Полный текст (979 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
يتميز بالأصالة، والإشراق والسمو .. فكانت كتبه هذه واسعة الانتشار، كثيرة الطبعات، ودخلت كمقررات مدرسية في عدد من الدول.
محمد حسن بريغش
* * *
أَبَا اليَمَانِ، عُيُونُ الشِّعْرِ نَاظِرَةٌ … إِلَيْكَ، نَظْرَةَ إِكْبَارٍ وَإِجْلَالِ
مَلَكْتَ عِزَّةَ نَفْسٍ، لَا يُخَالِطُهَا … ذُلٌّ، وَلَا تَنْزَوِي فِي قَلْبِ مُحْتَالِ
مَدَدْتَ جِسْرًا لِجِيلِ اليَوْمِ مُتَّصِلًا … بِخِيرَةِ النَّاسِ مِنْ صَحْبِ وَمِنْ آلِ
رَسَمْتَ مِنْ أَدَبِ الإِسْلَامِ خَارِطَةً … فِيهَا مَعَالِمُ إِمْتَاعِ وَإِفْضَالِ
د. عبد الرحمن صالح العشماوي
* * *
سيذكركَ الصغار والشباب بكتب "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين" تلك التي سكبتها روعةً وجمالًا على كل لسان وفي كل قلب!! …
تلك التي نَمَّقْتَها بجمال عباراتك، وصَوَّرتها بروعة أساليبك.
نايف رشدان العتيق
* * *
يَعْشَقُ الحَرْفَ، ثُمَّ يُلْقِيهِ عَذْبًا … يَأْسِرُ اللُّبَّ رِقَّةٌ وَانْسِيَابَا
يا يَراعًا حَمَلْتَ صِدْقًا وَوَرْدًا … بل عبيرًا، فضوَّعتْ أَطْيَابَا!!
"صُوَرٌ من حيَاتِهم" - يا حكيمًا - … مَدَّتَ الجُرْحَ بِالشِّفَاء فَطَابَا
وَوَهَبْتَ العُمْرَ النَّضِيرَ لِعِلْمٍ … يَرْفَعُ الرأْسَ مَا أَضَعْتَ الشَّبَابَا
"أَدَبُ الطِّفْلِ" كُنْتَ تَدْعُو إِلَيْهِ … هَا هُوَ النَّشْءُ بَعدما تَاهَ ثَابَا
"أَدَبُ الدِّينِ" فِكْرةٌ أَيْقَظَتْهَا … نَفْسُ حُرِّ تَحَدَّتِ الأَلْقَابَا
فَجَزَاكَ الإِلهُ جَنَّاتِ عَدْنٍ … يَا حَبِيبًا عَنِ الْمُحِبِّينَ غَابَا
د. سليمان بن عبد العزيز المنصور
* * *
стр. 562
عُرف الدكتور الباشا أديبًا وكاتبا وقَصَّاصًا وباحثا وأستاذًا جامعيًّا قديرًا ترك أثره في كثير من طلابه وعارفيه … وعرفته قاعات الدرس فارسًا لا يُبَارى، إذا نطق اشرأَبَّتِ الأعناق إليه، وشَخَصَت الأبصار نحوه، يملك من البلاغة ناصيتها، ومن صدق اللهجة زِمَامها، ومن الأفكار والمعاني عميقها، مع قدرة على تقريب بعيدها، وبيان عَويصها.
وكان له أيضًا اهتمام بتوجيه أدب الشباب واليافعين توجيهًا إسلاميًّا، وقد كلل هذا الاهتمام بكتابه الذائع الصيت "صور من حياة الصحابة" في سبعة أجزاء. و "صور من حياة التابعين" في ستة أجزاء.
د. عبد الله الحامد
* * *
الدكتور عبد الرحمن الباشا من الأدباء المؤثرين، أعرفه كما يعرفه غيري من الشعراء والمستمعين للإذاعة السعودية من خلال برنامجه الإذاعي الناجح "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين"، وهو برنامج تَحوَّل إلى سلسلة من الكتب المفيدة، التي أحسنت رئاسة البنات ووزارة المعارف فقررتها على الطلاب والطالبات في المراحل المتوسطة والثانوية.
فاطمة محمد السلوم
* * *
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْبَبْتُ صَحَابَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَصْدَقَ الحُبِّ وَأَعْمَقَهُ؛ فَهَبْنِي يَوْمَ الفَزَعِ الْأَكْبَرِ لَأَيِّ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا أَحْبَبْتُهُمْ إِلَّا فِيكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
تتصدَّر هذه الكلمة الجميلة كل طبعة من السلسلة الرائعة "صور من حياة الصحابة" لأستاذنا المرحوم الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، والذي قَدَّم بهذه السلسلة قدوة مُثْلى لناشئة هذه الأمة، مُصوَّرةً من حياة الرعيل الأول، بأسلوب أدبي مُتَوهِّج، وعاطفةٍ حارَّة صادقة … وكان أسلوبه عربيًّا فصيحًا يمتاز بالروعة التي تجعل الآذان تصغي، والعيون تلمح، والوجدان يستقبل، والعقل يستمع.
عبد الله الجعثين
* * *
تجد في سرده لحياة الصحابي أنه يسردها بأسلوب رائع سهل وترتيب دقيق للحوادث.
وهو لا يسرد الوقائع مجردة بل تجده يستشف الدروس والعبر التي لا بد من الاستفادة منها والاعتبار بها، مُذكِّرًا الشبان بهذه النماذج الحية التي دافعت عن الإسلام وبذلت في سبيله المُهَجَ والأرواح، مستحثًّا الهمم على ضرورة الاقتداء بها وتتبُّع آثارها …
стр. 563
والحقيقة التي لا غبار عليها أن أديبنا ﵀ قد خدم فتيان وفتيات المسلمين بتقديم صور من حياة صحابة رسول الله للاقتداء بهم واقتفاء آثارهم، وهو لم يَتَّبع الأسلوب التقليدي في النقل، إنما ابتكر أسلوبًا سهلًا مُيَسَّرًا، وحاول إعطاء الصورة الحقيقية عن كل صحابي وما كُتِب عنه في مجلدات التاريخ وكتب الحديث.
حمد العليان
* * *
الدكتور الباشا من الرجال الذين كانوا يعملون بإخلاص وصمت، ولا أظن أحدًا يَطَّلِعُ على "صور من حياة الصحابة" و "صور من حياة التابعين"، وهما سلسلتان أصدرهما الباشا وأضفى عليهما من روعة أسلوبه ما جعل سيرة السلف الصالح في متناول الشباب المسلم، أقول: لا أظن أحدًا يطلع على هاتين السلسلتين إلا ويشعر بالحب الكبير للباشا وبالتقدير لهذا العمل الذي قام به.
أحمد عبد الرحمن النمال
* * *
إِنَّ الَّذِي عَزَّى الفُؤَادَ شَهَادَةٌ … بِكَ مِنْ ذَوِي الأَخْلَاقِ وَالإِيمَانِ
فَاقَتْ بِصِدْقِ مَقَالِهَا وَجَمَالِهَا … دُرَرَ العُقُودِ عَلَى صُدُورِ حِسَانِ
فَهُمُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا بِقَصَائِد … غُرَرٍ كَعِطْرِ الوَرْدِ وَالرَّيْحَانِ
يَرْثُون هَذَا النَّجْمِ يَهْوِي مُسْرِعًا … وَيَغِيبُ بَيْنَ دَقَائِقِ وَثَوَانِ
إِنِّي لَأَضْرَعُ لِلْمُهَيْمِنِ دَاعِيًا … لَهُمُ بِحُسْنِ الأَجْرِ وَالغُفْرَانِ
جَاهَدْتَ فِي الْإِسْلَامِ حَقَّ جِهَادِهِ … فَانْعَمْ بِأَجْرِ الوَاحِدِ الدَّيَّانِ
قَدَّمَتَ لِلإِسْلَامِ خَيْرَ هَدِيَّة … كُتُبًا تُرَوِّي غُلَّةَ الظَّمْآنِ
صَوَّرْتَ بِالقَلَمِ البَدِيعِ صَحَابَة … صُوَرًا بَدَت فِي غَايَةِ الإِتْقَانِ
وَكَذَا حَيَاةَ التَّابِعِينَ كَأَنَّهَا … نُورٌ تَلَأْلَأْ مِنْ سَنَا القُرْآنِ
فَمَعَ الصَّحَابَةِ وَالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … وَالتَّابِعِين مُخَلَّدًا بِجِنَانِ
محمد عبد الرحمن الباشا
стр. 564
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ إنِّي أَحْبَبْتُ صَحَابَةَ نَبِيِّكَ محمدٍ ﷺ أَصْدَق الحُبِّ وأَعْمَقَه؛ فَهَبْنِي في يَوْمَ الفَرعِ الأَكْبَرِ لِأَيٍّ منهم؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمْ أَنِّي ما أَحْبَبْتُهُمْ إِلَّا فيك، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمين.
