Полный текст (979 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ثُمَّ جَعَلَتِ الْأَيَّامُ تَمْضِي سِرَاعًا، وَالْأَحْدَاثُ تَتْرَى تِبَاعًا …
فَإِذَا بِقَوَافِلِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ تَنْزِلُ فِي يَثْرِبَ عَلَى الرَّحْبِ وَالسَّعَةِ؛ فَتَلْقَى بِالْأَهْلِ أَهْلًا وَبِالْإِخْوَانِ إِخْوَانًا …
وَإِذَا بِالْبَشَائِر تَغْمُرُ الْمَدِينَةَ؛ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ قَادِمٌ إِلَيْهَا مَعَ صَفِيِّهِ وَخَلِيلِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
فَضَجَّتْ يَثْرِبُ بِالْفَرْحَةِ، وَتَأَلْقَتْ بِالْبَهْجَةِ ....
وَخَرَجَ النَّاسُ زَرَافَاتٍ وَوِحْدَانًا (١) لِاسْتِقْبَالِ نَبِيِّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ ﷺ وَصَاحِبِهِ.
فَازْدَادَ الْيَهُودُ غَمًّا عَلَى غَمٍّ، وَشُحِنَتْ صُدُورُهُمْ حِقْدًا عَلَى حِقْدٍ.
لَكِنَّ زَيْدَ بْنَ سُعْنَةَ كَانَ لَهُ شَأْنٌ آخَرُ …
فَلْتَتْرُكُ لَهُ الْكَلَامَ؛ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ:
لَقَدْ تَأَمَّلْتُ هَذَا الْقَادِمَ مُحَمَّدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَشَدَّ التَّأَمُّلِ وَأَعْمَقَهُ، وَتَتَبَّعْتُهُ أَدَقَّ التَّتَبُّعِ وَأَقْصَاهُ …
فَلَمْ تَبْقَ لَدَيَّ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ؛ إِلَّا رَأَيْتُهَا فِيهِ وَعَرَفْتُهَا فِي وَجْهِهِ الكَرِيمِ ﷺ ؛ بَعْدَ أَنْ تَحَرَّيْتُهُ وَأَطَلْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ؛ إِلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُ … стр. 772
أُولَاهُمَا: أَنَّهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ …
وَثَانِيَتُهُمَا: أَنَّهُ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا سَمَاحَةً وَلْيُونَةً.
فَجَعَلْتُ أَبْحَثُ عَنْ هَاتَيْنِ الْعَلَامَتَيْنِ حَتَّى وَجَدْتُهُمَا فِيهِ …
ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْحُجُرَاتِ (١) وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁؛ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْبُدَاةِ، وَوَقَفَ إِلَى جَانِبِهِ رَاكِبًا رَاحِلَتَهُ، وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ لِي جَمَاعَةً فِي قَرْيَةِ بَنِي فُلَانٍ؛ قَدْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَكُنْتُ قُلْتُ لَهُمْ: إِنْ أَسْلَمُوا أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْرِهِ وَأَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَدًا (٢)؛ فَمَا لَبِثَ أَنْ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ شَدِيدٌ مُهْلِكٌ، وَجَدْبٌ (٣) مِنَ الْغَيْثِ مُضْنٍ …
وَأَنَا أَخْشَى - يَا رَسُولَ اللَّهِ - أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ طَمَعًا فِي غَيْرِهِ؛ كَمَا دَخَلُوهُ طَمَعًا فِيهِ …
فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِشَيْءٍ تُغِيثُهُمْ (٤) بِهِ فَعَلْتَ.
فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﵊ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَظْرَةً يَسْأَلُهُ بِهَا عَمَّا لَدَيْهِ مِنَ الْمَالِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ:
لَمْ يَبْقَ لَدَيَّ مِمَّا جَاءَنَا شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
* * *
قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ:
فَاغْتَنَمْتُ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، وَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ стр. 773
وَقُلْتُ:
يَا مُحَمَّدُ … هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلٍ (١) مَحْدُودٍ؟ بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ؟.
قَالَ: (نَعَمْ).
فَأَطْلَقْتُ كِيسَ نُقُودِي، وَأَخْرَجْتُ مِنْهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالًا (٢) مِنْ ذَهَبٍ، وَدَفَعْتُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَأَعْطَاهَا الرَّجُلَ وَقَالَ:
(أَغِثْ جَمَاعَتَكَ بِهَذَا الْمَالِ، وَاعْدِلْ بَيْنَهُمْ).
* * *
قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ:
فَلَمَّا بَقِيَ عَلَى حُلُولِ الْأَجَلِ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ وَقَدْ خَرَجُوا لِلصَّلَاةِ عَلَى جَنَازَةِ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ …
فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ؛ دَنَا النَّبِيُّ ﵊ مِنْ جِدَارٍ لِيَجْلِسَ إِلَيْهِ؛ فَأَتَيْتُهُ وَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ (٣) قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ. وَقُلْتُ لَهُ:
يَا مُحَمَّدُ، أَلَا تَقْضِينِى (٤) حَقِّي؟ …
فَوَاللهِ! مَا عُرِفْتُمْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا مُمَاطِلِينَ (٥) فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ … стр. 774
وَإِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِسُوءِ طِبَاعِكُمْ …
ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى مَنْ حَوْلَهُ …
فَإِذَا عَيْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كَالْفَلَكِ (١) الْمُسْتَدِيرِ، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ وَقَالَ:
أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ؛ وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى؟.
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ (٢) مِنْ تَفْوِيتِ فُرْصَةِ الْإِيمَانِ عَلَيْكَ؛ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ.
أَمَّا الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَنَظَرَ إِليَّ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ (٣)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ وَقَالَ:
(يَا عُمَرُ؛ لَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَهْوَ أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ …
فَلَقَدْ كَانَ عَلَيْكَ؛ أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ …
وَأَنْ تَأْمُرَهُ بِحُسْنِ الطَّلَبِ) …
ثُمَّ قَالَ لَهُ: (اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ؛ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ …
وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ جَزَاءَ مَا رُعْتَهُ (٤)).
فَسَكَنَتْ نَفْسُ عُمَرَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي، وَأَعْطَانِي حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ …
فَقُلْتُ: مَا لِي مِنْ حَقٍّ فِي هَذِهِ الزَّيَادَةُ يَا عُمَرُ!!. стр. 775
فَقَالَ: أَمَرَنِي الرَّسُولُ ﵊ أَنْ أُعْطِيَهَا لَكَ جَزَاءَ مَا رُعْتُكَ، فَخُذْهَا.
فَقُلْتُ: أَوَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟!.
فَقَالَ: لَا.
فَقُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ.
فَقَالَ: الْحَبْرُ؟!.
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَفْعَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا فَعَلْتَ؟! وَأَنْ تَقُولَ لَهُ مَا قُلْتَ؟!.
فَقُلْتُ: يَا عُمَرُ؛ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ الرَّسُول ﷺ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ؛ إِلَّا اثْنَتَيْن لَمْ أَجِدْهُمَا فِيهِ …
أُولَاهُمَا: أَنَّهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ …
وَثَانِيَتُهُمَا: أَنَّهُ لَا تَزيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْل عَلَيْهِ، إِلَّا حِلْمًا …
وَقَدْ وَجَدْتُهُما الْآنَ …
فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا …
وَأَنَّ شَطْرَ (١) مَالِي صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ عُمَرُ: بَلْ قُلْ عَلَى بَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَسَعُهُمْ (٢) جَمِيعًا. стр. 776
فَقُلْتُ: عَلَى بَعْضِهِمْ.
* * *
ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَزَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَا أَرْجَعَكُمَا؟!).
فَقَالَ زَيْدٌ: لَقَدْ رَجَعْتُ لِأَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ..
وَأَشْهَدَ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …
وَأَنَّكَ صَفْوَةُ أَنْبِيَائِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ … (*).
