Полный текст (979 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِلرَّسُولِ ﵊: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؛ هَلْ لَنَا بِهَا شَيْءٌ؟.
فَقَالَ ﵊: (إِنَّهَا كَفَّارَاتُ ذُنُوبِكُمْ).
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أُبَيُّ بْن كَعْبٍ، وَقَالَ:
وَإنْ قَلَّتْ يَا رَسُولَ اللهِ؟.
فَقَالَ ﵊: (وَإِنْ كَانَتْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا) .... فَدَعَا أُبِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا تُفَارِقَهُ الْحُمَّى حَتَّى يَمُوتَ …
وَأَلَّا يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ … وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ.
فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا وَجَدَ فِيهِ حَرَّ الْحُمَّى حَتَّى مَاتَ.
* * *
وَقَدْ نَذَرَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ نَفْسَهُ بَعْدَ الْتِحَاقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (١) لإِقْرَاءِ النَّاسِ كِتَابَ اللَّهِ، وَتَفْقِيهِهِمْ بِدِينِ اللَّهِ، وَتَعْلِيمِهِمْ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ … وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ … فَكَثْرَ إِقْبَالُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَازْدِحَامُهُمْ حَوْلَهُ …
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ؛ فَقَالَ: стр. 597
أَوْصِنِي يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ.
فَقَالَ: اِتَّخِذْ كِتَابَ اللَّهِ إِمَامًا …
وَارْضَ بِمَا جَاءَ فِيهِ قَاضِيًا وَحَكَمًا (١)؛ فَإِنَّهُ الْخَلَفُ (٢) الَّذِي اسْتَخَلَفَهُ فِيكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ …
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ شَفِيعٌ لَكُمْ مُطَاعٌ (٣) …
وَشَاهِدٌ عَلَيْكُمْ لَا يُتَّهَمُ (٤) …
وَأَنَّ فِيهِ ذِكْرَكُمْ، وَذِكْرَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَحُكْمَ مَا بَيْنَكُمْ …
وَفِيهِ خَبَرُكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ.
* * *
وَجَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ؛ فَقَالَ لَهُ: عِظْنِي يَا أَبَا الْمُنْذِرِ.
فَقَالَ:
لَا تَدْخُلَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ …
وَلَا تَغْبِطَنَّ (٥) حَيًّا بِشَيْءٍ إِلَّا مَا تَغْبِطُهُ بِهِ مَيْتًا …
وَلَا تَطْلُبْ حَاجَةً مِمَّنْ لَا يُبَالِي (٦) أَلَّا يَقْضِيَهَا لَكَ …
* * *
وَقَدْ أَمَّ الْمَسْجِدَ رَجُلٌ مَحْزُونُ الْقَلْبِ عَلَى رِزْقٍ أُخِذَ مِنْهُ؛ فَحَيَّاهُ أُبَيُّ بْنُ стр. 598
كَعْبٍ وَطَيَّبَ نَفْسَهُ، وَقَالَ لَهُ:
مَا مِنْ عَبْدٍ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ ؛ إِلَّا عَوَّضَهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ … وَمَا مِنْ عَبْدٍ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهُ؛ إِلَّا سَلَبَهُ اللهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ …
* * *
وَقَدْ ظَلَّ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَوْئِلًا (١) لِطُلَّابِ الْعِلْمِ حَتَّى عُمِّرَ وَشَاخَ، وَظَلَّ النَّاسُ يَقْصِدُونَهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى وَافَاهُ (٢) الْأَجَلُ.
حَدَّثَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُجَلِيُّ قَالَ:
أَتَيْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ أَبْتَغِي الْعِلْمَ؛ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِذَا النَّاسُ فِيهِ حِلَقٌ حِلَقٌ يَلْتَفُّونَ حَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ …
فَجَعَلْتُ أَمْضِي مِنْ حَلْقَةٍ إِلَى أُخْرَى؛ حَتَّى أَتَيْتُ حَلْقَةً فِيهَا رَجُلٌ شَاحِبُ (٣) اللَّوْنِ مَهْزُولُ الْجِسْم؛ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ كَأَنَّمَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ …
فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ … فَتَحَدَّثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ، ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ الانْصِرَافَ إِلَى بَيْتِهِ؛ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: مَنْ هَذَا؟.
فَقَالَ: وَيْحَك!! أَلَا تَعْرِفُهُ؟! … هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ … هَذَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ.
قَالَ جُنْدُبٌ: стр. 599
فَتَبِعْتُهُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ؛ فَإِذَا هُوَ كَمَنَازِلِ الْفُقَرَاءِ …
وَإِذَا هُوَ يَعِيشُ فِيهِ عِيشَةَ رَجُلٍ زَاهِدٍ مُنْقَطِعٍ (١).
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فَرَدَّ السَّلَامَ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟.
فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ …
فَقَالَ: لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ الْيَوْمَ.
فَأَغْضَبَنِي قَوْلُهُ وَجَثَوْتُ (٢) عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَاسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعْتُ يَدَيَّ، وَقُلْتُ:
اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُوهُمْ إِلَيْكَ …
فَنَحْنُ نُنْفِقُ نَفَقَاتِنَا، ونُنْصِبُ (٣) أَبْدَانَنَا، وَنُضْنِي مَطَايَانَا ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ؛ فَإِذَا لَقِينَاهُمْ تَجَهَّمُوا (٤) لَنَا …
فَمَا إِنْ سَمِعَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَلَامِي؛ حَتَّى انْدَفَعَ يَبْكِي …
ثُمَّ طَفِقَ يَتَرَضَّانِي وَيَقُولُ:
وَيْحَكَ! … إِنِّي لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ، وَلَمْ أَذْهَبْ (٥) إِلَى مَا بَدَا لَكَ …
ثُمَّ قَالَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى إِنْ أَبْقَيْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لَأَتَكَلَّمَنَّ بِمَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلَا أَخْشَى فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. стр. 600
فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ، وَجَعَلْتُ أَنْتَظِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ …
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ؛ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي … فَإِذَا السِّكَكُ (١) غَاصَّةٌ (٢) بِالنَّاس؛ فَلَا أَجِدُ سِكَّةً إِلَّا أَلْقَى فِيهَا جُمُوعًا مُتَرَاصَّةً …
فَاسْتَوْقَفْتُ بَعْضَهُمْ وَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟!.
فَقَالُوا: إِنَّا نَحْسَبُكَ غَرِيبًا …
فَقُلْتُ: نَعَمْ إِنِّي غَرِيبٌ.
فَقَالُوا: مَاتَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ … مَاتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الْأَنْصَارِيُّ …
* * *
نَضَّرَ اللَّهُ ضَرِيحَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حَامِلِ كِتَابِ اللَّهِ … وَكَاتِبِ وَحْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ (*). стр. 601
مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ
"أَوَّلُ قَائِدٍ مُسْلِمٍ يَقُودُ جَيْشًا مِنْ سِتَّةِ آلَافِ مُقَاتِل، وَيَدْخُلُ بِهِمْ أَرْضَ الرُّوم"
هَا نَحْنُ أُولَاءِ فِي مَكَّةَ؛ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﵊ …
وَهَا هُوَ ذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَاصْدَعْ (١) بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢).
فَيَعْلَمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَرْحَلَةً جَدِيدَةً مِنْ مَرَاحِلِ الدَّعْوَةِ قَدْ بَدَأَتْ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ طَوْرِ الْإِسْرَارِ إِلَى طَوْرِ الْإِعْلَانِ.
فَبَادَرَ الرَّسُولُ ﷺ لإِنْفَاذِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَطَفِقَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ جَهْرًا؛ بَعْدَ أَنْ قَضَى ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ وَهْوَ يَدْعُوهُمْ سِرًّا.
فَلَمْ يَتْرُكُ مُجْتَمَعًا مِنْ مُجْتَمَعَاتِ الْعَرَبِ إِلَّا قَصَدَهُ، وَلَا قَبِيلَةً مِنْ قَبَائِلِهِمْ إِلَّا عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَسَأَلَهَا أَنْ تُؤْوِيَهُ وَتَحْمِيَهُ؛ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ.
* * *
وَكَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ تَجْتَمِعُ كُلَّ عَامِ نَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ فِي أَسْوَاقِ عُكَاظٍ، وَمَجَنَّةَ، وَذِي الْمَجَازِ …
فَيَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ ....
وَيَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ فِي الْمَحَافِلِ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِالْمَآثِرِ عَلَى الْمَنَابِرِ .. стр. 602
وَتَعْزِفُ لَهُمُ الْقِيَانُ (١) بِالْمَعَازِفِ …
وَيَشْهَدُونَ الرَّقْصَ، وَيَشْرَبُونَ الْحُمُورَ.
حَتَّى إِذَا مَا انْتَهَوْا مِنْ مَوْسِمِهِمْ هَذَا؛ مَضَوْا إِلَى الْأَمَاكِنِ الْمُقَدَّسَةِ؛ لِأَدَاءِ مَنَاسِكِ حَجِّهِمْ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَنِمُ فُرْصَةَ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ الْكَبِيرِ؛ الَّذِي يَجْمَعُ شَمْلَ الْعَرَبِ كُلِّ الْعَرَبِ …
فَيَسْأَلُ عَنِ الْقَبَائِلِ قَبِيلَةً قَبِيلَةً …
وَيَتَتَبَّعُ مَنَازِلَهُمْ مَنْزِلًا فَمَنْزِلًا.
وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ دَعْوَتَهُ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خِذْلَانَ (٢) قَوْمِهِ لَهُ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ؛ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ.
وَيَعِدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.
فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُؤْذِيهِ بِلِسَانِهِ، فَيَسْخَرُ مِنْهُ وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ …
وَبَعْضُهُمْ يُؤْذِيهِ بِيَدِهِ؛ فَيَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ يَنْخَسُ (٣) نَاقَتَهُ بِعُودٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ فَتَجْفَلُ وَتَعْثُرُ …
وَبَعْضُهُمْ يَرُدُّهُ رَدًّا فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الرِّفْقِ، وَهُمْ قَلِيلٌ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ الصَّدِّ الَّذِي يَلْقَاهُ؛ كَانَ لَا يَمَلُّ، وَلَا يَكَلُّ، وَلَا يَفْتُرُ.
* * * стр. 603
وَفِي مَوْسِمٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاسِم؛ كَانَتْ قَبِيلَةُ عَبْسٍ قَدْ بَاعَتْ وَاشْتَرَتْ، ثُمَّ خَفَّتْ إِلَى مِنًى (١) لِقَضَاءِ حَجِّهَا، وَنَزَلَتْ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِالْقُرْبِ مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ، وَقَدْ أَرْدَفَ خَلْفَهُ حِبَّهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (٢).
وَكَانَ بَنُو عَبْسٍ قَدْ سَمِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ بَعْدُ.
فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ … وَأَخَذَ يُبَشِّرُهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَحَاسِنَ الْإِسْلَام، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خِذْلَانَ قُرَيْشٍ لَهُ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى إِيوَائِهِ وَنُصْرَتِهِ؛ حَتَّى يُؤَدِّيَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَيَعِدُهُمُ الْجَنَّةَ.
* * *
وَكَانَ فِي الْقَوْمِ مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ.
فَالْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: تَعَالَوْا يَا قَوْمُ نُؤْوِ هَذَا الرَّجُلَ وَنَنْصُرْهُ … فَوَاللَّهِ! مَا سَمِعْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ كَلَامًا أَنْوَرَ مِنْ كَلَامِهِ أَوْ أَعْدَلَ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ: دَعْ عَنْكَ هَذَا يَا مَيْسَرَةُ … وَاللَّهِ إِنَّ قَوْمَ الرَّجُل أَدْرَى بِهِ مِنْكَ. стр. 604
وَلَوْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَمَا نَبَذُوهُ (١) وَتَرَكُوهُ يَبْذُلُ (٢) نَفْسَهُ لِلْقَبَائِلِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ فِيهَا مَنْ يَرْضَاهُ.
وَقَاطَعَهُ آخَرُ؛ فَقَالَ: نَعَمْ … إِلَيْكَ عَنْهُ يَا مَيْسَرَةُ …
فَوَاللَّهِ مَا يَرْجِعُ بِهِ رَجُلٌ إِلَى قَوْمِهِ؛ إِلَّا عَادَ إِلَيْهِمْ بِشَرِّ مَا يَرْجِعُ بِهِ أَهْلُ هَذَا الْمَوْسِمِ.
فَقَالَ مَيْسَرَةُ:
أَحْلِفُ لَكُمْ بِاللَّهِ؛ لِيَظْهَرَنَّ أَمْرُ هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ كُلَّ مَبْلَغٍ … فَاسْتَمِعُوا إِلَى نُصْحِي، وَآوُوهُ وَانْصُرُوهُ.
فَطَمِعَ الرَّسُولُ ﷺ بِمَيْسَرَةَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَتَشَبَّثَ بِهِ.
فَقَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ:
وَاللَّهِ! مَا سَمِعْتُ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ كَلَامًا أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِكَ … وَلَا دُعِيتُ إِلَى أَمْرٍ أَعْدَلَ مِنْ أَمْرِكَ … وَلَكِنَّ قَوْمِي يُخَالِفُونَنِي كَمَا رَأَيْتَ …
وَإِنَّمَا الرَّجُلُ بِقَوْمِهِ.
* * *
انْقَضَى عَلَى لِقَاءِ ذَلِكَ الرَّهْطِ (٣) مِنْ بَنِي عَبْسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا؛ نَصَرَ اللَّهُ خِلَالَهَا عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ … стр. 605
وَأَظْهَرَ لِنَبِيِّهِ ﷺ أَمْرَهُ، وَرَفَعَ لَهُ فِي الْخَافِقَيْنِ (١) ذِكْرَهُ …
وَفُتِحَتْ لَهُ مَكَّةُ، وَدَانَتْ قُرَيْشٌ لِحُكْمِهِ.
وَطَفِقَتْ أَفْوَاجُ الْعَرَبِ - الَّتِي لَمْ تُسْلِمُ بَعْدُ - تَفِدُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، جَمَاعَةً إِثْرَ جَمَاعَةٍ؛ لِتُسْلِمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتُبَايِعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
وَكَانَ فِيمَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ قُبَيْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِقَلِيل؛ مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ.
فَلَمَّا مَثْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ؛ قَالَ:
أَعَرَفْتَنِي يَا رَسُولَ اللهِ؟.
قَالَ: (نَعَمْ؛ صَاحِبُ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْخَيْفِ فِي مِنًى).
فَقَالَ مَيْسَرَةُ: وَاللهِ! يَا رَسُولَ اللهِ مَا زِلْتُ - مُنْذُ أَنَخْتَ (٢) رَاحِلَتَكَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ - حَرِيصًا عَلَى اتِّبَاعِكَ …
وَأَبَى اللهُ إِلَّا مَا تَرَى مِنْ تَأْخِيرِ إِسْلَامِي، وَقَدْ هَلَكَ (٣) عَامَّةُ النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ فَأَيْنَ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟.
فَقَالَ ﵊:
(كُلُّ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ فَهْوَ فِي النَّارِ).
فَبَكَى مَيْسَرَةُ وَقَالَ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَنِي بِكَ مِنَ النَّارِ يَا رَسُولَ اللهِ … стр. 606
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَنِي بِكَ مِنَ النَّارِ يَا رَسُولَ اللهِ.
* * *
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَن لَحِقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى …
وَآلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ ﵁ …
وَشَبَّتْ نَارُ فِتْنَةِ الرِّدَّةِ …
وَجَعَلَتْ أَكْثَرُ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ تَقُولُ: نُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنَّنَا لَا نُعْطِي الزَّكَاةَ.
وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْكَرْبُ، وَخَافُوا عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُهَاجِمَهَا الْمُرْتَدُّونَ؛ مُسْتَغِلِّينَ خُلُوَّهَا مِنَ الْجُنْدِ بِسَبَبٍ بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (١).
فَكَلَّمَ بَعْضُهُمُ الصِّدِّيقَ وَقَالُوا: اِقْبَلْ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ وَلَا تُلْزِمْهُمْ بِالزَّكَاةِ، وَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْإِيمَانُ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَيُزَكُوا.