عبد الرحمن الباشا
стр. 565
الكتاب التاسع
أَبُو لُبَابَة
"أَمَا إِنَّهُ لَوْ أَتَانِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ … "
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؛ خَرَجَتْ قَوَافِلُ الْحُجَّاجِ مِنْ مُشْرِكِي يَثْرِبَ؛ مُيَمِّمَةً وَجْهَهَا شَطْرَ مَكَّةَ تُرِيدُ الْحَجَّ …
وَكَانَ فِي صُفُوفِ هَذِهِ الْقَوَافِلِ الْمُشْرِكَةِ سَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ قَدِ اعْتَنَقُوا الْإِسْلَامَ، وَأَقْبَلُوا عَلَى مَكَّةَ، وَهُمْ يُمَنُّونَ نُفُوسَهُمْ بِلِقَاءِ نَبِيِّهِمُ الْكَرِيمِ ﷺ ، وَصَاحِبِ دِينِهِمُ الْقَوِيمِ …
فَقَدْ آمَنَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ تَكْتَحِلَ أَعْيُنُهُمْ بِمَرْآهُ.
وَمَا إِنْ وَافَوْا (١) مَكَّةَ؛ حَتَّى وَاعَدُوا الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى اللِّقَاءِ سِرًّا فِي ثَانِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢) .
وَكَانَ مَوْضِعُ اللَّقَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى مِنْ مِنًى …
أَمَّا وَقْتُهُ؛ فَفِي الْهَزِيع (٣) الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَعْلَمَ قُرَيْشٌ.
فَاللَّيْلُ سَتَارٌ، وَالدُّنْيَا نَائِمَةٌ إِلَّا قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ.
* * *
وَهُنَاكَ سَعِدَ الْمُؤْمِنُونَ السَّابِقُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ بِلِقَاءِ نَبِيِّهِمْ ﷺ فِي نَجْوَةٍ (٤) مِنْ قُرَيْشٍ. الحواشي
(١) وَافُوا مَكَّة: أتوا مكة.(٢) أيَّام التَّشْرِيق: هي الأيام الثلاثة التي تَلِبي يوم النحر أي يوم عيد الأضحى.(٣) الْهَزِيع الأخير: الثلث الأخير.(٤) فِي نَجْوَة مِن قُرَيْش: بعيدًا عن نظرها وفي ستر منها.стр. 566
وَهُنَاكَ أَيْضًا بَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا:
بَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ السِّلَاحِ، وَرِثْنَاهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ …
ثُمَّ بَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَأَنْ يَرْحَلَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ.
وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُبَايِعِينَ؛ أَبُو لُبَابَةَ رِفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَنْفَضُ (١) هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُبَايِعُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ اخْتَارَ مِنْ زُعَمَائِهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ جَعَلَهُمْ نُقَبَاءَ عَلَيْهِمْ …
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ النُّقَبَاءِ أَبُو لُبَابَةَ.
* * *
عَادَ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى يَثْرِبَ مَعَ الطَّلِيعَةِ الْمُؤْمِنَةِ؛ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ؛ مُغْتَبِطِينَ (٢) بِالِاجْتِمَاعِ إِلَى نَبِيِّهِمْ ﷺ …
عَاقِدِينَ الْعَزْمَ عَلَى الْوَفَاءِ بِشُرُوطِ الْبَيْعَةِ.
فَأَخَذُوا يُعِدُّونَ الْعُدَّةَ لِتَلَقِّي أَفْوَاجِ الْمُهَاجِرِينَ، وَيَتَّخِذُونَ الْأُهْبَةَ لِاسْتِقْبَالِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ .
ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيَّهِ ﷺ بِالْهِجْرَةِ … فَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ صَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
فَمَا إِنْ وَافَى الرَّسُولُ ﷺ مَشَارِفَ يَثْرِبَ؛ حَتَّى زَحَفَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا لِاسْتِقْبَالِ نَزِيلَهَا الْعَظِيمِ، وَالتَّرْحِيبِ بِنَبِيِّهَا الْكَرِيمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ، الحواشي
(١) يَنْفَضّ: يتفرق.(٢) مُعْتَبِطين: سعداء مسرورون.стр. 567
وَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ فِي طَلِيعَةِ الْمُسْتَقْبِلِينَ الْمُرَحِّبِينَ.
وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ … وَأُرْسِيَتْ قَوَاعِدُ دَوْلَةِ الْإِسْلَام.
وَأَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالْجِهَادِ، وَعَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى لِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ.
فَلَمَّا فَصَلَ (١) جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَدِينَةِ؛ مُتَوَجِّهًا لِلقَاءِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّ اللَّهِ؛ كَانَ فِي الْجَيْشِ أَبُو لُبَابَةَ وَهُوَ يَتَشَوَّقُ إِلَى الْجِهَادِ وَيُمَنِّي النَّفْسَ بِالِاسْتِشْهَادِ.
وَلَكِنَّ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ رَدَّهُ مِنْ بَعْضِ الطَّرِيقِ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ.
فَأَذْعَنَ أَبُو لُبَابَةَ لِلْأَمْرِ …
وَعَادَ أَدْرَاجَهُ وَفِي النَّفْسِ غُصَّةٌ، وَفِي الْفُؤَادِ حَسْرَةٌ …
وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهَ ﷺ قَدْ أَمَرَ، وَأَمْرُ الرَّسُولِ ﷺ لَا يُرَدُّ.
* * *
شَعَرَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِمَا يَعْتَمِلُ (٢) فِي نَفْسِ أَبِي لُبَابَةَ مِنْ عَوَاطِفَ مُتَضَارِبَةٍ …
فَفِي خِلَافَةِ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ؛ شَرَفٌ مَا يُدَانِيهِ شَرَفٌ …
وَفِي الْحِرْمَانِ مِنْ ثَوَابِ الْجِهَادِ؛ خَسَارَةٌ مَا تَعْدِلُهَا خَسَارَةٌ …
فَطَيَّبَ الرَّسُولُ ﷺ خَاطِرَهُ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ، وَوَعَدَهُ الْأَجْرَ؛ فَكَانَ كَمَنْ شَهِدَ بَدْرًا.
* * * الحواشي
(١) فَصَلَ الجَيْش: خرج.(٢) يَعْتَمِل فِي نَفْسه: يضطرب في نفسه، والمراد: يفكر.стр. 568
ظَلَّ أَبُو لُبَابَةَ مُخْلِصًا لِرَبِّهِ، وَفِيًّا بِالْبَيْعَةِ الَّتِي بَايَعَهَا لِنَبِيِّهِ ﷺ ؛ حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ ..
حَيْثُ كَبَا (١) جَوَادُهُ كَبْوَةً مَا كَانَتْ تَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالِ …
وَزَلَّ زَلَّةٌ مَا كَانَ يَتَخَيَّلُ أَنَّهَا تَصْدُرُ عَنْهُ.
ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ تَوَجَّهَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُؤَدِّبَهُمْ جَزَاءَ نَكْثِهِمْ (٢) بِعَهْدِهِمْ …
وَخِيَانَتِهِمْ لَهُ، وَغَدْرِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ ....
فَأَطْبَقَ عَلَى حُصُونِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَحَاطَ بِهِمْ إِحَاطَةَ الْقَيْدِ بِالْعُنُقِ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ؛ بَعَثُوا إِلَى الرَّسُولِ ﵇ يُفَاوِضُونَهُ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ، وَيَشْتَرِطُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بَعْضَ الشُّرُوطِ …
فَأَبَى النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أَيَّ شَرْطٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ مَهمَا كَانَ …
وَكَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَى مُقَاتِلِيهِمْ مِنَ الرِّجَالِ بِالْقَتْلِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
فَبَعَثُوا إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يَقُولُونَ:
ابْعَثْ لَنَا أَبَا لُبَابَةَ نَسْتَشِيرُه.
وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِ أَبِي لُبَابَةَ مُحَالَفَةٌ (٣) فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَلَمَّا جَاءَهُمْ أَبُو لُبَابَةَ؛ الْتَفَّ حَوْلَهُ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ يَبْكُونَ وَيَنْتَحِبُونَ، الحواشي
(١) كَبَا: سقط على وجهه.(٢) نكْثِهِم بِعَهْدِهِم: نقضهم له، ورجوعهم عنه.(٣) المُحَالَفَة: التعاهد والتصاحب.стр. 569
وَقَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ يَسْأَلُونَهُ:
أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ يَا أَبَا لُبَابَةَ؟.
فَقَالَ: نَعَمْ … وَلَكِنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ لِيُعْلِمَهُمْ بِذَلِكَ؛ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذَّبْحِ.
قَالَ أَبُو لُبَابَةَ:
فَوَاللَّهِ! مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا … حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَأُسْقِطَ (١) فِي يَدِي؛ فَمَا أَدْرِي كَيْفَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ.