стр. 777
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
"كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ شَابًا مُعَلَّقَ الْقَلْبِ بِالْمَسَاجِدِ"
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ؟! …
أَمَّا أَبُوهُ؛ فَهْوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَثَانِى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَأَمَّا أَمَّهُ؛ فَهْيَ السَّيِّدَةُ الرَّصَانُ الرَّزَانُ (١) زَيْنَبُ بِنْتُ مَطْعُونِ.
وَأَمَّا أُخْتُهُ؛ فَهْيَ حَفْصَةُ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
* * *
وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَأَسْلَمَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَرُبِّي فِي مَدْرَسَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَنَشَأَ فِي أَكْنَافِ (٢) الْإِسْلَامِ …
فَلَمْ يُدَنَّسْ بِجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يُوصَمْ بِعِبَادَةِ صَنَمٍ.
ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ أَبِيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ (٣).
وَقَدْ كَانَ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَبِضْعَةُ أَشْهُرٍ؛ فَجَاءَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَتْرَابِهِ (٤) الصِّغَارِ يَرْجُونَ مِنَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيم أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ؛ فَأَذِنَ لِبَعْضِهِمْ، وَرَدَّ بَعْضَهُمُ الْآخَرَ لِصِغَرِ سِنِّهِمْ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِى جُمْلَةِ مَنْ رَدَّهُمْ .... стр. 778
فَعَادَ الْفِتْيَةُ الْأَخْيَارُ الْأَبْرَارُ يَبْكُونَ؛ لِأَنَّهُمْ حُرِمُوا مِمَّا كَانَتْ تَطْمَحُ إِلَيْهِ نُفُوسُهُمُ الْكَبِيرَةُ مِنْ شَرَفِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
وَفِي يَوْمِ أُحدٍ؛ أَصْبَحَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِضْعَةُ أَشْهُرٍ؛ فَجَاءَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ أَتْرَابُهُ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى الْجِهَادِ …
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظْرَةً مُسْتَأْنِيَةً، ثُمَّ اخْتَبَرَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا؛ فَقَبِلَ مِنْهُمْ مَنْ قَبلَ، وَرَدَّ مِنْهُمْ مَنْ رَدَّ (١).
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْمَرْدُودِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ …
فَعَادُوا وَهُمْ يَبْكُونَ؛ لِأَنَّ صِغَرَ أَعْمَارِهِمْ قَدْ حَالَ دُونَهُمْ وَدُونَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
* * *
وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ؛ أَصْبَحَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ فَجَاءَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَتْرَابِهِ يَجُرُّونَ سُيُوفَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَمُدُّونَ قَامَاتِهِمْ إِلَى أَعْلَى، وَيَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﵊ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ بِالْجِهَادِ؛ فَأَذِنَ لَهُمْ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
عِنْدَ ذَلِكَ غَمَرَتْهُمُ الْفَرْحَةُ، وَفَاضَ عَلَى وُجُوهِهِمُ السُّرُورُ، وَطَفَحَ عَلَيْهَا الْبِشْرُ.
ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ سَائِرَ الْغَزَوَاتِ الَّتِي غَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ. стр. 779
وَدَخَلَ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ - فَلَمَّا أَبْصَرَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزَكَى التَّسْلِيم طَفِقَ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ:
(إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ … وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ .... ).
* * *
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِثَالًا فَرِيدًا لِلشَّابِّ الَّذِي نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؛ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ أَمْلَكَ (١) شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
وَلَا غَرْوَ؛ فَقَدْ كَانَ شَابًّا مُعَلَّقَ الْقَلْبِ بِالْمَسَاجِدِ … فَالْمَسْجِدُ دَارُ إِقَامَتِهِ إِذَا أَرَادَ الرَّاحَةَ، وَالْمَسْجِدُ مَحَلُّ عِبَادَتِهِ إِذَا رَامَ الْعِبَادَةَ.
حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ:
كَانَ الرَّجُلُ فِى حَيَاةِ الرَّسُولِ ﵊ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنْتُ آنَئِذٍ غُلَامًا شَابًّا عَزْبًا (٢)، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ …
فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي وَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، وَإِذَا لِلنَّارِ قَرْنَان (٣)، وَإِذَا بِى أَرَى فِيهَا نَاسًا قَدْ عَرَفْتُهُمْ؛ فَجَعَلْتُ أَقُولُ:
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ … أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ …
فَلَقِيَنِي مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تُرَاعَ (٤) …
فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى أُخْتِي أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ؛ فَقَصَّتْهَا عَلَى الرَّسُولِ стр. 780
الْكَرِيم صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ:
(نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ؛ لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ).
فَمَا إِنْ سَمِعَ ذَلِكَ؛ حَتَّى عَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى أَلَّا يَنَامَ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا …
فَكَانَ إِذَا أَسْلَمَ النَّاسُ جُنُوبَهُمْ إِلَى الْمَضَاجِعِ (١) يُصَلِّي مَا يَشَاءُ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ.
ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْفِرَاشِ؛ فَيَغْفُو إِغْفَاءَةَ الطَّائِرِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي …
ثُمَّ يَغْفُو إِغْفَاءَةَ الطَّائِرِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
* * *
وَلَقَدْ شَهِدَ كِرَامُ الصَّحَابَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِالصَّلَاحِ.
وَصَدَّقَ الْفَتَى الْعُمَرِيُّ شَهَادَتَهُمْ فِيهِ، وَحَقَّقَهَا بِأَفْعَالِهِ …
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ:
مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إِلَّا وَمَالَتْ (٢) بِهِ وَمَالَ بِهَا؛ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَآلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى ذِي النُّورَيْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (٣)، أَرَادَ أَنْ يَكِلَ أَمْرَ الْقَضَاءِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ فَقَالَ لَهُ: стр. 781
اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ يَا عَبْدَ اللَّهِ؛ فَإِنَّكَ مِنْ أَفْقَهِ الْمُسْلِمِينَ بِدِينِ اللَّهِ، وَأَوْسَعِهِمْ رِوَايَةً لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَأَبَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، وَقَالَ:
لَا أَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَلَا أَؤُمُّ اثْنَيْنِ.
فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ وَالرَّسُولُ ﵊ حَيٌّ؛ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟!.
فَقَالَ: إِنَّ أَبِي كَانَ يَقْضِي؛ فَإِذَا أَشْكَلَ (١) عَلَيْهِ شَيْءٌ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇ …
وَإِنِّي لَا أَجِدُ أَحَدًا أَسْأَلُهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ:
أَمَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﵊ يَقُولُ:
(مَنْ عَاذَ بِاللهِ؛ فَقَدْ عَاذَ بِمَعَاذٍ (٢)).
فَقَالَ بَلَى؛ لَقَدْ سَمِعْتُهُ.
فَقَالَ: إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَسْتَعْمِلَنِي عَلَى الْقَضَاءِ.
فَأَعْفَاهُ عُثْمَانُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ:
لَا تُخْبِرْ بِهَذَا أَحَدًا؛ فَالْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ لِمَنْ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ.
* * *
وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَابِدًا زَاهِدًا فَحَسْبُ؛ وَإِنَّمَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ стр. 782
جُنْدِيًّا مُجَاهِدًا … فَغَزَا مَعَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ كُلًّا مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَالْبَصْرَةِ وَفَارِسَ …
وَشَهِدَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) فَتْحَ مَصْرَ، وَأَقَامَ فِيهَا رَدْحًا مِنَ الزَّمَنِ؛ فَرَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبِعِينَ مِنْ أَهْلِهَا.
* * *
وَلَمَّا ثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ عَلَيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄؛ جَعَلَ بَعْضُ النَّاسِ يَلْتَمِسُونَ لِلْخِلَافَةِ رَجُلًا غَيْرَهُمَا؛ فَتَوَجَّهَ نَفَرٌ مِنْ ذَوِي الْحَقِّ وَالْعَقْدِ (٢) إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالُوا:
هَاتِ يَدَكَ نُبَايِعْ لَكَ؛ فَإِنَّكَ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَابْنُ سَيِّدِهَا، وَخَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ خَيْرِ النَّاسِ.
فَقَالَ: مَا أَنَا بِخَيْرِ النَّاسِ وَلَا ابْنِ خَيْرِ النَّاسِ، وَلَكِنِّي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُهُ ....
