← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فَقَالُوا: هَذَا أَمِيرُنَا، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِأَلَّا نَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَأَلَّا نُخَالِفَ لَهُ أَمْرًا. فَقَالَ الْمُقَوْقَسُ لِعُبَادَةَ: تَقَدَّمْ إِلَيَّ أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكَلِّمْنِي بِرِفْقٍ؛ فَإِنِّي أَهَابُ (١) مَنْظَرَكَ. فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ: أَرَاكَ خِفْتَنِي؛ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَ أَصْحَابِي … وَفِيهِمْ أَلْفُ رَجُلٍ كُلُّهُمْ أَشَدُّ مِنِّي قُوَّةً وَهَوْلًا. فَقَالَ لَهُ الْمُقَوْقَسُ: مَا الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ؟! وَمَا الَّذِي تُرِيدُونَهُ مِنَّا؟. فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: إِنَّا وَاللَّهِ! مَا خَرَجْنَا؛ إِلَّا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ . وَقَدْ عَهِدَ (٢) إِلَيْنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَلَّا تَكُونَ بُغْيَةُ (٣) أَحَدِنَا مِنَ الدُّنْيَا؛ إِلَّا مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا لَيْسَ بِنَعِيمٍ … وَإِنَّمَا النَّعِيمُ نَعِيمُ الْآخِرَةِ. فَقَالَ لَهُ الْمُقَوْقَسُ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، وَلَعَمْرِي مَا بَلَغْتُمُ الَّذِي بَلَغْتُمُوهُ إِلَّا بِمَا ذَكَرْتَ، وَمَا انْتَصَرْتُمْ عَلَى الَّذِينَ انْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ إِلَّا لِحُبِّهِمُ الدُّنْيَا وَكُرْهِكُمْ لَهَا … غَيْرَ أَنَّ الرُّومَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَنْ تَقْوَوْا عَلَيْهِمْ؛ لِقِلَّتِكُمْ وَضِيقِ ذَاتِ يَدِكُمْ (٤).

стр. 807

وَنَحْنُ تَطِيبُ أَنْفُسُنَا بِأَنْ نُعْطِيَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ دِينَارَيْنِ، وَلِأَمِيرِكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلِخَلِيفَتِكُمْ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَنْصَرِفُوا عَنَّا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ. * * * فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: إِنَّ مَا تُخَوِّفُنَا بِهِ مِنْ كَثْرَةِ الرُّومِ؛ لَا يَصُدُّنَا عَنْ غَايَتِنَا، وَإِنَّنَا مُوقِنُونَ بِأَنَّنَا سَنَفُوزُ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: فَإِنْ ظَفِرْنَا بِكُمْ عَظُمَتْ لَنَا غَنِيمَةُ الدُّنْيَا، وَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِنَا عَظُمَتْ لَنَا غَنِيمَةُ الْآخِرَةِ … وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ؛ إِلَّا وَهْوَ يَدْعُو اللَّهَ بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ وَأَلَّا يَرُدُّهُ إِلَى أَهْلِهِ خَائِبًا … وَقَدِ اسْتَوْدَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ عَرَضَ عَلَى الْمُقَوْقَسِ: الْإِسْلَامَ، أَوِ الْجِزْيَةَ (١)، أَوِ الْقِتَالَ. فَأَبَى قَوْمُ الْمُقَوْقَسِ الْإِسْلَامَ، وَأَنِفُوا (٢) مِنْ دَفْعِ الْجِزْيَةِ … فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقِتَالُ. * * * عِنْدَ ذَلِكَ؛ عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اقْتِحَامِ الْحِصْنِ مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا … فَقَامَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَقَالَ: إِنِّي أَهَبُ (٣) نَفْسِي لِلَّهِ ، وَأَخَذَ سُلَّمًا عَالِيَّا لِيَرْقَى بِهِ عَلَى جِدَارِ الْحِصْنِ، وَطَلَبَ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُكَبِّرُوا وَرَاءَهُ

стр. 808

بِصَوْتٍ وَاحِدٍ إِذَا سَمِعُوا تَكْبِيرَهُ. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ؛ حَتَّى كَانَ الْفَارِسُ الْمِغْوَارُ يَمْتَطِي أَسْوَارَ الْحِصْنِ وَهُوَ مُشْهِرٌ سَيْفَهُ، وَصَيْحَةُ "اللَّهُ أَكْبَرُ" تَنْطَلِقُ مُدَوِّيَةً مِنْ فَمِهِ … فَانْطَلَقَتْ وَرَاءَهُ آلَافُ الْحَنَاجِرِ تُرَدِّدُ "اللَّهُ أَكْبَرُ"؛ فَزَلْزَلَ دَوِيُّهَا الْقُلُوبَ وَدَكَّ الْعَزَائِمَ. وَأَلْقَى الزُّبَيْرُ بِنَفْسِهِ دَاخِلَ الْحِصْنِ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَعْمَلُوا السُّيُوفَ فِي رِقَابِ الرُّومِ الَّذِينَ أَذْهَلَتْهُمُ الْمُفَاجَأَةُ، وَفَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ فِي وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ. فَتَدَفَّقَ عَلَيْهِ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ. وَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ؛ كَتَبَ اللَّهُ فِيهَا لِجُنْدِهِ النَّصْرَ، وَضُمَّتْ إِلَى دَوْلَةِ الْقُرْآنِ لُؤْلُؤَةُ الدُّنْيَا مِصْرُ (*).

стр. 809

يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ "كَانَ يَزِيدُ أَفْضَلَ بَنِي أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ الْخَيْر" هَذَا فَتًى مِنْ أَرْفَعِ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعَزِّهِمْ أُمًّا وَأَبًا … وَأَغْزَرِهِمْ حِجًى (١) وَأَكْمَلِهِمْ فَضْلًا … مِمَّا جَعَلَ قَوْمَهُ يُلَقِّبُونَهُ بِيَزِيدِ الْخَيْرِ. وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ الْخَيْرِ أَوْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ شَابًّا فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُرِ … وَكَانَ جَدِيرًا بِعَقْلِهِ الرَّاجِحِ (٢)، وَنَظَرِهِ الثَّاقِبِ (٣) أَنْ يَقُودَاهُ إِلَى الْإِسْلَام وَيُرْشِدَاهُ إِلَيْهِ؛ كَمَا أَرْشَدَا أُخْتَهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ (٤) … وَلَكِنَّ الْفَتَى الْقُرَشِيَّ؛ ظَلَّ يَرْعَى لِوَالِدِهِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حُرْمَتَهُ؛ فَلَمْ يُسْلِمُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ عَامِ الْفَتْحِ. * * * سُرَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِإِسْلَامِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ؛ لِمَا كَانَ يَلْمَحُ فِيهِ مِنْ مَخَايِلِ (٥) الرُّجُولَةِ وَشَمَائِلِ الْمُرُوءَةِ (٦) … وَلِمَا كَانَ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَتَحَقَّقَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.

стр. 810

وَقَدْ بَالَغَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِكْرَامِهِ بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ؛ فَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الْفِضَّةِ؛ وَزَنَهَا لَهُ بِلَالٌ الْحَبَشِيُّ (١) وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ. * * * وَلَمَّا آلَتِ (٢) الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ ﵁؛ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الْفَارِسُ الْأُمَوِيُّ مِنْ قُوَّةِ الشَّكِيمَةِ (٣)، وَصِدْقِ الْعَزِيمَةِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَعُمْقِ الْإِيمَانِ؛ فَقَرَّرَ أَنْ يَضَعَ هَذِهِ الطَّاقَاتِ الْفَذَّةَ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ … لَكِنَّ الصِّدِّيقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ كَانَ يَخْشَى عَلَى الْفَتَى الْقُرَشِيِّ مِنْ نَزَوَاتِ الرِّئَاسَةِ، وَيَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ غُرُورِ (٤) الْقِيَادَةِ؛ فَاسْتَدْعَاهُ وَقَالَ لَهُ: يَا يَزِيدُ … إِنَّكَ شَابٌّ تُذْكَرُ بِخَيْرٍ ظَهَرَ فِي فِعَالِكَ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَبْلُوَكَ (٥)؛ فَأَنْظُرْ كَيْفَ أَنْتَ؟ وَكَيْفَ وَلَايَتُكَ؟ … فَإِنْ أَحْسَنْتَ زِدْتُكَ، وَإِنْ أَسَأْتَ عَزَلْتُكَ … وَعَلَيْكَ يَا يَزِيدُ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ بَاطِنِكَ مِثْلَ الَّذِي يَرَى مِنْ ظَاهِرِكَ … وَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى جُنْدِكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَابْدَأْهُمْ بِالْخَيْرِ، وَعِدْهُمْ إِيَّاهُ … وَإِذَا وَعَظْتَهُمْ فَأَوْجِزْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ يُنْسِي بَعْضُهُ بَعْضًا …