* * *
لَمْ يَأْتِ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَإِنَّمَا انْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى بَيْتِهِ …
فَاسْتَحْضَرَ سِلْسِلَةً مِنْ حَدِيدٍ، وَطَلَبَ أَنْ يُشَدَّ بِهَا إِلَى سَارِيَةٍ (٢) مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى قَدَمَيْهِ … ثُمَّ قَالَ:
وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ نَفْسِي، وَلَا أُصِيبُ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا؛ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ … أَوْ أَمُوتَ.
فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَالِهِ هَذِهِ، وَعَرَفَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ؛ قَالَ:
(أَمَا إِنَّهُ لَوْ أَتَانِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ فَعَلَ … فَلَسْتُ أُطْلِقُهُ حَتَّى يُطْلِقَهُ اللَّهُ).
* * *
ظَلَّ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى حَالِهِ هَذِهِ أَيَّامًا حَتَّى ضَعُفَ جِسْمُهُ، وَوَهَنَ عَظْمُهُ، الحواشي
(١) أُسْقِطَ في يَدِ فلان: تحير وندم.(٢) السَارِيَة: الأسطوانة، وسارية المسجد عمود ينصب فيه.стр. 570
وَخَارَتْ قُوَاهُ …
ثُمَّ تَلَتْهَا أَيَّامٌ أُخْرَى أُصِيبَ فِيهَا سَمْعُهُ؛ فَمَا عَادَ يَسْمَعُ؛ إِلَّا قَلِيلًا …
وَزَاغَ فِيهَا بَصَرُهُ؛ فَمَا عَادَ يُبْصِرُ؛ إِلَّا يَسِيرًا.
وَكَانَتْ لَهُ بُنَيَّةٌ تَأْتِيهِ بَاكِيَةً مُنْتَحِبَةً (١) ، فَتَحُلُّ وِثَاقَهُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ تُعِيدُهُ إِلَى سِلْسِلَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
* * *
قَضَى أَبُو لُبَابَةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا مَشْدُودًا إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ؛ حَتَّى جَاءَهُ الْفَرَجُ مِنَ السَّمَاءِ عِنْدَ سَحَرِ اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ …
وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ (٢) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا.
* * *
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ؛ فَقُلْتُ:
مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ؟.
قَالَ ﷺ : (تَابَ اللَّهُ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ).
قُلْتُ: أَفَلَا أَبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟.
قالَ ﷺ : (بَلَى؛ إِنْ شِئْتِ).
فَقَامَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: الحواشي
(١) النحيب: شدة البكاء.(٢) أُمِّ سَلَمَة: انظرها في كتاب صور من حياة الصحابيات للمؤلف؛ الناشر دار الأدب الإسلامي.стр. 571
يَا أَبَا لُبَابَةَ: أَبْشِرْ … فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
* * *
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:
فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ.
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ! حَتَّى يُطْلِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ..
فَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ ﵇ إِلَى الصَّلَاةِ؛ أَطْلَقَهُ بِنَفْسِهِ.
* * *
لَيْسَ فِي وُسْع أَحَدٍ أَنْ يُقَدِّرَ فَرْحَةَ أَبِي لُبَابَةَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَوْ أَن يَتَصَوَّرَ مَدَى بَهْجَتِهِ بِرِضَى نَبِيِّهِ ﷺ عَنْهُ …
فَقَدْ ظَلَّ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ يَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ:
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
وَكَانَ كُلَّمَا قَرَأَ ذَلِكَ …
فَاضَتْ عَيْنَاهُ فَرَحًا بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ (*). الحواشي
(١) سورة التوبة ١٠٢.
(*) للاستزادة من أخبار أبي لُبَابة انظر:
١ - سيرة ابن هشام: ٤/ ١٩٦ وانظر الفهارس.
٢ - البداية والنهاية: ٣/ ٢٦٠، ٤/ ١١٩ وبعدها.
٣ - الطبقات الكبرى: ٢/ ٧٤، ٣/ ٤٥٧.
٤ - الإصابة: ٤/ ١٦٨ أو "الترجمة" ٩٨١.
٥ - الاستيعاب بهامش الإصابة: ٤/ ١٦٨.
٦ - أسد الغابة: ٦/ ٢٦٥.
(*) يلاحظ أن في اسم أبي لبابة خلافًا، فمنهم من يدعونه رفاعة ومنهم من يدعونه بشيرًا، وهو بكنيته أشهر.стр. 572
عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ
"يَرْحَمَ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ؛ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِينَّهُ
لَتَنْزِينَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ؟!
هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ (١)
وَضَعَ هَذَا النَّشِيدُ الْمُلْتَهِبُ بِشَتَّى الْمَشَاعِرِ نِهَايَةً لِحَيَاةِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ اللهِ بْن رَوَاحَةَ …
وَخَتَمَ آخِرَ فَصْلِ مِنْ فُصُولِ سِيرَتِهِ؛ الْحَافِلَةِ بِالْبُطُولَاتِ ..
الْغَنِيَّةِ بِالْمَآثِرِ وَالْمَفَاخِرِ …
الْمُشْرِقَةِ بِنُورِ التُّقَى وَأَلقِ الْعِبَادَةِ …
* * *
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَوْمَ أَهَلَّ نُورُ النُّبُوَّةِ عَلَى مَكَّةَ؛ شَاعِرًا فَحْلًا (٢) مِنْ شُعَرَاءِ يَثْرِبَ …
وَسَيَّدًا مَرْمُوقًا مِنْ سَادَاتِ الْخَزْرَجِ.
فَمَا إِنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الْهُدَى وَالْحَقِّ؛ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ. الحواشي
(١) شَنَّة: قربة بالية من الجلد، والمراد: الرّحِم.(٢) شَاعِرًا فَحْلًا: مجيدًا بارعًا.стр. 573
فَوَضَعَ سِنَانَهُ (١) وَلِسَانَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ .
وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﵊.
وَلَقَدْ نَافَحَ (٢) عَنِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ بِشِعْرِهِ أَعْظَمَ الْمُنَافَحَةِ، وَأَقْوَاهَا …
وذَادَ (٣) عَنْ دَعْوَتِهِ بِبَيَانِهِ أَصْدَقَ الذَّوْدِ وَأَنْجَعَهُ (٤) .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَفِي صَاحِبَيْهِ: حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ (٥) ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكِ (٦) الاسْتِثْنَاءَ الْخَاصَّ بِمُؤْمِنِي الشُّعَرَاءِ وَأَخْيَارِهِمْ.
فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ … ﴾ (٧) .
ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - كُلَّا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن رَوَاحَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الحواشي
(١) السِّنَان: نصل الرمح.(٢) نَافح: دافع.(٣) ذَاد: دافع عن.(٤) أنجعه: أشده تأثيرًا.(٥) حَسَّانَ بْنِ ثَابت: انظر طرفًا من أخباره في كتاب "شعر الدعوة في العصر النبوي" للمؤلف؛ الناشر دار الأدب الإسلامي.(٦) كَعْبِ بْنِ مَالِك: انظره ص ٣٢١.(٧) سورة الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٦.стр. 574
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا … ﴾ (١) .
فَهَلْ هُنَاكَ أَكْرَمُ كَرَامَةً، وَأَعَزُّ عِزًّا مِنْ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ امْرِئٍ قُرْآنًا … ؟!.
وَأَنْ يُتْلَى نَعْتُهُ (٢) الَّذِي نَعَتَهُ اللَّهُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؟!.
وَأَنْ تَسْتَمِرَّ تِلَاوَتُهُ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؟!.
* * *
شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ؛ أَكْرِمْ بِهَا مِنْ بَيْعَةٍ.
وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﵊ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ أَمْرَهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ …
فَنِعْمَ الْمُؤَمِّرُ، وَنِعْمَ الْأَمِيرُ.
وَمُنْذُ أَسْلَمَ فَتَى الْخَزْرَج؛ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
فَقَضَى جَمِيعَ عُمُرِهِ عَابِدًا مُجَاهِدًا …
قَوَّامًا بِاللَّيْلِ؛ صَوَّامًا بِالنَّهَارِ …
* * *
أَخْبَرَ عَنْهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ (٣) ﵁، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ النَّبِيِّ ﵊ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ الشَّدِيد الْحَرِّ …
حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِي الْقَوْمِ صَائِمٌ الحواشي
(١) سورة الشعراء الآية ٢٢٧.(٢) نَعْتُه: وَصْفُه.(٣) أَبُو الدَّرْدَاء انظره في الكتاب الثالث "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.стр. 575
إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ …
وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ …
* * *
وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ رَوَاحَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بَدْرًا … وَأُحدًا … وَالْخَنْدَقَ … وَالْحُدَيْبِيَّةَ … وَخَيْبَرَ …
فَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ أَيَّامٍ … وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ مَوَاقِفَ.
* * *
وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ؛ بَعَثَ الرَّسُولُ ﵊ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِلقَاءِ الرُّومِ، وَاخْتِبَارِ أَمْرِهِمْ.
