Полный текст (979 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَفِيمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَعِدُّونَ لِيَزَالِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ سَالِمٌ لِأَخِيهِ أَبِي حُذَيْفَةَ:
انْظُرْ يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، هَذَا أَبُوكَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَتَقَدَّمُ الصُّفُوفَ، وَيَتَأَهَّبُ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: نَعَمْ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ … وَهَذَانِ عَدُوَّا اللَّهِ عَمِّي شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَخِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ؛ يُحِيطَانِ بِهِ …
وَلَوْ أَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﵊؛ لَبَارَزْتُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ وَأَوْرَدْتُهُمْ مَوَارِدَ الرَّدَى (١) ، أَوْ أَمْضِيَ إِلَى جِوَارِ رَبِّي رَاضِيًا مَرْضِيًّا.
* * *
وَلَمَّا انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ وَقَفَ سَالِمٌ وَأَبُو حُذَيْفَةَ يَنْظُرَانِ إِلَى الْقَتْلَى، فَإِذَا عُتْبَةُ وَالِدُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَشَيْبَةُ عَمُّهُ، وَالْوَلِيدُ أَخُوهُ …
قَدْ لَقَوْا مَصَارِعَهُمْ (٢) ، فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَرَّ عَيْنَ نَبِيِّهِ بِمَقْتَلِهِمْ جَمِيعًا.
* * *
ثُمَّ مَا فَتِئَ الْأَخَوَانِ فِي اللَّهِ يُجَاهِدَانِ تَحْتَ رَايَةِ الرَّسُولِ الْأَعْظَم ﷺ مَعًا فِي كُلِّ غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي حَيَاتِهِ، وَيُؤَدِّيَانِ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِمَا إِلَى أَنْ كَانَ يَوْمُ "الْيَمَامَةِ" فِي عَهْدِ الصِّدِّيقِ ....
فَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ هَبَّ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ … الحواشي
(١) موارد الرَّدَى: موارد الموت والْهلاك.(٢) مصارعهم: حتفهم.стр. 527
وَاسْتَنْفَرَ (١) الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ لِلْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَتِهِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي أَوْشَكَتْ أَنْ تُودِيَ (٢) بِالْإِسْلَامِ، وَتُدَمِّرَ أَهْلَهُ.
فَبَادَرَ سَالِمٌ وَأَبُو حُذَيْفَةَ لِلذَّوْدِ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَنَفَرًا لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ عَدُوِّ اللهِ.
* * *
الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى أَرْضِ الْيَمَامَةِ وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا مَعْرَكَتَانِ طَاحِنَتَانِ قَلَّمَا شَهِدَ تَارِيخُ الْحُرُوبِ لَهُمَا نَظِيرًا.
فَقَدْ أَبْدَى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِيَادَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ (٣) وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄، مِنْ ضُرُوبِ الشَّجَاعَةِ مَا يَعْجَزُ عَنْ وَصْفِهِ الْوَاصِفُونَ ....
كَمَا أَبْدَى فِيهَا الْمُرْتَدُّونَ بِقِيَادَةِ مُسَيْلِمَةَ مَا لَا يَقِلُّ عَنْ ذِلَكَ شَجَاعَةً وَإِقْدَامًا وَبَذْلًا.
لَكِنَّ النَّصْرَ فِي هَاتَيْنِ الْمَعْرَكَتَيْنِ كَانَ حَلِيفَ (٤) مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ …
حَتَّى إِنَّ رِجَالَهُ اقْتَحَمُوا فُسْطَاطَ (٥) خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَادُوا أَنْ يَسْبُوا (٦) زَوْجَتَهُ لَوْلَا أَنْ أَجَارَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ دَبَّتِ الْحَمِيَّةُ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَرَزَ بَيْنَهُمْ أَبْطَالٌ غُرٌّ مَيَامينُ (٧) …
بَاعُوا لِلَّهِ نُفُوسًا تَمُوتُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا، بِنُفُوسٍ لَا تَمُوتُ أَبَدًا … الحواشي
(١) استنْفَرَ الْمُسْلِمِين: استحثهم على الجهاد.(٢) أوشكت أن تودِي: كادت أن تُهلك.(٣) عكرمة بن أبي جهل: انظره ص ١١٥.(٤) حليف مُسَيْلِمَة: الحليف الذي بينه وبين غيره عهد عَلَى النّصرة.(٥) فسطاط خالد: خيمة خالد.(٦) يَسْبوا زوجته: يأسرونها.(٧) غُرُّ ميامين: ذوو النّجدة والمروءة.стр. 528
وَأَعَادَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ تَعْبِئَةُ (١) جَيْشِهِ، فَأَسْلَمَ لِوَاءَ (٢) الْمُهَاجِرِينَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ …
وَأَسْلَمَ لِوَاءَ الْأَنْصَارِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ (٣) .
وَوَقَفَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يُحَرِّضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ، عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ (٤) ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا …
أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ بَعْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَبَدًا حَتَّى يَهْزِمَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ وَمَنْ مَعَهُ أَوْ أُقْتَلَ؛ فَأَلْقَى اللَّهَ بِحُجَّتِي.
ثُمَّ انْطَلَقَ يَشُقُّ الصُّفُوفَ، وَظَلَّ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ.
ثُمَّ تَلَاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ وَهُوَ يُنَادِي:
يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِفِعَالِكُمْ …
ثُمَّ هَبَّ يُجَاهِدُ حَتَّى اسْتُشْهِدَ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ.
وَأَمَّا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ وَقَالَ:
بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِنْ أُتِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِبَلِي (٥) …
ثُمَّ انْدَفَعَ يُجَالِدُ عَنْ رَايَةِ بَنِي قَوْمِهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَمِينُهُ …
فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، وَنَاضَلَ عَنْهَا حَتَّى قُطِعَتْ شِمَالُهُ فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِعَضُدَيْهِ … الحواشي
(١) تعبئة جيشه: تجميع جيشه وترتيبه.(٢) لواء المهاجرين: راية المهاجرين.(٣) ثَابت بن قيْس: انظره ص ٤٥٩.(٤) عضوا عَلَى أضراسكم: تمسكوا بما أنتم فيه.(٥) من قِبَلي: من ناحيتي.стр. 529
وَثَبَتَ بِهَا حَتَّى أَثْخَنَتْهُ (١) الْجِرَاحُ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ.
* * *
وَلَمَّا وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا (٢) وَقَفَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ مَا يَزَالُ بِهِ رَمَقٌ (٣) ؛ فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ:
ما صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ يَا خَالِدُ؟.
فَقَالَ: كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ النَّصْرَ … وَقَتَلَ لَهُمْ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ … وَهَزَمَ لَهُمْ جُنْدَهُ، وَأَتْبَاعَهُ.
فَقَالَ: وَمَا فَعَلَ أَخِي أَبُو حُذَيْفَةَ؟.
فَقَالَ: مَضَى إِلَى رَبِّهِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَقُتِلَ شَهِيدًا …
فَقَالَ: أَضْجِعُونِي إِلَى جَانِبِهِ …
فَقَالَ: هَا هُوَ ذَا مُوَسَّدٌ عِنْدَ قَدَمَيْكَ.
فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ:
مَعًا هُنَا يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، وَمَعًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ …
وَلَفَظَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ (*). الحواشي
(١) أثخنته الجراح: كثرت عَلَيْهِ وأضعفته.(٢) وضعت المعركة أوزارها: توقفت وانتهت.(٣) رمَقٌ: بقية الحياة.
(*) للاستزادة من أَخْبَار سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ انظر:
١ - الإصابة: ٢/ ٦ أو "الترجمة" ٣٠٥٢.
٢ - الاستيعاب "بهامش الإصابة": ٢/ ٧٠.
٣ - أسد الغابة: ٢/ ٣٠٧.
٤ - حلية الأولياء: ١/ ١٧٦.
٥ - حياة الصّحابة: "انظر الفهارس".
٦ - السّيرة لابن هشام: ٢/ ١٢٣، ٣٣٤،، و"انظر الفهارس".стр. 530
عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ
"إِنَّ تَارِيخَ النُّبُوَّاتِ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا أَصْهَرَ إِلَى نَبِيٍّ مَرَّتَيْنِ سِوَى عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ وَأَرْضَاهُ"
إِنَّهُ ذُو النُّورَيْنِ …
وَصَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ …
وَزَوْجُ الابْنَتَيْنِ …
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الذُّرْوَةِ (١) مِنْ قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَرِيضُ (٢) الْجَاهِ.
وَافِرُ الثَّرَاءِ (٣) … سَابِغُ (٤) النِّعْمَةِ …
جَمُّ (٥) التَّوَاضُعِ … شَدِيدُ الْحَيَاء …
فَأَحَبَّهُ قَوْمُهُ أَشَدَّ الْحُبِّ وَأَصْدَقَهُ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تُرَقِّصُ صَبِيَّهَا الصَّغِيرَ وَتَقُولُ:
أُحِبُّكَ وَالرَّحْمَانْ
حُبَّ قُرَيْشٍ لِعُثْمَانْ الحواشي
(١) الذّروة: المقام الرّفيع في قومه.(٢) عريض الجاه: ذو قدر عظيم.(٣) وافر الثّراء: كثير المال.(٤) سابغ النعمة: تام النّعمة كاملها.(٥) جَمٌّ: كثير التّواضع.стр. 531
وَلَمَّا أَهَلَّ (١) الْإِسْلَامُ بِنُورِهِ عَلَى مَكَّةَ كَانَ عُثْمَانُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الاِسْتِضَاءَةِ بِمِشْكَاتِهِ (٢) …
* * *
وَلإِسْلَامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قِصَّةٌ مَا زَالَ يَرْوِيهَا الرُّوَاةُ.
ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رُقَيَّةَ مِنَ ابْنِ عَمِّهَا عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ …
نَدِمَ أَشَدَّ النَّدَم لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقُ إِلَيْهَا …
وَلَمْ يَحْظَ بِخُلُقِهَا الرَّفِيعِ وَبَيْتِهَا الْعَرِيقِ (٣) …
فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ مَهْمُومًا.
فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ خَالَتَهُ "سُعْدَى بِنْتَ كُرَيْزٍ"، وَكَانَتْ هَذِهِ امْرَأَةً حَازِمَةً، عَاقِلَةً، طَاعِنَةً (٤) فِي السِّنِّ؛ فَسَرَّتْ (٥) عَنْهُ …
وَبَشَّرَتْهُ بِظُهُورِ نَبِيٍّ يُبْطِلُ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ (٦) …
وَيَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ الْوَاحِدِ الدَّيَّانِ (٧) …
وَرَغَّبَتْهُ فِي دِينِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَبَشَّرَتْهُ بِأَنَّهُ سَيَنَالُ عِنْدَهُ مَا يَبْتَغِيهِ.
قَالَ عُثْمَانُ: فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا أُفَكِّرُ فِيمَا قَالَتْهُ خَالَتِي …
فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، وَحَدَّثْتُهُ بِمَا أَخْبَرَتْنِي بِهِ، فَقَالَ:
وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَتْ خَالَتُكَ، فِيمَا أَخْبَرَتْكَ، وَبَشَّرَتْكَ بِالْخَيْرِ يَا عُثْمَانُ … الحواشي
(١) أَهَلَّ: ابتدأ كما يبدأ الشهر بظهور الهلال.(٢) المشكاة: ما يوضع عليه المصباح.(٣) بيتها العريق: أي كريمة الآباء والأجداد.(٤) طَاعِنَة في السّن: متقدمة في السّن.(٥) سرَّت عنه: كشفت عنه الهم.(٦) الْأوْثَان: الأصنام.(٧) الدَّيَّان: اسم من أسماء الله ، وهو المحاسب والمجازي.стр. 532
وَإِنَّكَ لَرَجُلٌ عَاقِلٌ حَازِمٌ (١) مَا يَخْفَى عَلَيْكَ الْحَقُّ، وَلَا يَشْتَبِهُ عِنْدَكَ مَعَ الْبَاطِلِ … ثُمَّ قَالَ لي:
مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُنَا؟! ..
أَلَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةٍ صُمٍّ (٢) لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ؟.
فَقُلْتُ: بَلَى.
فَقَالَ: وَإِنَّ مَا قَالَتْهُ خَالَتُكَ - يَا عُثْمَانُ - قَدْ تَحَقَّقَ …
فَلَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ الْمُرْتَقَبَ (٣) ، وَبَعَثَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ.
فَقُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟!.
فَقَالَ: إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فَقُلْتُ: الصَّادِقُ الْأَمِينُ (٤) ؟.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ … إِنَّهُ هُوَ …
فَقُلْتُ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَصْحَبَنِي إِلَيْهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ … وَمَضَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﵊.
فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: (أَجِبْ يَا عُثْمَانُ دَاعِيَ الله …
فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى خَلْقِ اللَّهِ عَامَّةً … ).
قَالَ عُثْمَانُ: فَوَاللَّهِ مَا إِنْ مَلأْتُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَسَمِعْتُ مَقَالَتَهُ؛ حَتَّى اسْتَرَحْتُ لَهُ، وَصَدَّقْتُ رِسَالَتَهُ … الحواشي
(١) حازم حكيم قاطع في الرّأي صائب.(٢) صُم: لا تسمع من يدعوها.(٣) الْمُرْتَقَب: المنتظر.(٤) الصَّادِق الأمين: لقب شُهِر به محمد ﷺ قبل أن يبعث.стр. 533
ثُمَّ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ … وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
* * *
لَمْ يُؤْمِنْ بِالرَّسُولِ ﵊ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي "هَاشِمٍ" حَتَّى ذَلِكَ الْيَوْم …
غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يُنَاصِبُهُ (١) الْعَدَاءَ غَيْرُ عَمِّهِ "أَبِي لَهَبٍ" (٢) .
فَقَدْ كَانَ هُوَ وَزَوْجُهُ "أُمُّ جَمِيلٍ" مِنْ أَشَدِّ قُرَيْشٍ قَسْوَةً عَلَيْهِ، وَأَعْنَفِهِمْ إيذاءً لَهُ، وَتَنْكِيلًا (٣) به … فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَفِي امْرَأَتِهِ:
﴿تَبَّتْ (٤) يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) ﴾ (٦) .
فَازْدَادَ أَبُو لَهَب ضَغِينَةً (٧) عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَاشْتَدَّ حِقْدُهُ وَحِقْدُ زَوْجَتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ عَلَيْهِ؛ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ، فَأَمَرَا ابْنَهُمَا "عُتْبَةَ" بِأَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ رُقَيَّةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﵊ فَطَلَّقَهَا نِكَايَةً (٨) بِأَبِيهَا.
* * *
مَا كَادَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَسْمَعُ بِخَبَرِ طَلَاقِ رُقَيَّةَ حَتَّى اسْتَطَارَ (٩) فَرَحًا … وَبَادَرَ فَخَطَبَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊؛ فَزَوَّجَهَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مِنْهُ.
وَزَفَّتْهَا (١٠) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ … الحواشي
(١) يناصبه الْعَدَاء: يعلن العدواة ضده.(٢) أبو لهب: هو عبد العزى بن عبد المطلب مات عَلَى الكفر بعد غزوة بَدْر.(٣) تنكيلًا به: يجعله عظة لغيره.(٤) تَبَّتْ: هلكت وخسرت.(٥) مَسَدٍ: القوي من الحبال.(٦) سورة المسد.(٧) الضّغينة: الحقد والحسد وإضمار الكراهية في الصدور.(٨) نكاية: إغاظةً له وقهرًا.(٩) استطار فرحًا: كاد يطير من شدة الفرح.(١٠) زفَّتْهَا: قدمتها إلى زوجها.стр. 534
وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ مِنْ أَبْهَى قُرَيْشٍ طَلْعَةً (١) ، وَكَانَتْ هِيَ تُضَاهِيهِ قَسَامَةً (٢) وَصَبَاحَةً، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا حِينَ زُفَّتْ إِلَيْهِ:
أَحْسَنُ زَوْجَيْنِ رَآهُمَا إِنْسَانْ
رُقَيَّةٌ، وَزَوْجُهَا عُثْمَانْ
* * *
لَمْ يَسْلَمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سَابِقِ فَضْلِهِ، وَسَابِغِ (٣) مَعْرُوفِهِ - مِنْ أَذَى قَوْمِهِ حِينَ أَسْلَمَ.
فَلَقَدْ عَزَّ عَلَى عَمِّهِ "الْحَكَم" أَنْ يَصْبَأَ (٤) فَتَى بَنِي "عَبْدِ شَمْسٍ" عَنْ دِينِ قُرَيْشٍ … وَكَبُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ …
فَتَصَدَّى (٥) لَهُ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ أَعْنَفَ التَّصَدِّي وَأَقْسَاهُ …
وَأَخَذَهُ، وَشَدَّ عَلَيْهِ الْوِثَاقَ (٦) وَقَالَ:
أَوَ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ، وَتَدْخُلُ فِي دِينِ مُحْدَثٍ (٧) ؟!
وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ حَتَّى تَنْبُذَ (٨) مَا أَنْتَ عَلَيْهِ …
فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ دِينِي أَبَدًا، وَلَا أُفَارِقُ نَبِيِّي مَا امْتَدَّتْ بِيَ الْحَيَاةُ …
فَمَا زَالَ عَمُّهُ "الْحَكَمُ" يُنَكِّلُ بِهِ.
وَمَا زَالَ هُوَ يَشْتَدُّ صَلَابَةً فِي دِينِهِ، وَاسْتِمْسَاكًا بِعَقِيدَتِهِ حَتَّى يَئِسَ عَمُّهُ مِنْهُ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ، وَكَفَّ عَنْهُ. الحواشي
(١) الطَّلْعَة: ملامح الْوجه.(٢) تضاهيه قَسَامَة: تشبهه في حُسن تقاسيم الوجه وملامحه.(٣) السابع: الكثير.(٤) يَصْبأ: يترك دينه إلى دين آخر.(٥) تَصَدَّى له: توجه له لمقاومته.(٦) الوثاق: القيد والحبل.(٧) دين مُحْدَث: دين جديد حديث.(٨) تَنْبُذ: تترك.стр. 535
لَكِنَّ قُرَيْشًا ظَلَّتْ تُضْمِرُ لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَتُلْحِقُ بِهِ الْأَذَى؛ حَتَّى حَمَلَتْهُ (١) عَلَى الْفِرَارِ بِدِينِهِ، وَمُفَارَقَةِ نَبِيِّهِ ﵊.
فَكَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ هِجْرَةً إِلَى "الْحَبَشَةِ" هُوَ وَزَوْجُهُ رُقَيَّةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا … وَلَمَّا أَزِفَ (٢) رَحِيلُهُمَا وَدَّعَهُمَا الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
(صَحِبَ اللَّهُ عُثْمَانَ وَزَوْجَهُ رُقَيَّةَ …
صَحِبَ اللَّهُ عُثْمَانَ وَزَوْجَهُ رُقَيَّةَ …
إِنَّ عُثْمَانَ لأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ).
* * *
لَمْ يُطِلْ عُثْمَانُ وَزَوْجُهُ الْمُكْثَ (٣) فِي "الْحَبَشَةِ" كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ وَبِرْقَيَّةَ الشَّوْقُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْحَنِينُ إِلَى مَكَّةَ …
فَعَادَا إِلَيْهَا، وَلَبِثَا (٤) فِيهَا إِلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَا مَعَ الْمُهَاجِرِينَ.
* * *
شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَعَ الرَّسُولِ ﵊ مَشَاهِدَهُ (٥) كُلَّهَا، وَحَضَرَ مَعَهُ غَزَوَاتِهِ جَمِيعَهَا …
وَلَمْ يُحْرَمْ مِنْ غَزْوَةٍ غَيْرِ غَزْوَةِ "بَدْرٍ" …
فَقَدْ شُغِلَ عَنْهَا بِتَمْرِيضِ (٦) زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا. الحواشي
(١) حَمَلته عَلَى الفرار: دفعته على الهروب.(٢) أزف: حان.(٣) الْمُكْث: البقاء.(٤) لَبِثا: استقرا.(٥) مشاهده: غزواته وحروبه.(٦) تمريض زوجته: رعايتها أثناء المرض.стр. 536
وَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ مِنْ "بَدْرٍ"؛ وَجَدَ رُقَيَّةَ قَدْ لَحِقَتْ بِجِوَارِ رَبِّهَا فَحَزِنَ عَلَيْهَا أَشَدَّ الْحُزْنِ …
وَوَاسَى (١) عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَلَى مُصَابِهِ بِهَا أَكْرَمَ الْمُوَاسَاةِ؛ فَعَدَّهُ مِنْ أَهْلِ "بَدْرٍ" …
وَأَسْهَمَ (٢) لَهُ فِي غَنِيمَتِهَا، وَزَوَّجَهُ مِنِ ابْنَتِهِ الثَّانِيَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ …
فَدَعَاهُ النَّاسُ "ذَا النُّورَيْنِ".