وَاللهِ! لَا تَزَالُونَ تُطْرُونَ (٣) الرَّجُلَ حَتَّى تُهْلِكُوهُ، وَإِذَا بَايَعْتُمُونِي أَنْتُمْ؛ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِأَهْل الْمَشْرِقِ؟!.
قَالُوا: يُبَايِعُونَكَ أَوْ تُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَدِينُوا لَكَ بِالْوَلَاءِ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ! مَا أُحِبُّ أَنَّ الْخِلَافَةَ دَانَتْ لِي سَبْعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ قُتِلَ بِسَبَبِي رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
وَلَقَدْ ظَلَّ قَلْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ طُوَالَ حَيَاتِهِ مُعَلَّقًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ стр. 783
اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَكَانَ يَهْتَدِي بِهَدْيِهِ، وَيَقْتَدِي بِفِعْلِهِ، وَيَسْلُكُ مَسَالِكَهُ، وَيَحْفَظُ مَا يَسْمَعُهُ مِنْهُ، وَيَعُضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ.
وَمَا ذُكِرَ الرَّسُولُ ﵊ أَمَامَهُ مَرَّةً؛ إِلَّا بَكَى لِفِرَاقِهِ.
وَقَدْ كَانَ إِلَى ذَلِكَ شَدِيدَ الْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنَ الدَّمْعِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ فَمَا تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) …
إِلَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ.
وَفِي ذَاتِ مَرَّةٍ قَرَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرَةَ أَمَامَهُ قَوْلَ اللَّهِ :
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى (٢) بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ (٣) اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٤) …
فَجَعَلَ يَبْكِي أَشَدَّ الْبُكَاءِ وَيَذْرِفُ سَخِيَّ الدَّمْعِ؛ حَتَّى تَبَلَّلَتْ ثِيَابُهُ وَكَادَ الْبُكَاءُ يُقَطِّعُ نِيَاطَ (٥) قَلْبِهِ، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ؛ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقُومَ إِلَى الْقَارِئِ وَيَقُولَ لَهُ: أَقْصِرْ (٦)؛ فَإِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ الشَّيْخَ.
* * *
وَلَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ طُلَّابِ الْمَعْرِفَةِ يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ رَاغِبِينَ فِي أَنْ يُزَوِّدَهُمْ بِخَالِص نُصْحِهِ وَثَمِينِ إِرْشَادِهِ … فَكَان يُجِيبُهُمْ عَنْ طَلَبِهِمْ بِكَلِمَاتٍ بَاقِيَاتٍ стр. 784
عَلَى الدَّهْرِ ....
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ أَحَدَهُمْ بَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ:
اكْتُبْ لِي - يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ - بِالدِّينِ كُلِّهِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ:
إِنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ خَفِيفَ الظَّهْرِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ خَمِيصَ (١) الْبَطْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ كَافَّ اللِّسَانِ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ؛ لَازِمًا لِأَمْرِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَافْعَلْ.
* * *
وَقَدْ جَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ دَأْبَهُ كُلَّهُ فِي إِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَبِرَّ الْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ؛ حَتَّى رُوِيَتْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَذُكِرَتْ لَهُ فِيهِ آثَارٌ وَفِيرَةٌ.
مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ اشْتَهَى ذَاتَ مَرَّةٍ سَمَكًا؛ فَبَحَثَتِ امْرَأَتُهُ صَفِيَّةُ عَنْ سَمَكَةٍ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَيْهَا، ثُمَّ صَنَعَتْهَا فَأَحْسَنَتْ صُنْعَهَا، ثُمَّ قَرَّبَتْهَا إِلَيْهِ …
فَسَمِعَ نِدَاءَ مِسْكِينٍ عَلَى الْبَابِ؛ فَقَالَ:
ادْفَعُوا السَّمَكَةَ إِلَيْهِ.
فَقَالَتْ صَفِيَّةُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَنْ تُقَوِّي نَفْسَكَ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
فَقَالَ: ادْفَعُوهَا إِلَيْهِ.
فَقَالَتْ: نَحْنُ نُرْضِيهِ بَدَلًا مِنْهَا، وَقَالَتْ لِلسَّائِلِ:
إِنَّهُ قَدِ اشْتَهَى هَذِهِ السَّمَكَةَ. стр. 785
فَقَالَ: وَأَنَا - وَاللَّهِ - أَشْتَهِيهَا أَيْضًا … فَاشْتَرَتْهَا مِنْهُ بِدِينَارٍ، وَأَرْضَتْهُ.
ثُمَّ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: إِنَّا قَدْ أَرْضَيْنَا السَّائِلَ، وَأَجْزَلْنَا (١) عَطِيَّتَهُ.
فَقَالَ لَهُ: هَلْ أَرْضُوكَ وَرَضِيتَ، وَأَخَذْتَ الثَّمَنَ؟.
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَالْتَفَتَ إِلَى أَهْلِهِ وَقَالَ: الْآنَ ادْفَعُوهَا إِلَيْهِ.
* * *
وَقَدْ عُوتِبَتِ امْرَأَتُهُ فِي أَمْرِ هُزَالِهِ (٢)؛ فَقِيلَ لَهَا:
أَمَا تَرْفُقِينَ بِهَذَا الشَّيْخِ؟!.
فَقَالَتْ: وَمَا أَصْنَعُ بِهِ؟! ..
وَاللهِ! مَا أَعْدَدْتُ لَهُ طَعَامًا إِلَّا دَعَا إِلَيْهِ مَنْ يَأْكُلُهُ؛ فَأَرْسَلْتُ إِلَى الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَطْعَمْتُهُمْ. وَقُلْتُ لَهُمْ: لَا تَجْلِسُوا فِي طَرِيقِهِ …
فَلَمَّا جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ قَالَ: أَرْسِلُوا طَعَامًا إِلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ؛ فَقُلْتُ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بِمَا تُرِيدُ وَأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ؛ فَقَالَ:
بَلْ إِنَّكُمْ أَرَدْتُمْ أَلَّا أَتَعَشَّى اللَّيْلَةَ، ثُمَّ نَهَضَ وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا.
* * *
وَلَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ؛ فَمَا اسْتَحْسَنَتْ نَفْسُهُ شَيْئًا مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ (٣) إِلَّا وَتَصَدَّقَ بِهِ. стр. 786
وَقَدْ عَرَفَ أَرِقَّاؤُهُ (١) ذَلِكَ؛ فَجَعَلُوا يَحْتَالُونَ بِهِ عَلَيْهِ … فَإِذَا تَاقَتْ نَفْسُ أَحَدِهِمْ إِلَى الْعِتْقِ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدَيْهِ لِلْعِبَادَةِ، وَلَزِمَ الْمَسْجِدَ؛ فَإِذَا رَآهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ اسْتَحْسَنَهَا مِنْهُ، وَأَعْتَقَهُ؛ فَيَقُولُ لَهُ أَصْحَابُهُ:
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْدَعُوكَ بِعِبَادَتِهِمْ هَذِهِ؛ فَيَقُولُ: مَنْ خَدَعَنَا بِاللَّهِ انْخَدَعْنَا لَهُ
* * *
وَلَقَدْ كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ لَا يَكْتَفِي بِإِعْتَاقِ الْعَبْدِ؛ وَإِنَّمَا يُغْدِقُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ مَا يُيَسِّرُ لَهُ سُبُلَ الْعِيشَةِ الرَّاضِيَةِ …
مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ؛ قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَى مَكَّةَ نَبْتَغِي الْعُمْرَةَ؛ فَعَرَّسْنَا (٢) فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ؛ فَانْحَدَرَ عَلَيْنَا رَاعٍ مِنَ الْجَبَلِ؛ فَأَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَخْتَبِرَهُ؛ فَقَالَ:
أَمَمْلُوكٌ (٣) أَنْتَ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: بِعْنِي شَاةً مِنَ الْغَنَمِ، وَإِذَا سَأَلَكَ سَيِّدُكَ عَنْهَا فَقُلْ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ.
