← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الكتاب الحادي عشر أَبُو عُبَيْدٍ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ "قَائِدُ وَقْعَةِ الْجِسْرِ" هَا هُوَ ذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ مُوَسَّدًا (١) عَلَى فِرَاشِهِ؛ مُتَرَقِّبًا قَضَاءَ اللهِ فِيهِ؛ بَعْدَ أَنْ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ وَطْأَةُ الْمَرَضِ. وَهَا هُمْ أُولَاءِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى بَيْتِ خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجِلِينَ مُشْفِقِينَ (٢). وَفِيمَا كَانَ الصِّدِّيقُ عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ؛ دَعَا خَلِيفَتَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ: يَا عُمَرُ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ فِي يَوْمِي هَذَا … فَإِذَا أَنَا مِتُّ؛ فَلَا تُصْبِحَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ إِلَى قِتَالِ الْفُرْسِ. ثُمَّ ابْعَثْ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَكَ مِنْهُمْ مَدَدًا (٣) لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِ هُنَاكَ … وَلَا تَشْغَلَتْكُمْ عَنْ أَمْرِ دِينِكُمْ مُصِيبَةٌ مَهمَا جَلَّتْ (٤). ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ أَسْلَمَ الرُّوحَ قَبْلَ مَغِيبِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * * وَارَى الْفَارُوقُ صَاحِبَهُ التُّرَابَ لَيْلًا … وَمَا إِنْ طَلَعَ الصَّبَاحُ حَتَّى كَانَ أَوَّلَ عَمَلٍ قَامَ بِهِ أَنَّهُ نَدَبَ (٥) النَّاسَ لِقِتَالِ الْفُرْسِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ التَّرْغِيبِ. لكِنَّهُ فُوجئَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَذَلِكَ لِشِدَّةٍ خَشْيَتِهِمْ مِنَ

стр. 702

الْفُرْسِ، وَكَثْرَةِ مَا سَمِعُوهُ عَنْ بَأْسِهِمْ (١) وَبَطْشِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ التَّالِي دَعَا النَّاسَ كَرَّةً (٢) أُخْرَى؛ فَلَمْ يُلَبِّهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ … فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ نَدَبَهُمْ مَرَّةً ثَالِثَةً؛ فَلَمْ يَنْتَدِبْ لَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ .... فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ؛ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَاسِفَ الْبَالِ (٣) وَدَعَاهُمْ إِلَى قِتَالِ الْفُرْسِ؛ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لَقَدْ سَمِعْنَا دَعْوَتَكَ وَأَطَعْنَا أَمْرَكَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَكَ وَمَعِي أَوْلَادِي وَأَهْلِي وَعَشِيرَتي .. فَانْفَرَجَتْ (٤) أَسَارِيرُ عُمَرَ ﵁، وَدَبَّتِ الْحَمِيَّةُ (٥) فِي صُدُورِ الرِّجَالِ … فَأَقْبَلُوا عَلَى الانْضِمَامِ إِلَى الْجَيْشِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ. * * * وَلَمَّا اكْتَمَلَ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: وَلِّ عَلَى الْجَيْشِ أَحَدَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوِ الْأَنْصَارِ؛ فَهُمْ أَرْفَعُ النَّاسِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهُمْ شَأْنًا (٦). فَقَالَ: لَا وَاللهِ! … إِنَّمَا رَفَعَ قَدْرَهُمْ وَعَظَّمَ شَأْنهُمْ سَبْقُهُمْ إِلَى الصَّالِحَاتِ، وَمُسَارَعَتْهُمْ إِلَى لِقَاءِ أَعْدَاءِ اللهِ. فَإِذَا تَثَاقَلُوا (٧) عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَخَفَّ (٨) إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ؛ كَانَ هُوَ السَّابِقَ مِنْ دُونِهِمْ، وَالْأَوْلَى بِالرِّيَاسَةِ عَلَيْهِمْ …

стр. 703

وَاللهِ! لَا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِجَابَةً لِدَاعِي الْجِهَادِ. ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدِ بْنَ مَسْعُودٍ التَّقَفِيَّ، وَعَقَدَ لَهُ الرَّايَةَ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَجِّهِ لِحَرْبِ الْفُرْسِ. * * * مَضَى أَبُو عُبَيْدٍ بِجَيْشِهِ الْبَالِغِ خَمْسَةَ آلَافِ مُجَاهِدٍ وَمَعَهُ أَخُوهُ، وَأَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ، وَزَوْجَتُهُ. وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَضَّهُمْ (١) عَلَى الْجِهَادِ، وَرَغَّبَهُمْ في الاسْتِشْهَادِ … فَمَا زَالَ الْجَيْشُ يَنْمُو وَيَكْبُرُ؛ حَتَّى بَلَغَ عَشْرَةَ آلَافٍ مُجَاهِدٍ. * * * وَصَلَتْ أَنْبَاءُ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْقَادِمِ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَى مَسَامِعِ الْفُرْسِ؛ فَحَشَدُوا جُنُودَهُمْ، وَعَبَّؤُوا (٢) قُوَاهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ ضَرْبَةً قَاضِيَةً (٣) لَا تَقُومُ لَهُمْ بَعْدَهَا قَائِمَةٌ، وَجَعَلُوا عَلَى قِيَادَةِ جَيْشِهِمْ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يُدْعَى "جَابَانَ"، وَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِ (٤) فَارِسًا مِنْ مَشَاهِيرٍ فُرْسَانِهِمْ يُقَالَ لَهُ "مَرْدَانُ". * * * الْتَقَى الْجَمْعَانِ فِي النَّمَارِقِ (٥)، وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا رَحَى مَعْرَكَةٍ طَحُونٍ (٦) أَبْدَى فِيهَا جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ ضُرُوبِ الْبَسَالَةِ وَالْبَذْلِ؛ مَا زَلْزَلَ (٧) أَقْدَامَ الْفُرْسِ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْهَزِيمَةَ الْمُنْكَرَةَ، وَمَزَّقَهُمْ شَرَّ مُمَزَّقٍ …

стр. 704

فَوَقَعَ "جَابَانُ" قَائِدُ الْجَيْشِ فِي أَسْرِ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ يُدْعَى مَطَرَ بْنَ فِضَّةَ التَّيْمِيَّ، وَوَقَعَ "مَرْدَانُ" فِي أَسْرِ جُنْدِيٍّ آخَرَ يُدْعَى أَكْتَلَ بْنَ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيَّ. فَقَتَلَ أَكْتَلُ أَسِيرَهُ .... أَمَّا "جَابَانُ"؛ فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ آسِرَهُ لَمْ يَعْرِفُهُ؛ فَجَعَلَ يَتَذَلَّلُ لَهُ، وَيُظْهِرُ لَهُ الضَّعْفَ وَالْعَجْزَ وَتَقَدَّمَ السِّنِّ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَيُمَنِّيهِ بِمَا يَشَاءُ مِنَ الْعَطَاءِ … فَأَشْفَقَ (١) عَلَيْهِ مَطَرٌ وَأَمَّنَهُ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ. لَكِنَّ "جَابَانَ" مَا كَادَ يَتَخَلَّصُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ آسِرِهِ؛ حَتَّى عَرَفَهُ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ وَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى قَائِدِ الْجَيْشِ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالُوا: هَذَا "جَابَانُ" قَائِدُ جَيْشِ الْفُرْسِ، وَلَقَدْ أَمَّنَهُ أَحَدُ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ وَهْوَ لَا يَعْرِفُهُ، ثُمَّ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: وَالله! لَا أَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهَ … فَالْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ؛ فَقَدْ لَزِمَهُمْ جَمِيعًا .... وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ. * * * اسْتَسْلَمَ الْجُنْدُ الْمُنْهَزِمُونَ لِأَبِي عُبَيْدٍ … وَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا لَهُ الْجِزْيَةَ (٢)، وَجَاءُوا لَهُ بِنَفَائِسِ الطَّعَامِ وَالْأَخْبِصَةِ (٣) …

