← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَرَوَى أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ (١) قَالَ: أَتَيْتُ مَسْجِدَ "دِمَشْقَ"؛ فَإِذَا حلقَةٌ (٢) فِيهَا كُهُولٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَإِذَا شَابٌّ فِيهِمْ أَكْحَلُ الْعَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، كُلَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى الْفَتَى؛ فَقُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: مَنْ هَذَا؟!. فَقَالَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. * * * وَلَا غَرْوَ (٣) فَمُعَاذُ رُبِّي فِي مَدْرَسَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُنْذُ نُعُومَةِ الْأَطْفَارِ (٤) وَتَخَرَّجَ عَلَى يَدَيْهِ؛ فَنَهَلَ الْعِلْمَ مِنْ يَنَابِيعِهِ الْغَزِيرَةِ … وَأَخَذَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مَعِينِهَا الْأَصِيلِ، فَكَانَ خَيْرَ تِلْمِيذٍ لِخَيْرِ مُعَلِّمٍ. وَحَسْبُ (٥) مُعَاذٍ شَهَادَةً أَنْ يَقُولَ عَنْهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) … وَحَسْبُهُ فَضْلًا عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَلِذَا كَانَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا لِعِلْمِهِ. * * * وَقَدْ وَضَعَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ؛ هَذِهِ الطَّاقَةَ الْعِلْمِيَّةَ الْفَرِيدَةَ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.

стр. 492

فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ ﵊ يَرَى جُمُوعَ قُرَيْشٍ تَدْخُلُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، بَعْدَ فَتْح مَكَّةَ. وَيَشْعُرُ بِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ الْجُدُدِ إِلَى مُعَلِّمٍ كَبِيرٍ يُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهُهُمْ بِشَرَائِعِهِ، فَيَعْهَدُ بِخِلَافَتِهِ عَلَى مَكَّةَ لِعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَيَسْتَبْقِي مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي دِينِ الله. * * * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُ مُلُوكِ "الْيَمَنِ" إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تُعْلِنُ إِسْلَامَهَا وَإِسْلَامَ مَنْ وَرَاءَهَا، وَتَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهَا مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمُ؛ انْتَدَبَ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ نَفَرًا مِنَ الدُّعَاةِ الْهُدَاةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁. وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُوَدِّعُ بَعْثَةَ الْهُدَى وَالنُّورِ هَذِهِ … وَطَفِقَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَةِ مُعَاذٍ … وَمُعَاذُ رَاكِبٌ … وَأَطَالَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مَشْيَهُ مَعَهُ؛ حَتَّى لَكَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّى مِنْ مُعَاذٍ … ثُمَّ أَوْصَاهُ وَقَالَ لَهُ: (يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هذا … وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي … ). فَبَكَى مُعَاذٌ جَزَعًا لِفِرَاقِ نَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَبَكَى مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ. * * وَصَدَقَتْ نُبُوءَةُ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ ، فَمَا اكْتَحَلَتْ عَيْنَا مُعَاذٍ ﵁ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﵊ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ …

стр. 493

فَقَدْ فَارَقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ الْحَيَاةَ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ مُعَاذٌ مِنَ "الْيَمَنِ". وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ مُعَاذًا بَكَى لَمَّا عَادَ إِلَى "يَثْرِبَ" فَأَلْفَاهَا (١) قَدْ أَقْفَرَتْ مِنْ أُنْسِ حَبِيبِهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * وَلَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَرْسَلَ مُعَاذًا إِلَى بَنِي "كِلَابٍ" لِيَقْسِمَ فِيهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَيُوَزِّعَ عَلَى فُقَرَائِهِمْ صَدَقَاتِ أَغْنِيَائِهِمْ، فَقَامَ بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ، وَعَادَ إِلَى زَوْجِهِ بِحِلْسِهِ (٢) الَّذِي خَرَجَ بِهِ يَلُفُّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ مَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ هَدِيَّةٍ لِأَهْلِيهِمْ؟!. فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَعِي رَقِيبٌ يَقِظٌ يُحْصِي عليَّ (٣). فَقَالَتْ: قَدْ كُنْتَ أَمِينًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَبَعَثَ مَعَكَ رَقِيبًا يُحْصِي عَلَيْكَ؟!!. وَأَشَاعَتْ ذَلِكَ فِي نِسْوَةِ عُمَرَ، وَاشْتَكَتْهُ لَهُنَّ … فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ؛ فَدَعَا مُعَاذًا وَقَالَ: أأنا بَعَثْتُ مَعَكَ رَقِيبًا يُحْصِي عَلَيْكَ؟!. فَقَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَعْتَذِرُ بِهِ إِلَيْهَا إِلَّا ذَلِكَ … فَضَحِكَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ شَيْئًا وَقَالَ لَهُ: أَرْضِهَا بِهِ … * * وَفِي أَيَّامِ الْفَارُوقِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَالِيهِ عَلَى الشَّامِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ:

стр. 494

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ كَثُرُوا وَمَلأُوا الْمَدَائِنَ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ بِالدِّينِ فَأَعِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرِجَالٍ يُعَلِّمُونَهُمْ؛ فَدَعَا عُمَرُ النَّفَرَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵊. وَهُمْ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ (١)، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (٢) وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَدِ اسْتَعَانُونِي بِمَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ في الدِّينِ فَأَعِينُونِي - رَحِمَكُمْ اللَّهُ - بِثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ؛ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ فَاقْتَرِعُوا وَإِلَّا انْتَدَبْتُ ثَلَاثَةً مِنْكُمْ. فَقَالُوا: وَلِمَ نَقْتَرِعُ؟ .. "فَأَبُو أَيُّوبَ" شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَ "أَبيُّ" رَجُلٌ مَرِيضٌ، وَبَقِينَا نَحْنُ الثَّلَاثَةُ، فَقَالَ عُمَرُ: ابْدَؤُوا "بِحِمْصَ" فَإِذَا رَضِيتُمْ حَالَ أَهْلِهَا؛ فَخَلِّفُوا أَحَدَكُمْ فِيهَا وَلْيَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَالْآخَرُ إِلَى فِلَسْطِينَ". فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّلَاثَةُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ الْفَارُوقُ فِي "حِمْصَ" … ثُمَّ تَرَكُوا فِيهَا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى "دِمَشْقَ"، وَمَضَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ إِلَى "فِلَسْطِينَ". * * * وَهُنَاكَ أُصِيبَ مُعَاذٌ بِالْوَبَاءِ.

стр. 495

فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا النَّشِيدَ: مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ مَرْحَبًا … زَائِرٌ جَاءَ بَعْدَ غِيَابِ … وَحَبِيبٌ وَفَدَ عَلَى شَوْقٍ … ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَجَرْيِ الْأَنْهَارِ .. وَلَكِنْ لِظَمَإ الْهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ … اللَّهُمَّ فَتَقَبَّلْ نَفْسِي بِخَيْرِ مَا تَتَقَبَّلُ بِهِ نَفْسًا مُؤْمِنَةً. ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ بَعِيدًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرِ … دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ، مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِهِ (*).