стр. 811

وَأَصْلِحْ نَفْسَكَ يَصْلُحْ لَكَ النَّاسُ، وَصَلِّ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا؛ بِإِتْمَامِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَالتَّخَشُّعِ فِيهَا … * * * وَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رُسُلُ عَدُوِّكَ فَأَكْرِمْهُمْ، وَأَقْلِلْ لَبْثَهُمْ (١) عِنْدَكَ … حَتَى يَخْرُجُوا مِنْ عَسْكَرِكَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ، وَلَا تُرِيَنَّهُمْ فَيَرَوْا خَلَلَكَ (٢) وَيَعْلَمُوا عِلْمَكَ … وَأَنْزِلْهُمْ فِي ثَرْوَةِ (٣) عَسْكَرِكَ وَامْنَعْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ مُحَادَثَتِهِمْ، وَكُنْ أَنْتَ الْمُتَوَلِّيَ لِكَلَامِهِمْ، وَلَا تَجْعَلْ سِرَّكَ لِعَلَانِيَتِكَ فَيُخْلَطَ أَمْرُكَ … * * * ثُمَّ قَالَ لِيَزِيدَ: وَإِذَا اسْتَشَرْتَ؛ فَاصْدُقِ الْحَدِيثَ تُصْدَقِ الْمَشُورَةَ، وَلَا تَخْزِنْ (٤) عَنِ الْمُشِيرِ خَبَرَكَ؛ فَتُؤْتَى مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ … وَاسْمَرْ (٥) فِي اللَّيْلِ مَعَ أَصْحَابِكَ تَأْتِكَ الْأَخْبَارُ وَتَنْكَشِفْ عِنْدَكَ الْأَسْتَارُ … وَأَكْثِرْ حَرَسَكَ، وَبَدِّدْهُمْ (٦) فِي عَسْكَرِكَ، وَأَكْثِرْ مُفَاجَأَتَهُمْ فِي محَارِسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِكَ … فَمَنْ وَجَدْتَهُ غَفَلَ عَنْ مَحْرَسِهِ؛ فَأَحْسِنْ أَدَبَهُ وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِفْرَاطٍ …

стр. 812

وَأَعْقِبْ بَيْنَهُمْ بِاللَّيْلِ، وَاجْعَلِ النَّوْبَةَ الْأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الْأَخِيرَةِ؛ فَإِنَّهَا أَيْسَرُهُمَا لِقُرْبِهَا مِنَ النَّهَارِ … وَلَا تَخَفْ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا تَلُجَّنَّ (١) فِيهَا، وَلَا تُسْرِعْ إِلَيْهَا … وَلَا تَغْفُلْ عَنْ أَهْلِ عَسْكَرِكَ فَتُفْسِدَهُ، وَلَا تَتَجَسَّسْ عَلَيْهِمْ فَتَفْضَحَهُمْ، وَلَا تَكْشِفِ النَّاسَ عَنْ أَسْرَارِهِمْ، وَاكْتَفِ بِعَلَانِيَتِهِمْ … وَلَا تُجَالِسْ الْعَابِثِينَ (٢)، وَجَالِسْ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ، وَاصْدُقِ اللِّقَاءَ وَلَا تَجْبُنْ؛ فَيَجْبُنَ النَّاسُ. * * * ثُمَّ قَالَ لَهُ: هَذَا؛ وَإِنِّي أُوصِيكَ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ (٣) خَيْرًا؛ فَقَدْ عَرَفْتَ مَكَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) … فَاعْرِفْ لَهُ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ. وَانْظُرْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ (٤)؛ فَقَدْ عَرَفْتَ مَشَاهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ … فَلَا تَقَطَعْ أَمْرًا دُونَهُمَا، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَأْلُوَا (٥) بِكَ خَيْرًا. فَقَالَ يَزِيدُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؛ أَوْصِهِمَا بِي كَمَا أَوْصَيْتَنِي بِهِمَا.

стр. 813

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَنْ أَدَعَ أَنْ أُوصِيَهُمَا بِكَ. فَقَالَ يَزِيدُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَجَزَاكَ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا. * * * وَكَانَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَدْ عَزَمَ عَلَى إِنْفَاذِ جَيْشِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِغَزْوِ الرُّومِ؛ فَجَمَعَ جُمُوعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَحَشَدَ طَاقَاتِهِمْ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، وَقَسَّمَ الْجَيْشَ إِلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ، وَعَقَدَ لِوَاءَ فِرْقَةٍ مِنْهَا لِفَارِسِ بَنِي أُمَيَّةَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. * * * وَلَمَّا فَصَلَ الْجَيْشُ عَنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يُوَدِّعُ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَقَائِدَهُمُ الشَّابَّ … فَطَفِقَ الصِّدِّيقُ يَمْشِي، وَيَزِيدُ رَاكِبٌ؛ فَقَالَ يَزِيدُ لِلصِّدِّيقِ: أَتَمْشِي وَأَنَا رَاكِبٌ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟!. وَهَمَّ أَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْ جَوَادِهِ وَهْوَ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَنَا بِرَاكِبٍ وَلَا أَنْتَ بِنَازِلٍ … إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى يَزِيدَ وَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَحِلُّونَ بِلَادًا يُقَدَّمُ لَكُمْ فِيهَا أَصْنَافُ الطَّعَامِ؛ فَسَمُّوا اللَّهَ عَلَى أَوَّلِهِ، وَاحْمَدُوهُ عَلَى آخِرِهِ.

стр. 814

وَإِيَّاكُمْ وَالْأَشَرَ (١)، وَإِنِّي مُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ عَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا صَغِيرًا، وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا … وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخْرِبَنَّ بَيْتًا عَامِرًا … وَلَا تَعْقِرَنَّ (٢) شَاةً وَلَا بَعِيرًا؛ إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ … وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلًا، وَلَا تَعْذِقَنَّهُ (٣) … وَلَا تَغْلُلْ (٤)، وَلَا تَجْبُنْ. * * * وَلَمَّا نَزَلَتْ جُنُودُ الْمُسْلِمِينَ الْيَرْمُوكَ؛ بَعَثُوا إِلَى قَائِدِ جَيْشِ الرُّومِ: إِنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نُكَلِّمَكَ؛ فَأَذِنَ لَهُمْ … فَذَهَبَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ وُجُوهِ الصَّحَابَةِ؛ فَوَجَدُوهُ قَدْ رَفَعَ لِنَفْسِهِ وَلِحَاشِيَتِهِ ثَلَاثِينِ رُوَاقًا (٥)، وَثَلَاثِينَ سُرَادِقًا (٦)، كُلُّهَا مِنَ الدِّيبَاجِ (٧). فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا؛ أَبَى يَزِيدُ وَمَنْ مَعَهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّا لَا نَسْتَحِلُّ الْحَرِيرَ؛ فَاخْرُجْ إِلَيْنَا … فَنَزَلَ عِنْدَ رَغْبَتِهِمْ، وَحَدَّثُوهُ وَحَدَّثَهُمْ؛ فَلَمْ يَنْتَهُوا إِلَى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ الْتَقَتِ الْفِئَتَانِ عَلَى أَرْضِ الْيَرْمُوكِ:

стр. 815

فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مُسَلَّحَةٌ بِالْإِيمَانِ … وَفِئَةٌ كَثِيرَةٌ مُثْقَلَةٌ بِالْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ. فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ - وَكَانَ شَيْخًا فَانِيًا - عَلَى ابْنِهِ يَزِيدَ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ … عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَحْفُوفًا (١) بِالْقَتْلِ؛ فَكَيْفَ بِكَ وَبِأَشْبَاهِكَ مِمَّنْ وَلُوا أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ؟! … فَاتَّقِ اللَّهَ يَا بُنَيَّ، وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ بِأَرْغَبَ مِنْكَ فِي الْأَجْرِ وَالصَّبْرِ فِي الْحَرْبِ، وَلَا أَجْرَأَ عَلَى عَدُوِّ الْإِسْلَامِ مِنْكَ. فَقَالَ يَزِيدُ: أَفْعَلُ يَا أَبَتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ كَرَّ عَلَى جُنْدِ الرُّومِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ كَرَّةً أَزَاحَتْهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ. * * * وَكَانَ يَزِيدُ كُلَّمَا هَدَأَ أَوْ فَتَرَ؛ يَسْمَعُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسْنَةَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينِ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ … ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الشَّارُو أَنْفُسِهِمْ لِلَّهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ رَبِّهِمْ؟! … وَأَيْنَ الْمُشْتَاقُونَ إِلَى جِوَارِ اللَّهِ فِي دَارِهِ؟!. فَكَانَ كُلَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ حَمِي وَاشْتَدَّ؛ حَتَّى كَتَبَ اللَّهُ لِجُنْدِهِ النَّصْرَ فِي أَكْبَرِ مَعْرَكَةٍ فَاصِلَةٍ عَرَفَهَا تَارِيخُ الْإِسْلَامِ …

стр. 816

إِذْ لَمْ تَقُمْ بَعْدَهَا لِلرُّومِ قَائِمَةٌ فِي دِيَارِ الشَّامِ. * * * ظَلَّ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يُتَابِعُ انْتِصَارَاتِهِ فِي مَيَادِينِ الْجِهَادِ؛ حَتَّى كَانَ أَحَدَ الْقَادَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ دِمَشْقَ. ثُمَّ تَابَعَ الْفَارِسُ الْأُمَوِيُّ جِهَادَهُ؛ حَتَّى فَتَحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْرُوتَ، وَصَيْدَاءَ، وَمَا جَاوَرَهُمَا مِنْ قُرَى لُبْنَانَ (*).

стр. 817

الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ "هَذَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَجْوَدُ قُرَيْشٍ كَفًّا، وَأَوْصَلُهَا رَحِمًا" [مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] تَنَاهَى (١) إِلَى زَعِيمِ قُرَيْشٍ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ؛ أَنَّ هُنَاكَ امْرَأَةً ذَاتَ عَقْلٍ وَجَمَالٍ مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ رَبِيعَةَ تُدْعَى "نُتَيْلَةَ" … فَسَعَى إِلَيْهَا وَخَطَبَهَا لِنَفْسِهِ، وَبَنَى بِهَا … فَوَلَدَتْ لَهُ طِفْلًا قَسِيمًا وَسِيمًا؛ بَهِيَّ الطَّلْعَةِ … فَفَرِحَ بِهِ أَشَدَّ الْفَرَحِ، ثُمَّ دَعَاهُ الْعَبَّاسَ. وَلَمْ يَمْضِ عَلَى فَرْحَةِ شَيْخِ مَكَّةَ غَيْرُ سَنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ؛ حَتَّى أُتِيحَ لِبَيْتِهِ أَنْ تَغْمُرَهُ الْفَرْحَةُ مِنْ جَدِيدٍ … فَقَدْ وُلِدَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ؛ مَوْلُودٌ يُضَارِعُ (٢) الْعَبَّاسَ فِي إِشْرَاقِ الْوَجْهِ وَرَوْعَةِ الْمُجْتَلَى (٣)؛ فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ … فَقَدْ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا؛ لِيُشَارِكَهُ الْفَرْحَةَ بِهِ، ثُمَّ دَعَاهُ مُحَمَّدًا. * * * نَشَأَ مُحَمَّدٌ وَالْعَبَّاسُ فِي كَنَفِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ إِلَّا أَنَّهُمَا أَخَوَانِ؛ يَغْدُوَانِ مَعًا وَيَرُوحَانِ مَعًا، وَيَأْكُلَانِ مِنْ جَفْنَةٍ (٤) وَاحِدَةٍ، وَيَلْعَبَانِ فِي مَلْعَبٍ وَاحِدٍ. وَلَمَّا بَلَغَ الْعَبَّاسُ الْعَاشِرَةَ مِنْ عُمُرِهِ؛ تُوُفِّيَ أَبُوهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؛

стр. 818

فَفُجِعَتْ (١) بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا وَجَزَعَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا … لَكِنَّ الْغُلَامَيْنِ الْعَبَّاسَ وَمُحَمَّدًا؛ كَانَا أَشَدَّ النَّاسِ جَزَعًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا ذَاقَا طَعْمَ الْيُتْمِ بِفَقْدِهِ. * * * وَلَمَّا قُسِّمَتِ الْمَنَاصِبُ الْمَنُوطَةُ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَبْنَائِهِ؛ جَعَلَتْ قُرَيْشٌ لِابْنِهِ الْعَبَّاسِ سِقَايَةَ الْحَاجِّ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صِغَرِ سِنِّهِ؛ وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَتَوَسَّمُونَهُ (٢) فِيهِ مِنَ النَّجَابَةِ، وَمَا يَتَوَقَّعُونَهُ لَهُ مِنَ السِّيَادَةِ. * * * وَطَفِقَ الْفَتَيَانِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَنْمُوَانِ؛ فَإِذَا هُمَا شَابَّانِ مَوْفُورَا الشَّبَابِ، وَإِذَا فَوَارِقُ السِّنِّ بَيْنَهُمَا تَزُولُ … حَتَّى إِنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهِمَا كَانَ يَحْسَبُهُمَا تَوْأَمَيْنِ … وَلَقَدْ سَأَلَ أَحَدُهُمُ الْعَبَّاسَ ذَاتَ مَرَّةٍ؛ بَعْدَ إِسْلَامِهِ: أَأَنْتَ أَكْبَرُ؟ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟. فَقَالَ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي؛ وَلَكِنَّ سِنِّي تَزيدُ عَلَى سِنِّهِ سَنَتَيْنِ. * * * وَعَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْعُمُرِ؛ أَكْرَمَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِالرِّسَالَةِ، وَبَعَثَهُ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ … وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَبَّاسِ؟!. فَهْوَ تِرْبُهُ (٣) الْأَثِيرُ، وَصَدِيقُهُ الْحَمِيمُ، وَعَمُّهُ أَخُو أَبِيهِ.

стр. 819

لَكِنَّ الْعَبَّاسَ الَّذِي وَرِثَ عَنْ أَبِيهِ السِّيَادَةَ فِي قَوْمِهِ، وَأُنِيطَتْ بِهِ (١) سِقَايَةُ الْحَاجِّ - وَهْوَ مَنْصِبٌ يَتَنَافَسُ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ - كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَتَنَكَّرَ لِقَوْمِهِ، وَيَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَسْتَبْقِيَ زَعَامَتَهُ فِيهِمْ … فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ظَلَّ يُنْزِلُ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ نَفْسِهِ مَنْزِلَةَ الْأَخِ مِنْ أَخِيهِ، وَالْحَمِيمِ مِنْ حَمِيمِهِ؛ فَيَدْفَعُ عَنْهُ الْأَذَى، وَيَحْتَرِسُ (٢) لَهُ أَشَدَّ الاِحْتِرَاسِ. * * * مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ لَمَّا الْتَقَى الرَّسُولُ ﵊ مَعَ وُفُودِ الْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ؛ كَانَ مَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَهُوَ مَا يَزَالُ عَلَى الشِّرْكِ. وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ؛ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ؛ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مثلِ رَأْيِنَا فِيهِ … فَهْوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ (٣) فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَنْحَازَ (٤) إِلَيْكُمْ وَيَلْحَقَ بِكُمْ … فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ؛ فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ … وَإِنْ كُنتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ؛ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ؛ فَإِنَّهُ في عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. فَقَالَ الْأَنْصَارُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ.