فَانْتَفَضَ الصِّدِّيقُ لِقَوْلَتِهِمْ هَذِهِ انْتِفَاضَةَ الْأَسَدِ الْجَرِيحِ، وَقَالَ:
وَاللهِ! لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ …
وَالَّذِي بَعَثَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْحَقِّ؛ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا (٢) كَانُوا يُؤَدُّونَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ.
* * *
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامٍ تِلْكَ الْفِتْنَةِ الْمُدَمِّرَةِ الْعَمْيَاءِ؛ خَرَجَ مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ مِنْ دِيَارِ قَوْمِهِ فِي نَجْدٍ عَلَى مَرْأَى مِنَ الْمُرْتَدِّينَ وَمَسْمَعٍ، وَمَعَهُ نَفَرٌ كَبِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ. стр. 607
وَقَدْ سَاقُوا أَمَامَهُمْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ سِمَانِ الشِّيَاهِ وَكَرَائِمِ الْإِبِلِ، وَحَمَّلُوهَا بِأَصْنَافِ الْغَلَّاتِ؛ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ …
وَمَضَوْا بِهَا نَحْوَ أَرْضِ الْحِجَازِ؛ تَرْفَعُهُمُ النَّجَادُ (١) وَتَحُطُّهُمُ الْوِهَادُ (٢) … فَإِذَا عَلَوْا مُرْتَفَعًا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا مُنْخَفَضًا سَبَّحُوا.
فَلَمَّا بَلَغَ مَيْسَرَةُ الْمَدِينَةَ؛ دَخَلَهَا وَهُوَ يَسُوقُ أَمَامَهُ ذَلِكَ الْقَطِيعَ الْكَبِيرَ الَّذِي ازْدَحَمَتْ بِهِ الْأَزِقَّةُ … حَتَّى أَنَاخَهُ أَمَامَ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
فَفَرِحَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْظَمَ الْفَرَحِ، وَتَلَقَّاهُ الصِّدِّيقُ بِالْغِبْطَةِ وَقَالَ لَهُ: بَارَكَ اللهُ لَكَ وَلِقَوْمِكَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَثَابَكُمُ الْجَنَّةَ.
ثُمَّ أَوْصَى بِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ (٣).
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم؛ تَوَثَّقَتْ عُرَى الْمَوَدَّةِ بَيْنَ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقِ الْعَبْسِيِّ وَبَيْنَ سَيْفِ اللهِ خَالِدِ بْن الْوَلِيدِ؛ فَانْضَوَى مَيْسَرَةُ تَحْتَ لِوَائِهِ وَمَضَى مَعَهُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ شَيْخًا قَدْ طَعَنَ فِي السِّنِّ.
* * *
وَفِي مَعْرَكَةِ "فَحْلٍ" بِالْأُرْدُنِّ؛ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَادَ يَظْهَرُ عَلَيْهِمُ الرُّومُ …
فَبَرَزَ مِنْ مُعَسْكَرِ الْأَعْدَاءِ فَارِسٌ مَوْفُورُ الشَّبَابِ وَثِيقُ الْخِلْقَةِ؛ شَدِيدُ الْبَأْس، وَجَعَلَ يَطْلُبُ مُبَارِزًا يُبَارِزُهُ؛ فَهَابَهُ النَّاسُ.
فَإِذَا بِالشَّيْخِ الْمُسِنِّ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقٍ؛ يَهِبُّ لِمُبَارَزَتِهِ … стр. 608
فَرَدَّهُ خَالِدٌ وَقَالَ:
لَيْسَ لَكَ بِهِ طَاقَةٌ؛ فَهْوَ شَابٌّ شَدِيدُ الْفَتَاءِ وَأَنْتَ شَيْخٌ مُعَمَّرٌ.
فَلَمْ يَسْتَمِعْ مَيْسَرَةُ لِقَوْلِهِ، وَهَمَّ بِالْمُضِيِّ نَحْوَ الْفَارِسِ.
فَدَفَعَهُ خَالِدٌ إِلَى الصَّفِّ وَهُوَ يَقُولُ:
أَمَا بَايَعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الطَّاعَةِ؛ فَأَطِعْ وَارْجِعْ إِلَى صَفِّكَ.
عِنْدَ ذَلِكَ؛ بَرَزَ لِلْفَارِسِ الرُّومِيِّ شَابٌّ مِنْ شُبَّانِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا زَالَ يُقَاتِلُهُ حَتَّى قَتَلَهُ.
* * *
وَكَأَنَّ اللهَ تَبَارَكَتْ حِكْمَتُهُ؛ قَدِ ادَّخَرَ مَيْسَرَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِيَكُونَ أَوَّلَ قَائِدٍ مُسْلِمٍ يَقُودُ جَيْشًا مِنْ سِتَّةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَيَدْخُلُ بِهِمْ أَرْضَ الرُّومِ غَازِيًا فِي سَبيل الله.
ثُمَّ يَعُودُ مِنْ غَزْوَتِهِ مُؤَيَّدًا بِنَصْرِ اللهِ، حَامِلًا مَعَهُ مِنَ الْأَسْلَابِ وَالْغَنَائِم مَا فَاقَ كُلَّ تَقْدِيرِ …
مُعَبِّدًا الطَّرِيقَ أَمَامَ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ؛ مُنْذُ عَهْدِهِ إِلَى زَمَنِ مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ الَّذِي فَتَحَ الْقِسْطَنْطِينِيَّةَ فِيمَا بَعْدُ (*).
стр. 609
حمزة بن عبد المُطَّلِب
"أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُول الله ﷺ ، وَسَيِّدُ شُهَدَاءِ الْمُسْلِمِينَ"
هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ كَانَ تِرْبًا (١) لِرَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ كَانَا صَبِيَّيْنِ يَدْرُجَانِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ.
وَكَانَ أَخًا لَهُ مِنَ الرَّضَاعِ؛ حَيْثُ تَغَذَّيَا مِنْ ثَدْيٍ وَاحِدٍ …
وَكَانَ يَتَّصِلُ بِهِ بِأَوْثَقِ وَشَائِجِ الْقُرْبَى …
ذَلِكُمْ هُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ عَمُ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ ، وَسَيِّدُ شُهَدَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
كَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ نُبِّيءَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ قَدْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ قَلِيلًا، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ الْمَعْدُودِينَ …
وَصِنْدِيدًا (٢) مِنْ صَنَادِيدِهِمُ الْمَرْمُوقِينَ.
تَحْسِبُ لَهُ مَكَّةُ أَلْفَ حِسَابٍ، وَيُكِنُّ لَهُ أَهْلُهَا الْحُبَّ الْمَشْفُوعَ (٣) بِالتَّجِلَّةِ وَالْإِعْظَامِ …
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ الصِّلَاتِ الْوَاشِجَةِ (٤) بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ стр. 610
وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
فَإِنَّهُ لَمْ يُعِرْ دَعْوَتَهُ كَبِيرَ اهْتِمَام …
وَلَمْ يُسْلِمْ حِينَ أَنْذَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ.
* * *
وَلَقَدْ كَانَ الْفَارِسُ الْهَاشِمِيُّ صَاحِبَ صَيْدٍ؛ يَجِدُ فِيهِ مِتْعَتَهُ الْكُبْرَى، وَيَسْتَنْفِدُ فِي كَرِّهِ وَفَرِّهِ طَاقَاتِهِ الزَّاخِرَةِ الْمَشْبُوبَةِ …
وَفِيمَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ رَاجِعًا مِنْ صَيْدِهِ؛ مُتَنَكِّبًا (١) قَوْسَهُ عَارِضًا رُمْحَهُ؛ يَمْشِي مِشْيَةَ الزَّهْوِ وَالْخُيَلَاءِ …
إِذِ اعْتَرَضَتْهُ مَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللهِ بْن جَدْعَانَ (٢) وَقَالَتْ لَهُ:
لَوْ أَنَّكَ - يَا أَبَا عَمَارَةَ - سَمِعْتَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ سِبَابِ أَبِي الْحَكَمِ (٣) لِابْنِ أَخِيكَ مُحَمَّدٍ …
وَرَأَيْتَ مَا رَأَيْتُهُ مِنْ هَجْمَتِهِ عَلَيْهِ؛ لَكَانَ لَكَ الْيَوْمَ شَأْنٌ آخَرُ …
فَمَا كَادَتْ كَلِمَاتُهَا تُلَامِسُ سَمْعَهُ؛ حَتَّى اسْتَشَاطَ غَيْظًا وَتَمَيَّزَ صَدْرُهُ حَمِيَّةً، وَسَأَلَ الْفَتَاةَ عَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ أَحَدٌ وَهُوَ يَسُبُّهُ.
