Полный текст (979 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الكتاب العاشر
سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ
"كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ "
سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ؛ صَحَابِيٌّ مُوغِلٌ (١) فِي الْمَجْدِ …
عَرِيقُ السُّؤْدَدِ …
فَجَدُّهُ سَعِيدٌ؛ كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو التَّاجِ …
لأَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَمَّ لَا يَعْتَمُّ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِعِمَامَةٍ مِنْ لَوْنِ عِمَامَتِهِ حَتَّى
يَنْزَعَهَا؛ إِعْظَامًا لَهُ، وَإِجْلَالًا لِشَأْنِهِ.
وَأَبُوهُ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ؛ كَانَ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَكَبِيرًا مِنْ كُبَرَائِهَا؛ خَاضَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَعْرَكَةَ بَدْرٍ هُوَ وَأَخُوهُ عُتْبَةَ؛ فَقُتِلَا مَعًا …
وَكَانَ مَصْرَعُ الْعَاصِ عَلَى يَدَيْ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
* * *
كَانَ سَعِيدٌ؛ يَوْمَ قُتِلَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ فِي بَدْرٍ؛ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ عُمُرِهِ؛ فَكَفَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٢) ﵁؛ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ أَوَاصِر (٣) النَّسَبِ.
فَنَشَأَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فِي كَنَفِ الْجَوَّادِ الْعَبَّادِ السَّجَّادِ؛ ذِي النُّورَيْنِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ.
وَدَرَجَ عَلَى عَيْنِ زَوْجَتَيْهِ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كَلْثُومٍ؛ بِنْتَيْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ стр. 632
عَبْدِ اللهِ ﷺ …
فَوَرِثَ الْمَجْدَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ …
وَنَهِلَ الشَّمَائِلَ (١) الْكَرِيمَةَ وَالْخَلَائِقَ الْعَظِيمَةَ مِنْ أَعْذَبِ يَنَابِيعِهَا وَأَصْفَاهَا …
وَأَخَذَ الْإِسْلَامَ مِنْ أَغْزَرِ مَنَاهِلِهِ وَأَقْوَاهَا …
وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى خَدِينَ (٢) كِتَابِ اللهِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ …
وَتَلَقَّاهُ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ فَم النَّبِيِّ ﵇؛ فَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ في جُمْلَةِ الإِثْنَى عَشَرَ رَجُلًا الَّذِينَ كَتَبُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ وَعَدَّمُوهُ النَّاسَ.
* * *
بَدَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَامَاتُ السِّيَادَةِ مُنْذُ كَانَ فَتًى يَافِعًا (٣).
فَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تُعْطِيَ بُرْدًا (٤) ثَمِينًا كَانَ عِنْدَهَا لِأَكْرَم الْعَرَبِ؛ فَقِيلَ لَهَا: أَعْطِهِ لِهَذَا الْغُلَام [يُرِيدُونَ سَعِيد بْنَ الْعَاصِ].
فَسُمِّيَتْ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَّعِيدِيَّةِ نِسْبَةً إِلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى حَقٍّ حِينَ تَنَبَّأُوا لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِمَا تَنَبَّأُوا لَهُ مِنَ السِّيَادَةِ وَالْجُودِ …
فَقَدْ وَلِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِلْمُسْلِمِينَ الْوِلَايَاتِ، وَقَادَ لَهُمُ الْجُيُوشَ، وَفَتَحَ لَهُمُ الْفُتُوحَ؛ حَيْثُ فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ طَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ (٥) … стр. 633
وَظَلَّ وَالِيًا مِنْ قِبَل عُثْمَانَ عَلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ؛ حَتَّى اسْتُشْهِدَ الْخَلِيفَةُ الْمَظْلُومُ ﵁.
* * *
لَكِنَّ الصِّفَةَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هِيَ الْأَرْيَحِيَّةُ (١) وَالْجُودُ؛ حَتَّى إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَقَّبَهُ بِكَرِيمٍ قُرَيْشٍ.
فَقَدْ أَغْدَقَ اللهُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْمَالَ بِغَيْرِ حِسَابٍ …
فَجَادَ بِهِ سَعِيدٌ عَلَى عِبَادِ اللهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَيْضًا.
وَقَدْ رُوِيَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ رَائِعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَحُكِيَتْ عَنْهُ قِصَصٌ فَذَّةٌ مُثِيرَةٌ؛ مَلَأَتْ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ ثَنَاءً وَضِيَاءً.
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ كَانَ يَصُرُّ صُرَرَ الْمَالِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَيَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِي الْمُصَلِّينَ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ؛ حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ أَخَذُوهَا فَرِحِينَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ (٢).
* * *
وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْقُرَّاءِ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ، وَيَأْخُذُ عَنْهُ كِتَابَ اللهِ؛ فَافْتَقَرَ وَأَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (٣) شَدِيدَةٌ؛ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجُهُ:
إِنَّ أَمِيرَنَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ يُوصَفُ بِالْجُودِ؛ فَلَوْ ذَكَرْتَ لَهُ حَالَكَ؛ فَلَعَلَّهُ يَسْمَحُ لَكَ بِشَيْءٍ.
فَقَالَ: وَيْحَكِ! … أَتُرِيدِينَ أَنْ تَسْلَخِي (٤) وَجْهِي، وَاللهِ لَا أَفْعَلُ. стр. 634
فَمَا زَالَتْ تَشْتَدُّ عَلَيْهِ الْحَاجَةُ وَتُلِحُّ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ فِي الطَّلَبِ؛ حَتَّى أَتَى مَجْلِسَ سَعِيدِ بْن الْعَاصِ؛ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ كُلُّ مَرَّةٍ …
فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ؛ ظَلَّ الرَّجُلُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ …
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ سَعِيدٌ، وَقَالَ:
أَظُنُّ جُلُوسَكَ لِحَاجَةٍ؟!!.
فَسَكَتَ الرَّجُلُ.
فَقَالَ سَعِيدٌ لِغِلْمَانِهِ: انْصَرِفُوا …
فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُ:
لَمْ يَبْقَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ؛ فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ …
فَسَكَتَ الرَّجُلُ …
فَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ وَقَالَ لَهُ:
رَحِمَكَ اللهُ؛ لَسْتَ تَرَى وَجْهِي؛ فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ.
فَقَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الْأَمِيرَ …
أَصَابَتْنَا فَاقَةٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهَا لَكَ؛ فَاسْتَحْيَيْتُ.
فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: هَوِّنَ عَلَيْكَ! وَإِذَا أَصْبَحْتَ؛ فَالْقَ وَكِيلِي فُلانًا.
وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ؛ لَقِيَ الرَّجُلُ وَكِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؛ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِشَيْءٍ؛ فَأْتِ بِمَنْ يَحْمِلُهُ مَعَكَ.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَنْ يَحْمِلُهُ.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَوْجَتِهِ؛ فَلَامَهَا وَقَالَ:
стр. 635
حَمَلْتِنِي عَلَى بَذْلِ مَاءِ وَجْهِي لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؛ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، وَمَا أَرَاهُ أَمَرَ لِي؛ إِلَّا بِدَقِيقٍ أَوْ طَعَامٍ …
وَلَوْ كَانَ مَالًا؛ لَمَا احْتَاجَ إِلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، وَلَأَعْطَانِيهِ بِيَدِي.
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: مَهْمَا أَعْطَاكَ؛ فَإِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فَخُذْهُ.
فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْوَكِيلِ؛ فَقَالَ الْوَكِيلُ:
إنِّي أَخْبَرْتُ الْأَمِيرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْكَ أَحَدٌ يَحْمِلُ عَطِيَّتَهُ لَكَ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْكَ بهَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ الثَّلَاثَةِ لِيَحْمِلُوهَا مَعَكَ …
فَمَضَى الرَّجُلُ أَمَامَهُمْ؛ فَلَمَّا بَلَغُوا الْبَيْتَ …
إِذَا عَلَى رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ؛ فَقَالَ لِلْغِلْمَانِ:
ضَعُوا مَا مَعَكُمْ وَانْصَرِفُوا.