стр. 820

ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى الرَّسُولِ ﵊ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ خُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مِنَ الْبَيْعَةِ مَا أَحْبَبْتَ … وَلَمَّا تَمَّتِ الْبَيْعَةُ؛ عَادَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ إِلَى مَكَّةَ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ. * * * وَلَمَّا عَزَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ كَرِهَ الْعَبَّاسُ أَنْ يُشَارِكَهَا قِتَالَ ابْنِ أَخِيهِ … لَكِنَّ زَعَامَتَهُ فِي قَوْمِهِ حَمَلَتْهُ عَلَى مُشَارَكَتِهَا فِي ذَلِكَ حَمْلًا، وَجَعَلَتْهُ أَحَدَ الرِّجَالِ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ تَكَفَّلُوا بِإِطْعَامِ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ خِلَالَ الْغَزْوَةِ. * * * لَكِنَّ الرَّسُولَ ﵇ لَمْ يَنْسَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ نُصْرَتَهُ لَهُ وَمُؤَازَرَتَهُ (١) إِيَّاهُ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (مَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ (٢) فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَا يَقْتُلْهُ؛ فَإِنَّهُمَا قَدْ خَرَجًا مُكْرَهَيْنِ). * * * وَلَمَّا كَتَبَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ النَّصْرَ فِي بَدْرٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ قُتِلَ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ … كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى الَّذِينَ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ … وَكَانَ الَّذِي أَسَرَهُ؛ رَجُلًا ضَئِيلَ الْجِسْمِ ضَعِيفَ الْبِنْيَةِ؛ يُكْنَى بِأَبِي

стр. 821

الْيُسْرِ (١) … أَمَّا الْعَبَّاسُ فَكَانَ ضَخْمًا طِوَالًا كَالْجَمَلِ الْأَوْرَقِ (٢). وَلَمَّا عَادَ الْعَبَّاسُ إِلَى مَكَّةَ عَجِبَ أَوْلَادُهُ مِنْ أَمْرِ أَسْرِهِ؛ فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: يا أَبَانَا؛ كَيْف أَسَرَكَ أَبُو الْيُسْرِ، وَأَنْتَ لَوْ شِئْتَ لَجَعَلْتَهُ فِي كُمِّ قَمِيصِكَ؟. فَقَالَ: - وَاللَّهِ - يَا بَنِيَّ؛ إِنَّهُ حِينَ وَثَبَ عَلَيَّ؛ كَانَ فِي عَيْنِي أَعْظَمَ مِنَ الْفِيلِ … وَلَمَّا قَبَضَ عَلَى ذِرَاعِي بِكَفِّهِ الصَّغِيرَةِ الْمَعْرُوقَةِ (٣)؛ ظَنَنْتَ أَنَّ الدَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَقْطُرَ مِنْ أَظَافِرِي … ثُمَّ إِنَّهُ لَوَى يَدِي؛ فَجَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِي … ثُمَّ أَخَذَ الْأُخْرَى فَضَمَّهَا إِلَى أُخْتِهَا؛ وَشَدَّهُمَا بِحَبْلٍ … وَأَنَا مُسْتَخْزٍ (٤) لَا أَمْنَعُ نَفْسِي مِنْهُ وَلَا أُقَاوِمُهُ. * * * بَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْلَتَهُ الْأُولَى فِي مُعَسْكَرِ الْأَسْرَى قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَجَعَلَ يَئِنُّ أَنِينًا عَمِيقًا مُتَوَاصِلًا. فَلَمَّا بَلَغَ أَنِينُهُ مَسَامِعَ النَّبِيِّ ﵊ أَرِقَ؛ وَبَدَتْ عَلَى وَجْهِهِ مَلَامِحُ الْحُزْنِ؛ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَمَا يُحْزِنُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! جُعِلْنَا فِدَاكَ. فَقَالَ: (أَنِينُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) …

стр. 822

عِنْدَئِذٍ؛ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ … فَوَجَدَ أَنَّ وِثَاقَهُ قَدْ شُدَّ عَلَيْهِ شَدًّا قَاسِيًا؛ فَأَرْخَاهُ لَهُ؛ فَسَكَتَ … فَأَثَارَ سُكُوتُهُ مَخَاوِفَ الرَّسُولِ ﵊ وَقَالَ: (مَا لِي لَا أَسْمَعُ أَنِينَ الْعَبَّاسِ؟!). فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا أَرْخَيْتُ وِثَاقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: (فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْأَسْرَى كُلِّهِمْ). * * * ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ ﵊ جَعَلَ يَأْخُذُ مِنَ الْأَسْرَى الْفِدَاءَ؛ فَلَمَّا أُتِيَ لَهُ بِعَمِّهِ؛ جَعَلَ الْعَبَّاسُ يَعْتَذِرُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا مَالَ عِنْدَهُ … فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: (فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ عِنْدَ زَوْجَتِكَ أُمِّ الْفَضْلِ، وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا، وَلِعُبَيْدِ اللَّهِ كَذَا؟!) … فَبُهِتَ (١) الْعَبَّاسُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَبَدًا إِلَّا اللَّهُ. * * * وَفِي يَوْمِ أُحُدٍ … أَبَى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﵊؛ بَلْ إِنَّهُ أَرْسَلَ يُخْبِرُهُ بِعَزْمِ قُرَيْشٍ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ …

стр. 823

فَكَانَ لِذَلِكَ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِعْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَتَأَهُّبِهِمْ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ. * * * مَضَتْ عِشْرُونَ سَنَةً عَلَى دَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَعَمُّهُ الْعَبَّاسُ لَا يَزَالُ عَلَى الشِّرْكِ. وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ؛ جَلَسَ الْعَبَّاسُ مَعَ زَوْجِهِ أُمِّ الْفَضْلِ يُعَدِّدَانِ شَمَائِلَ الرَّسُولِ ﷺ الْكَرِيمَةَ، وَيَذْكُرَانِ صِفَاتِهِ النَّبِيلَةَ، وَيَسْتَعِيدَانِ قِصَّةَ مَعْرِفَتِهِ لِلْمَالِ الَّذِي أَوْدَعَهُ مَعَهَا فِي نَجْوَةٍ (١) مِنَ النَّاسِ جَمِيعًا … فَمَا لَبِثَ أَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ يَقُولُ لِزَوْجِهِ: مَا بَالُنَا يَا أُمَّ الْفَضْلِ … مَا لَنَا لَا نُسْلِمُ؟!. فَهَشَّتْ (٢) أُمُّ الْفَضْلِ لِكَلِمَتِهِ هَذِهِ وَبَشَّتْ، وَكَأَنَّمَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ … وَفِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَاتٍ؛ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَعَدَّ رَاحِلَتَيْنِ لَهُ وَلِزَوْجِهِ، وَمَضَيَا مَعًا نَحْوَ الْمَدِينَةِ؛ مُهَاجِرَيْنِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . * * * وَلَمَّا بَلَغَ الْعَبَّاسُ وَزَوْجُهُ الْجَحْفَةَ (٣)؛ فُوجِئَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُودُ جَيْشًا جَرَّارًا لِفَتْحِ مَكَّةَ … وَفُوجِئَ بِهِمَا الرَّسُولُ ﵊ أَيْضًا … فَقَدْ كَانَ لِقَاءً عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.

стр. 824

وَبَادَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَمَّهُ قَائِلًا: (مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ يَا عَمِّ)؟. فَقَالَ: الرَّغْبَةُ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَأَعْلَنَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَدَخَلَا فِي دِينِ اللَّهِ … بَعْدَ طُولِ جُمُوحٍ (١). فَمَا إِنْ سَمِعَ الرَّسُولُ ﷺ عَمَّهُ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ حَتَّى فَاضَتْ دُمُوعُ الْفَرَحِ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: (هِجْرَتُكَ يَا عَمِّ آخِرُ هِجْرَةٍ، كَمَا أَنَّ نُبُوَّتِي آخِرُ نُبُوَّةٍ). * * * مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَزَمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْأَجْرِ؛ فَوَضَعَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﷺ . فَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ؛ لَمَّا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَتَخَلَّوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَقَفَ إِلَى جَانِبِهِ وَقْفَةَ الْأَسَدِ الْهَصُورِ (٢) … فَامْتَشَقَ السَّيْفَ (٣) بِيَمِينِهِ وَأَمْسَكَ بِزِمَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَسَارِهِ، وَظَلَّ يُنَافِحُ (٤) عَنْهُ مَعَ نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ حَتَّى كَتَبَ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمُ النَّصْرَ. وَيَوْمَ عَزَمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى إِنْفَاذِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ؛ دَعَا أَصْحَابَهُ لِلْعَطَاءِ وَالْبَذْلِ؛ فَجَاءَهُ الْعَبَّاسُ، وَصَبَّ الْمَالَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبًّا. * * *