وَكَانَ زَوَاجُهُ الثَّانِي مِنِ ابْنَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، مَنْقَبَةً (٣) لَمْ يَظْفَرُ بِهَا زَوْجٌ سِوَاهُ.
ذَلِكَ أَنَّ تَارِيخَ النُّبُوَّاتِ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا أَصْهَرَ (٤) إِلَى نَبِيٍّ مَرَّتَيْنِ سِوَى عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
وَلَقَدْ كَانَ إِسْلَامُ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ … وَأَجْزَلِ (٥) الْخَيْرِ الَّذِي أَمَدَّ بِهِ الْإِسْلَامَ.
فَمَا مَسَّ الْمُسْلِمِينَ ضُرٌّ إِلَّا كَانَ عُثْمَانُ أَوَّلَ مَنْ وَاسَاهُمْ (٦) فِيهِ …
وَلَا نَزَلَ بِالْإِسْلَامِ خَطْبٌ (٧) إِلَّا كَانَ ابْنُ عَفَّانَ طَلِيعَةَ كَاشِفِيهِ (٨) …
* * *
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ لَمَّا عَزَمَ عَلَى غَزْوَةِ" تَبُوكَ" (٩) كَانَتْ حَاجَتُهُ إِلَى الْمَالِ، لَا تَقِلُّ عَنْ حَاجَتِهِ إِلَى الرِّجَالِ. الحواشي
(١) واسَى: عزَّاه.(٢) وأسْهم له: جعل له نصيبًا من غنائم بدر.(٣) مَنْقَبَة: فضيلة.(٤) أصْهَر إليه: تزوج ابنته.(٥) أجْزَل: أكثر.(٦) واساهم: أعانهم وساعدهم.(٧) الْخَطْب: المصيبة.(٨) طَلِيعَة كَاشِفيه: في أول من يكشف هذه المصيبة.(٩) غَزْوَة تَبُوك: غزوة النّبي ضد الرّوم، وكانت تسمى "غزوة العسرة".стр. 537
فَجَيْشُ الرُّومِ كَثِيرُ الْعَدَدِ، وَافِرُ الْعُدَدِ وَهُوَ يُقَاتِلُ عَلَى أَرْضِهِ.
أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَكَانَتْ رِحْلَتُهُمْ طَوِيلَةً …
وَمَئُونَتُهُمْ قَلِيلَةً.
وَرَوَاحِلُهُمْ (١) أَقَلَّ ..
وَكَانُوا يُعَانُونَ مِنْ جَدْبٍ (٢) قَلَّمَا أُصِيبَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِمِثْلِهِ.
فَاضْطُرَّ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى رَدِّ نَفَرٍ كَبِيرٍ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ … وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ الاِسْتِشْهَادِ …
لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رَاحِلَةً تَحْمِلُهُمْ.
فَتَوَلَّوْا (٣) ، وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ …
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ صَعِدَ الرَّسُولُ ﵊ الْمِنْبَرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ … ثُمَّ طَفِقَ يَحُضُّ (٤) الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَذْلِ … وَيُمَنِّيهِمْ (٥) بِعَظِيمِ الْأَجْرِ.
فَوَقَفَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَقَالَ:
عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا (٦) وَأَقْتَابِهَا (٧) يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَنَزَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَنِ الْمِنْبَرِ دَرَجَةً؛ غَيْرَ أَنَّهُ وَقَفَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْبَذْلِ مِنْ جَدِيدٍ؛ فَنَهَضَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثَانِيَةً وَقَالَ: الحواشي
(١) الرّواحِل: الرّكائب التي يحتاج إليها المسافرون والرّاحلة واحدة الرّواحل.(٢) جَدْب: قلة الزّرع، وعدم المطر.(٣) تَوَلَّوا: عادوا من حيث جاءوا.(٤) طَفِقَ يحض: أخذ يحث.(٥) يُمَنِّيهِمْ: يجعلهم يؤملون ويتمنون الأجر العظيم.(٦) الْأَحلاس: كُلُّ مَا يوضَعُ عَلَى ظهر الدّابَّة تحت الرِّحَال والسُّروج.(٧) الأقتاب: هي الرّحل الذي يوضع على الدابة.стр. 538
عَلَيَّ مِائَهُ بَعِيرٍ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَتَهَلَّل (١) وَجْهُ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ سُرُورًا وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ دَرَجَةً.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ وَقَفَ وَجَعَلَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْبَذْلِ كَرَّةً (٢) أُخْرَى، فَنَهَضَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثَالِثَةً وَقَالَ:
عَلَيَّ مِائَهُ بَعِيرٍ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ …
عِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الرَّسُولُ ﵊ يُشِيرُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ رِضًا عَمَّا صَنَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَيَقُولُ:
(مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْم …
مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ ....
* * *
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا كَادَ يَنْزِلُ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى انْطَلَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى بَيْتِهِ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ النُّوقِ أَلْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا …
فَلَمَّا صُبَّتِ الدَّنَانِيرُ فِي حِجْرِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ … جَعَلَ يُقَلِّبُهَا بِيَدَيْهِ الطَّاهِرَتَيْنِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَبَطْنًا لِظَهْرٍ (٣) ، وَهُوَ يَقُولُ:
(غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ، وَمَا أَعْلَنْتَ …
وَمَا كَانَ مِنْكَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ … الحواشي
(١) تَهَلَّل: استبشر فرحًا.(٢) كرة أخرى: مرة أخرى.(٣) ظَهْرًا لبطن، وبطنًا لظهر: يعني على كل الوجوه.стр. 539
إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ).
* * *
وَفِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ أَهْلَكَتِ الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ (١) حَتَّى دُعِيَ عَامُهَا لِشِدَّةِ قَحْطِهِ بِعَامِ الرَّمَادَةِ (٢) .
ثُمَّ إِنَّ الْكَرْبَ مَا فَتِئَ يَشْتَدُّ عَلَى النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتِ الْأَرْوَاحُ الْحَنَاجِرَ (٣) … فَأَقْبَلُوا ذَاتَ صَبَاحٍ عَلَى عُمَرَ وَقَالُوا:
يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُمْطِرْ، وَإِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُنْبِتُ … وَقَدْ أَشْفَى (٤) النَّاسُ عَلَى الْهَلَاكِ …
فَمَا نَصْنَعُ؟!.
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ بِوَجْهٍ عَصَرَهُ الْهَمُّ عَصْرًا وَقَالَ:
اصْبِرُوا، وَاحْتَسِبُوا (٥) …
فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا تُمْسُوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ.
فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ؛ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ عِيرًا (٦) لِعُثْمَانَ بْن عَفَّانَ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ، وَأَنَّهَا سَتَصِلُ الْمَدِينَةَ عِنْدَ الصَّبَاحِ.
فَمَا إِنْ قُضِيَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ حَتَّى هَبَّ (٧) النَّاسُ يَسْتَقْبِلُونَ الْعِيرَ جَمَاعَةً إِثْرَ جَمَاعَةٍ … الحواشي
(١) الضَّرع: كناية عن الماشية.(٢) عام الرَّمادة: عام أجدبت فيه الأرض حتى صار لونها كالرّماد، وجاع الناس، فسمي عام الرّمادة.(٣) بلغت الأرواح الحناجر: كناية عن شدة الضّيق.(٤) أَشْفَى النّاسِ عَلَى الهلاك: قاربوا على الهلاك.(٥) احتسب الشّيء: نوى به وجه الله.(٦) العِير: القافلة.(٧) هبَّ النَّاس: نهضوا وبادروا.стр. 540
وَانْطَلَقَ التُّجَّارُ يَتَلَقَّوْنَهَا؛ فَإِذَا هِيَ أَلْفُ بعِيرٍ قَدْ وُسِقَتْ (١) بُرًّا … وَزَيْتًا … وَزَبِيبًا …
* * *
أَنَاخَتِ الْعِيرُ (٢) بِبَابِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَطَفِقَ الْعِلْمَانُ يُنْزِلُونَ عَنْهَا أَحْمَالَهَا …
فَدَخَلَ التُّجَّارُ عَلَى عُثْمَانَ وَقَالُوا:
بِعْنَا مَا وَصَلَ إِلَيْكَ يَا أَبَا عَمْرٍو.
فَقَالَ: حُبًّا وَكَرَامَةً (٣) وَلَكِنْ كَمْ تُرْبِحُونَنِي عَلَى شِرَائِي؟
فَقَالُوا: نُعْطِيكَ بِالدِّرْهَم دِرْهَمَيْنِ.
فَقَالَ: أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا … فَزَادُوا لَهُ …
فَقَالَ: أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِمَّا زِدْتُمُوهُ … فَزَادُوا لَهُ …
فَقَالَ: أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا …
فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، لَيْسَ فِي الْمَدِينَةِ تُجَّارٌ غَيْرُنَا.
وَمَا سَبَقَنَا إِلَيْكَ أَحَدٌ … فَمَنِ الَّذِي أَعْطَاكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْنَا؟!
فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي بِكُلِّ دِرْهَمٍ عَشَرَةً (٤) …
فَهَلْ عِنْدَكُمْ زِيَادَةٌ؟.
قَالُوا: لَا يَا أَبَا عَمْرٍو … الحواشي
(١) وُسِقَت: حملت.(٢) أَنَاخَتْ العير: بركت الجمال.(٣) حُبًّا وكرامة: قبلت قولكم بكل الحب والتكريم.(٤) أعطاني بكل درهم عشرة: أي ضاعف الله ربحي عشر مرات.стр. 541
فَقَالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى أَنِّي جَعَلْتُ مَا حَمَلَتْ هَذِهِ الْعِيرُ صَدَقَةً عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ … لَا أَبْتَغِي مِنْ أَحَدٍ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا …
وَإِنَّمَا أَبْتَغِي ثَوَابَ اللَّهِ وَرِضَاهُ.