وَقَدْ أَمَّرَ عَلَى الْجَيْش مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (١) ، وَقَالَ:
(إِنْ قُتِلَ أَوْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَقَائِدُ الْجَيْشِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (٢) … فَإِنْ قُتِلَ أَوْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ؛ فَقَائِدُ الْجَيْشِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ … فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَوْ أُصِيبَ؛ فَلْيَخْتَرِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَجْعَلُونَهُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ).
* * *
وَلَمَّا هَمَّ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ بِمُغَادَرَةِ الْمَدِينَةِ؛ جَعَلَ النَّاسُ يُوَدِّعُونَ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةٌ، وَيَخُصُّونَ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ أَمْرَهُمُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى الْجَيْشِ.
فَلَمَّا وَدَّعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ؛ جَعَلَ يَبْكِي. الحواشي
(١) زَيْدَ بْنَ حَارِثَة انظره: في الكتاب الثالث "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.(٢) جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِب انظره: في الكتاب الرابع "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.стр. 576
فَقَالُوا: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟!.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يُبْكِينِي حُبُّ الدُّنْيَا …
وَلَكِنِّي سَمِعْتُ الرَّسُولَ ﵊ يَقْرَأُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ؛ حَيْثُ يَقُولُ :
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١) .
فَأَيْقَنْتُ بِالْوُرُودِ (٢) ، وَلَكِنِّي لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بَعْدَهُ بِالصَّدَرِ (٣) ؟!.
* * *
وَلَمَّا تَحَرَّكَ الْجَيْشُ؛ قَالَ الْمُسْلِمُونَ:
صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ.
فَمَا إِنْ سَمِعَ دُعَاءَهُمْ بِأَنْ يُرَدُّوا إِلَى أَهْلِيهِمْ؛ حَتَّى أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً … وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْعِ (٤) تَقْذِفُ الزَّبَدَا (٥)
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ (٦) مُجْهِزَةً (٧) … بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي (٨) : … أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ، وَقَدْ رَشَدَا
* * * الحواشي
(١) سورة مريم ٧١.(٢) الورود: المرور بالنار.(٣) الصَّدر: الرجوع.(٤) ضربة ذات فرع: ضربة شديدة.(٥) تقذف الزبدا: تقذف الدم قذفًا من شدتها.(٦) حرَّان: متعطش للدماء.(٧) مجهزة: قاضية مميتة.(٨) جَدَثِي: قَبْري.стр. 577
وَلَمَّا فَصَلَ الْجَيْشُ عَنِ الْمَدِينَةِ كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ يُرْدِفُ (١) وَرَاءَهُ فَتًى يَتِيمًا يَعِيشُ فِي حِجْرِهِ؛ هُوَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ …
فَسَمِعَهُ الْفَتَى يُخَاطِبُ نَاقَتَهُ قَائِلًا:
إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي … مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنَكِ؛ فَانْعَمِي، وَخَلَاكِ ذَمٌّ (٢) … وَلَا أَرْجِعْ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي
فَطَفِقَ الْفَتَى يَبْكِي لِقَوْلِهِ …
فَخَفَقَهُ (٣) ابْنُ رَوَاحَةَ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ:
مَا عَلَيْكَ - يَا لُكَعُ (٤) - أَنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ …
وَتَرْجِعَ أَنْتَ عَلَى رَحْلِي هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟!.
* * *
وَلَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ "مَعَانَ" فِي الْأُرْدُنِّ؛ عَرَفُوا أَنَّ مَلِكَ الرُّوم قَدْ نَزَلَ فِى مِنْطَقَةِ "الْبَلْقَاءِ" غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهُمْ.
وَمَعَهُ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلِ مِنَ الرُّومِ …
وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ قَبَائِلِ لَحْمٍ، وَجُذَامٍ، وَقُضَاعَةَ، وَغَيْرِهَا …
* * * الحواشي
(١) يردف وراءه: يركب خلفه.(٢) خَلَاكِ ذَمّ: أي لا لوم عليك.(٣) خَفَقَهُ بِالدِّرَّة: ضربه بها ضربًا خفيفًا، والدرة: أداة يضرب بها.(٤) يا لكع: يا أحمق.стр. 578
أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فِي "مَعَانَ" لَيْلَتَيْنِ.
وَطَفِقُوا يُوَازِنُونَ بَيْنَ عَدَدِهِمُ الْقَلِيلِ، وَعَدَدِ عَدُوِّهِمُ الْكَثِيرِ، وَقَالُوا:
نَكْتُبُ إِلَى الرَّسُولِ ﵊، وَنُوقِفُهُ (١) عَلَى الْأَمْرِ، ثُمَّ نَمْضِي إِلَى مَا يَأْمُرُنَا بِهِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
يَا قَوْمُ؛ إِنَّ الَّتِي تَطْلُبُونَ (٢) قَدْ أَدْرَكْتُمُوهَا …
وَنَحْنُ مَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ، وَلَا قُوَّةٍ …
وَإِنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ …
فَانْطَلِقُوا؛ فَهْيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ …
إِمَّا النَّصْرُ …
وَإِمَّا الشَّهَادَةُ …
فَاسْتَجَابَ الْجَيْشُ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَشَرَعَ يُعِدُّ الْعُدَّةَ لِلقَاءِ الْعَدُوِّ.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي؛ نَهَدَ (٣) الْآلَافُ الثَّلَاثَةُ لِلقَاءِ مِائَتَيْ أَلْفٍ …
وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ عِنْدَ قَرْيَةِ "مُؤْتَةَ".
* * *
كَانَ يَتَقَدَّمُ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُوَ حَامِلٌ لِوَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ؛ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ. الحواشي
(١) نُوقِفُهُ عَلَى الْأَمْرِ: نُعْلِمه به.(٢) يعني الشَّهادة.(٣) نَهَد: خرج وأسرع.стр. 579
وَرِمَاحُ الرُّومِ تَنْهَلُ (١) مِنْ صَدْرِهِ …
فَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ أَخُو عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَصِنْوُهُ (٢) فِي الشَّجَاعَةِ وَالْبَأْسِ.
وَخَاضَ الْمَعْرَكَةَ كَمَا لَمْ يَخُضْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ …
فَلَمَّا حَمِيَ الْوَطِيسُ (٣) ، وَاشْتَدَّتْ وَطْأَةُ الرُّومِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ … وَثَبَ عَنْ فَرَسِهِ …
وَعَفَرَ (٤) قَوَائِمَهَا بِسَيْفِهِ … وَأَوْغَلَ فِي صُفُوفِ الرُّومِ، وَهْوَ يُنْشِدُ:
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا
طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إِذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
ثُمَّ انْدَفَعَ يَجُولُ بِسَيْفِهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً؛ حَتَّى قُطِعَتْ يَمِينُهُ … فَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، وَمَضَى يُقَاتِلُ؛ حَتَّى قُطِعَتْ شِمَالُهُ … فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِصَدْرِهِ وَعَضُدَيْهِ (٥) ، ثُمَّ مَا زَالَ يُجَالِدُ حَتَّى قُتِلَ …
* * * الحواشي
(١) تنهل: تشرب.(٢) صنوه: مثيله.(٣) حمي الوطيس: اشتدت الحرب.(٤) عَقَرَ قَوَائِمَهَا: ضرب أرجلها بسيفه.(٥) العَضُد: ما بين المِرْفق والكتف.стр. 580
عِنْدَ ذَلِكَ؛ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَتَنَاوَلَ الرَّايَةَ بَعْدَ أَنْ رَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ عَنْ كَثَبٍ.
فَجَعَلَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ قَائِلًا:
يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي
هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ (١)
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ
إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَلَفَيْهِ الشَّهِيدَيْنِ وَهُمَا مُضَرْجَانِ بِدِمَائِهِمَا …
فَهَابَتْ نَفْسُهُ الْمَوْقِفَ بَعْضَ الْهَيْبَةِ …
وَتَرَدَّدَتْ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ....
فَأَهَابَ (٢) بِهَا قَائِلًا:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ
لَتَنْزِينَّ أَوْ لَتُكْرِهِنَّهْ
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ
هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ
ثُمَّ حَمَلَ الرَّايَةَ، وَنَزَلَ إِلَى سَاحِ الْوَغَى (٣) …
وَهُنَا جَاءَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَظْمٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَقَالَ لَهُ: الحواشي
(١) صليت: تعرضت.(٢) فَأَهَابَ بِهَا: صاح بها وحَمّسها.(٣) سَاح الْوغَى: ساحة الحرب.стр. 581
شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ؛ فَأَنْتَ لَمْ تَطْعَمْ شَيْئًا مُنْذُ ثَلَاثٍ …
فَأَخَذَ الْعَظْمَ مِنْ يَدِهِ، وَنَهَسَ (١) مِنْهُ نَهْسَةٌ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ.
