Полный текст (979 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فَلَقَدْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ هَلِعًا جَزِعًا (١) تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ (٢) خَوْفًا وَخَشْيَةً فَقَالَ:
(مَا بِكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟!).
فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ …
قَالَ: (وَلِمَ؟!).
قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَنْ نُحِبُّ أَنْ نُحْمَدَ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْحَمْدَ …
وَنَهَانَا عَنِ الْخُيَلَاءِ (٣)، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الزَّهْوَ (٤).
فَمَا زَالَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُهَدِّئ مِنْ رَوْعِهِ (٥) حَتَّى قَالَ:
(يَا ثَابِتُ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا ..
وَتُقْتَلَ شَهِيدًا.
وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟) …
فَأَشْرَقَ وَجْهُ ثَابِتٍ بِهَذِهِ الْبُشْرَى، وَقَالَ:
بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ … بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَقَالَ ﵊: (إِنَّ لَكَ ذَلِكَ).
* * * стр. 457
وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ (١) وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢).
تَجَنَّبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَجَالِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ، وَفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ - وَلَزِمَ بَيْتَهُ حَتَّى لَا يَكَادَ يَبْرَحُهُ إِلَّا لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ (٣).
فَافْتَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ:
(مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِهِ؟).
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ.
وَذَهَبَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي مَنْزِلِهِ مَحْزُونًا مُنَكِّسًا رَأْسَهُ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟.
قَالَ: شَرٌّ.
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟!.
قَالَ: إِنَّكَ تَعْرِفُ أَنِّي رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّ صَوْتِي كَثِيرًا مَا يَعْلُو عَلَى صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا تَعْلَمُ … وَمَا أَحْسَبُنِي إِلَّا قَدْ حَبِطَ (٤) عَمَلِي وَأَنَّنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ …
فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى وَمَا سَمِعَ فَقَالَ: стр. 458
(اذْهَبْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ).
فَكَانَتْ هَذِهِ بِشَارَةً عُظْمَى لِثَابِتٍ ظَلَّ يَرْجُوَ خَيْرَهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ.
* * *
وَقَدْ شَهِدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا سِوَى "بَدْرٍ"، وَأَقْحَمَ نَفْسَهُ فِي غِمَارِ الْمَعَارِكِ طَلَبًا لِلشَّهَادَةِ الَّتِي بَشَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَكَانَ يُخْطِئُهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَهِيَ قَابَ قَوْسَيْنِ (١) مِنْهُ أَوْ أَدْنَى …
إِلَى أَنْ وَقَعَتْ حُرُوبُ الرِّدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ عَلَى عَهْدِ الصِّدِّيقِ ﵁.
وَلَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا لِجُنْدِ الْأَنْصَارِ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ (٢) أَمِيرًا لِجُنْدِ الْمُهَاجِرِينَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَائِدًا لِلْجَيْشِ كُلِّهِ:
أَنْصَارِهِ وَمُهَاجِرِيهِ؛ وَمَنْ فِيهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْبَوَادِي ..
وَلَقَدْ كَانَتِ الرِّيحُ وَالدَّوْلَةُ (٣) فِي جُلِّ الْمَعَارِكِ لِمُسَيْلِمَةَ وَرِجَالِهِ عَلَى جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرُ أَنِ اقْتَحَمُوا فُسْطَاطَ (٤) خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ زَوْجَتِهِ أُمِّ تَمِيمٍ … وَقَطَعُوا حِبَالَ الْفُسْطَاطِ وَمَزَّقُوهُ شَرَّ مُمَزَّقٍ.
فَرَأَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمَذَاكَ مِنْ تَضَعْضُعَ الْمُسْلِمِينَ مَا شَحَنَ (٥) قَلْبَهُ أَسَىً وَكَمَدًا، وَسَمِعَ مِنْ تَنَابُزِهِمْ (٦) مَا مَلأَ صَدَّرَهُ هَمًّا وَغَمًّا ..
فَأَبْنَاءُ الْمُدُنِ يَرْمُونَ أَهْلَ البَوَادِي بِالْجُبْنِ، وَأَهْلُ البَوَادِي يَصِفُونَ أَبْنَاءَ الْمُدُنِ بِأَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ الْقِتَالَ وَلَا يَدْرُونَ مَا الْحَرْبُ .. стр. 459
عِنْدَ ذَلِكَ تَحَنَّطَ (١) ثَابِتٌ وَتَكَفَّنَ وَوَقَفَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَعْدَاءَكُمْ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَيْكُمْ …
وَبِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الاِنْخِذَالِ لَهُمْ …
ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنَ الشِّرْكِ [يَعْنِي مُسَيْلِمَةً وَقَوْمَهُ].
وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ [يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ].
ثُمَّ هَبَّ هَبَّةَ الْأَسَدِ الضَّارِي كَتِفًا لِكَتِفٍ مَعَ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ:
الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ (٢) …
وَزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَخِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ …
وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ …
وَغَيْرِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ السَّابِقِينَ …
وَأَبْلَى بَلَاءً عَظِيمًا مَلأَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ حَمِيَّةً وَعَزْمًا، وَشَحَنَ أَفْئِدَةَ الْمُشْرِكِينَ وَهْنًا وَرُعْبًا.
وَمَا زَالَ يُجَالِدُ فِي كُلِّ اتِّجَاهِ، وَيُضَارِبُ بِكُلِّ سِلَاحٍ حَتَّى أَثْخَنَتْهُ (٣) الْجِرَاحُ؛ فَخَرَّ صَرِيعًا عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ قَرِيرَ الْعَيْنِ (٤) بِمَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ стр. 460
الشَّهَادَةِ الَّتِي بَشَّرَهُ بِهَا حَبِيبُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مَثْلُوجَ الصَّدْرِ (١) بِمَا حَقَّقَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّصْرِ …
* * *
وَكَانَتْ عَلَى ثَابِتٍ دِرْعٌ نَفِيسَةٌ؛ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَعَهَا عَنْهُ، وَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ.
وَفي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ لاِسْتِشْهَادِهِ رَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لِلرَّجُلِ:
أَنَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، فَهَلْ عَرَفْتَنِي؟
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: إِنِّي أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلُمٌ فَتُضَيِّعَهَا …
إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَخَذَ دِرْعِي وَمَضَى بِهَا نَحْوَ خِبَائِهِ (٢) فِي أَقْصَى الْمُعَسْكَرِ مِنَ الْجِهَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَوَضَعَهَا تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ، وَوَضَعَ فَوْقَ الْقِدْرِ رَحْلًا (٣) …
فَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَقُلْ لَهُ:
أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الرَّجُلِ مَنْ يَأْخُذُ الدِّرْعَ مِنْهُ فَهِيَ مَا تَزَالُ فِي مَكَانِهَا ..
وَأُوصِيكَ بِأُخْرَى، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلُمُ نَائِمٍ فَتُضَيِّعَهَا ..
قُلْ لِخَالِدٍ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا .. стр. 461
وَإِنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا مِنْ رَقِيقِهِ (١) عَتِيقَانِ (٢)، فَلْيَقْضِ دَيْنِي وَلْيُحَرِّر غُلَامَيَّ …
فَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ، فَأَتَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ وَمَا رَأَى … فَبَعَثَ خَالِدٌ مَنْ يُحْضِرُ الدِّرْعَ مِنْ عِنْدِ آخِذِهَا فَوَجَدَهَا فِي مَكَانِهَا وَجَاءَ بِهَا كَمَا هِيَ.
وَلَمَّا عَادَ خَالِدٌ إِلَى الْمَدِينَةِ حَدَّثَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بِخَبَرٍ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَوَصِيَّتِهِ فَأَجَازَ الصِّدِّيقُ وَصِيَّتَهُ.
وَمَا عُرِفَ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أُجِيزَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ سِوَاهُ …
رَضِيَ اللَّهُ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَ فِي أَعْلَى عِلِيِّينَ مَثْوَاهُ (*). стр. 462
طلحة بن عبيد الله التيمي
"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
كَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ يَمْضِي مَعَ قَافِلَةٍ مِنْ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ لَهُ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الْقَافِلَةُ مَدِينَةَ "بُصْرَى" (١)، هَبَّ الشُّيُوخُ مِنْ تُجَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى سُوقِهَا الْعَامِرَةِ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ شَابًّا حَدَثًا (٢) لَيْسَ لَهُ مِثْلُ خِبْرَتِهِمْ فِي التِّجَارَةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ مِنْ حِدَّةِ الذَّكَاءِ وَنَفَاذِ الْبَصِيرَةِ مَا يُتِيحُ لَهُ مُنَافَسَتَهُمْ، وَالْفَوْزَ مِنْ دُونِهِمْ بِأَفْضَلِ الصَّفَقَاتِ.
