← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لَمَّا أَرَادَ اللهُ بِي مِنَ الْخَيْرِ مَا أَرَادَ؛ قَذَفَ فِي قَلْبِي حُبَّ الْإِسْلَامِ، وَحَضَرَنِي رُشْدِي وَقُلْتُ: شَهِدْتُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ، وَكُنْتُ كُلَّمَا انْصَرَفْتُ مِنْ مَوْطِنٍ أَجِدُنِي عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ … وَأَجِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا سَيَظْهَرُ. ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ: وَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ كَتَبَ إِلَيَّ أَخِي كِتَابًا؛ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ … أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ … وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ … وَمِثْلُ الْإِسْلَام لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْكَ، فَقَالَ: (أَيْنَ خَالِدٌ؟). فَقُلْتُ: يَأْتِي اللهُ بِهِ. فَقَالَ: (مَا مِثْلُ خَالِدٍ يَجْهَلُ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ (١) مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ .... وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ). فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا فَاتَكَ مِنْهُ؛ فَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. * * * ثُمَّ أَتْبَعَ خَالِدٌ يَقُولُ:

стр. 737

فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ؛ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَسَرَّتْنِي مَقَالَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَةٍ جَدْبَةٍ (١) … فَخَرَجْتُ إِلَى بَلَدٍ أَخْضَرَ وَاسِعٌ؛ فقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا حَقٌّ. فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْتُ: مَنْ أُصَاحِبُ مَعِي إِلَى مُحَمَّدٍ؟. فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ (٢)، فَقُلْتُ: أَمَا تَرَى يَا أَبَا وَهَبٍ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ … فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَيْهِ؛ فَاتَّبَعْنَاهُ … فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ شَرَفٌ لَنَا. فَأَبَى عَلَيَّ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرِي مِنْ قُرَيْشٍ مَا تَبِعْتُهُ أَبَدًا؛ فَافْتَرَقْنَا، وَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ مَوْتُورٌ (٣) يَطْلُبُ ثَأْرًا، فَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ وَأَخُوهُ فِي بَدْرٍ. * * * ثُمَّ تَابَعَ خَالِدٌ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ؛ فَقَالَ: تَرَكْتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَلَقِيتُ عِكْرِمَةِ بْنَ أَبِي جَهْلٍ (٤)؛ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ.

стр. 738

فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَهُ صَفْوَانُ. فَقُلْتُ لَهُ: اطْوِ (١) مَا ذَكَرْتُ لَكَ … وَخَرَجْتُ إِلَى مَنْزِلِي؛ فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي أَنْ تُعَدَّ لِي إِلَى أَنْ أَلْقَى عُثْمَانَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ (٢)، وَهُوَ صَدِيقٌ لِي أَذْكُرُ لَهُ مَا أُرِيدُ … ثُمَّ تَذَكَّرْتُ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِ؛ فَكَرِهْتُ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ: وَمَا عَلَى أَن أَلْقَاهُ وَأَنَا رَاحِلٌ مِنْ سَاعَتِي؟. فَذَكَرْتُ لَهُ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، وَقُلْتُ لَهُ نَحْوا مِمَّا قُلْتُهُ لِصَاحِبَيْهِ … فَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ، وَأَدْلَجْنَا بِسُحْرَةٍ (٣). وَفِيمَا نَحْنُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ الْتَقَيْنَا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٤)؛ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ. قُلْنَا: وَبِكَ. فَقَالَ: أَيْنَ سَيْرُكُمْ؟. قُلْنَا: مَا أَخْرَجَكَ أَنْتَ؟. قَالَ: بَلْ مَا أَخْرَجَكُمْ أَنْتُمْ؟. قُلْنَا: الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي.

стр. 739

فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ؛ فَلَقِيَنِي أَخِي؛ فَقَالَ: أَسْرِعْ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُخْبِرَ بِقُدُومِكَ؛ فَسُرَّ … وَهْوَ يَنْتَظِرُكُمْ. فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ فَطَلَعْتُ عَلَيْهِ؛ فَمَا زَالَ يَبْتَسِمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ. فَسَلِّمْتُ بِالنُّبُوَّةِ … فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ. فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ … فَقَالَ: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ … قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا … وَرَجَوْتُ أَلَّا يُسْلِمَكَ إِلَّا لِلْخَيْرِ) * * * وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَومِ أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ وَلُبِّهِ. وَجَعَلَ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَطَ (١) مِنْ أَيَّامِهِ السَّالِفَةِ؛ فَقَالَ ذَاتَ مَرَّةٍ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ مُعَانِدًا عَنِ الْحَقِّ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَهَا لِي. فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﵇: (إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ (٢) مَا كَانَ قَبْلَهُ) … فَعَادَ خَالِدٌ يُؤَكِّدُ رَجَاءَهُ … فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ رَبَّهُ؛ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ).

стр. 740

فَرَضِيَ خَالِدٌ بِذَلِكَ وَاسْتَرَاحَتْ نَفْسُهُ. * * * وَلَمَّا عَزَمَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ؛ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا وَهُوَ يَقُودُ كَتِيبَتَهُ الْخَضْرَاءَ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح (١) عَلَى الْمُقَدِّمَةِ … وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ (٢) عَلَى الْمَيْمَنَةِ … وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ. وَبِذَلِكَ عَادَ خَالِدٌ إِلَى مَكَّةَ قَائِدًا، وَلَمْ يَمْضِ عَلَى إِسْلَامِهِ إِلَّا بِضْعَةُ أَشْهُرٍ. * * * كَانَ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِحْدَى رَايَاتِهِ يَوْمَ دُخُولِ مَكَّةَ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حَدَاثَةِ إِسْلَامِهِ … يَنْظُرُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَا سَيَكُونُ لِخَالِدٍ مِنْ شَأْنٍ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِعْلَاءِ رَايَاتِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَآلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ … شَهِدَ خَالِدٌ فِي عَهْدِهِ حُرُوبَ الرِّدَّةِ مِنْ أَوَائِلِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا، وَكَانَ لَهُ النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ فِي أَهَمٌ وَقَائِعِهَا، وَأَعْصَبِ أَوْقَاتِهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ. * * * وَلَمَّا اتَّجَهَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى فَتْح فَارِسِ؛ كَانَ لِخَالِدٍ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ مَا لَمْ

стр. 741

يَكُنْ لِرَجُلٍ سِوَاهُ … فَقَدْ لَقِيَ الْفُرْسَ وَأَنْصَارَهُمْ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ وَقْعَةً … لَمْ يُهْزَم فِي أَيَّةٍ مِنْهَا، وَلَمْ يُخْطِئ، وَلَمْ يُخْفِقْ … وَلَمَّا قَصَدَ الْمُسْلِمُونَ حَرْبَ الرُّوم؛ كَانَ لِخَالِدٍ شَرَفُ قِيَادَةِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ؛ كُبْرَى مَعَارِكِ الْمُسْلِمِينَ. * * * وَقَدْ بَلَغَ خَالِدٌ ذُرْوَةَ عَظَمَتِهِ؛ يَوْمَ أَتَاهُ كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَزْلِهِ عَنِ الْقِيَادَةِ، وَهُوَ فِي قِمَّةِ انْتِصَارَاتِهِ … فَصَدَعَ (١) بِالْأَمْرِ … وَأَسْلَمَ الْقِيَادَةَ لِخَلَفِهِ. وَبِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ؛ تَحَوَّلَ الْمُنْتَصِرُ الْكَبِيرُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى جُنْدِيٍّ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ … بَعْدَ أَنْ كَانَ قَائِدًا لِهَذَا الْجَيْشِ. رَحِمَ اللهُ أَبَا سُلَيْمَانَ … فَقَدْ كَانَ طِرَازًا فَرِيدًا بَيْنَ النَّاسِ (*).

