← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فَأَبُوهُ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ؛ حَوَارِيُّ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ … وَأُمُّهُ: أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ … وَجَدُّهُ لِأُمِّهِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفِيُّهُ … وخَالَتُهُ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ؛ الْبَرِيئَةُ الْمُبَرَّأَةُ … وَجَدَّتُهُ لِأَبِيهِ: صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢)؛ عَمَّةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَعَمَّةُ أَبِيهِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ؛ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. فَهَلْ يَسْمُو عَلَى ذَلِكَ الْعِزِّ غَيْرُ عِزِّ الْإِسْلَامِ … وَهَلْ يَعْلُو عَلى هَذَا الْمَجْدِ غَيْرُ مَجْدِ الْإِيمَانِ؟!. * * * نَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى أَرْضِ ذَلِكَ الْبَيْتِ الطَّاهِرِ دَرَجَ، وَبِآدَابِهِ السَّامِيَةِ تَأَدَّبَ. فَقَدْ كَانَ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى خَالَتِهِ عَائِشَةَ؛ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ … وَبَعْدَ وَالِدِهَا الصِّدِّيقِ ﵁ وَأَرْضَاه. * * * وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ السَّابِعَةَ مِنْ عُمُرِهِ؛ أَمَرَهُ أَبُوهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ أَنْ

стр. 667

يَذْهَبَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبَايِعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ؛ فَمَضَى إِلَى النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ غُلَامًا صَغِيرًا فِي مِثْلِ سِنِّهِ. فَلَمَّا رَآهُمَا النَّبِيُّ ﷺ مُقْبِلَيْنِ عَلَيْهِ لِمُبَايَعَتِهِ (١)؛ كَمَا يَفْعَلُ كَمَلَةُ (٢) الرِّجَالِ … تَبَسَّمَ سُرُورًا مِنْ صَنِيعِهِمَا وَمَدَّ يَدَهُ الْكَرِيمَةَ إِلَيْهِمَا وَبَايَعَهُمَا. * * * ظَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْر مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ يَذْكُرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ … وَالْتَزَمَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ وَأَمَرَ أَوْلَادَهُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ … فَقَدْ غَابَ ابْنُهُ مَرَّةً عَن الْبَيْتِ وَطَالَ غِيَابُهُ؛ فَلَمَّا عَادَ قَالَ لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ يَا بُنَيَّ؟!. فَقَالَ: وَجَدْتُ قَوْمًا مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ … لَقَدْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى؛ فَيُرْغِي (٣) أَحَدُهُمْ وَيُرْعِدُ (٤) حَتَّى يُغْشَى (٥) عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؛ فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ نَهَارِي كُلَّهُ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ يَا بُنَيَّ أبَدًا … فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ ﵎؛ أَطْيَبَ الذِّكْرِ وَأَعْمَقَهُ وَأَصْدَقَهُ. وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵃ يَتْلُونَ الْقُرْآنَ

стр. 668

ويَذْكُرُونَ اللَّهَ أَيْضًا؛ فَمَا كَانَ يُصِيبُهُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. أَفَتَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَكَ هَؤُلَاءِ أَخْشَعَ لِلَّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؟!!. * * * وَكَمَا نُشِّئَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى؛ فَقَدْ نُشِّئَ عَلَى الْفُرُوسِيَّةِ وَمُمَارَسَةِ الْحُرُوبِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ (١). فَكَانَ أَبُوهُ يَحْرَصُ أَشَدُّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يُشْهِدَهُ الْغَزَوَاتِ … وَأَنْ يَأْخُذَهُ مَعَهُ إِلَى الْبِلادِ النَّائِيَةِ (٢) لِيَحْضُرَ الْمَعَارِكَ، وَيَشْهَدَ الْفُتُوحَ … فَقَدِ اصْطَحَبَهُ مَعَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ … وَخَصَّهُ بِجَوَادٍ مِنْ عِتَاقِ (٣) الْخَيْلِ … وَاسْتَأْجَرَ لَهُ قَيِّمًا يَرْعَاهُ. فَأُتِيحَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَعْظَمَ مَعْرَكَةٍ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ عَنْ كَثَبٍ … وَأَنْ يَرَى الْجُيُوشَ الْجَرَّارَةَ فِي الْكَرِّ وَالْفَرِّ (٤) … وَأَنْ يَصْحَبَهَا فِي الْهَزِيمَةِ وَالنَّصْرِ. فَغَدَا (٥) مِسْعَرَ (٦) حَرْبٍ؛ كَمَا كَانَ عَابِدَ لَيْل. * * *

стр. 669

لَمْ يَتَأَخَّر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ؛ مُنْذُ غَدَا أَهْلًا لِحَمْلِ السِّلَاحِ … وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ خَاضَهَا الْمُجَاهِدُونَ؛ أَثَرٌ يُذْكَرُ فَيُشْكَرُ. مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (١) ﵁ وَأَرْضَاهُ أَذِنَ لِوَالِيهِ عَلَى مِصْرَ بِغَزْوِ أَفْرِيقِيَّةَ … فَمَضَى الْجَيْشُ الْغَازِي إِلَى غَايَتِهِ. لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنِ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ؛ فَأَهَمَّهُ أَمْرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ وَأَغَمَّهُ … فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى رَأْسِ جَمَاعَةٍ مِنَ فُرْسَانِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِإِمْدَادِ الْجَيْشِ، وَمُوَافَاتِهِ بِأَخْبَارِهِ (٢). * * * الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالْجَيْشِ الْغَازِي، وَاطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِهِ … فَوَجَدَ أَنَّ قَائِدَهُ كَانَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. ثُمَّ يَرْكَنُ جَيْشُهُ وَجَيْشُهُمْ إِلَى الرَّاحَةِ مِنْ قَسْوَةِ الْجَوِّ وَشِدَّةِ الْحَرِّ. فَمَا أَسْرَعَ أَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَسِّمَ جَيْشَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ يُحَارِبُ نِصْفَ النَّهَارِ الْأَوَّلِ … وَقِسْمٍ يُحَارِبُ نِصْفَ النَّهَارِ الثَّانِي … فَيَتَبَادَلُ الْفَرِيقَانِ الرَّاحَةَ، وَيَسْتَمِرُّ الْقِتَالُ …

стр. 670

وَبِذَلِكَ لَا يُعْطِي الْعَدُوَّ الْفُرْصَةَ لِالْتِقَاطِ أَنْفَاسِهِ. فَسُرَّ قَائِدُ الْجَيْشِ بِالْخُطَّةِ الْمُقْتَرَحَةِ، وَأَمَرَ بِتَنْفِيذِهَا. وَتَخَلَّى عَنِ الْقِيَادَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ طَائِعًا مُخْتَارًا. * * * اقْتَتَلَ الْجَيْشَانِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي كَمَا كَانَا يَقْتَتِلَانِ كُلَّ يَوْمٍ … فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ؛ شَرَعَ الْأَعْدَاءُ يَنْصَرِفُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ. فَمَا رَاعَهُمْ (١) إِلَّا أَنْ فُوجِئُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُوَاصِلُونَ الْقِتَالَ بِجَيْشٍ مَشْبُوبِ (٢) الْقُوَّةِ … مَشْحُوذِ (٣) الْعَزِيمَةِ … مَوْفُورِ (٤) النَّشَاطِ … فَدَبَّ فِي قُلُوبِهِمُ الذُّعْرُ (٥) … وَحَلَّ فِي صُفُوفِهِمُ الْخَلَلُ … وَبَدَتْ عَلَيْهِمْ بَوَادِرُ الْهَزِيمَةِ. عِنْدَ ذَلِكَ رَأَى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْفُرْصَةَ سَانِحَةً؛ فَاخْتَارَ ثَلَاثِينَ مِنْ رِجَالِهِ الْأَشِدَّاءِ، وَقَالَ لَهُمْ: صُونُوا (٦) ظَهْرِي، وَسَتَرَوْنَ مَا أَنَا فَاعِلٌ. * * *

стр. 671

كَانَ "جَرْجِيرُ" مَلِكُ الْأَعْدَاءِ، وَقَائِدُ جَيْشِهِمْ يَسْتَقِرُّ فِي وَسَطِ عَسْكَرِهِ رَاكِبًا بِرْذَوْنَهُ (١) الأَشْهَبَ (٢) … وَكَانَتْ مَعَهُ جَارِيتَانِ تُظَلِّلَانِ عَلَيْهِ بِرِيشِ الطَّوَاوِيسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ لِرِجَالِهِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ: إِنِّي مَاضٍ إِلَيْهِ؛ فَاتْبَعُونِي … وَرُدُّوا عَنِّي كَيْدَ مَنْ يَعْتَرِضُنِي. ثُمَّ مَضَى نَحْوَ "جَرْجِيرَ" رَابِطَ الْجَأْشِ (٣) … ثَابِتَ الْعَزْمِ … رَصِينَ الْخُطَا. وَجَعَلَ يَشُقُّ الصُّفُوفَ بِكِلْتَا يَدَيْهِ فِي هُدُوءٍ … فَظَنَّه الْقَوْمُ رَسُولًا جَاءَ مِنْ لَدُنِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُفَاوَضَةِ. فَلَمَّا غَدَا فِي وَسَطِ الْعَسْكَرِ؛ عَرَفَ الْمَلِكُ قَصْدَهُ، وَخَشِيَ بَطْشَهُ … فَوَلَّى هَارِبًا. فَأَدْرَكَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَطَعَنَهُ طَعْنَةً طَرَحَتْهُ أَرْضًا. ثُمَّ أَكَبَّ فَوْقَهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ (٤)، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَنَصَبَهُ فَوْقَ رُمْحِهِ … ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ؛ فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ لِتَكْبِيرِهِ …