وَفِيمَا كَانَ طَلْحَةُ يَرُوحُ وَيَغْدُو فِي السُّوقِ الَّتِي تَمُوجُ بِالْوَافِدِينَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، حَدَثَ لَهُ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي تَغْيِيرِ مَجْرَى حَيَاتِهِ كُلِّهَا فَحَسْبُ …
وَإِنَّمَا كَانَ بَشِيرًا بِتَغْيِيرِ سَيْرِ التَّارِيخِ كُلِّهِ …
فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُ الْمُثِيرَةَ.
* * *
قَالَ طَلْحَةُ:
بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سُوقٍ "بُصْرَى"؛ إِذَا رَاهِبٌ (٣) يُنَادِي فِي النَّاسِ: стр. 463
يا مَعْشَرَ التُّجَّارٍ، سَلُوا أَهْلَ هَذَا المُوسِمِ (١) أَفِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ (٢)؟.
وَكُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُ فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ: نَعَمْ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ.
فَقَالَ: هَلْ ظَهَرَ فِيكُمْ أَحْمَدُ؟.
فَقُلْتُ: وَمَنْ أَحْمَدُ؟!.
فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ …
هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ …
وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ …
يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِكُمْ مِنَ الْحَرَمِ، وَيُهَاجِرُ إِلَى أَرْضِ ذَاتِ حِجَارَةٍ سُودٍ، وَنَخِيلٍ وَسِبَاخٍ (٣) يَنِزُّ (٤) مِنْهَا الْمَاءُ …
فَإِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ يَا فَتَى … قَالَ طَلْحَةُ:
فَوَقَعَتْ مَقَالَتُهُ فِي قَلْبِي، فَبَادَرْتُ إِلَى مَطَايَايَ (٥) فَرَحَلْتُهَا (٦)، وَخَلَّفْتُ الْقَافِلَةَ وَرَائِي، وَمَضَيْتُ أَهْوِي هُوِيًّا (٧) إِلَى مَكَّةَ.
فَلَمَّا بَلَغْتُهَا؛ قُلْتُ لِأَهْلِي: أَكَانَ مِنْ حَدَثٍ بَعْدَنَا فِي مَكَّةَ؟.
قَالُوا: نَعَمْ، قَامَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ [يُرِيدُون أَبَا بَكْرٍ] … قَالَ طَلْحَةُ:
وَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَدْ كَانَ رَجُلًا سَهْلًا مُحَبَّبًا مُوَطَّأَ الْأَكْنَافِ (٨) لِقَوْمِهِ … стр. 464
وَكَانَ تَاجِرًا ذَا خُلُقٍ وَاسْتِقَامَةٍ، وَكُنَّا نَأْلْفُهُ، وَنُحِبُّ مَجَالِسَهُ، لِعِلْمِهِ بِأَخْبَارِ قُرَيْشٍ، وَحِفْظِهِ لِأَنْسَابِهَا … فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ:
أَحَقًّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَظْهَرَ النُّبُوَّةَ، وَأَنَّكَ اتَّبَعْتَهُ؟!.
قَالَ: نَعَمْ … وَجَعَلَ يَقُصُّ عَلَيَّ مِنْ خَبَرِهِ، وَيُرَغِّبُنِي فِي الدُّخُولِ مَعَهُ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ الرَّاهِبِ، فَدَهِشَ لَهُ وَقَالَ:
هَلُمَّ (١) مَعِي إِلَى مُحَمَّدٍ لِتَقُصَّ عَلَيْهِ خَبَرَكَ، وَلِتَسْمَعَ مَا يَقُولُ … وَلِتَدْخُلَ فِي دِينِ الله … قَالَ طَلْحَةُ:
فَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَعَرَضَ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيَّ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَبَشَّرَنِي بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ رَاهِبِ "بُصْرَى"؛ فَسُرَّ بِهَا سُرُورًا بَدَا عَلَى وَجْهِهِ …
ثُمَّ أَعْلَنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ … فكُنْتُ رَابِعَ ثَلَاثَةٍ أَسْلَمُوا عَلَى يَدَيَّ أَبِي بَكْرٍ.
* * *
وَقَعَ إِسْلَامُ الْفَتَى الْقُرَشِيِّ عَلَى أَهْلِهِ وَذَوِيهِ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ.
وَكَانَ أَشَدَّهُمْ جَزَعًا (٢) لإِسْلَامِه أُمُّهُ؛ فَقَدْ كَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَسُودَ قَوْمَهُ لِمَا يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ وَجَلِيلِ الْخَصَائِلِ …
* * *
وَقَدْ بَادَرَ إِلَيْهِ قَوْمُهُ لِيَثْنُوهُ عَنْ دِينِهِ؛ فَوَجَدُوهُ كَالطَّوْدِ (٣) الرَّاسِخِ الَّذِي لَا يَتَزَعْزَعُ. стр. 465
فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ إِقْنَاعِهِ بِالْحُسْنَى لَجَؤُوا إِلَى تَعْذِيبِهِ وَالتَّنْكِيلِ بِهِ …
حَدَّثَ مَسْعُودُ بْنُ خَرَاشٍ قَالَ:
بَيْنَمَا كُنْتُ أَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (١)، إِذَا أُنَاسٌ كَثِيرٌ يَتْبَعُونَ فَتًى أُوثِقَتْ يَدَاهُ (٢) إِلَى عُنُقِهِ … وَهُمْ يُهَرْوِلُونَ وَرَاءَهُ، وَيَدْفَعُونَهُ فِي ظَهْرِهِ، وَيَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ … وَخَلْفَهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ تَسُبَّهُ وَتَصِيحُ بِهِ …
فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ (٣) هَذَا الْفَتَى؟!.
فَقَالُوا: هَذَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، صَبَأَ (٤) عَنْ دِينِهِ، وَتَبِعَ غُلَامَ بَنِي "هَاشِمٍ" … فَقُلْتُ: وَمَنْ هَذِهِ الْعَجُوزُ الَّتِي وَرَاءَهُ؟.
فَقَالُوا: هِيَ الصَّعْبَةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ أُمُّ الْفَتَى …
* * *
ثُمَّ إِنَّ نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْمُلَقَّبَ بِأَسَدِ قُرَيْشٍ، قَامَ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَوْثَقَهُ فِي حَبْلٍ، وَأَوْثَقَ مَعَهُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وَقَرَنَهُمَا مَعًا وَأَسْلَمْهُمَا إِلَى سُفَهَاءِ مَكَّةَ؛ لِيُذِيقُوهُمَا أَشَدَّ الْعَذَابِ ..
لِذَلِكَ دُعِيَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ "بِالْقَرِينَيْنِ".
* * *
ثُمَّ جَعَلَتِ الْأَيَّامُ تَدُورُ، وَالْأَحْدَاثُ تَتَلَاحَقُ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزْدَادُ مَعَ الْأَيَّامِ اكْتِمَالًا، وَبَلَاؤُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَكْبُرُ وَيَتَعَاظَمُ، وَبِرُّهُ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ يَنْمُو وَيَتَّسِعُ، حَتَّى أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لَقَبَ "الشَّهِيدِ الْحَيِّ"، وَدَعَاهُ الرَّسُولُ ﵊: بِطَلْحَةِ الْخَيْرِ، وَطَلْحَةِ الْجُودِ، وَطَلْحَةِ стр. 466
الْفَيَّاضِ … وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَلْقَابِ قِصَّةٌ لَا تَقِلُّ رَوْعَةً عَنْ أَخْوَاتِهَا.
* * *
أَمَّا قِصَّةُ تَلْقِيبِهِ بِالشَّهِيدِ الْحَيِّ فَكَانَتْ يَوْمَ "أُحُدٍ" حِينَ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَطَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَصْعَدُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْجَبَلِ، فَلَحِقَتْ بِهِ عُصْبَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تُرِيدُ قَتْلَهُ … فَقَالَ ﵊:
(مَنْ يَرُدُّ عَنَا هَؤُلَاءِ، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟).
فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ ﵊: (لَا، مَكَانَكَ (١)).