стр. 742

الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَة الشَّيْبَانِي "قَالَ الصِّدِّيقُ: مَنْ هَذَا الَّذِي تَأْتِي أَخْبَارُ وَقَائِعِهِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ نَسَبِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ غَيْرُ خَامِل الذِّكْرِ وَلَا مَجْهُولِ النَّسَبِ" [وَلَّادُ الْخَلِيلِ الْعِمَادِ] خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَسْوَاقِ مَكَّةَ؛ يَعْرِضُ (١) نَفْسَهُ عَلَى الْوَافِدِينَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْحَاءِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ … فَرَأَوْا مَشَايِخَ لَهُمْ أَقْدَارٌ وَعَلَيْهِمْ هَيْئَاتٌ (٢). فَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: مِنْ مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. فَمَالَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؛ لَيْسَ فَوْقَ هَؤُلَاءِ مِنْ عِزٌّ فِي قَوْمِهِمْ. وَكَانَ فِي الْقَوْمِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَمَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَانِي ابْنُ قُبَيْصَةَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ خَبَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَهَا هُوَ ذَا …

стр. 743

وَأَشَارَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُونَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ؛ فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ يُظَلِّلُهُ بِثَوْبِهِ. فَقَالَ لَهُ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو -وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ مَجْلِسًا مِنْهُ-: إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : (أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُؤْرُونِي، وَتَنْصُرُونِي؛ حَتَّى أُؤَدِّيَ عَنِ اللهِ مَا أَمَرَنِي بِهِ). فَقَالَ مَفْرُوقٌ: وَإِلَامَ تَدْعُو أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟. فَتَلَا الرَّسُولُ ﷺ قَوْلَهُ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ (١) نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢). فَقَالَ مَفْرُوقٌ: وَإِلَامَ تَدْعُو أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ … فَوَاللهِ! مَا هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ كَلَامَهُمْ لَعَرَفْنَاهُ. فَتَلَا الرَّسُولُ ﷺ قَوْلَهُ :

стр. 744

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ (١)؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). فَقَالَ لَهُ: دَعَوْتَ وَاللهِ -يَا أَخَا قُرَيْشٍ- إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. ثُمَّ الْتَفَتَ مَفْرُوقٌ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ؛ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلَامِ؛ فَقَالَ: هَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ؛ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا. فَقَالَ الْمُثَنَّى: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ وَاسْتَحْسَنْتُ كَلَامَكَ؛ لَكِنَّ أَمْرًا كَهَذَا لَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ نَرْجِعَ فِيهِ إِلَى قَوْمِنَا … ثُمَّ إِنَّنَا نَزَلْنَا عَلَى مَاءٍ مُشْرِفٍ عَلَى أَرْضِ فَارِسِ، وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْنَا كِسْرَى عَهْدًا أَلَّا نُحْدِثَ (٣) حَدَثًا، وَأَلَّا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا (٤) … وَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؛ مِمَّا يَكْرَهُهُ كِسْرَى وَقَوْمُهُ، وَنَحْنُ لَا قِبَلَ لَنَا بِهِمْ وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِحَرْبِهِمْ. وَلَمَّا هَمُّوا بِالِانْصِرَافِ؛ الْتَفَتَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَمْنَحَكُمُ اللهُ بِلَادَ فَارِسَ، وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ … أَتُسَبِّحُونَ اللهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟). فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ … وَهَلْ ذَلِكَ لَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟! فَقَالَ: (نَعَمْ). * * *

стр. 745

قَفَل (١) الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ رَاجِعًا إِلَى دِيَارِ قَوْمِهِ، وَصُورَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُفَارِقُ مُخَيِّلَتَهُ، وَرَنِينُ كَلِمَاتِهِ لَا يُبَارِحُ (٢) أُذُنَيْهِ … وَظَلَّ يَتَتَبَّعُ أَخْبَارَهُ، وَيَتَذَكَّرُ قَوْلَتَهُ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَمْنَحَكُمُ اللهُ بِلَادَ فَارِسَ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ). ثُمَّ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: مَا الَّذِي جَعَلَنِي أَقْبِضُ يَدِي عَنْ يَبْعَةِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَيَقَنْتُ بِصِدْقِهِ وَصِحَّةِ دَعْوَتِهِ؟! * * * وفي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ؛ أَذِنَ اللهُ لِلْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ بِأَنْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْضِمَامِ إِلَى كَتَائِبِ الْإِيمَانِ … فَوَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي جُمُوعِ غَفِيرَةٍ (٣) مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. * * * لَكِنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا، حَتَّى لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَطَفِقَ الْعَرَبُ يَخْرُجُونَ مِنْ دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا؛ فَتَصَدَّى لَهُمُ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ … وَرَمَاهُمْ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مُسْتَمْسِكًا بدِينِهِ. وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ وَقَوْمُهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْسًا عَلَى الْمُرْتَدِّينَ، وَأَعْظَمِهِمْ أَثَرًا فِي الْقَضَاءِ عَلَى تِلْكَ الْفِتْنَةِ الْمُدَمِّرَةِ الْعَمْيَاءِ.

стр. 746

خَرَجَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ مِنْ حُرُوبِ الرِّدَّةِ ظَافِرًا، وَوَجَدَ تَحْتَ إِمْرَتِهِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ مُقَاتِل لَا يَعْصُونَ لَهُ أَمْرًا … وَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ عَنِ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بِلَادِ الْفُرْسِ مَا تَزَالُ تَرِنُّ فِي أُذُنَيْهِ؛ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لِمَ لَا أَضْرِبُ بِهَذَا الْجَيْشِ الْبَاسِلِ الْفُرْسَ، وَأَسْتَنْقِذُ مِنْ أَيْدِيهِمْ سَوَادَ (١) الْعِرَاقِ؟! أَلَمْ يَعِدْنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ بِأَنَّ اللهَ سَيُمَلِّكُنَا دِيَارَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؟! وَهَلْ تُمَلكُ الدِّيَارُ وَتُحْرَزُ الْأَمْوَالُ؛ إِلَّا بِأَسِنَّةِ الرَّمَاحِ وَشَفَرَاتِ السُّيُوفِ؟!. فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ بِقَوْمِهِ إِلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ؛ دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْخَلِيفَةَ بِذَلِكَ؛ حَتَّى لَا يُحْرِجَهُ … فَإِذَا انْتَصَرَ كَانَ نَصْرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا … وَإِذَا انْكَسَرَ كَانَ انْكِسَارُهُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ. * * * هَاجَمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ سَوَادَ الْعِرَاقِ، فَجَعَلَتْ مُدُنُهُ وَقُرَاهُ تَتَسَاقَطُ تَحْتَ سَنَابِكِ (٢) خَيْلِهِ كَمَا تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ فِي فَصْلِ الْخَرِيفِ. وَطَفِقَتْ أَخْبَارُ انْتِصَارَاتِهِ تُشَرِّقُ فِي أَنْحَاءِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَتَغَرِّبُ فَقَالَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ لِمَنْ حَوْلَهُ:

стр. 747

مَنْ هَذَا الَّذِي تَأْتِينَا أَخْبَارُ انْتِصَارَاتِهِ دُونَ أَنْ نَعْلَمَ عَنْ أَمْرِهِ شَيْئًا؟! وَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ؛ هُوَ الْمُثَنَّى نَفْسَهُ … فَلَقَدْ أَسْرَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَقِيَ الصِّدِّيقَ، وَأَخْبَرَهُ بِغَارَاتِهِ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ. وَعَدَّدَ لَهُ الْمُدُنَ وَالْقُرَى وَالْحُصُونَ؛ الَّتِي حَرَّرَهَا مِنَ الْفُرْسِ، وَضَمَّهَا إِلَى دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَوَصَفَ لَهُ جَمَالَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَوَفْرَةَ خَيْرَاتِهَا وَكَثْرَةَ غَلَّاتِهَا. وَأَطْلَعَهُ عَلَى حَالَةِ الْفُرْس، وَاضْطِرَابٍ أُمُورِهِمْ وَاخْتِلَالٍ مُلْكِهِمْ. وَمَا زَالَ بِهِ؛ حَتَّى أَغْرَاهُ بِفَتْحِ بِلَادِ فَارِسِ. فَنَشِطَ الصِّدِّيقُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ الْكَبِيرِ وَجَيَّشَ لَهُ الْجُيُوشَ … وَجَعَلَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِي أَحَدَ كِبَارِ قَادَتِهِ فِي هَذِهِ الْحُرُوبِ. * * * خَاضَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ مَعَ جُيُوشِ الْفُرْسِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَعَارِكِ؛ كَانَ أَعْظَمُهَا مَعْرَكَةَ "بَابِلَ" الشَّهِيرَةَ. وَكَانَ مِنْ خَبَرِ هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ أَنَّ "شَهْرَذَانَ" مَلِكَ الْفُرْسِ؛ أَرْسَلَ قُبَيْلَ الْمَعْرَكَةِ كِتَابًا إِلَى قَائِدِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ يَقُولُ فِيهِ: إِنِّي قَدْ وَجَّهْتُ لِحَرْبِكَ رُعَاةَ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ وَغَيرَهُمْ مِنَ الرَّعَاعِ (١). وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلَّا بِهِمْ … فَمَا أَنْتَ لِمَنْ فَوْقَهُمْ بِأَهْلٍ.

стр. 748

فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمُثَنَّى بِرِسَالَةٍ جَاءَ فِيهَا: مِنَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ قَائِدِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى "شَهْرَذَانَ" … أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّنَا نَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى نَحْرِكُمْ، وَأَحْوَجَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ لِلدِّفَاعِ عَنْ أَنْفُسِكُمْ … وَغَدًا حِينَ يَلْتَقِي الْجَمْعَانِ؛ سَيَعْلَمُ الظَّالِمُونَ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. * * * وَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ؛ أَقْبَلَ "هُرْمُزُ" قَائِدُ جَيْشِ الْفُرْسِ عَلَى رَأْسِ الْآلَافِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ جُنُودِهِ … يَتَقَدَّمُهُمُ الْفِيلُ الْأَعْظَمُ؛ الَّذِي كَانُوا يَحْتَفِظُونَ بِهِ لِكُبْرِيَاتِ الْمَعَارِكِ. فَطَفِقَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ الرَّهِيبُ الْمُدَرَّبُ؛ يَضْرِبُ جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ بِخُرْطُومِهِ الطَّوِيلِ الْغَلِيظِ؛ يَمْنَةً وَيَسْرَةً. فَوَجِلَتْ (١) مِنْهُ قُلُوبُهُمْ، وَجَفِلَتْ (٢) مِنْ رُؤْيَتِهِ خُيُولُهُمْ، وَتَصَدَّعَ بِسَبَبِهِ نِظَامُهُمْ. * * * أَدْرَكَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ أَنَّ النَّصْرَ مُحَالٌ عَلَيْهِ؛ مَا دَامَ هَذَا الْحَيَوَانُ الْجَبَّارُ يَفْتِكُ بِجُنُودِهِ ذَلِكَ الْفَتْكَ الذَّرِيعَ … فَتَجَرَّدَ لَهُ مَعَ نَفَرٍ مِنْ رِجَالِهِ الْأَشِدَّاءِ، وَحَمَلَ عَلَى الْعَسْكَرِ الْمُحِيطِينَ بِهِ حَمْلَةً صَادِقَةً؛ زَلْزَلَتْ أَقْدَامَهُمْ وَكَشَفَتْهُمْ عَنْهُ … ثُمَّ عَاجَلَهُ بِطَعْنَةٍ نَجْلَاءُ (٣) مِنْ رُمْحِهِ؛ فَأَصَابَتْ مِنْهُ مَقْتَلًا، وَأَتْبَعَهَا بِطَعَنَاتٍ أُخْرَيَاتٍ مُمِيتَاتٍ …

стр. 749

فَمَا لَبِثَ أَنْ خَرَّ الْفِيلُ صَرِيعًا عَلَى الْأَرْضِ يَسْبَحُ بِدِمَائِهِ … فَعَلَا تَكْبِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَتَهْلِيلُهُمْ، وَتَدَفَّقُوا عَلَى سَاحَةِ الْقِتَالِ تَدَفُّقَ السَّيْلِ، وَأَعْمَلُوا رِمَاحَهُمْ وَسُيُوفَهُمْ فِي نُحُورِ الْأَعْدَاءِ … وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ؛ حَتَّى وَلَّى رُعَاةُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ الْأَدْبَارَ … وَلَاذَ قَائِدُهُمُ "هُرْمُزُ" بِالْفِرَارِ. وَاحْتَلَّ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ "بَابِلَ" … فَأَحْرَزَ مَا حَوَتْهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَسَبَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ؛ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ اللَّهَ الْعَظِيمَ وَيَقولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ … صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ … لَقَدْ مَلَكْنَا الْأَرْضَ، وَأَخَذْنَا الْمَالَ، وَسَبَيْنَا النِّسَاءَ (*).

стр. 750

سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ "كَانَ سَلَمَةَ بْنُ الْأَكْوَعِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْسًا، وَأَشْجَعِهِمْ قَلْبًا، وَيَسْبِقُ الْفَرَسَ عَدْوًا" [الْمُؤَرِّخُونَ] هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ؟!!. إِنَّهُ أُعْجُوبَةٌ مِنْ أَعَاجِيب الدَّهْرِ، وَنَادِرَةٌ مِنْ نَوَادِرِ الزَّمَانِ … فَهْوَ عَدَّاءٌ (١) لَا يُسْبَقُ … وَرَامٍ لَا يُخْطِئُ … وَمِقْدَامٌ لَا يَهَابُ … وَمُغَامِرٌ لَا تَنْتَهِي عَجَائِبُ مُغَامَرَاتِهِ. تَقْرَأُ أَخْبَارَ بُطُوَلَاتِهِ؛ فَيُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّهَا ضَرْبٌ مِنَ الْأَسَاطِيرِ (٢)، وَمَا هِيَ بِالْأَسَاطِيرِ … فَقَدْ رَوَاهَا الشَّيْخَانِ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَأَثْبَتَاهَا فِي صَحِيحَيْهِمَا. * * * كَانَ لِسَلَمَةَ بْن الْأَكْوَعِ فِي مَكَّةَ أَمْوَالٌ وَعَقَارٌ؛ فَاعْتَنَقَ الْإِسْلَامَ، وَهَاجَرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، وخَلَّفَ وَرَاءَهُ كُلُّ مَا يَمْلِكُ … وَجَعَلَ يَعْمَلُ فِي الْمَدِينَةِ سَائِسًا (٣) لِفَرَسِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ لِقَاءَ طَعَامِهِ … فَمَا كَانَ يُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ لُقَيْمَاتٍ يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.