стр. 672

فَهَزَّتِ الْحَمِيَّةُ نُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ … وَدَبَّ الذُّعْرُ (١) فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ. فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ … وَمَنَحُوا ظُهُورَهُمْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَجُنْدِهِ الْمُقَاتِلِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. * * * وَلَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ فَحَظِيَ فَوْقَ مَزَايَاهُ كُلِّهَا بِسُمُوِّ التَّقْوَى وَطُهْرِ الصَّلَاحِ؛ حَيْثُ عَاشَ قَوَّامًا لِلَّيْلِ صَوَّامًا لِلنَّهَارِ؛ مُعَلَّقَ الْقَلْبِ بِبِيُوتِ اللَّهِ … فَكَانَ النَّاسُ يَدْعُونَهُ "حَمَامَةَ الْمَسْجِدِ". وَقَدْ عُرِفَ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ لَيَالِيَ عُمُرِهِ ثَلَاثًا: فَلَيْلَةٌ يَقْضِيهَا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي حَتَّى الصَّبَاحِ … وَلَيْلَةٌ يَقْضِيهَا وَهُوَ رَاكِعٌ حَتَّى الصَّبَاحِ … وَلَيْلَةٌ يَقْضِيهَا وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى الصَّبَاحِ أَيْضًا. * * * وَلَقَدْ كَانَتْ لَهُ مَوَاقِفُ فِي الْمَوَاسِمِ تَهُزُّ أَفْئِدَةَ الْمُسْلِمِينَ هَزًّا، وَتُثِيرُ فِي قُلُوبِهِمْ كَوَامِنَ الْإِيمَانِ … مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ؛ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ (٢) بِيَوْمٍ - وَهْوَ مُحْرِمٌ - فَلَبَّى تَلْبِيَةً

стр. 673

مَا سَمِعْتُ بِأَحْسَنَ مِنْهَا وَلَا بِمِثْلِهَا قَطُّ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ أَوْفَرَ الْحَمْدِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَجْزَلَ الثَّنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ … فَإِنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى وُفُودًا إِلَى اللَّهِ ؛ فَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَهُ … فَمَنْ جَاءَ مِنْكُمْ يَطْلُبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ طَالِبَ اللَّهِ لَا يَخِيبُ … وَصَدِّقُوا قَوْلَكُمْ بِالْفِعْلِ؛ فَإِنَّ مَلَاكَ الْقَوْلِ الْعَمَلُ … وَالنِّيَّةَ النِّيَّةَ؛ فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ … وَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَيَّامِكُمْ هَذِهِ؛ فَإِنَّهَا أَيَّامٌ تُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ. ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّى النَّاسُ بِتَلْبِيَتِهِ … فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * * وَبَعْدُ … فَلَقَدْ ظَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ طَوَالَ عُمُرِهِ يُنَاضِلُ عَمَّا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقٌّ. حَتَّى قُتِلَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ بِحَجَرٍ مِنْ مَنْجَنِيقِ (١) الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ (٢). فَلَمَّا سَقَطَ صَرِيعًا؛ كَبَّرَ الْحَجَّاجُ وَجُنُودُهُ … فَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (٣) تَكْبِيرَهُمْ؛ فَقَالَ:

стр. 674

"وَاللَّهِ! … إِنَّ الَّذِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ وِلَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَكْثَرُ وَأَبَرُّ مِنَ الَّذِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ مَوْتِهِ" (*).

стр. 675

الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو مَعَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيْدِ "إِنَّ صَوْتَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْجَيْشِ لَخَيْرٌ مِنْ أَلْفِ فَارِسٍ" [أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ] هَا نَحْنُ أُولَاءِ فِي الْعَامِ التَّاسِعِ لِلْهِجْرَةِ؛ وَهْوَ الْعَامُ الَّذِي دَعَاهُ الْمُسْلِمُونَ عَامَ الْوُفُودِ. وَهَا هِيَ ذِي مَدِينَةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ تَفْتَحُ صَدْرَهَا الرَّحْبَ … لِتَسْتَقْبِلَ مَعَ إِشْرَاقَةِ كُلِّ صَبَاحٍ وَفْدًا أَوْ أَكْثَرَ؛ قَدِمُوا عَلَيْهَا مِنْ أَنْحَاءِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ … لِيُعْلِنُوا إِسْلَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﵊، وَيُبَايِعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَهَا هُمْ أُولَاءِ السَّادَةُ الْأَمَاجِدُ (١) مِنْ وُجُوهِ بَنِي تَمِيمٍ يُذْعِنُونَ لِلْإِسْلَامِ بَعْدَ طُولِ نِفَارٍ (٢)، وَيُقْدِمُونَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُسْلِمِينَ طَائِعِينَ … وَيَبْسُطُونَ أَيْدِيَهُمْ لِلرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُبَابِعِينَ. وَبَيْنَمَا كَانَ الْقَوْمُ يُعْلِنُونَ إِسْلَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَيَأْخُذُونَ جَوَائِزَهُمُ الَّتِي أَمَرَ لَهُمْ بِهَا … كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَتَوَسَّمُ (٣) فَتًى مِنْهُمْ، وَيَتَفَرَّسُ فِي

стр. 676

وَجْهِهِ … ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ حَدَّقَ فِيهِ، وَقَالَ: (مَا اسْمُ الْفَتَى؟). فَقَالَ: الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ: (مَا أَعْدَدْتَ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَا قَعْقَاعُ؟). فَقَالَ: طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْخَيْلَ الصَّافِنَاتِ، وَالرِّمَاحَ الْمُرْهَفَاتِ (١). فَقَالَ: (تِلْكَ الْغَايَةُ). وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ وَضَعَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو نَفْسَهُ وَسَيْفَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، وَجَعَلَ مَفْرَشَهُ صَهَوَاتِ الْجِيَادِ. فَتَعَالَ نَقْضِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الرَّائِعَاتِ مَعَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَائِدِهِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ (٢) ﵁ وَأَرْضَاهُ. * * * مَا كَادَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُسْلِمُ جَنْبَهُ إِلَى الرَّاحَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حُرُوبِ الرِّدَّةِ؛ حَتَّى جَاءَهُ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِالتَّوَجُّهِ لِفَتْحِ بِلَادِ الْعِرَاقِ، وَاسْتِنْقَاذِهَا مِنْ أَيْدِي الْفُرْسِ، وَإِدْخَالِ أَهْلِهَا فِي دِينِ اللَّهِ. لَكِنَّ جُنُودَ خَالِدٍ كَانُوا قَدْ تَنَاقَصُوا، وَتَفَرَّقُوا … حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ مَنِ اسْتُشْهِدَ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ الطَّاحِنَةِ، وَسُرِّحَ مِنْهُمْ إِلَى أَهْلِهِ مَنْ سُرِّح؛ بَعْدَ أَنْ طَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الْعَهْدُ. فَلَمْ يَبْقَ مَعَ خَالِدٍ مِنْ جَيْشِهِ الْكَبِيرِ إِلَّا الْعَدَدُ الْيَسِيرُ. فَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمَدَدَ …

стр. 677

فَلَمَّا فَضَّ (١) الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كِتَابَ خَالِدٍ، وَوَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ؛ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَطْلُبُ مِنَّا مَدَدًا؛ فَأَمِدُّوهُ بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو. فَفَغَرَ (٢) الْحَاضِرُونَ أَفْوَاهَهُمْ دَهْشَةً مِمَّا سَمِعُوهُ، وَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُمِدُّ قَائِدًا انْفَضَّ (٣) عَنْهُ أَكْثَرُ جُنْدِهِ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ؟!. فَقَالَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: نَعَمْ … فَإِنَّ صَوْتَ القعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْجَيْشِ لَخَيْرٌ مِنْ أَلْفِ فَارِسٍ … وَإِنَّهُ لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِ الْقَعْقَاعُ … * * * مَضَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى رَأْسِ عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ وَمَعَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو؛ الَّذِي عَدَّهُ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَلْفِ فَارِسٍ. وَوَجَّهَ وَجْهَهُ شَطْرَ مِنْطَقَةِ "الْحَفِيرِ" الْوَاقِعَةِ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ؛ مِمَّا يَلِي الصَّحْرَاءَ. وَكَانَ "هُرْمُزُ" أَمِيرًا لِهَذِهِ الْمِنْطَقَةِ مِنْ قِبَلِ مَلِكِ الْفُرْسِ. وَ"هُرْمُزُ" - إِنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ - أَحَدُ الرِّجَالِ الْقَلَائِلِ الَّذِينَ تَمَّ لَهُمُ الشَّرَفُ مِنَ الْفُرْسِ فِي عَصْرِهِ. وَلَا أَدَلَّ عَلَى شَرَفِهِ الَّذِي بَلَغَهُ مِنْ قَلَنْسُوَتِهِ (٤) الَّتِي تُسَاوِي مِائَةَ أَلْفٍ. إِذْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْفُرْسِ أَنْ يَجْعَلُوا قَلَانِسَهُمْ عَلَى قَدْرِ شَرَفِهِمْ فِي