فَقَالَ: وَأَيْنَ اللَّهُ .
فَبَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَقَالَ:
نَعَمْ! … أَيْنَ اللَّهُ … стр. 787
ثُمَّ بَعَثَ فَشَرَاهُ مِنْ مَالِكِهِ، وَشَرَى لَهُ الْغَنَمَ الَّتِي كَانَ يَرْعَاهَا، وَأَعْتَقَهُ.
* * *
وَأَخِيرًا - وَلَيْسَ آخِرًا - فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَوَّادًا (١) لَا تُمْسِكُ يَدَاهُ الْمَالَ.
فَقَدْ أُتِيَ مَرَّةً بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا؛ فَمَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى أَنْفَقَهَا كُلَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَزَادَهَا …
فَجَاءَهُ بَعْضُ السَّائِلِينَ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ؛ فَاسْتَدَانَ مَبْلَغًا مِنْ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعَطَّاهُمْ، ثُمَّ دَفَعَ بِهِ إِلَى السَّائِلِ.
* * *
وَبَعْدُ … فَلَقَدْ عَاشَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَتَّى نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ؛ فَلَمَّا أَتَاهُ الْيَقِينُ؛ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ:
مَا آسَى (٢) عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ:
ظَمَإِ الْهَوَاجِرِ (٣) …
وَمُكَابَدَةِ (٤) اللَّيْلِ …
وَأَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ أَهْلَ الْفِتْنَةِ.
* * *
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ … стр. 788
فَلَقَدْ عَاشَ بَرًّا تَقِيًّا …
وَمَاتَ زَاهِدًا عَابِدًا (*).
стр. 789
طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ
"طلَيْحَةُ بْنُ جُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ"
[الْمُؤَرِّحُونَ]
في السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَفَدٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ.
وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ.
فَلَمَّا بَلَغُوا الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ؛ مَثُلُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبُهُمْ وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ …
وَنَحْنُ إِنَّمَا جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا وَلَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا أَحَدًا …
فَتَقَبَّلْ إسْلَامَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَرَعْبَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَكْرَمَ تَرْحِيبٍ، وَأَنْزَلَهُمْ خَيْرَ مَنْزِلٍ.
* * *
لكِنَّ طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ مَا لَبِثَ أَنْ تَغَيَّرَتْ نَفْسُهُ عَلَى الرَّسُولِ الأَعْظَمِ ﷺ ، وَدَبَّ فِي قَلْبِهِ الْحَسَدُ (١) لَهُ.
وَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ وَكَيْفَ بَدَأَ صَغِيرًا، ثُمَّ مَا زَالَ يَنْمُو وَيَكْبُرُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمِ حَتَّى دَانَتْ لَهُ (٢) جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا بِالْوَلَاءِ وَالطَّاعَةِ.
ثُمَّ أَخَذَ شَيْطَانُ طُلَيْحَةَ يَسْتَدْرِجُهُ، وَيُمَنِّيهِ الْأَمَانِيَّ … стр. 790
فَيَقُولُ لَهُ: يَا طُلَيْحَةُ … أَيْنَ مُحَمَّدٌ مِنْكَ؟!
فَمَا هُوَ بِأَفْصَحَ مِنْكَ لِسَانًا؛ فَأَنْتَ أَدِيبٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ …
وَمَا هُوَ بِأَقْوَى مِنْكَ جَنَانًا (١)؛ فَأَنْتَ أَشْجَعُ الْعَرَبِ شَجَاعَةً، وَأَشَدُّهُمْ بَأْسًا؛ حَتَّى إِنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَكَ بِأَلْفِ فَارِسٍ إِذَا جَدَّ الْجِدُّ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ بِأَعَزَّ مِنْكَ نَفَرًا (٢)؛ فَأَنْتَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَبَنُو أَسَدٍ مَسَاعِرُ (٣) حَرْبٍ؛ لَهُمْ فِي مَيَادِينِهَا أَيَّامٌ مَشْهُودَاتٌ، وَمَوَاقِفُ مَعْدُودَاتٌ.
فَلَمَّا عَادَ الْوَفْدُ إِلَى مَنَازِلِهِ … وَقَفَ طُلَيْحَةُ فِي بَنِي أَسَدٍ يَزْعُمُ لَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
فَتَبِعُوهُ جَمِيعًا إِمَّا إِيمَانًا بِهِ، وَإِمَّا عَصَبِيَّةً (٤) لَهُ.
* * *
بَعَثَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ جَيْشًا بِقِيَادَةِ ضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ لِقِتَالِ طُلَيْحَةَ وَقَوْمِهِ.
فَأَبْلَى الْجَيْشُ الْمُؤْمِنُ فِي بَنِي "أَسَدٍ" وَأَحْلَافِهِمْ أَعْظَمَ الْبَلَاءِ.
وَأَوْشَكَ أَمْرُ طُلَيْحَةَ أَنْ يَضْمَحِلَّ، لَوْلَا أَنَّ ضِرَارًا الْتَقَى? بِهِ وَجْهَا لِوَجْهٍ …
وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ؛ فَشَاءَ اللَّهُ أَنْ يَنْبُو (٥) عَنْهُ السَّيْفُ، وَأَلَّا يُؤَثْرَ فِيهِ.
فَاغْتَنَمَ طُلَيْحَةُ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يُشِيعُ فِي قَوْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ …
وَأَنَّ السُّيُوفَ الْقَوَاطِعَ لَا تَعْمَلُ فِي جَسَدِهِ …
فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَنْ تَفَرَّقَ عَنْهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. стр. 791
وَقَدْ زَادَهُ قُوَّةً عَلَى قُوَّةٍ؛ وَفَاةُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَارْتِدَادُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَخُرُوجُهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا؛ كَمَا دَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا.
* * *
مَا كَادَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؛ حَتَّى عَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً لِأَحَدَ عَشَرَ قَائِدًا، وَوَجَّهَهُمْ جَمِيعًا لِحَرْبِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَكَانَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ وَقَوْمُهُ بَنُو أَسَدٍ مِنْ حِصَّةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ (١) …
فَتَوَجَّهَ سَيْفُ اللَّهِ إِلَى مَوَاطِنِ بَنِي أَسَدٍ فِي نَجْدٍ، وَأَرْسَلَ فِي مُقَدِّمَةِ جَيْشِهِ مِغْوَارَيْنِ (٢) اثْنَيْنِ مِنْ مَغَاوِيرِ الْمُسْلِمِينَ هُمَا:
عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَثَابِتُ بْنُ سَلَمَةَ لِيَجُوسَا (٣) خِلَالَ الدِّيَارِ …
وَيَتَسَقَّطَا (٤) لِلْمُسْلِمِينَ الْأَخْبَارَ.
فَظَفِرَ بِهِمَا طُلَيْحَةُ، وَقَتَلَهُمَا شَرَّ قِتْلَةٍ.
فَلَمَّا عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِمَصْرَعِهِمَا؛ حَزِنُوا عَلَيْهِمَا أَشَدَّ الْحُزْنِ وَأَمَرَّهُ … وَآلَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَثْأَرُوا لَهُمَا مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا.
* * *
الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى بِئْرِ "بُرَاخَةَ" فِي أَرْضِ نَجْدٍ …
وَاقْتَتَلَا قِتَالًا عَنِيفًا ضَارِيًا؛ تَسَاوَى الْفَرِيقَانِ فِي أَوَّلِهِ.
وَكَانَ سَيِّدُ بَنِي فَزَارَةَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ قَدْ هَبَّ مَعَ قَوْمِهِ لِنَجْدَةِ طُلَيْحَةَ، стр. 792
وَصَدِّ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ …
فَلَمَّا أَخَذَتْ كِفَّةُ الْمُسْلِمِينَ تَرْجُحُ عَلَى كِفَّةِ الْمُشْرِكِينَ؛ نَظَرَ عُيَيْنَةُ إِلَى طُلَيْحَةَ فَوَجَدَهُ قَدِ انْحَازَ إِلَى فُسْطَاطِهِ (١) …
وَتَلَفَّفَ بِكِسَائِه …
وَزَعَمَ لِأَتْبَاعِهِ بِأَنَّ الْوَحْيَ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ …
وَأَنَّ اللَّهَ سَيُمدُّهُ بالْمَلَائِكَةِ.