стр. 751

وَلَعَلَّكَ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ - قَدْ نَزَعَ (١) بِكَ الشَّوْقُ إِلَى سَمَاعِ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِ هَذَا الْفَارِسِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى بَعْضِ عَجَائِبِهِ؛ فَإِلَيْكَ شَيْئًا مِنْهَا: * * * خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فِيهِمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ … فَلَمَّا بَلَغَ قُرَيْشًا نَبَأُ خُرُوجِهِ؛ قَامَتْ لَهُ تُرِيدُ أَنْ تَصُدَّهُ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ؛ فَنَزَلَ ﵇ بِمَنْ مَعَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَوْفَدَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (٢) إِلَى مَكَّةَ سَفَيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ … لَكِنَّ الْأَخْبَارَ مَا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَتْ بِأَنَّ قُرَيْشًا قَتَلَتْ عُثْمَانَ؛ فَعَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى حَرْبِهِمْ، وَدَعَا الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَهُ إِلَى مُبَايَعَتِهِ عَلَى الْقِتَالِ وَالْمَوْتِ؛ قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: لَمَّا دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُبَايَعَتِهِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ؛ بَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ … ثُمَّ طَفِقَ الْمُسْلِمُونَ يُبَايِعُونَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ النَّاسِ؛ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: (بَايِعْ يَا سَلَمَةُ). فَقُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ: (وَأَيْضًا)؛ فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ … وَعِنْدَ ذَلِكَ رَآنِي ﵇ أَعْزَلَ (٣) مِنَ السِّلَاحِ؛ فَأَعْطَانِي تُرْسًا أَحْتَمِي بِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يُبَايِعُونَهُ؛ حَتَّى إِذَا بَلَغَ آخِرَ النَّاسِ؛ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ:

стр. 752

(أَلَّا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟!). فَقُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فى أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي وَسَطِهِمْ. قَالَ: (وَأَيْضًا)؛ فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ … ثُمَّ نَظَرَ إِلَى يَدِي وَقَالَ: (أَيْنَ التَّرْسُ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ؛ فَوَجَدْتُهُ أَعْزَلَ فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ … فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . * * * قَالَ سَلَمَةُ: ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا بِالصُّلْحِ؛ فَاصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ … فَأَتَيْتُ شَجَرَةً وَكَنَسْتُ مَا تَحْتَهَا مِنْ شَوْكٍ وَاضَّجَعْتُ فِي ظِلِّهَا … وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى أَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ فَعَلَّقُوا أَسْلِحَتَهُمْ عَلَى الشَّجَرَةِ، وَاضَّجَعُوا قَرِيبًا مِنِّى وَجَعَلُوا يَنَالُونَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ … فَأَبْغَضْتُهُمْ، وَتَحَوَّلْتُ عَنْهُمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ أُسْتَثَارَ؛ فَأَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ. وَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ (١)؛ لَقَدْ قَتَلَ الْمُشْرِكُونَ ابْنَ زُنَيْمٍ … فَامْتَشَقْتُ السَّيْفَ فِي يَمِينِي، وَوَثَبْتُ عَلَى أَسْلِحَتِهِمْ؛ فَجَعَلْتُهَا حُزْمَةً فِي يَسَارِي، وَشَدَّدْتُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضُوا … كُلُّ ذَلِكَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ بَادَرْتُهُمْ قَائِلًا:

стр. 753

وَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ. ثُمَّ أَوْثَقْتُهُمْ، وَقَرَنْتُ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ … وَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . * * * ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَضَى بِأَصْحَابِهِ وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ. وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ بِهَا قَلِيلًا حَتَّى أَمَرَ غُلَامَهُ رَبَاحًا أَنْ يَخْرُجَ بِإِبِلِهِ لِيَرْعَاهَا فِي الْبَادِيَةِ؛ فَعَزَمَ سَلَمَهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ لِيَرْعَى فَرَسَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَيْضًا. * * * تَوَشَّحَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَوْسَهُ وَحَمَلَ نِبَالَهُ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَصَاحِبُهُ حَتَّى بَلَغَا مَكَانًا شَمَالَي الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ "الْغَارُ" … فَأَرَاحَا فِيهِ سَوَائِمَهُمَا (١)، وَبَاتَا هُنَاكَ لَيْلَتَهُمَا. وَفِي الْهَزِيعِ (٢) الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ اسْتَيْقَظَا عَلَى كَتِيبَةٍ مِنْ فُرْسَانِ غَطْفَانَ؛ عِدَّتُهَا أَرْبَعُونَ فَارِسًا؛ أَغَارَتْ عَلَى إِبِل رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَاقَتْهَا، وَقَتَلَتْ وَلَدًا لِأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ (٣) كَانَ عِنْدَ الْإِبِلِ. * * * قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: عِنْدَ ذَلِكَ قُلْتُ لِرَبَاحٍ: خُذْ هَذَا الْفَرَسَ وَأَدِّهِ إِلَى صَاحِبِهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَغَارُوا عَلَى إِبِلِهِ.

стр. 754

ثُمَّ ارْتَقَيْتُ أَكَمَةً فَوْقَ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ، وَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: وَاصَبَاحَاهُ (١) ثَلَاثًا … ثُمَّ خَرَجْتُ أَعْدُو فِي إِثْرِ الْقَوْمِ؛ حَتَّى غَدَوْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُمْ؛ فَوَتَرْتُ قَوْسِي وَرَمَيْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَاسْتَقَرَّ فِي كَتِفِهِ؛ فَقُلْتُ: خُذْهُ … وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ … الْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ ثُمَّ طَفِقْتُ أَطْرُدُهُمْ وَأَرْمِيهِمْ وَأَنَا أَرْتَجِزُ (٢) … وَكَانُوا فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُخَلِّفُونَ وَرَاءَهُمْ بَعْضًا مِنْ إِبِلِ رَسُولِ ﷺ ، فَأَجْعَلُهَا خَلْفِي وَأَمْضِي فِي إِثْرِهِمْ. فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ مِنْهُمْ يُرِيدُ قَتْلِي كَفَفْتُ عَنِ الْعَدْوِ، وَالْتَمَسْتُ شَجَرَةٌ، وَتَتَرَّسْتُ فِي جِذْعِهَا، وَجَعَلْتُ أَرْمِيهِ؛ فَيَرْتَدُّ عَنِّي. * * * ثُمَّ مَا زِلْتُ أَطْرُدُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَكْنَفُهُ (٣) جَبَلَانِ … فَتَسَلَّقْتُ أَحَدَهُمَا، وَجَعَلْتُ أُهِيلُ عَلَيْهِمُ الْحِجَارَةَ مِنْ أَعْلَاهُ؛ فَتَتَسَاقَطُ فَوْقَهُمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأْرْجُلِهِمْ. ثُمَّ مَا فَتِئْتُ أَتْبَعُهُمْ؛ حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ إِبِلِ رَسُولِ ﷺ إِلَّا خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَجَعَلْتُهُ وَرَائِي. لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُثْنِنِي عَنْ مُطَارَدَتِهِمْ … فَأَخَذُوا يَرْمُونَ أَثْقَالَهُمْ لِيَتَخَفَّفُوا مِنْهَا، فَأَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، وَثَلَاثِينَ رُمْحًا … فَكَانُوا كُلَّمَا طَرَحُوا شَيْئًا؛ جَعَلْتُ عَلَيْهِ عَلَامَةً مِنَ الْحِجَارَةِ حَتَّى يَهْتَدِيَ