стр. 496

الكتاب الثامن آلُ ياسرٍ يَاسِرٌ، وَسُمَيَّةُ، وَعَمَّارٌ "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ … فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] فِي ذَاتِ صَبَاحٍ رَطِيبِ الْأَنْدَاءِ … مُعَطَّرِ الْأَجْوَاءِ … بَلَغَتْ إِحْدَى الْقَوَافِلِ الْقَادِمَةِ مِنَ "الْيَمَنِ" مَشَارِفَ (١) مَكَّةَ. فَلَمَّا أَطَلَّ يَاسِرُ بْنُ عَامِرٍ الْكِنَانِيُّ عَلَى الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ بَهَرَهُ (٢) سَنَاهَا … وَصَفَّقَ قَلْبُهُ فَرَحًا بِرُؤْيَاهَا .. إِذْ لَمْ تَكُنْ عَيْنَاهُ قَدْ سَعِدَنَا بِمُشَاهَدَتِهَا مِنْ قَبْلُ. * * * لَمْ يَكُنْ قُدُومُ يَاسِرٍ إِلَى مَكَّةَ لِلتِّجَارَةِ كَمَا كَانَ شَأْنُ رِجَالِ الْقَافِلَةِ … وَإِنَّمَا قَدِمَ إِلَيْهَا هُوَ وَأَخَوَاهُ الْحَارِثُ وَمَالِكٌ؛ لِيَبْحَثُوا عَنْ أَخٍ لَهُمْ فَقَدُوهُ منذ سَنَوَاتٍ وَلَمْ يَقِفُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ (٣). * * * انْطَلَقَ الْفِتْيَةُ الثَّلَاثَةُ يَبْحَثُونَ عَنْ أَخِيهِمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ … وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ كُلَّ جَمَاعَةٍ … حَتَّى إِذَا يَئِسُوا مِنْ لِقَائِهِ، اخْتَلَفَتْ وِجْهَاتُهُمْ …

стр. 497

أَمَّا الْحَارِثُ وَمَالِكٌ فَعَادَا إِلَى مَرَاتِعِ الطُّفُولَةِ، وَمَرَابِعِ الصِّبَا فِي "الْيَمَنِ" السَّعيد. وَأَمَّا يَاسِرٌ فَجَذَبَتْهُ مَكَّةُ إِلَيْهَا، وَأَغْرَتْهُ بِأَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا مَقَامًا وَوَطَنًا. * * * لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ يَاسِرُ بْنُ عَامِرٍ الْكِنَانِيُّ حِينَ اتَّخَذَ قَرَارَهُ هَذَا أَيُّ مَجْدٍ كُتِبَ له … وَلَمْ يَكُن يَدْرِي أَنَّهُ دَخَلَ التَّارِيخَ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهِ … وَأَنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ صُلْبِهِ فَتًى يَزْدَانُ بِهِ مَفْرِقُ الدُّنْيَا كُلَّمَا أَحَبَّتْ أَنْ تَتَزَيَّنَ للنَّاسِ. غَيْرَ أَنَّ يَاسِرًا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِي مَكَّةَ عَصَبِيَّةٌ (١) تَحْمِيهِ … ولا أُسْرَةٌ تَمْنَعُهُ (٢) … فَكَانَ لَا بُدَّ لِغَرِيبٍ مِثْلِهِ مِنْ أَنْ يُحَالِفَ سَيْدًا مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْحَيَاةِ آمِنًا مُطْمَئِنًا فِي ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ الَّذِي لَا مَكَانَ فِيهِ لِلضُّعَفَاءِ … فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ حَالَفَ "أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ". * * * رَأَى أَبُو حُذَيْفَةَ فِي يَاسِرٍ مِنْ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ، وَنَبِيلِ الْخَصَائِلِ، مَا حَبَّبَهُ إِلَيْهِ؛ فَزَوَّجَهُ مِنْ أَمَةٍ لَهُ تُدْعَى "سُمَيَّةَ بِنْتَ خِبَاطٍ". فَكَانَ أَوَّلَ ثَمَرَاتِ هَذَا الزَّوَاجِ غُلَامٌ فَرِحَ بِهِ الْأَبَوَانِ أَعْظَمَ الْفَرَحِ …

стр. 498

وَدَعَوَاهُ عَمَّارًا. وَقَدْ تَضَاعَفَتْ فَرْحَتُهُمْ بِهِ حِينَ حَرَّرَهُ أَبُو حُذَيْفَةَ وَأَعْتَقَ رَقَبَتَهُ (١). * * * عَاشَتِ الْأُسْرَةُ فِي كَنَفِ (٢) بَنِي "مَخْزُومٍ" عِيشَةً هَانِئَةٌ رَاضِيَةً … وَجَعَلَتِ الْأَيَّامُ تَمْضِي وَالسُّنُونُ تَمُرُّ … فَإِذَا بِيَاسِرٍ وَسُمَيَّةَ يَغْدُوَانِ شَيْخَيْنِ مُعَمَّرَيْنِ … وَإِذَا بِعَمَّارٍ يُصْبِحُ شَابًّا مِلْءَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ. * * * ثُمَّ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا .. وَانْبَثَقَ مِنْ بِطَاحٍ (٣) مَكَّةَ ضِيَاءٌ غَمَرَ الْكَوْنَ بِالْخَيْرِ وَالْبِرِّ … وَمَلأَهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ … فَلَقَدْ قَامَ النَّبِيُّ الْأُمِيُّ يَصْدَعُ (٤) بِرِسَالَةِ رَبِّهِ … وَيُنْذِرُ قَوْمَهُ وَيُبَشِّرُهُمْ … وَيَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ عِزُّ الدُّنْيَا وَسَعَادَةُ الْآخِرَةِ. * * * سَمِعَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أَخْبَارَ الدَّعْوَةِ الْجَدِيدَةِ مِنْ أَفْوَاهِ النَّاسِ فَفَتَحَ لَهَا سَمْعَهُ، وَقَلْبَهُ، وَعَقْلَهُ، لَكِنَّهُ حِينَ وَجَدَ أَنَّ مَا يَصِلُهُ عَنْهَا قَلِيلٌ ضَئِيلٌ، مُتَضَارِبٌ يَرْوِي لَهُ غُلَّةً …

стр. 499

قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَيْحَكَ (١) يَا عَمَّارُ، مَا الَّذِي يَجْعَلُكَ تَظْمَأُ (٢) وَالْمَوْرِدُ (٣) مِنْكَ قَرِيبٌ؟! … هَيَّا إِلَى صَاحِبِ الرِّسَالَةِ … هَيَّا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ فَعِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ النَّبَأُ الْيَقِينُ (٤) … * * * مَضَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى دَارِ "الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَم" … وَهُنَاكَ سَعِدَ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ مَا هَزَّ فُؤَادَهُ هَزًّا … وَوَعَى مِنْ هَدْيِهِ مَا أَتْرَعَ (٥) قَلْبَهُ حِكْمَةً وَنُورًا … فَبَسَطَ يَدَهُ لَهُ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. * * * تَوَجَّهَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ إِلَى أُمِّهِ سُمَيَّةَ فَدَعَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ؛ فَمَا أَسْرَعَ أَنِ اسْتَجَابَتْ لِدَعْوَتِهِ حَتَّى لَكَأَنَّهَا مَعَهُ عَلَى مَوْعِدٍ … ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى أَبِيهِ يَاسِرٍ فَدَعَاهُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ أُمَّهُ. فَلَمْ يَكُنْ أَبُوهُ أَقَلَّ اسْتِجَابَةً مِنْ أُمِّهِ، فَانْضَمَّ إِلَى مَوْكِبِ النُّورِ بِإِسْلَامِ هَذِهِ الْأُسْرَةِ الْمُبَارَكَةِ ثَلَاثَةُ كَوَاكِبَ مَا يَزَالُ ضِيَاؤُهَا يَعْمُرُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا …

стр. 500

وَسَيَظَلُّ كَذَلِكَ - بِإِذْنِ اللَّهِ - حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. * * * طَارَ خَبْرُ إِسْلَامِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ إِلَى بَنِي "مَخْزُوم"؛ فَاسْتَشَاطُوا (١) غَضَبًا، وَتَمَيَّزُوا (٢) غَيْظًا .... وَأَقْسَمُوا لَيَرُدُّنَّهُمْ عَنْ إِسْلَامِهِمْ أَوْ لَيُورِدُنَّهُمْ (٣) مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ … فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ الْأَبَوَيْنِ وَفَتَاهُمَا إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ، وَيُلْبِسُونَهُمْ دُرُوعَ (٤) الْحَدِيدِ، وَيَصْهَرُونَهُمْ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ … وَيَمْنَعُونَ عَنْهُمُ الْمَاءَ، وَيَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِمْ بِالضَّرْبِ … حَتَّى إِذَا جَفَّتْ مِنْهُمُ الْحُلُوقُ، وَيَبِسَتِ الْعُرُوقُ، وَتَشَقَّقَتِ الْجُلُودُ، وَسَالَتِ الدِّمَاءُ … تَرَكُوهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيُعِيدُوا مَعَهُمُ الْكَرَّةَ فِي غَدَاةِ الْيَوْمِ التَّالِي، وَلَقَدْ مَرَّ بِهِمُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُمْ يُعَذِّبُونَهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابَ … فَحَزَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ قُوَّةً وَلَا نَصْرًا، وَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ .... ). فَهَدَأَتِ النُّفُوسُ الْمُعَذَّبَةُ … وَقَرَّتِ (٥) الْعُيُونُ الشَّاخِصَةُ (٦) …