стр. 678

قَوْمِهِمْ … فَمَنْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الشَّرَفِ؛ فَقِيمَةُ قَلَنْسُوَتِهِ مِائَةُ أَلْفٍ. غَيْرَ أَنَّ "هُرْمُزَ" كَانَ مِنْ أَسْوَإِ أُمَرَاءِ الْفُرْسِ مُعَامَلَةً لِلْعَرَبِ، وَأَشَدِّهِمْ غَطْرَسَةً (١) عَلَيْهِمْ. فَكَرِهَ الْعَرَبُ "هُرْمُزَ" أَشَدَّ الْكُرْهِ؛ حَتَّى جَعَلُوهُ مَضْرِبًا لِلْمَثَلِ فِي الشَّرِّ فَكَانُوا يَقُولُونَ فِي أَمْثَالِهِمْ: "أَشَرُّ مِنْ هُرْمُزَ"، "وَأَكْفَرُ مِنْ هُرْمُزَ". * * * مَا إِنْ حَطَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رِحَالَهُ فِي الْمِنْطَقَةِ؛ حَتَّى وَجَّهَ كِتَابًا إِلَى "هُرْمُزَ" يَقُولُ فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ … فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَوِ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ الذِّمَةَ (٢)، وَادْفَعُوا لِلْمُسْلِمِينَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ … وَإِلَّا فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ … فَقَدْ جِئْتُكَ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ؛ كَمَا تُحِبُّونَ الْحَيَاةَ. * * * طَارَ صَوَابُ "هُرْمُزَ" لَمَّا قَرَأَ رِسَالَةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَتَبَ إِلَى "أَزْدَشِيرَ" مَلِكِ الْفُرْسِ يُخْبِرُهُ بِقُدُومِ الْمُسْلِمِينَ نَحْوَ الْعِرَاقِ … ثُمَّ هَبَّ مِنْ سَاعَتِهِ وَرَصَّ صُفُوفَهُ وَجَمَعَ جُمُوعَهُ، وَأَسْرَعَ بِهِمْ نَحْوَ مَوَارِدِ الْمَاءِ فِي الْحَفِيرِ، وَنَزَلَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا خَالِدٌ بِجَيْشِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحَفِيرَ أَمْرَ جُنْدَهُ بِأَنْ يُلْقُوا رِحَالَهُمْ فِي مَكَانٍ

стр. 679

اخْتَارَهُ لَهُمْ؛ فَقَامَ إِلَيْهِ نَفَرٌ (١) مِنْهُمْ وَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ عَدُوَّنَا عَلَى مَاءٍ وَنَحْنُ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، وَإِنَّا لَنَخْشَى أَنْ نَمُوتَ عَطَشًا. فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: أَلَا حُطُّوا رِحَالَكُمْ حَيْثُ أَمَرْتُكُمْ، ثُمَّ جَالِدُوا (٢) عَدُوَّكُمْ عَلَى الْمَاءِ مُجَالَدَةَ الْمُسْتَمِيتِينَ … فَلَعَمْرِي؛ لَيَصِيرَنَّ الْمَاءُ لِأَصْبَرِ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَكْرَمِ الْجُنْدَيْنِ … وَأَنْتُمُ الْأَصْبَرُ وَالْأَكْرَمُ بِإِذْنِ اللَّهِ. * * * اصْطَفَّ الْعَسْكَرَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا قُبَالَةَ الْآخَرِ. وَوَقَفَ "هُرْمُزُ" فِي مُقَدِّمَةِ جُنْدِهِ، وَجَعَلَ عَنْ يَمِينِهِ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْبَيْتِ الْمَالِكِ، وَعَنْ شِمَالِهِ أَمِيرًا آخَرَ. وَكَانَ قَدْ أَضْمَرَ (٣) فِي نَفْسِهِ شَرًّا، وَطَوَى صَدْرَهُ عَلَى غَدْرَةٍ. * * * لَقَدْ أَيْقَنَ "هُرْمُزُ" أَنَّهُ إِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْتُلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ قَطَعَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الطَّرِيقِ إِلَى النَّصْرِ. لَكِنَّهُ كَانَ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ مُكَافَحَةً (٤). وَمَا دَامَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلْيَقْتُلْهُ غَدْرًا …

стр. 680

وَلْيَتَحَدَّثِ النَّاسُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَشَاؤُونَ، وَلْيَرْمُوهُ (١) بِمَا يُرِيدُونَ. فَأَسَرَّ إِلَى فَرِيقٍ مِنْ خَاصَّةِ فُرْسَانِهِ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْعَزْمَ، وَأَحْكَمَ مَعَهُمُ الْخُطَّةَ، وَحَدَّدَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مُهِمَّتَهُ. * * * خَرَجَ "هُرْمُزُ" مِنْ بَيْنِ الصُّفُوفِ، وَوَقَفَ فِي السَّاحَةِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الْعَسْكَرِينِ، وَهَتَفَ هُتَافَ الْمُتَحَدِّي، وَأَخَذَ يَقُولُ: إِلَيَّ يَا خَالِدُ … ابْرُزْ لِي يَا خَالِدُ. لَكِنَّهُ جَعَلَ وَقْفَتَهُ قَرِيبًا مِنْ مُعَسْكَرِ الْفُرْسِ بَعِيدًا عَنْ مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ … فَمَا إِنْ سَمِعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ نِدَاءَهُ؛ حَتَّى تَرَجَّلَ عَنْ جَوَادِهِ، وَمَضَى إِلَى لِقَائِهِ. غَيْرَ أَنَّ خَالِدًا مَا كَادَ يُشْهِرُ سَيْفَهُ لِيُصَاوِلَ (٢) عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّهُ؛ حَتَّى وَثَبَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ الَّذِينَ أَعَدَّهُمْ "هُرْمُزُ" وَثْبَةً وَاحِدَةً، وَسُيُوفُهُمْ مُصْلَتَةٌ (٣) فِي أَيْدِيهِمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ غَدْرًا. وَهُنَا هَبَّ الْفَارِسُ الَّذِي عَدَّهُ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَلْفِ فَارِسٍ، وَانْطَلَقَ مِنْ مَكَانِهِ انْطِلَاقَ السَّهْمِ، وَقَذَفَ بِنَفْسِهِ فِي السَّاحَةِ وَهْوَ يَقُولُ: لَقَدْ جَاءَكَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو يَا عَدُوَّ اللَّهِ … لَقَدْ جَاءَكَ الْقَعْقَاعُ. ثُمَّ انْصَبَّ عَلَى "هُرْمُزَ" وَرِجَالِهِ انْصِبَابَ الصَّاعِقَةِ، وَتَبِعَهُ رِجَالٌ أَنْجَادٌ

стр. 681

أَمْجَادٌ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ … فَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مَعْرَكَةٌ خَاطِفَةٌ؛ اسْتَلَّ خِلَالَهَا خَالِدٌ رُوحَ "هُرْمُزَ" مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ … وَصَرَعَ الْقَعْقَاعُ وَمَنْ مَعَهُ الْعُصْبَةَ الْغَادِرَةَ الْعَابِثَةَ بِآدَابِ الْحُرُوبِ، وَأَلْقُوهُمْ جُثَثًا هَامِدَةً فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ عَلَى مَرْأَى مِنَ الْفُرْسِ وَمَسْمَعِ … فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يُحَرِّكَ سَاكِنًا. ثُمَّ كَرَّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ كَرَّةً وَاحِدَةً؛ فَأَزَالُوهُمْ عَنْ مَوَاقِعِهِمْ وَحَمَلُوهُمْ عَلَى أَنْ يُوَلُّوا الْأَدْبَارَ، وَطَوَّحُوا (١) بِهِمْ بَيْنَ قَتِيلٍ وَجَرِيحٍ وَهَزِيمٍ … وَلَمَّا وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا؛ نَظَرَ خَالِدٌ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ (٢) أَبِي بَكْرٍ؛ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ مِنَّا بِالرِّجَالِ … لَقَدْ صَدَقَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ: إِنَّ جَيْشًا فِيهِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو لَا يُغْلَبُ. * * * وَثَّقَ يَوْمُ الْحَفِيرِ مَا بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو … وَلَا غَرْوَ؛ فَقَدْ عَرَفَ خَالِدٌ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى، وَغَنَاءَهُ (٣) إِذَا جَدَّ الْجِدُّ، وَأَلَمَّتِ الْمُلِمَّاتُ. فَوَلَّاهُ الْقِيَادَاتِ، وَأَلْقَى عَلَى كَاهِلِهِ أَثْقَلَ الْمُهِمَّاتِ … وَجَعَلَهُ سَاعِدَهُ الْأَيْمَنَ فِي الْيَرْمُوكِ، وَغَيْرِ يَوْمِ الْيَرْمُوكِ …

стр. 682

وَكَانَ لَهُ مَعَهُ يَوْمَ فَتْحِ دِمَشْقَ مُغَامَرَةٌ لَا يَجْرُؤُ عَلَى اقْتِحَامِهَا؛ إِلَّا أُولَئِكَ الَّذِينَ قُدَّتْ (١) قُلُوبُهُمْ مِنَ الصَّخْرِ، وَصِيغَتْ أَذْهَانُهُمْ مِنَ الْجَوْهَرِ. * * * كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمَ فَتْحِ دِمَشْقَ وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةِ قُوَّادٍ يَعْمَلُونَ تَحْتَ إِمْرَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ (٢). لَكِنَّ خَالِدًا؛ سَوَاءً أَكَانَ قَائِدًا عَامًّا لِلْجَيْشِ كُلِّهِ أَمْ قَائِدَ كَتِيبَةٍ مِنْ كَتَائِبِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْرِصُ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو مَعَهُ. ذَلِكَ لأَنَّ خَالِدًا كَانَ يَطْمَحُ دَائِمًا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ … وَمَنْ مِثْلُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو لِصُنْعِ الْمُعْجِزَاتِ؟!. * * * كَانَتْ مَدِينَةُ دِمَشْقَ إِذْ ذَاكَ تُحِيطُ بِهَا الْأَسْوَارُ الْمَنِيعَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالْمِعْصَمِ. وَكَانَ حَوْلَهَا خَنْدَقٌ عَمِيقٌ يُطَوِّفُهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ، وَكَانَتْ لَهَا أَبْوَابٌ خَمْسَةٌ؛ تُفْتَحُ فِي أَوْقَاتِ السِّلْمِ مَعَ إِشْرَاقَةِ كُلِّ صَبَاحٍ لِيَخْرُجَ النَّاسُ مِنْهَا وَيَدْخُلُوا إِلَيْهَا، وَتُغْلَقُ مَعَ كُلِّ مَسَاءٍ؛ لِيَنَامَ النَّاسُ فِي حِمَاهَا آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مِنَ السُّرَّاقِ وَالطُّرَّاقِ (٣). فَإِذَا تَعَرَّضَتِ الْمَدِينَةُ الْعَرِيقَةُ لِغَزْوِ غَازٍ؛ أَغْلَقَ حُمَاتُهَا أَبْوَابَهَا، وَغَمَرُوا خَنْدَقَهَا بِالْمِيَاهِ …