стр. 755

لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَلَّفْتُهُ وَرَائِي. * * * ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ وَأَدْرَكَنِي الْإِعْيَاءُ (١)؛ فَجَلَسُوا يَسْتَرِيحُونَ وَيَتَغَدَّوْنَ، وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْس جَبَلٍ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهُمْ؛ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَأَرْقُبُهُمْ. وَفِيمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمْ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِمْ وَنَظَرَ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ؛ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟!. فَأَشَارُوا إِلَيَّ وَقَالُوا: لَقِينَا مِنْ شُوْمِ هَذَا الرَّجُل مَا لَقِينَا، فَوَاللهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ الْغَلَسِ وَهُوَ يَرْمِينَا؛ حَتَّى انْتَزَعَ مِنَّا كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ، فَصَعِدَ إِلَيَّ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ … فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنِّي بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ كَلَامِي؛ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَنِي؟. قَالُوا: لَا؛ وَمَنْ أَنْتَ؟!. قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِي. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ. ثُمَّ رَجَعُوا عَنِّي … فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الْمَدِينَةِ؛ فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَعَلَى إِثْرِهِ

стр. 756

الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ (١). فَمَا إِنْ رَآهُمُ الْقَوْمُ حَتَّى هَبُوا وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛ فَهَمَّ الْأَخْرَمُ بِأَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ … فَأَخَذْتُ بِعَنَانِ فَرَسِهِ، وَوَقَفْتُ فِي وَجْهِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: احْذَرْ يَا أَخْرَمُ أَنْ تَلْحَقَ بِهِمْ فَيَقْطَعُوكَ عَنَّا وَيَنْفَرِدُوا بِكَ، وَتَرْيَثْ حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ. فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ؛ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ … فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ؛ فَانْطَلَقَ وَرَاءَهُمْ حَتَّى الْتَقَى مَعَ مُقَدَّمِ الْقَوْمِ؛ فَعَقَرَ فَرَسَهُ … لَكِنَّ هَذَا كَرَّ عَلَى الْأَخْرَمِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً أَرْدَتْهُ؛ فَخَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا. * * * قَالَ سَلَمَةُ: فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّد ﷺ ؛ إِنِّي تَبِعْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْدُوا عَلَى رِجْلَيَّ؛ حَتَّى انْفَصَلْتُ عَنْ فُرْسَانِ الْمُسْلِمِينَ … فَمَا أَرَاهُمْ وَلَا أَرَى مِنْ غُبَارِهِمْ شَيْئًا. فَلَمَّا دَنَتِ الشَّمْسُ إِلَى الْمَغِيبِ؛ أَرَادُوا أَنْ يَعْدِلُوا إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ؛ يُقَالَ لَهُ: "ذُو قَرَدٍ" لِيَرْتَوُوا مِنْهُ … فَلَمَّا رَأَوْنِي فِي إِثْرِهِمْ تَرَكُوهُ؛ فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً … ثُمَّ انْطَلَقُوا يُسْرِعُونَ، وَقَدْ خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ فَرَسَيْنِ؛ فَجِئْتُ بِهِمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ …

стр. 757

فَإِذَا هُوَ وَصَحْبُهُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي دَفَعْتُهُمْ عَنْهُ، وَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ قَدْ أَخَذَ الْإِبِلَ الَّتِي اسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كُلِّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ خَلَّفُوهَا وَرَاءَهُمْ، وَإِذَا بِلَالٌ (١) نَحَرَ نَاقَةً وَجَعَلَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسِنَامِهَا. قَالَ سَلَمَةُ: وَلَمَّا أَصْبَحْنَا نُودِيَ بِالرَّحِيلِ … فَأَرْدَفَنِي الرَّسُولُ ﵇ خَلْفَهُ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، وَمَضَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ. * * * هَنِيئًا لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ غَدًا رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَمَسَّ جَسَدُهُ جَسَدَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ … وَهَنِيئًا لِلْإِسْلَامِ فَتَاهُ الْجَرِيءُ الْمِقْدَامُ … وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أُعْجُوبَةِ الْفُرْسَانِ … وَسَبَّاقِ الْخُيُولِ الصَّافِنَاتِ (*).

стр. 758

أَبُو بَصِيرٍ عُتْبَةُ بْنُ أَسِيدٍ "وَيْلُ أُمِّهِ مِنْ مِسْعَر حَرْبٍ؛ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] في السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ؛ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ مُيَمِّمِينَ (١) وُجُوهَهُمْ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ يُرِيدُونَ أَدَاءَ الْعُمْرَةِ. فَمَا إِنْ عَلِمَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ؛ حَتَّى عَقَدَتِ الْعَزْمَ عَلَى أَنْ تَصُدَّهُمْ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ؛ مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا. لَكِنَّهَا آثَرَتْ (٢) أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ صُلْحًا … إِذَا وَجَدَتْ لِلصُّلْحِ سَبِيلًا. * * * وَلَمَّا بَلَغَ الرَّسُولُ ﵊ مِنْطَقَةَ الْحُدَيْبِيَّةِ (٣)؛ عَلَى بُعْدِ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ، وَحَطَّ رِحَالَهُ فِيهَا .... طَفِقَتِ السُّفَرَاءُ تَرُوحُ وَتَغْدُو بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، وَطَالَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ التَّرَاجُعُ وَالتَّفَاوُضُ … إِلَى أَنْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو (٤) سَفِيرًا لِلْمُشْرِكِينَ، وَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَقْفِلَ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يُرْجِئَ (٥) عُمْرَتَهُ إِلَى الْعَامِ الْقَادِمِ؛

стр. 759

شَرِيطَةَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ … وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ صُلْحٌ مُدَّتُهُ عَشْرَةُ أَعْوَامٍ؛ يَسُودُ خِلَالَهَا السَّلَامُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ … فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصُدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ هَذَا الصَّدَّ، وَأَنْ يُبْرِمُوا (١) مَعَ قُرَيْشٍ هَذَا الْعَقْدَ. * * * وَزَادَ الْأَمْرَ قَسْوَةً عَلَى قُلُوبِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو؛ اشْتَرَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مُؤْمِنًا؛ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ؛ رَدَّهُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى قُرَيْشٍ … وَأَنَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قُرَيْشٍ؛ مُرْتَدًّا عَنِ الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَرُدُّوهُ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ … مِمَّا أَثَارَ حَفِيظَةَ (٢) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ فَوَثَبَ إِلَى الصِّدِّيقِ وَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَيْسَ مُحَمَّدٌ بِرَسُولِ اللَّهِ؟!. قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟!.

стр. 760

قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَوَ لَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟! قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلَامَ (١) نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟!!. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ فِي حَزْمٍ (٢): الْزَمْ (٣) أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ يَا عُمَرُ … وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ .... ثُمَّ مَضَى عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﵊، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ أَلَسْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟!. قَالَ: (بَلَى). قَالَ: أَوَ لَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟!. قَالَ: (بَلَى). قَالَ: أَوَ لَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟!. قَالَ: (بَلَى). قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟!!. فَقَالَ ﵊:

стр. 761

(إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ … وَلَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ … وَلَنْ يُضَيَّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا) … قَالَ عُمَرُ: فَمَا زِلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَصَدَّقُ وَأَصُومُ، وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ؛ مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ؛ حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنِّي. * * * وَلَمَّا تَمَّ تَوْقِيعُ الْعَقْدِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﵇ وَقُرَيْشٍ؛ قَفَلَ الرَّسُولُ ﷺ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ … لَكِنَّهُ مَا كَادَ يَسْتَقِرُ بِهَا قَلِيلًا؛ حَتَّى تَعَرَّضَتْ ذِمَّتُهُ ﷺ وَمَوَاثِيقُهُ لِاخْتِبَارٍ قَاسٍ بِسَبَبٍ أَبِي بَصِيرٍ عُتْبَةَ بْنِ أَسِيدٍ بَطَلِ قِصَّتِنَا هَذِهِ؛ فَلْتَتْرُكُ لَهُ الْكَلَامَ لِيَرُوِيَ قِصَّتَهُ الْمُثِيرَةَ. * * * قَالَ أَبُو بَصَيرٍ: كُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِي بِمَكَّةَ عَشِيرَةٌ تَحْمِينِي، أَوْ رِجَالٌ يُجِيرُونَنِي … وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ صَبَّتْ عَلَيَّ سَوْطَ (١) عَذَابِهَا؛ بِسَبَبِ مُفَارَقَتِي لِدِينِهَا وَنَبْذِي (٢) لِأَوْثَانِهَا. وَلَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ يُهَاجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ حَبَسَتْنِي قُرَيْشٌ …