فَقَالَتْ: لَقَدْ رَآهُ نَاسٌ كَثِيرٌ …
فَعَادَ الْفَارِسُ الْهَاشِمِيُّ أَدْرَاجَهُ … стр. 611
وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الصَّفَا (١)؛ حَيْثُ كَانَ أَبُو جَهْلٍ يَتَوَسَّطُ حَلْقَةَ الْقَوْمِ؛ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ بِقَوْسِهِ ضَرْبَةً؛ شَجَّتْ رَأْسَهُ … وَأَسَالَتْ دَمَهُ …
ثُمَّ أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَجَهَرَ بِكَلِمَةٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله.
وَقَالَ مُتَحَدِّيًا: هَا أَنَا ذَا قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِذَا كَانَ فِي وُسْعِ قُرَيْشٍ أَنْ تَرُدَّنِي عَنِ الْإِسْلَامِ؛ فَلْتَفْعَلْ.
وَلَمَّا رَأَى بَنُو مَخْزُومٍ دِمَاءَ سَيِّدِهِمْ أَبِي جَهْلٍ تَنْزِفُ مِنْ رَأْسِهِ وَتُغَطِّي وَجْهَهُ؛ نَهَضُوا إِلَى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُرِيدُونَ أَنْ يَنَالُوا مِنْهُ …
فَمَا كَانَ مِنْ أَبِي جَهْلٍ إِلَّا أَنْ قَالَ لَهُمْ
دَعُوا أَبَا عَمَارَةَ … فَقَدْ أَهَنتُهُ فِي ابْنِ أَخِيهِ؛ حِينَ سَبَبْتُهُ وَشَتَمْتُهُ عَلَى مَلإٍ (٢) مِنَ النَّاسِ.
* * *
وَفِي لَمْحِ الْبَرْقِ؛ ذَاعَ نَبَأُ إِسْلَامِ حَمْزَةَ فِي مَكَّةَ … فَوَقَعَ ذَلِكَ الْخَبْرُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ.
أَمَّا رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
فَحَدِّثْ بِمَا شِئْتَ عَنْ فَرْحَتِهِ بِإِسْلَام عَمِّهِ وَلَا حَرَجَ ....
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ؛ فَقُلْ مَا طَابَ لَكَ الْقَوْلُ عَنْ بَهْجَتِهِمْ بِانْضِمَامِ صِنْدِيدِ قُرَيْشٍ إِلَيْهِمْ … فَهُمْ عَرَفُوا فِي مَكَّةَ يَوْمَيْنِ أَبْهَجَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَعَزَّ عَلَى نُفُوسِهِمْ هُمَا: يَوْمُ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ … стр. 612
وَيَوْمُ إِسْلَامِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فَمَا إِنْ أَسْلَمَا حَتَّى عَزَمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَطُوفَ بِهَا …
وَيُؤَدِّيَ صَلَاتَهُ عِنْدَهَا عَلَى مَسْمَعٍ وَمَرْأًى مِنْ قُرَيْشٍ …
وَاسْتَجَابَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَخَرَجَ فِي حِرَاسَتِهِمَا:
أَحَدُهُمَا أَمَامَهُ، وَالْآخَرُ وَرَاءَهُ … حَتَّى بَلَغَ الْكَعْبَةَ الْمُعَظَّمَةَ.
فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا …
وَصَلَّى الظُّهْرَ عِنْدَهُ آمِنًا مُطْمَئِنًّا …
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى دَارِ الْأَرْقَمِ (١) وَعُيُونُ قُرَيْشٍ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقُلُوبُهُمْ تَمَيَّزُ غَيْظًا مِنْهُ، وَضَغِينَةً عَلَيْهِ.
* * *
وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ … كَانَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ لِعَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عُقِدَ فِي الْإِسْلَامِ (٢).
وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ أَبْلَى حَمْزَةُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَشَدَّ الْبَلَاءِ وَأَعْظَمَهُ؛ فَكَانَ ثَقِيلَ الْوَطْأَةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ …
شَدِيدَ النِّكَايَةِ (٣) بِهِمْ. стр. 613
فَمَا إِنِ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأَغَرِّ؛ حَتَّى بَرَزَ حَمْزَةُ كَالْجَمَلِ الْأَوْرَقِ (١).
وَقَدْ وَضَعَ عَلَى صَدْرِهِ عَلَامَةً تُمَيِّزُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْصِدَهُ.
وَكَانَتْ عَلَامَتَهُ رِيشَةُ نَعَامَةٍ حَمْرَاءُ أَثْبَتَهَا عَلَى صَدْرِهِ …
وَهُنَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ صُفُوفِ الْمُشْرِكِينَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ - وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا سِيِّئَ الْخُلُقِ - فَقَالَ:
أُعَاهِدُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (٢) لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ …
فَبَرَزَ لَهُ حَمْزَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَارَتْ سَاقَهُ …
فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ وَالدِّمَاءُ تَشْخُبُ (٣) مِنْهُ.
ثُمَّ جَعَلَ يَحْبُو نَحْوَ الْحَوْضِ لِيَبَرَّ بِيَمِينِهِ؛ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ حَمْزَةُ قَبْلَ أَنْ يَنَالَ مُبْتَغَاهُ.
* * *
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ عُتْبَةُ بْنُ رَبيعَةَ وَمَعَهُ أَخُوهُ شَيْبَةُ وَابْنُهُ الْوَلِيدُ؛ فَلَمَّا فَصَلُوا (٤) عَن الصَّفِّ دَعَوْا إِلَى الْمُبَارَزَةِ … стр. 614
فَنَهَدَ (١) إِلَيْهِمْ فِي لَمْحَةِ الطَّرْفِ؛ ثَلَاثَةُ فِتْيَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَعْوَادِ الرِّمَاحِ.
فَقَالَ لَهُمْ عُتْبةُ: مَنْ أَنْتُمْ؟.
فَقَالُوا: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَقَالَ: ارْجِعُوا مَا لَنَا بِكُمْ حَاجَةٌ.
ثُمَّ نَادَوْا: يَا مُحَمَّدُ … أَخْرِجُ لَنَا الْأَكْفَاءَ (٢) مِنْ بَنِي قَوْمِنَا …
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ …
وَقُمْ يَا حَمْزَةُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ …
وَقُمْ يَا عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ).
فَقَالَ عُتْبَةُ: الْآنَ نَعَمْ … أَكْفَاءٌ كِرَامٌ.
فَقَامَ عَلِيٌّ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَكَانَا شَابَّيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ؛ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ قَامَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ سِنًّا؛ فَقَتَلَهُ.
وَقَامَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ (٣) إِلَى عُتْبَةَ بْن رَبيعَةَ وَكَانَا شَيْخَيْنِ؛ فَقَتَلَهُ …
ثُمَّ اسْتُشْهِدَ عُبَيْدَةُ مُتَأَثِّرًا بِجرَاحِهِ.
وَمَا إِنْ قُتِلَ أَبْطَالُ قُرَيْشٍ الثَّلَاثَةُ فِي لَحَظَاتٍ مَعْدُودَاتٍ؛ حَتَّى حَمِيَ وَطِيسُ الْمَعْرَكَةِ، وَأَبْلَى حَمْزَةُ بَلَاءً مَلَأَ قُلُوبَ الْمُشْرِكِينَ حِقْدًا عَلَيْهِ وَكَيْدًا منْهُ.
* * * стр. 615
وَفِي أُحُدٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْتَقِمُوا مِنْ قَاتِلِي رِجَالَاتِهِمْ عَامَّةً … وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَنْتَقِمُوا مِنْ حَمْزَةَ خَاصَّةً …
بَعْدَ أَنْ أَذَلَّ كِبْرَيَاءَهُمْ فِي بَدْرٍ … وَقَتَلَ مِنْ أَقْيَالِهِمْ (١) مَنْ قَتَلَ …
وَلَمَّا رَأَى حَمْزَةُ الْهَزِيمَةَ الَّتِي حَلَّتْ بِالْمُسْلِمِينَ؛ هَاجَ وَمَاجَ (٢) وَجَعَلَ يُنَادِي: أَنَا أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُول الله ﷺ …
اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ [يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ].
وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ [يَعْنِي تَفَرُّقَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ ].
وَأَخَذَ يُعْمِلُ سَيْفَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً حَتَّى نَالَ الشَّهَادَةَ؛ غِيلَةً عَلَى يَدَيْ غُلَامٍ حَبَشِيٍّ يُدْعَى وَحْشِيًّا (٣).
* * *
وَلَمَّا عَلِمَتْ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ بِمَصَارِع أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى رَأْسِهِمْ أَسَدُ اللهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ …
هُرِعَتُ طَائِفَةٌ مِنْهُنَّ تَتَقَدَّمُهُنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ الَّتِي قُتِلَ أَبُوهَا وَأَخُوهَا وَعَمُّهَا فِي بَدْرٍ عَلَى يَدَيْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ فَجَعَلَتْ تَجُوسُ (٤) بَيْنَ الْقَتْلَى … فَتَبْقُرُ الْبُطُونَ …
وَتَسْمُل (٥) الْعُيُونَ، وَتَصْلِمُ (٦) الْآذَانَ، وَتَجْدَعُ (٧) الْأُنُوفَ …
ثُمَّ صَنَعَتْ مِنَ الْأُنُوفِ وَالْآذَانِ؛ قَلَائِدَ وَخَلَاخِيلَ (٨) تَزَيَّنَتْ بِهَا، وَمَنَحَتْ حُلِيَّهَا إِلَى وَحْشِيٍّ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى قَتْلِ حَمْزَةَ. стр. 616
وَلَمَّا بَلَغَتْ هِنْدٌ حَمْزَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ شَقَّتْ صَدْرَهُ، وَاجْتَثَّتْ كَبِدَهُ وَمَضَغَتْهُ؛ فَلَمْ تُسِغْهُ (١) فَلَفَظَتْهُ … وَمِنْ هُنَا دُعِيَتْ "بِآكِلَةِ الْمِرَارِ".
* * *
وَلَمَّا انْجَلَى غُبَارُ الْمَعْرَكَةِ، وَشَاعَ خَبَرُ التَّمْثِيل بِالْمُسْلِمِينَ …
خَيَّمَ عَلَى الْمَدِينَةِ حُزْنٌ عَمِيْقٌ، وَأَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢) عَمَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ لِتَرَى مَا حَلَّ بِأَخِيهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (٣):
(الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا حَتَّى لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا).
فَبَادَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ: يَا أُمَّهُ؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكِ بِالرَّجُوعِ.
قَالَتْ: وَلِمَ؟! لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُثِّلَ بِأَخِي، وَذَلِكَ فِي اللهِ …
وَاللهِ لَأَصْبِرَنَّ وَأَحْتَسِبَنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ.
فَأَخْبَرَ الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَتْ.
فَقَالَ: (خَلِّ سَبِيلَهَا).
فَأَتَتْ أَخَاهَا …
فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْجَعَتْ (٤) وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ؛ ثُمَّ قَالَتْ:
هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا لِيُكَفَّنَ بِهِمَا.
* * * стр. 617
قَالَ الزُّبَيْرُ:
فَلَمَّا هَمَمْنَا أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ بِهِمَا، فَإِذَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ شَهِيدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مُثِّلَ بِهِ كَمَا مُثِّلَ بِحَمْزَةَ؛ فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً (١) وَحَيَاءً أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ وَالْأَنْصَارِيُّ لَا كَفَنَ لَهُ؛ فَقُلْنَا:
لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ، وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ …
ثُمَّ نَظَرْنَا، فَإِذَا أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ … فَأَقْرَعْنَا (٢) بَيْنَهُمَا؛ فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالثَّوْبِ الَّذِي صَارَ لَهُ …
وَكَانَ حَمْزَةُ رَجُلًا طُوَالًا؛ فَإِذَا سَتَرَ الثَّوْبُ رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا سَتَرَ رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ.
فَقَالَ ﵊:
(غَطُّوا رَأْسَهُ بِالثَّوْبِ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ بَعْضًا مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ).
* * *
وَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُزْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَمِّهِ … فَقَدْ نَظَرَ ﵊ إِلَى مَشْهَدٍ لَمْ يَرَ أَوْجَعَ مِنْهُ؛ فَقَالَ:
(رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ …
لَقَدْ كُنْتَ وَصُولًا لِلرَّحِم؛ فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ …
أَمَا وَاللهِ لَأُمَثِّلَنَّ (٣) بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ إِنْ ظَفِرْتُ بِهِمْ) …
فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ قَبْلَ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: стр. 618
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (١).
فَكَفَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بالشُّهَدَاءِ؛ فَدُفِنُوا جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ، وَقَالَ:
(انْظُرُوا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ؛ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ).
ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَقَالَ:
(أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللهِ؛ إِلَّا وَاللهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ … اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ).
* * *
وَلَمَّا وَارَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ تُرَابَهُمْ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَسْوَانَ حَزِينًا؛ فَمَرَّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل فَسَمِعَ بُكَاءَ النِّسَاءِ وَنَشِيجَهُنَّ (٢) عَلَى قَتْلَاهُمْ؛ فَأَهَاجَ حُزْنُهُنَّ حُزْنَهُ، وَأَثَارَتْ لَوْعَتُهُنَّ لَوْعَتَهُ …
فَطَفَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ وَقَالَ:
(وَلَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ).
فَسَمِعَ رِجَالُ الْأَنْصَارِ كَلِمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَزَّتْ فِي نُفُوسِهِمْ، وَأَمَرُوا نِسَاءَهُمْ أَنْ يَذْهَبْنَ إِلَى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ لِيَبْكِينَ عَمَّهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ بُكَاءَهَنَّ عَلَى حَمْزَةَ؛ قَالَ: стр. 619
(رَحِمَ اللهُ الْأَنْصَارَ …
ارْجِعْنَ يَرْحَمُكُنَّ اللهُ؛ فَقَدْ آسَيْتُنَّ (١) وَعَزَّيْتُنَّ) (*). стр. 620
أَبُو عَقِيلٍ الأنيقيُّ
"مَا زَالَ أَبُو عَقِيلٍ يَسْأَلُ اللهَ الشَّهَادَةَ، وَيَطْلُبُهَا مِنْهُ حَتَّى نَالَهَا. وَلَقَدْ كَانَ - مَا عَلِمْتُ - مِنْ أَخْيَارِ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ " [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁]
اسْتَفْحَلَ (١) أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ واشْتَدَّ …
فَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ …
وَظَاهَرَهُمْ (٢) نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الْأَحْلَافِ.
فَكَانَ جَيْشُهُ أَعْظَمَ جَيْشٍ عَرَفَتْهُ الْعَرَبُ حَتَّى ذَلِكَ الَيْومِ.
وَكَانَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ؛ يَزِيدُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً عَلَى جَيْشِ خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَكُن الْخَطَرُ الدَّاهِمُ (٣) الَّذِي حَلَّ بِالْمُسْلِمِينَ آنَذَاكَ مَقْصُورًا عَلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَجَيْشِهِ اللَّجِبِ (٤) الْمُوَحَّدِ الْمُتَمَاسِك ....
وَإِنَّمَا كَانَ يَبْرُزُ هَذَا الْخَطَرُ أَيْضًا فِي الْمُرْتَدِّينَ الْآخَرِينَ؛ الَّذِينَ كَانُوا فِي جُمْلَتِهِمْ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ …
وَيَشْهَدُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله …
وَلَا يُمَارُونَ (٥) فِي إِقَامِ الصَّلَاةِ … стр. 621
غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُطَالِبُونَ بِأَنْ يَكُفَّ الْخَلِيفَةُ عَنْ مُطَالَبَتِهِمْ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ …
أَمَّا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ وَمَنْ مَعَهُ؛ فَكَانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ …
وَيَكْفُرُونَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ …
وَيُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ يَفْتَرِي (١) عَلَى اللهِ الْكَذِبَ.