стр. 683

فَإِذَا هِيَ جَزِيرَةٌ مَنِيعَةٌ؛ مَحُوطَةٌ بِالْأَسْوَارِ وَالْمِيَاهِ فِي وَقْتٍ مَعًا. * * * وَزَّعَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَبْوَابَ دِمَشْقَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى قُوَّادِهِ؛ فَنَزَلَ هُوَ أَمَامَ بَابِ الْجَابِيَةِ … وَنَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (١) أَمَامَ بَابِ تَوْمَاءَ … وَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ أَمَامَ بَابِ الْفَرَادِيسِ … وَنَزَلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ (٢) أَمَامَ الْبَابِ الصَّغِيرِ. أَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ؛ فَنَزَلَ هُوَ وَصَاحِبُهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو أَمَامَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَكَانَ أَمْنَعَ هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَأَشَدَّهَا قُوَّةً. * * * نَصَبَ الْمُسْلِمُونَ مَنْجَنِيقَاتِهِمْ (٣) حَوْلَ الْمَدِينَةِ الْحَصِينَةِ، وَأَقَامُوا دَبَّابَاتِهِمْ (٤) عِنْدَ أَبْوَابِهَا. فَرَدَّ حُمَاةُ الْمَدِينَةِ جُنُودَ الدَّبَّابَاتِ، وَثَبَتَتْ حُصُونُهُمْ لِرَمْيِ الْمَنْجَنِيقَاتِ … فَلَمْ يَجِدِ الْمُسْلِمُونَ وَسِيلَةً لِإِرْغَامِ الْعَدُوِّ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ؛ إِلَّا الْحِصَارَ. * * * لَكِنَّ حِصَارَ دِمَشْقَ طَالَ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ؛ أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. وَلَمْ يَكُنْ ضِيقُ الْمُحَاصَرِينَ دَاخِلَ دِمَشْقَ بِأَشَدَّ مِنْ ضِيقِ الْمُحَاصِرِينَ لَهَا

стр. 684

مِنَ الْخَارِجِ؛ فَقَدْ بَاتَ الْمُسْلِمُونَ يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا يُشْبِهُ الْيَأْسَ: كَيْفَ لَنَا بِفَتْحِ الْمَدِينَةِ وَمَتَى؟!. فَجَاءَهُمُ الْجَوَابُ عَلَى لِسَانِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَصَاحِبِهِ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو. * * * كَانَتْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ آذَانٌ تَسْمَعُ كُلَّ مَا يُقَالُ خَلْفَ أَسْوَارِ دِمَشْقَ، وَعُيُونٌ تَرَى كُلَّ مَا يَجْرِي فِيهَا … فَجَاءَتْهُ عُيُونُهُ (١) ذَاتَ يَوْمٍ؛ تَقُولُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ إِنَّ بِطْرِيقَ (٢) دِمَشْقَ قَدْ وُلِدَ لَهُ عَلَى الْكِبَرِ مَوْلُودٌ بَعْدَ طُولِ تَرَقُّبٍ؛ فَفَرِحَ بِهِ أَشَدَّ الْفَرَحِ … وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَرَحِهِ أَنَّهُ دَعَا حُمَاةَ الْمَدِينَةِ وَجُنُدَهَا فِي لَيْلَةِ غَدٍ إِلَى وَلِيمَةٍ جَفْلَى (٣)؛ سَيَأْكُلُونَ فِيهَا رَوَائِعَ الطَّعَامِ، وَيَشْرَبُونَ خِلَالَهَا عَتِيقَ الْخُمُورِ، وَيَطْرَبُونَ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَإِنَّ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنْ تَهْتَبِلَ (٤) هَذِهِ الْفُرْصَةَ. بَادَرَ الْقَائِدُ الْمُلْهَمُ؛ فَصَنَعَ سَلَالِمَ مِنَ الْحِبَالِ وَأَعَدَّ لِغَزْوَتِهِ هَذِهِ طَائِفَةً وَافِيَةً مِنَ الْأَوْهَاقِ (٥). * * * فَلَمَّا دَجَا (٦) اللَّيْلُ وَلَفَّ الْكَوْنَ بِظَلَامِهِ؛ قَالَ خَالِدٌ لِجُنُودِهِ: إِنَّا سَنَرْقَى إِلَى السُّورِ؛ فَإِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا …

стр. 685

فَلْيَصْعَدْ نَفَرٌ كَبِيرٌ مِنْكُمْ خَلْفَنَا، وَلَتَتَدَفَّقْ بَقِيَّتُكُمْ عَلَى الْبَابِ. ثُمَّ مَضَى هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَثُلَّةٌ (١) قَلِيلَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَعَبَرُوا الْخَنْدَقَ عَوْمًا عَلَى الْقِرَبِ (٢) حَتَّى وَصَلُوا أَسْوَارَ الْمَدِينَةِ … ثُمَّ قَذَفُوا أَوْهَاقَهُمْ فَأَثْبَتُوهَا فِي شُرُفَاتِ السُّورِ، وَتَسَلَّقُوا عَلَيْهَا حَتَّى رَكِبُوا أَعَالِيَهُ … وَنَصَبُوا سَلَالِمَ الْحِبَالِ الَّتِي مَعَهُمْ مِنْ خَارِجِ السُّورِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرْقَى (٣) إِلَيْهِ، وَمِنْ دَاخِلِهِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ … ثُمَّ كَبَّرَ خَالِدٌ؛ فَعَبَرَ جُنْدُهُ الْخَنْدَقَ … ثُمَّ انْحَدَرَ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو أَمَامَ الْبَابِ؛ فَقَتَلُوا حُمَاتَهُ، وَفَتَحُوا أَقْفَالَهُ … وَتَدَفَّقَ جُنْدُ اللَّهِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَعْلَى وَمِنْ أَسْفَلَ، وَانْدَفَعُوا دَاخِلَ دِمَشْقَ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ … فَدَبَّ فِي الْمَدِينَةِ الْحَصِينَةِ الذُّعْرُ وَالْجَزَعُ، وَسَيْطَرَ عَلَى حُمَاتِهَا الاضْطِرَابُ وَالْهَلَعُ، وَشَاوَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا … فَرَأَوْا أَنْ يَفْتَحُوا الْأَبْوَابَ الْأُخْرَى لِلْمَدِينَةِ بِأَيْدِيهِمْ؛ لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ سِلْمًا بَدَلًا مِنْ أَنْ يَدْخُلُوهَا حَرْبًا … فَيَقْتُلُوا الْمُقَاتِلَةَ، وَيَسْبُوا الذَّرَارِيَ، وَيُحْرِزُوا الْغَنَائِمَ … فَفَتَحُوهَا … وَلَوْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ لَفَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ بِنَصْرٍ مِنَ اللَّهِ. * * *

стр. 686

وَإِلَى لِقَاءٍ آخَرَ مَعَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي وَضَعَ نَفْسَهُ وَسَيْفَهُ وَرُمْحَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، وَجَعَلَ مَفْرَشَهُ عَلَى صَهَوَاتِ الْجِيَادِ.

стр. 687

الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو "فِي القَادِسِيَّةِ" "أ" مَا كَادَ يَنْفُضُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو يَدَيْهِ مِنْ غُبَارِ الْمَعَارِكِ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَيُسْلِمُ جَنْبَهُ إِلَى الرَّاحَةِ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ؛ حَتَّى وَرَدَ كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ (١)؛ يَقُولُ فِيهِ: اقْتَطِعْ مِنْ جُنْدِكَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْفِذْهُمْ حَثِيثًا (٢) إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٣) فِي الْقَادِسِيَّةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَتَرَيَّثَ أَوْ تَتَلَبَّثَ (٤). فَصَدَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَمْرِ عُمَرَ، وَوَلَّى عَلَى الْجَيْشِ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَالَ لَهُمَا: الْعَجَلَ الْعَجَلَ؛ فَالْمُسْلِمُونَ فِي الْقَادِسِيَّةِ يُوَاجِهُونَ أَضْخَمَ حَشْدٍ حَشَدَتْهُ فَارِسُ في حَرْبٍ، وَهُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ … * * * مَضَى الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو بِالْمُقَدِّمَةِ، وَكَانَ فِيهَا أَلْفُ فَارِسٍ … وَطَفِقَ يُوَاصِلُ هُوَ وَرِجَالُهُ كَلَالَ (٥) اللَّيْلِ بِكَلَالِ النَّهَارِ؛ حَتَّى سَبَقُوا