стр. 762

فَلَمْ تَسْمَحْ لِي بِالْهِجْرَةِ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، وَتَرَكَتْنِي أَتَقَلَّبُ عَلَى نَارٍ مَشْبُوبَةٍ مِنْ غَيْظِهَا وَحِقْدِهَا. فَكَانَتْ كُلَّمَا أَصَابَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ غَزْوَةٍ … انْتَقَمَتْ مِنِّي وَمِنْ إِخْوَانِي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ الَّذِينَ حَبَسَتْهُمْ عِنْدَهَا أَشَدَّ انْتِقَامٍ. ثُمَّ سَنَحَتْ لِي غَفْلَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ؛ فَاغْتَنَمْتُهَا … وَمَضَيْتُ فَارًّا بِدِينِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا لَا أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَّةِ إِلَّا الْقَلِيلَ. * * * قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَمَضَيْتُ أُعِذُّ (١) السَّيْرَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ؛ يَطِيرُ بِيَ الشَّوْقُ إِلَى لِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْدُونِي (٢) الْحَنِينُ إِلَى الْعَيْشِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ … فَمَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَايَ الْمَدِينَةَ، وَاكْتَحَلَتْ عَيْنَايَ بِمَرْأَى الرَّسُولِ ﵇ … حَتَّى بَعَثَتْ قُرَيْشُ بِكِتَابٍ إِلَى النَّبِيِّ ﵊، مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَمَوْلَى (٣) مِنْ مَوَالِيهَا؛ تَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَرُدَّنِي إِلَيْهَا؛ عَمَلًا بِشُرُوطِ الصُّلْحِ. * * * قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: وَلَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَأْمُرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَالْعَوْدَةِ إِلَى أَسْرِ قُرَيْشٍ … بَعْدَ أَنْ نَجَوْتُ مِنْهُمْ بِنَفْسِي وَدِينِي.

стр. 763

وَلَكِنَّ الرَّسُولَ ﵊ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: (يَا أَبَا بَصِيرٍ؛ إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا قَدْ عَلِمْتَ مِنَ الْعَهْدِ، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ … وَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ فَرَجًا وَمَخْرَجًا … فَانْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ) … فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَتَرُدَّنِي إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي (١) فِي دِينِي؟!. قال ﷺ : (يَا أَبَا بَصِيرٍ انْطَلِقْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْعَلُ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا). * * * قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَانْطَلَقْتُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ؛ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذِي الْحُلَيْفَةِ عَلَى بُعْدِ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةٍ؛ جَلَسْنَا لِنُصِيبَ شَيْئًا مِنَ الرَّاحَةِ؛ فَقُلْتُ لِلْقُرَشِيِّ: أَصَارِمٌ سَيْفُكَ هَذَا يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ؟. فَقَالَ: نَعَمْ … وَجَعَلَ يَقُصُّ عَلَيَّ مِنْ خَبَرِهِ كَيْتَ (٢) وَكَيْتَ، فَأَبْدَيْتُ لَهُ عَجَبِي مِنْهُ … فَلَمَّا رَآنِى أَعْجَبُ مِنَ السَّيْفِ هَذَا الْعَجَبَ؛ قَالَ: انْظُرْهُ إِنْ شِئْتَ. فَلَمَّا صَارَ السَّيْفُ فِي يَدِي؛ قُلْتُ فِي نَفْسِي:

стр. 764

مُشْرِكٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِيَفْتِنُونِي عَنْ دِينِي، وَيُذِيقُونِي شَرَّ الْعَذَابِ … وَاللَّهِ! لَا أَنْقَادُ لَهُ وَلَا أَمْضِي مَعَهُ … لَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَسْلَمَنِي إِلَيْهِ؛ فَمَا عَلَيَّ إِذَا قَتَلْتُهُ؟. ثُمَّ سَلَلْتُ السَّيْفَ مِنْ غِمْدِهِ وَعَلَوْتُ رَأْسَهُ بِهِ، وَقَتَلْتُهُ … فَلَمَّا رَأَى الْمَوْلَى الَّذِي كَانَ مَعَهُ مَصْرَعَهُ؛ وَلَّى هَارِبًا مِنْ وَجْهِي؛ فَلَمْ أَتْبَعْهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لى بِهِ أَرَبٌ (١). وَمَضَى إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ طَالِعًا؛ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَذْعُورٌ؛ أَصَابَهُ فَزَعٌ). فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الرَّسُولِ ﵊؛ قَالَ لَهُ: (وَيْحَكَ! … مَا لَكَ؟!!). قَالَ: قَتَلَ صَاحِبُكُمْ صَاحِبِي. * * * قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَوَاللهِ مَا بَرِحَ الرَّجُلُ مِنْ مَكَانِهِ؛ حَتَّى طَلَعْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . مُتَوَشّحًا السَّيْفَ الَّذِي قَتَلْتُ بِهِ الْقُرَشِيَّ، وَقُلْتُ:

стр. 765

يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَدْ وَفَتْ ذِمَّتُكَ، وَأَدَّى اللَّهُ عَنْكَ. قَالَ: (وَكَيْفَ؟). قُلْتُ: لَقَدْ وَفَيْتَ بِعَهْدِكَ، وَأَسْلَمْتَنِي إِلَى الْقَوْمِ يَدًا بِيَدٍ، ثُمَّ امْتَنَعْتُ أَنَا بِنَفْسِي مِنْهُمْ، وَنَجَوْتُ بِدِينِي مَخَافَةَ أَنْ يَفْتِنُونِي أَوْ يَعْبَثُوا بِي. فَالْتَفَتَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى مَنْ مَعَهُ وَقَالَ: (وَيْلُ أُمِّهِ مِنْ مِسْعَرِ (١) حَرْبٍ … لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ) … فَوَقَعَتْ مَقَالَتُهُ هَذِهِ مِنْ نَفْسِي مَوْقِعًا. * * * ثُمَّ أَتْبَعَ أَبُو بَصِيرٍ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْتَبْقِيَنِي عِنْدَهُ، وَفَاءً بِعَهْدِهِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِي أَنْ أَعُودَ إِلَى قُرَيْشٍ؛ بَعْدَ أَنْ قَتَلْتُ صَاحِبَهُمْ … فَمَضَيْتُ حَتَّى نَزَلْتُ "الْعِيصَ" عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ؛ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي كَانَتْ تَسْلُكُهَا قُرَيْشٌ فِي تِجَارَتِهَا مَعَ الشَّامِ … وَأَقَمْتُ هُنَاكَ. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُحْتَبَسُونَ (٢) فِي مَكَّةَ قَوْلَ الرَّسُول ﷺ عَنِّى: (وَيْلُ أُمِّهِ مِنْ مِسْعَرِ حَرْبٍ؛ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ).