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: (نَعَمْ، أَنْتَ).
فَقَاتَلَ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ صَعِدَ الرَّسُولُ ﵊ بِمَنْ مَعَهُ فَلَحِقَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ: (أَلَا رَجُلٌ لِهَؤُلَاءِ؟!).
فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ ﵊: (لَا، مَكَانَكَ).
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: (نَعَمْ، أَنْتَ) … ثُمَّ قَاتَلَ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى قُتِلَ أَيْضًا.
وَتَابَعَ الرَّسُولُ صُعُودَهُ، فَلَحِقَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ، стр. 467
وَيَقُولُ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَمْنَعُهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَأْذَنُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى اسْتُشْهِدُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا طَلْحَةُ فَلَحِقَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ لِطَلْحَةَ: (الْآنَ، نَعَمْ) …
وَكَان الرَّسُولُ ﵊ قَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ (١) وَشُجَّ جَبِينُهُ، وَجُرِحَتْ شَفَتُهُ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَصَابَهُ الْإِعْيَاءُ (٢) … فَجَعَلَ طَلْحَةُ يَكُرُّ (٣) عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَدْفَعَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى النبيِّ ﷺ فَيَرْقَى بِهِ قَلِيلًا فِي الْجَبَلِ، ثُمَّ يُسْنِدُهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَكُرُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَدِيدٍ … وَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى صَدَّهُمْ عَنْهُ …
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكُنْتُ آنَئِذٍ أَنَا وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (٤) بَعِيدَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نُرِيدُ إِسْعَافَهُ قَالَ:
(اُتْرُكَانِي وَانْصَرِفَا إِلَى صَاحِبِكُمَا)، [يُرِيدَ طَلْحَةَ].
فَإِذَا طَلْحَةُ تَنْزِفُ دِمَاؤُهُ، وَفِيهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ … وَإِذَا هُوَ قَدْ قُطِعَتْ كَفَّهُ، وَسَقَطَ فِي حُفْرَةٍ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ …
فَكَانَ الرَّسُولُ ﵊ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ:
(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ).
وَكَانَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِذَا ذُكِرَ "أُحُدٌ" يَقُولُ:
ذَلِكَ يَوْمٌ كُلُّهُ لِطَلْحَةَ …
* * * стр. 468
هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ نَعْتِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالشَّهِيدِ الْحَيِّ، أَمَّا تَلْقِيبُهُ بِطَلْحَةِ الْخَيْرِ، وَطَلْحَةِ الْجُودِ فَلَهُ مِائَةُ قِصَّةٍ وَقِصَّةٌ …
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ تَاجِرًا وَاسِعَ التِّجَارَةِ عَظِيمَ الثَّرَاءِ، فَجَاءَهُ ذَاتَ يَوْمٍ مَالٌ مِنْ "حَضْرَمَوْتَ" مِقْدَارُهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ وَجِلًا (١) جَزِعًا مَحْزُونًا.
فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَالَتْ:
مَا بِكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟!! …
لَعَلَّهُ رَابَكَ (٢) مِنَّا شَيْءٌ!!.
فَقَالَ: لَا، وَلَنِعْمَ حَلِيلَةُ (٣) الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْتِ …
وَلَكِنْ تَفَكَّرْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ وَقُلْتُ:
مَا ظَنُّ رَجُلٍ بِرَبِّهِ إِذَا كَانَ يَنَامُ وَهَذَا الْمَالُ فِي بَيْتِهِ؟!.
قَالَتْ: وَمَا يَغُمُّكَ (٤) مِنْهُ؟! …
أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ قَوْمِكَ وَأَخِلَّائِكَ؟! …
فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَقَسِّمْهُ بَيْنَهُمْ.
فَقَالَ: رَحِمَكِ اللَّهُ، إِنَّكِ مُوَفَّقَةٌ بِنْتُ مُوَفَّقٍ …
فَلَمَّا أَصْبَحَ جَعَلَ الْمَالَ فِي صُرَرٍ وَجِفَانٍ (٥)، وَقَسَّمَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارٍ.
* * * стр. 469
ورُوِيَ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَطْلُبُ رِفْدَهُ (١) وَذَكَرَ لَهُ رَحِمًا تَرْبِطُهُ بِهِ، فَقَالَ طَلْحَةُ:
هَذِهِ رَحِمٌ مَا ذَكَرَهَا لِي أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ.
وَإِنَّ لِي أَرْضًا دَفَعَ لِي فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٢) ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ …
فَإِنْ شِئْتَ خُذْهَا، وَإِنْ شِئْتَ بِعْتُهَا لَكَ مِنْهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَعْطَيْتُكَ الثَّمَنَ، فَقَالَ الرَّجُلُ:
بَلْ آخُذُ ثَمَنَهَا ..
فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ …
* * *
هَنِيئًا لِطَلْحَةِ الْخَيْرِ وَالْجُودِ هَذَا اللَّقَبُ الَّذِي خَلَعَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَنَوَّرَ لَهُ فِي قَبْرِهِ (*). стр. 470
أبو هُرَيرَة الدَّوسِيُّ
"حَفِظَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ"
[الْمُؤَرِّخُونَ]
لَا رَيْبَ فِي أَنَّكَ تَعْرِفُ هَذَا النَّجْمَ الْمُتَأَلِّقَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَهَلْ فِي أُمَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ لَا يَعْرِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟.
لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَدْعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ "عَبْدَ شَمْسِ"، فَلَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَشَرَّفَهُ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ ﵊ قَالَ لَهُ: (مَا اسْمُكَ؟).
فَقَالَ: عَبْدُ شَمْسٍ.
فَقَالَ ﵊: (بَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ).
فَقَالَ: نَعَمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي (١) يَا رَسُولَ اللَّهِ.
أَمَّا تَكْنِيَتُهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ فَسَبَبُهَا أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ فِي طُفُولَتِهِ هِرَّةٌ صَغِيرَةٌ يَلْعَبُ بِهَا، فَجَعَلَ لِدَاتُهُ (٢) يُنَادُونَهُ: أَبَا هُرَيْرَةَ.
وَشَاعَ ذَلِكَ وَذَاعَ حَتَّى غَلَبَ عَلَى اسْمِهِ.
فَلَمَّا اتَّصَلَتْ أَسْبَابُهُ بِأَسْبَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ جَعَلَ يُنَادِيهِ كَثِيرًا "بِأَبِي هِرٍّ" إِينَاسًا لَهُ وَتَحَبُّبًا، فَصَارَ يُؤْثِرُ أَبَا هِرٍّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَقُولُ: نَادَانِي بِهَا حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ … стр. 471
وَالْهِرُّ ذَكَرٌ، وَالْهُرَيْرَةُ أُنْثَى، وَالذَّكَرُ خَيْرٌ مِنَ الْأُنْثَى …
* * *
أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى يَدِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ (١)، وَظَلَّ فِي أَرْضِ قَوْمِهِ "دَوْسٍ" إِلَى مَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِتِّ سِنِينَ حَيْثُ وَفَدَ مَعَ جُمُوعِ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ.
* * *
وَقَدِ انْقَطَعَ الْفَتَى الدَّوْسِيُّ لِخِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصُحْبَتِهِ، فَاتَّخَذَ الْمَسْجِدَ مَقَامًا، وَالنَّبِيَّ مُعَلِّمًا وَإِمَامًا، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ زَوْجٌ وَلَا وَلَدٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُ أُمٌّ عَجُوزٌ أَصَرَّتْ عَلَى الشِّرْكِ؛ فَكَانَ لَا يَفْتَأُ (٢) يَدْعُوهَا إِلَى الْإِسْلَامِ إِشْفَاقًا عَلَيْهَا وَبِرًّا بِهَا، فَتَنْفِرُ مِنْهُ وَتَصُدُّهُ.
فَيَتْرُكُهَا وَالْحُزْنُ عَلَيْهَا يَفْرِي فُؤَادَهُ فَرْيًا.
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ دَعَاهَا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَتْ فِي النَّبِيِّ ﵊ قَوْلًا أَحْزَنَهُ وَأَمَضَّهُ (٣).
فَمَضَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَبْكِي.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: (مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)؟!.
فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ لَا أَفْتُرُ عَنْ دَعْوَةِ أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ …
وَقَدْ دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ.
فَادْعُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يُمِيلَ قَلْبَ أُمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْإِسْلَامِ.