стр. 688

هَاشِمَ ابْنَ عُتْبَةَ، وَبَلَغُوا مَشَارِفَ الْقَادِسِيَّةِ فَجْرَ الْيَوْمِ التَّالِي مِنْ أَيَّامِ الْمَعْرَكَةِ. * * * عَرَفَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ الْقَادِسِيَّةِ كَانَ شَدِيدَ الْبَأْسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَا تَوَافَرَ لِعَدُوِّهِمْ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ … ثَقِيلَ الْوَطْأَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْفِيَلَةِ الَّتِي أَرْهَبَتْ خَيْلَهُمْ، وَزَرَعَتْ فِي قُلُوبِهَا الْخَوْفَ، وَجَعَلَتْهَا تَنْكُصُ (١) عَلَى الْأَعْقَابِ … وَأَنَّهُمْ يَتَرَقَّبُونَ بِلَهْفَةٍ وُصُولَ الْمَدَدِ إِلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو غَيْرُ أَلْفِ فَارِسٍ، وَمَاذَا تُغْنِي الْأَلْفُ أَمَامَ جُيُوشِ فَارِسَ الْجَرَّارَةِ؟!. وَلَكِنَّ الْقَائِدَ الْمُلْهَمَ؛ جَعَلَ الْأَلْفَ فِي عُيُونِ الْمُسْلِمِينَ وَعُيُونِ أَعْدَائِهِمْ الْمُشْرِكِين أُلُوفًا … وَإِلَيْكُمْ نَبَأَ ذَلِكَ: قَسَّمَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فُرْسَانَهُ الْأَلْفَ إِلَى عَشْرِ فِرَقٍ؛ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِائَةُ فَارِس، وَأَمَرَ الْفِرْقَةُ الْأُولَى أَنْ تَنْطَلِقَ فِي اتِّجَاهِ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ تَتَعَمَّدَ إِثَارَةَ الْغُبَارِ مِنْ حَوْلِهَا حَتَّى تَشْحُنَ بِهِ الْجَوَّ شَحْنًا. ثُمَّ أَمَرَ الْفِرَقَ التِّسْعِ الْأُخْرَى أَنْ تَفْعَلَ فِعْلَ الْأُولَى؛ عَلَى أَلَّا تَنْطَلِقَ أَيُّ فِرْقَةٍ مِنْ مَكَانِهَا؛ إِلَّا إِذَا أَصْبَحَتْ سَابِقَتُهَا بَعِيدَةً عَنْهَا بِمِقْدَارِ مَدِّ الْبَصَرِ. * * * ثُمَّ انْطَلَقَ عَلَى رَأْسِ الْفِرْقَةِ الْأُولَى مُكَبِّرًا، وَكَانَ صَوْتُهُ بِأَلْفِ فَارِس - كَمَا قَالَ عَنْهُ الصِّدِّيق رِضْوَانُ اللَّه عَلَيْهِ - وَمَرَّ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَبَشَّرَهُ بِالْمَدَدِ …

стр. 689

فَمَا إِنْ رَأَى الْعَسْكَرَانِ: عَسْكَرُ الْفُرْسِ وَعَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ؛ سَنَابِكَ الْخَيْلِ تُثِيرُ الْعَجَاجَ (١) … وَسَمِعَا أَصْوَاتَ التَّكْبِيرَةِ تَهُزُّ الْأَرْجَاءَ هَزًّا … وَنَظَرَا إِلَى النَّجْدَاتِ تَتَوَالَى كَتِيبَةً إِثْرِ كَتِيبَةٍ؛ حَتَّى دَبَّ الذُّعْرُ فِي نُفُوسِ الْفُرْسِ، وَثَارَتِ الْحَمِيَّةُ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَجَعَلُوا يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ بِأَصْوَاتٍ صَدَعَتْ (٢) أَفْئِدَةَ عَدُوِّهِمْ صَدْعًا. وَمَضَى الْقَعْقَاعُ إِلَى السَّاحَةِ مَعَ أَوَّلِ خَيْطٍ مِنْ خُيُوطِ الصَّبَاحِ بَيْنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ. وَبَرَزَ إِلَى الْأَعْدَاءِ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الْمَعْرَكَةُ … وَجَعَلَ يَخْطِرُ (٣) عَلَى جَوَادِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ … هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟. فَتَوَجَّهَتِ الْعُيُونُ إِلَى مُعَسْكَرِ الْفُرْسِ لِتَرَى مَنْ سَيَبْرُزُ لِلْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو. * * * لَمْ تَمْضِ غَيْرُ لَحَظَاتٍ قَلِيلَاتٍ عَلَى حَمَاسَةِ (٤) الْقَعْقَاعِ وَجَرَاءَته؛ حَتَّى خَرَجَ مِنْ صُفُوفِ الْأَعْدَاءِ فَارِسٌ مُدَجَّجٌ بِالسِّلَاحِ وَقَالَ: أَنَا لَكَ … أَتَدْرِي مَنْ أَنَا؟ … أَنَا "بَهْمَنُ" ذُو الْحَاجِبِ قَائِدُ جُيُوشِ فَارِسَ يَوْمَ الْجِسْرِ (٥) …

стр. 690

أَنَا قَاتِلُ قَائِدِكُمْ أَبِي عُبَيْدَةَ الثَّقَفِيِّ وَأَصْحَابِهِ. فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرو: يَا لَثَارَاتِ يَوْمِ الْجِسْرِ - وَكَانَ يَوْمُ الْجِسْرِ أَشَدَّ الْأَيَّامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ صَاحِبَ ذَلِكَ الْيَوْمِ "بَهْمَنُ" ذُو الْحَاجِبِ -. * * * امْتَشَقَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو حُسَامَهُ، وَصَالَ عَلَى "بَهْمَنَ" صَوْلَةَ الْأَسَدِ الْخَادِرِ (١) فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَتَهَيَّأَتْ لَهُ الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ؛ كَفَّ عَنْهُ لِيُطِيلَ عَذَابَهُ … ثُمَّ مَا زَالَ يُعِيدُ الْهجمة عَلَيْهِ الْكَوَّةَ تِلْوَ الْكَرَّةِ وَيَكُفُّ عَنْهُ، وَقُلُوبُ الْفُرْسِ وَاجِفَةٌ، وَعُيُونُهُمْ زَائِغَةٌ، وَالْمُسْلِمُونَ يَصِيحُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ … اللَّهُ أَكْبَرُ. أَجْهِزْ (٢) عَلَيْهِ يَا قَعْقَاعُ … اثْأَرْ لِأَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَأَصْحَابِهِ. فَأَهْوَى عَلَيْهِ الْقَعْقَاعُ بِضَرْبَةٍ مِنْ سَيْفِهِ؛ طَرَحَتْهُ أَرْضًا، وَتَرَكَتْهُ يَسْبَحُ فِي دِمَائِهِ سَبْحًا. فَضَجَّ مُعَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ، وَتَرَدَّدَ فِي أَرْجَاءِ الْقَادِسِيَّةِ أَصْدَاءُ "اللَّهُ أَكْبَرُ". * * * لَمْ يَتْرُكِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو السَّاحَةَ؛ وَإِنَّمَا وَقَفَ يُنَادِي فِي تَحَدٍّ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟.

стр. 691

فَخَرَجَ لَهُ فَارِسَانِ مُعَلَّمَانِ (١) مِنْ أَبْطَالِ الْفُرْسِ فِي وَقْتٍ مَعًا؛ فَتَلَقَّاهُمَا هُوَ وَالْحَارِثُ بْنُ ظَبْيَانَ … وَسَقَيَاهُمَا مِنَ الْكَأْسِ الَّتِي شَرِبَ مِنْهَا ذُو الْحَاجِبِ فِي لَحَظَاتٍ مَعْدُودَاتٍ. ثُمَّ نَادَى الْقَعْقَاعُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ بَاشِرُوا أَعْدَاءَكُمْ بِالسُّيُوفِ؛ انْقَضُّوا عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِكُمْ بِالرِّمَاحِ … فَإِذَا خَالَطْتُمُوهُمْ فَبَاشِرُوهُمْ بِالسُّيُوفِ؛ فَإِنَّمَا تُحْصَدُ الْأَرْوَاحُ بِالْمُرْهَفَاتِ (٢) حَصْدًا. فَتَوَاثَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ تَوَاثُبَ الْأُسُودِ، وَانْقَضُّوا عَلَيْهِ انْقِضَاضَ الصُّقُورِ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ: يَا لَثَارَاتِ الْبَارِحَةِ. * * * لَمْ يُنْزِلِ الْفُرْسُ فِيَلَتَهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى الْمَعْرَكَةِ … ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بِالْأَمْسِ قَدْ قَطَعُوا وُضُنَهَا (٣)، وَحَطَّمُوا تَوَابِيتَهَا الَّتِي يَجْلِسُ فِيهَا الْفَيَّالَةُ عَلَى ظُهُورِهَا … وَلَمْ تَكُنْ يَدُ اللَّيْلِ بِقَادِرَةٍ عَلَى إِصْلَاحِ مَا خَرَّبَتْهُ يَدُ النَّهَارِ. فَأَمَرَ الْقَعْقَاعُ جَمَاعَاتٍ مِنْ بَنِي عُمُومَتِهِ أَنْ يَسْتَحْضِرُوا عَشَرَاتٍ مِنْ ضِخَامِ الْإِبِلِ، وَأَنْ يُجَلِّلُوهَا (٤) بِالْمُلَاءَاتِ السُّودِ، وَأَنْ يُبَرْقِعُوهَا (٥) بِالْبَرَاقِعِ

стр. 692

الْمُلَوَّنَةِ، وَأَنْ يَرْكَبُوا ظُهُورَهَا، وَأَنْ يُهَاجِمُوا بِهَا خَيْلَ الْفُرْسِ. فَمَا إِنْ رَأَتْهَا الْخَيْلُ مُقْبِلَةً؛ حَتَّى جَفَلَتْ (١) مِنْهَا؛ كَمَا جَفَلَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِين مِنَ الْفِيَلَةِ … وَحَرَنَتْ (٢) فِي أَمَاكِنِهَا؛ فَمَا تَتَقَدَّمُ خُطْوَةً وَلَا تَتَأَخَّرُ … ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنِ ارْتَدَّتْ عَلَى أَعْقَابِهَا مُوَلِّيَةً بِمَنْ عَلَيْهَا الْأَدْبَارَ؛ فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ ظُهُورَ الْفُرْسَانِ الْفَارِّينَ وَأَعْمَلُوا فِي رِقَابِهِمُ السُّيُوفَ وَالرِّمَاحَ. * * * لَمْ تَغِبْ شَمْسُ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الْقَادِسِيَّةِ حَتَّى كَانَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ حَمَلَ عَلَى الْفُرْسِ ثَلَاثِينَ حَمْلَةً، وَأَرْدَى مِنْ صَنَادِيدِهِمْ ثَلَاثِينَ قَتِيلًا بِنَفْسِهِ. وَلَمَّا تَوَقَّفَ الْقِتَالُ؛ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُكَبِّرُونَ وَيَهْتِفُونَ: يَوْمٌ بِيَوْم … ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣). * * * كَانَ ذَلِكَ بَلَاءَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الْقَادِسِيَّةِ. أَمَّا بَلَاؤُهُ فِي الْيَوْمَيْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ؛ فَسَيَأْتِيكَ نَبَؤُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ.