* * *
وَلَمَّا آلَتِ (١) الْخِلَافَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ "أَرْمِينِيَّةَ" وَ الْقُوقَازَ" …
وَنَصَرَ الْمُسْلِمِينَ وَسَوَّدَهُمْ عَلَى "خُرَاسَانَ"، وَ كَرْمَانَ"، وَ"سِجِسْتَانَ"، وَ"قُبْرُسَ" (٢) وَطَرَفٍ غَيْرِ قَلِيلٍ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ.
وَلَقِيَ النَّاسُ فِي عَهْدِهِ مِنَ الثَّرَاءِ (٣) مَا لَمْ يَحْظُ (٤) بِهِ شَعْبٌ عَلَى ظَهْرِ الأرض.
* * *
حَدَّثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (٥) ﵁ عَمَّا نَعِمَ بِهِ النَّاسُ فِي عَهْدِ ذِي النُّورَيْنِ مِنَ الرَّخَاءِ وَبُلَهْنِيَةِ (٦) العَيْشِ …
وَمَا غُمِرُوا (٧) بِهِ مِنَ الْهَنَاءَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَقَالَ:
رَأَيْتُ مُنَادِيَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ يُنَادِي قَائِلًا:
أَيُّهَا النَّاسُ اغْدُوا عَلَى أُعْطِيَاتِكُمْ (٨) .
فَكَانَ النَّاسُ يَغْدُونَ عَلَيْهَا، وَيَأْخُذُونَهَا وَافِيَةً … الحواشي
(١) آلت الخلافة إلَى فلان: صارت إليه وتولاها.(٢) قُبرس: جزيرة في البحر المتوسط.(٣) الثَّراء: الغنى.(٤) يحظ به: يفز به.(٥) الْحَسَن الْبَصْرِي: انظره في كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف.(٦) بُلَهْنِيَة الْعَيْش: الرّفاهية والرّخاء.(٧) غُمروا: فازوا به.(٨) اغدوا عَلَى أعطياتكم: هلموا إلى العطايا التي تستحقونها.стр. 542
أَيُّهَا النَّاسُ أَقْبِلُوا عَلَى أَرْزَاقِكُمْ (١) .
فَكَانُوا يُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، فَيُعْطَوْنَهَا غَزِيرَةً وَفِيرَةً (٢) .
وَلَقَدْ سَمِعَتْهُ - وَاللَّهِ - أُذُنَايَ وَهُوَ يَقُولُ:
اغْدُوا عَلَى كِسْوَتِكُمْ.
فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الْحُلَلَ السَّابِغَةَ (٣) ، وَكَانَ يَقُولُ:
هَلُمُّوا عَلَى السَّمْنِ وَالْعَسَل أَيْضًا.
وَلَا غَرْوَ فَلَقَدْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ دَارَّةً (٤) …
وَكَانَ الْخَيْرُ كَثِيرًا …
وَذَاتُ الْبَيْنِ (٥) سَعِيدَةً، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ يَخَافُ مُؤْمِنًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُ يَأْلَفُ الْمُسْلِمَ، وَيَوَادُّهُ، وَيَنْصُرُهُ.
* * *
لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا شَبِعُوا بَطِرُوا (٦) …
وَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَفَرُوا …
فَعَتَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى عُثْمَانَ أُمُورًا؛ لَوْ فَعَلَهَا غَيْرُهُ مَا عَتَبُوهَا عَلَيْهِ …
ولَمْ يَكْتَفِ هَؤُلَاءِ بِالْعَتْبِ، وَلَوْ أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِهِ لَهَانَ الْأَمْرُ.
فَلَقَدْ ظَلَّ الشَّيْطَانُ يَنْفُخُ فِي أَرْوَاحِهِمْ مِنْ رُوحِهِ، وَيَبُثُّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ شَرِّه. الحواشي
(١) أرزاقكم: رواتبكم.(٢) غَزيرَة وفيرة: كثيرة.(٣) الْحُلَل السَّابِغَة: الحلل الطّويلة الواسعة.(٤) دارَّة: أي مستمرة.(٥) ذات الْبَيْنِ: المراد الأحوال بين النَّاسِ.(٦) البَطر: سوء التّصرف بالنّعمة.стр. 543
حَتَّى تَأَلَّبَتْ (١) عَلَيْهِ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ أَوْبَاشِ (٢) الْأَمْصَارِ؛ فَحَصَرُوهُ فِي دَارِهِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَمَنَعُوا عَنْهُ الْمَاءِ الْعَذْبَ.
وَقَدْ تَنَاسَى هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةُ الطَّغَمَةُ (٣) أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى "بِئْرَ رُومَةَ" (٤) مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ؛ لِيَرْتَوِيَ مِنْهُ سُكَّانُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَرُوَّادُهَا (٥) …
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مَاءٌ عَذْبٌ يَرْتَوُونَ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ حَالُوا دُونَهُ وَدُونَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَقَدْ تَعَامَى هَؤُلَاءِ عَنْ أَنَّ ذَا النُّورَيْنِ هُوَ الَّذِي وَسَّعَ ثَانِيَ الْحَرَمَيْنِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ؛ لِيَتَّسِعَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا (٦) …
وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى عُثْمَانَ الْكَرْبُ، وَتَفَاقَمَ (٧) عَلَيْهِ الشَّرُّ نَفَرَ (٨) إِلَى حِمَايَتِهِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَبْنَائِهِمْ.
فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ … وَغَيْرُهُمْ …
* * *
لَكِنَّ عُثْمَانَ ذَا النُّورَيْنِ، وَصَاحِبَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَبَاذِلَ الْمَعْرُوفِ؛ آثَرَ (٩) أَنْ يُرَاقَ دَمُهُ عَلَى أَنْ تُرَاقَ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ دِفَاعًا عَنْهُ … الحواشي
(١) تألَّبت عَلَيْه: اجتمعوا على عداوته.(٢) الأوباش: جموع من قبائل شتى.(٣) الطَّغمة: الفئة القليلة.(٤) بِئْر رومة: بئر في المدينة اشتراها عثمان من أحد اليهود.(٥) رُوادها: زائروها.(٦) ضاق ذرعًا: أي أصابه الضّيق.(٧) تفاقم: اشتد وانتشر.(٨) نفر: بادر بسرعة.(٩) آثَرَ: فضَّل.стр. 544
وَفَضَّلَ أَنْ تُزْهَقَ رُوحُهُ (١) عَلَى أَنْ يَقْتَتِلُ الْمُسْلِمُونَ دُونَهُ.
فَعَزَمَ (٢) عَلَى الَّذِينَ نَفَرُوا إِلَى حِمَايَتِهِ أَنْ يَتْرُكُوهُ لِقَضَاءِ اللَّهِ …
وَقَالَ لَهُمْ: أُقْسِمُ عَلَى مَنْ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ.
وَقَالَ لِأَرِقَّائِهِ (٣) : مَنْ أَغْمَدَ مِنْكُمْ سَيْفَهُ (٤) ، فَهُوَ حُرٌّ …
* * *
وَلَقَدْ غَفَتْ عَيْنُ (٥) خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَحَظَاتٍ قُبَيْلَ مَصْرَعِهِ فَرَأَى
النَّبِيَّ الْكَرِيمَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ …
وَمَعَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَسَمِعَ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ لَهُ: (أَفْطِرْ عَنْدَنَا اللَّيْلَةَ يَا عُثْمَانُ)؛ فَأَيْقَنَ (٦) عُثْمَانُ أَنَّهُ لَاحِقٌ بِرَبِّهِ … مُقْبِلٌ عَلَى لِقَاءِ نَبِيِّهِ …
* * *
أَصْبَحَ عُثْمَانُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ صَائِمًا …
وَدَعَا بِسَرَاوِيلَ طَوِيلَةً فَلَبِسَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُكْشَفَ عَوْرَتُهُ؛ إِذَا قَتَلَهُ الْأَثَمَةُ (٧) السَّفَّاحُونَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ قُتِلَ الْعَبَّادُ الزَّهَّادُ ..
الصَّوَّامُ الْقَوَّامُ … الحواشي
(١) تزهق روحه: يموت.(٢) عَزَم عَلَيْهم: أقسم عليهم.(٣) أرقائه: عبيده.(٤) أغمد سيفه: وضع سيفه في غمده وترك القتال.(٥) غَفَتْ عينه: نام نومًا خفيفًا.(٦) أيقن: تأكد.(٧) الأثمة: الآثمون.стр. 545
جَمَّاعُ (١) الْقُرْآنِ الْكَرِيم …
صِهْرُ رَسُولِ الله ﷺ .
فَلَحِقَ بِجوَارِ رَبِّهِ وَهُوَ ظَمَآنُ صَائِمٌ، وَكِتَابُ اللَّهِ مَنْشُورٌ (٢) بَيْنَ يَدَيْهِ.
* * *
وَحَسْبُ الْمُسْلِمِينَ عَزَاءً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ وَرَحَمَاتُهُ عَلَيْهِ صَحَابِيٌّ …
وَلَا وَلَدُ صَحَابِيٍّ …
إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا شَارَكَ الْبُغَاةَ الطُّغَاةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ اسْتَحْيَا، وَارْتَدَعَ (*) … الحواشي
(١) جَمَّاع الْقُرْآن: جامع الْقُرْآن … كتب في عهده المصحف الأول طبقا للنسخة المحفوظة لدى حفصة بنت عمر بن الخطاب - والذي كان قد جمعه زيد بن ثابت بتكليف من أبي بكر الصديق - وقد راعى في كتابته اختلاف القراءات حسمًا للخلاف، وكلف بذلك: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.(٢) مَنْشور: مفتوح.
(*) للاستزادة من أخبار عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ انظر:
١ - الإصابة: ٢/ ٤٦٢ أو "الترجمة" ٥٤٤٨.
٢ - أسْدُ الغابة: ٣/ ٣٧٦.
٣ - الاستيعاب "بهامش الإصابة": ٣/ ٦٩.
٤ - تهذيب التهذيب: ٧/ ١٣٩.
٥ - حلية الأولياء: ١/ ٥٥.
٦ - الطبقات الكبرى: ٣/ ٥٣ - ٨٤.