وَلَمَّا حَمِيَ الْوَطِيسُ (٢)، وَثَقُلَتْ وَطْأَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَتْبَاعِ طُلَيْحَةَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَيِّدُ بَنِي فَزَارَةَ وَقَالَ:
هَلْ جَاءَكَ الْمَلَكُ يَا طُلَيْحَةُ؟.
قَالَ: لَا يَا عُيَيْنَةُ.
فَرَجَعَ وَقَاتَلَ؛ حَتَّى ازْدَادَتِ الْوَطْأَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ ثِقَلًا.
فَكَرَّ عَلَى طُلَيْحَةَ وَقَالَ: لَا أَبَا لَكَ! أَجَاءَكَ جِبْرِيلُ؟.
قَالَ: لَا …
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: حَتَّى مَتَى؟!! ..
وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ الْجَهْدُ مِنَّا كُلَّ مَبْلَغٍ …
ثُمَّ رَجَعَ فَقَاتَلَ قِتَالًا عَنِيفًا.
ثُمَّ كَرَّ عَلَى طُلَيْحَةَ؛ فَقَالَ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرِيلُ؟.
قَالَ: نَعَمْ … стр. 793
قَالَ: فَبِمَاذَا أَوْحَى? إِلَيْكَ؟.
قَالَ: لَقَدْ قَالَ لِي: "إِنَّ لَكَ يَوْمًا سَتَلْقَاهُ؛ لَيْسَ لَكَ أَوَّلُهُ، وَلَكِنْ لَكَ أُخْرَاهُ … ثُمَّ إِنَّ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثًا لَا تَنْسَاهُ".
فَقَالَ لَهُ عُيَيْنَةُ: تَبًّا لَكَ؛ أَرَى - وَاللَّهِ - لَكَ حَدِيثًا لَا تَنْسَاهُ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: يَا بَنِي فَزَارَةَ؛ إِنَّ هَذَا كَذَّابٌ أَشِرٌ (١).
ثُمَّ انْحَازَ عَنْهُ بِمَنْ مَعَهُ؛ فَظَهَرَ (٢) الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَنِي أَسَدٍ …
وَوَلَّى طُلَيْحَةُ هَارِبًا، وَنَزَلَ عَلَى الْغَسَاسِنَةِ (٣) فِي بِلَادِ الشَّامِ.
* * *
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى إِقَامَةِ طُلَيْحَةَ عِنْدَ الْغَسَاسِنَةِ حَتَّى ثَابَ إِلَى رُشْدِهِ.
فَجَعَلَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَقُولُ:
ثَكِلَتْكَ (٤) أُمُّكَ يَا طُلَيْحَةُ …
كُم هُوَ مُرِيعٌ لَوْ أَنَّ سَيْفَ ضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ أَطَاحَ بِهَامَتِكَ؟ …
لَقَدْ كُنْتَ تُقْتَلُ مُرْتَدًّا عَنْ دِينِكَ مُشْرِكًا بِرَبِّكَ …
وَيَكُونُ مَصِيرُكَ النَّارَ …
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا طُلَيْحَةُ إِنْ لَمْ تَمْضِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ الله ﷺ مُسْلِمًا مُسْتَسْلِمًا (٥) … стр. 794
وَلْيَفْعَلْ بِكَ مَا يَشَاءُ …
فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ لَحْظَةِ عَذَابٍ تَصْلَاهَا فِي جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ …
عَاهِدِ اللَّهَ - يَا طُلَيْحَةُ - إِنْ هُوَ سَلَّمَكَ حَتَّى تَفِدَ عَلَى الْمَدِينَةِ؛ أَنْ تَجْعَلَ عُنُقَكَ الَّتِي نَجَتْ مِنْ سَيْفِ ضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ؛ فِدَاءً لِدِينِ اللَّهِ وَوَقَاءً (١) لِلْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بِئْرٍ؛ فَاغْتَسَلَ بِمَائِهَا، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ.
* * *
بَلَغَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ، وَدَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُعْلِنًا إِسْلَامَهُ؛ فَقَالَ لَهُ الْفَارُوقُ:
وَيْحَكَ! أَلَسْتَ الَّذِي قَتَلَ الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ عُكَاشَةَ وَثَابِتًا.
ثُمَّ أَرْدَفَ قَائِلًا: إِنَّ نَفْسِي - وَاللَّهِ - لَا تَرْتَاحُ إِلَيْكَ أَبَدًا ..
فَقَالَ طُلَيْحَةُ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ مَا يُهِمُّكَ مِنْ رَجُلَيْنِ: هُمَا أُكْرِمَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى يَدَيَّ …
وَأَنَا شَقِيتُ بِهِمَا …
وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ …
فَاسْتَجَابَ لَهُ عُمَرُ، وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ.
* * * стр. 795
تَابَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ مِنْ زَلَّتِهِ الْكُبْرَى تَوْبَةً صَادِقَةً نَصُوحًا (١) …
وَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِهِ مَا بَقِيَ فِيهِ عِرْقٌ يَنْبِضُ (٢).
وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُورِدَهَا مَوارِدَ الرَّدَى؛ عَلَّهُ يَمُوتُ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ …
فَشَاءَ اللَّهُ .
* * *
رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ ذَاتَ مَرَّةٍ لِغَزْوِ بِلَادِ الرُّومِ، وَفِيهِمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَبَيْنَمَا هُمْ يَمْخُرُونَ الْعُبَابَ (٣) بَرَزَتْ لَهُمْ سَفِينَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ سُفْنِ الْعَدُوِّ تَحْمِلُ مِنَ الْجُنْدِ مَا يَفُوقُهُمْ عُدَّةً وَعَدَدًا، وَجَعَلَتْ تُطَارِدُهُمْ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ …
فَقَالَ طُلَيْحَةُ لِأَصْحَابِهِ: قَرَّبُونَا مِنْهَا.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا قِبَلَ (٤) لَنَا بِهَا يَا طُلَيْحَةُ.
فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ إِمَّا أَنْ تُقَرِّبُوا سَفِينَتَنَا مِنْ سَفِينَتِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ أُعْمِلَ فِي رِقَابِكُمْ هَذَا السَّيْفَ.
فَلَمْ يَجِدُوا مَنْدُوحَةً (٥) عَنِ الْإِذْعَانِ لَهُ.
وَلَمَّا تَحَاذَتِ السَّفِينَتَانِ؛ قَالَ طُلَيْحَةُ لِمَنْ مَعَهُ:
ارْفَعُونِي عَلَى سَوَاعِدِكُمْ، وَاقْذِفُونِي عَلَى سَفِينَةِ الرُّومِ، وَسَأُرِيكُمْ مَا يُقِرُّ стр. 796
عُيُونَكُمْ (١) إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ.
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ؛ حَتَّى وَثَبَ طُلَيْحَةُ عَلَى سَفِينَةِ الْأَعْدَاءِ، وَانْقَضَّ عَلَى مَنْ فِيهَا انْقِضَاضَ الصَّاعِقَةِ …
وَأَجَالَ سَيْفَهُ فِي رِقَابِهِمْ يَمْنَةً وَيَسْرَةً؛ فَذَهِلُوا (٢) …
وَجَعَلُوا يَتَطَايَرُونَ تَحْتَ ضَرَبَاتِهِ.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ؛ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ …
وَغَرِقَ مِنْهُمْ مَنْ غَرِقَ …
وَاسْتَسْلَمَ الْبَاقُونَ.
* * *
وَفِي لَيْلَةِ الْقَادِسِيَّةِ (٣)؛ أَخْرَجَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (٤) طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ فِى خَمْسَةٍ مِنْ رِجَالِهِ.
وَأَخْرَجَ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبٍ (٥) فِي خَمْسَةٍ آخَرِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَسَلَّلُوا تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ إِلَى مُعَسْكَرَاتِ الْفُرْسِ؛ لِيَأْتُوهُ بِأَخْبَارِهِمْ.