стр. 693

الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو "فِي القَادِسِيَّةِ أَيْضًا" "ب" مَا كَادَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ وَيَلُفُّ بِظَلَامِهِ سَاحَةَ الْقَادِسِيَّةِ؛ حَتَّى وَضَعَ الْجُنْدُ سِلَاحَهُمْ، وَأَسْلَمُوا جُنُوبَهُمْ لِلْمَضَاجِعِ … فَقَدْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الْمَعْرَكَةِ كَسَابِقِهِ؛ ثَقِيلَ الْوَطْأَةِ شَدِيدَ الْبَأْسِ … لَكِنَّ عَيْنَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو لَمْ تَنَمْ. وَأَنَّى لَهَا أَنْ تَنَامَ … وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ نَفِدَ صَبْرُهُمْ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْمَدَدَ الْقَادِمَ مِنَ الشَّامِ بِقِيَادَةِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ؛ حَتَّى كَادَ يُدْرِكُهُمُ الْيَأْسُ، وَتَذْهَبُ بِهِمُ الظُّنُونُ (١) كُلَّ مَذْهَبٍ. فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُعِيدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَا فَعَلَهُ بِالْأَمْسِ. * * * أَخَذَ الْقَعْقَاعُ يُسَرِّبُ فُرْسَانَهُ الْأَلْفَ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفُوا فِيهِ صَبِيحَةَ الْيَوْمِ الْمَاضِي؛ بَعِيدًا عَنِ الْقَادِسِيَّةِ … وَأَمَرَهُمُ إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ أَنْ يُقْبِلُوا عَلَى مَيْدَانِ الْمَعْرَكَةِ مِائَةً إِثْرَ مِائَةٍ؛ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمِائَةِ وَأُخْتِهَا مِقْدَارُ مَدِّ الْبَصَرِ …

стр. 694

وَأَنْ يَشْحَنُوا الْجَوَّ بِالْغُبَارِ وَأَنْ يَمْلَأُوا الْأَرْضَ بِالضَّجِيجِ وَالْعَجِيجِ … لِيَبُثُّوا فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ الثِّقَةَ وَالْعَزْمَ، وَيُشِيعُوا فِي نُفُوسِ الْفُرْسِ الْقَلَقَ وَالْخَوْفَ. وَمَا إِنْ طَلَعَ الصَّبَاحُ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا؛ حَتَّى طَفِقَتِ الْكَتَائِبُ تُقْبِلُ مِنْ خَلْفِ الصَّحْرَاءِ عَلَى سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ مُكَبِّرَةً مُهَلِّلَةً … فَيَتَلَقَّاهَا الْقَعْقَاعُ كَتِيبَةً إِثْرَ كَتِيبَةٍ، وَيُحَدِّدُ لَهَا مَكَانَهَا بَيْنَ الصُّفُوفِ. لَكِنَّ سَيْلَ الْكَتَائِبِ جَاوَزَ الْعَشْرَ؛ فَنَظَرَ … فَإِذَا هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ قَدْ وَصَلَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَشَارِفِ الْقَادِسِيَّةِ مَعَ الصَّبَاحِ أَيْضًا … وَرَأَى هَاشِمٌ فُرْسَانَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَمَا يَصْنَعُونَ؛ فَسُرَّ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَقَسَمَ هُوَ الْآخَرُ جُنْدَهُ إِلَى مِئَاتٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَلَاحَقُوا تِبَاعًا إِلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ … * * * لَمْ يَفُتَّ (١) هَذَا الْمَدَدُ الْكَبِيرُ فِي عَضُدِ الْفُرْسِ كَثِيرًا. ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَصْلَحُوا تَوَابِيتَ (٢) فِيَلَتِهِمْ وَجَدَّدُوا وُضُنَهَا، وَصَفُّوهَا فِي طَلِيعَةِ الْجَيْشِ؛ كَأَنَّهَا الْبُنْيَانُ الْمَرْصُوصُ. وَلَقَدْ كَانُوا عَلَى ثِقَةٍ بِأَنَّهَا سَتَفْتِكُ بِالْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ أَكْثَرَ مِمَّا فَتَكَتْ بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ احْتَاطُوا لَهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ بِمَا لَمْ يَحْتَاطُوا لَهَا مِنْ قَبْلُ … فَأَحَاطُوهَا بِالْفُرْسَانِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ حَتَّى لَا يَخْلُصَ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ؛

стр. 695

فَيَقْطَعُوا وُضُنَهَا وَيُحَطِّمُوا تَوَابِيتَهَا وَيَرْمُوا فَيَّالَتَهَا؛ فَتُوَلِّي مُدْبِرَةً … كَمَا فَعَلَتْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. * * * وَمَا إِنْ دَارَتْ رَحَى الْمَعْرَكَةِ حَتَّى شَدَّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُمَاةِ الْفِيَلَةِ، وَشَدَّ الْفُرْسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَصَدَّوا لِهَؤُلَاءِ الْحُمَاةِ … فَدَارَتْ حَوْلَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الرَّهِيبَةِ مَعَارِكُ ضَارِيَةٌ؛ أُرِيقَ فِيهَا الْغَزِيرُ مِنَ الدِّمَاءِ، وَأُزْهِقَ خِلَالَهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَنْفُسِ. فَصَبَرَ الْمُسْلِمُونُ وَصَابَرُوا، وَتَجَلَّدُوا (١) لِعَدُوِّهِمْ وَجَالَدُوا؛ حَتَّى أَطَاحُوا بِحُمَاةِ الْفِيَلَةِ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ … فَإِذَا هُمْ بَيْنَ قَتِيلٍ أَوْ جَرِيحٍ أَوْ نَاكِصٍ عَلَى الْأَعْقَابِ. * * * لَكِنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الشَّرِسَةَ مَا كَادَتْ تَرَى أَنَّ حُمَاتَهَا قَدِ انْفَضُّوا عَنْهَا؛ حَتَّى اسْتَوْحَشَتْ وَهَاجَتْ وَهَجَمَتْ عَلَى صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَأَنَّهَا الْحُصُونُ الْمُتَحَرِّكَةُ، وَجَعَلَتْ تَضْرِبُ بِخَرَاطِيمِهَا الطَّوِيلَةِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ؛ فَلَا تُبْقِي أَمَامَهَا أَحَدًا وَلَا تَذَرُ. ولَمْ تَكُنْ لِتُؤَثِّرَ فِيهَا ضَرَبَاتُ السُّيُوفِ، وَلَمْ تَكُنْ لِتَنَالَ مِنْهَا طَعَنَاتُ الرِّمَاحِ، وَمَا كَانَتِ النِّبَالُ (٢) إِلَّا لِتَزِيدَهَا ثَوْرَةً وَهَيَجَانًا. * * * شَعَرَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِالْكَارِثَةِ الَّتِي تُوشِكُ أَنْ تُحِيقَ بِالْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْفِيَلَةِ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْضِ عَلَيْهَا؛ فَسَيُصَابُ الْمُسْلِمُونَ بِهَزِيمَةٍ

стр. 696

لَا تَقُومُ لَهُمْ بَعْدَهَا قَائِمَةٌ. وَكَانَ أَشَدَّ هَذِهِ الْفِيَلَةِ وَطْأَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْفِيلُ الْأَبْيَضُ؛ وَهْوَ فِيلُ "يَزْدَجَرْدَ" مَلِكِ الْفُرْسِ، ثُمَّ الْفِيلُ الْأَجْرَبُ الَّذِي لَا يَقِلُّ عَنْهُ هَوْلًا (١). وَكَانَتِ الْفِيلَةُ الْأُخْرَى تَتْبَعُهُمَا كَأَنَّهُمَا قَائِدَانِ لَهَا. * * * اسْتَشَارَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ جَمَاعَةً مِنَ الْفُرْسِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي أَمْرِ هَذِهِ الْفِيَلَةِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ مَقَاتِلِهَا؛ فَقَالُوا: افْقَؤُوا عُيُونَهَا، وَاقْطَعُوا خَرَاطِيمَهَا؛ فَتَفْشَلَ وَتَذْهَبَ رِيحُهَا. فَأَرْسَلَ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَأَخِيهِ عَاصِمٍ وَقَالَ: اكْفِيَا الْمُسْلِمِينَ الْفِيلَ الْأَبْيضَ. وَأَرْسَلَ إِلَى اثْنَيْنِ جَلْدَيْنِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَقَالَ: عَلَيْكُمَا بِالْفِيلِ الْأَجْرَبِ. * * * تَرَجَّلَ الْقَعْقَاعُ وَأَخُوهُ عَاصِمٌ عَنْ جَوَادَيْهِمَا … وَانْدَفَعَا يَشُقَّانِ الصُّفُوفَ فِي اتِّجَاهِ الْفِيلِ الْأَبْيَضِ؛ حَتَّى إِذَا أَصْبَحَا قَابَ قَوْسٍ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى … سَدَّدَ الْقَعْقَاعُ رُمْحَهُ إِلَى عَيْنِهِ الْيُمْنَى؛ بَيْنَمَا تَكَفَّلَ أَخُوهُ بِعَيْنِهِ الْيُسْرَى، وَأَهْوَيَا عَلَى عَيْنَيْهِ بِرُمْحَيْهِمَا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ … فَإِذَا بِسِنَانَيْهِمَا (٢) يَغِيبَانِ فِي مِحْجَرَيْهِ (٣) …