فَقَالُوا: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ وَهَبَنَا لَكَ …
فَإِنَّهُ مَا بَعَثَ مَعَ غُلَامٍ هَدِيَّةً إِلَى أَحَدٍ؛ إِلَّا كَانَ الْغُلَامُ فِي جُمْلَةِ الْهَدِيَّةِ.
* * *
وَسَأَلَ أَعْرَابِيٌّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ؛ فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ فَقَالَ لَهُ وَكِيلُهُ:
خَمْسُمِائَةِ دِرْهَم أَمْ دِينَارٍ؟!!.
فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرْتُكَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ …
أَمَا وَإِنَّهُ جَاشَ (١) فِي خَاطِرِكَ أَنَّهَا دَنَانِيرُ؛ فَادْفَعْ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ.
فَلَمَا قَبَضَهَا الْأَعْرَابِيُّ جَلَسَ يَبْكِي؛ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: стр. 636
ما لَكَ؟ أَلَمْ تَقْبِضُ عَطَاءَكَ؟!.
قَالَ: بَلَى وَاللهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى الْأَرْضِ كَيْفَ تُوَارِي (١) مِثْلَكَ.
* * *
وَكَانَ سَعِيدٌ؛ يَقُولُ لِابْنِهِ عَمْرٍو:
يَا بُنَيَّ؛ اُبْذُلِ الْمَعْرُوفَ ابْتِدَاءً (٢) مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ …
أَمَّا إِذَا أَتَاكَ الرَّجُلُ تَكَادُ تَرَى دَمَهُ فِي وَجْهِهِ مِنَ الْحَيَاءِ، أَوْ جَاءَكَ مُخَاطِرًا لَا يَدْري أَتُعْطِيهِ أَمْ تُمْسِكُ عَنْهُ …
فَوَاللَّهِ لَوْ خَرَجْتَ (٣) لَهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِكَ مَا كَافَأْتُهُ.
* * *
وَلَمَّا حَضَرَتْ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ الْوَفَاةُ؛ جَمَعَ بَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ:
يَا بَنِيَّ؛ لَا يَفْقِدَنَّ أَصْحَابِي بِمَوْتِي غَيْرَ وَجْهِي …
فَصِلُوهُمْ بِمَا كُنْتُ أَصِلُهُمْ بِهِ، وَأَجْرُوا عَلَيْهِمْ مَا كُنْتُ أُجْرِيهِ عَلَيْهِمْ …
وَاكْفُوهُمْ مَؤُونَةَ (٤) الطَّلَبِ …
فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَبَ الْحَاجَةَ؛ اضْطَرَبَتْ أَرْكَانُهُ، وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُرَدُّ …
فَوَاللَّهِ! لَرَجُلٌ يَتَمَلْمَلُ عَلَى فِرَاشِهِ وَهْوَ يَرَاكُمْ أَهْلًا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ؛ أَعْظَمُ مِنَّةً عَلَيْكُمْ مِمَّا تُعْطُونَهُ.
* * * стр. 637
فَلَمَّا مَاتَ؛ قَدِمَ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ فِي دِمَشْقَ يُخْبِرُهُ بِوَفَاةِ أَبِيهِ، فَبَكَى مُعَاوِيَةُ وَاسْتَرْجَعَ (١)، وَقَالَ:
هَلْ تَرَكَ أَبُوكَ مِنْ دَيْنٍ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟.
قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هِيَ عَلَيَّ.
فَقَالَ: إِنَّهُ أَوْصَانِي أَلَّا أَقْضِيَ دَيْنَهُ؛ إِلَّا مِنْ ثَمَنِ أَرَاضِيهِ …
فَاشْتَرَى مِنْهُ مُعَاوِيَةُ أَرْضًا بِمَبْلَغَ الدَّيْنِ.
* * *
عَادَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِالنَّاسِ:
أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؛ فَلْيَأْتِ ابْنَهُ عَمْرًا لِيَقْبِضَهُ …
فَجَاءَهُ شَابٌّ مَعَهُ رُقْعَةٌ مِنْ أَدْمٍ (٢)، كُتِبَ لَهُ فِيهَا عِشْرُونَ أَلْفًا.
فَقَالَ عَمْرٌو:
كَيْفَ اسْتَحَقَّ هَذَا الْمَالَ عَلَى أَبِي؟.
فَقَالَ الشَّابُ: كَانَ أَبُوكَ خَارِجًا مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ مَعْزُولًا مِنْ عَمَلِهِ؛ فَتَبِعْتُهُ أَمْشِي مَعَهُ؛ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ:
أَلَكَ حَاجَةٌ؟ … فَأَجَبْتُ: لَا، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؛ فَقَالَ: стр. 638
كَانَ مَعَكَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ:
يَا بْنَ أَخِي اطْلُبْ لِي دَوَاةً وَجِلْدًا، فَأَحْضَرْتُهُمَا لَهُ …
فَكَتَبَ لِي بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقَالَ:
يَا بْنَ أَخِي؛ إِذَا جَاءَتْ غَلَّتْنَا دَفَعْنَا ذَلِكَ لَكَ.
فَدَفَعَ لَهُ عَمْرٌو الْمَالَ، وَزَادَهُ شَيْئًا كَثِيرًا.
فَقَالَ النَّاسُ: مَنْ تَرَكَ مِثْلَ عَمْرُو بْن سَعِيدٍ لَمْ يَمْتَ.
* * *
رَضِيَ الله عَنِ السَّخِيِّ الْجَوَّادِ …
حَافِظِ كِتَابِ اللهِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ …
وَنَوَّرَ لَهُ فِي قَبْرِهِ (*).
стр. 639
جُلَيبِيبٌ
"جُلَيْبِيبٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ"
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ]
كَانَ جُلَيْبِيبٌ يَوْمَ هَاجَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَتًى يَافِعًا (١) لَمْ يُجَاوِزِ الْعَاشِرَةَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا قَلِيلًا …
فَمَا إِنِ اكْتَحَلَتْ عَيْنَاهُ الصَّغِيرَتَانِ بِمَرْأَى الرَّسُولِ الْأَعْظَم ﷺ حَتَّى حَلَّ فِي السُّوَيْدَاءِ مِنْ قَلْبِهِ …
وَشُغِفَ فُؤَادُهُ بِحُبِّهِ ....
وَشُغِلَ بِهِ عَنْ صَحْبِهِ وَلِدَاتِهِ (٢) مِنَ الصِّبْيَةِ الصِّغَارِ؛ الَّذِينَ كَانَ يَأْنَسُ بِهِمْ وَيَأْنَسُونَ بِهِ.
وَلَمْ يَكُنْ لِجُلَيْبِيبٍ إِذْ ذَاكَ أَهْلٌ وَلَا مَالٌ.
فَاتَّخَذَ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ مَقَامًا، وَمِنْ أَهْل الصُّفَّةِ (٣) أَهْلًا وَخُلَّانًا …
فَكَانَ يَتَبَلَّغُ (٤) مَعَهُمْ بِمَا يُهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ طَعَامٍ …
وَبِمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَوُو الْإِحْسَانِ.
وَقَدْ كَانَ جُلَيْبِيبٌ خَفِيفَ الظِّلِّ؛ حُلْوَ الدُّعَابَةِ … стр. 640
آلِفًا مَأْلُوفًا.
فَكَانَ يَغْدُو عَلَى بُيُوتِ الْأَنْصَارِ فِي يَثْرِبَ؛ فَيَنْثُرُ فِيهَا مَا يُمْتِعُهُمْ مِنْ طُرَفِهِ …
وَيُعَطِّرُ أَجْوَاءَهَا بِمَا يَرْوِيهِ لَهُمْ مِنْ مُلَحِهِ.
وَقَدْ كَانَ لَا يُغْلَقُ دُونَهُ بَابٌ، وَلَا تَحْتَشِمُ مِنْهُ امْرَأَةٌ …
لأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا؛ لَمْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ (١) بَعْدُ.