стр. 501

وَعَلَتِ الْوُجُوهَ الْمَكْدُودَة (١) ابْتِسَامَةٌ رَاضِيَةٌ. * * * لَمْ يَطْلِ الْأَمْرُ بِالشَّيْخَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ … أَمَّا سُمَيَّةُ فَمَرَّ بِهَا أَبُو جَهْلٍ (٢) وَهِيَ تُعَذَّبُ، فَشَتَمَهَا أَقْذَعَ (٣) الشَّتْم، وَأَسْمَعَهَا قَوَارِصَ (٤) الْكَلَام، فَلَمْ تَأْبَهُ (٥) لَهُ .... فَجَرَدَّ رُمْحَهُ (٦)، وَطَعَنَهَا بِهِ فِي أَسْفَلِ بَطْنِهَا، فَخَرَجَتْ حَرْبَةُ الرُّمْحِ مِنْ ظَهْرِهَا … فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنِ اسْتُشْهِدَ فِي الْإِسْلَامِ … وَحَسْبُهَا بِذَلِكَ رِفْعَةً وَمَجْدًا. وَأَمَّا يَاسِرٌ فَمَاتَ تَحْتَ التَّعْذِيبِ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. * * * اشْتَدَّ الْأَذَى عَلَى عَمَّارٍ بَعْدَ اسْتِشْهَادِ أَبَوَيْهِ، وَلَقَدْ جَاوَزَ جَلَّادُوهُ فِي تَعْذِيبِهِ كُلَّ حَدٍّ. وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَاسِفًا (٧) حَزِينًا خَجِلًا … وَقَدْ حَاوَلَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَمْلأَ عَيْنَهُ مِنْهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊: (مَا وَرَاءَكَ يَا عَمَّارُ؟!).

стр. 502

فَقَالَ عَمَّارٌ: شَرٌّ مُسْتَطِيرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟!). فَقَالَ: عُذِّبْتُ أَمْس حَتَّى نَالَنِي مِنَ الْجَهْدِ وَالضُّرِّ مَا لَوْ نَزَلَ بِجَبَلٍ لَصَدَّعَهُ (١) … ثُمَّ إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ لَمْ يَكْتَفُوا بِمَا عَرَّضُونِي لَهُ مِنْ حَرِّ الْهَوَاجِرِ (٢)؛ فَأَحْرَقُوا جَسَدِي بِالنَّارِ … وَمَا زَالُوا يُرْغِمُونَنِي عَلَى النَّيْلِ مِنْكَ، وَذِكْرِ آلِهَتِهِمْ بِخَيْرٍ حَتَّى فَعَلْتُ … ثُمَّ أَخَذَ يَنْشِجُ نَشِيجًا (٣) يُقَطِّعُ الْقُلُوبَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: (وَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ يَا عَمَّارُ؟). فَقَالَ: أَجِدُهُ مُطْمَئِنًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: (لَا عَلَيْكَ وَإِنْ عَادُوا إِلَى مِثْلِهَا؛ فَعُدْ إِلَى مِثْلِ مَا قُلْتَ). ثُمَّ أَكْرَمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَمَّارًا، وَأَنْزَلَ فِيهِ قُرْآنًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). * * * وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى

стр. 503

الْمَدِينَةِ، كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي طَلِيعَةِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا فِرَارًا بِدِينِهِ. فَمَا إِنْ بَلَغَ "قُبَاءَ" حَيْثُ يَنْزِلُ الْمُهَاجِرُونَ حَتَّى دَعَاهُمْ إِلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ يُقِيمُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ، فَاسْتَجَابُوا لِطَلَبِهِ … فَكَانَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أَقَامَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أَوَّلَ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَحَسْبُهُ (١) بِذَلِكَ سَابِقَةً وَفَضْلًا. * * * وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ قَرَّتْ بِهِ عَيْنُ عَمَّارٍ، وَفَرِحَ بِهِ فَرَحَ الْحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ، وَلَازَمَهُ مُلَازَمَةَ الْحَدِينِ لِخَدِينِهِ (٢)، حَتَّى كَادَ لَا يُفَارِقُهُ في ليلٍ أو نهارٍ … وَكَانَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ يُبَادِلُهُ حُبًّا بِحُبٍّ؛ فَكَانَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ قَالَ: (جَاءَ الطَّيِّبُ الْمُطَيَّبُ). * * * وَفِي يَوْمِ "بَدْرٍ" قَاتَلَ عَمَّارٌ تَحْتَ رَايَةِ الرَّسُولِ ﷺ قِتَالَ الشُّجْعَانِ … وَكَانَ الْمُسْلِمَ الْوَحِيدَ الَّذِي خَاضَ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ وَأَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ شَهِيدَانِ. * * * وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ ﷺ بِجِوَارِ رَبِّهِ، وَارْتَدَّ أَكْثَرُ الْعَرَبِ عَنِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ فِي يَوْم "الْيَمَامَةِ" مَوْقِفٌ مَشْهُورٌ مَبْرُورٌ. ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ اسْتَحَرَّ (٣) الْقَتْلُ فِي صَحَابَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْه …

стр. 504

وَجَعَلَتِ الْمَنُونُ (١) تَتَخَطَّفُ حَفَظَةَ الْقُرْآنِ … وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ. عِنْدَ ذَلِكَ وَقَفَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَى صَخْرَةٍ مُشْرِفَةٍ، وَقَدْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ، وَبَقِيَتْ عَالِقَةً بِرَأْسِهِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَمِنَ الْجَنَّةِ تَفِرُّونَ … إِلَيَّ … إِلَيَّ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ … ثُمَّ مَضَى أَمَامَهُمْ وَأُذُنُهُ تَتَذَبْذَبُ (٢) عَلَى صَفْحَةِ خَدِّهِ. فَحَمَلُوا بِحَمْلَتِهِ حَتَّى قُتِلَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَطَفِقَ النَّاسُ يَعُودُونَ إِلَى دين اللَّهِ أَفْوَاجًا بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا مِنْهُ أَفْوَاجًا. * * * وَلَمَّا آلَتِ (٣) الْخِلَافَةُ إِلَى الْفَارُوقِ وَلَّاهُ "الْكُوفَةَ"، وَجَعَلَ مَعَهُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ (٤)، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِهَا يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ … فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا وَوَزِيرًا … وَهُمَا مِنْ نُجَبَاءِ (٥) أَصْحَابِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَاسْمَعُوا لَهُمَا، وَاقْتَدُوا بِهِمَا. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بَدَا لَهُ فَأَقْصَاهُ (٦) عَنِ الْإِمَارَةِ، فَلَمَّا لَقِيَهُ قَالَ لَهُ:

стр. 505

أَسَاءَكَ مَا فَعَلْتُهُ مَعَكَ يَا عَمَّارُ؟. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَاءَتْنِي الْإِمَارَةُ أَكْثَرَ مِمَّا سَاعَنِي الْإِقْصَاءُ عَنْهَا. * * * رَضِيَ الله عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ … فَقَدِ امْتَلأَ إِيمَانًا مِنْ قِمَّةِ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمَصِ (١) قَدَمَيْهِ … وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أَبِيهِ يَاسِرٍ … وَأُمِّهِ سُمَيَّةَ … فَقَدْ كَانَ بَيْتُهُمْ بَيْتَ إِيمَانٍ (*) …