٧ - المعارف: ٨٢
٨ - العبر: ١٤.
٩ - صفة الصّفوة: ١/ ١١٢.
١٠ - ابن كثير: ٧/ ١٤٤.стр. 546
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ
"أَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ وَتَدَبُّرٍ كَبِيرٍ، وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ عَنْهُ: أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ" (*)
"اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَعَصَيْنَا …
وَنَهَيْتَنَا فَمَا انْتَهَيْنَا …
وَلَا يَسَعُنَا إِلَّا عَفْوُكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
بِهَذَا الدُّعَاءِ الضَّارِعِ الرَّاجِي وَدَّعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْحَيَاةَ، وَاسْتَقْبَلَ الْمَوْتَ.
* * *
وَقِصَّةُ حَيَاةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ غَنِيَّةٌ حَافِلَةٌ …
كَسَبَ خِلَالَهَا لِلْإِسْلَامِ قُطْرَيْنِ كَبِيرَيْنِ مِنْ أَقْطَارِ الْمَعْمُورَةِ هُمَا:
"فِلَسْطِينُ" و "مِصْرُ" …
وَتَرَكَ لِلْمُسْلِمِينَ سِيرَةً ضَخْمَةً مَلأتِ الدُّنْيَا، وَشَغَلَتِ النَّاسَ دَهْرًا طَوِيلًا.
* * *
تَبْدَأُ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ نِصْفِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ، حَيْثُ وُلِدَ عَمْرٌو … وَتَنْتَهِي فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ وَافَاهُ الْيَقِينُ (١) .
أَمَّا أَبُوهُ فَهُوَ "الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ" أَحَدُ حُكَّامِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِهِمُ الْمَرْمُوقِينَ … الحواشي
(١) وافَاه اليَقين: جاءه الموت.стр. 547
وَوَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ يَرْتَفِعُ نَسَبَهُمْ إِلَى الذُّؤَابَةِ (١) مِنْ قُرَيْشٍ …
وَأَمَّا أُمُّهُ فَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَمَةً سَبِيَّةً.
لِذَا كَانَ حُسَّادُهُ يُلَاحِقُونَهُ بِذِكْرِهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّ الْإِمَارَةِ، أَوْ مُرْتَقٍ فَوْقَ مَنَابِرِ الْخَطَابَةِ.
حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ أَغْرَى رَجُلًا عَلَى أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُرْتَقٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ أُمِّهِ، وَذَلِكَ لِقَاءَ مَبْلَغَ جَزْلٍ (٢) مِنَ الْمَالِ أَغْدَقَهُ عَلَيْهِ.
فَقَامَ الرَّجُلُ وَقَالَ: مَنْ أُمُّ الْأَمِيرِ؟.
فَضَغَطَ عَمْرٌو عَلَى نَفْسِهِ، وَتَذَرَّعَ بِحِلْمِهِ (٣) ، ثُمَّ قَالَ:
هي النَّابِغَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ …
أَصَابَتْهَا رِمَاحُ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبِيعَتْ بِسُوقٍ "عُكَاظَ" …
فَاشْتَرَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَدْعَانَ …
ثُمَّ وَهَبَهَا لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ [يَعْنِي أَبَاهُ].
فَوَلَدَتْ لَهُ فَأَنْجَبَتْ …
فَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ مَزَّقَ الْحَسَدُ قَلْبَهُ قَدْ جَعَلَ لَكَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ فَخُذْهُ.
* * *
وَحِينَ أَخَذَ الْمُعَذَّبُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُهَاجِرُونَ إِلَى "الْحَبَشَةِ" لِلتَّخَلُّصِ مِنْ بَطْشِ قُرَيْشٍ وَنَكَالِهَا (٤) ، وَيَسْتَقِرُّونَ فِي رِحَابِهَا فِرَارًا مِنْ بَنِي قَوْمِهِمْ عَزَمَتْ الحواشي
(١) الذُّؤابَةِ من قُرَيْش: في المرتبة العليا من قريش.(٢) مبلغ جَزْلٍ: مبلغ كبير.(٣) تَذَرَّع بحِلْمِه: احتمى بعقله وحكمته.(٤) النَّكَالِ: الانتقام الشديد الذي يكون عبرة للآخرين.стр. 548
قُرَيْشٌ عَلَى اسْتِعَادَتِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، وَإِذَاقَتِهِمْ أَلْوَانًا مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَدِ اخْتَارَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لِلْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ؛ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ "النَّجَاشِيِّ" (١) مِنْ أَوَاصِرِ وُدٍّ قَدِيمٍ.
وَزَوَّدَتْهُ بِمَا كَانَ يُؤْثِرُهُ "النَّجَاشِيُّ" وَبَطَارِقتُهُ مِنَ الْهَدَايَا.
فَلَمَّا وَفَدَ عَلَى "النَّجَاشِي" حَيَّاهُ وَبَيَّاهُ (٢) وَقَالَ لَهُ:
إِنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِنَا قَدْ كَفَرُوا بِدِينِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَاسْتَحْدَثُوا لِأَنْفُسِهِمْ دِينًا جَدِيدًا … وَقَدْ أَرْسَلَتْنِي قُرَيْشٌ لاسْتِئْذَانِكَ بِاسْتِعَادَتِهِمْ إِلَى قَوْمِهِمْ؛ لِيَرُدُّوهُمْ إِلَى دِينِهِمْ، وَيُعِيدُوهُمْ إِلَى مِلَّتِهِمْ.
فَاسْتَدْعَى "النَّجَاشِيُّ" نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، سَأَلَهُمْ عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي يَدِينُونَ، وَإِلَهِهِمُ الَّذِي بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَنَبِيِّهِمُ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهَذَا الدِّينِ.
فَسَمِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا مَلأَ قَلْبَهُ يَقِينًا وَاطْمِئْنَانًا، وَوَعَى مِنْ عَقِيدَتِهِمْ مَا أَفْعَمَ فُؤَادَهُ تَعَلُّقًا بِهِمْ وَإِيمَانًا بِدِينِهِمْ.
فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، وَأَعَادَ لَهُ مَا أَتْحَفَهُ بِهِ مِنَ الْهَدَايَا.
* * *
وَلَمَّا عَزَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَى مَكَّةَ قَالَ لَهُ "النَّجَاشِيُّ": كَيْفَ يَعْزُبُ (٣) عَنْكَ أَمْرُ "مُحَمَّدٍ" يَا عَمْرُو عَلَى مَا أَعْرِفُهُ مِنْ رَجَاحَةِ عَقْلِكَ وَبُعْدِ نَظَرِكَ؟! … الحواشي
(١) النَّجَاشِي: انظره في كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، الناشر دار الأدب الإسلامي.(٢) حَيَّاه وبَيَّاه: قال له حياك الله، وبياك أي رفع مقامك.(٣) يَعْزُبُ: يبعد.стр. 549
فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً.
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ؟!.
فَقَالَ "النَّجَاشِيُّ": إِي وَاللَّهِ … فَأَطِعْنِي يَا عَمْرُو وَآمِنْ بِمُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ.
* * *
وَدَّعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ "الْحَبَشَةَ"، وَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ. فَقَدْ أَخَذَتْ كَلِمَاتُ "النَّجَاشِيِّ" تَهُزُّ فُؤَادَهُ هَزًّا …
وَظَلَّ حَدِيثُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ يَدْفَعُهُ إِلَى لِقَائِهِ دَفْعًا.
لَكِنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ.
حَيْثُ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلدِّينِ الْجَدِيدِ؛ فَمَضَى يَحُثُّ الْخُطَا نَحْوَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لِلقَاءِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ وَإِعْلَانِ إِسْلَامِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَفِيمَا هُوَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ الْتَقَى بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَهُمَا يَمْضِيَانِ إِلَى حَيْثُ يَمْضِي، وَيَقْصِدَانِ مَا يَقْصِدُ.
فَانْضَمَّ إِلَيْهِمَا وَمَضَى مَعَهُمَا …
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ بَايَعَهُ كُلٌّ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعُثْمَانَ بْن طَلْحَةَ.
ثُمَّ بَسَطَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ يَدَهُ لِعَمْرٍو؛ فَقَبَضَ عَمْرٌو يَدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ …
فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو)؟!
فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي.
стр. 550
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: (إِنَّ الْإِسْلَامَ وَالْهِجْرَةَ يَجُبَّانِ (١) مَا قَبْلَهُمَا) … فَبَايَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ تَرَكَتْ أَثْرَهَا فِي نَفْسٍ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَلأْتُ عَيْنَيَّ مِنَ الرَّسُولِ ﵊، وَلَا تَمَلَّيْتُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ حَتَّى لَحِقَ بِرَبِّهِ.
* * *
وَقَدْ نَظَرَ الرَّسُولُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، وَعَرَفَ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ طَاقَاتٍ فَذَّةٍ، فَأَمَّرَهُ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ "ذَاتِ السَّلَاسِلِ" عَلَى الرَّغْمِ مِمَّنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَصْحَابِ السَّابِقَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ.
* * *
وَلَمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَآلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَبْلَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ أَعْظَمَ الْبَلَاءِ …
وَبَادَرَ الْفِتْنَةَ بِحَزْمٍ يُذَكِّرُ بِحَزْمِ الصِّدِّيقِ ﵄ …
فَقَدْ نَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِبَنِي "عَامِرٍ"، فَإِذَا بِزَعِيمِهِمْ "قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ" يَهِمُّ بِالرِّدَّةِ وَيَقُولُ لَهُ:
يَا عَمْرُو، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَطِيبُ لَهُمْ نَفْسًا بِهَذِهِ الْإِتَاوَةِ الَّتِي فَرَضْتُمُوهَا عَلَى النَّاسِ [يَعْنِي بِهَا الزَّكَاةَ].
فَإِنْ أَعْفَيْتُمُوهَا مِنْ ذَلِكَ سَمِعَتْ لَكُمْ وَأَطَاعَتْ …
وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَا تَجْتَمِعُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ … الحواشي
(١) يَجُب: يقطع ويمحو.стр. 551
فَصَاحَ عَمْرٌو بِزَعِيمِ بَنِي "عَامِرٍ"، وَقَالَ:
وَيْحَكَ (١) !! أَكَفَرْتَ يَا قُرَّةُ"؟! … وَهَلْ تُخَوِّفُنَا بِرِدَّةِ الْعَرَبِ؟! …
فَوَاللَّهِ لأُوَطْئَنَّ عَلَيْكَ الْخَيْلَ فِي خِبَاءِ أُمِّكَ.