* * *
ثُمَّ شَبَّ جُلَيْبِيبٌ وَبَلَغَ مَبَالِغَ الرِّجَالِ؛ فَطَفِقَ الْأَزْوَاجُ يُنَبِّهُونَ زَوْجَاتِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ إِلَى أَنَّ جُلَيْبِيبًا لَمْ يَبْقَ صَغِيرًا كَمَا عَهِدْنَهُ مِنْ قَبْلُ …
وَأَنَّ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَسْتَتِرْنَ مِنْهُ …
وَأَلَّا يَأْذَنَّ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ؛ كَمَا كُنَّ يَفْعَلْنَ …
* * *
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ قَالَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِجُلَيْبِيبٍ:
(أَلَا تَتَزَوَّجُ يَا جُلَيْبِيبُ؟).
فَقَالَ: وَمَنْ يُزَوِّجُنِي يَا رَسُولَ اللهِ؟! …
فَأَنَا شَابٌ فَقِيرٌ لَا نَفَقَةَ عِنْدِي وَلَا صَدَاقَ (٢).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊:
(أَنَا أَبْتَغِي (٣) لَكَ الزَّوْجَةَ الصَّالِحَةَ … стр. 641
وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُغْنِيكُمَا مِنْ فَضْلِهِ).
* * *
وَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَصْحَابِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِنْتٌ يُرِيدُونَ تَزْوِيجَهَا أَوْ أَيِّمٌ (١) تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا؛ أَلَّا يُزَوِّجُوهَا مِنْ أَحَدٍ؛ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِضُوهَا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ …
حَتَّى يَعْلَمُوا إِنْ كَانَتْ لَهُ بِهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا.
* * *
مَضَتْ مُدَّةٌ لَمْ تُعْرَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَصْلُحُ لِجُلَيْبِيبٍ؛ فَلَمَّا أَبْطَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ بَادَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ:
(يَا فُلَانُ زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ فُلَانَةَ).
فَاسْتَطَارَ الرَّجُلُ فَرَحًا بِمَا سَمِعَ وَقَالَ:
نَعَمُ يَا رَسُولَ الله … نَعَمْ، وَنِعْمَةَ عَيْنٍ …
أَكْرِمْ بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ صِهْرٍ، وَأَعْزِزْ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي).
فَخَمَدَ (٢) الرَّجُلُ وَقَالَ:
لِمَنْ تُرِيدُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: стр. 642
(لِجُلَيْبِيبٍ … ).
فَغَاضَ (١) الْبِشْرُ الَّذِي كَانَ يَطْفَحُ عَلَى وَجْهِ الرَّجُلِ، وَقَالَ:
أَنْظِرْنِي - يَا رَسُولَ اللهِ - حَتَّى أَسْتَشِيرَ أُمَّهَا؛ فَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ فِي أَمْرٍ كَهَذَا مِنْ دُونِهَا …
* * *
مَضَى الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِهِ كَاسِفَ الْبَالِ حَزِينَ النَّفْسِ …
فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ؛ بِأَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تَرْضَى بِفَتًى مِثْلِ جُلَيْبِيبٍ بَعْلًا (٢) لِبِنْتِهَا.
وَكَانَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَا تَطِيبُ (٣) نَفْسُهُ أَبَدًا؛ بِأَنْ يَرُدُّ الرَّسُولَ ﵊ خَائِبًا … مَهْمَا كَانَ مَطْلَبُهُ عَزِيزًا.
فَلَمَّا بَلَغَ الْبَيْتَ؛ نَادَى زَوْجَتَهُ وَقَالَ:
يَا أُمَّ فُلَانَةٍ؛ فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ تَقُولُ: لَبَّيْكَ.
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ.
فَقَالَتْ: ابْنَتِي …
رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ ابْنَتِي …
يَا لَسَعْدِهَا …
مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَرْحَبًا بِهِ …
نَعَمْ نُزَوِّجُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . стр. 643
وَهَلْ فَوْقَ ذَلِكَ الشَّرَفِ مِنْ شَرَفٍ؟!.
فَقَاطَعَهَا الرَّجُلُ وَقَالَ:
وَلَكِنَّهُ لَا يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ.
فَسَكَنَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالَتْ فِي خَيْبَةٍ:
فَلِمَنْ يُرِيدُهَا إِذَنْ؟.
قَالَ: لِجُلَيْبِيبٍ.
فَقَالَتْ: لِجُلَيْبِيبٍ؟!! … لا …
لَعَمْرُ اللهِ! لَا أُزَوِّجُهَا مِنْ جُلَيْبِيبٍ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: مَاذَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟!.
فَقَالَتْ: قُلْ لَهُ مَا تَشَاءُ …
تَقَدَّمُ لَهُ بِمَا يَحْضُرُكَ مِنْ عُذْرٍ.
فَمَا أَنَا بِالَّتِي تَرْضَى جُلَيْبِيبًا زَوْجًا لِبنْتِهَا وَلَا صِهْرًا لَهَا.
وَحَمِيَ الْحِوَارُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَارْتَفَعَ صَوْتَاهُمَا …
فَالزَّوْجُ يَسْتَرْضِي امْرَأَتَهُ وَيَسْتَلِينُهَا …
وَالزَّوْجَةُ تَشْتَدُّ عَلَى زَوْجِهَا وَتُصِرُّ …
فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِقْنَاعِهَا وَهَمَّ بِالْمُضِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لإِبْلَاغِهِ الْقَرَارَ …
بَادَرَتْ إِلَيْهِمَا ابْنَتُهُمَا؛ وَكَانَتْ قَدْ سَمِعَتْ أَطْرَافًا مِنَ الْحِوَارِ الَّذِي دَارَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَتْ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟.
стр. 644
فَقَالَتِ الْأُمُّ: خَطَبَكِ النَّبِيُّ ﷺ لِجُلَيبِيبٍ!! …
وَقَدْ رَفَضْتُ أَنْ أُزَوِّجَكِ مِنْهُ …
فَبِنْتٌ فِي مِثْلِ شَبَابِكِ وَجَمَالِكِ وَحَسَبِكِ (١)؛ جَدِيرَةٌ بِأَكْرَمِ الْأَزْوَاجِ.
فَقَالَتِ الْفَتَاةُ:
وَيْحَكُمْ!! أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرَهُ؟!! …
وَاللهِ! مَا أَنَا بِالَّتِي تَرْفُضُ طَلَبًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ …
أَجِيبُوا طَلَبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ …
فَالنَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
أَعْطُونِي لِجُلَيْبِيبٍ، وَثِقُوا بِأَنَّ اللهَ لَنْ يُضَيِّعَنِي أَبَدًا.
فَسَكَتَتِ الْأُمُّ عَلَى مَضَضٍ (٢) …
وَمَضَى الْأَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ:
أَنْتَ وَمَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ …
زَوِّحِ ابْنَتَنَا مِنْ جُلَيْبِيبٍ.
فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لِلْبِنْتِ؛ فَقَالَ:
(اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا (٣)) …
وَزَوَّجَهَا مِنْ جُلَيْبِيبٍ.
* * * стр. 645
لَمْ يَمْضِ عَلَى فَرْحَةِ جُلَيْبِيبٍ بِعَرُوسِهِ غَيْرُ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ؛ حَتَّى دَعَا الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ النَّاسَ لِغَزْوَةٍ يَغْزُونَهَا مَعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ.
فَبَادَرَ جُلَيْبِيبٌ إِلَى تَلْبِيَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَجَهَّزَ نَفْسَهُ، وَوَدَّعَ عَرُوسَهُ، وَمَضَى فِي صُحْبَةِ الرَّسُولِ الأَعْظَم ﷺ .
* * *
وَلَمَّا أَنْجَزَ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ غَزْوَتَهُ، وَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنَّصْرِ؛ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
(هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ).
قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ.
فَقَالَ ﵊:
(وَلَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا؛ فَاطْلُبُوهُ (١)).