غَيْرَ أَنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ رَأَى مَصَارِعَ الْمُسْلِمِينَ أَمَامَهُ؛ فَقَالَ:
بِئْسَ الرَّجُلُ أَنْتَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ.
يَقَعُ هَذَا كُلُّهُ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ.
ثُمَّ أَلْقَى الْعَظْمَ مِنْ يَدِهِ …
وَجَرَّدَ سَيْفَهُ …
وَأَوْغَلَ (٢) فِي صُفُوفِ الرُّومِ لَا يَلْوِي (٣) عَلَى شَيْءٍ …
ثُمَّ إِنَّهُ مَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى هَوَى شَهِيدًا.
* * *
رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَصَدَقَ رَسُولُهُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ …
فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ … (*). الحواشي
(١) النَّهْس: تناول اللحم أو غيره من غير تمكن.(٢) أوغل في صفوف الروم: دخل بعيدًا في صفوفهم.(٣) لَا يلوي عَلَى شَيْء: لا يقف عند شيء ولا ينتظر.
(*) للاستزَاذة من أخبار عَبْد اللَّهِ بْنِ رَوَاحَة انظر:
١ - حلية الأولياء: ١/ ١١٨.
٢ - أسد الغابة: ٣/ ٢٣٤.
٣ - السيرة لابن هشام "انظر الفهارس".
٤ - الإصابة: ٢/ ٣٠٦ أو "الترجمة" ٤٦٧٦.
٥ - الاستيعاب بهامش الإصابة: ٢/ ٢٩٣.стр. 582
جَرِيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ
"نِعْمَ السَّيِّدُ كُنْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ أَنْتَ فِي الْإِسْلَام"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
هَا نَحْنُ أُوْلَاءِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ قُبَيْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِقَلِيلٍ، وَالنَّاسُ قَدْ أَخَذُوا أَمَاكِنَهُمْ فِي رِحَابِهِ الطَّاهِرَةِ …
تَأَهُّبًا لِسَمَاع خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
وَهَا هُوَ ذَا النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ …
فَيَتَحَوَّلُ كُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى آذَانٍ صَاغِيَةٍ وَقُلُوبِ وَاعِيَةٍ، وَعُيُونٍ مَشْدُودَةٍ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ؛ لَا تَتَحَوَّلُ عَنْهُ وَلَا تَرِيمُ (١) …
وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنذِرُ وَيُبَشِّرُ، وَيَعِظُ وَيُذَكِّرُ، وَيُعَالِجُ شُؤُونَ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعَالِجُ.
* * *
وَفِيمَا هُمْ كَذَلِكَ …
أَقْبَلَ عَلَى الْمَسْجِدِ وَفْدٌ كَبِيرٌ مِنْ قَبِيلَةِ بَجِيلَةَ قَادِمًا مِنَ الْيَمَنِ لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَيُبَايِعَهُ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَه …
فَأَخَذَ رِجَالُ الْوَفْدِ أَمَاكِنَهُمْ بَيْنَ جُمُوع الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِمْ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ؛ سَيِّدُ بَجِيلَةَ وَزَعِيمُهَا الْمُطَاعُ.
فَإِذَا بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يَصْرِفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ؛ يَتَحَوَّلُونَ الحواشي
(١) لا تريم: لا تقصد غيره.стр. 583
بِعُيُونِهِمْ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ …
وَجَعَلُوا يُطِيلُونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ، وَيُحِدُّونَ (١) فِيهِ الْبَصَرَ.
حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ عَلَى مَوْعِدٍ، أَوْ كَأَنَّ نَاعِتًا نَعَتَهُ لَهُمْ …
فَأَرَادُوا أَنْ يَتَثبَّتُوا مِنْ شَخْصِهِ وَيَتَحَقَّقُوا مِنْ نَعْتِهِ.
فَمَا إِنِ انْتَهَتِ الصَّلَاةُ؛ حَتَّى مَالَ جَرِيرٌ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يَجْلِسُ بِجَانِبِهِ، وَقَالَ:
مَا بَالُ النَّاسِ يَصْرِفُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَيَّ وَيُحَدِّقُونَ فِيَّ؛ حَتَّى لَكَأَنَّ لَهُمْ عِنْدِي حَاجَةٌ؟! …
أَهِيَ مُجَرَّدُ صُدْفَةٍ أَمْ أَنَّ فِي الْأَمْرِ شَيْئًا؟!.
فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَيْكَ بِأَبْصَارِهِمْ؛ إِلَّا لِأَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَنَا قَبْلَ قَلِيلٍ بِقُدُومِكَ عَلَى رَأْسِ وَفْدٍ مِنْ قَوْمِكَ، وَذَكَرَ لَنَا نَعْتَكَ وَقَالَ:
(يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ الْيَمَنِ … عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ (٢) مَلِكٍ).
فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ (٣) جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ لِمَا سَمِعَ، وَأَشْرَقَ وَجْهُهُ بِالْفَرْحَةِ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ بِمَا خَلَعَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ نَعْتٍ عَلَيْهِ.
* * *
وَمَا إِنْ فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَدُعَائِهِ؛ حَتَّى مَثُلَ جَرِيرٌ بَيْنَ الحواشي
(١) يُجِدُّونَ فِيهِ الْبَصر: يدققون النظر إليه.(٢) مسحة ملك: أثر ظاهر منه.(٣) انبسطت أسارير جرير: ظهر البشر والسرور على وجهه.стр. 584
يَدَيْهِ … فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(مَا جَاءَ بِكَ يَا جَرِيرُ؟!).
فَقَالَ: جِئْتُ لِأُسْلِمَ عَلَى يَدَيْكَ أَنَا وَقَوْمِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِنُبَايِعَكَ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :
(إِنَّمَا أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ … وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ … وَتَنْصَحَ الْمُسْلِمَ، وَتُطِيعَ الْوَالِيَ؛ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا).
قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبَسَطَ يَمِينَهُ إِلَيْهِ وَبَايَعَهُ.
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم؛ تَوَثَّقَتْ (١) عُرَى الْمَوَدَّةِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبِهِ جَرِيرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَنَالَ مِنْ إِكْرَامِ الرَّسُول ﷺ وَإِعْزَازِهِ مَا لَمْ يَحْظَ بِهِ إِلَّا الْقَلِيلُ النَّادِرُ مِنْ أَصْحَابِهِ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ …
فَمَا حَجَبَهُ الرَّسُولُ ﷺ يَوْمًا عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَمَا لَقِيَهُ مَرَّةً إِلَّا هَشَّ لَهُ وَبَشَّ، وَتَبَسَّمَ فِي وَجْهِهِ.
وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ مَرَّةٍ فِي بَيْتِهِ؛ فَرَحَّبَ بِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُجْلِسُهُ عَلَيْهِ …
تَنَاوَلَ رِدَاءَهُ وَطَوَاهُ وَطَرَحَهُ لَهُ؛ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ …
فَأَخَذَ جَرِيرٌ الرِّدَاءَ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَطَفِقَ (٢) يُقَبِّلُهُ وَهُوَ يَقُول:
أَكْرَمَكَ اللَّهُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - كَمَا أَكْرَمْتَنِي وَأَعَزَّكَ اللَّهُ كَمَا أَعْزَزْتَنِي. الحواشي
(١) توثقت العرى: قويت واشتدت.(٢) طفق: جَعل.стр. 585
فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَنْ مَعَهُ، وَقَالَ:
(إِنْ أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ؛ فَأَكْرِمُوهُ).
* * *
وَمَا إِنْ أَسْلَمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَانْضَمَّ إِلَى كَتَائِبِ الْإِيمَانِ؛ حَتَّى أَصْبَحَ مَوْضِعَ ثِقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَثِقَةِ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ؛ فَأَنَاطُوا (١) بِهِ جَلِيلَ الْأُمُورِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ فِي عَظِيمِ الْمُهِمَّاتِ.
فَقُبَيْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ دَعَا إِلَيْهِ جَرِيرًا، وَقَالَ:
هَلْ أَنْتَ مُرَيِّحِي مِنْ "ذِي الْخَلَصَةِ" يَا جَرِيرُ؟.
قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَذُو الْخَلَصَةِ هَذَا الَّذِي أَرَادَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ أَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الْحَيَاةَ: مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْأَصْنَام فِي مَدِينَةِ تَبَالَةَ عَلَى مَسِيرَةِ سَبْعِ لِيَالٍ مِنْ مَكَّةَ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ؛ طُلِيَتْ بِالْبَيَاضِ، وَنُقِشَتْ عَلَيْهَا نُقُوشٌ كَهَيْئَةِ التِّيجَانِ.
وَكَانَ يَقُومُ عَلَى سَدَانَةِ (٢) ذِي الْخَلَصَةِ بَنُو أُمَامَةَ …
وَكَانَتْ تُعَظِّمُهَا قَبَائِلُ خَثْعَمٍ، وَبَجِيلَةَ، وَالْأَزْدِ، وَتَحُجُّ إِلَيْهَا وَتَطُوفُ بِهَا، وَتَذْبَحُ عِنْدَهَا …
حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهَا "الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ".