стр. 705

فَلَمَّا وَضَعُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أَعْرَضَ (١) عَنْهَا وَقَالَ: هَلْ أَكْرَمْتُمْ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمِثْلِ مَا تُكْرِمُونَنِي بِهِ؟. فَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنَا الْيَوْمَ وَسَنَفْعَلُهُ غَدًا. فَقَالَ: ارْفَعُوهُ؛ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ … ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ إِنْ هُوَ صَحِبَ جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَانْتَزَعَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْثَرَ (٢) مِنْ دُونِهِمْ بِشَيْءٍ … لَا وَاللهِ! لَا أكُلُ شَيْئًا مِمَّا أَتَيْتُمْ بِهِ وَلَا مِمَّا أَفَاءَ اللهُ (٣) بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْغَنَائِمِ؛ إِلَّا مَا يَأْكُلُ أَوْسَطُ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَفَعُوهُ. * * * جَمَعَ أَبُو عُبَيْدٍ الْغَنَائِمَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةٍ مَا غَنَمِهُ: نَوْعٌ مِنْ فَاخِرِ التَّمْرِ يُدْعَى "النَّرْسِيَانَ" وَذَلِكَ نِسْبَةٌ إِلَى نَرْسِي ابْنِ خَالَةِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِزِرَاعَتِهِ، وَحَظَرَهَا (٤) عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ مَلِكُ فَارِسٍ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِهَذَا النَّوْعِ الْفَرِيدِ مِنَ التَّمْرِ؛ فَلَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ وَأُسْرَتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُكْرِمَهُ بِهَدِيَّةٍ مِنْهُ. فَوَزَّعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى فَلَّاحِي الْفُرْسِ؛ الَّذِينَ كَانُوا يَغْرِسُونَهُ، وَيَجْنُونَهُ (٥)، وَلَا يَذُوقُونَهُ .... وَبَعَثَ بِخُمْسِهِ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ.

стр. 706

وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُول: إِنَّ اللهَ أَطْعَمَنَا مَطَاعِمَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ (١) تَحْمِيهَا، وَتَخْتَصُّ بِهَا مِنْ دُونِ رَعِيَّتِهَا. فَأَحْبَبْنَا أَنْ تَرَوْهَا -يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- لِتَشْكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى إِنْعَامِهِ وَإِفْضَالِهِ. * * * بَلَغَتْ أَنْبَاءُ الْهَزِيمَةِ الْمُنْكَرَةِ (٢) الَّتِي حَلَّتْ بِالْفُرْسِ مَسَامِعَ كَبِيرِهِمْ "رُسْتُم" وَعَرَفَ مَا حَلَّ "بِجَابَانَ" وَقَائِدِ مَيْمَنَتِهِ .... فَاسْتَشَاطَ (٣) غَضَبًا .... وَكَبُرَ عَلَيْهِ أَنْ تَنْهَزِمَ جُيُوشُ الْفُرْسِ الْمُظَفَّرَةُ أَمَامَ هَذِهِ الْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ مِنَ الْعَرَبِ الْحُفَاةِ الْعُرَاةِ. فَجَمَعَ خَاصَّتَهُ (٤) وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّ الْعَجَمِ أَشَدُّ بَأْسًا عَلَى الْعَرَبِ فِيمَا تَرَوْنَ؟. فَقَالُوا: إِنَّهُ "يَهْمَنُ" ذُو الْحَاجِبِ. فَقَالَ: أَصَبْتُمْ. ثُمَّ اسْتَدْعَى "بَهْمَنَ" وَعَقَدَ لَهُ اللِّوَاءَ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنْ أَشِدَّاءِ الْمُقَاتِلِينَ، وَجَعَلَ فِي جَيْشِهِ عِشْرِينَ فِيلًا لَمْ تَرَ الْعَيْنُ أَضْحَمَ مِنْهَا وَلَا أَقْوَى. فَسَارَ "بَهْمَنُ" بِهَذَا الْجَيْشِ اللَّجِبِ (٥) حَتَّى نَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ

стр. 707

الشَّرْقِيِّ بِالْقُرْبِ مِنْ مَوْقِعِ الْكُوفَةِ (١). أَمَّا أَبُو عُبَيْدٍ؛ فَقَدْ تَوَجَّهَ بِجُنْدِهِ وَعَسْكَرَ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ الْمُقَابِلَةِ لِمُعَسْكَرِ الْفُرْسِ؛ فَكَتَبَ "بَهْمَنُ" إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا وَلَا نَمُدُّ لَكُمْ يَدًا بِسُوءٍ عِنْدَ عُبُورِكُمْ، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ كَذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لِمَنْ حَوْلَهُ: لَا يَكُونُ الْفُرْسُ أَجْرَأَ مِنَّا عَلَى الْمَوْتِ … وَعَزَمَ عَلَى الْعُبُورِ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُعَارَضَةِ كَثِيرِ مِنْ رِجَالِهِ لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَ الْفُرْسَ بِذَلِكَ. * * * وَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتِ الْعُبُورَ؛ رَأَتْ زَوْجَةُ أَبِي عُبَيْدٍ فَيمَا يَرَاهُ النَّائِمُ: أَنَّ رَجُلًا هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ وَمَعَهُ إِبْرِيقٌ (٢) فِيهِ شَرَابٌ؛ فَسَقَى مِنْهُ زَوْجَهَا، وَأَخَاهُ، وَأَوْلَادَهُ الثَّلَاثَةَ. فَلَمَّا قَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ؛ قَالَ لَهَا: بُشْرَاكِ! … فَقَدْ كُتِبَتْ لِي الشَّهَادَةُ أَنَا وَأَخِي وَأَوْلَادِي، ثُمَّ وَقَفَ فِي جُنْدِهِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنْ قُتِلْتُ فَأَمِّرُوا (٣) عَلَيْكُمْ أَخِي حَكَمًا … فَإِنْ قُتِلَ؛ فَأَمِّرُوا وَلَدِي وَهْبًا … فَإِنْ قُتِلَ؛ فَأَمِّرُوا أَخَاهُ مَالِكًا …

стр. 708

فَإِنْ قُتِلَ؛ فَأَمِّرُوا أَخَاهُ جَبْرًا. فَإِنْ قُتِلَ؛ فَأَمَّرُوا الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ (١). ثُمَّ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْعُبُور؛ فَصَدَعُوا (٢) بِالْأَمْرِ، وَطَفِقُوا يَتَدَفَّقُونَ نَحْوَ الشَّاطِئِ الشَّرْقِيِّ مِنَ النَّهْرِ كَمَا يَتَدَفَّقُ السَّيْلُ. وَعَبَرُوهُ فَوْقَ جِسْرٍ نَصَبُوهُ هُنَاكَ. * * * وَلَمَّا الْتَقَى الْجَيْشَانِ عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ؛ فُوجِئَ الْمُسْلِمُونَ بِالْفِيَلَةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُ جَيْشَ الْفُرْسِ، وَقَدْ ثُبِّتَتْ عَلَى ظُهُورِهَا وَرِقَابِهَا أَغْصَانٌ كَثِيفَةٌ مِنْ سَعَفِ (٣) النَّخْلِ … وَعُلِّقَتْ عَلَيْهَا أَجْرَاسٌ كَبِيرَةٌ مُجَلْجِلَةٌ (٤). فَبَدَا كُلُّ فِيلٍ مِنْهَا كَأَنَّهُ جَبَلٌ مُشَجَّرٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ … فَهَابَهَا جُنُودُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَهْدٌ (٥) بِهَا مِنْ قَبْلُ … وَأَجْفَلَتْ (٦) مِنْهَا خُيُولُهُمْ. فَأَيْقَنَ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْفِيَلَةِ وَفُرْسَانِهَا حَتَّى يُحَقِّقَ لِجَيْشِهِ النَّصْرَ؛ فَنَادَى بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ أَقْبِلُوا عَلَى الْفِيَلَةِ وَاقْطَعُوا أَحْزِمَتَهَا … وَاقْلِبُوا الرِّجَالَ مِنْ فَوْقِهَا … وَاطْعَنُوهَا فِي مَقَاتِلِهَا (٧). وَهَا أَنَا ذَا مَاضٍ أَمَامَكُمْ …