стр. 825

وَلَمَّا لَحِقَ النَّبِيُّ ﵊ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى خَلِيفَتَيْهِ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ ظَلَّ الْعَبَّاسُ لَهُمَا نِعْمَ الْمُشِيرُ وَالنَّصِيرُ. وَظَلَّا هُمَا يُجِلَّانِهِ وَيُعَظِّمَانِهِ إِقْرَارًا بِفَضْلِهِ، وَوَفَاءً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ. مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ اشْتَدَّ الْقَحْطُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ (١)؛ فَجَفَّ الضَّرْعُ وَيَبِسَ الزَّرْعُ، وَغَدَتِ السَّمَاءُ وَكَأَنَّهَا بُنِيَتْ مِنْ نَحَاسٍ … خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ (٢) … فَلَمْ يُسْقَوْا … وَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ؛ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ … فَقَالَ لِجَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَأَسْتَسْقِيَنَّ غَدًا بِمَنْ يَسْقِينَا اللَّهُ بِهِ إِذَا شَاءَ. فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ؛ مَضَى إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ غَدَا شَيْخًا كَبِيرًا؛ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ اخْرُجْ مَعَنَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا عَلَى يَدَيْكَ … * * * خَرَجَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ؛ خَاشِعًا خَاضِعًا مُخْبِتًا لِلَّهِ (٣)، وَكَانَ أَمَامَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ الْحَسَنُ، وَعَنْ

стр. 826

شِمَالِهِ الْحُسَيْنُ، وَمِنْ خَلْفِهِ جُمُوعُ الْمُسْلِمِينَ … فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ … ثُمَّ أَخَذَ عُمَرُ بِيَدَي عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدُمُوعُهُ تُبَلِّلُ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: ادْعُ لَنَا يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَرَفَعَ الْعَبَّاسُ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ … وَأَخَذَ يَجْأَرُ إِلَى اللَّهِ (١) بِصَالِحِ الدُّعَاءِ، وَخَالِصِ الرَّجَاءِ … وَالنَّاسُ يُؤَمِّنُونَ مِنْ وَرَائِهِ ضَارِعِينَ مُنْتَجِبِينَ … فَمَا كَادَ يُتِمُّ دُعَاءَهُ … حَتَّى تَلَبَّدَتِ الْأَجْوَاءُ بِالْغُيُومِ الدُّكْنِ، وَأَرْسَلَتِ السَّمَاءُ غَيْثًا عَلَى الْأَرْضِ مِدْرَارًا. وَأَزَالَ اللَّهُ عَن الْمُسْلِمِينَ الْغُمَّةَ، وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْكَرْبَ … وَسُقِيَ النَّاسُ عَلَى يَدَيْ سَاقِي الْحَجِيجِ؛ ﵁ وَأَرْضَاهُ (*).

стр. 827

أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ النَّجَّارِيُّ "وَرَدَ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ حَدِيثٌ شَرِيفٌ، وَنَزَلَ فِي حَقِّهِ قُرْآنٌ كَرِيمٌ" أَرَأَيْتَ ذَلِكَ الْكَوْكَبَ الَّذِي مَا كَادَ يَلْمَعُ فِي سَمَاءِ الْإِسْلَامِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى غَيَّبَتْهُ يَدُ الرَّدَى (١)؛ وَهْوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ تَأَلُّقًا (٢) وَازْدِهَارًا. فَلَقَدْ نَمَتْهُ (٣) أُسْرَةٌ مِنْ أَعْرَقِ الْأُسرِ الْعَرَبِيَّةِ حَسَبًا … وَأَكْرَمِهَا أُمًّا وَأَبًا … وَأَوْفَاهَا بِرًّا بِالْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ … وَأَكْثَرِهَا نُصْحًا لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ … ذَلِكُمْ هُوَ الصَّحَابِيُّ الْأَثِيرُ الشَّهِيدُ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ النَّجَّارِيُّ. * * * وَحَسْبُ (٤) أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ مَجَادَةً، وَكَرَامَةً وَعِزَّا؛ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ شَرِيفٌ؛ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ … وَنَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ كَرِيمٌ؛ يَتْلُوهُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَيُصَلِّي بِهِ الْمُتَعَبِّدُونَ آنَاءَ اللَّيْلِ (٥) وَأَطْرَافَ النَّهَارِ … أَفَبَعْدَ هَذَا الْفَخَارِ مِنْ فَخْرٍ تَتَطَاوَلُ إِلَيْهِ أَعْنَاقُ الطَّامِحِينَ …

стр. 828

أَوْ تَهْفُو إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الْمُتَطَلِّعِينَ. وَهَلْ فَوْقَ هَذَا السُّؤْدَدِ (١) سُؤْدَدٌ يَسْعَى إِلَيْهِ ذَوُو الْأَحْسَابِ؟. وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ قِصَّةٌ مِنْ رَوَائِعِ الْقَصَصِ. وَلِلْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ بِحَقِّهِ قِصَّةٌ تَفُوقُ الْقِصَّةَ السَّابِقَةَ. * * * أَمَّا قِصَّةُ الْحَدِيثِ: فَهْيَ أَنَّهُ كَانَتْ لِأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ أُخْتٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ … مَرْمُوقَةُ (٢) الْمَنْزِلَةِ فِي قَوْمِهَا. وَهْيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ؛ الْمُكَنَّاةُ بِأُمِّ حَارِثَةَ. وَكَانَ لِأُمِّ حَارِثَةَ هَذِهِ ابْنٌ فِي مَيْعَةِ (٣) الصِّبَا وَرَوْنَقِ (٤) الشَّبَابِ؛ قَدْ كَمُلَ عَقْلًا … وَحَلَا مَعْشَرًا … وَسَمَا خُلُقًا وَدِينًا … رَآهُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قُبَيْلَ بَدْرٍ؛ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فِي حَنَانٍ وَرِفْقٍ وَقَالَ لَهُ: (كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟). فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ حَقًّا … فَقَالَ ﷺ لَهُ: (انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا حَارِثَةُ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً) …

стр. 829

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَقَدْ عَزَفَتْ (١) نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا … فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي بِالْقِيَامِ … وَأَطْمَأْتُ نَهَارِي بِالصِّيَامِ … وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَلَظَّوْنَ بِنَارِهَا، وَيَتَعَاوَوْنَ (٢) فِي جَحِيمِهَا … ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لي بِالشَّهَادَةِ؛ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ بِهَا. * * * لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ اللِّقَاءِ بَيْنَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ فَتَى الْفِتْيَانِ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى وَقَعَتْ بَدْرٌ … وَنُودِيَ بِالْخَيْلِ (٣) … فَكَانَ حَارِثَةُ أَوَّلَ فَارِسٍ رَكِبَ … وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ اسْتُشْهِدَ … فَجَزِعَتْ (٤) عَلَيْهِ أُمُّهُ الشَّيْخَةُ الثَّكْلَى (٥) أَشَدَّ الْجَزَعِ … وَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﵊، وَقَالَتْ: إِنْ يَكُنْ حَارِثَةُ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ لِفَقْدِهِ، وَلَمْ أَحْزَنْ لِثُكْلِهِ … وَإِنْ يَكُنْ فِي النَّارِ؛ بَكَيْتُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَتْ لِي عُيُونٌ تَذْرِفُ (٦)، وَفُؤَادٌ يَتَحَرَّقُ.

стр. 830

فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ: (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ وَاحِدَةٍ يَا أُمَّ حَارِثَةَ … وَلَكِنَّهَا جِنَانٌ … وَإِنَّ حَارِثَةَ فِي الْفِرْدَوْسِ (١) الْأَعْلَى) … فَرَجَعَتِ الْعَجُوزُ الْوَقُورُ الثَّاكِلُ إِلَى بَيْتِهَا، وَجَعَلَتْ تُكَفْكِفُ (٢) عَبَرَاتِهَا … وَتُكَتِّمُ لَوْعَاتِهَا … وَتُصَبِّرُ نَفْسَهَا … وَتَتَعَزَّى بِمُوَاسَاةِ النَّاسِ لَهَا … * * * وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّيِّدَةُ النَّجَّارِيَّةُ تَذُوقُ مِنْ مَرَارَةِ الْمُعَانَاةِ مَا تَذُوقُ، وَتُعَانِي مِنْ تَوَفُّزِ (٣) الْمَشَاعِرِ مَا تُعَانِي؛ اسْتَثَارَتْهَا (٤) جَارِيَةٌ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ. فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ لَطَمَتْهَا لَطْمَةً كَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا (٥). ثُمَّ نَدِمَتْ عَلَى مَا فَعَلَتْ أَشَدَّ النَّدَمِ … وَلَقَدْ تَقَدَّمَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ مِنْ أَهْلِ الْجَارِيَةِ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْفِدْيَةَ (٦)؛ فَأَبَوْهَا … فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ وُجُوهُ الْقَوْمِ يَرْجُونَهُمُ الصَّفْحَ فَرَدُّوهُمْ، وَأَصَرُّوا عَلَى أَنْ