стр. 697

فَنَفَضَ الْحَيَوَانُ الرَّهِيبُ رَأْسَهُ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ نَفْضَةً أَلْقَتْ بِفَيَّالِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَدَاسَ فِي بَطْنِهِ فَصَرَعَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْفِيلَ دَلَّى خُرْطُومَهُ إِلَى الْأَرْضِ لِيَتَحَسَّسَ بِهِ طَرِيقَهُ بَعْدَ أَنْ فَقَدَ بَصَرَهُ؛ فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْقَعْقَاعُ وَقَطَّهُ (١) بِسَيْفِهِ قَطًّا … وَحَمَلَ الْفَارِسَانِ الْأَسَدِيَّانَ عَلَى الْفِيلِ الْأَجْرَبِ؛ فَفَقَآ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَأَصَابَا خُرْطُومَهُ إِصَابَةً بَالِغَةً … فَارْتَدَّ عَلَى صُفُوفِ الْفُرْسِ هَائِجًا مَائِجًا وَمَضَى يَفْتِكُ فِيهِمْ فَتْكًا ذَرِيعًا؛ فَنَخَسُوهُ (٢)؛ فَانْقَلَبَ إِلَى صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ … فَوَخَزَهُ الْمُسْلِمُونَ؛ فَعَادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى … ثُمَّ طَفِقَ يُهَرْوِلُ جِيئَةً وَذَهَابًا، وَيَصِيحُ كَالْخِنْزِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ. ثُمَّ انْدَفَعَ نَحْوَ النَّهْرِ وَوَثَبَ فِيهِ؛ فَتَبِعَتْهُ الْفِيْلَةُ الْأُخْرَى وَوَثَبَتْ وَرَاءَهُ، وَطَرَحَتْ فَيَّالَتَهَا ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ. * * * كَانَ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْفِيَلَةِ أَثَرٌ كَبِيرٌ لَدَى الْمُسْلِمِينَ وَعَدُوِّهِمْ عَلَى السَّوَاءِ. أَمَّا الْمُسْلِمُونَ؛ فَأَيْقَنُوا بِعَوْنِ اللَّهِ وَوَثَقُوا بِنَصْرِهِ؛ إِذَا هُمْ صَبَرُوا وَصَابَرُوا وَأَرْخَصُوا الدِّمَاءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْفُرْسُ؛ فَعَوَّضُوا عَنِ الْفِيَلَةِ بِالْإِمْدَادَاتِ الضَّخْمَةِ الَّتِي أَمَدَّهُمْ بِهَا مَلِكُهُمْ "يَزْدَجَرْدُ"، فَشَدَّتْ مِنْ عَزَائِمِهِمْ شَدًّا. * * *

стр. 698

أَقْبَلَ الْفَرِيقَانِ عَلَى الْقِتَالِ إِقْبَالَ الْعِطَاشِ عَلَى الْمَاءِ، وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ تَطْحَنَ الرِّجَالَ وَالسِّلَاحَ طَحْنًا … وَلَمَّا دَجَا (١) اللَّيْلُ، وَلَفَّ الْكَوْنَ بِشَمْلَتِهِ السَّوْدَاءِ؛ لَمْ يَضَعْ أَيٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ سِلَاحَهُ؛ كَمَا كَانَا يَفْعَلَانِ كُلَّ لَيْلَةٍ … وَإِنَّمَا وَصَلَا قِتَالَ النَّهَارِ بِقِتَالِ اللَّيْلِ؛ حَتَّى لَكَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ عَزَمَ عَلَى أَلَّا يُلْقِيَ السِّلَاحَ؛ إِلَّا إِذَا دَارَتِ الدَّائِرَةُ (٢) عَلَى عَدُوِّهِ. وَبِسَبَبٍ مِنْ هَذَا الْعَزْمِ الَّذِي عَزَمَ عَلَيْهِ الْمُتَقَاتِلُونَ … وَبِسَبَبِ الظَّلَامِ الَّذِي خَيَّمَ عَلَى الْكَوْنِ، وَبِسَبَبِ الْغُبَارِ الَّذِي غَطَّى سَاحَةَ الْمَعْرَكَةِ … خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَائِدِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا خَرَجَ مِنْ يَدَيْ "رُسْتُمَ" قَائِدِ جَيْشِ الْفُرْسِ، وَفَقَدَا سَيْطَرَتَهُمَا عَلَى جَيْشَيْهِمَا. وَقَدْ عَرَفَ سَعْدٌ أَنَّ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو زَحَفَ عَلَى الْفُرْسِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ؛ فَتَخَوَّفَ عَلَى جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْ تُصِيبَهُمْ كَارِثَةٌ … لَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ سِوَى أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَانْصُرْهُ … اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِّي. وَقَدْ زَادَهُ جَزَعًا عَلَى جَزَعِهِ؛ أَنَّهُ رَأَى قَبَائِلَ الْعَرَبِ تَزْحَفُ وَرَاءَ الْقَعْقَاعِ الْوَاحِدَةَ تِلْوَ الْأُخْرَى. فَهَذِهِ أَسَدٌ تَنْدَفِعُ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا، وَتِلْكَ بَجِيلَةُ تَزْحَفُ بِخَيْلِها وَرَجْلِهَا، وَهَذِهِ كِنْدَةُ تُقْبِلُ، وَتِلْكَ النَّخْعُ تَحْمِلُ …

стр. 699

فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَاتِهِ الثَّلَاثَ إِيذَانًا بِالْهُجُومِ الْعَامِّ؛ فَهَجَمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا. * * * أَسْعَرَ (١) الْجَيْشَانِ الْمُتَقَابِلَانِ لَظَى مَعْرَكَةٍ مُسْتَطِيرَةِ الشَّرَرِ؛ فَكُنْتَ لَا تَرَى فِي عَتْمَةِ اللَّيْلِ غَيْرَ عُيُونٍ كَالْجَمْرِ تَدُورُ فِي الْمَحَاجِرِ … وَلَا تَسْمَعُ غَيْرَ هَمْهَمَةٍ كَالزَّئِيرِ تَنْبَعِثُ مِنَ الْحَنَاجِرِ … وَلَا تُبْصِرُ غَيْرَ الشَّرَرِ الْمُتَطَايِرِ مِنْ وَقْعِ النِّصَالِ (٢) عَلَى النِّصَالِ. * * * وَلَمَّا تَنَفَّسَ الصُّبْحُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اللَّيْلَاءِ الَّتِي دُعِيَتْ بِلَيْلَةِ "الْهَرِيرِ" (٣) كَانَ الْإِعْيَاءُ (٤) قَدْ بَلَغَ بِكُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ غَايَتَهُ. فَالسَّوَاعِدُ قَدْ كَلَّتْ (٥)، وَالْعَزَائِمُ قَدْ وَهَنَتْ، وَالسُّيُوفُ قَدْ تَثَلَّمَتْ (٦) … وَتَمَنَّى كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يَضَعَ السِّلَاحَ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ، وَلَمَّا يُكْتَبْ لَهُ النَّصْرُ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ؛ وَقَفَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ إِنَّ النَّصْرَ سَيَكُونُ بَعْدَ سَاعَةٍ لِمَنْ يَثْبُتُ عَلَى الْقِتَالِ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ عَدُوِّكُمْ … فَكُونُوا أَنْتُمُ الَّذِينَ تَصْبِرُونَ هَذِهِ السَّاعَةَ.

стр. 700

ثُمَّ شَدَّ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ خَوَاصِّ رِجَالِهِ عَلَى مُعَسْكَرِ الْفُرْسِ … فَشَدَّ الْمُسْلِمُونَ لِشَدَّتِهِ. * * * لَمْ تَرْتَفِعْ شَمْسُ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَالِيًا؛ حَتَّى كَانَتْ صُفُوفُ الْفُرْسِ تَتَرَنَّحُ تَحْتَ وَطْأَةِ هَجَمَاتِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَبَّتْ عَلَى سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ رِيحٌ عَاصِفَةٌ أَطَارَتْ قُبَّةَ سَرِيرِ (١) "رُسْتُمَ" مِنْ فَوْقِهِ وَقَذَفَتْ بِهَا إِلَى النَّهْرِ … فَانْدَفَعَ الْقَعْقَاعُ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ السَّرِيرِ لِيَفْتِكُوا بِصَاحِبِهِ؛ فَقَفَرَ "رُسْتُمُ" عَنْهُ. وَلَمَّا رَأَى أَنَّ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَوْشَكُوا أَنْ يُطْبِقُوا عَلَيْهِ؛ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي النَّهْرِ … فَانْقَضَّ عَلَيْهِ أَحَدُ رِجَالِ الْقَعْقَاعِ، وَفَلَقَ جَبِينَهُ بِالسَّيْفِ فَلْقَتَيْنِ. ثُمَّ صَعَدَ عَلَى سَرِيرِهِ وَجَعَلَ يَصِيحُ: قَتَلْتُ "رُسْتُمَ"، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ … قَتَلْتُ "رُسْتُمَ" وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. * * * لَقَدْ كَانَ مَصْرَعُ "رُسْتُمَ" خَاتِمَةً لِأَعْظَمِ مَعْرَكَةٍ غَيَّرَتْ وَجْهَ التَّارِيخِ. وَكَانَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ بَطَلَ هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ الْفَذَّ غَيْرَ مُنَازَعٍ (*).