فَطَفِقُ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَبْحَثُونَ عَنْ جُلَيْبِيبٍ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ …
فَإِذَا هُوَ قَدْ أَرْدَى (٢) سَبْعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِسَيْفِهِ.
ثُمَّ خَرَّ صَرِيعًا إِلَى جَنْبِهِمْ … وَهْوَ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ.
فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا:
هَا هُوَ ذَا جُلَيْبِيبٌ إِلَى جَانِبِ سَبْعَةٍ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قُتِلَ. стр. 646
فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ ، وَوَقَفَ فَوْقَهُ، وَقَالَ:
(قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ.
هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ …
هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ).
ثُمَّ أَمَرَ ﵊ بِأَنْ يَحْفُرُوا لَهُ قَبْرًا ....
فَلَمَّا أَتَمُّوا حَفْرَ الْقَبْرِ …
قَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ الْأَعْظَمُ ﷺ وَحَمَلَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ …
وَوَضَعَهُ بِيَدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ فِي مَثْوَاهُ …
وَأَهَالَ عَلَيْهِ التُّرَابَ.
* * *
وَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ (١) زَوْجَةِ جُلَيْبِيبٍ؛ أَقْبَلَ عَلَيْهَا النَّاسُ يَخْطُبُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ إِقْبَالًا عَظِيمًا …
حَتَّى إِنَّهُ مَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَكْثَرُ مِنْهَا خُطَّابًا وَلَا رُغَّابًا.
فَالنَّاسُ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ قَدْ دَعَا لَهَا اللهَ: بأَنْ يَصُبُّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا …
وَأَلَّا يَجْعَلَ عَيْشَهَا كَدًّا (*). стр. 647
سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ
"صَاحِبُ رَايَةِ الْأَنْصَارِ فِي بَدْرٍ"
كَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ أَهَلَّ نُورُ النُّبُوَّةِ …
فَارِسًا مِنْ أَعَزِّ فُرْسَانِ يَثْرِبَ نَفَرًا …
وَأَعْلَاهُمْ سُلْطَانًا، وَأَعْرَضِهِمْ جَاهًا.
وَكَانَ فِي الذُّرْوَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ …
وَكَانَ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِي الذُّرْوَةِ مِنَ الْأَوْسِ (١).
وَكَانَ فَتَى الْأَوْسِ وَسَيِّدَهَا؛ يَسْتَمِعُ إِلَى أَخْبَارِ الدَّاعِيَةِ الْمَكِّيِّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ (٢)؛ فَلَا يُعِيرُهَا كَثِيرًا مِنِ اهْتِمَامِهِ …
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَلَّ فِي ضِيَافَةِ ابْنِ خَالَتِهِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَأَنَّهُمَا يَتَعَاوَنَانِ عَلَى بَثِّ الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ الْجَدِيدِ فِي رُبُوعِ يَثْرِبَ؛ فَلَا يَعْتَرِضُ سَبِيلَهُمَا؛ رِعَايَةً لِحَقِّ ابْنِ خَالَتِهِ عَلَيْهِ.
* * *
وَبَيْنَمَا كَانَ سَيِّدُ الْأَوْسِ يَتَجَوَّلُ فِي ضَوَاحِي دِيَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ (٣)، إِذْ رَأَى الدَّاعِيَةَ الْمَكِّيَّ وَمُضِيفَهُ فِي بُسْتَانٍ قَرِيبٍ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِهِ؛ يَسْتَرِيحَانِ فِي ظِلِّ نَخِيلِهِ، وَيَسْتَقِيَانِ مِنْ مَاءٍ بِئْرِهِ …
وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ، وَطَفِقُوا يَسْأَلُونَ стр. 648
مُصْعَبًا أَنْ يُفَقِّهَهُمْ فِي دِينِ اللهِ، وَأَنْ يُقْرِئَهُمْ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ …
فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِ الْأَوْسِ، وَعَزَّ عَلَيْهِ أَنْ تَبْلُغَ الْجُرْأَةُ بِابْنِ خَالَتِهِ وَضَيْفِهِ حَدًّا؛ جَعَلَهُمَا يَجْهَرَانِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ فِي عُقْرِ (١) دَارِه.
فَقَالَ لِأُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ:
لَا أَبَا لَكَ (٢) يَا أُسَيْدُ؛ انْطَلِقْ إِلَيْهِمَا وَانْظُرْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَكِّيِّ الَّذِي أَتَى لِيَعِيبَ دِينَنَا، وَيَنْتَقِصَ مِنْ آلِهَتِنَا وَيَفْتِنَ ضُعَفَاءَنَا …
فَازْجُرْهُ عَنْ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْ دِيَارِنَا بَعْدَ الْيَوْمِ …
ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ:
وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ زُرَارَةَ هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَهُوَ مِنِّي حَيْثُ تَعْلَمُ؛ لَكَفَيْتُكَ ذَلِكَ، وَلَكَانَ لِي مَعَهُمَا شَأْنٌ آخَرُ.
* * *
أَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْر حَرْبَتَهُ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ وَصَاحِبِهِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمَا …
فَابْتَدَرَهُ (٣) مُصْعَبٌ بِوَجْهِهِ الطَّلْقِ، وَكَلِمَتِهِ اللَّيِّنَةِ، وَأَخَذَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام، وَطَفِقَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا يَسْتَلِينُ الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ، وَيَسْتَمِيلُ النُّفُوسَ النَّافِرَةَ، حَتَّى أَشْرَقَ وَجْهُهُ، وَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُهُ، وَقَالَ لِمُصْعَبٍ:
مَا أَعْذَبَ هَذَا الْكَلَامَ وَمَا أَحْسَنَهُ!!! …
كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ الْجَدِيدِ؟. стр. 649
قَالَ: تَغْتَسِلُ، وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَتَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ للهِ … وَهَذَا الْمَاءُ مِنْكَ قَرِيبٌ.
فَقَامَ أُسَيْدٌ إِلَى الْمَاءِ مِنْ تَوِّهِ، فَاغْتَسَلَ، وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ للهِ، ثُمَّ قَالَ لِمُصْعَبٍ:
إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنِ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ لَكُمَا الْآنَ؛ فَأَحْسِنَا التَّأْتِّيَ (١) لَهُ …
* * *
عَادَ أُسَيْدٌ إِلَى نَادِي (٢) الْقَوْمِ؛ فَلَمَّا رَآهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا؛ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ:
أَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّ أُسَيْدًا جَاءَكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ …
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَا فَعَلْتَ يَا أُسَيْدُ؟!.
قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ - فَوَاللَّهِ - مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا …
فَنَهَضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُغْضَبًا، وَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدِ أُسَيْدٍ، وَقَالَ:
وَاللهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ (٣) شَيْئًا، وَلَئِنْ دَامَ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؛ لَأَجِدَنَّهُمَا غَدًا فِي دَارِي يَدْعُوَانِ زَوْجِي وَأَوْلَادِي؛ إِلَى تَرْكِ دِينِي وَدِينِ آبَائِي وَأَجْدَادِي.
* * *
تَوَجَّهَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ إِلَى حَيْثُ يَجْلِسُ مُصْعَبٌ وَصَاحِبُهُ …
فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ خَالَتِهِ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ مُقْبِلًا، قَالَ لِمُصْعَبٍ: стр. 650
أَيْ مُصْعَبُ؛ لَقَدْ جَاءَكَ - وَاللهِ - سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ يَتْبَعْكَ لَا يَتَخَلَّفْ عَنْكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ؛ فَانْظُرْ مَاذَا أَنْتَ فَاعِلٌ؟ …
فَمَا إِنْ بَلَغَهُمَا سَعْدٌ وَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، حَتَّى اتَّجَهَ إِلَى ابْنِ خَالَتِهِ، وَبَادَرَهُ قَائِلًا:
يَا أَبَا أُمَامَةَ … أَمَا وَاللهِ - لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ - مَا طَمِعْتَ (١) هَذَا مِنِّي … أَتَغْشَانَا (٢) فِي دِيَارِنَا بِمَا نَكْرَهُ؟!!.
فَبَادَرَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بِوَجْهِهِ الطَّلْقِ وَكَلِمَتِهِ الْحُلْوَةِ، وَقَالَ:
أَلَا تَقْعُدُ فَتَسْمَعَ؛ فَإِنْ رَضِيتَ مَا نَقُولُهُ وَرَغِبْتَ فِيهِ؛ قَبِلْتَ دَعْوَتَنَا … وَإِنْ كَرهْتَهُ تَحَوَّلْنَا عَنْكَ السَّاعَةَ …
فَاسْتَلانَ هَذَا الْكَلَامُ قَلْبَ سَعْدٍ، وَقَالَ:
وَاللهِ أَنْصَفْتَ … هَاتِ مَا عِنْدَكَ.
فَانْطَلَقَ مُصْعَبٌ؛ فَعَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى سَعْدِ بْن مُعَاذٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ الْعَرْضُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرآنِ مَا خَشَعَ لَهُ قَلْبُهُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ جَوَارِحُهُ (٣)، وَسَبَحَتْ مَعَهُ رُوحُهُ.
فَمَا لَبِثَ أَنْ قَالَ لِمُصْعَبٍ:
كَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي هَذَا الْخَيْرِ؟ …
وَاللهِ! مَا سَمِعْتُ كَلَامًا أَبَرَّ وَلَا أَكْرَمَ مِنْ هَذَا الْكَلَام. стр. 651
وَلَمْ يَبْرَحْ سَيِّدُ الْأَوْسِ مَكَانَهُ؛ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَانْضَمَّ إِلَى رَكْبِ الْإِيمَانِ.
* * *
أَخَذَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حَرْبَتَهُ، وَعَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ …
فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلًا؛ قَالُوا:
نَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ …
فَلَمَّا بَلَغَ النَّادِيَ قَالَ:
يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ؛ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟.
قَالُوا: سَيِّدُنَا حَقًّا، وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَكْمَلُنَا عَقْلًا.
قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ؛ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ …
فَمَا أَمْسَى فِي دِيَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ؛ إِلَّا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً …
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْتَقَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَوَّلُ مُبَشِّرِ بِالْإِسْلَامِ إِلَى مَنْزِلِ سَيِّدِ الْأَوْسِ سَعْدِ بْن مُعَاذٍ، وَاتَّخَذَ يَيْتَهُ مَوْئِلًا (١) لِلدَّعْوَةِ …
حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ؛ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ مُسْلِمُونَ وَنِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ …
وَبِذَلِكَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ يَثْرِبَ فِي وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ … стр. 652
فَطَفِقُوا يَتَوَافَدُونَ عَلَيْهَا جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى …
وَيَجِدُونَ فِي رِحَابِهَا الْحِمَايَةَ وَالْأَمْنَ.
* * *
لَقَدْ كَانَ إِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ خَيْرًا لِلْإِسْلَامِ وَبَرَكَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ …
وَكَانَ لَهُ مِنْ جَلِيلِ الْمَوَاقِفِ فِي نُصْرَةِ الدَّعْوَةِ مَا مَلَأَ نَفْسَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ حُبًا لَهُ وَإِعْجَابًا بِهِ.
فَفِي يَوْمِ بَدْرٍ حِينَ خَرَجَ الرَّسُول ﷺ لِاعْتِرَاضِ عِيرِ قُرَيْشٍ؛ مَا لَبِثَ أَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَوْقِفٍ حَرِجٍ …
ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا خَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ ﷺ إِلَّا لِلاسْتِيلاء عَلَى قَافِلَةٍ لَا يَزِيدُ عَدَدُ حُمَاتِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ رَجُلًا …
ثُمَّ تَحَوَّلَ الْأَمْرُ فَجْأَةً إِلَى مُجَابَهَةٍ مَعَ جَيْشٍ لَجِبٍ؛ يَقُودُهُ الْعِنَادُ وَتُثِيرُهُ الْأَحْقَادُ، وَيَدْفَعُهُ التَّحَدِّي.
وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا … وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَرَارَ الْحَاسِمَ …
فَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ تَارِكًا جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ يَجُوسُ (١) خِلَالَ الدِّيَارِ وَيُبَاهِي بِقُوَّتِهِ أَمَامَ الْقَبَائِلِ الضَّارِبَةِ (٢) بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ …
وَإِمَّا أَنْ يُنَازِلَ جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ الْكَبِيرَ بِجَيْشِهِ الصَّغِيرِ.
وَكَانَ هَذَا الْقَرَارُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَوْقِفِ الْأَنْصَارِ …
ذَلِكَ لِأَنَّ جُلَّ جَيْشِهِ مِنْهُمْ … стр. 653
وَهُمُ الَّذِينَ سَيَحْمِلُونَ عِبْءَ الْمَعْرَكَةِ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ؛ تَعَهَّدُوا لَهُ بِحِمَايَتِهِ مِمَّا يَحْمُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ …
وَلَمْ يَعِدُوهُ بِالْقِتَالِ مَعَهُ خَارِجَ دِيَارِهِمْ.
عِنْدَ ذَلِكَ وَقَفَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَعْلَنَ فِي كَلِمَاتٍ حَاسِمَةٍ حَازِمَةٍ؛ عَزْمَ الْأَنْصَارِ عَلَى خَوْضِ الْمَعْرَكَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ:
"يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ …
وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ …
فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ …
فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ؛ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ …
إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ؛ صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ …
وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ (١) بِهِ عَيْنُكَ".
فَسُرَّ الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ أَشَدَّ السُّرُورِ وَأَعْظَمَهُ، وَعَقَدَ رَايَةَ الْأَنْصَارِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَرَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ …
* * *
وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ كَانَ لِسَعْدٍ مَوْقِفٌ مَشْهُودٌ …
ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ حِينَ رَأَى شِدَّةَ وَطْأَةِ الْأَحْزَابِ (٢) عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ أَرَادَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ. стр. 654
فَفَاوَضَ قَادَةَ غَطْفَانَ عَلَى إِعْطَائِهِمْ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ؛ إِذَا تَرَكُوا قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَرَضُوا بِذَلِكَ.
فَلَمَّا عَرَفَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَا يَدُورُ بَيْنَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ وَغَطْفَانَ؛ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇، وَقَالَ:
أَهَذَا أَمْرٌ تُحِبُّهُ؟ … فَنَصْنَعُهُ (١) لَكَ.
أَمْ شَيْءٌ أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ؟ … فَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ.
أم هُوَ أَمْرٌ تَصْنَعُهُ لَنَا؟ … لِتُخَفِّفَ عَنَّا.
فَقَالَ ﵇:
(بَلْ هُوَ أَمْرٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ …
وَوَاللَّهِ! مَا صَنَعْتُهُ إِلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ (٢) عَنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ).
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ …
وَاللَّهِ! لَقَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؛ فَمَا طَمِعُوا أَنْ يَنَالُوا مِنَّا ثَمَرَةً إِلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ قِرًى (٣) …
وَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ؛ نُعْطِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِنَا؟! …
وَاللَّهِ! - يَا رَسُولَ اللَّهِ - مَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ … حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. стр. 655
فَسُرَّ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ بِمَقَالَةِ سَعْدٍ، وَصَرَفَ الْأَمْرَ.
* * *
وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ هَذَا؛ أُصِيبَ سَعْدٌ بِسَهْمٍ قَطَعَ أَكْحَلَهُ (١)، وَأَوْرَدَهُ مَوَارِدَ الْمَوْتِ …
وَفِيمَا كَانَ فَتَى الْإِسْلَامِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يُحْتَضَرُ؛ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهِ، وَيُسَجِّيهِ (٢) بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي لَوْعَةٍ وَحُزْنٍ، وَيَقُولُ:
(اللَّهُمَّ إِنَّ سَعْدًا جَاهَدَ فِي سَبِيلِكَ …
وَصَدَّقَ رَسُولَكَ ....
وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ …
فَتَقَبَّلْ رُوحَهُ بِخَيْرِ مَا تَقَبَّلْتَ بِهِ رُوحًا).
فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ سَعْدٍ وَهْوَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَمَا إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ …
ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ (*). стр. 656
شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ
"إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُؤْتَى عِلْمًا وَلَا يُؤْتَى حِلْمًا، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى حِلْمًا وَلَا يُؤْتَى عِلْمًا، وَإِنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ مَعَا" [عَارِفُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ]
هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ وِعَاءٌ (١) مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ …
وَعَابِدٌ مِنْ عُبَّادِ الصَّحَابَةِ …
وَزَاهِدٌ مِنْ زُهَّادِ الْأَنْصَارِ …
قَدْ تَشَبَّعَ بِحُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، وَارْتَوَى مِنْ دِينِ اللَّهِ الْقَوِيمِ، وَالْتَزَمَ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ.
إِنَّهُ شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ وَأَرْضَاهُ …
* * *
نَشَأَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ في أُسْرَةٍ بَذَلَتْ لِلرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعُهُ مِنْ تَأْبِيدٍ وَنُصْرَةٍ، وَأَعْطَتْهُ سَائِرَ مَا تَمْلِكُهُ مِنْ طَاقَةٍ وَعَوْنٍ.
فَأَبُوهُ أَوْسُ بْنُ ثَابِتٍ؛ كَانَ أَحَدَ الرِّجَالِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ.
وَعَاهَدُوهُ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ (٢) هُوَ وَمَنْ مَعَهُ؛ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ.
فَبَرَّ أَوْسُ بْنُ ثَابِتٍ أَبُو شَدَّادٍ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ، وَبَذَلَ فِي سَبِيلِ الْإِسْلَامِ стр. 657
جَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ قُوَاهُ.
وَظَلَّ يُجَاهِدُ إِلَى جَانِبِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ حَتَّى اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَمَضَى إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ رَاضِيًا مَرْضِيًّا.
وَعَمُّهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَالذَّائِدُ (١) عَنْهُ بِلِسَانٍ؛ كَانَ أَحَدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُرْهَفَاتِ (٢) السُّيُوف.
وَالْمُدَافِعُ عَنْهُ بِبَيَانٍ؛ كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ وَقْعِ السِّهَامِ فِي غَبَشِ (٣) الظَّلَامِ.
* * *
وَقَدْ أُتِيحَ (٤) لِشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ فَوْقَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُتَحْ لِغَيْرِهِ مِنْ شُبَّانِ الْمَدِينَةِ.
فَقَدْ كُتِبَ لِبَيْتِهِمْ شَرَفُ اسْتِضَافَةِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتِضَافَةِ زَوْجِهَا التَّقِيِّ النَّقِيِّ الْبَرِّ (٥) عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (٦) ذِي النُّورَيْنِ زَوْجِ الِابْنَتَيْنِ، وَصَاحِبِ الْهِجْرَتَيْنِ.
* * *
ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ حِينَ أَخَذَ يُؤَاخِي بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ اخْتَارَ وَالِدَ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ؛ لِيَكُونَ أَخًا لِصِهْرِهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. стр. 658
كَمَا اخْتَارَ أُمَّ شَدَّادٍ؛ لِتَنْزِلَ ابْنَتُهُ رُقَيَّةُ فِي جَوَارِهَا …
فَلَقِيَ عُثْمَانُ وَزَوْجَتُهُ فِي كَنَفِ (١) هَذَا الْبَيْتِ الْمُؤْمِنِ مِنْ كَرِيمِ الرِّعَايَةِ، وَعَظِيمِ الْعِنَايَةِ مَا يَلِيقُ بِمَنْزِلَتِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ تَيَسَّرَ لِشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - بِسَبَبِ صِلَتِهِ بِالرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعِلْمَ مِنْ أَصْفَى مَنَاهِلِهِ وَأَغْزَر مَوَارِدِهِ (٢)؛ حَتَّى قَالَ عَنْهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁:
إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فَقِيهًا …
وَإِنَّ فَقِيهَ هَذِهِ الْأُمَّةِ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ.
* * *
كَمَا أَتَاحَتْ لَهُ صِلَتُهُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنْ يَتَمَرَّسَ (٣) عَلَى الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ عَلَى يَدَيْ عَلَمٍ مِنْ أَعْلَامِ التُّقَى وَالصَّلَاحِ؛ فَبَلَغَ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ شَأْوًا (٤) لَمْ تَبْلُغْهُ إِلَّا الْقِلَّةُ الْقَلِيلَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَلَمْ يَحْظُ بِهِ إِلَّا السَّابِقُونَ الْمُقَرَّبُونَ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ لِيَنَالَ قَدْرًا مِنَ الرَّاحَةِ؛ ظَلَّ يَتَقَلَّبُ فِي مَضْجَعِهِ؛ كَأَنَّهُ فَوْقَ نُحَاسٍ مَحْمِيٍّ وَهْوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ! إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ أَقْلَقَتْنِي؛ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنَامَ …
وَأَذْهَبَتِ الْكَرَى (٥) عَنْ عَيْنِي؛ فَمَا أُطِيقُ أَنْ أَغْفُوَ. стр. 659
ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي حَتَّى يُسْفِرَ (١) الصُّبْحُ.
* * *
وَقَدْ كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ أَحَدَ الْقَلَائِلِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْعِلْمَ إِلَى الْحِلْمِ؛ فَقَدْ كَانَ عَارِفُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ عَنْهُ:
إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُؤْتَى عِلْمًا وَلَا يُؤْتَى حِلْمًا، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى حِلْمًا وَلَا يُؤْتَى عِلْمًا، وَإِنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ مَعًا.
* * *
وَقَدْ عَرَفَ الْفَارُوقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا يَتَحَلَّى بِهِ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ مِنْ نَبِيلِ الْخِلَالِ (٢)، وَجَلِيلِ الْمَزَايَا؛ فَاسْتَعْمَلَهُ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ بَعْدَ أَنْ تَخَلَّى عَنْ وَلَايَتِهَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ (٣).
فَارْتَاحَ لَهُ أَهْلُهَا، وَكَانُوا لَا يَرْتَاحُونَ لِأَحَدٍ …
وَلَقَدْ ظَلَّ يَلِي (٤) أُمُورَهُمْ حَتَّى اسْتُشْهِدَ عُثْمَانُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَتَخَلَّى عَمَّا أُسْنِدَ إِلَيْهِ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
* * *
أَحَسَّ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ بَعْدَ مَصْرَعِ الْخَلِيفَةِ الشَّهِيدِ أَنَّ الْفِتْنَةَ ذَرَّتْ (٥) بِقَرْنِهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِيهَا دَفْعًا.
فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَأَبْنَاءَهُ، وَنَزَحَ (٦) بِهِمْ عَنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ стр. 660
وَسَلَّمَ؛ غَيْرَ قَالٍ (١) لَهَا، وَلَا كَارِهٍ …
وَحَطَّ رِحَالَهُ فِي فِلَسْطِينَ أَرْضِ الْقَدَاسَاتِ، وَمَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ فِي مَرَابِع أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثِ الْحَرَمَيْنِ حَتَّى عُمِّرَ وَشَاخَ.
غَيْرَ أَنَّهُ ظَلَّ - مَعَ ذَلِكَ - شَدِيدَ الْحَنِينِ إِلَى مَكَّةَ مَنْبَعِ النُّورِ؛ كَثِيرَ التَّشَوُّقِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجَرِ (٢) رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
حَدَّثَ فَتًى مِنْ مُجَاشِعٍ؛ قَالَ:
انْطَلَقْتُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ أَنَا وَصَحْبٌ لِي قَاصِدِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ؛ فَإِذَا نَحْنُ بِأَخْبِيَّةٍ (٣) فِيهَا فُسْطَاطٌ كَبِيرٌ؛ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي:
عَلَيْكُمْ بِصَاحِبِ هَذَا الْفُسْطَاطِ فَإِنَّهُ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ.