стр. 831

يَشْكُوهَا إِلَى النَّبِيِّ ﵊. فَلَمَّا شَكَوْهَا إِلَيْهِ؛ قَضَى بِالْقِصَاصِ مِنْهَا تَنْفِيذًا لِحُكْمِ اللَّهِ … وَمُسَاوَاةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ … فَذُهِلَ (١) أَخُوهَا أَنَسٌ لِمَا سَمِعَ، وَقَالَ: أَوَ تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ أُمِّ حَارِثَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!! … وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ!. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: (يَا أَنَسُ إِنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ يَقْضِي بِذَلِكَ). وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَوَّهَ أَنَسٌ بِكَلِمَةٍ؛ نَظَرَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ إِلَى أَهْلِ الْجَارِيَةِ الْمُتَصَلِّبِينَ الْمُتَعَصِّبِينَ؛ فَإِذَا هُمْ أَلْيَنُ مِنَ الْعِهْنِ (٢) الْمَنْفُوشِ، وَأَنْعَمُ مِنَ الْحَرِيرِ الطَّرِيِّ … وَإِذَا بِهِمْ؛ وَكَأَنَّ قُوَّةً خَفِيَّةً تَدْفَعُهُمْ دَفْعًا إِلَى غَيْرِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ. فَأَقْبَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: نَعَمْ … لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ … نَعَمْ؛ لَا تُكْسَرُ … لَقَدْ عَفَوْنَا عَنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ … لَقَدْ صَفَحْنَا عَنْهَا يَا أَكْرَمَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ … فَنَظَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ فِي رِفْق

стр. 832

وَإِعْجَاب، وَقَالَ: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ (١)). * * * تِلْكُمْ قِصَّةُ الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ. أَمَّا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ؛ فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ … ذَلِكَ أَنَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ لِسَبَبٍ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ دَفْعُهُ. فَشَقَّ عَلَيْهِ أَلَّا يَشْهَدَ مَعَ الرَّسُولِ ﵊ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ. وَأَهَمَّهُ ذَلِكَ الْأَمْرُ وَأَغَمَّهُ (٢)؛ فَجَعَلَ يَلُومُ نَفْسَهُ، وَيَقُولُ: وَيْحَكَ يَا أَنَسُ! … أَتَغِيبُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ الرَّسُولُ ﵊؟!. هَلْ أَنْتَ ضَامِنٌ بِأَنْ يَمْتَدَّ بِكَ الْعُمُرُ حَتَّى تَشْهَدَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُعَادِلُ بَدْرًا فِي الذُّخْرِ (٣) وَالْأَجْرِ؟!!. وَاللَّهِ! لَئِنْ أَكْرَمَنِي رَبِّي بِيَوْمٍ أَلْقَى فِيهِ الْمُشْرِكِينَ؛ لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ. وَلَقَدْ هَمَّ أَنَسٌ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا آخَرَ؛ لَوْلَا أَنَّهُ هَابَ ذَلِكَ فَسَكَتَ. * * * لَمْ يَمْضِ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى قَامَتْ أُحُدٌ …

стр. 833

وَأُحُدٌ يَوْمٌ قَاسٍ مِنْ أَيَّامِ الْمُسْلِمِينَ؛ مَحَّصَ (١) اللَّهُ فِيهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ. وَأَبْرَزَ فِي سَاحَاتِهِ الْأَبْطَالَ الْغُرَّ (٢) الْمَيَامِينَ مِنْ طُلَّابِ الشَّهَادَةِ، وَأَبْنَاءِ الْفَرَادِيسِ (٣). وَقَدْ لَقِيَ فِيهِ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّنْكِ (٤) وَالْأَذَى مَا لَقِيَ. فَرُمِيَ بِالْحِجَارَةِ … وَأُلْقِيَ فِي الْحُفْرَةِ … وَشُجَّ (٥) وَجْهُهُ … وَكُلِمَتْ (٦) شَفَتُهُ … وَسَالَ دَمُهُ … وَأَرْجَفَ (٧) الْمُرْجِفُونَ أَنَّهُ قُتِلَ … وَصَدَّقَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ الْمُجَاهِدِينَ مَعَهُ مَا ذَاعَ عَنْهُ وَشَاعَ … * * * عِنْدَ ذَلِكَ؛ وَجَدَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَنَّ الْفُرْصَةَ غَدَتْ سَانِحَةً لِلْوَفَاءِ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ. فَاطَّلَعَ عَلَى سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدِ انْكَشَفُوا عَنْ

стр. 834

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَدَّقَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ يَقْصِدُونَ (١) قَصْدَهُ لِيَقْتُلُوهُ، ويُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِحَدِّ السُّيُوفِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ [يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ الْفَارِّينَ مِنْ سَاحَة الْقِتَال]. وَأَبْرَأُ (٢) إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ [يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الْمُهَاجِمِينَ]. ثُمَّ أَلْفَى (٣) عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرِيبًا وَهُوَ مُضْطَرِبٌ قَلِقٌ؛ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَا عُمَرُ؟. فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا قُتِلَ … فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ … ثُمَّ سَلَّ سَيْفَهُ … وَكَسَرَ غِمْدَهُ (٤) … وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي خِضَمِّ (٥) الْمَعْرَكَةِ غَيْرَ مُرْتَابٍ، وَلَا هَيَّابٍ (٦). وَبَيْنَمَا هُوَ مُنْدَفِعٌ إِلَى لِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ رَأَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (٧) قَرِيبًا مِنْهُ … فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ: الْجَنَّةُ يَا سَعْدُ الْجَنَّةُ … وَرَبِّ النَّضْرِ! إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ …

стр. 835

ثُمَّ مَضَى لَا يَلْوِي عَلَى شَيْء. قَالَ سَعْدٌ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِهِ، وَأَنْ أَسْلك سَبِيله، وَأَفْعَلَ فِعْلَهُ … غَيْرَ أَنِّي مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَعْزم عَلَى مَا عَزَمَ، وَأَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ … * * * ثُمَّ انْجَلَتِ (١) الْمَعْرَكَةُ، وَإِذَا بِأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ قَدْ ثَوَى (٢) شَهِيدًا عَلَى أَرْضِ أُحُدٍ … وَفِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ … أَوْ طَعْنَةً بِالرُّمْحِ … أَوْ رَمْيَةً بِالسَّهْمِ … وَقَدْ بَلَغَ مِنْ كَيْدِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ أَنَّهُمْ مَثَّلُوا (٣) بِهِ مَيِّتًا؛ مُثْلَةً قَضَتْ عَلَى مَعَالِمِهِ … فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ أُمُّ حَارِثَةَ … وَإِنَّمَا عَرَفَتْهُ مِنْ بَنَانِهِ … * * * وَلَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ النَّجَّارِيَّ؛ فَأَنْزَلَ فِيهِ قُرْآنًا؛ تَلَاهُ الْمُسْلِمُونَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ … وَسَيَظَلُّ يُتْلَى إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا …

стр. 836

لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١) … (*).

стр. 837

الكتاب الثالث عشر رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ الطَّائِيُّ "دَاهِيَةَ الصَّحْرَاءِ" "رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ أَهْدَى بَدَوِيٍّ بِرِمَالِ الصَّحْرَاءِ، وَأَدَلُّ النَّاسِ عَلَى طُرُقِهَا" [الْمُؤَرِّخُونَ] هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ (١) رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ الطَّائِيِّ دَاهِيَةِ الصَّحْرَاءِ، وَفَاتِكِهَا الْكَبِيرِ؟! … لَقَدْ طَلَعَ الْإِسْلَامُ عَلَى رَافِعٍ فَلَمْ يُلْقِ إِلَيْهِ بَالًا، وَلَمْ يُعِرْهُ أَيَّ الْتِفَاتَةٍ … ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا عَنْهُ بِالْإِغَارَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَاسْتِلَابِ كَرَائِمِ (٢) إِبِلِهِمْ … وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ رَافِعًا كَانَ زَعِيمَ قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ سَرِيَّةٌ (٣) يَغْزُو بِهَا، أَوْ عُصْبَةٌ (٤) تَشُدُّ أَزْرَهُ. لَمْ يَكُنْ رَافِعٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا كَانَ بَدَوِيًّا مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحْرَاءِ كَوَّنَ لِنَفْسِهِ جَيْشًا مِنْ نَفْسِهِ … وَجَعَلَ يَشُنُّ غَارَاتِهِ عَلَى بُيُوتِ الْعَرَبِ؛ وَحِيدًا فَرِيدًا … وَيَرْزَأُ (٥) النَّاسَ بِأَعَزِّ مَا يَمْلِكُونَهُ، ثُمَّ يَعُودُ سَالِمًا غَانِمًا مَوْفُورًا (٦). * * * وَقَدْ تَقُولُ: أَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأَحْيَاءِ الَّتِي يُغِيرُ عَلَيْهَا رَافِعٌ؛ أَبْطَالٌ أَنْجَادٌ (٧) قَادِرُونَ عَلَى مُطَارَدَةِ هَذَا الْفَاتِكِ، وَاسْتِنْقَاذِ كَرَائِمِ إِبِلِهِمْ مِنْهُ،