стр. 709

وَمَا إِنْ أَتَمَّ كَلَامَهُ؛ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْفِيلِ الْأَكْبَرِ؛ فَقَطَعَ حِزَامَهُ وَأَرْدَى (١) الْفَارِسَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهِ .... لَكِنَّ الْفِيلَ مَا لَبِثَ أَنْ ضَرَبَهُ بِخُرْطُومِهِ (٢) ضَرْبَةً أَلْقَتْهُ فِي الْأَرْضِ. ثُمَّ دَاسَ عَلَيْهِ بِيَدَيْهِ وَصَرَعَهُ (٣). * * * تَوَالَى عَلَى الْقِيَادَةِ مِنْ بَعْدِ أَبِي عُبَيْدٍ أَخُوهُ الْحَكَمُ؛ فَخَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا … فَتَلَاهُ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ؛ فَلَحِقَ بِأَبِيهِ وَعَمِّهِ … فَتَلَاهُ ابْنُهُ الثَّانِي؛ فَلَحِقَ بِهِمْ أَيْضًا .. فَتَلَاهُ ابْنُهُ الثَّالِثُ؛ فَآلَ (٤) إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ أَبُوهُ وَأَخَوَاهُ وَعَمُهُ … فَتَحَقَّقَتْ رُؤْيَا زَوْجَةِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَصَحَّ تَأْوِيلُهُ لَهَا … حَيْثُ كُتِبَتِ الشَّهَادَةُ لَهُمْ جَمِيعًا. * * * لَمْ يُحَقِّقِ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي دُعِيَتْ بِوَقْعَةِ الْجِسْرِ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ مِنْ نَصْرٍ … غَيْرَ أَنَّهُمْ مَلَؤُوا قُلُوبَ أَعْدَائِهِمْ رُعْبًا … وَشَحَنُوا (٥) أَفْئِدَتَهُمْ رَهْبَةً وَخَوْفًا … وَلَقَدْ كَانَتْ وَقْعَةُ الْجِسْرِ حَدَثًا خَطِيرًا كَبِيرًا لَهُ مَا بَعْدَهُ …

стр. 710

ذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ (١) الْأَبْلَجَ الْأَغَرَّ لَمْ يَكُنْ عَنْ يَوْمِ الْجِسْرِ بِبَعِيدٍ (*).

стр. 711

الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ عَلَى سِيمَا الزُّبَيْرِ" [قَالَهَا الرَّسُولُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ] مَنْ هَذَا الْفَارِسُ الَّذِي شَقَّ بِسَيْفِهِ صُفُوفَ النَّاسِ فِي مَكَّةَ حَمِيَّةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ … فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ امْتَشَقَ (١) حُسَامًا (٢) فِي الْإِسْلَامِ؟! مَنْ هَذَا الْكَمِيُّ (٣) الَّذِي بَعَثَهُ الْفَارُوقُ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي مِصرَ، وَعَدَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَلْفٍ .. فَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ آلَافٍ؟!. مَنْ هَذَا الْفِدَائِيُّ الَّذِي مَا عَرَفَ تَارِيخُ الْفِدَاءِ فَتًى أَشْجَعَ مِنْهُ شَجَاعَةً. وَلَا أَجَلَّ تَضْحِيَةً. وَلَا أَنْبَلَ (٤) غَايَةً. وَلَا أَكْثَرَ بَرَكَةً عَلَى الْإِسْلَامِ؟!. إِنَّهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ؛ حَوَارِيُّ النَّبِيِّ ﵊. * * * كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الذُّؤَابَةِ (٥) مِنْ قُرَيْشٍ …

стр. 712

فَنَسَبُهُ يَجْتَمِعُ مَعَ نَسَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ (١). وَكَانَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢)؛ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَكَانَتْ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ؛ أَبَرَّ وَأَكْرَمَ زَوْجَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * وُلِدَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ قُبَيْلَ الْبَعْثَةِ بِنَحْوِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ إِلَّا أَنَّهُ مَا كَادَ يُبْصِرُ النُّورَ … حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ يَتِيمًا … فَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى (٣) … كَمَا قُتِلَ جَدُّهُ مِنْ قَبْلُ. * * * تَوَلَّتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَرْبِيَتَهُ … فَنَشَّأَتْهُ عَلَى الْحُشُونَةِ وَالْبَأْسِ. فَلَقَدْ كَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً حَازِمَةً صَارِمَةً … فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ بِهِ فِي كُلِّ مَخَافَةٍ، وَتُقْحِمُهُ فِي كُلِّ خَطَرٍ .. فَإِذَا أَحْجَمَ (٤) أَوْ تَرَدَّدَ أَوْ قَصَّرَ؛ ضَرَبَتْهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا (٥). حَتَّى إِنَّ عَمَّهُ نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ كَانَ يُعَاتِبُهَا عَلَى قَسْوَتِهَا عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: مَا هَكَذَا يُضْرَبُ الْوَلَدُ … إِنَّكِ لَتَضْرِبِينَهُ ضَرْبَ مُبْغِضَةٍ …

стр. 713

فَكَانَتْ تَرْتَجِزُ قَائِلَةً: مَنْ قَالَ أَبْغَضْتُهُ فَقَدْ كَذَبْ وَإِنَّمَا أَضْرِبُهُ لِكَيْ يَلِبْ وَيَهْزِمَ الْجَيشَ وَيَأْتِي بِالسَّلَبْ * * * وَلَمَّا أَشْرَقَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِنُورِ الْإِسْلَامِ؛ كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ مِنَ السَّابَقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى اعْتِنَاقِهِ. فَقَدْ أَسْلَمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِإِسْلَامِ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَانَ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ. * * * وَقَدْ لَقِيَ الْفَتَى الْبَاسِلُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَا تَتَضَعْضَعُ (١) لَهُ عَزَمَاتُ (٢) أَشَدِّ الرِّجَالِ؛ فَلَمْ يَهِنْ، وَلَمْ يَضْعُفْ … فَهَذَا عَمُّهُ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ يَتَفَنَّنُ فِي تَعْذِيبِهِ؛ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَلْفٌ عَلَيْهِ الْحَصِيرَ، وَيُوقِدُ فِي أَطْرَافِهَا النَّارَ … فَتَشْتَعِلُ فِي بُطْءٍ، وَتَبْعَثُ الْحَرَارَةَ فِي جَسَدِهِ، وَتَنْفُثُ (٣) الدُّخَانَ فِي عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَخَيَاشِيمِهِ (٤) وَرئَتَيْهِ؛ حَتَّى يُوشِكَ أَنْ يَمُوتَ خَنْقًا … وَكَانَ عَمُّهُ يَرْقُبُهُ فِي هُدُوءٍ؛ فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الضَّنْكُ؛ قَالَ لَهُ: عُدْ إِلَى دِينِكَ …

стр. 714

فَيَقُولُ: لَا أَكْفُرُ أَبَدًا. * * * وَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ إِلَى الْحَبَشَةِ؛ كَانَ الزُّبَيْرُ فِي طَلِيعَةِ الْمُهَاجِرِينَ … فَلَقِيَ هُوَ وَإِخْوَانُهُ فِي كَنَفِ مَلِيكِهَا الصَّالِحِ؛ الْأَمْنَ عَلَى عَقِيدَتِهِمْ وَالطُّمَأْنِينَةَ عَلَى دِينِهِمْ. وَطَفِقُوا (١) يَعْبُدُونَ اللهَ لَا يَخَافُونَ أَحَدًا. وَفِيمَا هُمْ كَذَلِكَ؛ خَرَجَ عَلَى النَّجَاشِيِّ (٢) رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ؛ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ وَأَجْتَازَ النِّيلَ لِيَلْقَاهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ … فَجَزِعَ الْمُسْلِمُونَ أَشَدَّ الْجَزَعِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ (٣) وَكَانَتْ مَعَهُمْ: فَوَاللهِ! مَا أَعْلَمُ أَنَّنَا حَزِنًا حُزْنَا قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا أَصَابَنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ تَخَوُّفًا مِنْ أَنْ يَظْهَرَ (٤) ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَيُسْلِمَنَا إِلَى? قَوْمِنَا الَّذِينَ كَانُوا يَجِدُّونَ فِي طَلَبِنَا؛ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَنْ رَجُلٌ يَجْتَازُ النِّيلَ، وَيَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟. فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا -وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ (٥) الْقَوْمِ سِنًّا-. * * *