فَدَعَا لَهَا النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. стр. 472
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
فَمَضَيْتُ إِلَى الْبَيْتِ؛ فَإِذَا الْبَابُ قَدْ رُدَّ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ فَلَمَّا هَمَمْتُ بِالدُّخُولِ، قَالَتْ أُمِّي:
مَكَانَكَ (١) يَا أَبَا هُرَيْرَةَ …
ثُمَّ لَبِسَتْ ثَوْبَهَا وَقَالَتْ: أَدْخُلْ؛ فَدَخَلْتُ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …
فَعُدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ قَبْلَ سَاعَةٍ مِنَ الْحُزْنِ وَقُلْتُ: أَبْشِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ …
* * *
وَقَدْ أَحَبَّ أَبُو هُرَيْرَةَ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حُبًّا خَالَطَ لَحْمَهُ وَدَمَهُ … فَكَانَ لَا يَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَيَقُولُ:
مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَمْلَحَ وَلَا أَصْبَحَ (٢) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى لَكَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ …
وَكَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ ﵎ عَلَى أَنْ مَنَّ عَلَيْهِ بِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَاتِّبَاعِ دِينِهِ فَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى أَبَا هُرَيْرَةَ لِلْإِسْلَامِ …
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ أَبَا هُرَيْرَةَ الْقُرْآنَ …
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ …
* * *
وَكَمَا أُولِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أُولِعَ стр. 473
بِالْعِلْمِ وَجَعَلَهُ دَيْدَنَهُ (١) وَغَايَةَ مَا يَتَمَنَّاهُ.
حَدَّثَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٢) قَالَ:
بَيْنَمَا أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَصَاحِبٌ لِي فِي الْمَسْجِدِ نَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى وَنَذْكُرُهُ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَقْبَلَ نَحْوَنَا حَتَّى جَلَسَ بَيْنَنَا، فَسَكَتْنَا …
فقال ﷺ : (عُودُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ).
فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنَا وَصَاحِبِي - قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِنَا …
ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ …
وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لَا يُنْسَى …
فَقَالَ ﵊: (آمِينَ).
فَقُلْنَا: وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ عِلْمًا لَا يُنْسَى.
فَقَالَ ﷺ : (سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلَامُ الدَّوْسِيُّ).
* * *
وَكَمَا أَحَبَّ أَبُو هُرَيْرَةَ الْعِلْمَ لِنَفْسِهِ فَقَدْ أَحَبَّهُ لِغَيْرِهِ …
مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ فَهَالَهُ انْشِغَالُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا، وَاسْتِغْرَاقُهُمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ:
مَا أَعْجَزَكُمْ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ!!.
فَقَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ مِنْ عَجْزِنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟!. стр. 474
فَقَالَ: مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَسَّمُ وَأَنْتُمْ هَا هُنَا!! …
أَلَا تَذْهَبُونَ وَتَأْخُذُونَ نَصِيبَكُمْ!!.
قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟!.
قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ.
فَخَرَجُوا سِرَاعًا، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا:
يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فِيهِ فَلَمْ نَرَ شَيْئًا يُقْسَمُ.
فَقَالَ لَهُمْ: أَوَ مَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟!.
قَالُوا: بَلَى … رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ في الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ …
فَقَالَ: وَيْحَكُمْ … ذَلِكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
وَقَدْ عَانَى أَبُو هُرَيْرَةَ بِسَبَبِ انْصِرَافِهِ لِلْعِلْمِ، وَانْقِطَاعِهِ لِمَجَالِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يُعَانِهِ أَحَدٌ مِنَ الْجُوعِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ.
رَوَى عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَشْتَدُّ بِيَ الْجُوعُ حَتَّى إِنِّي كُنْتُ أَسْأَلُ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الْآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ - وَأَنَا أَعْلَمُهَا - كَيْ يَصْحَبَنِي مَعَهُ إِلَى بَيْتِهِ؛ فَيُطْعِمَنِي …
وَقَدِ اشْتَدَّ بِيَ الْجُوعُ ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى شَدَدْتُ عَلَى بَطْنِي حَجَرًا، فَقَعَدْتُ في طَرِيقِ الصَّحَابَةِ، فَمَرَّ بِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَمَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَدْعُونِي … فَمَا دَعَانِي.
ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ؛ فَلَمْ يَدْعُنِي أَيْضًا حَتَّى مَرَّ بِي
стр. 475
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ مَا بِي مِنَ الْجُوعِ فَقَالَ: (أَبُو هُرَيْرَةَ؟!).
قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَبِعْتُهُ؛ فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْبَيْتَ فَوَجَدَ قَدَحًا (١) فِيهِ لَبَنٌ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: (مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟!) … قَالُوا: أَرْسَلَ بِهِ فُلَانٌ إِلَيْكَ.
فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْطَلِقُ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ (٢)، فَادْعُهُمْ).
فَسَاءَنِي إِرْسَالُهُ إِيَّايَ لِدَعْوَتِهِمْ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
مَا يَفْعَلُ هَذَا اللَّبَنُ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ؟!.
وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَنَالَ مِنْهُ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، ثُمَّ أَذْهَبَ إِلَيْهِمْ …
فَأَتَيْتُ أَهْلَ الصُّفَّةِ وَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَلَمَّا جَلَسُوا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ قَالَ:
(خُذْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَعْطِهِمْ)، فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى إِلَى أَنْ شَرِبُوا جَمِيعًا؛ فَتَاوَلْتُ الْقَدَحَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ مُبْتَسِمًا وَقَالَ: (بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ).
قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: (فَاشْرَبْ)، فَشَرِبْتُ.
ثُمَّ قَالَ: (اشْرَبْ)، فَشَرِبْتُ ..
وَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ، فَأَشْرَبُ، حَتَّى قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا (٣) … فَأَخَذَ الْإِنَاءَ وَشَرِبَ مِنَ الْفَضْلَةِ …
* * * стр. 476
لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ طَوِيلٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَاضَتِ الْخَيْرَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَدَفَّقَتْ عَلَيْهِمْ غَنَائِمُ الْفَتْحِ؛ فَصَارَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَالٌ، وَمَنْزِلٌ وَمَتَاعٌ، وَزَوْجٌ وَوَلَدٌ …
غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يُغَيِّرُ مِنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ شَيْئًا، وَلَمْ يُنْسِهِ أَيَّامَهُ الْخَالِيَةَ، فَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ:
نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا "لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ" بِطَعَام بَطْنِي، فَكُنْتُ أَخْدِمُ الْقَوْمَ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو (١) لَهُمْ إِذَا رَكِبُوا؛ فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ (٢) …
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا (٣) وَصَيَّرَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا (٤).
* * *
وَقَدْ وَلِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْمَدِينَةَ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَلَمْ تُبَدِّلِ الْوِلَايَةُ مِنْ سَمَاحَةِ طَبْعِهِ، وَخِفَّةِ ظِلِّهِ (٥) شَيْئًا ..
فَقَدْ مَرَّ بِأَحَدٍ طُرُقِ الْمَدِينَةِ - وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا - وَكَانَ يَحْمِلُ الْحَطَبَ عَلَى ظَهْرِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَمَرَّ بِثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ … فَقَالَ لَهُ:
أَوْسِع الطَّرِيقَ لِلْأَمِيرِ يَا بْنَ مَالِكِ … فَقَالَ لَهُ:
يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَمَا يَكْفِيكَ هَذَا الْمَجَالُ كُلُّهُ؟! … فَقَالَ لَهُ:
أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلْأَمِيرِ، وَلِلْحُزْمَةِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ.
* * * стр. 477
وَقَدْ جَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى وَفْرَةِ عِلْمِهِ وَسَمَاحَةِ نَفْسِهِ التُّقَى وَالْوَرَعَ؛ فَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلَ، ثُمَّ يُوقِظُ زَوْجَتَهُ فَتَقُومُ ثُلُثَهُ الثَّانِي، ثُمَّ تُوقِظُ هَذِهِ ابْنَتَهَا فَتَقُومُ ثُلُثَهُ الْأَخِيرَ ..
فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ لَا تَنْقَطِعُ فِي بَيْتِهِ طَوَالَ اللَّيْلِ …
* * *
وَقَدْ كَانَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ جَارِيَةٌ زِنْجِيَّةٌ (١) فَأَسَاءَتْ إِلَيْهِ، وَغَمَّتْ أَهْلَهُ، فَرَفَعَ السَّوْطَ عَلَيْهَا لِيَضْرِبَهَا بِهِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَقَالَ: لَوْلَا الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لأَوْجَعْتُكِ كَمَا آذَيْتِنَا، وَلَكِنْ سَأَبِيعُكِ مِمَّنْ يُوَفِّينِي ثَمَنَكِ وَأَنَا أَحْوَجُ مَا أَكُونُ إِلَيْهِ … اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِلَّهِ …
* * *
وَكَانَتِ ابْنَتُهُ تَقُولُ لَهُ: يَا أَبَتِ إِنَّ الْبَنَاتِ يُعَيِّرْنَنِي؛ فَيَقُلْنَ: لِمَ لَا يُحَلِّيكِ أَبُوكِ بِالذَّهَبِ؟! فَيَقُولُ:
يَا بُنَيَّةُ، قُولِي لَهُنَّ: إِنَّ أَبِي يَخْشَى عَلَيَّ حَرَّ اللَّهَبِ (٢).
* * *
وَلَمْ يَكُنِ امْتِنَاعُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ تَحْلِيَةِ ابْنَتِهِ ضَنًّا (٣) بِالْمَالِ أَوْ حِرْصًا عَلَيْهِ؛ إِذْ كَانَ جَوَادًا سَخِيَّ الْيَدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ مِائَةَ دِينَارٍ ذَهَبًا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّ خَادِمِي غَلِطَ فَأَعْطَاكَ الدَّنَانِيرَ، وَأَنَا لَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ، فَسُقِطَ (٤) فِي يَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: أَخْرَجْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَبِتْ عِنْدِي مِنْهَا دِينَارٌ؛ فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي (٥) فَخُذْهَا مِنْهُ. стр. 478
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرْوَانُ لِيَخْتَبِرَهُ، فَلَمَّا تَحَرَّى الْأَمْرَ وَجَدَهُ صَحِيحًا.
* * *
وَقَدْ ظَلَّ أَبُو هُرَيْرَةَ - مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ - بَرًّا بِأُمِّهِ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَيْتِ وَقَفَ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا وَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أُمَّتَاهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَتَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا بُنَيَّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا.
فَتَقُولُ: وَرَحِمَكَ اللَّهُ كَمَا بَرَرْتَ بِي كبيرًا.
ثُمَّ إِذَا عَادَ إِلَى بَيْتِهِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
* * *
وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَحْرِصُ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى دَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى بِرِّ آبَائِهِمْ، وَصِلَةِ أَرْحَامِهِمْ.
فَقَدْ رَأَى ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَسَنُّ (١) مِنَ الْآخَرِ يَمْشِيَانِ مَعًا، فَقَالَ لأَصْغَرِهِمَا: مَا يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ مِنْكَ؟.
قَالَ: أَبِي.
فَقَالَ لَهُ: لَا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ …
وَلَا تَمْش أَمَامَهُ …
وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ …
* * * стр. 479
وَلَمَّا مَرِضَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرَضَ الْمَوْتِ بَكَى …
فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟!.
فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ …
وَلَكِنَّنِي أَبْكِي لِبُعْدِ السَّفَرِ وَقِلَّةِ الزَّادِ …
لَقَدْ وَقَفْتُ فِي نِهَايَةِ طَرِيقٍ يُفْضِي (١) بِي إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ …
وَلَا أَدْرِي … فِي أَيِّهِمَا أَكُونُ!!.
وَقَدْ عَادَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَم فَقَالَ لَهُ: شَفَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي وَعَجِّلْ لِي فِيهِ … فَمَا كَادَ يُغَادِرُ مَرْوَانُ حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ …
* * *
رَحِمَ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَحْمَةً وَاسِعَةً؛ فَقَدْ حَفِظَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ وَسِتِّمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرًا (*). стр. 480
سَلَمَةُ بْنُ قيسٍ الأشجعيُّ
"فَاتِحُ الْأَهْوَازِ"
قَضَى الْفَارُوقُ لَيْلَتَهُ تِلْكَ سَهْرَانَ يَعُسُّ (١) فِي أَحْيَاءِ الْمَدِينَةِ لِيَنَامَ النَّاسُ مِلْءَ جُفُونِهِمْ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ.
وَكَانَ خِلَالَ تَطْوَافِهِ بَيْنَ الدُّورِ وَالْأَسْوَاقِ يَسْتَعْرِضُ فِي ذِهْنِهِ الْأَنْجَادَ (٢) الْأَمْجَادَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَعْقِدَ (٣) لِوَاحِدٍ مِنْهُمُ الرَّايَةَ عَلَى الْجَيْشِ الذَّاهِبِ لِفَتْح "الْأَهْوَازِ" (٤) … ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ هَتَفَ قَائِلًا: ظَفِرْتُ بِهِ …
نَعَمْ ظَفِرْتُ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ …
وَلَمَّا طَلَعَ عَلَيْهِ الصَّبَاحُ دَعَا سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيَّ وَقَالَ لَهُ:
إِنِّي وَلَّيْتُكَ عَلَى الْجَيْشِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى "الْأَهْوَازِ"، فَسِرْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ؛ فَإِنْ أَسْلَمُوا: فَإِمَّا أَنْ يَخْتَارُوا الْبَقَاءَ فِي دِيَارِهِمْ وَلَا يَشْتَرِكُوا مَعَكُمْ فِي حَرْبِ غَيْرِهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ (٥) نَصِيبٌ …
وَإِمَّا أَنْ يَخْتَارُوا أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَكُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ الَّذِي لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكُمْ …
فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَادْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ (٦)، وَدَعُوهُمْ وَشَأْنَهُمْ، стр. 481
وَاحْمُوهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ مَا يُطِيقُونَ …
فَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ.
وَإِذَا تَحَصَّنُوا بِحِصْنِ، ثُمَّ طَلَبُوا مِنْكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْم اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَإِذَا طَلَبُوا مِنْكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى ذِمَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّمَا أَعْطُوهُمْ ذِمَمَكُمْ أَنتُمْ …
فَإِذَا ظَفِرْتُمْ فِي الْقِتَالِ فَلَا تُسْرِفُوا، وَلَا تَغْدُرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا (١)، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا …
فَقَالَ سَلَمَةُ: سَمْعًا وَطَاعَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ …
فَوَدَّعَهُ عُمَرُ بِحَرَارَةٍ، وَشَدَّ عَلَى يَدَيْهِ بِقُوَّةٍ، وَدَعَا لَهُ بِضَرَاعَةٍ.
فَلَقَدْ كَانَ يُقَدِّرُ ضَخَامَةَ الْمُهِمَّةِ الَّتِي أَلْقَاهَا عَلَى عَاتِقِهِ وَعَاتِقِ (٢) جُنُودِهِ.
ذَلِكَ لِأَنَّ "الْأَهْوَازَ" مِنْطَقَةٌ جَبَلِيَّةٌ وَعْرَةُ الْمَسَالِكِ، حَصِينَةُ الْمَعَاقِلِ، وَاقِعَةٌ بَيْنَ "الْبَصْرَةِ" وَتُخُومِ "فَارِسَ"، يَسْكُنُهَا قَوْمٌ أَشِدَّاءُ مِنَ "الْأَكْرَادِ".
وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بُدٌّ مِنْ فَتْحِهَا أَوِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهَا لِيَحْمُوا ظُهُورَهُمْ مِنْ هَجَمَاتِ الْفُرْس عَلَى "الْبَصْرَةِ"، وَيَمْنَعُوهُمْ مِن اتِّخَاذِهَا مَيْدَانًا لِجُنُودِهِمْ فَتَتَعَرَّضُ سَلَامَةُ "الْعِرَاقِ" وَأَمْنُهُ لِلْخَطَر …
* * *
مضى سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى رَأْسِ جَيْشِهِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ غَيْرَ أَنَّهُمْ стр. 482
مَا كَادُوا يَتَوَغَّلُونَ (١) قَلِيلًا فِي أَرْضِ "الْأَهْوَازِ" حَتَّى دَخَلُوا فِي صِرَاعٍ مَرِيرٍ مَعَ طَبِيعَتِهَا الْقَاسِيَةِ.