стр. 506

سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو "مَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ سُهَيْلًا فَلَا يُسِئْ لِقَاءَهُ فَلَعَمْرِي إِنَّ سُهَيْلًا لَهُ عَقْلٌ وَشَرَفٌ، وَمَا مِثْلُ سُهَيْلٍ يَجْهَلُ الْإِسْلَامَ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو؛ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ الْمَرْمُوقِينَ (١)، وَخَطِيبٌ مِنْ خُطَبَاءِ الْعَرَبِ الْمُفَوَّهِينَ (٢)، وَوَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ الَّذِينَ لَا يُقْطَعُ دُونَهُمْ أَمْرٌ. كَانَ سُهَيْلٌ حِينَ صَدَعَ (٣) الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ قَدِ اكْتَمَلَ وَاكْتَهَلَ، وَقَدْ كَانَ جَدِيرًا بِعَقْلِهِ الرَّاجِحِ وَنَظَرِهِ الثَّاقِبِ (٤)، أَنْ يَجْعَلَاهُ أَوَّلَ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ نَبِيِّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ .. وَلَكِنَّ سُهَيْلًا لَمْ يُعْرِضْ عَنِ الْإِسْلَام فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا طَفِقَ يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، وَيَصُبُّ عَلَى السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَوْطَ عَذَابِهِ، لِيَفْتِنَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَرُدَّهُمْ إِلَى الشِّرْكِ. لَكِنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مَا لَبِثَ أَنْ فُوجِئَ بِخَبَرٍ وَقَعَ عَلَيْهِ وَقْعَ الصَّاعِقَةِ، وَذَلِكَ حِينَ نُمِيَ (٥) إِلَيْهِ، أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَابْنَتَهُ أُمّ كُلْثُومٍ قَدْ تَبِعَا مُحَمَّدًا، وَفَرَّا بِدِينِهِمَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ"؛ تَخَلُّصًا مِنْ أَذَاهُ وَأَذَى قُرَيْشٍ. * * * ثُمَّ شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَصِلَ الْأَخْبَارُ كَاذِبَةً إِلَى مُهَاجِرِي "الْحَبَشَةِ"، بِأَنَّ قُرَيْشًا

стр. 507

قَدْ أَسْلَمَتْ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَاتُوا يَعِيشُونَ بَيْنَ أَهْلِيهِمْ بِسَلَامٍ؛ فَعَادَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْعَائِدِينَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلٍ. * * * لَمْ تَكَدْ أَقْدَامُ عَبْدِ اللَّهِ تَطَأُ أَرْضَ مَكَّةَ؛ حَتَّى أَخَذَهُ أَبُوهُ، وَكَبَّلَهُ (١) بِالْقُيُودِ؛ وَأَلْقَى بِهِ فِي مَكَانٍ مُظْلِم مِنْ بَيْتِهِ … وَجَعَلَ يَفْتَنُّ (٢) فِي تَعْذِيبِهِ، وَيَلِجُّ فِي إِيذَائِهِ، حَتَّى أَظْهَرَ الْفَتَى ارْتِدَادَهُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ، وَأَعْلَنَ رُجُوعَهُ إِلَى مِلَّةِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ … فُسُرِّيَ (٣) عَنْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَرَّتْ عَيْنُهُ، وَشَعَرَ بِنَشْوَةِ (٤) النَّصْرِ عَلَى * * * ثُمَّ مَا لَبِثَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ عَزَمُوا عَلَى مُنَازَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي "بَدْرٍ"؛ فَخَرَجَ مَعَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو مَصْحُوبًا بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، مُتَشَوِّقًا لِأَنْ يَرَى فَتَاهُ يُشْهِرُ (٥) السَّيْفَ فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ إِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ وَاحِدًا مِنْ أَتْبَاعِهِ. * * * وَلَكِنَّ الْأَقْدَارَ كَانَتْ تُخَبِّئُ لِسُهَيْلٍ مَا لَمْ يَكُنْ يَقَعُ لَهُ فِي حِسَابٍ … إِذْ مَا كَادَ يَلْتَقِي الْجَمْعَانِ عَلَى أَرْضِ "بَدْرٍ" حَتَّى فَرَّ الْفَتَى الْمُسْلِمُ الْمُؤْمِنُ إِلَى صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَضَعَ نَفْسَهُ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَامْتَشَقَ حُسَامَهُ لِيُقَاتِلَ بِهِ أَبَاهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ. * * * وَلَمَّا انْتَهَتْ "بَدْرٌ" بِذَلِكَ النَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَبِيِّهِ،

стр. 508

وَوَقَفَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ وَصَحْبُهُ الأَخْيَارُ يَسْتَعْرِضُونَ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا هُمْ يَجِدُونَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ. فَلَمَّا مَثْلَ سُهَيْلٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﵊ يُرِيدُ الْمُفَادَاةَ (١)، نَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْزَعُ ثَنِيَّتَيْهِ (٢) حَتَّى لَا يَقُومَ بَعْدَ الْيَوْمِ، خَطِيبًا فِي مَحَافِلِ (٣) مَكَّةَ، يَنَالُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَنَبِيِّهِ. فَقَالَ ﵊: (دَعْهُمَا يَا عُمَرُ، فَلَعَلَّكَ تَرَى مِنْهُمَا مَا يَسُرُّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ). * * * ثُمَّ دَارَتِ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا، وَكَانَ صُلْحُ "الْحُدَيْبِيَّةِ"؛ فَبَعَثَتْ قُرَيْشُ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو لِيَنُوبَ عَنْهَا فِي إِبْرَامِ الصُّلْح، فَتَلَقَّاهُ الرَّسُولُ ﵊ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ صَحْبِهِ فِيهِمْ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلٍ. ثُمَّ دَعَا النَّبِيُّ ﵇ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لِكِتَابَةِ الْعَقْدِ، وَشَرَعَ يُمْلِي عَلَيْهِ فَقَالَ: (اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) … فَقَالَ سُهَيْلٌ: نَحْنُ لَا نَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيِّ: (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ). ثُمَّ قَالَ: (اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ).

стр. 509

فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ كُنَّا نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ تُقَاتِلْكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي .. اُكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ). ثُمَّ أَتَمَّ الْعَقْدَ وَعَادَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو مَزْهُوًّا بِمَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ حَقَّقَهُ مِنْ نَصْرٍ لِقَوْمِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ. * * * ثُمَّ دَارَتِ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا كَرَّةً أُخْرَى؛ وَإِذَا بِقُرَيْشِ تُهْزَمُ هَزِيمَتَهَا السَّاحِقَةَ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ … وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَاتِحًا … وَإِذَا الْمُنَادِي يُنَادِي: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنْ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ … فَمَا إِنْ سَمِعَ سُهَيْلٌ النِّدَاءَ حَتَّى دَبَّ فِي قَلْبِهِ الذُّعْرُ (١)، وَأَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ بَيْتِهِ، وَسُقِطَ (٢) فِي يَدِهِ. فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو لِيُحَدِّثَنَا عَنْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الْحَاسِمَاتِ فِي حَيَاتِهِ … قَالَ سُهَيْلٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، اقْتَحَمْتُ (٣) بَيْتِي، وَأَغْلَقْتُ عَلَيَّ بَابِي، وَأَرْسَلْتُ فِي طَلَبِ ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ؛ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ تَقَعَ عَيْنِي عَلَى عَيْنِهِ؛

стр. 510

لِمَا كُنْتُ قَدْ أَسْرَفْتُ فِي تَعْذِيبِهِ عَلَى الْإِسْلَام، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ … قُلْتُ لَهُ: اطلبْ لِي جِوَارًا مِنْ مُحَمَّدٍ، فَإِنِّي لَا آمَنْ أَنْ أُقْتَلَ … فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى النَّبي ﷺ وَقَالَ: أَبِي … أَتُؤَمِّنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟!. قَالَ: (نَعَمْ … هُوَ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ، فَلْيَظْهَرْ)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: (مَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ سُهَيْلًا فَلَا يُسِئْ لِقَاءَهُ فَلَعَمْرِي إِنَّ سُهَيْلًا لَهُ عَقْلٌ وَشَرَفٌ، وَمَا مِثْلُ سُهَيْلٍ يَجْهَلُ الْإِسْلَامَ، وَلَكِنْ قُدِّرَ فَكَانَ). * * * أَسْلَمَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بَعْدَ ذَلِكَ إِسْلَامًا مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ وَلُبَّهُ، وَأَحَبَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ ﷺ حُبًّا أَحَلَّهُ فِي السَّوَيْدَاءِ (١) مِنْ فُؤَادِهِ. قَالَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: لَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَهُوَ يُقَدِّمُ لَهُ الْبُدْنَ (٢)، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْحَرُهَا (٣) بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ … فَنَظَرْتُ إِلَى سُهَيْلٍ، وَهُوَ يَلْتَقِطُ الشَّعْرَةَ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ … فَتَذَكَّرْتُ يَوْمَ "الْحُدَيْبِيَّةِ"، وَكَيْفَ أَتَى أَنْ يَكْتُبَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى أَنْ هَدَاهُ. * * *