* * *
وَلَمَّا لَبَّى الصِّدِّيقُ نِدَاءَ رَبِّهِ، وَأَسْلَمَ الزَّمَامَ (٢) إِلَى يَدِ الْفَارُوقِ - خَيْرِ يَدٍ تُلْقَى إِلَيْهَا الْأَزِمَّةُ - اسْتَعَانَ الْفَارُوقُ بِقُدُرَاتِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخِبْرَاتِهِ، وَوَضَعَهَا في خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ …
فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ سَوَاحِلَ "فَلَسْطِينَ" بَلَدًا بَعْدَ بَلَدٍ …
وَهَزَمَ جُيُوشَ الرُّومِ جَيْشًا بَعْدَ جَيْشٍ، ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى حِصَارِ "بَيْتِ الْمَقْدِسِ".
وَقَدْ شَدَّدَ عَمْرٌو الْحِصَارَ عَلَى أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ حَتَّى زَرَعَ الْبَأْسَ فِي نَفْسِ "أَرْيَطُونَ" قَائِدِ جَيْشِ "الرُّومِ".
وَحَمَلَهُ عَلَى التَّخَلِّي عَنِ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَاللِّوَاذِ (٣) بِالْفِرَارِ فَاسْتَسْلَمَتِ "الْقُدْسُ" لِلْمُسْلِمِينَ.
عِنْدَ ذَلِكَ رَغِبَ بِطْرِيقُهَا (٤) أَنْ يَتِمَّ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِ الْخَلِيفَةِ نَفْسِهِ.
فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِلْفَارُوقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ يَسْتَدْعِيهِ لاسْتِلَامِ "بَيْتِ الْمَقْدِسِ" … فَحَضَرَ وَوَفَّعَ وَثِيقَةَ (٥) الاسْتِلَامِ. الحواشي
(١) وَيْحَك: كلمة يراد به التّرحم، أو الدّعاء عليه بمعنى ويلك.(٢) أسلم الزِّمَام: أسلم القيادة ليد الفاروق.(٣) اللّواذ بالْفِرَارِ: الاحتماء عن طريق الهروب.(٤) البِطريق: رجل الدّين وكبيرهم عند النّصارى.(٥) وَثِيقَةُ الاسْتِلَام: الوثيقة، الصّك المكتوب باستلام بيت المقدس.стр. 552
وَآلَتِ "الْقُدْسُ" إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ عَلَى يَدَيْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁.
وَكَانَ الْفَارُوقُ إِذَا ذُكِرَ أَمَامَهُ حِصَارُ "بَيْتِ الْمَقْدِسِ"، وَمَا أَبْدَى فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ بَرَاعَةٍ يَقُولُ:
لَقَدْ رَمَيْنَا "أَرْيَطُونَ" الرُّومِ "بِأَرْيَطُونِ" الْعَرَبِ.
ثُمَّ تَوَّجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ انْتِصَارَاتِهِ الْكُبْرَى بِفَتْحِ "مِصْرَ"، وَضَمِّ هَذِهِ الدُّرَّةِ الثَّمِينَةِ إِلَى عِقْدِ الْإِسْلَامِ.
وَبِذَلِكَ فَتَحَ أَمَامَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ أَبْوَابَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَبِلَادِ "الْمَغْرِبِ"، ثُمَّ إِسْبَانْيَا، بَعْدَ ذَلِكَ (١) .
وَقَدْ تَمَّ لَهُمْ هَذَا كُلُّهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ.
* * *
وَلَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ كُلُّ مَزَايَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، وَإِنَّمَا كَانَ عَمْرُو أَحَدَ دُهَاةِ (٢) الْعَرَبِ الْمَعْدُودِينَ، وَوَاحِدًا مِنْ عَبَاقِرَتِهِمُ الْأَفْذَاذِ النَّادِرِينَ.
وَلَعَلَّ مِنْ أَطْرَفِ صُوَرٍ دَهَائِهِ وَذَكَائِهِ مَا سَلَكَهُ فِي فَتْح "مِصْرَ"؛ فَقَدْ ظَلَّ يُغْرِي الْفَارُوقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِفَتْحِهَا حَتَّى أَذِنَ لَهُ …
وَعَقَدَ لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ.
فَمَضَى عَمْرُو بِجُنْدِهِ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ (٣) ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَى رَحِيلِهِ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٤) عَلَى عُمَرَ وَقَالَ لَهُ: الحواشي
(١) انظر كتاب الطريق إلى الأندلس لمحات وقطوف للمؤلف.(٢) الدُّهَاة: الماكرين المخادعين.(٣) لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ: لا يلتفت إلى ما وراءه، ولا يتردد في فعله.(٤) عُثْمَانَ بْنُ عَفَّان: انظره ص ٥٣٥.стр. 553
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَمْرًا لَمِقْدَامٌ (١) جَرِيءٌ …
وَإِنَّ فِيهِ حُبًّا لِلْإِمَارَةِ …
فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ إِلَى "مِصْرَ" فِي غَيْرِ عُدَّةٍ وَلَا عَدَدٍ، فَيُعَرِّضُ الْمُسْلِمِينَ لِلْهَلَكَةِ.
فَنَدِمَ الْفَارُوقُ عَلَى إِذْنِهِ لِعَمْرِو بِفَتْحِ "مِصْرَ"، وَبَعَثَ خَلْفَهُ رَسُولًا يَحْمِلُ إِلَيْهِ كِتَابًا مِنْهُ بِهَذَا الشَّأْنِ.
* * *
أَدْرَكَ الرَّسُولُ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فِي "رَفَحَ" مِنْ أَرْضِ "فِلَسْطِينَ"؛ فَلَمَّا عَلِمَ عَمْرُو بِقُدُومِ الرَّسُولِ مِنْ عِنْدِ الْفَارُوقِ، وَأَنَّهُ يَحْمِلُ إِلَيْهِ كِتَابًا مِنْهُ، تَوَجَّسَ (٢) خِيفَةً مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي مَعَهُ.
فَمَا زَالَ يَتَشَاغَلُ عَنِ اسْتِقْبَالِهِ وَيُغِدُّ (٣) السَّيْرَ حَتَّى بَلَغَ قَرْيَةً مِنْ عَرِيشِ "مِصْرَ" …
عِنْدَ ذَلِكَ اسْتَقْبَلَهُ وَأَخَذَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَفَضَّهُ؛ فَإِذَا فِيهِ:
"إِنْ أَدْرَكَكَ كِتَابِي هَذَا قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ أَرْضَ "مِصْرَ" فَارْجِعْ إِلَى مَوْضِعِكَ …
وَإِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ أَرْضَهَا فَامْضِ لِوَجْهِكَ".
فَدَعَا بِالْمُسْلِمِينَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْفَارُوقِ، وَقَالَ:
أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا فِي أَرْضِ "مِصْرَ"؟. الحواشي
(١) الْمِقْدَام: الجريء في التقدم على الأخطار واقتحامها.(٢) تَوَجَّس خِيفَةً: شك في الأمر وتملكه الوسواس.(٣) يُغِذُّ السَّيْرَ: يحث السّير ويشتد فيه.стр. 554
فَقَالُوا: بَلَى.
فَقَالَ: فَلْنَمْضِ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.
وَكَانَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ "مِصْرَ".
* * *
وَمِنْ طَرَائِفِ ذَكَائِهِ وَدَهَائِهِ أَيْضًا، أَنَّهُ حِينَ كَانَ يُحَاصِرُ أَحَدَ حُصُونِ "مِصْرَ" الْمُمَنَّعَةِ (١) ، بَعَثَ بِطْرِيقُ الرُّومِ يَطْلُبُ مِنْ قَائِدِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِيُنَاظِرَهُ، وَيُفَاوِضَهُ.
فَنَدَبَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ.
لَكِنَّ عَمْرًا قَالَ: إِنِّي سَأَكُونُ رَسُولَ قَوْمِي إِلَيْهِ.
ثُمَّ مَضَى إِلَى الْبِطْرِيقِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْحِصْنَ عَلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ لَدُنْ (٢) قَائِدِ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
الْتَقَى بِطْرِيقُ الرُّومِ بِعَمْرٍو وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ …
وَدَارَ بَيْنَهُمَا حِوَارٌ نَمَّ عَنْ (٣) عَبْقَرِيَّةِ عَمْرٍو، وَحِنْكَتِهِ (٤) ، وَذَكَائِهِ فَعَزَمَ بِطْرِيقُ الرُّومِ عَلَى الْغَدْرِ بِهِ، وَزَوَّدَهُ بِعَطِيَّةٍ سَنِيَّة (٥) ، وَأَمَرَ حُرَّاسَ الْحِصْنِ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ الْخَنْدَقَ.
لَكِنَّ عَمْرًا رَأَى فِي عُيُونِ الْحُرَّاسِ مَا أَثَارَ رِيبَتَهُ؛ فَعَادَ أَدْرَاجَهُ وَقَالَ لِلْبِطْرِيق: الحواشي
(١) الْمُمَنَّعَةِ: المنيعة الحصينة.(٢) من لَدُن: من عند.(٣) نَمَّ عَن: أظهر.(٤) الحِنْكة: الخبرة والتجربة.(٥) عَطِيَّة سَنيَّة: جائزة كبيرة.стр. 555
إِنَّ الْهِبَةَ الَّتِي وَهَبْتَنِيهَا - أَيُّهَا السَّيِّدُ - لَا تَكْفِي أَبْنَاءَ عَمِّي جَمِيعًا، فَهَلَّا أَذِنْتَ لِي بِأَنْ آتِيكَ بِعَشْرَةٍ مِنْهُمْ لِيَنَالُوا مِنْ كَرِيمٍ عَطَائِكَ مَا نِلْتُ؟.
فَسُرَّ الْبِطْرِيقُ بِذَلِكَ، وَمَنَّى نَفْسَهُ بِقَتْلِ عَشْرَةٍ مِنْهُمْ بَدَلًا مِنْ وَاحِدٍ …
فَأَشَارَ إِلَى حُرَّاسِ الْحِصْنِ بِأَنْ يُخَلُّوا سَبِيلَهُ.