стр. 715

قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَنَفَحُوا لَهُ قِرْبَةً؛ فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ … ثُمَّ مَضَى يَسْبَحُ بَيْنَ الْأَمْوَاجِ وَالْحِيتَانِ؛ حَتَّى قَطَعَ النِّيلَ مِنْ شَاطِئِهِ، إِلَى شَاطِئِهِ، وَبَلَغَ أَرْضَ الْمَعْرَكَةِ. وَفِيمَا كُنَّا مُجْتَمِعِينَ مُتَرَقِّبِينَ نَدْعُو اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا الزُّبَيْرُ، وَهُوَ يُلَوِّحُ بِثَوْبِهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا … فَقَدْ ظَفَرَ النَّجَاشِيُّ، وَأَهْلَكَ اللهُ عَدُوَّهُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَوَاللهِ! مَا عَلِمْتُنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطُّ مِثْلَهَا. * * * وَلَمَّا عَادَ الزُّبَيْرُ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْحَبَشَةِ؛ وَضَعَ شَبَابَهُ وَبَأْسَهُ وَجُرْأَتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَقَدْ أَرْجَفَ (١) الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّهُ أُخِذَ لِيُقْتَلَ .. فَجَرَّدَ (٢) الْفَتَى الْبَاسِلُ سَيْفَهُ … وَجَعَلَ يَشُقُّ بِهِ صُفُوفَ النَّاسِ شَقًّا؛ حَتَّى بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَعْلَى مَكَّةَ؛ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊: (مَالَكَ يَا زُبَيْرُ؟!). قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ أُخِذْتَ …

стр. 716

فَدَعَا لَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَلِسَيْفِهِ … وَكَانَ بِذَلِكَ سَيْفُهُ؛ أَوَّلَ سَيْفِ سُلَّ فِي الْإِسْلَامِ. * * * وَلَمَّا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالْهَجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ … جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَخْرُجُونَ جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ؛ لِيَشُدَّ بَعْضُهُمْ أَزْرَ بَعْضٍ. وَحَرَضُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا سِرًّا حَتَّى لَا تَتَصَدَّى لَهُمْ قُرَيْشٌ؛ إِلَّا ثَلَاثَةٌ مِنْ صَنَادِيدِ الْمُسْلِمِينَ؛ خَرَجُوا فُرَادَى وَعَلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ … فَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيُؤْذِنُ (١) قُرَيْشًا بِخُرُوجِهِ، وَيَتَحَدَّاهُمْ أَنْ يَصُدُّوهُ (٢) أَوْ يَلْحَقُوا بِهِ. هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ … وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٣) عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ … وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ؛ حَوَارِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * وَفِي يَوْمٍ بَدْرٍ؛ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا لِلزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ؛ فَامْتَطَى صَهْوَةَ فَرَسِهِ، وَلَاثَ (٤) عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءَ … وَلَمَّا أَمَدَّ اللهُ نَبيَّهُ ﷺ بِالْمَلَائِكَةِ؛ فَإِذَا عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊:

стр. 717

(إِنَّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ عَلَى سِيمَا (١) الزُّبَيْرِ). * * * وَأَبْلَى (٢) الزُّبَيْرُ فِي بَدْرٍ بَلَاءً يَلِيقُ (٣) بِفَارِسٍ كَمِيٍّ مِثْلِهِ، وَلَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْ صَنَادِيدِ (٤) الْمُشْرِكِينَ مَصَارِعَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ .... وَقَدْ تَتَمَلَّكُكَ الدَّهْشَةُ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ أَحَدَ صَرْعَاهُ؛ إِنَّمَا هُوَ عَمُّهُ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ صَاحِبُ الْحَصِيرِ. * * * وَفِي يَوْمِ أُحُدٍ؛ بَايَعَ الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ في هَذِهِ الْغَزْوَةِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْكَرْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَطَفِقُوا يَنْهَزِمُونَ فِي كُلِّ اتِّجَاهِ؛ رَأَى الرَّسُولُ ﷺ فَارِسًا عَلَى فَرَسِهِ؛ يُوقِعُ (٥) بِالْمُسْلِمِينَ أَشَدَّ الْإِيقَاعِ، وَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ أَعْنَفَ (٦) الْقَتْلِ … فَالْتَفَتَ إِلَى الزُّبَيْرِ وَقَالَ: (إِلَيْهِ يَا زُبَيْرُ) … فَمَا كَادَتْ كَلِمَةُ الرَّسُولِ ﷺ تُلَامِسُ سَمْعَهُ؛ حَتَّى هَبَّ كَالْأَسَدِ عَادِيًا، وَصَعِدَ مَكَانًا فَوْقَ النَّاسِ، وَوَثَبٍ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى? جَوَادِهِ، وَاعْتَنَقَهُ وَهَوَى بِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَعَلَا يَتَدَحْرَجَانِ مَعًا حَتَّى عَلَا فَوْقَ صَدْرِهِ، وَقَتَلَهُ … فَفَدَّاهُ الرَّسُولُ ﷺ حِينَئِذٍ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ.

стр. 718

وَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ؛ أَوْشَكَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُحِيطُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ … فَمَا زَالَ يُطَاعِنُهُمْ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ … فَشَكَا الْمُشْرِكُونَ لِأَحَدٍ قَادَتِهِمْ مِنْ فَارِسٍ يَضَعُ رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَعْصِبُ رَأْسَهُ بِمَلَاءَةٍ صَفْرَاءَ واسْتَعَانُوهُ (١) عَلَيْهِ، وسَأَلُوهُ عَنْهُ؛ فَقَالَ: هَذَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ … وَأَحْلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَيَقْتَحِمَنَّ جُمُوعَكُمْ وَلَيُخَالِطَنَّ صُفُوفَكُمْ؛ فَاثْبُثُوا لَهُ. فَلَمْ يُكَذِّبُ الزُّبَيْرُ ظَنَّهُ .... إِذْ مَا لَبِثَ أَنْ قَصَدَ قَصْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَطَفِقَ يُطَاعِنُهُمْ حَتَّى خَالَطَ صُفُوفَهُمْ، وَأَزَاحَهُمْ عَنْهَا. * * * ظَلَّ سَيْفُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَسْلُولًا طَوَالَ حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ، وَقَدْ تَحَمَّلَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ … حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْمَسْتُورَةِ؛ إِلَّا وَقَدْ جُرِحَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * وَلَوْ رُحْنَا نَسْتَقْصِي صُوَرَ بُطُولَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵇؛ لَوَجَدْنَاهَا لَا تَقِلُّ تَأَلُّقًا وَفَذَاذَةً (٢) عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ .

стр. 719

وَحَسْبُنَا مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الْمُشْرِقَةِ الْوَضَّاءَةِ؛ مَا كَانَ مِنْهُ يَوْمَ فَتْحِ مِصْرَ. * * * لَقَدْ قَصَدَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (١) مِصْرَ لِفَتْحِهَا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَمَا إِنْ أَوْغَلَ (٢) فِي أَرْضِ الْكِنَانَةِ (٣) حَتَّى شَعَرَ بحَاجَتِهِ إِلَى الْمَدَدِ؛ فَكَتَبَ إِلَى الْفَارُوقِ يَسْتَمِدُّهُ بِمَا يَفِيضُ عَنْ حَاجَتِهِ مِنَ الْجُنْدِ. فَتَلَفَّتَ الْفَارُوقُ حَوْلَهُ … فَلَمْ يَجِدْ خَيْرًا مِنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ يَبْعَثُ بِهِ مَدَدًا لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرَ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَوْمَئِذٍ قَدْ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ أَنْطَاكِيَّة (٤)؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ هَلْ لَكَ فِي وِلَايَةِ مِصْرَ؟ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وَلَكِنْ أَخْرُجُ مُجَاهِدًا للهِ؛ مُعَاوِنًا لِلْمُسْلِمِينَ … فَإِنْ وَجَدْتُ عَمْرًا قَدْ فَتَحَهَا؛ لَمْ أَعْرِضْ لِعَمَلِهِ، وَقَصَدْتُ إِلَى بَعْضٍ السَّوَاحِل فَرَابَطْتُ (٥) فِيهِ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فِي جِهَادٍ كُنْتُ مَعَهُ. * * * فَجَهْرَ الْفَارُوقُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ (٦)، وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ (٧)، وَمَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ …

стр. 720

وَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنِّي أَمْدَدْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ؛ عَلَى كُلِّ أَلْفٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ فِي مَقَامِ أَلْفٍ. * * * وَلَمَّا قَدِمَ الزُّبَيْرُ عَلَى عَمْرِو؛ وَجَدَهُ يُحَاصِرُ حِصْنَ بَابِلْيُونَ (١) فِي الْفُسْطَاطِ … فَرَكِبَ جَوَادَهُ وَطَافَ حَوْلَ أَسْوَارِ الْحِصْنِ، ثُمَّ حَدَّدَ لِرِجَالِهِ أَمَاكِنَهُمْ … وَطَالَ حِصَارُ حِصْنِ بَابِلْيُونَ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: إِنَّ فِي الْحِصْنِ طَاعُونًا فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِنَّمَا جِئْنَا لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ. وَلَمَّا أَبْطَأَ الْفَتْحُ وَكَادَ الْمَلَلُ وَالسَّآمَةُ يَنَالَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ الزُّبَيْرُ: إِنِّي أَهَبُ نَفْسِي للهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَفْتَحَ اللهُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. * * * أَعَدَّ الزُّبَيْرُ سُلَّمًا وَثِيقًا مَتِينًا، وَأَسْنَدَهُ إِلَى جِدَارٍ مِنْ جُدْرَانِ الْحِصْنِ، وَأَمَرَ رِجَالَهُ إِذَا سَمِعُوا تَكْبِيرَهُ أَنْ يُجِيبُوهُ جَمِيعًا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَأَنْ يَلْحَقُوا بِهِ. وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ؛ حَتَّى امْتَشَقَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ سَيْفَهُ، وَصَعِدَ دَرَجَاتِ السُّلَّمِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَتَسَوَّرَ جِدَارَ الْحِصْنِ وَهَتَفَ:

стр. 721

اللهُ أَكْبَرُ … اللهُ أَكْبَرُ. فَانْطَلَقَتْ وَرَاءَهُ آلَافُ الْحَنَاجِرِ تُرَدِّدُ اللهُ أَكْبَرُ؛ اللهُ أَكْبَرُ. فَزَلْزَلَ دَوِيُّهَا قُلُوبَ الْمُشْرِكِينَ. وَأَلْقَى الزُّبَيْرُ بِنَفْسِهِ إِلَى دَاخِلِ الْحِصْنِ. وَتَتَابَعَ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَرَاءَهُ. وَأَعْمَلُوا سُيُوفَهُمْ فِي رِقَابِ الرُّومِ الَّذِينَ أَذْهَلَتْهُمُ (١) الْمُفَاجَأَةُ. وَعَمَدَ (٢) الزُّبَيْرُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى بَابِ الْحِصْنِ؛ فَفَتَحُوهُ. فَاقْتَحَمَتْهُ (٣) جُمُوعُ الْمُسْلِمِينَ … وَانْقَضُّوا عَلَى عَدُوِّهِمُ انْقِضَاضَ الصَّاعِقَةِ. فَهَزَمُوهُ شَرَّ هَزِيمَةٍ. وَكَتَبَ اللهُ النَّصْرَ لِجُنْدِهِ … وَقِيلَ سُحْقًا (٤) لِلظَّالِمِينَ (*).

стр. 722

سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ "المُكَنَّى بَأَبِي دُجَانَةَ" "أَعْطَاهُ الرَّسُولُ ﷺ سَيْفَهُ … وآثَرَهُ بِهِ عَلَى شُيُوخِ الْمُهَاجِرِينَ وَفُرْسَانِ الْأَنْصَارِ" هَذِهِ مَدِينَةُ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ يَمُوجُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ؛ تَأَهُّبًا (١) لِلقَاءِ الْعَدُوِّ. وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﵊؛ يَرُوحُونَ وَيَغْدُونَ فِي دُرُوعِ الْحَدِيدِ كَأُسْدِ الشَّرَى (٢) … وَهُمْ يَتَوَهَّجُونَ (٣) شَوْقًا إِلَى نَيْلِ الشَّهَادَةِ، وَالظَّفَرِ بِرِضْوَانِ اللهِ. وَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ لَابِسًا لَأُمَتَهُ (٤)؛ مستعدًا لِلقَاءِ عَدُوٌّ اللهِ وَعَدُوِّهِ. فَمَا إِن وَقَعَتْ عَلَيْهِ عُيُونُ الْمُسْلِمِينَ؛ حَتَّى اشْتَعَلَتْ صُدُورُهُمْ بِنِيرَانِ الْحَمِيَّةِ (٥) … واتَّقَدَتْ أَفْئِدَتُهُمْ بِالْعَزِيمَةِ وَالْبَأْسِ … وَهَا هُمْ أُولَاءِ الْفِتْيَةُ الْيَافِعُونَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ يُقْبِلُونَ عَلَى

стр. 723

الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ جَاوَزَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ … وَهُمْ يَشُدُّونَ قَامَاتِهِمُ الْقَصِيرَةَ، وَيَنْفُحُونَ صُدُورَهُمُ الْغَضَّةَ … لِيَظْهَرُوا بِمَظَاهِرِ الرِّجَالِ أَمَامَ الرَّسُولِ ﵊؛ أَمَلًا فِي أَنْ يُجِيزَهُمْ (١)، وَيُتِيحَ لَهُمْ (٢) فُرْصَةَ الْقِتَالِ تَحْتَ رَايَتِهِ … وَالِاسْتِشْهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ قَرِيبًا مِنْهُ. * * * وَمَا إِنِ اكْتَمَلَتِ الْجُمُوعُ؛ حَتَّى رَفَعَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ سَيْفَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (مَنْ يَأْخُذُ سَيْفِي هَذَا؟). فَامْتَدَّتْ إِلَيْهِ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ؛ كُلُّهَا تُرِيدُ أَنْ تَظْفَرَ بِسَيْفِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَتَحْفَى بِهِ .. فَرَدَّهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ وَقَالَ: (مَنْ يَأْخُذُ سَيْفِي هَذَا بِحَقِّهِ؟!). فَقَامَ إِلَيْهِ رِجَالٌ فِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ (٣)، وَغَيْرُهُمَا … فَأَمْسَكَهُ؛ حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَخُو بَنِي سَاعِدٍ؛ الْمُكَنَّى بِأَبِي دُجَانَةَ وَقَالَ: وَمَا حَقُّ سَيْفِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟. فَقَالَ ﷺ : (تُقَاتِلُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ أَوْ تُقْتَلَ). فَقَالَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. * * *

стр. 724

عِنْدَ ذَلِكَ أَشْرَأَبَّتِ (١) الْأَعْنَاقُ إِلَى أَبِي دُجَانَةَ؛ الَّذِي مَنَحَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ سَيْفَهُ. وَآثَرَهُ بِهِ عَلَى شُيُوخِ الْمُهَاجِرِينَ، وَفُرْسَانِ الْأَنْصَارِ. * * * لَمْ يَكُنْ أَبُو دُجَانَةَ مَجْهُولَ الْمَكَانِ فِى الْحَرْبِ عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّسُولِ ﵊، أَوْ مَغْمُورَ الْمَقَامِ … فَهُمْ جَمِيعًا يُقِرُّونَ لَهُ بِأَنَّهُ كَمِيٌّ شُجَاعٌ؛ لَا يَهَابُ الْمَوْتَ … وَهُمْ جَمِيعًا يَعْرِفُونَ عِصَابَتَهُ (٢) الْحَمْرَاءَ الَّتِي يَعْصِبُ بِهَا رَأْسَهُ؛ إِذَا حَمِيَ الْوَطِيسُ، وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ … وَيُطْلِقُونَ عَلَيْهَا "عِصَابَةَ الْمَوْتِ" … وَهُمْ جَمِيعًا يَعْجَبُونَ مِنْ مِشْيَتِهِ الَّتِي يَخْتَالُ (٣) بِهَا بَيْنَ الصُّفُوفِ؛ لِمُبَارَزَةِ الأَقْرَانِ (٤) … وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نَفِسَ (٥) عَلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ هَذِهِ الْمَزِيَّةَ الَّتِي خَصَّهُ بهَا الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَلْتَتْرُكِ الْكَلَامَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِيُحَدِّثَنَا عَنْ خَبَرٍ أَبِي دُجَانَةَ هَذَا، وَوَقْعِهِ عَلَى نَفْسِهِ. * * *