فَإِذَا قُدِّرَ لِهَذِهِ الْقُوَّةِ الْهَائِلَةِ أَنْ تَنْتَصِرَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُفْضِي (٢) إِلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ …
وَأَلَّا يُعْبَدَ اللهُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ …
* * *
رَمَى الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ بِجَيْشٍ يَقُودُهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ (٣) …
وَعِكْرِمَهُ - إِنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ - فَارِسُ هَيْجَاءَ (٤) …
وَبَطَلُ مَعَامِعَ (٥) …
وَابْنُ حُرُوبٍ …
ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ تَحْتَ لِوَائِهِ أَبْطَالًا صَنَادِيدَ (٦) أَنْجَادًا (٧) مُعَوَّدَةً سُيُوفُهُمْ عَلَى النَّصْرِ … стр. 622
لَكِنَّ مُسَيْلِمَةَ نَكَبَهُمْ نَكْبَةً أَطَارَتْ (١) صَوَابَ الْمُسْلِمِينَ …
وَأَثَارَتْ غَضَبَ خَلِيفَتِهِمْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
فَطَيَّر (٢) رَسُولًا مِنْ عِنْدِهِ لِيَمْنَعَ الْجَيْشَ الْمُنْهَزِمَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى لَا يَفُتَّ (٣) فِي عَضُدِ الْمُسْلِمِينَ …
وَأَمَرَهُ بِالْبَقَاءِ حَيْثُ هُوَ ....
ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَلُومُهُ فِيهِ عَلَى تَعَجُلِهِ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ عَدَدِهِ وَعُدَّتِهِ وَيَقُولُ لَهُ:
لَا أَرَيَنَّكَ، وَلَا تَرَنِي …
وَلَا تَرْجِعَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ ....
فَتُوهِنَ (٤) عَزَائِمَ الْمُسْلِمِينَ ....
وَتَفُتَّ فِي عَضُدِهِمْ.
* * *
هَزَّتْ هَزِيمَةُ عِكْرِمَةَ ضَمَائِرَ الْمُسْلِمِينَ هَزًّا …
وَفَتَحَتْ عُيُونَهُمْ - أَكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْلُ - عَلَى الْخَطْبِ الدَّاهِمِ …
وَهَبَّ الْخَلِيفَةُ لِاسْتِنْقَاذِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْخَطَرِ الْمُحِيقِ (٥) …
فَأَخْلَى بَعْضَ السَّاحَاتِ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ … стр. 623
وَتَغَاضَى (١) - إِلَى حِينٍ - عَنِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ أَبَوْا دَفْعَ الزَّكَاةِ؛ وَذَلِكَ لِيَحْشِدَ لِمُسَيْلِمَةَ أَكْبَرَ جَيْشٍ يَسْتَطِيعُ حَشْدَهُ.
وَلِيُوَفِّرَ لِهَذَا الْجَيْشِ أَضْخَمَ طَاقَةٍ تَكْفُلُ لَهُ النَّصْرَ بِإِذْنِ اللهِ.
* * *
كَونَ الصِّدِّيقُ جَيْشَهُ مِنْ فَيَالِقَ (٢) ثَلَاثَةٍ:
أَوَّلُهَا: فَيْلَقُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ كَابَدُوا (٣) فِي سَبِيلِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ مَا كَابَدُوا، وَعَانَوا مِنْ أَجْلِ الدَّعْوَةِ مَا عَانَوْا …
وَبَنَوْا بِأَيْدِيهِمْ صَرْحَ (٤) الْإِسْلَامِ لَبِنَةً لَبِنَةً …
وَمَزَجُوا تُرَابَهَا بِالْعَرَقِ وَالدُّمُوعِ.
وَثَانِيهَا: فَيْلَقُ الْأَنْصَارِ الْأَبْرَارِ الَّذِينَ نَصَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَآزَرُوهُ وَمَنَعُوهُ، وَحَارَبُوا مَعَهُ أَعْدَاءَ اللهِ … فَشَهِدَتْ لَهُمُ الْحُرُوبُ.
وَثَالِتُها: فَيْلَقُ أَبْنَاءِ الْبَوَادِي أَصْحَابِ الْقُوَّةِ وَالْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ.
ثُمَّ جَعَلَ فِي الْجَيْشِ جَمْهَرَةً مِنَ الْقُرَّاءِ؛ حَمَلَةِ كِتَابِ اللهِ …
وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا، وَبِهِمْ ضَنِينًا (٥).
ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِمُ الْبَدْرِيِّينَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْهُمْ:
لَا أَسْتَعْمِلُ هَذِهِ النُّخْبَةَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَرْبٍ … стр. 624
وَإِنَّمَا أَسْتَبْقِيهِمْ لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ …
فَإِنَّ اللهَ ﵎ قَدْ يَدْفَعُ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ (١) أَكَثَرَ مِمَّا يَأْتِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ النَّصْرِ.
ثُمَّ عَقَدَ لِوَاءَ الْجَيْشِ لِسَيْفِ اللهِ الْمَسْلُولِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ (٢) …
* * *
الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى أَرْضِ الْيَمَامَةِ؛ فَصَفَّ مُسَيْلِمَةُ جُنُودَهُ بِعَقْرِبَاءَ.
وَجَعَلَ وَرَاءَ الْجَيْشِ النِّسَاءَ، وَالْأَطْفَالَ، وَالْأَمْوَالَ.
وَصَفَّ خَالِدٌ جُنُودَهُ فِي قُبَالَةِ جَيْشِ عَدُوِّهِ.
وَوَقَفَ الْجَيْشَانِ يَتَرَبَّصَانِ (٣) الْأَمْرَ بِالْهُجُومِ الْكَاسِحِ.
وَكَانَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَرَى عَيْنَ الْيَقِينِ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ؛ إِنَّمَا هِيَ مَعْرَكَةُ فَنَاءٍ أَوْ بَقَاءِ.
* * *
وَقَفَ شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ يَهُزُّ مَشَاعِرَ النَّخْوَةِ (٤) وَالْعَصَبِيَّةِ (٥) عِنْدَ بَنِي قَوْمِهِ؛ فَقَالَ:
يَا بَنِي حَنِيفَةَ إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ الْغَيْرَةِ وَالْحَمِيَّة (٦) …
فَإِنْ هُزِمْتُمْ؛ فَسَتَرَوْنَ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي احْتَمَيْنَ بِكُمْ سَبِيَّاتٍ (٧) …
فَامْنَعُوا (٨) نِسَاءَكُمْ وَأَطْفَالَكُمْ … стр. 625
وَقَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ وَأَنْسَابِكُمْ …
وَشُدُّوا عَلَى عَدُوِّكُمْ …
فَمَا كَادَ يُنْهِي كَلَامَهُ؛ حَتَّى انْصَبَّ بَنُو قَوْمِهِ عَلَى صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ انْصِبَابَ الصُّخُورِ …
وَتَدَفَّقُوا عَلَيْهِمْ تَدَفُّقَ السَّيْلِ.
فَانْثَنَى صَفُّ الْمُسْلِمِينَ هَزِيمًا …
وَأُزِيلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ فُسْطَاطِهِ (١) …
وَوَقَعَتْ زَوْجَتُهُ أُمُّ تَمِيمٍ فِي قَبْضَتِهِمْ؛ فَهَمُّوا بِقَتْلِهَا … لَوْلَا أَنْ أَجَارَهَا رَجلٌ مِنْهُمْ؛ فَسَلِمَتْ.
* * *
تَلَقَّى خَالِدٌ الصَّدْمَةَ رَابِطَ الْجَأْشِ ثَابِتَ الْجَنَانِ (٢) …
ذَلِكَ لأَنَّهُ لَمْ يُخَامِرُهُ (٣) شَكٌّ فِي نَصْرِ اللهِ …
وَلَا مَسَّهُ قُنُوطٌ (٤) بِتَأْيِيدِهِ …
فَفَكَّرَ وَاسْتَشَارَ؛ فَهَدَاهُ التَّفْكِيرُ وَالْمَشُورَةُ إِلَى أَنَّ سَبَبَ الْهَزِيمَةِ؛ إِنَّمَا هُوَ تَوَاكُلُ فَيَالِقِ الْمُسْلِمِينَ الثَّلَاثَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ …
فَصَاحَ فِي الْجَيْش: امْتَازُوا (٥) أَيُّهَا الْجُنْدُ … стр. 626
امْتَازُوا؛ لِيُعْلَمَ بَلَاءُ (١) كُلِّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ، وَلِيَعْرِفَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْنَ أُتُوا (٢).