стр. 511

عَكَفَ (١) سُهَيْلٌ مُنْذُ أَسْلَمَ عَلَى مَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ، وَيَنْفَعُهُ فِي أُخْرَاهُ. فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْح؛ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ صَلَاةً، وَلَا صَوْمًا وَلَا صَدَقَةً، وَلَا رِقَّةَ قَلْبٍ، وَلَا كَثْرَةَ بُكَاءٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ كُلَّ يَوْمٍ يَمْضِي إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (٢) حَتَّى يُقْرِئَهُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا أَبَا زَيْدٍ، إِنَّكَ تَأْتِي هَذَا "الْخَزْرَجِيَّ" لِيُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ؛ أَفَلَا جِئْتَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ؟!!. فَقَالَ: يَا ضِرَارُ، إِنَّ هَذَا الَّذِي تَقُولُهُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي صَنَعَ بِنَا مَا صَنَعَ حَتَّى سُبِقْنَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ أَذْهَبَ عَنَا عَصَبِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَفَعَ أَقْوَامًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذِكْرٌ … لَيْتَنَا كُنَّا مَعَهُمْ فَتَقَدَّمْنَا كَمَا تَقَدَّمُوا. * * * وَقَدْ ظَلَّ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَشْعُرُ بِفَضْلِ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ، وَيُدْرِكُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ فَرْقٍ … فَقَدْ حَضَرَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى بَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (٣)، وَصُهَيْبُ الرُّومِيُّ (٤)، وَرِجَالٌ مِنَ الْمَوَالِي مِنْ أَصْحَابِ السَّابِقَةِ فَخَرَجَ آذِنُ عُمَرَ وَقَالَ: لِيَدْخُلْ عَمَّارٌ، لِيَدْخُلْ صُهَيْبٌ … فَجَعَلَ الْقَوْمُ مِنْ قُرَيْشٍ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، مُغْضَبِينَ، ثُمَّ قَالَ قَائِلُهُمْ:

стр. 512

لَمْ نَرَ كَيَوْمِنَا هَذَا قَطُّ، يَأْذَنُ عُمَرُ لِهَؤُلَاءِ؛ وَنَحْنُ عَلَى بَابِهِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْنَا؟!! … فَقَالَ سُهَيْلٌ: إِنْ كُنْتُمْ غِضَابًا فَاغْضَبُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ: دُعِيَ الْقَوْمُ وَدُعِينَا؛ فَأَسْرَعُوا وَأَبْطَأْنَا … فَكَيْفَ بِنَا إِذَا دُعُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَتُرِكْنَا؟! … أَمَا وَاللَّهِ، إِنَّ مَا سَبَقُوكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْفَضْلِ مِمَّا لَا تَرَوْنَهُ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي تَتَنَافَسُونَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ سَبَقُوكُمْ إِلَى مَا سَبَقُوكُمْ إِلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ - وَاللَّهِ - إِلَى اسْتِدْرَاكِ (١) مَا فَاتَ إِلَّا بِالْجِهَادِ وَالاسْتِشْهَادِ … ثُمَّ نَفَضَ ثَوْبَهُ وَقَامَ. * * * كَانَتْ رَحَى الْحُرُوبِ دَائِرَةً إِذْ ذَاكَ عَلَى تُخُومِ الشَّامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، فَجَمَعَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَبْنَاءَهُ وَأَزْوَاجَهُ وَحَفَدَتَهُ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِيُرَابِطَ (٢) مَعَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ مَوْقِفًا وَقَفْتُهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا وَقَفْتُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَهُ، وَلَا نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا أَنْفَقْتُ مِثْلَهَا … وَوَاللَّهِ لأَبْقَيَنَّ مُرَابطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ شَهِيدًا، أَوْ أَمُوتَ غَرِيبًا عَنْ مَكَّةَ. * * *

стр. 513

بَرَّ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بِقَسَمِهِ؛ فَشَهِدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ "الْيَرْمُوكَ" وَأَبْلَى فِيهَا بَلَاءَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ … ثُمَّ مَا زَالَ يَنْتَقِلُ مِنْ مَعْرَكَةٍ إِلَى أُخْرَى، حَتَّى حَلَّ بِدِيَارِ الشَّامِ طَاعُونُ "عَمْوَاسَ" (١)، فَمَاتَ فِيهِ سُهَيْلٌ، وَكُلُّ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ وَذَوِيهِ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَتَبَهُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (*).

стр. 514

جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ "رَوَى لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمُ الْأَعْظَم ﷺ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا" مَضَى الرَّكْبُ يَحُثُّ (١) الْخُطَى مِنْ "يَثْرِبَ" إِلَى مَكَّةَ تَحْدُوهُ (٢) الْأَشْوَاقُ وَيَدْفَعُهُ الْحَنِينُ … فَلَقَدْ كَانَ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ فِي الرَّكْبِ يَتَلَهَّفُ شَوْقًا إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَسْعَدُ فِيهَا بِلِقَاءِ النَّبِيِّ ﵊ .... وَوَضْعِ يَدِهِ فِي يَدِهِ لِيُبَايِعَهُ عَلَى السَّمْعَ وَالطَّاعَةِ … وَيُعَاهِدَهُ عَلَى التَّأْيِيدِ وَالنَّصْرِ … وَكَانَ فِي الرَّكْبِ شَيْخٌ مِنْ وُجُوهِ الْقَوْمِ أَرْدَفَ وَرَاءَهُ (٣) غُلَامَهُ الصَّغِيرَ الْوَحِيدَ، وَخَلَّفَ فِي "يَثْرِبَ" تِسْعَ بَنَاتٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبِيٌّ غَيْرُهُ … وَلَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ حَرِيصًا أَشَدَّ الحِرْصِ عَلَى أنْ يَشْهَدَ غُلَامُهُ الصَّغِيرُ الْبَيْعَةَ … وَأَلَّا يَفُوتَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْعَظِيمُ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ … أَمَّا ذَلِكَ الشَّيْخُ فَهُوَ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ" … وَأَمَّا غُلَامُهُ فَهُوَ "جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ". * * *

стр. 515

أَشْرَقَ الْإِيمَانُ فِي فُؤَادِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ صَغِيرٌ غَضٌّ (١) فَأَضَاءَ كُلَّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانَبِهِ … وَمَسَّ الْإِسْلَامُ قَلْبَهُ الصَّغِيرَ كَمَا تَمَسُّ قَطَرَاتُ النَّدَى أَكْمَامَ الزَّهْرِ (٢) فَتُفَتِّحُهَا، وَتُفْعِمُهَا (٣) بِالشَّذَى وَالْعِطْرِ … وَتَوَثَّقَتْ (٤) صِلَاتُهُ بِالرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ (٥). * * * وَلَمَّا وَفَدَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا؛ تَتَلْمَذ الصَّبِيُّ الْمُؤْمِنُ عَلَى يَدَيْ نَبِيِّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، فَكَانَ مِنْ أَنْجَبِ (٦) مَنْ أَخْرَجَتْهُمُ المَدْرَسَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ لِلنَّاسِ حِفْظًا لِكِتَابِ اللهِ … وَفِقْهًا (٧) فِي دِينِ الله … وَرِوَايَةً لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَحَسْبُكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ "مُسْنَدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ" يَضُمُّ بَيْنَ دَفَّتَيْهِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةً وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا … حَفِظَهَا التِّلْمِيذُ النَّجِيبُ، وَرَوَاهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمُ الْأَعْظَمِ ﷺ . وَأَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا أَثْبَتَا فِي صَحِيحَيْهِمَا مَا يَنُوفُ عَلَى مِائَتَيْنِ مِنْ أَحَادِيثِهِ تِلْكَ … وَأَنَّهُ ظَلَّ مَصْدَرَ إِشْعَاعٍ وَهِدَايَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ دَهْرًا طَوِيلًا؛ فَلَقَدْ مَدَّ اللَّهُ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى أَوْشَكَ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الْعُمُرِ قَرْنًا مِنَ الزَّمَانِ. * * *