стр. 725

قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: لَقَدْ وَجَدْتُ (١) فِي نَفْسِي؛ حِينَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَنِي سَيْفَهُ؛ فَمَنَعَنِي إِيَّاهُ، وَأَعْطَاهُ أَبَا دُجَانَةَ وَقُلْتُ: أَنَا ابْنُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢)؛ عَمَّةِ الرَّسُولِ ﵊ … وَإِنِّي أَقَعُ فِي الذُّرْوَةِ مِنْ قُرَيْشٍ حَسَبًا (٣) وَمَجْدًا … وَلَقَدْ قُمْتُ إِلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُعْطِينِي السَّيْفَ قَبْلَهُ؛ فَأَعْرَضَ عَنِّي، وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ!! وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ مَا يَصْنَعُ بِهِ … ثُمَّ مَضَى؛ فَتَبِعْتُهُ، وَمَضَيْتُ فِي إِثْرِهِ (٤) … فَلَمَّا غَدًا قُبَالَةَ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ، أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ الْحَمْرَاءَ وَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ؛ فَلَمَّا رَآهُ الْأَنْصَارُ؛ الْتَفَتَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: شَدَّ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ الْمَوْتِ عَلَى رَأْسِهِ. وَهَكَذَا كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ؛ إِذَا تَعَصَّبَ بِهَا. ثُمَّ امْتَشَقَ (٥) سَيْفَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَطَفِقَ يَمْشِي بِهِ مُخْتَالًا مُتَبَخْتِرًا (٦) بَيْنَ الصُّفُوفِ … فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﵊، وَقَالَ:

стр. 726

(هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ وَرَسُولُهُ؛ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ) [أَيْ مَوْطِنِ لِقَاءِ أَعْدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ] ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو دُجَانَةَ وَهُوَ يُنْشِدُ نَشِيدًا يَهُزُّ الْقُلُوبَ هَزًّا، وَيُفْعِمُ الصُّدُورَ حَمِيَّةً وَشَهَامَةً. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَصُولُ بَيْنَ صُفُوفِهِمْ وَيَجُولُ؛ فَمَا لَقِيَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ. * * * وَكَانَ فِي عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ دَأَبَ عَلَى تَتَّبِعِ جَرْحَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِجْهَازِ (١) عَلَيْهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ. فَرَأَيْتُ أَبَا دُجَانَةَ يَتَّجِهُ نَحْوَهُ .... وَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَدْنُو مِنْ أَبِي دُجَانَةَ .... فَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يَجْعَلَ مَصْرَعَ هَذَا الْكَافِرِ عَلَى يَدَيْ أَبِي دُجَانَةَ. فَمَا لَبِنَا أَنِ الْتَقَيَا، وَتَبَادَلَا ضَرْبَتَيْنِ بِسَيْفَيْهِمَا فِي أَقَلَّ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ … فَتَلَقَّى أَبُو دُجَانَةَ ضَرْبَةً خَصْمِهِ بِتُرْسِهِ؛ فَقَدَّتِ التُّرْسَ قَدًّا (٢) … أَمَّا ضَرْبَةُ أَبِي دُجَانَةَ فَقَدْ أَصَابَتْ مِنَ الْمُشْرِكِ مَقْتَلًا؛ فَخَلَّفَهُ وَرَاءَهُ يَسْبَحُ في دِمَائِهِ .. وَمَضَى يَقْتَحِمُ الصُّفُوفَ ذَائِدًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَيْفِهِ؛ مُتَصَدِّيًا لِأَعْدَائِهِ ....

стр. 727

فَكُنْتُ أَرَاهُ تَارَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَتَارَةً عَنْ شِمَالِهِ، وَتَارَةً قُدَّامَهُ أَوْ خَلْفَهُ. * * * ثُمَّ إِنَّ أَبَا دُجَانَةَ رَأَى شَخْصًا يَجُولُ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يُثِيرُ حَمَاسَتَهُمْ، وَيُؤَلِّبُهُمْ (١) عَلَى قَتْلَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَأَهْوَى عَلَى رَأْسِهِ بِسَيْفِهِ. لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ حَرَفَ السَّيْفَ عَنْهُ … فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ اللَّوَاتِى جَاءَ بِهِنَّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مَعَهُ إِلَى الْمَعْرَكَةِ .... فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ أَنْ أَقْتُلَ بِهِ امْرَأَةً. عِنْدَ ذَلِكَ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ وَضَعَ سَيْفَهُ فِي مَوْضِعِهِ .... وَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. * * * ظَلَّ أَبُو دُجَانَةَ يُنَافِحُ (٢) عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ بِسَيْفِ النَّبِيِّ ﵊ مَا دَامَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. فَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى؛ وَضَعَ أَبُو دُجَانَةَ نَفْسَهُ وَسَيْفَهُ فِي طَاعَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . * * * وَلَمَّا ارْتَدَّ بَنُو حَنِيفَةَ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ.

стр. 728

وَطَفِقُوا يَخْرُجُونَ مِنْ دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا … وَتَبِعُوا الْمُتَنَبِّئَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ؛ جَهَّزَ لَهُمُ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ جَيْشًا كَبِيرًا … حَشَدَ فِيهِ وُجُوهَ الصَّحَابَةِ (١) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَ فِي مُقَدَّمَتِهِمْ أَبُو دُجَانَةَ صَاحِبُ سَيْفِ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ عَقَدَ لِوَاءَ الْجَيْشِ لِسَيْفِ اللهِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. * * * انْصَبَّ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ انْصِبَابَ الْهَوْلِ … وَصَمَدَ لَهُمْ مُسَيْلِمَةُ وَمَنْ مَعَهُ صُمُودَ الْجِبَالِ … وَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَحَى مَعَارِكَ تَشِيبُ مِنْ هَوْلِهَا الْوِلْدَانُ … وَكَثُرَ الْقَتْلُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ؛ فَمَا زَادَتْهُمَا كَثْرَةُ الْقَتْلَى إِلَّا حَمِيَّةً وَحِدَّةً وَضَرَاوَةً … ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ رَجَحَتْ كِفَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كِفَّةِ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ طُولِ (٢) بَلَاءٍ، وَشِدَّةِ عَنَاءٍ … فَانْحَازَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ وَالْآلَافُ الْمُؤلَّفَةُ مِنْ جُنْدِهِ؛ إِلَى الْحَدِيقَةِ الَّتِي عُرِفَتْ -بَعْدَ ذَلِكَ- بِاسْمِ: حَدِيقَةِ الْمَوْتِ. فَتَحَصَّنُوا وَرَاءَ جُدْرَانِهَا الْمُمَنَّعَةِ (٣) … وَتَتَرَّسُوا (٤) خَلْفَ أَبْوَابِهَا الْمُوصَدَةِ (٥).