* * *
فَجَّرَتْ صَيْحَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَمِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ لِدِينِ اللهِ، وَأَجَّجَتْ أَشْوَاقَهُمْ إِلَى الاسْتِشْهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ …
وَرَفَعَتْ عَنْ أَعْيُنِهِمُ الْحُجُبَ …
فَرَأَوْا قُصُورَ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةَ الْأَبْوَابِ لِاسْتِقْبَالِ الشُّهَدَاءِ.
عِنْدَ ذَلِكَ؛ بَرَزَتْ فِي صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ بُطُولَاتٌ لَمْ تَخْطُطْ يَدُ التَّارِيخ أَجَلَّ مِنْهَا وَأَعْظَمَ …
وَظَهَرَتْ فِي جُنْدِ اللهِ رُجُولَاتٌ لَمْ تُكْنِنْ (٣) أَسْفَارُهُ أَعَزَّ مِنْهَا وَلَا أَكْرَمَ …
وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ هَؤُلَاءِ الْأَبْطَالِ بَطَلُ قِصَّتِنَا هَذِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ …
الْمُكَنَّى بِأَبِي عَقِيلٍ الْأَنيقِىِّ …
فَلْتَسْتَمِعْ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٤)؛ فَهْوَ الَّذِي سَيَرْوِي لَنَا قِصَّتَهُ الرَّائِعَةَ.
* * *
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:
لَمَّا اصْطَفَّ الْمُسْلِمُونَ لِلْنِّزَالِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ؛ كَانَ أَبُو عَقِيلٍ الْأَنيقِيُّ يَغْلِي كَالْمِرْجَل (٥) … стр. 627
وَيَتَوَثَّبُ (١) كاللَّيْثِ (٢) …
فَمَا إِنْ نَشِبَ الْقِتَالُ حَتَّى جَعَلَ نَحْرَهُ دُونَ (٣) نُحُورِ الْمُسْلِمِينَ …
وَأَقَامَ صَدْرَهُ دُونَ صُدُورِهِمْ …
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أُصِيبَ بِسَهْمٍ في ذَلِكَ الْيَوْمِ …
* * *
لَقَدْ دَخَلَ السَّهْمُ فِي صَدْرِ أَبِي عَقِيلِ الْأَنِيقِيِّ، وَاسْتَقَرَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
دُونَ أَنْ يَمَسَّ فُؤَادَهُ.
وَلَوْ مَسَّهُ لَمَاتَ لِسَاعَتِهِ …
فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى السَّهْمِ وَانَتَزَعَهُ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ.
وَثَبَتَ يُقَاتِلُ … حَتَّى أَوْهَنَ الْجُرْحُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ خَارَتْ قُوَاهُ.
وَسَقَطَ فِي مَكَانِهِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ …
فَاحْتَمَلْنَاهُ إِلَى رَحْلِهِ وَجَعَلْنَاهُ فِيهِ، وَكَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنَّا …
فَلَمَّا حَمِيَ (٤) وَطِيسُ الْمَعْرَكَةِ وَتَضَعْضَعَ (٥) الْمُسْلِمُونَ؛ سَمِعَ أَبُو عَقِيلٍ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ (٦) يُنَادِي: стр. 628
أَيْنَ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟!.
أَيْنَ أَنْتُمْ؟!.
أَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ …
هَلُمُّوا إِلَيَّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ …
* * *
ثُمَّ رَأَى مَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ (١) يَكْسِرُ غِمْدَ سَيْفِهِ، وَيَثِبُ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَيَعْلُو نَشَزًا (٢) مِنَ الْأَرْضِ وَيَصِيحُ:
الله الله يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ …
الْكَرَّةَ الْكَرَّةَ عَلَى عَدُوِّكُمْ يَا مَنْ نَصَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ …
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:
فَنَظَرْتُ إِلَى أَبِي عَقِيلٍ؛ فَرَأَيْتُهُ يَنْهَضُ وَاقِفًا.
فَدَنَوْتُ (٣) مِنْهُ وَقُلْتُ:
مَا تُرِيدُ يَا عَمُّ؟!.
فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكِ الْأَنْصَارِيِّ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ يُنَادِيَانِي؟!.
فَقُلْتَ: إِنَّهُمَا لَمْ يُنَادِيَاكَ، وَلَمْ يُسَمِّيَا أَحَدًا بِعَيْنِهِ (٤)، ثُمَّ إِنَّهُمَا لَا يَعْنِيَانِ الْجَرْحَى.
فَقَالَ: إِنَّمَا يُنَادِيَانِ الْأَنْصَارَ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ. стр. 629
وَإِنَّ عَلَيَّ أَنْ أُجِيبَهُما وَلَوْ حَبْوًا (١).
ثُمَّ تَحَزَّمَ، وَأَخَذَ السَّيْفَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ يُنَادِي:
يَا لَلْأَنْصَارِ كَرَّةً كَكَرَّةِ حُنَيْنٍ …
يَا لَلْأَنْصَارِ كَرَّةً كَكَرَّةِ حُنَيْنٍ …
فَاجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ، وَتَرَاصُوا …
وَتَقَدَّمُوا الْمُسْلِمِينَ، وَتَفَانَوْا …
حَتَّى أَقْحَمُوا (٢) مُسَيْلِمَةَ وَمَنْ مَعَهُ حَدِيقَةَ الْمَوْتِ.
فَاخْتَلَطْنَا بِهِمْ نَحْنُ - مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ - وَآزَرَتْ (٣) سُيُوفُنَا سُيُوفَهُمْ …
ثُمَّ لَاحَتْ (٤) مِنِّي الْتِفَاتَةٌ؛ فَإِذَا أَبُو عَقِيلٍ عِنْدَ بَابِ حَدِيقَةِ الْمَوْتِ.
وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنَ الْمَنْكِبِ (٥)، وَوَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ …
وَبِهِ مِنَ الْجِرَاحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا كُلُّهَا مُمِيتٌ.
فَوَقَفْتُ عَلَيْهِ وَهْوَ صَرِيعٌ بِآخِرِ رَمَقٍ (٦) وَقُلْتُ:
أَبَا عَقِيلٍ …
فَقَالَ بِلِسَانٍ مُلْتَاثٍ (٧): لَبَّيْكَ! … لِمَنِ الْهَزِيمَةُ؟ …
قُلْ لِي لِمَنِ الْهَزِيمَةُ؟.
فَقُلْتُ: أَبْشِرْ … فَقَدْ قُتِلَ عَدُوُّ اللهِ وَعَدُوُّ رَسُولِهِ ﷺ … стр. 630
فَرَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءَ يَحْمَدُ اللهَ …
وَيُثْنِي عَلَيْهِ …
ثُمَّ لَفَظَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ …
* * *
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:
فَلَمَّا عُدْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَخْبَرْتُ الْفَارُوقَ بِخَبَرِ أَبِي عَقِيلٍ كُلِّهِ …
فَدَمِعَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ:
رَحِمَ اللهُ أَبَا عَقِيلٍ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
فَإِنَّهُ مَا زَالَ يَسْأَلُ اللهَ الشَّهَادَةَ، وَيُلِحُّ فِي طَلَبِهَا …
حَتَّى نَالَهَا.
وَلَقَدْ كَانَ - مَا عَلِمْتُ - مِنْ أَخْيَارِ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ …
وَصَفْوَةِ أَتْبَاعِهِ … (*).
стр. 631
الكتاب العاشر
سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ
"كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ "
سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ؛ صَحَابِيٌّ مُوغِلٌ (١) فِي الْمَجْدِ …
عَرِيقُ السُّؤْدَدِ …
فَجَدُّهُ سَعِيدٌ؛ كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو التَّاجِ …
لأَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَمَّ لَا يَعْتَمُّ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِعِمَامَةٍ مِنْ لَوْنِ عِمَامَتِهِ حَتَّى
يَنْزَعَهَا؛ إِعْظَامًا لَهُ، وَإِجْلَالًا لِشَأْنِهِ.