* * *
وَقَدِ اخْتَارَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ جَرِيرًا لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ؛ لِسِيَادَتِهِ فِي الحواشي
(١) أناطوا به: أسندوا إليه.(٢) سدانة: خدمة.стр. 586
بَجِيلَةَ، وَمَكَانَتِهِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ الْيَمَنِيَّةِ.
فَصَدَعَ (١) جَرِيرٌ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتَارَ لِهَذِهِ الْغَزْوَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنَ الشُّجعَانِ الْكُمَاةِ (٢) .
وَلَمَّا هَمَّ بِالرَّحِيلِ؛ أَقْبَلَ يُوَدِّعُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَشَكَا لَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ لِطُولِ قَامَتِهِ وَعِظَمِ هَامَتِهِ …
فَضَرَبَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ:
(اللهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا).
فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَثْبَتِ الْفُرْسَانِ عَلَى مُتُونِ (٣) الْجِيَادِ الصَّافِنَاتِ.
* * *
مَضَى جَرِيرٌ بِرِجَالِهِ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ …
فَقَتَل سَدَنَتَهُ وَحَطَّمَ هَيَاكِلَهُ، وَأَوْقَدَ النِّيرَانَ فِي أَصْنَامِهِ …
ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَشِيرًا يُبَشِّرُهُ بِالْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ الطَّاغُوتِ (٤) الَّذِي غَمَّهُ وَأَهَمَّهُ، وَالَّذِي أَصْبَحَ مَكَانُهُ فِيمَا بَعْدُ؛ عَتَبَةٌ لِمَسْجِدِ تَبَالَةَ الْكَبِيرِ.
* * *
لَمْ يَعُدْ جَرِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ هَدْم ذِي الْخَلَصَةِ؛ وَإِنَّمَا وَاصَلَ سَيْرَهُ إِلَى الْيَمَنِ … لِيَدْعُوَ مُلُوكَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَوَفَدَ عَلَى ذِي الْكُلَاعِ الْأَصْفَرِ أَعْظَم مُلُوكِ الْيَمَنِ إِذْ ذَاكَ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ أَمَامَهُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَبَشَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ … الحواشي
(١) صدع بالأمر: جهر بالأمر وأنفذه(٢) الكماة: الأبطال.(٣) متون الجياد: ظهور الخيل.(٤) الطاغوت: رأس الضلال أو المعبود منه دون الله.стр. 587
فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ الْمَلِكِ لِلْإِيمَانِ، وَمَا لَبِثَ أَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.
وَلَقَدِ ابْتَهَجَ ذُو الْكُلَاعِ بِمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ الشِّرْكِ ابْتِهَاجًا عَظِيمًا؛ فَأَعْتَقَ يَوْمٍ أَسْلَمَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ عَبْدٍ …
ثُمَّ هَاجَرَ بِقَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَوَجَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَارَقَ الْحَيَاةَ.
فَمَضَى مَعَ قَوْمِهِ إِلَى حِمْصَ وَاتَّخَذُوهَا مُقَامًا لَهُمْ وَوَطَنًا.
* * *
وَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ ﵁؛ وَضَعَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَفْسَهُ وَسَيْفَهُ وَقَوْمَهُ فِي طَاعَتِهِ.
فَجَرَّدَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَةِ الرِّدَّةِ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ.
فَقَامَ جَرِيرٌ بِالْأَمْرِ خَيْرَ قِيَامٍ، وَطَفِقَ يُقَاتِلُ الْمُرْتَدِّينَ؛ حَتَّى خَضَدَ (١) شَوْكَتَهُمْ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى حَظِيرَةِ الْإِسْلَامِ.
* * *
وَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُمَرَ ﵁؛ كَان لَهُ جَرِيرٌ نِعْمَ الْجَلِيسُ وَالْمُشِيرُ وَالْقَائِدُ.
وَكَانَ عُمَرُ يَأْنَسُ بِهِ أَشَدَّ الْأُنْسِ، وَيَعْجَبُ لِذِكَائِهِ الْحَادِّ، وَبَدِيهَتِهِ الْمُطَاوِعَةِ فِي الْمَوَاقِفِ الْحَرِجَةِ.
* * *
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَفَرٍ مِنَ الحواشي
(١) خضد شوكتهم: كَسَر قوتهم وأضعفهم.стр. 588
الْمُسْلِمِينَ، يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ …
فَخَرَجَتْ مِنْ أَحَدِ الْقَوْمِ رِيحٌ؛ فَسَكَتَ النَّاسُ وَسَكَنُوا …
كُلٌّ يَخْشَى أَنْ يُظَنَّ أَنَّهَا مِنْهُ.
وَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَحْمِلَ الْخَجَلُ صَاحِبَ الرِّيحِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ؛ فَقَالَ:
عَزَمْتُ (١) عَلَى صَاحِبِ الرِّيحِ أَنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأَ.
فَجَعَلَ النَّاسُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ فَبَادَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: مُرْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَتَوَضَّأَ جَمِيعًا.
فَسُرِّيَ (٢) عَنْ عُمَرَ وَقَالَ: نَعَمْ تَوَضُّؤُا جَمِيعًا …
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى جَرِيرٍ وَقَالَ:
رَحِمَكَ اللهُ؛ نِعْمَ السَّيِّدُ كُنْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ …
وَنِعْمَ السَّيِّدُ أَنْتَ فِي الْإِسْلَام.
ثُمَّ تَوَضَّأَ الْقَوْمُ جَمِيعًا (*). الحواشي
(١) عَزَمْت: أقسمت.(٢) سُرِّيَ عَنْه: زال عنه الهم وانشرح صدره.
(*) للاستزادة من أخبار جَرير بْن عَبْد الله الْبَجَلِيّ انظر:
١ - الإصابة: ١/ ٢٣٢ أو "الترجمة" ١١٣٦.
٢ - الاستيعاب بهامش الإصابة: ١/ ٢٣٢.
٣ - أسد الغابة: ١/ ٣٣٣.
٤ - صفة الصفوة: ١/ ٧٤٠.
٥ - تاريخ ابن خياط: ١١١ وما بعدها.
٦ - تهذيب التهذيب: ٢/ ٧٣.
٧ - المعارف: ١٢٧.
٨ - حياة الصحابة: ١/ ١٧٨، ٣٥٣، ٣٥٥، ٦٠١، ٢/ ٥١٧، ٧٣٢، ٧٥٨، ٣/ ١٧٧.
٩ - البداية والنهاية: ٤/ ٣٧٥، ٥/ ٧٧، ٨/ ٥٥.
١٠ - كنز العمال: ٧/ ١٩.
١١ - فتح الباري: ٨/ ٧٠.стр. 589
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ
كَاتِبُ وَحْيِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَحَدُ عَبَاقِرَةِ الْمُسْلِمِينَ "كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ يَرْوِي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيَسْأَلُهُ عَن النَّوَازِلِ، وَيَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَاتِ"
[ابْنُ حَجَرٍ]
مَنْ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمَلَإِ (١) الْأَعْلَى لِلرَّسُولِ ﵊
بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ؟!.
مَنْ هَذَا الَّذِي أُمِرَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ؟! …
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ.
مَنْ هَذَا الَّذِي كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدْعُوهُ بِسَيِّدِ المُسْلِمِينَ؛ فَلَا يُنَازِعُهُ فِي هَذَا الشَّرَفِ أَحَدٌ؟!.
إِنَّهُ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ أُبَيَّ بْنُ كَعْبِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ؛ كَاتِبُ وَحْيِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَأَحَدُ عَبَاقِرَةِ الْمُسْلِمِينَ … وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِهِمُ الْمُبرِّزِينَ …
* * *
أَسْلَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حِينَ وَفَدَ (٢) عَلَى يَثْرِبَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ (٣) أَوَّلُ مُبَشِّرٍ بِالْإِسْلَامِ، لَكِنَّ أُبَيًّا لَمْ يَكُنْ بِحَاجَةٍ إِلَى دَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَى دِينِ اللهِ … الحواشي
(١) الملأ الأعْلَى: عالم الأرواح المجردة.(٢) وَفَدَ عَلَى يَثْرِب: قدم وورد.(٣) مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر: انظره ص ٣٨٩.стр. 590
أَوْ مُبَشِّرِ يُبَشِّرُهُ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ …
ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ النَّادِرِينَ الَّذِينَ حَذَقُوا (١) الْكِتَابَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَشْبَعُوا الْكُتُبَ (٢) الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَحْثًا وَدَرْسًا؛ فَعَرَفَ النَّبِيَّ ﵊ قَبْلَ أَنْ يُنَبَّأَ …
عَرَفَهُ بِاسْمِهِ الْمُحَدَّدِ …
وَصِفَاتِهِ الْمُمَيِّزَةِ الدَّقِيقَةِ …
وَعَلَامَاتِهِ الْفَارقَةِ الْوَاضِحَةِ …
فَكَانَ أَشَدَّ مَعْرِفَةً لَهُ مِنْ أَحَدِ الْمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ …
* * *
وَلَمَّا خَرَجَ النَّفَرُ (٣) السَّبْعُونَ السَّابِقُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ يَثْرِبَ إِلَى مَكَّةَ لِيُبَايِعُوا الرَّسُولَ ﵊ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ؛ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي طَلِيعَةِ الْمُبَابِعِينَ.