стр. 838

وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِ؟! … بَلَى إِنَّهُ كَانَ فِي أَبْنَاءِ الصَّحْرَاءِ مَنْ لَا يَقِلُّونَ عَنْ رَافِعٍ شَجَاعَةً وَجُرْأَةً وَإِقْدَامًا … وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مَنْ يُمَاثِلُهُ فِي مَعْرِفَةِ أَسْرَارِ هَذِهِ الصَّحْرَاءِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى النُّفُوذِ إِلَى أَغْوَارِهَا … حَتَّى عُرِفَ بَيْنَ الْعَرَبِ بِأَنَّهُ أَهْدَى (١) بَدَوِيٍّ بِرِمَالِ الصَّحْرَاءِ … وَأَدَلُّ النَّاسِ عَلَى طُرُقِهَا. * * * وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ إِذَا عَزَمَ عَلَى غَزْوِ قَوْمٍ؛ أَنْ يَسْتَحْضِرَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ … وَأَنْ يَمْلَأَهُ بِالْمَاءِ … وَأَنْ يَدْفِنَهُ فِي الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا تَطَؤُهَا قَدَمٌ فِي بَطْنِ الصَّحْرَاءِ. ثُمَّ يَشُنُّ غَارَتَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَيَسُوقُ الْإِبِلَ الَّتِي يَسْتَلِبُهَا (٢) أَمَامَهُ، وَيَمْضِي بِهَا إِلَى تِلْكَ الْمَفَاوِزِ (٣) الَّتِي لَمْ تُعْطِ سِرَّهَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ … فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا، وَأَوْغَلَ فِي مَتَاهَاتِهَا (٤) … كَفَّ أَصْحَابُهَا عَنْ مُطَارَدَتِهِ، وَعَادُوا أَدْرَاجَهُمْ؛ خَشْيَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ عَطَشًا أَوْ ضَيَاعًا. * * * وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ؛ بَعَثَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ

стр. 839

عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ (١) عَلَى رَأْسِ سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ طَيِّئٍ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَسْتَنْفِرَ (٢) مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْعَرَبِ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ لِقِتَالِ الرُّومِ … وَأَنْ يَسْتَأْلِفَ (٣) مَنْ لَمْ يُسْلِمُوا مِنْهُمْ حَتَّى لَا يَنْضَمُّوا إِلَى أَعْدَائِهِ … وَكَانَ فِي السَّرِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ جِلَّةِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا جَبَلَ طَيِّئٍ؛ عَمِيَتْ (٤) عَلَيْهِمُ الطُّرُقُ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ … فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَاتُوا لَنَا رَجُلًا خَبِيرًا يَكُونُ دَلِيلًا لَنَا فِي هَذِهِ الْمَفَاوِزِ. فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ الطَّائِيُّ؛ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْفَيَافِي (٥)، وَأَبْصَرُهُمْ بِمَسَالِكِهَا … فَدَعَوْا رَافِعًا وَاتَّخَذُوهُ دَلِيلًا لَهُمْ … * * * قَضَى رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ مَعَ هَذِهِ الصَّفْوَةِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ أَيَّامًا بِلَيَالِيهَا حَتَّى أَنْجَزُوا مَا أُمِرُوا بِهِ. فَرَأَى رَافِعٌ مِنْ كَرِيمِ شَمَائِلِهِمْ (٦)، وَنَبِيلِ خَصَائِلِهِمْ (٧)، وَسُمُوِّ هَدْيِهِمْ (٨) مَا زَرَعَ حُبَّهُمْ فِي قَلْبِهِ زَرْعًا … لَقَدْ وَجَدَهُمْ عُبَّادًا فِي اللَّيْل؛ فُرْسَانًا فِي النَّهَارِ … زُهَّادًا فِي الدُّنْيَا؛ رُغَّابًا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ.

стр. 840

فَكَانَ لَهُ مَعَهُمْ شَأْنٌ يَرْوِيهِ لَكَ رَافِعٌ بِنَفْسِهِ؛ فَيَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ خِلَالَ صُحْبَتِي لِلْقَوْمِ أَتَأَمَّلُهُمْ جَمِيعًا، وَأَتَفَرَّسُ مِنْهُمْ أَبَا بَكْرٍ خَاصَّةً، وَأَتَوَسَّمُهُ وَأُوثِرُهُ (١) بِاهْتِمَامِي عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِهِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ … فَلَمَّا عُدْنَا إِلَى الْمَنَازِلِ الَّتِي خَرَجْنَا مِنْهَا، وَأَوْشَكُوا أَنْ يُفَارِقُونَا؛ أَحْسَسْتُ أَنَّهُمْ سَيَغْدُونَ (٢) مَعَهُمْ بِقَلْبِي … فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَقُلْتُ: يَا رَفِيقَ الْخَيْرِ إِنِّي تَوَسَّمْتُكَ (٣)، وَاخْتَرْتُكَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ؛ فَاذْكُرْ لِي شَيْئًا إِذَا حَفِظْتُهُ كُنْتُ مِنْكُمْ وَمِثْلَكُمْ. فَقَالَ: أَتَحْفَظُ أَصَابِعَكَ الْخَمْسَ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: عُدَّ عَلَيْهَا: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ … وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ إِنْ كَانَ لَكَ مَالٌ … وَتَصُومُ رَمَضَانَ … وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. ثُمَّ قَالَ: هَلْ حَفِظْتَ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَاسْمَعْ مِنِّي:

стр. 841

إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ … وَأَمَّا الصَّلَاةُ؛ فَلَنْ أَتْرُكَهَا أَبَدًا … وَأَمَّا الزَّكَاةُ؛ فَإِنْ يَكُ لِي مَالٌ أُؤَدِّهَا … وَأَمَّا رَمَضَانُ؛ فَسَأَصُومُهُ مَا حَيِيتُ … وَأَمَّا الْحَجُّ؛ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَحُجَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. * * * وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ طَوَى لِصُّ الصَّحْرَاءِ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ تِلْكَ الصَّفْحَةَ السَّوْدَاءَ مِنْ حَيَاتِهِ، وَفَتَحَ الصَّفْحَةَ الأُخْرَى … الصَّفْحَةَ الْمُشْرِقَةَ بِنُورِ الْإِيمَانِ … الْمُتَلَأْلِئَةَ بِضِيَاءِ الْقُرْآنِ. * * * لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ نَبَأَ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ … فَإِلَيْكَ طَرَفًا مِنْ نَبَئِهِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ … سَيَّرَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ جَيْشًا مُكَوَّنًا مِنْ أَرْبَعِ فِرَقٍ؛ لِغَزْوِ الرُّومِ فِي بِلَادِ الشَّامِ. فَانْدَفَعَ الْجَيْشُ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُحَرِّرُ الْبِلَادَ، وَيَهْدِي الْعِبَادَ … وَيَرْفَعُ فِي كُلِّ أَرْضٍ تَطَؤُهَا قَدَمَاهُ صَوْتَ الْأَذَانِ؛ لِيُعْلِنَ لِلنَّاسِ أَنَّ عَهْدَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْقَيَاصِرَةِ قَدِ انْقَضَى، وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ … حَتَّى بَلَغَ مَشَارِفَ (١) دِمَشْقَ، ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ حِمْصَ فِي أَوَاسِطِ سُورِيَّةَ. * * *