فَقَدْ طَفِقَ الْجَيْشُ يُعَانِي مِنْ جِبَالِهَا النَّخِرَةِ وَهُوَ مُصْعِدٌ (٢)، وَيُكَابِدُ مِنْ مُسْتَنْقَعَاتِهَا الْمَوْبُوءَةِ وَهُوَ مُسْهِلٌ (٣).
وَيُصَارِعُ أَفَاعِيَهَا الْقَاتِلَةَ وَعَقَارِبَهَا السَّامَّةَ يَقْظَانَ نَائِمًا.
لَكِنَّ رُوحَ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسِ الْمُؤْمِنَةَ الشَّفَّافَةَ كَانَتْ تُرَفْرِفُ بِأَجْنِحَتِهَا فَوْقَ جُنْدِهِ؛ فَإِذَا الْعَذَابُ عَذْبٌ، وَإِذَا الْحَزْنُ (٤) سَهْلٌ.
فَلَقَدْ كَانَ يَتَخَوَّلُهُمْ (٥) بِالْمَوْعِظَةِ الَّتِي تَهُزُّ نُفُوسَهُمْ هَزًّا.
وَيُتْرِعُ (٦) لَيَالِيَهُمْ بِأَرَجِ الْقُرْآنِ (٧) …
فَإِذَا هُمْ مَغْمُورُونَ بِضِيَائِه …
سَابِحُونَ فِي لأَلَائِهِ …
نَاسُونَ مَا مَسَّهُمْ مِنْ عَنَاءٍ وَنَصَبٍ …
* * *
امْتَثَلَ سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ لِأَمْرِ خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا إِنِ الْتَقَى بِأَهْلِ "الْأَهْوَازِ" حَتَّى عَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَعْرَضُوا وَنَفَرُوا …
فَدَعَاهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَأَبَوْا وَاسْتَكْبَرُوا …
فَلَمْ يَبْقَ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ رُكُوبِ الْأَسِنَّةِ (٨)، فَرَكِبُوهَا مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ، رَاغِبِينَ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ …
* * * стр. 483
دَارَتِ الْمَعَارِكُ حَامِيَةَ اللَّظَى مُسْتَطِيرَةَ الشَّرَرِ، وَأَبْدَى فِيهَا الْفَرِيقَانِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَسَالَةِ مَا لَمْ تَشْهَدْ لَهُ الْحُرُوبُ نَظِيرًا إِلَّا فِي الْقَلِيلِ النَّادِرِ.
ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنِ انْجَلَتِ الْمَعَارِكُ عَنْ نَصْرٍ مُؤَزَّرٍ (١) لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ لإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَهَزِيمَةٍ مُنْكَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ اللَّهِ.
* * *
وَلَمَّا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٢)؛ بَادَرَ سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى قِسْمَةِ الْغَنَائِم بَيْنَ جُنُودِهِ.
فَوَجَدَ فِيهَا حِلْيَةً نَفِيسَةً، فَأَحَبَّ أَنْ يُتْحِفَ (٣) بِهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ لِجُنُودِهِ: إِنَّ هَذِهِ الْحِلْيَةَ لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَكُمْ لَمَا فَعَلَتْ مَعَكُمْ شَيْئًا …
فَهَلْ تَطِيبُ أَنْفُسُكُمْ إِذَا بَعَثْنَا بِهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟.
فَقَالُوا: نَعَمْ … فَجَعَلَ الْحِلْيَةَ فِي سَفَطٍ (٤)، وَنَدَبَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ بَنِي "أَشْجَعَ" وَقَالَ لَهُ: امْضِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنْتَ وَغُلَامُكَ، وَبَشِّرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْفَتْحِ، وَأَطْرِفْهُ (٥) بِهَذِهِ الْحِلْيَةِ.
فَكَانَ للرَّجُل "الْأَشْجَعِيِّ" مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَبَرٌ فِيهِ عِبَرٌ وَعِظَاتٌ … فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لَهُ لِيَرْوِيَ لَنَا خَبَرَهُ بِنَفْسِهِ.
قَالَ الرَّجُلُ الْأَشْجَعِيُّ:
مَضَيْتُ أَنَا وَغُلَامِي إِلَى "الْبَصْرَةِ" فَاشْتَرَيْنَا رَاحِلَتَيْنِ مِمَّا أَعْطَانَا سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَوْقَرْنَاهُمَا زَادًا (٦). стр. 484
ثُمَّ يَمَّمْنَا وَجْهَيْنَا شَطْرَ (١) الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغْنَاهَا، نَشَدْتُ (٢) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَدْتُهُ وَاقِفًا يُغَدِّي الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصَاهُ كَمَا يَصْنَعُ الرَّاعِي … وَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْقِصَاعِ وَهُوَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ "يَرْفَأَ":
يَا يَرْفَأُ زِدْ هَؤُلَاءِ لَحْمًا …
يَا يَرْفَأُ زِدْ هَؤُلَاءِ خُبْزًا …
يَا يَرْفَأُ زِدْ هَؤُلَاءُ مَرَقًا …
فَلَمَّا أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ؛ قَالَ: اجْلِسْ.
فَجَلَسْتُ فِي أَدْنَى النَّاسِ؛ وَقُدِّمَ لِيَ الطَّعَامُ فَأَكَلْتُ.
فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ طَعَامِهِمْ قَالَ: يَا "يَرْفَأَ" ارْفَعْ قِصَاعَكَ.
ثُمَّ مَضَى فَتَبِعْتُهُ.
فَلَمَّا دَخَلَ دَارَهُ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي؛ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رُقْعَةٍ مِنْ شَعْرٍ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَتَيْنِ مِنْ جِلْدٍ مَحْشُوَّتَيْنِ لِيفًا، فَطَرَحَ لي إِحْدَاهُمَا فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا.
وَإِذَا خَلْفَهُ سِتْرٌ فَالْتَفَتَ نَحْوَ السِّتْرِ وَقَالَ: يَا أُمّ كُلْثُومَ غَدَاءَنَا (٣) … فَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
مَاذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ طَعَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ؟!.
فَنَاوَلَتْهُ خُبْزَةٌ بِزَيْتٍ عَلَيْهَا مِلْحٌ لَمْ يُدَقَّ …
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: كُلِّ، فَامْتَثَلْتُ وَأَكَلْتُ قَلِيلًا. стр. 485
وَأَكَلَ هُوَ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ مِنْهُ أَكْلًا.
ثُمَّ قَالَ: اسْقُونَا … فَجَاؤُوهُ بِقَدَحٍ فِيهِ شَرَابٌ مِنْ سَوِيقِ (١) الشَّعِيرِ فَقَالَ: أَعْطُوا الرَّجُلَ أَوَّلًا؛ فَأَعْطَوْنِي.
فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَشَرِبْتُ مِنْهُ قَلِيلًا؛ إِذْ كَانَ سَوِيقِي أَطْيَّبَ مِنْهُ وَأَجْوَدَ.
ثُمَّ أَخَذَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ ثُمَّ قَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا فَأَشْبَعَنَا، وَسَقَانَا فَأَرْوَانَا.
عِنْدَ ذَلِكَ الْتَفَتُّ إِلَيْهِ وَقُلْتُ: جِئْتُكَ بِرِسَالَةٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ؟.
فَقُلْتُ: مِنْ عِنْدِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ.
فَقَالَ: مَرْحَبًا بِسَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَمَرْحَبًا بِرَسُولِهِ …
حَدِّثْنِي عَنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ …
فَقُلْتُ: كَمَا تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ … السَّلَامَةُ، وَالظَّفَرُ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَعَدُوّ الله.
وَبَشَّرْتُهُ بِالنَّصْرِ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ الْجَيْشِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ … أَعْطَى فَتَفَضَّلَ، وَأَنْعَمَ فَأَجْزَلَ (٢).
ثُمَّ قَالَ: هَلْ مَرَرْتَ بِالْبَصْرَةِ؟.
فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: كَيْفَ الْمُسْلِمُونَ؟. стр. 486
فَقُلْتُ: بِخَيْرٍ مِنَ اللهِ.
فَقَالَ: كَيْفَ الْأَسْعَارُ؟.
فَقُلْتُ: أَسْعَارُهُمْ أَرْخَصُ أَسْعَارٍ.
فَقَالَ: وَكَيْفَ اللَّحْمُ؟ فَإِنَّ اللَّحْمَ شَجَرَةُ الْعَرَبِ، وَلَا تَصْلُحُ الْعَرَبُ إِلَّا بِشَجَرَتِهَا.