* * *
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ حِينَ قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ؛ اتَّخَذَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَاتِبًا لَهُ.
فَصَدَرَتْ عُهُودُ النَّبِيِّ الكَرِيم ﷺ وَعُقُودُهُ (٤) ، وَأُعْطِيَاتُهُ (٥) وَكُتُبُهُ؛ مُذَيَّلَةً بِاسْمِ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ. الحواشي
(١) حذقوا: مهروا.(٢) الكتب المقدسة: الكتب الَّتي نزلت من السماء عَلَى الرّسل فِيها الزّبور والإنجيل والتوراة.(٣) النفر السّبعون: الجماعة الَّذِين بايعوا الرَّسُول ﵇ فِي الْبيعة الثّانية "بيعة العقبة".(٤) عقوده: مفرده عقد، وهو إحكام الْبيع أو اليمين أو العهد.(٥) أعطياته: ما يعطى من مال أو نحوه.стр. 591
حَيْثُ كَانَ يَكْتُبُ فِي ذَيْلِ كُلِّ كِتَابٍ:
"شَهِدَ عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَكَتَبَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ".
ثُمَّ دَرَجَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُوَقِّعُوا مَا يَكْتُبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: "وَكَتَبَهُ فُلَانٌ" …
وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَأْسِّيًا (١) بِأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ ﵊، قَلَّدَ أُبيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَفًا يَتَضَاءَلُ (٢) عِنْدَهُ كُلُّ شَرَفٍ، وَأَوْلَاهُ ثِقَةً تَتَصَاغَرُ أَمَامَها كُلُّ ثِقَةٍ …
وَذَلِكَ حِينَ ائْتَمَنَهُ عَلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيم؛ حَيْثُ جَعَلَهُ أَحَدَ كُتَّابِ الْوَحْيِ …
فَأُتِيحَ لَهُ أَنْ يَتَلَقَّى الْكِتَابَ الْعَزِيزِ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ فَمِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
وَقَدْ تَذَوَّقَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ حَلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ مَا لَمْ يَتَذَوَّقْهُ إِلَّا النَّفَرُ الْقَلِيلُ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ الْأَعْظَم ﷺ .
فَقَدْ رَأَى فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ رَوْعَةِ الْبَيَانِ، وَقُوَّةِ الْإِعْجَازِ، وَسُمُوِّ التَّوْجِيهِ، وَغَزَارَةِ الْمَعَانِي مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي دَأَبَ (٣) عَلَى قِرَاءَتِهَا مِنْ قَبْلُ. الحواشي
(١) تأسيًا: اقتداء.(٢) يتضاءل: يصغر ويضعف.(٣) دأب: جد وتعب.стр. 592
لِذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَى كِتَابِ اللهِ بِقَلْبِهِ وَلُبِّهِ (١) …
وَانْقَطَعَ لَهُ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ …
حَتَّى أَصْبَحَ شُغْلَهُ الشَّاغِلَ … وَعَمَلَهُ الْمُتَوَاصِلَ … وَرَاحَةَ نَفْسِهِ … وَمُتْعَةَ فُؤَادِهِ.
فَكَانَ يَكْتُبُهُ وَحْيًا؛ حِيْنَ يَنْزِلُ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٢) عَلَى فُؤَادِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ …
وَكَانَ يَتْلُوهُ خَالِيًا (٣) ؛ فَلَا يَقْطَعُهُ عَنْهُ إِلَّا شُغْلٌ شَاغِلٌ لَا مَنْدُوحَةَ (٤) عَنْهُ، أَوْ نَوْمٌ غَيْرُ مُتَوَاصِلٍ لَا بُدَّ مِنْهُ …
وَكَانَ يَتَدَبَّرُهُ مُتَعَلِّمًا وَمُتَفَقِّهًا … وَيَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِهِ مُعَلِّمًا، وَمُفَقِّهًا …
حَتَّى غَدَا مِنْ أَوْثَقِ (٥) حَمَلَةِ الْقُرْآنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ:
أَرْحَمُ الْمُسْلِمِينَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ …
وَأَقْوَاهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ …
وَأَقْضَاهُمْ بَيْنَ الْمُتَقَاضِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ …
وَأَعْرَفُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (٦) … الحواشي
(١) اللّب: العقل الصافي.(٢) الروح الأمين: هو جبريل ﵇.(٣) خالِيًا: ليس معه أحد.(٤) لَا مَنْدُوحَةَ: لا بُدَّ ولا مَفَرَّ.(٥) أوثق: خير من ائتمن عليه.(٦) مُعَاذُ بْنُ جَبَل: انظره في الكتاب السابع من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.стр. 593
وَأَعَلَمُهُمْ بِالْفَرَائِضِ (١) زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٢) …
وَأَصَدَقُهُمْ لَهْجَةً (٣) أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ (٤) …
وَآمَنُهُمْ (٥) عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (٦) …
وَأَقْرَأُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ …
* * *
وَقَدْ خَطَبَ الْفَارُوقُ ذَاتَ يَوْمِ بِالْجَابِيَةِ (٧) فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ …
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ؛ فَلْيَأْتِ أُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ؛ فَلْيَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَن الْفِقْهِ؛ فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْمَالِ؛ فَلْيَأْتِني … فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَلَيْهِ وَالِيًا … وَلَهُ قَاسِمًا …
* * *
وَقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِمَكْرُمَةٍ؛ هَزَّتْ فُؤَادَهُ شُكْرًا لِلَّهِ وَحَمْدًا لَهُ … الحواشي
(١) الفرائض: السنن والواجبات أو الأحكام التي أوجبها على عباده.(٢) زَيْدُ بْنُ ثَابت: انظره في الكتاب الخامس من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.(٣) اللهجة: اللسان أي لغة الإنسان الَّتِي جبل عليها واعتادها.(٤) أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ: انظره في الكتاب الثاني من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.(٥) آمنهم: أصدقهم وأوثقهم.(٦) أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح: انظره في الكتاب الثاني من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.(٧) الجابية: قرية غربي دمشق اجتمع فيها عمر بن الخطاب ﵁ مع الصحابة للتداول في شئون الفتح، وخطب فيها خطبته المشهورة؛ فسمي ذلك اليوم بيوم الجابية.стр. 594
وَأَسَالَتْ عَبَرَاتِهِ فَرْحَةً بمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، وَابْتِهَاجًا بِمَا أَغْدَقه عَلَيْهِ وَخَصَّهُ بِهِ مِنْ دُونِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ؛ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَالَ:
(إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يَا أُبَيُّ).
فَاسْتَشْرَفَ (١) لَهُ أُبَيٌّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقُ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ … وَقَالَ:
آالله سَمَّانِي لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! …
أَوَ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!!.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊:
(نَعَمْ … إِنَّ اللَّهَ سَمَّاكَ لِي؛ يَا أُبَيُّ) … فَاسْتَطَارَ (٢) أُبِيٌّ فَرَحًا … وَجَعَلَتْ عَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنَ الدَّمْعِ … وَطَفِقَ لِسَانُهُ يَتَلَجْلَجُ (٣) بِحَمْدِ اللهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
* * *
وفي ذَاتِ مَرَّةٍ أَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَخْتَبِرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ؛ فَسَأَلَهُ قَائِلًا:
(أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ يَا أُبَيُّ؟).
فَقَالَ: أَعْظَمُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٤) . الحواشي
(١) استشرف: رفع بصره ينظر إليه باسطا كفه كالمستظل من الشمس.(٢) استطار: خف وأسرع.(٣) يَتَلَجْلَج: يتردد في الكلام.(٤) سورة البقرة آية ٢٥٤.стр. 595
فَسُرَّ الرَّسُولُ الكَرِيمُ الله بِإِجَابَتِهِ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ لَهُ:
(لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ … لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ) …
* * *
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ مَكَانَةٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ السَّتَّةِ الَّذِينَ يُفْتُونَ، وَالرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ حَيٌّ قَائِمٌ بَيْنَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ.
فَلَقَدْ كَانَ يُفْتِي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ هُمْ:
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ … وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (١) … وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ …
وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ هُمْ:
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ … وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ … وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ....