стр. 842

لَمْ يَكُنِ الرُّومُ يَحْسِبُونَ حِسَابًا لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَأْبَهُونَ (١) لَهُ؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ يُلْحِقُ بِهِمُ الْهَزِيمَةَ تِلْوَ الْهَزِيمَةِ، وَيُهَدِّدُ جُنْدَهُمْ بِالْفَنَاءِ … حَشَدُوا جُيُوشَهُمْ فِي "أَنْطَاكِيَةَ" (٢)، وَاسْتَقْدَمُوا النَّجْدَاتِ مِنْ أَطْرَافِ الدَّوْلَةِ "الْبِيزَنْطِيَّةِ" (٣)؛ حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُمْ مِئَتَانِ وَخَمْسُونَ أَلْفَ مُحَارِبٍ … ثُمَّ دَفَعُوا بِهَذَا الْجَيْشِ الْعَرَمْرَمِ اللَّجِبِ (٤) فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَمَضَى يَسْتَرِدُّ الْبِلَادَ الَّتِي فَقَدَهَا الرُّومُ، وَيُهَدِّدُ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَنَاءِ … فَطَيَّرَ (٥) الْمُسْلِمُونَ رُسُلًا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ يَصِفُونَ لِلْخَلِيفَةِ الْمَوْقِفَ، وَيَقُولُونَ: الْغَوْثَ … الْغَوْثَ … وَالْعَجَلَ … الْعَجَلَ … * * * كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ (٦) - إِذْ ذَاكَ - فِي الْعِرَاقِ عَلَى رَأْسِ جَيْشِهِ الْكَبِيرِ الْفَاتِحِ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ يَأْمُرُهُ بِالتَّوَجُهِ تَوًّا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِنَجْدَةِ الْجَيْشِ الْمُهَدَّدِ بِالْفَنَاءِ … وَيُبَصِّرُهُ بِالْكَارِثَةِ الَّتِي تُوشِكُ أَنْ تَحُلَّ بِالْمُسْلِمِينَ … فَاسْتَجَابَ خَالِدٌ لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، وَمَضَى بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ صَنَادِيدِ (٧) الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرِ الطَّائِيُّ … لِيَكُونُوا مَدَدًا لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي الشَّامِ. * * *

стр. 843

لَقَدْ كَانَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَصِلَ بِجَيْشِهِ إِلَى سُورِيَّةَ فِي أَقْصَرِ وَقْتٍ … وَأَنْ يَسْلُكَ طَرِيقًا يَتَجَنَّبُ فِيهِ مُوَاجَهَةَ الرُّومِ حَتَّى لَا تَحُولَ دُونَهُ وَدُونَ الاِلْتِقَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَجَعَلَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ: مَنْ لِي بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟!. فَقَامَ إِلَيْهِ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ الطَّائِيُّ وَقَالَ: أَنَا لَكَ بِهَا أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ: وَكَيْفَ؟. فَقَالَ: نَقْطَعُ الصَّحْرَاءَ ابْتِدَاءً مِنْ "قَرَاقِرَ"، وَمُرُورًا "بِسِوَى" و"أَرَاكَ"، وَانْتَهَاءً "بتَدْمُرَ" (١) … فَإِذَا نَحْنُ خَلْفَ حِمْصَ فِي أَوَاسِطِ بِلَادِ الشَّامِ؛ حَيْثُ تُرَابِطُ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ … فَيْفَاجَأُ بِنَا الرُّومُ؛ فَلَا يَدْرُونَ إِنْ كُنَّا هَبَطْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ نَبَعْنَا لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ. فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَيْفَ لَنَا بِالْمَاءِ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ الْمُقْفِرَةِ؛ وَمَعَنَا عِشْرُونَ أَلْفَ نَسَمَةٍ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَجَوَادٍ؟!. فَقَالَ: مَا دَامَ اللَّهُ مَعَنَا؛ فَأَنَا لَكَ بِهِ. * * * اسْتَشَارَ خَالِدٌ أَصْحَابَ الرَّأْيِ مِنْ مُقَدَّمِي الْجَيْشِ؛ فَقَالُوا:

стр. 844

لَا تَفْعَلْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ فَالْمَسَافَةُ بَيْنَ "قَرَاقِرَ" وَ"سِوَى" لَا تُقْطَعُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ لَيَالٍ … وَهْيَ مَفَازَةٌ لَا مَاءَ فِيهَا، وَلَا مَسَالِكَ … وَإِنَّ اجْتِيَازَهَا عَلَى الرَّاكِبِ الْفَرْدِ يَكَادُ يَكُونُ مُحَالًا؛ فَكَيْفَ بِهَذَا الْجَيْشِ الْكَبِيرِ؟! … فَلَا تُعَرِّضْ نَفْسَكَ وَنُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْهَلَاكِ. فَقَالَ خَالِدٌ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا يَخْتَلِفَنَّ هَدْيُكُمْ (١)، وَلَا يَضْعُفَنَّ يَقِينُكُمْ … وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَعُونَةَ مِنَ اللَّهِ تَأْتِي عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ … وَأَنَّ الْأَجْرَ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ … وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي (٢) أَنْ يُبَالِيَ بِشَيْءٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ مَعُونَةَ رَبِّهِ … ثُمَّ إِنَّ رَافِعَ بْنَ عُمَيْرٍ مَعَنَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يَجْهَلُ رَافِعَ ابْنَ الصَّحْرَاءِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ! لَا بُدَّ مِنْ هَذَا؛ فَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولٍ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتِنْقَاذِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الرُّومِ. فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنِ اسْتَجَابُوا لَهُ طَائِعِينَ؛ وَقَالُوا: أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ الْخَيْرَ؛ فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ. فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَافِعٍ، وَقَالَ: افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ يَا رَافِعُ. فَقَالَ رَافِعٌ: ائْتِنِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ بِعِشْرِينَ نَاقَةً عِظَامًا سِمَانًا مَسَانَّ (٣). فَأُتِيَ لَهُ بِهِنَّ …

стр. 845

فَعَمَدَ إِلَيْهِنَّ رَافِعٌ؛ فَأَعْطَشَهُنَّ … فَلَمَّا أَجْهَدَهُنَّ الْعَطَشُ أَوْرَدَهُنَّ الْمَاءَ؛ فَشَرِبْنَ حَتَّى امْتَلأْنَ. ثُمَّ قَطَعَ مَشَافِرَهُنَّ (١)، وَرَبَطَ عَلَى أَفْوَاهِهِنَّ حَتَّى لَا يَجْتَرِرْنَ (٢)، ثُمَّ حَمَّلَ هَذِهِ النُّوقَ مَا تُطِيقُ حَمْلَهُ مِنَ الْمَاءِ؛ فَأَصْبَحَ الْمَاءُ فِي بُطُونِهَا وَعَلَى ظُهُورِهَا. * * * وَانْطَلَقَ الْجَيْشُ الْعَتِيدُ، وَجَعَلَ يُغِذُّ (٣) السَّيْرَ بِخُيُولِهِ وَأَثْقَالِهِ. فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلًا؛ قَامَ رَافِعٌ إِلَى النُّوقِ وَذَبَحَ أَرْبَعَةً مِنْهَا. فَأَخَذَ مَا فِي كُرُوشِهَا (٤) مِنَ الْمَاءِ، وَمَزَجَهُ بِلَبَنِهَا وَسَقَاهُ الْخَيْلَ … وَسَقَى الْجَيْشَ مِمَّا عَلَى ظُهُورِهَا مِنَ الْمَاءِ. * * * فَلَمَّا أَتَمَّ الْجَيْشُ الْمَرْحَلَةَ الْخَامِسَةَ مِنْ مَرَاحِل سَيْرِهِ، وَاسْتَنْفَدَ (٥) سَائِرَ مَا لَدَيْهِ مِنَ الْمَاءِ … وَأَصْبَحَ عَلَى رَافِعٍ أَنْ يَدُلَّ الْجُنْدَ عَلَى مَصَادِرِهِ. شَاءَ اللهُ أَنْ يُصَابَ رَافِعٌ بِالرَّمَدِ حَتَّى وَرِمَتْ عَيْنَاهُ؛ فَغَدَا لَا يُبْصِرُ شَيْئًا .... فَأَتَى إِلَيْهِ خَالِدٌ وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا رَافِعُ … لَقَدْ ذَبَحْنَا النُّوقَ جَمِيعَهَا، وَنَفِدَ الْمَاء كُلُّهُ، وَشَارَفَ الْجَيْشُ عَلَى الْهَلَاكِ .... فَقَالَ: انْظُرُوا لَعَلَّكُمْ تَرَوْنَ جَبَلَيْنِ عَلَى هَيْئَةِ ثَدْيَيْنِ … فَأَطْلَقَ خَالِدٌ بَصَرَهُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، ثُمَّ قَالَ:
следующие страницы →