فَلَمَّا بَلَغْنَا الْفُسْطَاطَ سَلَّمْنَا، فَرَدَّ السَّلَامَ رَجُلٌ كَانَ قَائِمًا هُنَاكَ؛ وَهَشَّ لَنَا وَبَشَّ.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ؛ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا شَيْخٌ وَقُورٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ …
فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ هِبْنَاهُ مَهَابَةً لَمْ نَهَبْ مِثْلَهَا وَالِدًا قَطُّ وَلَا سُلْطَانًا …
فَحَيَّانَا؛ فَرَدَدْنَا التَّحِيَّةَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا؛ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟.
فَقُلْنَا: نَحْنُ فِتْيَةٌ خَرَجْنَا لِنَؤُمَّ (٤) الْبَيْتَ الْعَتِيقَ. стр. 661
فَنَظَرَ إِلَيْنَا فِي حُنُوٍّ - وَكَأَنَّمَا حَرَّكَتْ كَلِمَتُنَا أَشْجَانَهُ (١) - وَقَالَ:
وَأَنَا تُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِأَنْ أَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَسَأَصْحَبُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَعَانَ.
* * *
ثُمَّ نَادَى؛ فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبِيَةِ شَبَابٌ كَثِيرٌ كَأَنَّهُمُ النُّجُومُ الزُّهْرُ؛ فَجَمَعَهُمْ، وَخَطَبَهُمْ، وَأَوْصَاهُمْ ثُمَّ قَالَ:
إِنَّكُمْ يَا بَنِيَّ لَمْ تَرَوْا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَطْرَافَهُ …
وَلَمْ تَرَوْا مِنَ الشَّرِّ إِلَّا أَطْرَافَهُ أَيْضًا …
وَلَا يَفُتْكُمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ (٢) فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ …
وَأَنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ (٣) حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ …
وَأَنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ …
وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَنُونَ …
فَكُونُوا أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا.
ثُمَّ أَعْلَنَ لَهُمْ عَزْمَهُ عَلَى الرَّحِيلِ مَعَنَا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ فَجَعَلُوا يَنْتَحِبُونَ (٤) بُكَاءً عَلَى فِرَاقِهِ، وَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى عَنْهُمْ وَالدُّعَاءَ لَهُمْ.
قَالَ فَتَى مُجَاشِعٍ:
فَقُلْتُ لِلْوَاقِفِينَ حَوْلِي: مَنْ هَذَا الَّذِي تَفِيضُ الْحِكْمَةُ مِنْ جَوَانِبِهِ؟!. стр. 662
فَقَالُوا: هَذَا شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَابْنُ صَاحِبِهِ.
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٍ؛ حَتَّى دَعَا لَنَا بِالسَّوِيقِ (١) وَجَعَلَ يَبْسُّهُ (٢) لَنَا بِيَدِهِ، وَيُطْعِمُنَا وَيَسْقِينَا.
* * *
فَلَمَّا أَزِفَ (٣) مَوْعِدُ الرَّحِيلِ خَرَجْنَا مَعَهُ، وَمَضَيْنَا فِي طَرِيقِنَا حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا مَكَانًا مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ؛ أَلْقَيْنَا فِيهِ رِحَالَنَا طَلَبًا لِلرَّاحَةِ؛ فَقَالَ لِغُلَامٍ مِنْ غِلْمَانِهِ:
اِصْنَعْ لَنَا طَعَامًا نَتَلَهَّى بِهِ.
فَعَجِبْنَا لِكَلِمَتِهِ هَذِهِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ (٤) شَابٌّ مِنَّا قَوْلَهُ: "نَتَلَهَّى بِهِ".
فَنَدِمَ عَلَى كَلِمَتِهِ تِلْكَ، وَقَالَ:
جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا …
ثُمَّ أَتْبَعَ قَائِلًا - وَالْأَسَى يَصْبِغُ وَجْهَهُ -:
وَاللَّهِ! مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ إِلَّا وَأَنَا أُرَاقِبُهَا قَبْلَ أَنْ أُفْضِيَ بِهَا؛ غَيْرَ هَذِهِ …
فَلَا تَحْفَظُوهَا عَلَيَّ، وَلَا تُشِيعُوهَا عَنِّي.
وَإِنَّمَا احْفَظُوا عَنِّي مَا أَرْوِيهِ لَكُمْ …
فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: стр. 663
(إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ؛ فَاكْنِزُوا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ:
اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ …
وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ …
وَأَسْأَلُكَ يَقِينًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا …
وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ …
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ …
وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ …
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) …
* * *
رَضِيَ اللَّهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْخُلْدِ مَثْوَاهُ …
فَلَقَدْ كَانَ تَوَّابًا أَوَّابًا؛ حَفِيًّا بِالْخَيْرِ؛ بَعِيدًا عَنِ الشَّرِّ …
مؤثرًا لِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ (*).
стр. 664
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ
طَرَفٌ مِنْ أَخْبَارِهِ
"وَاللَّهِ! … إِنَّ الَّذِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ وِلَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَكْثَرُ وَأَبَرُّ مِنَ الَّذِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ مَوْتِهِ" [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
بَلَغَتْ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ (١) أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَشَارِفَ (٢) يَثْرِبَ مُتْعَبَةً مُجْهَدَةً …
فَقَدْ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ الْآخَرُونَ يُعَانُونَ مِنْ مَشَاقِّ السَّفَرِ وَحْدَهَا.
أَمَّا هِيَ؛ فَقَدْ كَانَتْ تُعَانِي فَوْقَ مَشَاقِّ السَّفَرِ مَشَاقَّ الْحَمْلِ أَيْضًا.
وَمَا كَادَتْ أَسْمَاءُ تَحُطُّ رِحَالَهَا فِي قِبَاءَ مِنْ ضَوَاحِي يَثْرِبَ حَتَّى جَاءَهَا الْمَخَاضُ (٣).
فَوَلَدَتْ غُلَامًا أَقَامَ مَوْلِدُهُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَقْعَدَهَا.
ذَلِكَ أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كَانُوا قَدْ أَذَاعُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ (٤) عَقَدُوا لِلْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ سِحْرًا.
وَأَنَّ هَذَا السِّحْرَ يُصِيبُهُمْ بِالْعُقْمِ …
فَلَا يُولَدُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَوْلُودٌ.
* * * стр. 665
فَمَا كَادَ نَبَأُ وِلَادَةِ الْغُلَامِ السَّعِيدِ يَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ؛ حَتَّى دَوَّتْ أَرْجَاءُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ الْأَعْظَم ﷺ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَبَاشَرُونَ (١) وَيَهْتِفُونَ:
كَذَبَ الْيَهُودُ …
كَذَبَ الْيَهُودُ …
* * *
حُمِلَ الْمَوْلُودُ الْجَدِيدُ السَّعِيدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، وَدَعَا بِعَجْوَةٍ فَلَاكَهَا فِي فَمِهِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فَمِ الْغُلَامِ الْمَحْفُوظِ فَأَسَاغَهَا (٢) …
ثُمَّ سَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ؛ وَهْوَ اسْمُ جَدِّهِ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَكَنَّاهُ (٣) أَبَا بَكْرٍ؛ وَهْيَ كُنْيَتُهُ.
ثُمَّ أَمَرَ الصِّدِّيقَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أذُنِهِ، فَأَذَّنَ لَهُ.
فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ فِي جَوْفِ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ الْمَحْظُوظِ؛ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَكَانَ أَوَّلَ صَوْتٍ اسْتَقَرَّ فِي أُذُنِهِ صَوْتُ الْأَذَانِ؛ رَفَعَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * *
وَقَدِ اجْتَمَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ كَرَمِ الْحَسَبِ مَا لَمْ يَجْتَمِعُ إِلَّا لِلْقَلِيلِ النَّادِرِ مِنَ النَّاسِ … стр. 666
فَأَبُوهُ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ؛ حَوَارِيُّ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ …
وَأُمُّهُ: أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ …
وَجَدُّهُ لِأُمِّهِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفِيُّهُ …
وخَالَتُهُ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ؛ الْبَرِيئَةُ الْمُبَرَّأَةُ …
وَجَدَّتُهُ لِأَبِيهِ: صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢)؛ عَمَّةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَعَمَّةُ أَبِيهِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ؛ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَرَبِ.