* * *
وَكَمَا كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ نَجْمًا مُتَأَلِّقًا فِي أُفُقِ الْعِلْمِ؛ فَقَدْ كَانَ عَلَمًا سَبَّاقًا في حَلَبَة (٢) التُّقَى وَالصَّلَاحِ، وَنِبْرَاسًا فَذًّا فِي مَجَالَاتِ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ. الحواشي
(١) عُثْمَانُ بن عفان: انظره في الكتاب الثامن من "صور من حياة الصحابة" للمؤلف.(٢) الحلبة: هي مجال للسباق.стр. 596
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِلرَّسُولِ ﵊: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؛ هَلْ لَنَا بِهَا شَيْءٌ؟.
فَقَالَ ﵊: (إِنَّهَا كَفَّارَاتُ ذُنُوبِكُمْ).
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أُبَيُّ بْن كَعْبٍ، وَقَالَ:
وَإنْ قَلَّتْ يَا رَسُولَ اللهِ؟.
فَقَالَ ﵊: (وَإِنْ كَانَتْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا) .... فَدَعَا أُبِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا تُفَارِقَهُ الْحُمَّى حَتَّى يَمُوتَ …
وَأَلَّا يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ … وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ.
فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا وَجَدَ فِيهِ حَرَّ الْحُمَّى حَتَّى مَاتَ.
* * *
وَقَدْ نَذَرَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ نَفْسَهُ بَعْدَ الْتِحَاقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (١) لإِقْرَاءِ النَّاسِ كِتَابَ اللَّهِ، وَتَفْقِيهِهِمْ بِدِينِ اللَّهِ، وَتَعْلِيمِهِمْ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ … وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ … فَكَثْرَ إِقْبَالُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَازْدِحَامُهُمْ حَوْلَهُ …
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ؛ فَقَالَ: الحواشي
(١) الرفيق الأعْلَى: الله .стр. 597
أَوْصِنِي يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ.
فَقَالَ: اِتَّخِذْ كِتَابَ اللَّهِ إِمَامًا …
وَارْضَ بِمَا جَاءَ فِيهِ قَاضِيًا وَحَكَمًا (١) ؛ فَإِنَّهُ الْخَلَفُ (٢) الَّذِي اسْتَخَلَفَهُ فِيكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ …
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ شَفِيعٌ لَكُمْ مُطَاعٌ (٣) …
وَشَاهِدٌ عَلَيْكُمْ لَا يُتَّهَمُ (٤) …
وَأَنَّ فِيهِ ذِكْرَكُمْ، وَذِكْرَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَحُكْمَ مَا بَيْنَكُمْ …
وَفِيهِ خَبَرُكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ.
* * *
وَجَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ؛ فَقَالَ لَهُ: عِظْنِي يَا أَبَا الْمُنْذِرِ.
فَقَالَ:
لَا تَدْخُلَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ …
وَلَا تَغْبِطَنَّ (٥) حَيًّا بِشَيْءٍ إِلَّا مَا تَغْبِطُهُ بِهِ مَيْتًا …
وَلَا تَطْلُبْ حَاجَةً مِمَّنْ لَا يُبَالِي (٦) أَلَّا يَقْضِيَهَا لَكَ …
* * *
وَقَدْ أَمَّ الْمَسْجِدَ رَجُلٌ مَحْزُونُ الْقَلْبِ عَلَى رِزْقٍ أُخِذَ مِنْهُ؛ فَحَيَّاهُ أُبَيُّ بْنُ الحواشي
(١) حَكَمًا: قاضيًا وفاصلًا.(٢) الخلف: من يستخلفه الرجل ليحل محله ويقوم مقامه من بعده.(٣) مُطَاعٌ: ينقاد له الناس ويسمعون له.(٤) لَا يُتَّهَم: لا يُشك فيه.(٥) تَغْبِطنّ: يعظم بعينك وتتمنى مثل حاله دون أن تريد زوالها عنه.(٦) لا يبالي: لا يهتم بالأمر.стр. 598
كَعْبٍ وَطَيَّبَ نَفْسَهُ، وَقَالَ لَهُ:
مَا مِنْ عَبْدٍ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ ؛ إِلَّا عَوَّضَهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ … وَمَا مِنْ عَبْدٍ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهُ؛ إِلَّا سَلَبَهُ اللهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ …
* * *
وَقَدْ ظَلَّ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَوْئِلًا (١) لِطُلَّابِ الْعِلْمِ حَتَّى عُمِّرَ وَشَاخَ، وَظَلَّ النَّاسُ يَقْصِدُونَهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى وَافَاهُ (٢) الْأَجَلُ.
حَدَّثَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُجَلِيُّ قَالَ:
أَتَيْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ أَبْتَغِي الْعِلْمَ؛ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِذَا النَّاسُ فِيهِ حِلَقٌ حِلَقٌ يَلْتَفُّونَ حَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ …
فَجَعَلْتُ أَمْضِي مِنْ حَلْقَةٍ إِلَى أُخْرَى؛ حَتَّى أَتَيْتُ حَلْقَةً فِيهَا رَجُلٌ شَاحِبُ (٣) اللَّوْنِ مَهْزُولُ الْجِسْم؛ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ كَأَنَّمَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ …
فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ … فَتَحَدَّثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ، ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ الانْصِرَافَ إِلَى بَيْتِهِ؛ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: مَنْ هَذَا؟.
فَقَالَ: وَيْحَك!! أَلَا تَعْرِفُهُ؟! … هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ … هَذَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ.
قَالَ جُنْدُبٌ: الحواشي
(١) موئلًا: ملجأً.(٢) وافاه الأجل: توفي.(٣) شاحب: متغير لونه مصفر.стр. 599
فَتَبِعْتُهُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ؛ فَإِذَا هُوَ كَمَنَازِلِ الْفُقَرَاءِ …
وَإِذَا هُوَ يَعِيشُ فِيهِ عِيشَةَ رَجُلٍ زَاهِدٍ مُنْقَطِعٍ (١) .
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فَرَدَّ السَّلَامَ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟.
فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ …
فَقَالَ: لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ الْيَوْمَ.
فَأَغْضَبَنِي قَوْلُهُ وَجَثَوْتُ (٢) عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَاسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعْتُ يَدَيَّ، وَقُلْتُ:
اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُوهُمْ إِلَيْكَ …
فَنَحْنُ نُنْفِقُ نَفَقَاتِنَا، ونُنْصِبُ (٣) أَبْدَانَنَا، وَنُضْنِي مَطَايَانَا ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ؛ فَإِذَا لَقِينَاهُمْ تَجَهَّمُوا (٤) لَنَا …
فَمَا إِنْ سَمِعَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَلَامِي؛ حَتَّى انْدَفَعَ يَبْكِي …
ثُمَّ طَفِقَ يَتَرَضَّانِي وَيَقُولُ:
وَيْحَكَ! … إِنِّي لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ، وَلَمْ أَذْهَبْ (٥) إِلَى مَا بَدَا لَكَ …
ثُمَّ قَالَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى إِنْ أَبْقَيْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لَأَتَكَلَّمَنَّ بِمَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلَا أَخْشَى فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. الحواشي
(١) منقطع: منصرف للعبادة.(٢) جَثَوْت: جلست عَلَى ركبتي.(٣) ننصب أبداننا: أي نتعبها.(٤) تجهموا لنا: استقبلونا بوجه عبوس.(٥) لم أذهب إلى ما بدا لك: لم أقصد ما فهمته.стр. 600
فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ، وَجَعَلْتُ أَنْتَظِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ …
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ؛ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي … فَإِذَا السِّكَكُ (١) غَاصَّةٌ (٢) بِالنَّاس؛ فَلَا أَجِدُ سِكَّةً إِلَّا أَلْقَى فِيهَا جُمُوعًا مُتَرَاصَّةً …
فَاسْتَوْقَفْتُ بَعْضَهُمْ وَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟!.
فَقَالُوا: إِنَّا نَحْسَبُكَ غَرِيبًا …
فَقُلْتُ: نَعَمْ إِنِّي غَرِيبٌ.
فَقَالُوا: مَاتَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ … مَاتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الْأَنْصَارِيُّ …
* * *
نَضَّرَ اللَّهُ ضَرِيحَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حَامِلِ كِتَابِ اللَّهِ … وَكَاتِبِ وَحْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ (*). الحواشي
(١) السكك: واحدتها سكة وهي الزقاق.(٢) غَاصَّة بِالنَّاسِ: أي ممتلئة بهم.
(*) للاستزادة من أخبار أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ الأَنْصَارِيِّ انظر:
١ - حلية الأولياء: ١/ ٥٠.
٢ - أسد الغابة: ١/ ٦١.
٣ - تهذيب التهذيب: ١/ ١٨٧.
٤ - الإصابة: ١/ ١٩ أو "الترجمة" ٣٢.
٥ - الاستيعاب بهامش الإصابة: ١/ ٤٧.
٦ - سير أعلام النبلاء: ١/ ٣٨٩.
٧ - الطبقات الكبرى: ٣/ ٤٩٨.следующие страницы →