فَقُلْتُ: اللَّحْمُ كَثِيرٌ وَفِيرٌ.
فَالْتَفَتَ إِلَى السَّفَطِ الَّذِي مَعِي وَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي بِيَدِكَ؟!.
فَقُلْتُ: لَمَّا نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَى عَدُوِّنَا جَمَعْنَا الْغَنَائِمَ فَرَأَى سَلَمَةُ فِيهَا حِلْيَةً، فَقَالَ لِلْجُنْدِ: إِنَّ هَذِهِ لَوْ قُسِمَتْ عَلَيْكُمْ لَمَا بَلَغَتْ مِنْكُمْ شَيْئًا … فَهَلْ تَطِيبُ نُفُوسُكُمْ إِذَا بَعَثْتُ بِهَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ … فَقَالُوا: نَعَمْ.
ثُمَّ دَفَعْتُ إِلَيْهِ بِالسَّفَطِ ..
فَلَمَّا فَتَحَهُ وَنَظَرَ إِلَى الْفُصُوصِ (١) الَّتِي فِيهِ مِنْ بَيْنِ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ، وَثَبَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَجَعَلَ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَأَلْقَى بِالسَّفَطِ عَلَى الْأَرْضِ فَانْتَثَرَ مَا فِيهِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ.
فَظَنَّ النِّسَاءُ أَنِّي أُرِيدُ اغْتِيَالَهُ، فَأَقْبَلْنَ نَحْوَ السِّتْرِ … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: اجْمَعْهُ … وَقَالَ لِغُلَامِهِ يَرْفَأ:
اضْرِبُهُ وَأَوْجِعْهُ …
فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ مَا انْتَثَرَ مِنَ السَّفَطِ، وَيَرْفَأُ يَضْرِبُنِي. стр. 487
ثُمَّ قَالَ: قُمْ غَيْرَ مَحْمُودٍ لَا أَنْتَ وَلَا صَاحِبُكَ.
فَقُلْتُ: ائذَنْ لِي بِمَرْكَبٍ يَحْمِلُنِي أَنَا وَغُلَامِي إِلَى "الْأَهْوَازِ"، فَقَدْ أَخَذَ غُلَامُكَ رَاحِلَتِي.
فَقَالَ يَا يَرْفَأُ: أَعْطِهِ رَاحِلَتَيْنِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ وَلِغُلَامِهِ.
ثُمَّ قَالَ لي: إِذَا قَضَيْتَ حَاجَتَكَ مِنْهُمَا، وَوَجَدْتَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ لَهُمَا مِنْكَ فَادْفَعْهُمَا إِلَيْهِ.
قُلْتُ: أَفْعَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ … نَعَمْ أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ تَفَرَّقَ الْجُنْدُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ فِيهِمْ هَذَا الْحُلِيُّ لأَفْعَلَنَّ بِكَ وَبِصَاحِبِكَ الْفَاقِرَة (١).
فَمَضَيْتُ مِنْ تَوِّي حَتَّى أَتَيْتُ سَلَمَةَ وَقُلْتُ:
مَا بَارَكَ اللَّهُ لِي فِيمَا اخْتَصَصْتَنِي بِهِ …
اقْسِمُ هَذَا الْحُلِيَّ فِي الْجُنْدِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ بِي وَبِكَ دَاهِيَةٌ (٢).
وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ.
فَمَا غَادَرَ مَجْلِسَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَسَمَهُ فِيهِمْ (*). стр. 488
مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ
"أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ]
لَمَّا أَشْرَقَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِنُورِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، كَانَ الْغُلَامُ الْيَثْرِبيُّ (١) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَتًى يَافِعًا … وَكَانَ يَمْتَازُ مِنْ أَتْرَابِهِ بِحِدَّةِ الذَّكَاءِ، وَقُوَّةِ الْعَارِضَةِ (٢)، وَرَوْعَةِ الْبَيَانِ، وَعُلُوِّ الْهِمَّة.
وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ، قَسِيمًا وَسِيمًا (٣) أَكْحَلَ الْعَيْنِ جَعْدَ (٤) الشَّعْرِ بَرَّاقَ الثَّنَايَا، يَمْلأُ عَيْنَ مُجْتَلِيهِ (٥) وَيَمْلِكُ عَلَيْهِ فُؤَادَهُ.
أَسْلَمَ الْفَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى يَدَيِ الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَفِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ امْتَدَّتْ يَدُهُ الْفَتِيَّةُ فَصَافَحَتْ يَدَ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ وَبَايَعَتْهُ …
فَقَدْ كَانَ مُعَاذٌ مَعَ الرَّهْطِ الإِثْنَيْنِ وَالسَّبْعِينَ الَّذِينَ قَصَدُوا مَكَّةَ؛ لِيَسْعَدُوا بِلِقَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَشْرُفُوا بِبَيْعَتِهِ، وَلِيَخُطُّوا فِي سِفْرِ التَّارِيخِ أَرْوَعَ صَفْحَةٍ وَأَزْهَاهَا …
* * *
وَمَا إِنْ عَادَ الْفَتَى مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى كَوَّنَ هُوَ وَنَفَرٌ صَغِيرٌ مِنْ لِدَاتِهِ جَمَاعَةً لِكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَانْتِزَاعِهَا مِنْ بُيُوتِ الْمُشْرِكِينَ فِي "يَثْرِبَ" فِي السِّرِّ أَوْ فِي الْعَلَنِ … وَكَانَ مِنْ أَثَرِ حَرَكَةِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَانِ الصِّغَارِ أَنْ أَسْلَمَ رَجُلٌ كَبِيرٌ مِنْ رِجَالَاتِ "يَثْرِبَ"، هُوَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ (٦).
* * * стр. 489
كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي "سَلَمَةَ"، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ.
وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ صَنَمًا مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ الْأَشْرَافُ.
وَكَانَ شَيْخُ بَنِي "سَلَمَةَ" يُعْنَى بِصَنَمِهِ هَذَا أَشَدَّ الْعِنَايَةِ فَيُجَلِّلُهُ بِالْحَرِيرِ، وَيُضَمِّخُهُ (١) كُلَّ صَبَاحِ بِالطِّيبِ.
فَقَامَ الْفِتْيَانُ الصِّغَارُ إِلَى صَنَمِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظُّلَامِ وَحَمَلُوهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَخَرَجُوا بِهِ إِلَى خَلْفِ مَنَازِلِ بَنِي "سَلَمَةَ"، وَأَلْقَوْهُ فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ تُجْمَعُ فِيهَا الْأَقْذَارُ …
فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ افْتَقَدَ صَنَمَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَبَحَثَ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى أَلْفَاهُ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْحُفْرَةِ غَارِفًا فِي الْأَقْذَارِ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟!.
ثمَّ أَخْرَجَهُ وَغَسَلَهُ، وَطَهَّرَهُ، وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَيْ "مَنَاهُ" (٢)، وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ مَنْ صَنَعَ بِكَ هَذَا لأَخْرَيْتُهُ …
فَلَمَّا أَمْسَى الشَّيْخُ وَنَامَ تَسَلَّلَ الْفِتْيَةُ إِلَى صَنَمِهِ وَفَعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوهُ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَة.
فَمَا زَالَ يَبْحَثُ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي حُفْرَةٍ أُخْرَى مِنْ تِلْكَ الْحُفَرِ …
فَأَخْرَجَهُ وَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَعَطَّرَهُ وَتَوَعَّدَ (٣) مَنْ عَدَوْا عَلَيْهِ أَشَدَّ الْوَعِيدِ …
فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ، وَغَسَلَهُ … стр. 490
ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ يُخَاطِبُهُ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا أَعْلَمُ مَنْ يَفْعَلُ بِكَ هَذَا الَّذِي تَرَاهُ …
فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ - يَا "مَنَاةُ" - فَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ …
وَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ …
فَلَمَّا أَمْسَى الشَّيْخُ وَنَامَ، عَذَا الْفِتْيَةُ عَلَى الصَّنَمِ، وَأَخَذُوا السَّيْفَ الْمُعَلَّقَ فِي رَقَبَتِهِ … وَرَبَطُوهُ بِعُنُقِ كَلْبٍ مَيِّتٍ وَأَلْقَوْهُمَا فِي حُفْرَةٍ مِنْ تِلْكَ الْحُفْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ جَدَّ فِي طَلَبِ صَنَمِهِ حَتَّى وَجَدَهُ مُلْقًى بَيْنَ الْأَقْذارِ مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيِّتٍ مُنَكَّسًا عَلَى وَجْهِهِ … عِنْدَ ذَلِكَ نَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ:
تَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا لَمْ تَكُنْ … أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئرٍ فِي قَرَنْ (١)
ثُمَّ أَسْلَمَ شَيْخُ بَنِي "سَلَمَةَ" وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
* * *
وَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، لَزِمَهُ الْفَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مُلَازَمَةَ الظِّلِّ لِصَاحِبِهِ، فَأَخَذَ عَنْهُ الْقُرْآنَ، وَتَلَقَّى عَلَيْهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، حَتَّى غَدًا مِنْ أَقْرَإِ الصَّحَابَةِ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَعْلَمِهِمْ بِشَرْعِهِ …
حَدَّثَ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ قَالَ:
دَخَلْتُ مَسْجِدَ "حِمْصَ" فَإِذَا أَنَا بِفَتًى جَعْدِ الشَّعْرِ، قَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهُ النَّاسُ …
فَإِذَا تَكَلَّمَ كَأَنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ (٢) نُورٌ وَلُؤْلُوٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟!.