стр. 766

فَجَعَلُوا يَخْرُجُونَ إِلَىَّ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ … حَتَّى بَلَغْنَا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا. وَكَانَ أَوَّلَ هَؤُلَاءِ خُرُوجًا إِلَيَّ: أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنُ عَمْرٍو. فَجَعَلْنَا نَقْطَعُ طَرِيقَ التِّجَارَةِ عَلَى قُرَيْشٍ. فَلَا نَظْفَرُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلْنَاهُ … وَلَا تَمُرُّ بِنَا عِيرٌ لَهَا إِلَّا أَخَذْنَاهَا. وَقَدِ اشْتَدَّ سَاعِدُنَا (١) وَقَوِيَتْ شَوْكَتُنَا، وَغَدَوْنَا فِي حُلُوقِ قُرَيْشٍ؛ نُقِضُّ مَضَاجِعَهَا، وَنَبْثُّ الذُّعْرَ فِي قَوَافِلِيهَا … حَتَّى ضَاقَتْ بِنَا ذَرْعًا (٢) وَأَعْيَتْهَا الْحِيَلُ في أَمْرِنَا … فَكَتَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ بِأَرْحَامِهَا (٣) أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَيْهِ، وَتُعْلِنُ لَهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَنْ شَرْطِهَا الْمُتَعَلِّقِ بِنَا. * * * قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ صَاحِبُ أَبِي بَصِيرٍ: وَفِيمَا نَحْنُ كَذَلِكَ … وَصَلَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا فِيهِ إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَخِي أَبُو بَصِيرٍ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ … فَأَعْطَيْتُهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى شَفَتَيْهِ وَقَبَّلَهُ … ثُمَّ فَاضَتْ رُوحُهُ وَهْوَ يَقُولُ: اقْرَئُوا عَنِّي السَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 767

فَوَارَيْنَاهُ تُرَابَهُ هُنَاكَ، وَلَحِقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ … * * * رَضِيَ اللَّهُ عَنْ مِسْعَرِ الْحَرْبِ أَبِي بَصِيرٍ … فَقَدْ عَاشَ مُعَذِّبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ … وَمَاتَ مُشَرَّدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْضًا.

стр. 768

الكتاب الثاني عشر زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ "اعْتَنَقَ ابْنُ سُعْنَةَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ تَأَمُّلٍ وَتَتَبُّعٍ لِأَخْبَارِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ ". جَلَسَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ كِبَارِ أَحْبَارِ (١) الْيَهُودِ؛ يَسْتَمِعُونَ إِلَى حَدِيثِ حَبْرٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَحْبَارِهِمْ؛ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ. وَكَانَ ابْنُ الْهَيَّبَانِ هَذَا؛ قَدْ وَفَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَارِ الشَّامِ، وَعَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ عِنْدَهُمْ فِي يَثْرِبَ. فَأُخِذَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ بِرَوْعَةِ حَدِيثِ الْحَبْرِ، وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ، وَحَرَارَةِ إيمَانِهِ، وَسَعَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى التَّوْرَاةِ (٢). لَكِنَّهُ كَانَ وَهْوَ يُصْغِي إِلَيْهِ؛ يُسَائِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتْ هَذَا الْحَبْرَ يَهْجُرُ بِلَادَ الْجَنَّاتِ الْمَعْرُوشَةِ (٣)، وَالظِّلَالِ الْوَارِفَةِ (٤)، وَالْمِيَاهِ الْمُتَدَفِّقَة … وَدَفَعَتْهُ إِلَى قَطْعِ الْمَسَافَاتِ الْبَعِيدَةَ؛ لِيَقْضِيَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ فِي يَثْرِبَ … نَائِيًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ؛ بَعِيدًا عَنِ الْعَشِيرِ (٥) وَالسَّكَنِ. * * * فَمَا إِنِ انْتَهَى ابْنُ الْهَيَّبَانِ مِنْ كَلَامِهِ؛ حَتَّى بَادَرَهُ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ قَائِلًا:

стр. 769

أَيُّهَا الْحَبْرُ الْجَلِيلُ؛ لَقَدْ نَزَلْتَ فِي دِيَارِنَا سَهْلًا، وَسَتَلْقَى بِنَا أَهْلًا … وَلَكِنْ مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتْرُكَ دِيَارَ الشَّامِ؛ الَّتِي تُكْثِرُ كُتُبُنَا الْمُقَدَّسَةُ مِنَ الْحَدِيثِ عَن اعْتِدَالِ هَوَائِهَا، وَعُذُوبَةِ مَائِهَا، وَجَمَالِ رِيَاضِهَا، وَكَثْرَةِ خَيْرَاتِهَا؟! … أَفَهُنَاكَ مَنْ يَصُدُّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، أَوْ يَحُولُ (١) دُونَكُمْ وَدُونَ إِقَامَةِ شَعَائِرِكُمْ (٢)؟!. فَقَالَ الْحَبْرُ: وَاللهِ! إِنَّ دِيَارَ الشَّامِ؛ لَكَمَا وَصَفْتَ وَأَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْتَ؛ طِيبَ مَاءٍ، وَاعْتِدَالَ هَوَاءٍ، وَوَفْرَةً خَيْرٍ … وَنَحْنُ فِيهَا آمِنُونَ مُطْمَئِنُونَ. وَإِنَّمَا أَخْرَجَنِي مِنْهَا تَرَقُّبُ ظُهُورِ نَبِيٍّ أَطَلَّ (٣) زَمَانُهُ وَآنَ أَوَانُهُ، وَجُعِلَتْ بَلْدَتْكُمُ الطَّيِّبَةُ هَذِهِ مَكَانَ هِجْرَتِهِ، وَمُنْطَلَقَ دَعْوَتِهِ. فَقَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: أَتَعْنِي بِهِ ذَلِكَ النَّبِيَّ الْعَرَبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا وَنُبَشِّرُ بِهِ أَبْنَاءَنَا؟! فَقَالَ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا هُوَ. * * * ثُمَّ طَفِقَ الْحَبْرُ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ عَنْ شَمَائِلِ (٤) النَّبِيِّ الْمُرْتَقَبِ، وَيَذْكُرُ مَا يَتَحَلَّى بِهِ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ …

стр. 770

وَيَحُضُّ الْيَهُودَ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَيُمَنِّيهِمْ بِالْخَيْرِ إِذَا هُمْ آمَنُوا بِهِ وَنَصَرُوهُ … وَيُنذِرُهُمْ بِالشَّرِّ إِذَا هُمْ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَخَذَلُوهُ (١). لَكِنَّ ابْنَ الْهَيَّبَانِ مَا لَبِثَ (٢) كَثِيرًا حَتَّى وَافَاهُ الْأَجَلُ؛ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَقَّقَ حُلُمُهُ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ الْمُنْتَظَرِ، وَالتَّمَلِّي مِنْ دَعْوَتِهِ، وَالْإِيمَانِ بِنُبُوَّتِهِ، وَالْفَوْرُ بِنُصْرَتِهِ. * * * لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى وَفَاةِ ابْنِ الْهَيَّبَانِ؛ حَتَّى طَفِقَتِ الْأَخْبَارُ تَتْرَى (٣) عَلَى يَثْرِبَ بِظُهُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَزَايُدِ أَتْبَاعِهِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَصَبْرِهِمْ عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِهِ، وَسَبِيلِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ. فَهَبَّ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ يُذَكِّرُ قَوْمَهُ مِنَ الْيَهُودِ؛ بِمَا كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِهِ ابْنُ الْهَيَّبَانِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى تَقَصِيِّ (٤) خَبَرِ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي كَانُوا يَتَبَاشَرُونَ بِظُهُورِهِ، وَيُهَدِّدُونَ بِهِ الْعَرَبَ؛ كُلَّمَا أَلْحَقُوا بِهِمْ أَذًى، أَوْ نَالُوهُمْ بِشَرٍّ. وَطَفِقَ يَحُضُّهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَهُمْ أَحَدٌ إِلَى هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ. لَكِنَّ زَيْدًا لَمْ يَلْقَ مِنْ قَوْمِهِ الْيَهُودِ إِلَّا الْإِعْرَاضَ وَالصَّدَّ (٥)، ثُمَّ بَدَأَ يَشْعُرُ بِنَارِ الْحِقْدِ الَّتِي جَعَلَتْ تَنْهَشُ أَكْبَادَهُمْ حَسَدًا لِهَذَا النَّبِيِّ؛ الَّذِي أَخَذَ نَجْمُهُ يَعْلُو، وَطَفِقَتْ دَعْوَتُهُ تَتَأَلَّقُ (٦) … * * *