فَمَا إِنْ دَخَلَتِ السَّرِيَّتَانِ الْمُعَسْكَرَ؛ حَتَّى انْخَلَعَتْ (٦) قُلُوبُ رِجَالِهِمَا مِنْ هَوْلِ مَا رَأَوْا مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ … стр. 797
وَمَا وَجَدُوا مِنَ الْيَقَظَةِ وَالْأُهْبَةِ (١) …
فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ وَأَصْحَابُهُ، وَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالُ طُلَيْحَةَ الْخَمْسَةُ.
أَمَّا طُلَيْحَةُ نَفْسُهُ؛ فَمَضَى إِلَى غَايَتِهِ غَيْرَ هَيَّابٍ وَلَا وَجِلٍ …
وَقَضَى لَيْلَتَهُ يَتَنَقَّلُ فِي أَرْجَاءِ الْمُعَسْكَرِ.
* * *
فَلَمَّا أَدْبَرَ اللَّيْلُ؛ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَعُودَ أَدْرَاجَهُ (٢) حَامِلًا مَعَهُ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْرَارٍ …
وَإِنَّمَا عَمَدَ إِلَى أَعْظَمِ خَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ الْمُعَسْكَرِ؛ فَإِذَا أَمَامَهَا جَوَادٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ؛ فَانْتَضَى (٣) سَيْفَهُ، وَقَطَعَ مِقْوَدَ الْجَوَادِ، وَامْتَطَى ظَهْرَهُ، وَانْطَلَقَ يَعْدُو بِهِ بَيْنَ الْخِيَامِ …
فَلَحِقَ بِهِ فَارِسٌ مِنْ فُرْسَانِ الْقَوْمِ … وَلَمَّا أَدْرَكَهُ سَدَّدَ رُمْحَهُ لِيَطْعَنَهُ بِهِ؛ فَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ، وَطَعَنَهُ طَعْنَةً أَرْدَتْهُ قَتِيلًا …
فَهَبَّ لَهُ فَارِسٌ آخَرُ؛ فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَمَا فَعَلَ بِصَاحِبِهِ …
فَنَهَضَ لَهُ فَارِسٌ ثَالِثٌ؛ فَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ.
فَلَمَّا عَرَفَ الْفَارِسُ أَنَّهُ مَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ؛ اسْتَسْلَمَ لَهُ.
فَأَمَرَهُ طُلَيْحَةُ أَنْ يَرْكُضُ بَيْنَ يَدَيْهِ …
ثُمَّ مَضَيَا مَعًا حَتَّى بَلَغَا مُعَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ. стр. 798
فَلَمَّا رَآهُمَا الْمُسْلِمُونَ؛ جَعَلُوا يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ.
* * *
دَعَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ تَرْجُمَانًا، ثُمَّ سَأَلَ الْأَسِيرَ عَنْ قَوْمِهِ وَعَسْكَرِهِمْ؛ فَقَالَ:
أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ هَذَا أَوَّلًا ....
ثُمَّ اسْأَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ.
فَقَالُوا: هَاتِ مَا عِنْدَكَ؟.
فَقَالَ: لَقَدْ بَاشَرْتُ الْحُرُوبَ وَغَشِيتُهَا (١) …
وَرَأَيْتُ الْأَبْطَالَ وَلَقِيتُهُمْ مُنْذُ كُنْتُ غُلَامًا إِلَى أَنْ بَلَغْتُ مَا تَرَوْنَ …
فَلَمْ أَسْمَعْ بِرَجُلٍ دَخَلَ مُعَسْكَرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلِينَ؛ يَخْدِمُ كُلَّ مُقَاتِلٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ رِجَالٍ أَوْ أَكْثَرُ …
فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمُعَسْكَرِ حَتَّى أَغَارَ عَلَى فُسْطَاطِ الْقَائِدِ، وَهَتَكَ أَطْنَابَ (٢) خَيْمَتِهِ …
وَاسْتَلَبَ فَرَسَهُ …
فَلَحِقَ بِهِ فَارِسٌ يَعْدِلُ أَلْفًا (٣) مِنَ الْفُرْسَانِ؛ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ آخَرُ لَا يَقِلُّ عَنْهُ شَجَاعَةً؛ فَأَلْحَقَهُ بِهِ …
ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ أَنَا - وَلَا أَظُنُّنِي خَلَّفْتُ بَعْدِي مَنْ يَعْدِلُنِي - وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَثْأَرَ стр. 799
لَهُمَا - فَهُمَا ابْنَا عَمِّي - فَلَمَّا رَأَيْتُ الْمَوْتَ أَمَامَ عَيْنَيَّ اسْتَسْلَمْتُ لَهُ.
* * *
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ جَمِيعَ بُطُولَاتِ طُلَيْحَةَ بْن خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيِّ …
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلَّ جِهَادِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …
فَقَدْ ظَلَّ يُنَاضِلُ تَحْتَ رَايَاتِ الْقُرْآنِ؛ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا فِي مَعْرَكَةِ "نَهَاوَنْدَ" (١) (*). стр. 800
عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ
"قَبَّحَ اللَّهُ أَرْضًا لَيْسَ فِيهَا -عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - وَأَمْثَالُهُ" [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
صَحَابِيُّ هَذِهِ الْمَرَّةِ … أَنْصَارِيٌّ؛ عَقَبِيٌّ؛ بَدْرِيٌّ (١).
وَحَسْبُكَ بِهَذِهِ الْمَآثِرِ الثَّلَاثِ؛ أَوْسِمَةُ رِفْعَةٍ وَفَخَارٍ فِي الدُّنْيَا …
وَشَوَاهِدُ رِضًا وَزُلْفَى (٢) عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ.
أَمَّا أَبُوهُ؛ فَكَانَ يُدْعَى الصَّامِتَ …
وَأَمَّا أُمَّهُ؛ فَكَانَتْ تُسَمَّى قُرَّةَ الْعَيْنِ …
وَأَمَّا هُوَ؛ فَكَانَ يَدْعُوهُ النَّاسُ عُبَادَةَ.
وَمَنْ مِنَّا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ؟!.
فَهْوَ أَحَدُ الْأَبْرَارِ الْأَطْهَارِ الَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا.
وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعِينَ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْبَدْرِيِّينَ الَّذِينَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ؛ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.
فَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ خَامِسُ خَمْسَةٍ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ بَلَغْتَ بِهِ غَايَةَ الْغَايَاتِ … стр. 801
وَوَصَلْتَ بِهِ إِلَى أَرْقَى الذُّرَى، وَأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ.
* * *
قَضَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ حَيَاتَهُ مُجَاهِدًا؛ عَابِدًا؛ مُعَلِّمًا.
فَكَانَ فِي سَاحَاتِ الْقِتَالِ؛ أَسَدًا مِغْوَارًا (١).
وَكَانَ فِي سُكُونِ اللَّيْلِ؛ مُتَبَتِّلًا أَوَّاهًا (٢).
وَكَانَ فِي أَوْقَاتِ السِّلْمِ؛ يُعَلِّمُ الْمُسْلِمِينَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيُفَقِّهُهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ.
* * *
فَبَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِيَارَ الشَّامِ؛ أَرَادُوا أَنْ يَفْتَحُوا الْعُقُولَ وَالْقُلُوبَ؛ كَمَا فَتَحُوا الْمَعَاقِلَ وَالْحُصُونَ …
فَكَتَبَ أَمِيرُ دِمَشْقَ إِلَى خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ:
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الشَّامِ قَدْ كَثُرُوا وَاحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهُهُمْ بِدِينِ اللَّهِ …
فَأَعِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرِجَالٍ يُعَلِّمُونَهُمْ.
فَدَعَا عُمَرُ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ؛ النَّفَرَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (٣)، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (٤)، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ (٥)، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (٦)؛ ﵃ أَجْمَعِينَ стр. 802
وَجَزَاهُمْ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْرَمَ الْجَزَاءِ.