فَقَالُوا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
* * * стр. 491
وَرَوَى أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ (١) قَالَ: أَتَيْتُ مَسْجِدَ "دِمَشْقَ"؛ فَإِذَا حلقَةٌ (٢) فِيهَا كُهُولٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَإِذَا شَابٌّ فِيهِمْ أَكْحَلُ الْعَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، كُلَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى الْفَتَى؛ فَقُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: مَنْ هَذَا؟!.
فَقَالَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
* * *
وَلَا غَرْوَ (٣) فَمُعَاذُ رُبِّي فِي مَدْرَسَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُنْذُ نُعُومَةِ الْأَطْفَارِ (٤) وَتَخَرَّجَ عَلَى يَدَيْهِ؛ فَنَهَلَ الْعِلْمَ مِنْ يَنَابِيعِهِ الْغَزِيرَةِ …
وَأَخَذَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مَعِينِهَا الْأَصِيلِ، فَكَانَ خَيْرَ تِلْمِيذٍ لِخَيْرِ مُعَلِّمٍ.
وَحَسْبُ (٥) مُعَاذٍ شَهَادَةً أَنْ يَقُولَ عَنْهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) …
وَحَسْبُهُ فَضْلًا عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَلِذَا كَانَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا لِعِلْمِهِ.
* * *
وَقَدْ وَضَعَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ؛ هَذِهِ الطَّاقَةَ الْعِلْمِيَّةَ الْفَرِيدَةَ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. стр. 492
فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ ﵊ يَرَى جُمُوعَ قُرَيْشٍ تَدْخُلُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، بَعْدَ فَتْح مَكَّةَ.
وَيَشْعُرُ بِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ الْجُدُدِ إِلَى مُعَلِّمٍ كَبِيرٍ يُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهُهُمْ بِشَرَائِعِهِ، فَيَعْهَدُ بِخِلَافَتِهِ عَلَى مَكَّةَ لِعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَيَسْتَبْقِي مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي دِينِ الله.
* * *
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُ مُلُوكِ "الْيَمَنِ" إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تُعْلِنُ إِسْلَامَهَا وَإِسْلَامَ مَنْ وَرَاءَهَا، وَتَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهَا مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمُ؛ انْتَدَبَ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ نَفَرًا مِنَ الدُّعَاةِ الْهُدَاةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁.
وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُوَدِّعُ بَعْثَةَ الْهُدَى وَالنُّورِ هَذِهِ … وَطَفِقَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَةِ مُعَاذٍ … وَمُعَاذُ رَاكِبٌ …
وَأَطَالَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مَشْيَهُ مَعَهُ؛ حَتَّى لَكَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّى مِنْ مُعَاذٍ …
ثُمَّ أَوْصَاهُ وَقَالَ لَهُ: (يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هذا … وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي … ).
فَبَكَى مُعَاذٌ جَزَعًا لِفِرَاقِ نَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَبَكَى مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ.
* *
وَصَدَقَتْ نُبُوءَةُ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ ، فَمَا اكْتَحَلَتْ عَيْنَا مُعَاذٍ ﵁ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﵊ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ …
стр. 493
فَقَدْ فَارَقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ الْحَيَاةَ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ مُعَاذٌ مِنَ "الْيَمَنِ".
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ مُعَاذًا بَكَى لَمَّا عَادَ إِلَى "يَثْرِبَ" فَأَلْفَاهَا (١) قَدْ أَقْفَرَتْ مِنْ أُنْسِ حَبِيبِهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
* * *
وَلَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَرْسَلَ مُعَاذًا إِلَى بَنِي "كِلَابٍ" لِيَقْسِمَ فِيهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَيُوَزِّعَ عَلَى فُقَرَائِهِمْ صَدَقَاتِ أَغْنِيَائِهِمْ، فَقَامَ بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ، وَعَادَ إِلَى زَوْجِهِ بِحِلْسِهِ (٢) الَّذِي خَرَجَ بِهِ يَلُفُّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ مَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ هَدِيَّةٍ لِأَهْلِيهِمْ؟!.
فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَعِي رَقِيبٌ يَقِظٌ يُحْصِي عليَّ (٣).
فَقَالَتْ: قَدْ كُنْتَ أَمِينًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَبَعَثَ مَعَكَ رَقِيبًا يُحْصِي عَلَيْكَ؟!!.
وَأَشَاعَتْ ذَلِكَ فِي نِسْوَةِ عُمَرَ، وَاشْتَكَتْهُ لَهُنَّ …
فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ؛ فَدَعَا مُعَاذًا وَقَالَ:
أأنا بَعَثْتُ مَعَكَ رَقِيبًا يُحْصِي عَلَيْكَ؟!.
فَقَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَعْتَذِرُ بِهِ إِلَيْهَا إِلَّا ذَلِكَ … فَضَحِكَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ شَيْئًا وَقَالَ لَهُ:
أَرْضِهَا بِهِ …
* *
وَفِي أَيَّامِ الْفَارُوقِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَالِيهِ عَلَى الشَّامِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: стр. 494
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ كَثُرُوا وَمَلأُوا الْمَدَائِنَ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ بِالدِّينِ فَأَعِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرِجَالٍ يُعَلِّمُونَهُمْ؛ فَدَعَا عُمَرُ النَّفَرَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵊.
وَهُمْ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ (١)، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (٢) وَقَالَ لَهُمْ:
إِنَّ إِخْوَانَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَدِ اسْتَعَانُونِي بِمَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ في الدِّينِ فَأَعِينُونِي - رَحِمَكُمْ اللَّهُ - بِثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ؛ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ فَاقْتَرِعُوا وَإِلَّا انْتَدَبْتُ ثَلَاثَةً مِنْكُمْ.
فَقَالُوا: وَلِمَ نَقْتَرِعُ؟ ..
"فَأَبُو أَيُّوبَ" شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَ "أَبيُّ" رَجُلٌ مَرِيضٌ، وَبَقِينَا نَحْنُ الثَّلَاثَةُ، فَقَالَ عُمَرُ:
ابْدَؤُوا "بِحِمْصَ" فَإِذَا رَضِيتُمْ حَالَ أَهْلِهَا؛ فَخَلِّفُوا أَحَدَكُمْ فِيهَا وَلْيَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَالْآخَرُ إِلَى فِلَسْطِينَ".
فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّلَاثَةُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ الْفَارُوقُ فِي "حِمْصَ" …
ثُمَّ تَرَكُوا فِيهَا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَمَضَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ إِلَى "فِلَسْطِينَ".
* * *
وَهُنَاكَ أُصِيبَ مُعَاذٌ بِالْوَبَاءِ. стр. 495
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا النَّشِيدَ:
مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ مَرْحَبًا …
زَائِرٌ جَاءَ بَعْدَ غِيَابِ …
وَحَبِيبٌ وَفَدَ عَلَى شَوْقٍ …
ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَجَرْيِ الْأَنْهَارِ ..
وَلَكِنْ لِظَمَإ الْهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ …
اللَّهُمَّ فَتَقَبَّلْ نَفْسِي بِخَيْرِ مَا تَتَقَبَّلُ بِهِ نَفْسًا مُؤْمِنَةً.
ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ بَعِيدًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرِ …
دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ، مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِهِ (*).
следующие страницы →