فَهَلْ يَسْمُو عَلَى ذَلِكَ الْعِزِّ غَيْرُ عِزِّ الْإِسْلَامِ …
وَهَلْ يَعْلُو عَلى هَذَا الْمَجْدِ غَيْرُ مَجْدِ الْإِيمَانِ؟!.
* * *
نَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى أَرْضِ ذَلِكَ الْبَيْتِ الطَّاهِرِ دَرَجَ، وَبِآدَابِهِ السَّامِيَةِ تَأَدَّبَ.
فَقَدْ كَانَ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى خَالَتِهِ عَائِشَةَ؛ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ …
وَبَعْدَ وَالِدِهَا الصِّدِّيقِ ﵁ وَأَرْضَاه.
* * *
وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ السَّابِعَةَ مِنْ عُمُرِهِ؛ أَمَرَهُ أَبُوهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ أَنْ стр. 667
يَذْهَبَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبَايِعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ؛ فَمَضَى إِلَى النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ غُلَامًا صَغِيرًا فِي مِثْلِ سِنِّهِ.
فَلَمَّا رَآهُمَا النَّبِيُّ ﷺ مُقْبِلَيْنِ عَلَيْهِ لِمُبَايَعَتِهِ (١)؛ كَمَا يَفْعَلُ كَمَلَةُ (٢) الرِّجَالِ … تَبَسَّمَ سُرُورًا مِنْ صَنِيعِهِمَا وَمَدَّ يَدَهُ الْكَرِيمَةَ إِلَيْهِمَا وَبَايَعَهُمَا.
* * *
ظَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْر مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ يَذْكُرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ …
وَالْتَزَمَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ وَأَمَرَ أَوْلَادَهُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ … فَقَدْ غَابَ ابْنُهُ مَرَّةً عَن الْبَيْتِ وَطَالَ غِيَابُهُ؛ فَلَمَّا عَادَ قَالَ لَهُ:
أَيْنَ كُنْتَ يَا بُنَيَّ؟!.
فَقَالَ: وَجَدْتُ قَوْمًا مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ …
لَقَدْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى؛ فَيُرْغِي (٣) أَحَدُهُمْ وَيُرْعِدُ (٤) حَتَّى يُغْشَى (٥) عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؛ فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ نَهَارِي كُلَّهُ.
فَقَالَ لَهُ: لَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ يَا بُنَيَّ أبَدًا …
فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ ﵎؛ أَطْيَبَ الذِّكْرِ وَأَعْمَقَهُ وَأَصْدَقَهُ.
وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵃ يَتْلُونَ الْقُرْآنَ стр. 668
ويَذْكُرُونَ اللَّهَ أَيْضًا؛ فَمَا كَانَ يُصِيبُهُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
أَفَتَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَكَ هَؤُلَاءِ أَخْشَعَ لِلَّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؟!!.
* * *
وَكَمَا نُشِّئَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى؛ فَقَدْ نُشِّئَ عَلَى الْفُرُوسِيَّةِ وَمُمَارَسَةِ الْحُرُوبِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ (١).
فَكَانَ أَبُوهُ يَحْرَصُ أَشَدُّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يُشْهِدَهُ الْغَزَوَاتِ …
وَأَنْ يَأْخُذَهُ مَعَهُ إِلَى الْبِلادِ النَّائِيَةِ (٢) لِيَحْضُرَ الْمَعَارِكَ، وَيَشْهَدَ الْفُتُوحَ …
فَقَدِ اصْطَحَبَهُ مَعَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ …
وَخَصَّهُ بِجَوَادٍ مِنْ عِتَاقِ (٣) الْخَيْلِ …
وَاسْتَأْجَرَ لَهُ قَيِّمًا يَرْعَاهُ.
فَأُتِيحَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَعْظَمَ مَعْرَكَةٍ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ عَنْ كَثَبٍ …
وَأَنْ يَرَى الْجُيُوشَ الْجَرَّارَةَ فِي الْكَرِّ وَالْفَرِّ (٤) …
وَأَنْ يَصْحَبَهَا فِي الْهَزِيمَةِ وَالنَّصْرِ.
فَغَدَا (٥) مِسْعَرَ (٦) حَرْبٍ؛ كَمَا كَانَ عَابِدَ لَيْل.
* * * стр. 669
لَمْ يَتَأَخَّر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ؛ مُنْذُ غَدَا أَهْلًا لِحَمْلِ السِّلَاحِ …
وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ خَاضَهَا الْمُجَاهِدُونَ؛ أَثَرٌ يُذْكَرُ فَيُشْكَرُ.
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (١) ﵁ وَأَرْضَاهُ أَذِنَ لِوَالِيهِ عَلَى مِصْرَ بِغَزْوِ أَفْرِيقِيَّةَ …
فَمَضَى الْجَيْشُ الْغَازِي إِلَى غَايَتِهِ.
لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنِ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ؛ فَأَهَمَّهُ أَمْرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ وَأَغَمَّهُ …
فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى رَأْسِ جَمَاعَةٍ مِنَ فُرْسَانِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِإِمْدَادِ الْجَيْشِ، وَمُوَافَاتِهِ بِأَخْبَارِهِ (٢).
* * *
الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالْجَيْشِ الْغَازِي، وَاطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِهِ …
فَوَجَدَ أَنَّ قَائِدَهُ كَانَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
ثُمَّ يَرْكَنُ جَيْشُهُ وَجَيْشُهُمْ إِلَى الرَّاحَةِ مِنْ قَسْوَةِ الْجَوِّ وَشِدَّةِ الْحَرِّ.
فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَسِّمَ جَيْشَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
قِسْمٍ يُحَارِبُ نِصْفَ النَّهَارِ الْأَوَّلِ …
وَقِسْمٍ يُحَارِبُ نِصْفَ النَّهَارِ الثَّانِي …
فَيَتَبَادَلُ الْفَرِيقَانِ الرَّاحَةَ، وَيَسْتَمِرُّ الْقِتَالُ … стр. 670
وَبِذَلِكَ لَا يُعْطِي الْعَدُوَّ الْفُرْصَةَ لِالْتِقَاطِ أَنْفَاسِهِ.
فَسُرَّ قَائِدُ الْجَيْشِ بِالْخُطَّةِ الْمُقْتَرَحَةِ، وَأَمَرَ بِتَنْفِيذِهَا.
وَتَخَلَّى عَنِ الْقِيَادَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ طَائِعًا مُخْتَارًا.
* * *
اقْتَتَلَ الْجَيْشَانِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي كَمَا كَانَا يَقْتَتِلَانِ كُلَّ يَوْمٍ …
فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ؛ شَرَعَ الْأَعْدَاءُ يَنْصَرِفُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ.
فَمَا رَاعَهُمْ (١) إِلَّا أَنْ فُوجِئُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُوَاصِلُونَ الْقِتَالَ بِجَيْشٍ مَشْبُوبِ (٢) الْقُوَّةِ …
مَشْحُوذِ (٣) الْعَزِيمَةِ …
مَوْفُورِ (٤) النَّشَاطِ …
فَدَبَّ فِي قُلُوبِهِمُ الذُّعْرُ (٥) …
وَحَلَّ فِي صُفُوفِهِمُ الْخَلَلُ …
وَبَدَتْ عَلَيْهِمْ بَوَادِرُ الْهَزِيمَةِ.
عِنْدَ ذَلِكَ رَأَى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْفُرْصَةَ سَانِحَةً؛ فَاخْتَارَ ثَلَاثِينَ مِنْ رِجَالِهِ الْأَشِدَّاءِ، وَقَالَ لَهُمْ:
صُونُوا (٦) ظَهْرِي، وَسَتَرَوْنَ مَا أَنَا فَاعِلٌ.
* * * следующие страницы →