وَأَبُوهُ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ؛ كَانَ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَكَبِيرًا مِنْ كُبَرَائِهَا؛ خَاضَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَعْرَكَةَ بَدْرٍ هُوَ وَأَخُوهُ عُتْبَةَ؛ فَقُتِلَا مَعًا …
وَكَانَ مَصْرَعُ الْعَاصِ عَلَى يَدَيْ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
* * *
كَانَ سَعِيدٌ؛ يَوْمَ قُتِلَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ فِي بَدْرٍ؛ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ عُمُرِهِ؛ فَكَفَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٢) ﵁؛ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ أَوَاصِر (٣) النَّسَبِ.
فَنَشَأَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فِي كَنَفِ الْجَوَّادِ الْعَبَّادِ السَّجَّادِ؛ ذِي النُّورَيْنِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ.
وَدَرَجَ عَلَى عَيْنِ زَوْجَتَيْهِ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كَلْثُومٍ؛ بِنْتَيْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ стр. 632
عَبْدِ اللهِ ﷺ …
فَوَرِثَ الْمَجْدَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ …
وَنَهِلَ الشَّمَائِلَ (١) الْكَرِيمَةَ وَالْخَلَائِقَ الْعَظِيمَةَ مِنْ أَعْذَبِ يَنَابِيعِهَا وَأَصْفَاهَا …
وَأَخَذَ الْإِسْلَامَ مِنْ أَغْزَرِ مَنَاهِلِهِ وَأَقْوَاهَا …
وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى خَدِينَ (٢) كِتَابِ اللهِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ …
وَتَلَقَّاهُ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ فَم النَّبِيِّ ﵇؛ فَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ في جُمْلَةِ الإِثْنَى عَشَرَ رَجُلًا الَّذِينَ كَتَبُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ وَعَدَّمُوهُ النَّاسَ.
* * *
بَدَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَامَاتُ السِّيَادَةِ مُنْذُ كَانَ فَتًى يَافِعًا (٣).
فَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تُعْطِيَ بُرْدًا (٤) ثَمِينًا كَانَ عِنْدَهَا لِأَكْرَم الْعَرَبِ؛ فَقِيلَ لَهَا: أَعْطِهِ لِهَذَا الْغُلَام [يُرِيدُونَ سَعِيد بْنَ الْعَاصِ].
فَسُمِّيَتْ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَّعِيدِيَّةِ نِسْبَةً إِلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى حَقٍّ حِينَ تَنَبَّأُوا لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِمَا تَنَبَّأُوا لَهُ مِنَ السِّيَادَةِ وَالْجُودِ …
فَقَدْ وَلِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِلْمُسْلِمِينَ الْوِلَايَاتِ، وَقَادَ لَهُمُ الْجُيُوشَ، وَفَتَحَ لَهُمُ الْفُتُوحَ؛ حَيْثُ فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ (٥) … стр. 633
وَظَلَّ وَالِيًا مِنْ قِبَل عُثْمَانَ عَلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ؛ حَتَّى اسْتُشْهِدَ الْخَلِيفَةُ الْمَظْلُومُ ﵁.
* * *
لَكِنَّ الصِّفَةَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هِيَ الْأَرْيَحِيَّةُ (١) وَالْجُودُ؛ حَتَّى إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَقَّبَهُ بِكَرِيمٍ قُرَيْشٍ.
فَقَدْ أَغْدَقَ اللهُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْمَالَ بِغَيْرِ حِسَابٍ …
فَجَادَ بِهِ سَعِيدٌ عَلَى عِبَادِ اللهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَيْضًا.
وَقَدْ رُوِيَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ رَائِعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَحُكِيَتْ عَنْهُ قِصَصٌ فَذَّةٌ مُثِيرَةٌ؛ مَلَأَتْ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ ثَنَاءً وَضِيَاءً.
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ كَانَ يَصُرُّ صُرَرَ الْمَالِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَيَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِي الْمُصَلِّينَ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ؛ حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ أَخَذُوهَا فَرِحِينَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ (٢).
* * *
وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْقُرَّاءِ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ، وَيَأْخُذُ عَنْهُ كِتَابَ اللهِ؛ فَافْتَقَرَ وَأَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (٣) شَدِيدَةٌ؛ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجُهُ:
إِنَّ أَمِيرَنَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ يُوصَفُ بِالْجُودِ؛ فَلَوْ ذَكَرْتَ لَهُ حَالَكَ؛ فَلَعَلَّهُ يَسْمَحُ لَكَ بِشَيْءٍ.
فَقَالَ: وَيْحَكِ! … أَتُرِيدِينَ أَنْ تَسْلَخِي (٤) وَجْهِي، وَاللهِ لَا أَفْعَلُ. стр. 634
فَمَا زَالَتْ تَشْتَدُّ عَلَيْهِ الْحَاجَةُ وَتُلِحُّ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ فِي الطَّلَبِ؛ حَتَّى أَتَى مَجْلِسَ سَعِيدِ بْن الْعَاصِ؛ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ كُلُّ مَرَّةٍ …
فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ؛ ظَلَّ الرَّجُلُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ …
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ سَعِيدٌ، وَقَالَ:
أَظُنُّ جُلُوسَكَ لِحَاجَةٍ؟!!.
فَسَكَتَ الرَّجُلُ.
فَقَالَ سَعِيدٌ لِغِلْمَانِهِ: انْصَرِفُوا …
فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُ:
لَمْ يَبْقَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ؛ فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ …
فَسَكَتَ الرَّجُلُ …
فَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ وَقَالَ لَهُ:
رَحِمَكَ اللهُ؛ لَسْتَ تَرَى وَجْهِي؛ فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ.
فَقَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ …
أَصَابَتْنَا فَاقَةٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهَا لَكَ؛ فَاسْتَحْيَيْتُ.
فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: هَوِّنَ عَلَيْكَ! وَإِذَا أَصْبَحْتَ؛ فَالْقَ وَكِيلِي فُلانًا.
وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ؛ لَقِيَ الرَّجُلُ وَكِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؛ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِشَيْءٍ؛ فَأْتِ بِمَنْ يَحْمِلُهُ مَعَكَ.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَنْ يَحْمِلُهُ.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَوْجَتِهِ؛ فَلَامَهَا وَقَالَ:
стр. 635
حَمَلْتِنِي عَلَى بَذْلِ مَاءِ وَجْهِي لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؛ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، وَمَا أَرَاهُ أَمَرَ لِي؛ إِلَّا بِدَقِيقٍ أَوْ طَعَامٍ …
وَلَوْ كَانَ مَالًا؛ لَمَا احْتَاجَ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، وَلَأَعْطَانِيهِ بِيَدِي.
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: مَهْمَا أَعْطَاكَ؛ فَإِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فَخُذْهُ.
فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْوَكِيلِ؛ فَقَالَ الْوَكِيلُ:
إنِّي أَخْبَرْتُ الْأَمِيرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْكَ أَحَدٌ يَحْمِلُ عَطِيَّتَهُ لَكَ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْكَ بهَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ الثَّلَاثَةِ لِيَحْمِلُوهَا مَعَكَ …
فَمَضَى الرَّجُلُ أَمَامَهُمْ؛ فَلَمَّا بَلَغُوا الْبَيْتَ …
إِذَا عَلَى رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ؛ فَقَالَ لِلْغِلْمَانِ:
ضَعُوا مَا مَعَكُمْ وَانْصَرِفُوا.
فَقَالُوا: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ وَهَبَنَا لَكَ …
فَإِنَّهُ مَا بَعَثَ مَعَ غُلَامٍ هَدِيَّةً إِلَى أَحَدٍ؛ إِلَّا كَانَ الْغُلَامُ فِي جُمْلَةِ الْهَدِيَّةِ.
* * *
وَسَأَلَ أَعْرَابِيٌّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ؛ فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ فَقَالَ لَهُ وَكِيلُهُ:
خَمْسُمِائَةِ دِرْهَم أَمْ دِينَارٍ؟!!.
فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرْتُكَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ …
أَمَا وَإِنَّهُ جَاشَ (١) فِي خَاطِرِكَ أَنَّهَا دَنَانِيرُ؛ فَادْفَعْ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ.
فَلَمَا قَبَضَهَا الْأَعْرَابِيُّ جَلَسَ يَبْكِي؛ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: следующие страницы →