стр. 771

ثُمَّ جَعَلَتِ الْأَيَّامُ تَمْضِي سِرَاعًا، وَالْأَحْدَاثُ تَتْرَى تِبَاعًا … فَإِذَا بِقَوَافِلِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ تَنْزِلُ فِي يَثْرِبَ عَلَى الرَّحْبِ وَالسَّعَةِ؛ فَتَلْقَى بِالْأَهْلِ أَهْلًا وَبِالْإِخْوَانِ إِخْوَانًا … وَإِذَا بِالْبَشَائِر تَغْمُرُ الْمَدِينَةَ؛ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ قَادِمٌ إِلَيْهَا مَعَ صَفِيِّهِ وَخَلِيلِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. فَضَجَّتْ يَثْرِبُ بِالْفَرْحَةِ، وَتَأَلْقَتْ بِالْبَهْجَةِ .... وَخَرَجَ النَّاسُ زَرَافَاتٍ وَوِحْدَانًا (١) لِاسْتِقْبَالِ نَبِيِّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ ﷺ وَصَاحِبِهِ. فَازْدَادَ الْيَهُودُ غَمًّا عَلَى غَمٍّ، وَشُحِنَتْ صُدُورُهُمْ حِقْدًا عَلَى حِقْدٍ. لَكِنَّ زَيْدَ بْنَ سُعْنَةَ كَانَ لَهُ شَأْنٌ آخَرُ … فَلْتَتْرُكُ لَهُ الْكَلَامَ؛ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. * * * قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: لَقَدْ تَأَمَّلْتُ هَذَا الْقَادِمَ مُحَمَّدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَشَدَّ التَّأَمُّلِ وَأَعْمَقَهُ، وَتَتَبَّعْتُهُ أَدَقَّ التَّتَبُّعِ وَأَقْصَاهُ … فَلَمْ تَبْقَ لَدَيَّ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ؛ إِلَّا رَأَيْتُهَا فِيهِ وَعَرَفْتُهَا فِي وَجْهِهِ الكَرِيمِ ﷺ ؛ بَعْدَ أَنْ تَحَرَّيْتُهُ وَأَطَلْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ؛ إِلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُ …

стр. 772

أُولَاهُمَا: أَنَّهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ … وَثَانِيَتُهُمَا: أَنَّهُ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا سَمَاحَةً وَلْيُونَةً. فَجَعَلْتُ أَبْحَثُ عَنْ هَاتَيْنِ الْعَلَامَتَيْنِ حَتَّى وَجَدْتُهُمَا فِيهِ … ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْحُجُرَاتِ (١) وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁؛ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْبُدَاةِ، وَوَقَفَ إِلَى جَانِبِهِ رَاكِبًا رَاحِلَتَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ لِي جَمَاعَةً فِي قَرْيَةِ بَنِي فُلَانٍ؛ قَدْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَكُنْتُ قُلْتُ لَهُمْ: إِنْ أَسْلَمُوا أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْرِهِ وَأَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَدًا (٢)؛ فَمَا لَبِثَ أَنْ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ شَدِيدٌ مُهْلِكٌ، وَجَدْبٌ (٣) مِنَ الْغَيْثِ مُضْنٍ … وَأَنَا أَخْشَى - يَا رَسُولَ اللَّهِ - أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ طَمَعًا فِي غَيْرِهِ؛ كَمَا دَخَلُوهُ طَمَعًا فِيهِ … فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِشَيْءٍ تُغِيثُهُمْ (٤) بِهِ فَعَلْتَ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﵊ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَظْرَةً يَسْأَلُهُ بِهَا عَمَّا لَدَيْهِ مِنَ الْمَالِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَبْقَ لَدَيَّ مِمَّا جَاءَنَا شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. * * * قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: فَاغْتَنَمْتُ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، وَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 773

وَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ … هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلٍ (١) مَحْدُودٍ؟ بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ؟. قَالَ: (نَعَمْ). فَأَطْلَقْتُ كِيسَ نُقُودِي، وَأَخْرَجْتُ مِنْهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالًا (٢) مِنْ ذَهَبٍ، وَدَفَعْتُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَأَعْطَاهَا الرَّجُلَ وَقَالَ: (أَغِثْ جَمَاعَتَكَ بِهَذَا الْمَالِ، وَاعْدِلْ بَيْنَهُمْ). * * * قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: فَلَمَّا بَقِيَ عَلَى حُلُولِ الْأَجَلِ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ وَقَدْ خَرَجُوا لِلصَّلَاةِ عَلَى جَنَازَةِ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ … فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ؛ دَنَا النَّبِيُّ ﵊ مِنْ جِدَارٍ لِيَجْلِسَ إِلَيْهِ؛ فَأَتَيْتُهُ وَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ (٣) قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ. وَقُلْتُ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَا تَقْضِينِى (٤) حَقِّي؟ … فَوَاللهِ! مَا عُرِفْتُمْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا مُمَاطِلِينَ (٥) فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ …

стр. 774

وَإِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِسُوءِ طِبَاعِكُمْ … ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى مَنْ حَوْلَهُ … فَإِذَا عَيْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كَالْفَلَكِ (١) الْمُسْتَدِيرِ، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ وَقَالَ: أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ؛ وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى؟. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ (٢) مِنْ تَفْوِيتِ فُرْصَةِ الْإِيمَانِ عَلَيْكَ؛ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ. أَمَّا الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَنَظَرَ إِليَّ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ (٣)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ وَقَالَ: (يَا عُمَرُ؛ لَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَهْوَ أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ … فَلَقَدْ كَانَ عَلَيْكَ؛ أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ … وَأَنْ تَأْمُرَهُ بِحُسْنِ الطَّلَبِ) … ثُمَّ قَالَ لَهُ: (اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ؛ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ … وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ جَزَاءَ مَا رُعْتَهُ (٤)). فَسَكَنَتْ نَفْسُ عُمَرَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي، وَأَعْطَانِي حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ … فَقُلْتُ: مَا لِي مِنْ حَقٍّ فِي هَذِهِ الزَّيَادَةُ يَا عُمَرُ!!.

стр. 775

فَقَالَ: أَمَرَنِي الرَّسُولُ ﵊ أَنْ أُعْطِيَهَا لَكَ جَزَاءَ مَا رُعْتُكَ، فَخُذْهَا. فَقُلْتُ: أَوَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟!. فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ. فَقَالَ: الْحَبْرُ؟!. فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَفْعَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا فَعَلْتَ؟! وَأَنْ تَقُولَ لَهُ مَا قُلْتَ؟!. فَقُلْتُ: يَا عُمَرُ؛ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ الرَّسُول ﷺ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ؛ إِلَّا اثْنَتَيْن لَمْ أَجِدْهُمَا فِيهِ … أُولَاهُمَا: أَنَّهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ … وَثَانِيَتُهُمَا: أَنَّهُ لَا تَزيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْل عَلَيْهِ، إِلَّا حِلْمًا … وَقَدْ وَجَدْتُهُما الْآنَ … فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا … وَأَنَّ شَطْرَ (١) مَالِي صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَالَ عُمَرُ: بَلْ قُلْ عَلَى بَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَسَعُهُمْ (٢) جَمِيعًا.
следующие страницы →