فَلَمَّا صَارُوا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ قَالَ لَهُمْ:
إِنَّ إِخْوَانَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَدِ اسْتَعَانُونِي بِمَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ … فَأَعِينُونِي - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - بِثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ …
وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ فَاسْتَهِمُوا (١).
فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَسْتَهِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَجُلٌ مَرِيضٌ، وَبَقِينَا نَحْنُ الثَّلَاثَةَ.
فَوَجَّهَهُمْ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ إِلَى دِيَارِ الشَّامِ.
فَأَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فِي حِمْصَ …
وَنَزَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي دِمَشْقَ …
وَحَلَّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي فِلَسْطِينَ.
* * *
كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ حِينَ بَايَعَ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ؛ قَدْ بَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ …
وَأَنْ يَقُولَ الْحَقَّ أَيْنَمَا كَانَ …
وَأَلَّا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَة لَائِمٍ.
فَلَمَّا رَأَى مِنْ أَمِيرِ الشَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ مَا لَمْ تَرْتَحْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ؛ رَاجَعَهُ فِيمَا رَآهُ وَنَدَّدَ بِهِ … стр. 803
فَلَمْ يَأْخُذْ مُعَاوِيَةُ بِرَأْيِهِ، وَدَعَاهُ إِلَى طَاعَتِهِ؛ فَغَضِبَ عُبَادَةُ، وَقَالَ:
وَاللَّهِ لَا أَسْكُنُ مَعَكَ فِي أَرْضِ وَاحِدَةٍ.
وَعَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ لَهُ:
مَا أَقْدَمَكَ يَا عُبَادَةُ؟!.
فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ مِنْ خِلَافٍ.
فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ؛ قَبَّحَ اللَّهُ أَرْضًا لَيْسَ فِيهَا أَنْتَ وَلَا أَمْثَالُكَ.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ:
لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ أَمِيرُ نَفْسِهِ
* * *
ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مَضَى إِلَى مِصْرَ فَاتِحًا - وَكَانَتْ خَاضِعَةً لِحُكْمِ الرُّومِ - فَطَفِقَ يُحَرِّرُ مُدُنَهَا وَقُرَاهَا إِلَى أَنِ اسْتَعْصَى عَلَيْهِ حِصْنُ "بَابِلْيُونَ"؛ الْوَاقِعُ عَلَى ضَفَّةِ النِّيلِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَاهِرَةِ الْيَوْمَ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي اسْتِعْصَاءِ الْحِصْنِ عَلَيْهِ؛ أَنَّ الرُّومَ حَفَرُوا حَوْلَهُ خَنْدَقًا عَظِيمًا، وَثَبَّتُوا فِي الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ حَسَكَ الْحَدِيدِ … لِيَعُوقَ الرِّجَالَ وَالْخَيْلَ عَنِ التَّقَدُّمِ نَحْوَهُ … وَشَحَنُوهُ بِالْجُنُودِ وَالْعَتَادِ، وَنَقَلُوا إِلَيْهِ رجَالَ دَوْلَتِهِمْ وَعُظَمَاءَ الْقِبْطِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الْمُقَوْقَسُ؛ بَطْرِيَرْكُ مِصْرَ وَحَاكِمُهَا.
* * *
حَاصَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْحِصْنَ أَمَلًا فِي أَنْ يَضِيقَ حُمَاتُهُ ذَرْعًا بِالْحِصَارِ
стр. 804
فَيَسْتَسْلِمُوا لَهُ.
غَيْرَ أَنَّ النِّيلَ مَا لَبِثَ أَنْ فَاضَ …
فَنَسَفَ الرُّومُ السُّدُودَ، وَقَطَعُوا الْجُسُورَ …
فَأَحَاطَ الْمَاءُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَكَادُوا يَهْلَكُونَ غَرَقًا.
عِنْدَ ذَلِكَ؛ كَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يُعِينَهُ بِمَدَدٍ مِنْ عِنْدِهِ.
فَبَادَرَ عُمَرُ إِلَى إِمْدَادِهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ أَلْفٍ قَائِدًا يَقُومُ مَقَامَ أَلْفٍ؛ هُمْ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ (١)، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ (٢)، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ.
* * *
عَلِمَ الْمُقَوْقَسُ بِالْمَدَدِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَأَرْسَلَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَفْدًا مِنْ خِيرَةِ رِجَالِهِ لِيُفَاوِضُوهُ، وَأَوْصَاهُمْ بِأَنْ يَقِفُوا لَهُ عَلَى أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَنْقُلُوا لَهُ صُورَةً دَقِيقَةً وَاضِحَةً عَنْ حَيَاتِهِمْ؛ كَمَا لَوْ كَانَ يَرَاهَا هُوَ بِنَفْسِهِ.
فَقَضَى رِجَالُ الْوَفْدِ فِي ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ؛ فَلَمَّا عَادُوا سَأَلَهُمُ الْمُقَوْقَسُ عَمَّا رَأَوْا وَمَا سَمِعُوا؛ فَقَالُوا:
لَقَدْ رَأَيْنَا - وَاللَّهِ - قَوْمًا الْمَوْتُ أَشْهَى إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَيَاةِ …
وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرِّفْعَةِ …
جُلُوسُهُمْ عَلَى التُّرَابِ، وَأَكْلُهُمْ عَلَى الرُّكَبِ (٣). стр. 805
أَمِيرُهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ فَمَا يُعْرَفُ سَيِّدُهُمْ مِنْ مَسُودِهِمْ، وَلَا رَفِيعُهُمْ (١) مِنْ وَضِيعِهِمْ (٢).
إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ يَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُمْ وَوُجُوهَهُمْ بِالْمَاءِ، وَيَخْشَعُونَ لِرَبِّهِمْ فِي الصَّلَاةِ.
فَقَالَ الْمُقَوْقَسُ:
وَاللَّهِ! لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ اسْتَقْبَلُوا (٣) الْجِبَالَ لَأَزَالُوهَا …
وَلَوْ نَازَلُوا (٤) الْجِنَّ لَأَبَادُوهَا.
* * *
وَكَأَنَّمَا أَرَادَ الْمُقَوْقَسُ أَنْ يَرَى بِأُمِّ عَيْنَيْهِ مَا حَدَّثَهُ بِهِ رِجَالُهُ؛ فَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ:
أَرْسِلُوا إِلَيْنَا رُسُلًا مِنْ عِنْدِكُمْ لِنُفَاوِضَهُمْ وَنُعَاهِدَهُمْ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَشَرَةً مِنْ رِجَالِهِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ.
* * *
كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ طَوِيلَ الْقَامَةِ عَظِيمَ الْهَامَةِ؛ كَثَّ الشَّعْرِ شَدِيدَ الْهَيْبَةِ … يَمْلَأُ عَيْنَ رَائِيهِ رَهْبَةً وَرَوْعَةً.
فَلَمَّا تَقَدَّم مِنَ الْمُقَوْقَسِ هَابَهُ أَشَدَّ الْهَيْبَةِ، وَدَخَلَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ خَوْفٌ عَظِيمٌ.
فَقَالَ لِرِجَالِ الْوَفْدِ: نَحُّوا عَنِّي هَذَا الرَّجُلَ وَقَدِّمُوا غَيْرَهُ لِيُكَلِّمَنِي. стр. 806
فَقَالُوا: هَذَا أَمِيرُنَا، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِأَلَّا نَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَأَلَّا نُخَالِفَ لَهُ أَمْرًا.
فَقَالَ الْمُقَوْقَسُ لِعُبَادَةَ: تَقَدَّمْ إِلَيَّ أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكَلِّمْنِي بِرِفْقٍ؛ فَإِنِّي أَهَابُ (١) مَنْظَرَكَ.
فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ: أَرَاكَ خِفْتَنِي؛ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَ أَصْحَابِي … وَفِيهِمْ أَلْفُ رَجُلٍ كُلُّهُمْ أَشَدُّ مِنِّي قُوَّةً وَهَوْلًا.
فَقَالَ لَهُ الْمُقَوْقَسُ:
مَا الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ؟! وَمَا الَّذِي تُرِيدُونَهُ مِنَّا؟.
فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:
إِنَّا وَاللَّهِ! مَا خَرَجْنَا؛ إِلَّا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ .
وَقَدْ عَهِدَ (٢) إِلَيْنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَلَّا تَكُونَ بُغْيَةُ (٣) أَحَدِنَا مِنَ الدُّنْيَا؛ إِلَّا مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا لَيْسَ بِنَعِيمٍ … وَإِنَّمَا النَّعِيمُ نَعِيمُ الْآخِرَةِ.
فَقَالَ لَهُ الْمُقَوْقَسُ:
قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، وَلَعَمْرِي مَا بَلَغْتُمُ الَّذِي بَلَغْتُمُوهُ إِلَّا بِمَا ذَكَرْتَ، وَمَا انْتَصَرْتُمْ عَلَى الَّذِينَ انْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ إِلَّا لِحُبِّهِمُ الدُّنْيَا وَكُرْهِكُمْ لَهَا …
غَيْرَ أَنَّ الرُّومَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَنْ تَقْوَوْا عَلَيْهِمْ؛ لِقِلَّتِكُمْ وَضِيقِ ذَاتِ يَدِكُمْ (٤). стр. 807
وَنَحْنُ تَطِيبُ أَنْفُسُنَا بِأَنْ نُعْطِيَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ دِينَارَيْنِ، وَلِأَمِيرِكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلِخَلِيفَتِكُمْ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَنْصَرِفُوا عَنَّا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ.
* * *
فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:
إِنَّ مَا تُخَوِّفُنَا بِهِ مِنْ كَثْرَةِ الرُّومِ؛ لَا يَصُدُّنَا عَنْ غَايَتِنَا، وَإِنَّنَا مُوقِنُونَ بِأَنَّنَا سَنَفُوزُ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: فَإِنْ ظَفِرْنَا بِكُمْ عَظُمَتْ لَنَا غَنِيمَةُ الدُّنْيَا، وَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِنَا عَظُمَتْ لَنَا غَنِيمَةُ الْآخِرَةِ …
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ؛ إِلَّا وَهْوَ يَدْعُو اللَّهَ بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ وَأَلَّا يَرُدُّهُ إِلَى أَهْلِهِ خَائِبًا … وَقَدِ اسْتَوْدَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
ثُمَّ عَرَضَ عَلَى الْمُقَوْقَسِ: الْإِسْلَامَ، أَوِ الْجِزْيَةَ (١)، أَوِ الْقِتَالَ.
فَأَبَى قَوْمُ الْمُقَوْقَسِ الْإِسْلَامَ، وَأَنِفُوا (٢) مِنْ دَفْعِ الْجِزْيَةِ …
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقِتَالُ.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ؛ عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اقْتِحَامِ الْحِصْنِ مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا …
فَقَامَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَقَالَ: إِنِّي أَهَبُ (٣) نَفْسِي لِلَّهِ ، وَأَخَذَ سُلَّمًا عَالِيَّا لِيَرْقَى بِهِ عَلَى جِدَارِ الْحِصْنِ، وَطَلَبَ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُكَبِّرُوا وَرَاءَهُ стр. 808
بِصَوْتٍ وَاحِدٍ إِذَا سَمِعُوا تَكْبِيرَهُ.
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ؛ حَتَّى كَانَ الْفَارِسُ الْمِغْوَارُ يَمْتَطِي أَسْوَارَ الْحِصْنِ وَهُوَ مُشْهِرٌ سَيْفَهُ، وَصَيْحَةُ "اللَّهُ أَكْبَرُ" تَنْطَلِقُ مُدَوِّيَةً مِنْ فَمِهِ …
فَانْطَلَقَتْ وَرَاءَهُ آلَافُ الْحَنَاجِرِ تُرَدِّدُ "اللَّهُ أَكْبَرُ"؛ فَزَلْزَلَ دَوِيُّهَا الْقُلُوبَ وَدَكَّ الْعَزَائِمَ.
وَأَلْقَى الزُّبَيْرُ بِنَفْسِهِ دَاخِلَ الْحِصْنِ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَعْمَلُوا السُّيُوفَ فِي رِقَابِ الرُّومِ الَّذِينَ أَذْهَلَتْهُمُ الْمُفَاجَأَةُ، وَفَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ فِي وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ.
فَتَدَفَّقَ عَلَيْهِ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ.
وَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ؛ كَتَبَ اللَّهُ فِيهَا لِجُنْدِهِ النَّصْرَ، وَضُمَّتْ إِلَى دَوْلَةِ الْقُرْآنِ لُؤْلُؤَةُ الدُّنْيَا مِصْرُ (*).
стр. 809
يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ
"كَانَ يَزِيدُ أَفْضَلَ بَنِي أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ الْخَيْر"
هَذَا فَتًى مِنْ أَرْفَعِ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعَزِّهِمْ أُمًّا وَأَبًا …
وَأَغْزَرِهِمْ حِجًى (١) وَأَكْمَلِهِمْ فَضْلًا …
مِمَّا جَعَلَ قَوْمَهُ يُلَقِّبُونَهُ بِيَزِيدِ الْخَيْرِ.
وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ الْخَيْرِ أَوْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ شَابًّا فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُرِ … وَكَانَ جَدِيرًا بِعَقْلِهِ الرَّاجِحِ (٢)، وَنَظَرِهِ الثَّاقِبِ (٣) أَنْ يَقُودَاهُ إِلَى الْإِسْلَام وَيُرْشِدَاهُ إِلَيْهِ؛ كَمَا أَرْشَدَا أُخْتَهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ (٤) …
وَلَكِنَّ الْفَتَى الْقُرَشِيَّ؛ ظَلَّ يَرْعَى لِوَالِدِهِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حُرْمَتَهُ؛ فَلَمْ يُسْلِمُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ عَامِ الْفَتْحِ.
* * *
سُرَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِإِسْلَامِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ؛ لِمَا كَانَ يَلْمَحُ فِيهِ مِنْ مَخَايِلِ (٥) الرُّجُولَةِ وَشَمَائِلِ الْمُرُوءَةِ (٦) …
وَلِمَا كَانَ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَتَحَقَّقَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. стр. 810
وَقَدْ بَالَغَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِكْرَامِهِ بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ؛ فَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الْفِضَّةِ؛ وَزَنَهَا لَهُ بِلَالٌ الْحَبَشِيُّ (١) وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.
* * *
وَلَمَّا آلَتِ (٢) الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ ﵁؛ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الْفَارِسُ الْأُمَوِيُّ مِنْ قُوَّةِ الشَّكِيمَةِ (٣)، وَصِدْقِ الْعَزِيمَةِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَعُمْقِ الْإِيمَانِ؛ فَقَرَّرَ أَنْ يَضَعَ هَذِهِ الطَّاقَاتِ الْفَذَّةَ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ …
لَكِنَّ الصِّدِّيقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ كَانَ يَخْشَى عَلَى الْفَتَى الْقُرَشِيِّ مِنْ نَزَوَاتِ الرِّئَاسَةِ، وَيَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ غُرُورِ (٤) الْقِيَادَةِ؛ فَاسْتَدْعَاهُ وَقَالَ لَهُ:
يَا يَزِيدُ … إِنَّكَ شَابٌّ تُذْكَرُ بِخَيْرٍ ظَهَرَ فِي فِعَالِكَ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَبْلُوَكَ (٥)؛ فَأَنْظُرْ كَيْفَ أَنْتَ؟ وَكَيْفَ وَلَايَتُكَ؟ …
فَإِنْ أَحْسَنْتَ زِدْتُكَ، وَإِنْ أَسَأْتَ عَزَلْتُكَ …
وَعَلَيْكَ يَا يَزِيدُ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ بَاطِنِكَ مِثْلَ الَّذِي يَرَى مِنْ ظَاهِرِكَ …
وَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى جُنْدِكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَابْدَأْهُمْ بِالْخَيْرِ، وَعِدْهُمْ إِيَّاهُ …
وَإِذَا وَعَظْتَهُمْ فَأَوْجِزْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ يُنْسِي بَعْضُهُ بَعْضًا … следующие страницы →