стр. 516

لَمْ يَشْهَدْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ "بَدْرًا" وَلَا "أُحُدًا" مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ … لأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا مِنْ جِهَةٍ … وَلِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَأْمُرُهُ بِالْبَقَاءِ مَعَ أَخَوَاتِهِ التِّسْعِ مِنْ جهَةٍ أُخْرَى؛ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ أَحَدٌ سِوَاهُ يَقُومُ عَلَى أَمْرِهِنَّ. حَدَّثَ جَابِرٌ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي سَبَقَتْ "أُحُدًا" دَعَانِي أَبِي وَقَالَ: إِنِّي لَا أَرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا مَعَ أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنِّي - وَاللَّهِ - مَا أَدَعُ أَحَدًا أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا، فَاقْضِ دَيْنِي … وَارْحَمْ أَخَوَاتِكَ … وَاسْتَوْصِ بِهِنَّ خَيْرًا. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلِ قُتِلَ فِي "أُحَدٍ". فَلَمَّا دَفَنْتُهُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵊، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي تَرَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ … وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أَفِيهِ (١) بِهِ إِلَّا مَا يُخْرِجُهُ ثَمَرُ نَخِيلِهِ، وَلَوْ عَمَدْتُ إِلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَرِ لَمَا أَدَّيْتُهُ فِي سِنِينَ … وَلَا مَالَ لِأَخَوَاتِي أُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ مِنْهُ غَيْرَ هَذَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَضَى مَعِي إِلَى بَيْدَرِ (٢) تَمْرِنَا وَقَال لي: (اُدْعُ غُرَمَاءَ (٣) أَبِيكَ)، فَدَعَوْتُهُمْ. فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ مِنْهُ حَتَّى أَدَّى (٤) اللَّهُ عَنْ أَبِي دَيْنَهُ كُلَّهُ مِنْ تَمْرِ تِلْكَ السنة.

стр. 517

ثُمَّ إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى الْبَيْدَرِ فَوَجَدْتُهُ كَمَا هُوَ … كَأَنَّهُ لَمْ تَنْقُصْ مِنْهُ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ … * * * وَمُنْذُ تُوُفِّيَ وَالِدُ جَابِرٍ لَمْ تَفُتْهُ غَزْوَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَلَقَدْ كَانَتْ لَهُ فِي كُلِّ غَزْوَةٍ حَادِثَةٌ تُرْوَى وَتُحْفَظُ. فَلْنَتْرُكْ لَهُ الْكَلَامَ لِيَرْوِيَ لَنَا إِحْدَى حَوَادِثِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا يَوْمَ "الْخَنْدَقِ" نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ لَنَا صَخْرَةٌ شَدِيدَةٌ عَجَزْنَا عَنْ تَحْطِيمِهَا، فَجِئْنَا إِلَى الرَّسُولِ ﵊ وَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَقَدْ وَقَفَتْ فِي سَبِيلِنَا صَخْرَةٌ صَلْدَةٌ، وَلَمْ تَفْعَلْ مَعَاوِلُنَا (١) فِيهَا شَيْئًا. فَقَالَ ﵊: (دَعُوهَا فَإِنِّي نَازِلٌ إِلَيْهَا). ثُمَّ قَامَ، وَكَانَ بَطْنُهُ مَعْصُوبًا بِحَجَرٍ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ؛ ذَلِكَ لِأَنَّنَا كُنَّا أَمْضَيْنَا أَيَّامًا ثَلَاثَةً لَمْ نَذُقْ خِلَالَهَا طَعَامًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﵊ الْمِعْوَلَ، وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ فَغَدَتْ كَثِيبًا (٢) مَهِيلًا (٣). عِنْدَ ذَلِكَ ازْدَادَ أَسَايَ عَلَى مَا أَصَابَ الرَّسُولَ الْأَعْظَمَ ﷺ مِنَ الْجُوعِ، فَاتَّجَهْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْمُضِيِّ إِلَى بَيْتِي؟. فَقَالَ: (امْضِ). فَلَمَّا بَلَغْتُ الْبَيْتَ قُلْتُ لامْرَأَتِي: لَقَدْ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ مَرَارَةِ الْجُوعِ مَا لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟.

стр. 518

قَالَتْ: عِنْدِي قَلِيلٌ مِنَ الشَّعِيرِ، وَشَاةٌ صَغِيرَةٌ، فَقُمْتُ إِلَى الشَّاةِ فَذَبَحْتُهَا وَقَطَّعْتُهَا، وَجَعَلْتُهَا فِي الْقِدْرِ، وَأَخَذْتُ الشَّعِيرَ فَطَحَنْتُهُ وَدَفَعْتُهُ إِلَى امْرَأَتِي، فَعَجَنَتْهُ فَلَمَّا وَجَدْتُ أَنَّ اللَّحْمَ كَادَ يَنْضُجُ … وَأَنَّ الْعَجِينَ قَدْ لَانَ؛ وَأَوْشَكَ (١) أَنْ يَخْتَمِرَ. مَضَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقُلْتُ لَهُ: طُعَيِّمٌ (٢) صَنَعْنَاهُ لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ فَقُمْ أَنْتَ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مَعَكَ. فَقَالَ: (كَمْ هُوَ)؟. فَوَصَفْتُهُ لَهُ … فَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ ﵊ بِمِقْدَارِ الطَّعَامِ قَالَ: (يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَهَلُمُّوا (٣) إِلَيْهِ) … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: (امْضِ إِلَى زَوْجَتِكَ وَقُلْ لَهَا: لَا تُنْزِلِي قِدْرَكِ، وَلَا تَخْبِزِي عَجِينَكِ حَتَّى أَجِيءَ). فَمَضَيْتُ إِلَى الْبَيْتِ؛ وَقَدْ رَكِبَنِي مِنَ الْهَمِّ وَالْحَياءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَيَجِيئُنَا أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ. وَشَاةٍ صَغِيرَةٍ؟! ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَقُلْتُ: وَيْحَكِ (٤)؛ لَقَدِ افْتَضَحْتُ (٥) … فَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَيَأْتِينَا بِأَهْلِ الْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ. فَقَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ: كَمْ طَعَامُكَ؟. قُلْتُ: نَعَمْ.

стр. 519

فَقَالَتْ: سَرِّ (١) عَنْ نَفْسِكَ، فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَكَشَفَتْ عَنِّي غَمًّا (٢) شَدِيدًا بِمَقَالَتِهَا تِلْكَ. وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ … وَمَعَهُ الْأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: (ادْخُلُوا، وَلَا تَزْدَحِمُوا). ثُمَّ قَالَ لامْرَأَتِي: (هَاتِ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ … وَاغْرِفِي مِنْ قِدْرِكِ … وَلَا تُنْزِلِيهَا عَنِ الْمَوْقِدِ). ثُمَّ طَفِقَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُقَرِّبُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ … وَهُمْ يَأْكُلُونَ. حَتَّى شَبِعُوا جَمِيعًا. ثُمَّ أَرْدَفَ (٣) جَابِرٌ قَائِلًا: أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ انْفَضُّوا عَنِ الطَّعَامِ وَإِنَّ قِدْرَنَا لَتَفُورُ مُمْتَلِئَةً كَمَا هِيَ … وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ … ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لامْرَأَتِي: (كُلي … وَاهْدِي) … فَأَكَلَتْ، وَجَعَلَتْ تَهْدِي سَحَابَةَ (٤) ذَلِكَ الْيَوْم كُلِّهِ. * * *