وَكُتِبَتْ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ النَّجَاةُ.
وَلَمَّا فُتِحَتْ "مِصْرُ"، وَتَمَّ اسْتِسْلَامُهَا لِلْمُسْلِمِينَ الْتَقَى بِطْرِيقُ الرُّومِ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ فَقَالَ لَهُ فِي دَهْشَةٍ:
أَهَذَا أَنْتَ؟
فَقَالَ: نَعَمْ … عَلَى مَا كَانَ مِنْ غَدْرِكَ.
* * *
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ بَيَانًا، وَأَفْصَحِهِمْ لِسَانًا …
حَتَّى إِنَّ الْفَارُوقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ يَرَى فِي فَصَاحَتِهِ آيَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
فَكَانَ إِذَا رَأَى رَجُلًا يَتَلَجْلَجُ قَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ …
إِنَّ خَالِقَ هَذَا وَخَالِقَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَاحِدٌ.
وَمِنْ بَلِيغِ كَلَامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَوْلُهُ: الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ:
رَجُلٌ تَامٌّ، وَنِصْفُ رَجُلٍ، وَلَا شَيْء.
أَمَّا الرَّجُلُ التَّامُّ، فَهُوَ الَّذِي كَمُلَ دِينُهُ وَعَقْلُهُ.
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ أَمْرًا اسْتَشَارَ أَهْلَ الرَّأْيِ؛ فَلَا يَزَالُ مُوَفَّقًا.
стр. 556
وَأَمَّا نِصْفُ الرَّجُلِ، فَهُوَ الَّذِي يُكَمِّلُ اللَّهُ لَهُ دِينَهُ وَعَقْلَهُ …
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ أَمْرًا لَمْ يَسْتَشِرْ فِيهِ أَحَدًا، وَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَتْبَعُهُ وَأَتْرُكُ رَأْيِي لِرَأْيِهِ؟ فَيُصِيبُ وَيُخْطِئُ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا شَيْءٍ، فَهُوَ مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا عَقْلَ؛ فَلَا يَزَالُ مُخْطِئًا مُدْبِرًا …
واللهِ إِنِّي لأَسْتَشِيرُ فِي الأَثر على خَدَمِي.
* * *
وَلَمَّا مَرِضَ عَمْرُو بْن الْعَاصِ مَرْضَ الْمَوْتِ وَأَحَسَّ بِدُنُوِّ الأَجَلِ (١) غَلَبَتْهُ الْعَبْرَةُ (٢) ، وَقَالَ لابْنِهِ:
كُنْتُ عَلَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ عَرَفْتُ نَفْسِي فِيهَا …
كُنْتُ أَوَّلَ شَيْءٍ كَافِرًا؛ فَلَوْ مِتُّ حِينَئِذٍ لَوَجَبَتْ لِيَ النَّارُ …
فَلَمَّا بَايَعْتُ الرَّسُولَ ﵊؛ كُنْتُ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءٌ مِنْهُ.
حَتَّى إِنِّي مَا مَلأْتُ عَيْنَيَّ مِنْهُ قَطُّ؛ فَلَوْ مِتُّ حِينَئِذٍ لَقَالَ النَّاسُ:
هَنِيئًا لِعَمْرِو أَسْلَمَ عَلَى خَيْرٍ، وَمَاتَ عَلَى خَيْرٍ …
ثُمَّ تَلَبَّسْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ؛ فَلَا أَدْرِي أَعَلَيَّ أمْ لِي؟.
ثُمَّ أَدَارَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَعَصَيْنَا …
وَنَهَيْتَنَا فَمَا انْتَهَيْنَا … الحواشي
(١) الأجَل: الوفاة.(٢) الْعَبْرَةُ: الدّمعة.стр. 557
وَلَا يَسَعُنَا إِلَّا عَفْوُكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ الْغُلِّ مِنْ عُنُقِهِ، وَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا قَوِيٌّ فَأَنْتَصِرُ …
وَلَا بَرِيءٌ فَأَعْتَذِرُ …
وَمَا أَنَا بِمُسْتَكْبِرٍ …
وَإِنَّمَا مُسْتَغْفِرٌ …
فَاغْفِرْ لِي يَا غَفَّارُ.
وَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى فَاضَتْ رُوحُهُ (*).
الحواشي
(١) (*) للاستزادة من أخبار عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ انظر:
١ - الإصابة: ٣/ ٢ أو "الترجمة" ٥٨٨٢.
٢ - الاستيعاب "بهامش الإصابة": ٢/ ٥٠٨.
٣ - أسد الغابة: ٤/ ٢٤٤.
٤ - تهذيب التهذيب: ٨/ ٥٦.
٥ - العبر: ١/ ٥١.
٦ - قادة فتح بلاد الشام ومصر: ١٢٣.
٧ - تاريخ الإسلام للذهبي: ٢/ ٢٣٥.
٨ - الأعلام: ٥/ ٢٤٨.стр. 558
تصدير
تاريخنا الإسلامي - كما يشهد المؤرخون - من أحفل تواريخ الأمم بالبطولات، وأغناها بالأبطال …
وهي بطولات؛ على تميزها وروعتها، تمثل حقائق واقعة موثقة بالأسانيد؛ تزخر بفيض كبير من أفذاذ الرجال في ميادين الحكم والعلم، والحرب والسلم، والجرأة والحزم، والبذل والإيثار، والزهادة والعبادة.
وهذا الكتاب يعرض صورًا مشرقةً لنماذج فريدة من رجال هم من تراب البشر؛ لكنهم جُبلوا بماء الإسلام وصبوا في قوالب الإيمان؛ فزانوا مفرق الدنيا وكانوا خير أمّة أخرجت للناس.
وها نحن الآن في رحاب المجلد الثاني من كتاب صور من حياة الصحابة الذي ضم بين دفتيه مجموعة جديدة لم يسبق نشرها ورقيًا من قبل …
ولكي يسهل على القارئ الرجوع إلى ما احتواه المجلدان؛ وضعت فهرسين عامين أحدهما ألف بائي والآخر حسب وروده، وألحقت بعد هذا التصدير بعضًا مما قيل في "صور من حياة الصحابة"؛ كما أنني وضعت في آخر الكتاب نموذج عن مسودة أولية بخط المؤلف ﵀.
وقد كان أصل هذا الكتاب بمجلديه؛ قبل أولى طبعاته عام ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م؛ برنامجًا إذاعيًّا بُثت أولى حلقاته إذاعة المملكة العربية السعودية في شهر رمضان المبارك سنة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م تحت اسم
стр. 559
"صور من حياة الصحابة" وكانت بتقديم المؤلف ﵀.
والمقصود من الصور هنا؛ هو مواقفٌ من حياة أولئك الرجال … فالمؤلف ﵀ في حديثه عن الصحابي لا يتتبع تفاصيل حياته، وإنما يلتقط لمحات منها؛ تُنبيك عما عداها.
ومن خلال جمعه لتلك اللمحات المليئة بالفوائد والحكم والعظات؛ يقدم صورًا لا تدل على فذاذة تلك الشخصية فحسب … وإنما تدل على مجتمع يُعد بالآلاف خرجته المدرسة المحمدية وصنعته على عينها؛ ليكونوا مشاعل نور وهداية لنا ولأبنائنا …
وإذا كان لا بد لنا من القدوة؛ فهل هناك أعظم وأكرم من التأسي بصحابة رسول الله ﷺ والذين اتبعوهم واقتدوا بهم قولًا وفعلًا وعدلًا وإحسانًا.
يمان بن عبد الرحمن الباشا
стр. 560
قالوا في الكتاب
لم يسلك الدكتور الباشا في إعداد صور من حياة الصحابة والتابعين مَسْلَكَ المترجمين الذين يكتبون بأن فلانًا عاش ومات وفعل كذا، بل إن الصور المشرقة لسلف هذه الأمة امتلكت عليه حَواسَّه، فراح يُعبّر عن مُدَاخَلتها له وتأثيرها في نفسه، فجاء إعداده يحمل نَفَسًا أدبيًّا، ونسقًا بيانيًّا، وبوحًا عن أثر أولئك العظام في نفسه.
د. عائض الردادي
* * *
لعل سلسلة "صور من حياة الصحابة" … و "حياة التابعين"، فضلًا عن مؤلفاته الأخرى تكفي للتدليل على التطبيق التربوي الهادف الذي أراد الباشا أن ينفذ من خلاله إلى نفوس ناشئة الجيل وكل جيل؛ ليبين لهم في أسلوب مشرق وعرض فني رائع، وأداء متميز، عظمة هؤلاء الشوامخ، وليبين لهم كذلك عظمة المدرسة النبوية الأولى التي كونت هؤلاء العظماء وقدمتهم كنماذج حية وفاعلة تشير إلى جلال الإسلام وجماله وعظمته وامتداد أثره.
د. محمد جاد البنا
* * *
كنت كلما أقرأ الكتاب أجد لَذَّةً جديدة، وكان يسحرني جمال أدبه العالي المشرق الوهاج الحي النابض الدافق في جانبٍ، والحب للصحابة الذي يلمع إخلاصه بين الحروف والكلمات والسطور في جانبٍ آخر.
نور عالم خليل الأميني
* * *
كان نتاجه وقلمه صورة عما يدعو إليه، ولذا صار يعرف بصاحب سلسلة "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين" هاتين السلسلتين اللتين كتبتا بأسلوب أدبي مشرق يعطي نموذجًا للأدب الإسلامي الحديث، هذا الأدب الذي
стр. 561
يتميز بالأصالة، والإشراق والسمو .. فكانت كتبه هذه واسعة الانتشار، كثيرة الطبعات، ودخلت كمقررات مدرسية في عدد من الدول.
محمد حسن بريغش
* * *
أَبَا اليَمَانِ، عُيُونُ الشِّعْرِ نَاظِرَةٌ … إِلَيْكَ، نَظْرَةَ إِكْبَارٍ وَإِجْلَالِ
مَلَكْتَ عِزَّةَ نَفْسٍ، لَا يُخَالِطُهَا … ذُلٌّ، وَلَا تَنْزَوِي فِي قَلْبِ مُحْتَالِ
مَدَدْتَ جِسْرًا لِجِيلِ اليَوْمِ مُتَّصِلًا … بِخِيرَةِ النَّاسِ مِنْ صَحْبِ وَمِنْ آلِ
رَسَمْتَ مِنْ أَدَبِ الإِسْلَامِ خَارِطَةً … فِيهَا مَعَالِمُ إِمْتَاعِ وَإِفْضَالِ
د. عبد الرحمن صالح العشماوي
* * *
سيذكركَ الصغار والشباب بكتب "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين" تلك التي سكبتها روعةً وجمالًا على كل لسان وفي كل قلب!! …
تلك التي نَمَّقْتَها بجمال عباراتك، وصَوَّرتها بروعة أساليبك.