стр. 701

الكتاب الحادي عشر أَبُو عُبَيْدٍ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ "قَائِدُ وَقْعَةِ الْجِسْرِ" هَا هُوَ ذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ مُوَسَّدًا (١) عَلَى فِرَاشِهِ؛ مُتَرَقِّبًا قَضَاءَ اللهِ فِيهِ؛ بَعْدَ أَنْ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ وَطْأَةُ الْمَرَضِ. وَهَا هُمْ أُولَاءِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى بَيْتِ خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجِلِينَ مُشْفِقِينَ (٢). وَفِيمَا كَانَ الصِّدِّيقُ عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ؛ دَعَا خَلِيفَتَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ: يَا عُمَرُ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ فِي يَوْمِي هَذَا … فَإِذَا أَنَا مِتُّ؛ فَلَا تُصْبِحَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ إِلَى قِتَالِ الْفُرْسِ. ثُمَّ ابْعَثْ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَكَ مِنْهُمْ مَدَدًا (٣) لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِ هُنَاكَ … وَلَا تَشْغَلَتْكُمْ عَنْ أَمْرِ دِينِكُمْ مُصِيبَةٌ مَهمَا جَلَّتْ (٤). ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ أَسْلَمَ الرُّوحَ قَبْلَ مَغِيبِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * * وَارَى الْفَارُوقُ صَاحِبَهُ التُّرَابَ لَيْلًا … وَمَا إِنْ طَلَعَ الصَّبَاحُ حَتَّى كَانَ أَوَّلَ عَمَلٍ قَامَ بِهِ أَنَّهُ نَدَبَ (٥) النَّاسَ لِقِتَالِ الْفُرْسِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ التَّرْغِيبِ. لكِنَّهُ فُوجئَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَذَلِكَ لِشِدَّةٍ خَشْيَتِهِمْ مِنَ

стр. 702

الْفُرْسِ، وَكَثْرَةِ مَا سَمِعُوهُ عَنْ بَأْسِهِمْ (١) وَبَطْشِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ التَّالِي دَعَا النَّاسَ كَرَّةً (٢) أُخْرَى؛ فَلَمْ يُلَبِّهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ … فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ نَدَبَهُمْ مَرَّةً ثَالِثَةً؛ فَلَمْ يَنْتَدِبْ لَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ .... فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ؛ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَاسِفَ الْبَالِ (٣) وَدَعَاهُمْ إِلَى قِتَالِ الْفُرْسِ؛ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لَقَدْ سَمِعْنَا دَعْوَتَكَ وَأَطَعْنَا أَمْرَكَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَكَ وَمَعِي أَوْلَادِي وَأَهْلِي وَعَشِيرَتي .. فَانْفَرَجَتْ (٤) أَسَارِيرُ عُمَرَ ﵁، وَدَبَّتِ الْحَمِيَّةُ (٥) فِي صُدُورِ الرِّجَالِ … فَأَقْبَلُوا عَلَى الانْضِمَامِ إِلَى الْجَيْشِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ. * * * وَلَمَّا اكْتَمَلَ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: وَلِّ عَلَى الْجَيْشِ أَحَدَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوِ الْأَنْصَارِ؛ فَهُمْ أَرْفَعُ النَّاسِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهُمْ شَأْنًا (٦). فَقَالَ: لَا وَاللهِ! … إِنَّمَا رَفَعَ قَدْرَهُمْ وَعَظَّمَ شَأْنهُمْ سَبْقُهُمْ إِلَى الصَّالِحَاتِ، وَمُسَارَعَتْهُمْ إِلَى لِقَاءِ أَعْدَاءِ اللهِ. فَإِذَا تَثَاقَلُوا (٧) عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَخَفَّ (٨) إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ؛ كَانَ هُوَ السَّابِقَ مِنْ دُونِهِمْ، وَالْأَوْلَى بِالرِّيَاسَةِ عَلَيْهِمْ …

стр. 703

وَاللهِ! لَا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِجَابَةً لِدَاعِي الْجِهَادِ. ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدِ بْنَ مَسْعُودٍ التَّقَفِيَّ، وَعَقَدَ لَهُ الرَّايَةَ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَجِّهِ لِحَرْبِ الْفُرْسِ. * * * مَضَى أَبُو عُبَيْدٍ بِجَيْشِهِ الْبَالِغِ خَمْسَةَ آلَافِ مُجَاهِدٍ وَمَعَهُ أَخُوهُ، وَأَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ، وَزَوْجَتُهُ. وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَضَّهُمْ (١) عَلَى الْجِهَادِ، وَرَغَّبَهُمْ في الاسْتِشْهَادِ … فَمَا زَالَ الْجَيْشُ يَنْمُو وَيَكْبُرُ؛ حَتَّى بَلَغَ عَشْرَةَ آلَافٍ مُجَاهِدٍ. * * * وَصَلَتْ أَنْبَاءُ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْقَادِمِ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَى مَسَامِعِ الْفُرْسِ؛ فَحَشَدُوا جُنُودَهُمْ، وَعَبَّؤُوا (٢) قُوَاهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ ضَرْبَةً قَاضِيَةً (٣) لَا تَقُومُ لَهُمْ بَعْدَهَا قَائِمَةٌ، وَجَعَلُوا عَلَى قِيَادَةِ جَيْشِهِمْ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يُدْعَى "جَابَانَ"، وَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِ (٤) فَارِسًا مِنْ مَشَاهِيرٍ فُرْسَانِهِمْ يُقَالَ لَهُ "مَرْدَانُ". * * * الْتَقَى الْجَمْعَانِ فِي النَّمَارِقِ (٥)، وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا رَحَى مَعْرَكَةٍ طَحُونٍ (٦) أَبْدَى فِيهَا جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ ضُرُوبِ الْبَسَالَةِ وَالْبَذْلِ؛ مَا زَلْزَلَ (٧) أَقْدَامَ الْفُرْسِ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْهَزِيمَةَ الْمُنْكَرَةَ، وَمَزَّقَهُمْ شَرَّ مُمَزَّقٍ …

стр. 704

فَوَقَعَ "جَابَانُ" قَائِدُ الْجَيْشِ فِي أَسْرِ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ يُدْعَى مَطَرَ بْنَ فِضَّةَ التَّيْمِيَّ، وَوَقَعَ "مَرْدَانُ" فِي أَسْرِ جُنْدِيٍّ آخَرَ يُدْعَى أَكْتَلَ بْنَ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيَّ. فَقَتَلَ أَكْتَلُ أَسِيرَهُ .... أَمَّا "جَابَانُ"؛ فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ آسِرَهُ لَمْ يَعْرِفُهُ؛ فَجَعَلَ يَتَذَلَّلُ لَهُ، وَيُظْهِرُ لَهُ الضَّعْفَ وَالْعَجْزَ وَتَقَدَّمَ السِّنِّ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَيُمَنِّيهِ بِمَا يَشَاءُ مِنَ الْعَطَاءِ … فَأَشْفَقَ (١) عَلَيْهِ مَطَرٌ وَأَمَّنَهُ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ. لَكِنَّ "جَابَانَ" مَا كَادَ يَتَخَلَّصُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ آسِرِهِ؛ حَتَّى عَرَفَهُ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ وَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى قَائِدِ الْجَيْشِ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالُوا: هَذَا "جَابَانُ" قَائِدُ جَيْشِ الْفُرْسِ، وَلَقَدْ أَمَّنَهُ أَحَدُ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ وَهْوَ لَا يَعْرِفُهُ، ثُمَّ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: وَالله! لَا أَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهَ … فَالْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ؛ فَقَدْ لَزِمَهُمْ جَمِيعًا .... وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ. * * * اسْتَسْلَمَ الْجُنْدُ الْمُنْهَزِمُونَ لِأَبِي عُبَيْدٍ … وَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا لَهُ الْجِزْيَةَ (٢)، وَجَاءُوا لَهُ بِنَفَائِسِ الطَّعَامِ وَالْأَخْبِصَةِ (٣) …

стр. 705

فَلَمَّا وَضَعُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أَعْرَضَ (١) عَنْهَا وَقَالَ: هَلْ أَكْرَمْتُمْ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمِثْلِ مَا تُكْرِمُونَنِي بِهِ؟. فَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنَا الْيَوْمَ وَسَنَفْعَلُهُ غَدًا. فَقَالَ: ارْفَعُوهُ؛ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ … ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ إِنْ هُوَ صَحِبَ جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَانْتَزَعَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْثَرَ (٢) مِنْ دُونِهِمْ بِشَيْءٍ … لَا وَاللهِ! لَا أكُلُ شَيْئًا مِمَّا أَتَيْتُمْ بِهِ وَلَا مِمَّا أَفَاءَ اللهُ (٣) بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْغَنَائِمِ؛ إِلَّا مَا يَأْكُلُ أَوْسَطُ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَفَعُوهُ. * * * جَمَعَ أَبُو عُبَيْدٍ الْغَنَائِمَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةٍ مَا غَنَمِهُ: نَوْعٌ مِنْ فَاخِرِ التَّمْرِ يُدْعَى "النَّرْسِيَانَ" وَذَلِكَ نِسْبَةٌ إِلَى نَرْسِي ابْنِ خَالَةِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِزِرَاعَتِهِ، وَحَظَرَهَا (٤) عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ مَلِكُ فَارِسٍ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِهَذَا النَّوْعِ الْفَرِيدِ مِنَ التَّمْرِ؛ فَلَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ وَأُسْرَتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُكْرِمَهُ بِهَدِيَّةٍ مِنْهُ. فَوَزَّعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى فَلَّاحِي الْفُرْسِ؛ الَّذِينَ كَانُوا يَغْرِسُونَهُ، وَيَجْنُونَهُ (٥)، وَلَا يَذُوقُونَهُ .... وَبَعَثَ بِخُمْسِهِ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ.
следующие страницы →