стр. 729

وَلَمَّا أَعْيَتِ الْمُسْلِمِينَ الْحِيَلُ؛ قَامَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكِ الْأَنْصَارِيُّ (١) بِأَجْرِإِ عَمَلٍ بُطُولِيٍّ عَرَفَهُ تَارِيخُ الْفِدَاءِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ … حَيْثُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْتَحَ أَبْوَابَ الْحَدِيقَةِ فِي وَجْهِ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ … فَهَبَّ صَحَابَةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَتَدَفَّقُونَ عَلَى "حَدِيقَةِ الْمَوْتِ" تَدَفُّقَ السَّيْلِ … وَيَنْصَبُّونَ عَلَى مَنْ فِيهَا انْصِبَابَ الْمَنُونِ … فَبَعْضُهُمْ؛ دَخَلَ الْحَدِيقَةَ مِنْ أَبْوَابِهَا … وَبَعْضُهُمُ الْآخَرُ؛ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَيْهَا مِنْ فَوْقِ جُدْرَانِهَا. وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ. * * * أَلْقَى أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْحَدِيقَةِ مِنْ فَوْقِ أَحَدٍ جُدْرَانِهَا الْعَالِيَةِ … فَلَمَّا سَقَطَ عَلَى أَرْضِهَا؛ كُسِرَتْ سَاقُهُ؛ فَلَمْ يُبَالِ بِهَا وَلَمْ يَأْبَهُ لَهَا (٢) … وَإِنَّمَا انْتَضَى (٣) سَيْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يَشُقُّ بِهِ الصُّفُوفَ؛ مُعْتَمِدًا عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ حَتَّى بَلَغَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ. فَأَهْوَى عَلَيْهِ بِضَرْبَةٍ مِنْ سَيْفِهِ … وَذَلِكَ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي سَدَّدَ إِلَيْهِ فِيهَا وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ (٤) طَعْنَةً مِنْ حَرْبَتِهِ …

стр. 730

فَخَرَّ الْمُتَنَبِّئُ الْكَذَّابُ بَيْنَهُمَا صَرِيعًا يَخُوضُ فِي دِمَائِهِ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ؛ كَرَّ أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ عَلَى الْفَارِسِ الَّذِي يُحَارِبُ بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ؛ يُرِيدُونَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ … فَمَا زَالَ يُجَالِدُهُمْ وَيُجَالِدُونَهُ؛ حَتَّى كَلَّتْ قَدَمُهُ … وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَاتُ السُّيُوفِ وَطَعَنَاتُ الرِّمَاحِ … فَخَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا. * * * لَكِنَّ أَبَا دُجَانَةَ لَمْ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ غَمْضَتَهَا الْأَخِيرَةَ … إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَى جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ؛ يَرْفَعُونَ عَلَى أَرْضِ الْيَمَامَةِ رَايَاتِ الْإِسْلَامِ (*).

стр. 731

خَالِدُ بْنُ الوَلِيْدِ "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ صَدٌ عَنْ سَبِيلِكَ" [مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ] سِيرَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَلْحَمَةٌ مَجِيدَةُ الْفُصُولِ … تَبْتَدِئُ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْبُطُولَةِ … وَتَنْتَهِي بِالْإِيمَانِ وَالرُّجُولَةِ. كَانَ خَالِدٌ مِنْ مَخْزُومٍ … وَكَانَتْ مَحْزُومٌ فِي الذُّرْوَةِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ نَشْأَتُهُ فِي أَعْرَقِ بُيُوتِهَا نَسَبًا وَأَشْرَفِهَا حَسَبًا … وَأَكْثَرِهَا مَالًا وَنَشَبًا (١). كَانَ عَمُّهُ هِشَامٌ قَائِدَ بَنِي مَخْزُومٍ يَوْمَ حَرْبِ الْفِجَارِ (٢). وَبِوَفَاتِهِ أَرْخَتِ الْعَرَبُ كَمَا تُؤَرِّخُ بِالْأَحْدَاثِ الْعِظَامِ … وَلَمْ تُقِمْ قُرَيْشٌ سُوقًا بِمَكَّةَ ثَلَاثًا لِحُزْنِهَا عَلَيْهِ. وَكَانَ عَمُّهُ الْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَكْرَمِ الْعَرَبِ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ لَهُ بَيْتٌ لِلضِّيَافَةِ يَأْوِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. أَمَّا أَبُوهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ؛ فَقَدْ كَانَ أَغْنَى أَبْنَاءِ زَمَانِهِ ....

стр. 732

يَمْلِكُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْبَسَاتِينِ وَالْكُرُومِ وَالتِّجَارَةِ، وَالْخَدَمِ وَالْجَوَارِي وَالرَّقِيق؛ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ .... فَقَدْ كَانَ أَبُوهُ يَكْسُو الْكَعْبَةَ وَحْدَهُ سَنَةً وَتَكْسُوهَا قُرَيْشٌ كُلُّهَا سَنَةً أُخْرَى وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ دُعِيَ بِالْوَحِيدِ (١) … وَلُقِّبَ بِرَيْحَانَةِ قُرَيْشٍ. وَهْوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ (٢). وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ لِفَرْطِ جُودِهِ؛ يَأْنَفُ أَنْ تُوقَدَ نَارٌ غَيْرُ نَارِهِ فِي مِنِّى لِإِطْعَامِ الْحَجِيجِ. وَكَانَ يَزْعُمُ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِالنُّبُوَّةِ وَبِنُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ … وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣). فِي هَذَا الْبَيْتِ السَّرِيِّ الْغَنِيِّ الْوَجِيهِ؛ وُلِدَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. * * * كَانَ خَالِدٌ طَوِيلًا بَائِنَ (٤) الطُّولِ .... مَدِيدَ الْقَامَةِ؛ عَظِيمَ الْهَامَةِ … مَهِيبَ الطَّلْعةِ ..

стр. 733

يَمِيلُ إِلَى الْبَيَاضِ. وَكَانَ شَدِيدَ الشَّبَهِ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ حَتَّى كَانَ ضِعَافُ الْبَصَرِ كَثِيرًا مَا يَخْلِطُونَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ. * * * وَلَمَّا أَظْهَرَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ دَعْوَتَهُ؛ كَانَ خَالِدٌ فَنِّى نَاشِئًا … فَنَفَرَ مِنْهَا لِأَنَّهُ رَأَى فِيهَا زَعَامَةً جَدِيدَةً؛ تُنَاهِضُ زَعَامَةً أُسْرَتِهِ … وَسِيَادَةً مُحْدَثَةً؛ تَقِفُ فِي وَجْهِ سِيَادَةِ أَبِيهِ … فَتَصَدَّى لَهَا هُوَ وَأَخُوهُ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ. * * * أَمَّا عُمَارَةُ؛ فَقَدْ خَاضَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَوَقَعَ فِي أَسْرِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ طَالَ الْكَلَامُ فِي أَمْرِ فِدَائِهِ لِفَرْطِ غِنَاهُ، وَشِدَّةِ عَدَاوَةِ أَهْلِهِ لِلْإِسْلَامِ … فَطَلَبَ آسِرُهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَأَوْصَى النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَلَّا يَقْبَلُوا لَهُ فِدْيَةً؛ غَيْرَ دِرْعِ أَبِيهِ الْفَضْفَاضَةَ (١)، وَسَيْفِهِ وَبَيْضَتِهِ (٢) … وَطَالَتِ الْمُسَاوَمَةُ؛ وَالرَّجُلُ بَاقٍ عَلَى دِينِهِ فِي أَسْرِ الْمُسْلِمِينَ … فَلَمَّا تَمَّ فِدَاؤُهُ وَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ … أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى الرَّغْمِ مِنْهُمْ وَهُمْ كَارِهُونَ. وَعَجِبَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ فِعْلِهِ، وَسَأَلُوهُ:

стр. 734

هَلَّا أَسْلَمْتَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَدَى؟! … فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ يُقَالَ إِنِّي جَزِعْتُ (١) مِنَ الْإِسَارِ. وَأَمَّا خَالِدٌ؛ فَظَلَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. * * * وَفِي أُحُدٍ؛ عَقَدَتْ قُرَيْشٌ لَهُ لِوَاءَ الْمَيْمَنَةِ. فَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْهَجْمَةَ الَّتِي رَبَّحَتْ كِفَّةَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ كَرَّ بِالْخَيْلِ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاخْتَلَّتْ صُفُوفُهُمْ وَاخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ … حَتَّى مَا عَادُوا يَفْرِقُونَ بَيْنَ شِيعَتِهِمْ (٢) وَعَدُوِّهِمْ … فَاسْتَطَارَ أَبُو سُفْيَانَ (٣) فَرَحًا … وَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ. * * * وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ؛ اقْتَسَمَ الْمُشْرِكُونَ كَتَائِبَهُمْ، وَخَصُّوا كُلَّ كَتِيبَةٍ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَذْهَمُهَا عِنْدَ الصَّبَاحِ. وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ هُوَ الْمُوَكَّلَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ … وَكَادَ يَظْفَرُ خَالِدٌ بِالرَّسُولِ الكَرِيم ﷺ وَلَوْلَا يَقَظَةُ حَرَسِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَائِدِهِمْ أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ (٤) ﵁. * * * وَفِي سَنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ خَرَجَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي

стр. 735

نَحْو أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا يَحْمِلُونَ سِلَاحًا غَيْرَ السُّيُوفِ فِي أَغْمَادِهَا … فَأَوْجَسَ (١) الْمُشْرِكُونَ خِيفَةً مِنْ ذَلِكَ، وَنَدَبُوا خَالِدًا لِلقَاءِ الرَّسُولِ ﷺ في مِائَتَيْ فَارِسٍ، واسْتِطْلَاعِ أَمْرِهِ … فَدَنَا خَالِدٌ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ … ثُمَّ حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ؛ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ (٢)، وَهَمَّ خَالِدٌ أَنْ يُغِيرَ عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ … فَصَدَّتْهُ سَكِينَةُ الْمُسْلِمِينَ .... وَرَهْبَةُ الصَّلَاةِ … وَنَحْوَةُ الْفَارِسِ الَّتِي تَأْبَى الْغَدْرَ. وَسَرَى فِي رُوعِهِ أَنَّ لِمُحَمَّدٍ سِرًّا، وَأَنَّ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ. وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ عَاطِفَةٍ عَطَفَتْهُ نَحْوَ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ جَاءَتْهُ رِسَالَةٌ مِنْ أَخِيهِ الْوَلِيدِ (٣) الَّذِي أَسْلَمَ بَعْدَ بَدْرٍ؛ يَحْمِلُ لَهُ فِيهَا كَلَامًا مِنَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ … فَكَانَتْ سَبَبًا فِي أَنْ يُخْرِجَهُ اللهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. * * * وَلْتَتْرُكْ لِخَالِدٍ نَفْسِهِ أَنْ يَقُصُّ عَلَيْنَا قِصَّةَ إِسْلَامِهِ؛ قَالَ:

стр. 736

لَمَّا أَرَادَ اللهُ بِي مِنَ الْخَيْرِ مَا أَرَادَ؛ قَذَفَ فِي قَلْبِي حُبَّ الْإِسْلَامِ، وَحَضَرَنِي رُشْدِي وَقُلْتُ: شَهِدْتُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ، وَكُنْتُ كُلَّمَا انْصَرَفْتُ مِنْ مَوْطِنٍ أَجِدُنِي عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ … وَأَجِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا سَيَظْهَرُ. ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ: وَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ كَتَبَ إِلَيَّ أَخِي كِتَابًا؛ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ … أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ … وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ … وَمِثْلُ الْإِسْلَام لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْكَ، فَقَالَ: (أَيْنَ خَالِدٌ؟). فَقُلْتُ: يَأْتِي اللهُ بِهِ. فَقَالَ: (مَا مِثْلُ خَالِدٍ يَجْهَلُ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ (١) مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ .... وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ). فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا فَاتَكَ مِنْهُ؛ فَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. * * * ثُمَّ أَتْبَعَ خَالِدٌ يَقُولُ:

стр. 737

فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ؛ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَسَرَّتْنِي مَقَالَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَةٍ جَدْبَةٍ (١) … فَخَرَجْتُ إِلَى بَلَدٍ أَخْضَرَ وَاسِعٌ؛ فقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا حَقٌّ. فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْتُ: مَنْ أُصَاحِبُ مَعِي إِلَى مُحَمَّدٍ؟. فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ (٢)، فَقُلْتُ: أَمَا تَرَى يَا أَبَا وَهَبٍ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ … فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَيْهِ؛ فَاتَّبَعْنَاهُ … فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ شَرَفٌ لَنَا. فَأَبَى عَلَيَّ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرِي مِنْ قُرَيْشٍ مَا تَبِعْتُهُ أَبَدًا؛ فَافْتَرَقْنَا، وَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ مَوْتُورٌ (٣) يَطْلُبُ ثَأْرًا، فَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ وَأَخُوهُ فِي بَدْرٍ. * * * ثُمَّ تَابَعَ خَالِدٌ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ؛ فَقَالَ: تَرَكْتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَلَقِيتُ عِكْرِمَةِ بْنَ أَبِي جَهْلٍ (٤)؛ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ.

стр. 738

فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَهُ صَفْوَانُ. فَقُلْتُ لَهُ: اطْوِ (١) مَا ذَكَرْتُ لَكَ … وَخَرَجْتُ إِلَى مَنْزِلِي؛ فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي أَنْ تُعَدَّ لِي إِلَى أَنْ أَلْقَى عُثْمَانَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ (٢)، وَهُوَ صَدِيقٌ لِي أَذْكُرُ لَهُ مَا أُرِيدُ … ثُمَّ تَذَكَّرْتُ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِ؛ فَكَرِهْتُ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ: وَمَا عَلَى أَن أَلْقَاهُ وَأَنَا رَاحِلٌ مِنْ سَاعَتِي؟. فَذَكَرْتُ لَهُ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، وَقُلْتُ لَهُ نَحْوا مِمَّا قُلْتُهُ لِصَاحِبَيْهِ … فَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ، وَأَدْلَجْنَا بِسُحْرَةٍ (٣). وَفِيمَا نَحْنُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ الْتَقَيْنَا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٤)؛ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ. قُلْنَا: وَبِكَ. فَقَالَ: أَيْنَ سَيْرُكُمْ؟. قُلْنَا: مَا أَخْرَجَكَ أَنْتَ؟. قَالَ: بَلْ مَا أَخْرَجَكُمْ أَنْتُمْ؟. قُلْنَا: الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي.

стр. 739

فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ؛ فَلَقِيَنِي أَخِي؛ فَقَالَ: أَسْرِعْ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُخْبِرَ بِقُدُومِكَ؛ فَسُرَّ … وَهْوَ يَنْتَظِرُكُمْ. فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ فَطَلَعْتُ عَلَيْهِ؛ فَمَا زَالَ يَبْتَسِمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ. فَسَلِّمْتُ بِالنُّبُوَّةِ … فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ. فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ … فَقَالَ: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ … قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا … وَرَجَوْتُ أَلَّا يُسْلِمَكَ إِلَّا لِلْخَيْرِ) * * * وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَومِ أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ وَلُبِّهِ. وَجَعَلَ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَطَ (١) مِنْ أَيَّامِهِ السَّالِفَةِ؛ فَقَالَ ذَاتَ مَرَّةٍ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ مُعَانِدًا عَنِ الْحَقِّ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَهَا لِي. فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﵇: (إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ (٢) مَا كَانَ قَبْلَهُ) … فَعَادَ خَالِدٌ يُؤَكِّدُ رَجَاءَهُ … فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ رَبَّهُ؛ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ).

стр. 740

فَرَضِيَ خَالِدٌ بِذَلِكَ وَاسْتَرَاحَتْ نَفْسُهُ. * * * وَلَمَّا عَزَمَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ؛ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا وَهُوَ يَقُودُ كَتِيبَتَهُ الْخَضْرَاءَ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح (١) عَلَى الْمُقَدِّمَةِ … وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ (٢) عَلَى الْمَيْمَنَةِ … وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ. وَبِذَلِكَ عَادَ خَالِدٌ إِلَى مَكَّةَ قَائِدًا، وَلَمْ يَمْضِ عَلَى إِسْلَامِهِ إِلَّا بِضْعَةُ أَشْهُرٍ. * * * كَانَ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِحْدَى رَايَاتِهِ يَوْمَ دُخُولِ مَكَّةَ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حَدَاثَةِ إِسْلَامِهِ … يَنْظُرُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَا سَيَكُونُ لِخَالِدٍ مِنْ شَأْنٍ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِعْلَاءِ رَايَاتِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَآلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ … شَهِدَ خَالِدٌ فِي عَهْدِهِ حُرُوبَ الرِّدَّةِ مِنْ أَوَائِلِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا، وَكَانَ لَهُ النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ فِي أَهَمٌ وَقَائِعِهَا، وَأَعْصَبِ أَوْقَاتِهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ. * * * وَلَمَّا اتَّجَهَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى فَتْح فَارِسِ؛ كَانَ لِخَالِدٍ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ مَا لَمْ
следующие страницы →