَارَةً عُظْمَى لِثَابِتٍ ظَلَّ يَرْجُوَ خَيْرَهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ. * * * وَقَدْ شَهِدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا سِوَى "بَدْرٍ"، وَأَقْحَمَ نَفْسَهُ فِي غِمَارِ الْمَعَارِكِ طَلَبًا لِلشَّهَادَةِ الَّتِي بَشَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَكَانَ يُخْطِئُهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَهِيَ قَابَ قَوْسَيْنِ (١) مِنْهُ أَوْ أَدْنَى … إِلَى أَنْ وَقَعَتْ حُرُوبُ الرِّدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ عَلَى عَهْدِ الصِّدِّيقِ ﵁. وَلَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا لِجُنْدِ الْأَنْصَارِ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ (٢) أَمِيرًا لِجُنْدِ الْمُهَاجِرِينَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَائِدًا لِلْجَيْشِ كُلِّهِ: أَنْصَارِهِ وَمُهَاجِرِيهِ؛ وَمَنْ فِيهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْبَوَادِي .. وَلَقَدْ كَانَتِ الرِّيحُ وَالدَّوْلَةُ (٣) فِي جُلِّ الْمَعَارِكِ لِمُسَيْلِمَةَ وَرِجَالِهِ عَلَى جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرُ أَنِ اقْتَحَمُوا فُسْطَاطَ (٤) خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ زَوْجَتِهِ أُمِّ تَمِيمٍ … وَقَطَعُوا حِبَالَ الْفُسْطَاطِ وَمَزَّقُوهُ شَرَّ مُمَزَّقٍ. فَرَأَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمَذَاكَ مِنْ تَضَعْضُعَ الْمُسْلِمِينَ مَا شَحَنَ (٥) قَلْبَهُ أَسَىً وَكَمَدًا، وَسَمِعَ مِنْ تَنَابُزِهِمْ (٦) مَا مَلأَ صَدَّرَهُ هَمًّا وَغَمًّا .. فَأَبْنَاءُ الْمُدُنِ يَرْمُونَ أَهْلَ البَوَادِي بِالْجُبْنِ، وَأَهْلُ البَوَادِي يَصِفُونَ أَبْنَاءَ الْمُدُنِ بِأَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ الْقِتَالَ وَلَا يَدْرُونَ مَا الْحَرْبُ ..

стр. 459

عِنْدَ ذَلِكَ تَحَنَّطَ (١) ثَابِتٌ وَتَكَفَّنَ وَوَقَفَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَعْدَاءَكُمْ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَيْكُمْ … وَبِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الاِنْخِذَالِ لَهُمْ … ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنَ الشِّرْكِ [يَعْنِي مُسَيْلِمَةً وَقَوْمَهُ]. وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ [يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ]. ثُمَّ هَبَّ هَبَّةَ الْأَسَدِ الضَّارِي كَتِفًا لِكَتِفٍ مَعَ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ: الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ (٢) … وَزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَخِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ … وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ … وَغَيْرِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ السَّابِقِينَ … وَأَبْلَى بَلَاءً عَظِيمًا مَلأَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ حَمِيَّةً وَعَزْمًا، وَشَحَنَ أَفْئِدَةَ الْمُشْرِكِينَ وَهْنًا وَرُعْبًا. وَمَا زَالَ يُجَالِدُ فِي كُلِّ اتِّجَاهِ، وَيُضَارِبُ بِكُلِّ سِلَاحٍ حَتَّى أَثْخَنَتْهُ (٣) الْجِرَاحُ؛ فَخَرَّ صَرِيعًا عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ قَرِيرَ الْعَيْنِ (٤) بِمَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ

стр. 460

الشَّهَادَةِ الَّتِي بَشَّرَهُ بِهَا حَبِيبُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مَثْلُوجَ الصَّدْرِ (١) بِمَا حَقَّقَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّصْرِ … * * * وَكَانَتْ عَلَى ثَابِتٍ دِرْعٌ نَفِيسَةٌ؛ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَعَهَا عَنْهُ، وَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ. وَفي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ لاِسْتِشْهَادِهِ رَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَنَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، فَهَلْ عَرَفْتَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنِّي أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلُمٌ فَتُضَيِّعَهَا … إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَخَذَ دِرْعِي وَمَضَى بِهَا نَحْوَ خِبَائِهِ (٢) فِي أَقْصَى الْمُعَسْكَرِ مِنَ الْجِهَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَوَضَعَهَا تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ، وَوَضَعَ فَوْقَ الْقِدْرِ رَحْلًا (٣) … فَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَقُلْ لَهُ: أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الرَّجُلِ مَنْ يَأْخُذُ الدِّرْعَ مِنْهُ فَهِيَ مَا تَزَالُ فِي مَكَانِهَا .. وَأُوصِيكَ بِأُخْرَى، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلُمُ نَائِمٍ فَتُضَيِّعَهَا .. قُلْ لِخَالِدٍ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا ..
следующие страницы →