стр. 520

هَذَا وَلَقَدْ ظَلَّ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ مَصْدَرَ إِشْعَاعِ وَهِدَايَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ دَهْرًا طَوِيلًا، حَيْثُ مَدَّ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ حَتَّى أَوْشَكَ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الْعُمُرِ قَرْنًا مِنَ الزَّمَانِ. وَلَقَدْ خَرَجَ ذَاتَ سَنَةٍ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَكَانَ الْجَيْشُ بِقِيَادَةِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيِّ. وَكَانَ مَالِكٌ يَطُوفُ بِجُنُودِهِ وَهُمْ مُنْطَلِقُونَ لِيَقِفَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَيَشُدَّ مِنْ أَزْرِهِمْ (١)، وَيُولِي كِبَارَهُمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ عِنَايَةٍ وَرِعَايَةٍ. فَمَرَّ بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ مَاشِيًا … وَمَعَهُ بَغْلٌ لَهُ يُمْسِكُ بِزِمَامِهِ (٢)، وَيَقُودُهُ. فَقَالَ لَهُ: مَا بِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ … لِمَ لَا تَرْكَبُ؟!، وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ لَكَ ظَهْرًا يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ). فَتَرَكَهُ "مَالِكٌ" وَمَضَى حَتَّى غَدًا فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَنَادَاهُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا لَكَ لَا تَرْكَبُ بَغْلَكَ، وَهُوَ فِي حَوْزَتِكَ (٣)؟!. فَعَرَفَ جَابِرٌ قَصْدَهُ، وَأَجَابَهُ بِصَوْتٍ عَالٍ وَقَالَ:

стр. 521

لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ). فَتَوَاثَبَ (١) النَّاسُ عَنْ دَوَابِّهِمْ … وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَن يَفُوز بِهَذَا الْآخر. فَمَا رُئِيَ جَيْشٌ أَكْثَرَ مُشَاةً مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ. * * * هَنِيئًا لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ: فَقَدْ بَايَعَ الرَّسُولَ الْأَعْظَمَ ﷺ وَهُوَ طُفَيْلٌ لَمْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ … وَتَتَلْمَذَ عَلَى يَدَيْهِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ … وَرَوَى حَدِيثَهُ فَتَنَاقَلَتْهُ عَنْهُ الرُّوَاةُ … وَجَاهَدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ شَابٌّ مَوْفُورُ الشَّبَابِ. وَغَبَّرَ قَدَمَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ شَيْخٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ (*).

стр. 522

سَالِمٌ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ "لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا لَوَلَّيْتُهُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِي" [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] أَعْتَقَتْ "ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارٍ" غُلَامَهَا سَالِمًا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فَتًى يَافِعٌ (١) يَقْتَرِبُ مِنَ الْحُلُمِ (٢)، وَقَدْ دَعَاهَا إِلَى تَحْرِيرِهِ مَا كَانَتْ تَرَى فِيهِ مِنْ رِقَّةِ الشَّمَائِلِ (٣)، وَنَبَالَةِ الْخَصَائِل (٤)، وَآيَاتِ النَّجَابَةِ … وَمَا تَلْمَحُ فِي سُلُوكِهِ مِنْ أَمَارَاتِ (٥) الْخَيْرِ وَالْبِرِّ. فَشَقَّ عَلَى زَوْجِهَا الشَّابٌ "أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ" أَحَدِ سَرَاةِ (٦) بَنِي "عَبْدِ شَمْسٍ" أَنْ يُسَرَّحَ سَالِمٌ فِي هَذِهِ السِّنِّ الْمُبَكِّرَةِ، وَأَنْ يُوكَلَ أَمْرُهُ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَمَضَى بِهِ إِلَى الْحَرَمِ، وَانْتَصَبَ قَائِمًا فِي جُمُوعِ قُرَيْشٍ الْمُنْتَثِرَةِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: اشْهَدُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنِّي قَدْ تَبَنَّيْتُ (٧) سَالِمًا هَذَا؛ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَتُهُ زَوْجَتِي "ثُبَيْتَهُ" … وَأَنَّهُ غَدَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْابْنِ مِنْ أَبِيهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نعمَ مَا صَنَعْتَ يَا بْنَ عُتْبَةَ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم أَصْبَحَ الْفَتَى يُدْعَى: سَالِمَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ. * * *

стр. 523

وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى انْبَثَقَ (١) مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ قَبَسٌ (٢) مِنَ النُّورِ الْإِلَهِيِّ، وَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ وَابْنُهُ سَالِمٌ مِنْ أَوَائِلِ مَنْ أَشْرَقَتْ نُفُوسُهُمْ بِهَذَا الضِّيَاءِ الْقُدْسِيِّ (٣). وَاسْتَنَارَتْ قُلُوبُهُمْ بِنُورِهِ. فَمَضَى الْأَبُ وَابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊، وَأَعْلَنَا إِسْلَامَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ … وَشَهِدَا معًا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريك له، وأن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وخَاتَمُ رُسُلِهِ. * * * لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى دُخُولِ أَبِي حُذَيْفَةَ وَابْنِهِ سَالِمٍ فِي دِينِ اللَّهِ حَتَّى أَبْطَلَ الْإِسْلَامُ طَرِيقَةَ التَّبَنِّي … وَأَمَرَ النَّاسَ بِرَدِّ الْأَبْنَاءِ إِلَى آبَائِهِمْ حِفْظًا لِلْأَنْسَابِ، وَإِقْلَاعًا عَنْ مَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِ الْجَاهِلِيَّةِ … وَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ فِي شَأْنِ الْمُتَبَنَّيْنَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٤). فَاسْتَجَابَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ … وَهَبُّوا يَبْحَثُونَ عَنْ أَنْسَابِ مَنْ تَبَنَّوْهُمْ، وَيَتَعَرَّفُونَ عَلَى آبَائِهِمْ، وَيَرُدُّونَهُمْ إِلَيْهِمْ. لَكِنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى وَالِدِ سَالِمٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَثْرَةِ الْبَحْثِ وَالتَّنْقِيبِ، ذَلِكَ لأَنَّ سَالِمًا سُبِيَ (٥) صَغِيرًا، وَجُلِبَ إِلَى مَكةَ، وَبِيعَ فِي سُوقِ النَّخَّاسِينَ (٦) وَهُوَ فِي سِنٍّ لَا تُمَكِّنُهُ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ لِنَفْسِهِ أَبًا أَوْ أُمًّا.

стр. 524

فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ اسْمَ "سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ". وَظَلَّ يُعْرَفُ بِذَلِكَ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ. * * * غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَالِمٍ لَمْ تَكُنْ عَلَاقَةَ مَوْلًى (١) بِمَوْلَاهُ … وَإِنَّمَا هِيَ عَلَاقَةُ أَخٍ بِأَخِيهِ بَعْدَ أَنْ وَحْدَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ قَلْبَيْهِمَا، وَآخَى الْإِيمَانُ بَيْنَ نَفْسَيْهِمَا … وَغَمَرَ فُؤَادَيْهِمَا (٢) حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ أَرَادَ أَبُو حُذَيْفَةَ أَنْ يَزِيدَ صِلَتَهُ بِسَالِمٍ رُسُوخًا (٣) وَعُمْقًا، وَأَنْ يَقْضِيَ عَلَى كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْعَصَبِيَّاتِ (٤) الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي وَأَدَهَا الْإِسْلَامُ … فَزَوَّجَ سَالِمًا مِن ابْنَةِ أَخِيهِ الْقُرَشِيَّةِ "الْعَبْشَمِيَّةِ" (٥) ذَاتِ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ … فَأَصْبَحَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ، وَوَاحِدًا مِنْ ذَوِي قُرْبَاهُ … * * * لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ حَتَّى فَرَّقَتْ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ الْأَحْدَاثُ الْجِسَامُ الَّتِي كَابَدَ (٦) مِنْهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ مَا كَابَدُوا، وَعَانُوا مِنْ قَسْوَتِهَا مَا عَانُوا … فَمَضَى أَبُو حُذَيْفَةَ إِلَى "الْحَبَشَةِ" مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ بِدِينِهِ وَإِيمَانِهِ، فَارًّا بِعَقِيدَتِهِ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ … أَمَّا سَالِمٌ فَقَدْ آثَرَ (٧) أَنْ يَبْقَى فِي مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ

стр. 525

عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُبَّ (١) عَلَى كِتَابِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ؛ لِيَأْخُذَهُ غَضًّا طَرِيًّا كُلَّمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ، فَطَفِقَ يَتْلُو آيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ فِي خُشُوعٍ … وَيَسْتَظْهِرُ سُوَرَهُ الْمُنْزَلَةَ فِي فَهْمٍ وَتَدَبُّرٍ، حَتَّى غَدًا وَاحِدًا مِنْ كِبَارِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَأَصْبَحَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ أَوْصَى الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِأَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمُ الْقُرْآنُ فَقَالَ: (اسْتَقْرِئُوا (٢) الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (٣) … وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ … وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ … وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (٤) .... ). * * * وَقَدْ عَرَفَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ لِسَالِمٍ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ فِي حِفْظِهِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَإِتْقَانِهِ لَهُ، وَتَدَبُّرِهِ لِمَعَانِيهِ، وَإِدْرَاكِهِ لِمَرَامِيهِ. فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ … دَعَوْا سَالِمًا لِيَؤُمَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ. فَمَا زَالَ يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ الرَّسُولُ ﵊ مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَطَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ جِلَّة الصَّحَابَةِ (٥). * * * ثُمَّ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سَالِمٍ وَأَخِيهِ فِي اللَّهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ … وَأَنْ يَمْضِيَا إِلَى "بَدْرٍ" جَنْبًا إِلَى جَنْبِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

стр. 526

وَفِيمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَعِدُّونَ لِيَزَالِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ سَالِمٌ لِأَخِيهِ أَبِي حُذَيْفَةَ: انْظُرْ يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، هَذَا أَبُوكَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَتَقَدَّمُ الصُّفُوفَ، وَيَتَأَهَّبُ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: نَعَمْ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ … وَهَذَانِ عَدُوَّا اللَّهِ عَمِّي شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَخِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ؛ يُحِيطَانِ بِهِ … وَلَوْ أَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﵊؛ لَبَارَزْتُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ وَأَوْرَدْتُهُمْ مَوَارِدَ الرَّدَى (١)، أَوْ أَمْضِيَ إِلَى جِوَارِ رَبِّي رَاضِيًا مَرْضِيًّا. * * * وَلَمَّا انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ وَقَفَ سَالِمٌ وَأَبُو حُذَيْفَةَ يَنْظُرَانِ إِلَى الْقَتْلَى، فَإِذَا عُتْبَةُ وَالِدُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَشَيْبَةُ عَمُّهُ، وَالْوَلِيدُ أَخُوهُ … قَدْ لَقَوْا مَصَارِعَهُمْ (٢)، فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَرَّ عَيْنَ نَبِيِّهِ بِمَقْتَلِهِمْ جَمِيعًا. * * * ثُمَّ مَا فَتِئَ الْأَخَوَانِ فِي اللَّهِ يُجَاهِدَانِ تَحْتَ رَايَةِ الرَّسُولِ الْأَعْظَم ﷺ مَعًا فِي كُلِّ غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي حَيَاتِهِ، وَيُؤَدِّيَانِ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِمَا إِلَى أَنْ كَانَ يَوْمُ "الْيَمَامَةِ" فِي عَهْدِ الصِّدِّيقِ .... فَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ هَبَّ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ …

стр. 527

وَاسْتَنْفَرَ (١) الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ لِلْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَتِهِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي أَوْشَكَتْ أَنْ تُودِيَ (٢) بِالْإِسْلَامِ، وَتُدَمِّرَ أَهْلَهُ. فَبَادَرَ سَالِمٌ وَأَبُو حُذَيْفَةَ لِلذَّوْدِ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَنَفَرًا لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ عَدُوِّ اللهِ. * * * الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى أَرْضِ الْيَمَامَةِ وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا مَعْرَكَتَانِ طَاحِنَتَانِ قَلَّمَا شَهِدَ تَارِيخُ الْحُرُوبِ لَهُمَا نَظِيرًا. فَقَدْ أَبْدَى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِيَادَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ (٣) وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄، مِنْ ضُرُوبِ الشَّجَاعَةِ مَا يَعْجَزُ عَنْ وَصْفِهِ الْوَاصِفُونَ .... كَمَا أَبْدَى فِيهَا الْمُرْتَدُّونَ بِقِيَادَةِ مُسَيْلِمَةَ مَا لَا يَقِلُّ عَنْ ذِلَكَ شَجَاعَةً وَإِقْدَامًا وَبَذْلًا. لَكِنَّ النَّصْرَ فِي هَاتَيْنِ الْمَعْرَكَتَيْنِ كَانَ حَلِيفَ (٤) مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ … حَتَّى إِنَّ رِجَالَهُ اقْتَحَمُوا فُسْطَاطَ (٥) خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَادُوا أَنْ يَسْبُوا (٦) زَوْجَتَهُ لَوْلَا أَنْ أَجَارَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ دَبَّتِ الْحَمِيَّةُ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَرَزَ بَيْنَهُمْ أَبْطَالٌ غُرٌّ مَيَامينُ (٧) … بَاعُوا لِلَّهِ نُفُوسًا تَمُوتُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا، بِنُفُوسٍ لَا تَمُوتُ أَبَدًا …

стр. 528

وَأَعَادَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ تَعْبِئَةُ (١) جَيْشِهِ، فَأَسْلَمَ لِوَاءَ (٢) الْمُهَاجِرِينَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ … وَأَسْلَمَ لِوَاءَ الْأَنْصَارِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ (٣). وَوَقَفَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يُحَرِّضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ (٤)، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا … أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ بَعْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَبَدًا حَتَّى يَهْزِمَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ وَمَنْ مَعَهُ أَوْ أُقْتَلَ؛ فَأَلْقَى اللَّهَ بِحُجَّتِي. ثُمَّ انْطَلَقَ يَشُقُّ الصُّفُوفَ، وَظَلَّ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ تَلَاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ وَهُوَ يُنَادِي: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِفِعَالِكُمْ … ثُمَّ هَبَّ يُجَاهِدُ حَتَّى اسْتُشْهِدَ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ. وَأَمَّا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ وَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِنْ أُتِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِبَلِي (٥) … ثُمَّ انْدَفَعَ يُجَالِدُ عَنْ رَايَةِ بَنِي قَوْمِهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَمِينُهُ … فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، وَنَاضَلَ عَنْهَا حَتَّى قُطِعَتْ شِمَالُهُ فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِعَضُدَيْهِ …

стр. 529

وَثَبَتَ بِهَا حَتَّى أَثْخَنَتْهُ (١) الْجِرَاحُ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ. * * * وَلَمَّا وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا (٢) وَقَفَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ مَا يَزَالُ بِهِ رَمَقٌ (٣)؛ فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: ما صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ يَا خَالِدُ؟. فَقَالَ: كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ النَّصْرَ … وَقَتَلَ لَهُمْ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ … وَهَزَمَ لَهُمْ جُنْدَهُ، وَأَتْبَاعَهُ. فَقَالَ: وَمَا فَعَلَ أَخِي أَبُو حُذَيْفَةَ؟. فَقَالَ: مَضَى إِلَى رَبِّهِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَقُتِلَ شَهِيدًا … فَقَالَ: أَضْجِعُونِي إِلَى جَانِبِهِ … فَقَالَ: هَا هُوَ ذَا مُوَسَّدٌ عِنْدَ قَدَمَيْكَ. فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: مَعًا هُنَا يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، وَمَعًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ … وَلَفَظَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ (*).

стр. 530

عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ "إِنَّ تَارِيخَ النُّبُوَّاتِ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا أَصْهَرَ إِلَى نَبِيٍّ مَرَّتَيْنِ سِوَى عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ وَأَرْضَاهُ" إِنَّهُ ذُو النُّورَيْنِ … وَصَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ … وَزَوْجُ الابْنَتَيْنِ … عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﵁ وَأَرْضَاهُ. * * * كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الذُّرْوَةِ (١) مِنْ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَرِيضُ (٢) الْجَاهِ. وَافِرُ الثَّرَاءِ (٣) … سَابِغُ (٤) النِّعْمَةِ … جَمُّ (٥) التَّوَاضُعِ … شَدِيدُ الْحَيَاء … فَأَحَبَّهُ قَوْمُهُ أَشَدَّ الْحُبِّ وَأَصْدَقَهُ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تُرَقِّصُ صَبِيَّهَا الصَّغِيرَ وَتَقُولُ: أُحِبُّكَ وَالرَّحْمَانْ حُبَّ قُرَيْشٍ لِعُثْمَانْ
следующие страницы →