نايف رشدان العتيق
* * *
يَعْشَقُ الحَرْفَ، ثُمَّ يُلْقِيهِ عَذْبًا … يَأْسِرُ اللُّبَّ رِقَّةٌ وَانْسِيَابَا
يا يَراعًا حَمَلْتَ صِدْقًا وَوَرْدًا … بل عبيرًا، فضوَّعتْ أَطْيَابَا!!
"صُوَرٌ من حيَاتِهم" - يا حكيمًا - … مَدَّتَ الجُرْحَ بِالشِّفَاء فَطَابَا
وَوَهَبْتَ العُمْرَ النَّضِيرَ لِعِلْمٍ … يَرْفَعُ الرأْسَ مَا أَضَعْتَ الشَّبَابَا
"أَدَبُ الطِّفْلِ" كُنْتَ تَدْعُو إِلَيْهِ … هَا هُوَ النَّشْءُ بَعدما تَاهَ ثَابَا
"أَدَبُ الدِّينِ" فِكْرةٌ أَيْقَظَتْهَا … نَفْسُ حُرِّ تَحَدَّتِ الأَلْقَابَا
فَجَزَاكَ الإِلهُ جَنَّاتِ عَدْنٍ … يَا حَبِيبًا عَنِ الْمُحِبِّينَ غَابَا
د. سليمان بن عبد العزيز المنصور
* * *
стр. 562
عُرف الدكتور الباشا أديبًا وكاتبا وقَصَّاصًا وباحثا وأستاذًا جامعيًّا قديرًا ترك أثره في كثير من طلابه وعارفيه … وعرفته قاعات الدرس فارسًا لا يُبَارى، إذا نطق اشرأَبَّتِ الأعناق إليه، وشَخَصَت الأبصار نحوه، يملك من البلاغة ناصيتها، ومن صدق اللهجة زِمَامها، ومن الأفكار والمعاني عميقها، مع قدرة على تقريب بعيدها، وبيان عَويصها.
وكان له أيضًا اهتمام بتوجيه أدب الشباب واليافعين توجيهًا إسلاميًّا، وقد كلل هذا الاهتمام بكتابه الذائع الصيت "صور من حياة الصحابة" في سبعة أجزاء. و "صور من حياة التابعين" في ستة أجزاء.
د. عبد الله الحامد
* * *
الدكتور عبد الرحمن الباشا من الأدباء المؤثرين، أعرفه كما يعرفه غيري من الشعراء والمستمعين للإذاعة السعودية من خلال برنامجه الإذاعي الناجح "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين"، وهو برنامج تَحوَّل إلى سلسلة من الكتب المفيدة، التي أحسنت رئاسة البنات ووزارة المعارف فقررتها على الطلاب والطالبات في المراحل المتوسطة والثانوية.
فاطمة محمد السلوم
* * *
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْبَبْتُ صَحَابَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَصْدَقَ الحُبِّ وَأَعْمَقَهُ؛ فَهَبْنِي يَوْمَ الفَزَعِ الْأَكْبَرِ لَأَيِّ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا أَحْبَبْتُهُمْ إِلَّا فِيكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
تتصدَّر هذه الكلمة الجميلة كل طبعة من السلسلة الرائعة "صور من حياة الصحابة" لأستاذنا المرحوم الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، والذي قَدَّم بهذه السلسلة قدوة مُثْلى لناشئة هذه الأمة، مُصوَّرةً من حياة الرعيل الأول، بأسلوب أدبي مُتَوهِّج، وعاطفةٍ حارَّة صادقة … وكان أسلوبه عربيًّا فصيحًا يمتاز بالروعة التي تجعل الآذان تصغي، والعيون تلمح، والوجدان يستقبل، والعقل يستمع.
عبد الله الجعثين
* * *
تجد في سرده لحياة الصحابي أنه يسردها بأسلوب رائع سهل وترتيب دقيق للحوادث.
وهو لا يسرد الوقائع مجردة بل تجده يستشف الدروس والعبر التي لا بد من الاستفادة منها والاعتبار بها، مُذكِّرًا الشبان بهذه النماذج الحية التي دافعت عن الإسلام وبذلت في سبيله المُهَجَ والأرواح، مستحثًّا الهمم على ضرورة الاقتداء بها وتتبُّع آثارها …
стр. 563
والحقيقة التي لا غبار عليها أن أديبنا ﵀ قد خدم فتيان وفتيات المسلمين بتقديم صور من حياة صحابة رسول الله للاقتداء بهم واقتفاء آثارهم، وهو لم يَتَّبع الأسلوب التقليدي في النقل، إنما ابتكر أسلوبًا سهلًا مُيَسَّرًا، وحاول إعطاء الصورة الحقيقية عن كل صحابي وما كُتِب عنه في مجلدات التاريخ وكتب الحديث.
حمد العليان
* * *
الدكتور الباشا من الرجال الذين كانوا يعملون بإخلاص وصمت، ولا أظن أحدًا يَطَّلِعُ على "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين"، وهما سلسلتان أصدرهما الباشا وأضفى عليهما من روعة أسلوبه ما جعل سيرة السلف الصالح في متناول الشباب المسلم، أقول: لا أظن أحدًا يطلع على هاتين السلسلتين إلا ويشعر بالحب الكبير للباشا وبالتقدير لهذا العمل الذي قام به.
أحمد عبد الرحمن النمال
* * *
إِنَّ الَّذِي عَزَّى الفُؤَادَ شَهَادَةٌ … بِكَ مِنْ ذَوِي الأَخْلَاقِ وَالإِيمَانِ
فَاقَتْ بِصِدْقِ مَقَالِهَا وَجَمَالِهَا … دُرَرَ العُقُودِ عَلَى صُدُورِ حِسَانِ
فَهُمُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا بِقَصَائِد … غُرَرٍ كَعِطْرِ الوَرْدِ وَالرَّيْحَانِ
يَرْثُون هَذَا النَّجْمِ يَهْوِي مُسْرِعًا … وَيَغِيبُ بَيْنَ دَقَائِقِ وَثَوَانِ
إِنِّي لَأَضْرَعُ لِلْمُهَيْمِنِ دَاعِيًا … لَهُمُ بِحُسْنِ الأَجْرِ وَالغُفْرَانِ
جَاهَدْتَ فِي الْإِسْلَامِ حَقَّ جِهَادِهِ … فَانْعَمْ بِأَجْرِ الوَاحِدِ الدَّيَّانِ
قَدَّمَتَ لِلإِسْلَامِ خَيْرَ هَدِيَّة … كُتُبًا تُرَوِّي غُلَّةَ الظَّمْآنِ
صَوَّرْتَ بِالقَلَمِ البَدِيعِ صَحَابَة … صُوَرًا بَدَت فِي غَايَةِ الإِتْقَانِ
وَكَذَا حَيَاةَ التَّابِعِينَ كَأَنَّهَا … نُورٌ تَلَأْلَأْ مِنْ سَنَا القُرْآنِ
فَمَعَ الصَّحَابَةِ وَالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … وَالتَّابِعِين مُخَلَّدًا بِجِنَانِ
محمد عبد الرحمن الباشا
стр. 564
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ إنِّي أَحْبَبْتُ صَحَابَةَ نَبِيِّكَ محمدٍ ﷺ أَصْدَق الحُبِّ وأَعْمَقَه؛ فَهَبْنِي في يَوْمَ الفَرعِ الأَكْبَرِ لِأَيٍّ منهم؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمْ أَنِّي ما أَحْبَبْتُهُمْ إِلَّا فيك، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمين.
عبد الرحمن الباشا
стр. 565
الكتاب التاسع
أَبُو لُبَابَة
"أَمَا إِنَّهُ لَوْ أَتَانِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ … "
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؛ خَرَجَتْ قَوَافِلُ الْحُجَّاجِ مِنْ مُشْرِكِي يَثْرِبَ؛ مُيَمِّمَةً وَجْهَهَا شَطْرَ مَكَّةَ تُرِيدُ الْحَجَّ …
وَكَانَ فِي صُفُوفِ هَذِهِ الْقَوَافِلِ الْمُشْرِكَةِ سَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ قَدِ اعْتَنَقُوا الْإِسْلَامَ، وَأَقْبَلُوا عَلَى مَكَّةَ، وَهُمْ يُمَنُّونَ نُفُوسَهُمْ بِلِقَاءِ نَبِيِّهِمُ الْكَرِيمِ ﷺ ، وَصَاحِبِ دِينِهِمُ الْقَوِيمِ …
فَقَدْ آمَنَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ تَكْتَحِلَ أَعْيُنُهُمْ بِمَرْآهُ.
وَمَا إِنْ وَافَوْا (١) مَكَّةَ؛ حَتَّى وَاعَدُوا الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى اللِّقَاءِ سِرًّا فِي ثَانِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢) .
وَكَانَ مَوْضِعُ اللَّقَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى مِنْ مِنًى …
أَمَّا وَقْتُهُ؛ فَفِي الْهَزِيع (٣) الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَعْلَمَ قُرَيْشٌ.
فَاللَّيْلُ سَتَارٌ، وَالدُّنْيَا نَائِمَةٌ إِلَّا قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ.
* * *
وَهُنَاكَ سَعِدَ الْمُؤْمِنُونَ السَّابِقُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ بِلِقَاءِ نَبِيِّهِمْ ﷺ فِي نَجْوَةٍ (٤) مِنْ قُرَيْشٍ. الحواشي
(١) وَافُوا مَكَّة: أتوا مكة.(٢) أيَّام التَّشْرِيق: هي الأيام الثلاثة التي تَلِبي يوم النحر أي يوم عيد الأضحى.(٣) الْهَزِيع الأخير: الثلث الأخير.(٤) فِي نَجْوَة مِن قُرَيْش: بعيدًا عن نظرها وفي ستر منها.следующие страницы →